الفضاء العمومي وسؤال الحرية جدل هابرماس وهونيث وفريزر: من التواصل إلى مأسسة الاعتراف
Public Space and the Question of Freedom: the Habermas, Honneth, and Frasier Debate
الملخّص
تبحث هذه الدراسة في الفضاء العمومي ومسألة الحرية، من خلال العودة إلى نظرية الفعل التواصلي لدى يورغن هابرماس ومراجعاته لنظرية الفضاء العمومي، في ضوء النقد الذي واجهته هذه النظرية. وإضافة إلى ذلك، تقدّم الدراسة رؤيته لدور الديمقراطية التداولية في علاقتها بمطلب الحرية. وتتعرض الدراسة للتحيين النسقي لبردايم الاعتراف مع أكسل هونيث، ومسألة إﺗﻴﻘﺎ اﻟﻨﻘﺎش، مع ما يمكن أن تُوفّره أشكال الاعتراف لديه من آفاق للتحرر والتخلص، وفقًا لما سماهُ الفيلسوف بـ "الباثولوجيات الاجتماعية". وفي السياق نفسه، تُقدّم هذه المساهمة قراءة فيما دوّنته نانسي فريزر حول مأسسة الاعتراف، والبحث عن بلورة علاقة بين التوزيع العادل للمنافع الاقتصادية والاعتراف الثقافي. ولا بد من أن نقر في هذا السياق بأننا لا نسعى في هذه الدراسة إلى تقديم مقارنة أو مُفاضلة بين المقاربات الثلاث المذكورة، بقدر ما نستعرض تطوُّر مفهوم الاعتراف نسقيًّا، وتحولات الفضاء العمومي في ظل بروز حركات اجتماعية جديدة، وفاعلين جُدد يتشاركون الفضاء العمومي ومطلب الحرية.
Abstract
Abstract: This study investigates the public sphere and the question of freedom, reviewing Jürgen Habermas’ theory of communicative action and his revisions to the oft critiqued theory of public sphere. Furthermore, the paper presents Habermas’ conception of the relationship between deliberative democracy and the demand for freedom. It then Take up the work of Axel Honneth and the recognition paradigm in critical theory, the question of discourse ethics, and the prospects for emancipation and elimination of social pathologies
- الفضاء العمومي
- التواصل
- الاعتراف
- مأسسة الاعتراف
- الحرية
- Public Sphere
- Communication
- Recognition
- Institutionalization of Recognition
- Freedom
السياق نفسه، تُقدّم هذه الدراسة قراءة فيما دوّنته نانسي فريزر حول مأسسة الاعتراف،
والبحث عن بلورة عاقة بين التوزيع العادل للمنافع الاقتصادية والاعتراف الثقافي. ولا بد من أن نقر في هذا السياق بأننا لا نسعى في هذه الدراسة إلى تقديم مقارنة أو مُفاضلة
بين المقاربات الثاث المذكورة، بقدر ما نستعرض تطوُّر مفهوم الاعتراف نسقيًّا، وتحولات
الفضاء العمومي في ظل بروز حركات اجتماعية جديدة، وفاعلين جُدد يتشاركون الفضاء
العمومي ومطلب الحرية.
A Public Law Student and Researcher in Political Philosophy. Member of the Research and Studies Unit of the Center for Mediterranean and International Studies. Tunisia.
activiste83@gmail.com
offered by forms of recognition. In the same vein, Nancy Fraser wrote about the institutionalization of recognition and the relationship between cultural recognition and the equitable distribution of wealth. This paper does not draw a comparison of the three approaches mentioned, but rather reviews the evolution of the concept of systematic recognition, and the transformations of the public sphere in light of new social movements and actors who share the public sphere and share the demand for freedom.
مقدمة
يتردّد سؤال الحرية في سياق الفلسفة السياسية المعاصرة من منطلق أنّ التفكير في السياسية يعني في جانب منه "التمكّن من الحقيقة التاريخية – السياسية في مُجملها"، كما يتعرّض
سؤال الحرية أيضًا لإشكالية السياسية للدولة الحديثة، وضُروب العاقات والمبادئ القائمة بين السلطة والأفراد والمؤسسات من داخلها، وذلك ضمن آليات ووسائط، تُحاول الأخذ بمشروع فلسفي سياسي، يستجيب لتحولات المجتمعات المعاصرة، ويقف على نقيضٍ من تلك "الباثولوجيات الاجتماعية" Pathology Social، التي شوّهت المشروع السياسي للحداثة، ويقطع مع "عدم إدراك الحاجات
والمصالح الحقيقية في المجتمعات الرأسمالية الراهنة". وفي هذا السياق، يتعرّض بردايم الحرية
في الفلسفة السياسية إلى إعادة تحيين نسقي، من أجل الاستجابة إلى ما طرأ من "تبدُّل في النظم التقليدية للحركة الاجتماعية والسياسية، وهيمنة الأشكال العَلمانية للقوى السياسية ونُظم السلطة"، مثل الأشكالِ الجديدة للممارسة السياسة، والانتظام حول الأنساق الثقافية وقضايا البيئة والجندر والمهاجرين والمُهمّشين، وبرُوزِ فاعلين جُدد وحركات اجتماعية، تُعيد تشكيل الفضاء العمومي
Sphere Public في ضوء مقاربتها للفعل السياسي، وفهمها لأدوارها الاجتماعية والثقافية والسياسية، وذلك وفق فهرس ممارسة جديد، يُدمج قضايا الذات والعالم والآخر، ومسائل التواصل والاعتراف والتفاهم، في إطار فضاء عمومي مُتحوّل ومُتعدد الأبعاد. إنّ جُملة هذه التحولات التي "شلّت الفلسفة السياسية جُزئيًّا"، أعادت النقاش إلى ذروته من
خال طرح السؤال المركزي حول الحرية، وذلك في ظل غياب التواصل وفقدان الاعتراف داخل
(((حنة آرنت، ما السياسة؟ أسبابها وتداعياتها، ترجمة نادرة السنوسي (بيروت: دار الروافد؛ الجزائر: دار ابن النديم، 2019)، ص.34 (((مصطفى الحداد، "من الإجماع إلى المنازعة أو رانسيير ضد هابرماس"، في: مصطفى الحدّاد [وآخرون]، الماركسية الغربية
وما بعدها؛ التأسيس والانعطاف والاستعادة، علي عبود المحمداوي (محرر)، تقديم أم الزين بن شيخة المسكيني (بيروت: منشورات ضفاف؛ الجزائر: منشورات الاختاف، 2014)، ص.278 (((باسم علي خريسان، ما بعد الحداثة: دراسة في المشروع الثقافي الغربي (دمشق: دار الفكر، 2006)، ص.58 (((للمزيد، ينظر: آلان تورين، براديغما جديدة لفهم عالم اليوم، ترجمة جورج سليمان (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، (((المرجع نفسه، ص.19
الدولة الليبرالية الحديثة، وعدم التفطن إلى تسرُّب تلك الأشكال الجديدة من التفاعات والعاقات والأنساق داخل الفضاء العمومي. ومن هذه الزاوية، تكتسي أعمال الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس Habermas Jürgen أهمية بالغة في عاقة بمشروعه حول الفضاء العمومي، وما تضمّنه من إعادة جرد وتحيين للمفاهيم المتصلة بما بعد "الدولة – الأمة" لإجابة عن سؤال الحرية. وفي السياق عينه، يظهر تجاوز الفضاء العمومي "الإطار الوستفالي" بصيغته الهابرماسية، مع نانسي فريزر Fraser Nancy، دعمًا لإجابة، وتمحيص دقيق لماهية "النظام السياسي والاقتصادي المسؤول عن إنتاج الحقيقة". في هذا السياق، تظهر بجاء مساهمات مدرسة فرانكفورت Schule Frankfurter للنظرية الاجتماعية والفلسفة النقدية، في تفكيك سطوة العقل الأداتي Rationality Instrumental المهيمن على الدولة الليبرالية الحديثة، ونقد نظريات فلسفة التنوير Philosophy Enlightenment. وتُحيل الدراسة أيضًا إلى كتابات فريدريش هيغل (الشاب) Hegel Friedrich (1831–1770) (محاضرات جامعة جينا Jena Universität)، الحاضر بقوة في تنظيرات هابرماس حول مفهوم التذاوت Intersubjectivity ونظرية العقل التواصلي Action Communicative of Theory The. ويُسترجع سؤال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط Kant Immanuel (1804–1724) حول ماهية التنوير is What Enlightenment?. وتمييزه بين الاستعمال الخاص والاستعمال العمومي للعقل. هذا التمييز الذي ساهم إسهامًا كبيرًا في نحت مفهوم الفضاء العمومي لدى هابرماس، ومناقشته من خال إسهامات كارل أوتو آبل Apel Karl–Otto (2017–1922)، وبول ريكور Ricœur Paul (2005–1913)، وخاصة فريزر في مسألة تأصيل الاعتراف من وجهة نظر ثقافية، لتجاوز المفارقات الأنطولوجية Ontological Paradox حول الذات والآخر والعدالة وغيرها. يظهر الفضاء العمومي على نحو يتداخل فيه الفعل السياسي لتأطير الممارسة السياسية بواسطة الإشهار La publicité، بتوجيه الرأي العام L’opinion publique، بحيث تصير العمومية معيارًا لكل تفكير يحكم الفعل الإنساني، وقضايا العدالة، والحق، والسلطة، والقوة، والعنف، والواجب، والشرعية والمشروعية. ومن ناحية أخرى، ما يعنيه الفعل التواصلي وما يفرضه من أخاقيات للمناقشة، والتداول من أجل الإجماع أو التنازع، من وجهة نظر هابرماس، وإعادة تأصيل الاعتراف داخل الفضاء العمومي، في أبحاث فريزر. وبهذا المعنى أصبح التفكير في السياسة، مشروطًا بالتفكير في الفضاء العمومي "الواقعي" منه و"الافتراضي"، وخاصة مع "تفكك النموذج المعولم الذي حرّر مساحات سياسية"، وفرض التفكير في القطيعة بين النظام والفاعلين/ الدولة – المواطنين، وسيطرة أنساق جديدة وجدت لنفسها إحداثيات داخل الفضاء العمومي.
(6) Michel Foucault , Dit et écrit (1954–1988) , vol. 2 (1954–1975) (Paris: Gallimard, 1988), p. 1566.
(((تورين، ص.110
أولا: هابرماس: التواصل والفضاء العمومي
أسَّس هابرماس نظريته السياسية، من خال العودة إلى مسألة الحداثة، وفحص إشكالياتها اللغوية والسياسية والثقافية، التي تهم العالم الذاتي والعالم الموضوعي والعالم الاجتماعي. وعلى هذا الأساس، يُبنى التمفصل بين المجال العام والمجال الخاص في الفلسفة السياسية لديه، عبر استبدال
فلسفة التاريخ بفلسفة الواقع، ونقد أنموذج الإنتاج وعاقات التبادل في المرحلة الرأسمالية الصناعية، بديا من "خطاب الحداثة الذي لم يتناول منذ أواخر القرن الثامن عشر سوى موضوع واحد تحت أسماء مختلفة، تتحدّث عن شلل العاقات الاجتماعية والتملُّك والتفكك، وعن تشوُّهات الممارسة اليومية المُعقلنة أحادية الاتجاه". ومن هذا المنطلق، تُمكّن مراجعات هابرماس لمقولات الحداثة وتوظيف بردايم التواصل من "صوغ تصوُّر عن العقانية غير مرتبط أو مُقيّد بالمسلمات الفردانية والذاتية، التي استندت إليها الفلسفة الحديثة". وإضافة إلى ذلك، "يرسم تصوُّرًا للمجتمع يتكون من مستويين هما: 'العالم المعيش' و'عالم النسق'. ويعرض لنظرية نقدية عن الحداثة تسمح بشخيص أمراضها وتحليلها على نحو يُعيد توجيه مشروع الأنوار الجهة الواعدة". ويُؤسس هابرماس لمشروع إعادة تحيين مفاهيم الحداثة – باعتبارها مشروعًا لم يكتمل بعد – من خال الاستفادة من فلسفة الأخاق الهيغلية التي تأسست على مفهوم الصراع من أجل الاعتراف Recognition for Struggle The، وعرض ديالكتيك العمل بما هو ترجمة للعاقة الأداتية بين الإنسان والطبيعة، وديالكتيك التفاعل الذي يُعبّر عن العاقة بين الذوات من خال الصّراع المُفضي إلى الاعتراف والاعتراف المُتبادل، وديالكتيك التمثيل المعني بالذات. ويُؤسس هيغل لهذه العاقة التواصلية من خال "إدخال الفعل التواصلي بوصفه وسيلة من أجل عملية تكوُّن الوعي الذاتي للروح". لا تنفصل هذه الاستفادة من الدرس الهيغلي في عاقة بردايم التواصل، عن التشييد الفلسفي الكانطي للفضاء العمومي الكوني، الذي يُمكن "تصوُّره أنه دولة المواطنة الإنسانية والتي نجدها واضحة في نصوص كانط، ولا سيما في موضوعة السام العالمي وقانون الشعوب"؛ إذ يُفرد كانط الفضاء العام
(((يورغن هابرماس، القول الفلسفي للحداثة، ترجمة فاطمة الجيوشي (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1995)، ص.220
(9) David O’Donnell & Philip O’Regan & Brian Coates, "Intellectual Capital: A Habermasian Introduction," Journal of Intellectual Capital , vol. 1, no. 2 (June 2000), pp. 187–200.
((1(يعتبر هابرماس أن الحداثة مشروع لم يُستنفد بعد، إذ إنها لم تفرز سوى نمط واحد من العقانية، هو العقانية الأداتية، في
مقابل عقانيات أخرى ممكنة. وهو في ذلك، يقف على النقيض من أطروحات ما بعد الحداثة، وخاصة جان فرانسوا ليوتار Jean–
François Lyotard (1924–1998)، الذي دشّن هذا المبحث في كتابه حالة ما بعد الحداثة (1979)، وأعلن نهاية ما أسماه "سرديات كبرى" (الفيبرية – الماركسية والفرويدية). ينظر:
Jürgen Habermas, "La modernité: Un projet inachevé," G. Raulet (trad.), Critique , vol. 37, no. 413 (Octobre 1981); Jean François Lyotard, La condition post–moderne (Paris: Edition de Minuit, 1979).
(1((يورغن هابرماس، العلم والتقنية كأيديولوجيا، ترجمة حسن صقر (برلين: منشورات الجمل، 2003)، ص.20 (1((علي عبُّود المحمداوي، الإشكالية السياسية للحداثة: من فلسفة الذات إلى فلسفة التواصل (بيروت: منشورات كلمة، 2015)،
ص.37–36
بمهمة سياسية تكمن في "التعبير عن درجة من الاكتمال الضروري للحق المدني والعمومي". وانطاقًا من هذه المنعطفات الفلسفية، يتصوّر هابرماس مشروعه السياسي الذي يقوم على التفكير في إعادة النظر في مُخرجات العقل الأداتي؛ فقدان المعنى والحرية بتعبير ماكس فيبير Weber Max (1920–1864)، أو التشيؤ في كتابات جورج لوكاتش Lukacs Georg (1971–1885)، وذلك من خال إدماج العقانية التواصلية كتعبير عن أولوية "العملي – الأخاقي" على "المعرفي – التجريبي"، أو أولوية "العملي على النظري". يقوم الفعل التواصلي بدايةً على الاستفادة النقدية من فلسفة اللغة مع بول غرايس Grice Paul (1988–1913) وجون سيرل Searle John، وجون أوستن Austin John (1960–1911)، ولودفيغ فيتغنشتاين Wittgenstein Ludwig (1951–1889)، ورودولف كارناب Carnap Rudolf (1970–1891) وآخرين؛ ومن ثمة، الاستعانة بالتفاعلية الرمزية مع جورج هربرت ميد Mead Herbert George (1931–1863)، بحيث لا تُؤدي اللغة في هذه العملية التواصلية "وظيفة الوسيط، إلى الوصول إلى التفاهم ونقل المعرفة الثقافية، فحسب، بل إنها تُؤدي أيضًا إلى التحويل الاجتماعي للأفراد وللتكامل الاجتماعي". ينشأ التواصل، بحسب هابرماس، من أجل عقلنة السياسة، وتجاوز الهيمنة على الفعل الاجتماعي، بحيث يُعاد "تشكيل الإرادة السياسية وتكوين الرأي العام وتقوية المجتمع المدني. وهذه كلها عناصر من المُؤمل أن تُشكّل فرصة لاقتراب السلطة من المواطنين بعد انفصالها عن العالم المعيش، وانحسارها في أنساق مُغلقة تُمثّل أجهزة فوقية مُتشيّئة". ويُؤكّد هابرماس على فقدان الرأي العام لوظيفته النقدية واستقاليته، والهيمنة التي يخضع لها الأفراد، في ظل أنظمة شمولية سيطرت على الفضاء العمومي وعلى السياسة، وصهرت المجال الذي يشمل الدولة ومؤسساتها من جهة، والميدان الخاص الذي يتصل بالحياة الشخصية للأفراد وحقوقهم المدنية، من جهة أخرى. وانطاقًا من هذا التشوُّه الأخاقي والتواصلي، يتصور هابرماس فكرة "الفضاء العمومي في ضوء تداولياته الصورية أو الكليّة التي طوّرها في سبعينيات القرن الماضي، وفي ضوء نظريته السياسية التي شرع في العمل عليها في تسعينيات القرن الماضي"؛ إذ تطوّرت مقاربته للفضاء العمومي، تحت تأثير تناقضات الرأسمالية الغربية، ومُراجعاته للنظرية السياسية التي تُكثّف تساؤلاته حول الديمقراطية التمثيلية. يقصد هابرماس بالفضاء العمومي "مج لً من مجالات حياتنا الاجتماعية، يتشكّل فيه شيء يقترب مما نُسمّيه الرأي العام، ويكون الوُلوج إلى هذا المجال مُتاحًا ومضمونًا بالنسبة إلى
(1((مصطفى حنفي، "هابرماس والإرث السياسي الكانطي"، في: مصطفى حنفي [وآخرون]، فلسفة الحق عند هابرماس (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2008)، ص.37
(14) Jürgen Habermas, The Theory of Communicative Action , vol. 2: Lifeworld and System: A Critique if Functionalist Reason , Thomas McCarthy (trans.) (Boston: Beacon Press, 1985), pp. 23–24.
((1(عبد العلي معزوز، "دولة الحق ونظرية ﺍﻟﻤﻨﺎﻗﺸﺔ: قراءة ﻓﻲ الفكر ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ والحقوقي عند هابرماس"، في: مصطفى حنفي [وآخرون]، ص.110
المواطنين كافة". ويُسجّل الفضاء العمومي حضوره في أعمال حنة أرندت Arendt Hannah (1975–1906)، وجون ديوي Dewey John (1952–1859)، ووالتر ليبمان Lippmann Walter (1974–1889). ويتبنّى هابرماس أطروحات أرندت حول السياسة والفضاء العام والتعددية، من خال تطابق مفهوم انتصار الإنسان العامل على الإنسان الخاّق، والموقف من الحداثة باعتبارها عصر الإدارة البيروقراطية، بدلً من الفعل والسياسة، وهيمنة النخب والتاعب بالرأي العام، مع التصور الهابرماسي. إن كانت أرندت قد بلورت موقفها الفلسفي حول السياسة والفعل انطاقًا من تحديد "لحظات التمزق" بتعبير والتر بنديكس شونفليس بنيامين Benjamin Schönflies Bendix Walter (1940–1892)، فإن هابرماس لا يقف عند حدود العقل الأداتي بتصوُّره المنجز الوحيد والنهائي للحداثة؛ بل يعتبر هذا العقل أحد ممكنات الحداثة من جُملة ممكنات أخرى، ويمكن تجاوزه بواسطة العقل التواصلي الذي يتشكّل "انطاقًا من قواعد معيارية ولغوية تحصل في المجال العام للدخول إلى الحيّز السياسي وإنجاز مشروعه في تأسيس السياسة على بُعد عقاني تواصلي"، كما يهتم بفكرة أرندت حول مسألة التفاعل الإنساني بواسطة اللغة، من خال أعمالها حول السياسة وتحليلها لمفهوم العمل عند أرسطو Aristote (843 ق.م – 223 ق.م)، وتُمثّل فكرة المجال العام ومشكلة الهيمنة عليه وفق تصور أرندت، إحدى الأطروحات التي غذّت اهتمام هابرماس بموضوع الفضاء العمومي بوصفه "حلقة الوصل بين المجتمع المدني والدولة". إذا كان الفضاء العمومي من منظور هابرماس "صندوقًا رنّانًا للمشكات الاجتماعية الشاملة، ومُتلقّيًا للذبذبات التي تبعثها العوالم الخاصة المعيشة"؛ فإنّ نشأة هذا الفضاء تاريخيًا، قد انطلقت من جهة تشييده الأركيولوجي Archaeology في القرن السابع عشر. أما فلسفيًّا، فقد تبلورت فكرة الفضاء العام لدى هابرماس في كتابه: الفضاء العمومي أركيولوجيا الإشهار باعتباره مكوّنًا أساسيًا للمجتمع البرجوازي؛ إذ كان لهذا الفضاء دلالاته الثقافية والسياسية والاجتماعية التي أدّى فيها الإشهار والرأي العام أدوارًا مُهمة بوصفه صورة أوليّة للنقاش الحر التعددي.
(16) Jürgen Habermas, Sara Lennox & Frank Lennox, "The Public Sphere: An Encyclopedia Article (1964)," New German Critique , no. 3 (Autumn 1974), pp. 49–55.
(1((ديفيد فونيسكا، "أثر هابرماس في الفقه الدستوري المعاصر"، مجلة القانون العام وعلم السياسة، العدد 6 (2007)، ص.1147–1146 (1((جون إهرنبرغ، المجتمع المدني: التاريخ النقدي للفكرة، ترجمة علي حاكم صالح وحسن ناظم (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008)، ص.410 (1((حوار يورغن هابرماس مع جاك بولين المنشور في: إيريك كيساسي، الديمقراطية والمساواة، ترجمة جهيدة لاوند (بيروت: معهد الدراسات الاستراتيجية، 2006)، ص.81
(20) Jürgen Habermas, L’espace public: Archéologie de la publicité comme dimension constitutive de la société bourgeoise , De M. B. de Launay (trad.) (Paris: Payot, 1993).
1. الفضاء العمومي ومطلب الحرية
اتخذ الفضاء العمومي البرجوازي، بوصفه "فضاء تجمع الأفراد الخواص في جمهور عام"، دلالات متنوعة، تشمل ما هو سياسي، ويعني نمط اجتماع "الأفراد – المواطنين" وتنظيم الحيّز السياسي
والاقتصادي؛ بحيث كان هذا الفضاء (فضاء المجتمع المدني) مج لً لتبادل السلع والبضائع وحل مشكات التوزيع. وهو يشمل، أيضًا، مختلف عاقات الإنتاج والاستعمال والتبادل، وطبيعة اشتغالها؛ تحررًا أم اغترابًا، إضافة إلى الدور الثقافي من خال الإنتاجات الرمزية واللغوية والأدبية وحركة الصالونات الثقافية، وأدور الثقافة، استنادًا إلى فكرة النقاش المفتوح داخل الفضاء العمومي، حول القضايا التي تنقلها الصحف؛ ومن ثمّ، "يُعلّق الناس على الأخبار الواردة من الجرائد، وكل فرد يُعطي رأيه وتبريره". ساهم الإشهار في تشكيل رأي عام "يُطالب بهذا الفضاء العمومي المنظم من طرف السلطة، ولكن ضد هذه السلطة نفسها". وانفرد الفضاء العمومي البرجوازي بدلالة إتيقية تعني في جانب منها قواعد النقاش والحجاج التي يتطلبها الاستعمال العمومي للعقل، إضافة إلى الدور الأنطولوجي الذي يعني تمتُّع الفرد بكامل حريته التي تنسجم مع العقل، من أجل تنظيم هذا المجال تنظيمًا مُحكمًا يجعله متأرجحًا بين المجتمع والدولة. لم يكن الإشهار داخل الفضاء العمومي البرجوازي، في خدمة المشاركين في النِّقاش (المواطنين)،
بقدر ما كان وسيلة لتوجيهٍ وهيمنةٍ وسيطرةٍ على العقل العمومي، بحيث يبيّن هابرماس كيفية اختراق
شكلين من أشكال العمومية للمجتمع الأوروبي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. فالأولى عمومية نقدية حاملة لرأي عام نقدي. والثانية عمومية دعائية خاضعة لوسائل الإعام الرسمية، ومُوجّهة من طرف الدولة لكل المواطنين وفق أغراضها. من هذه الزاوية، واستنادًا إلى أعمال
أرندت، في تمييزها بين العمومي والخاص، وفكرة هيمنة الدولة الكُلّي على الفضاء العمومي، من خال صعود الأنظمة الشمولية في النصف الأول من القرن العشرين، وما رافقها من مقاربات فلسفية انطلقت مع مدرسة فرانكفورت، في عاقة بمراجعة مُخرجات العقل الأداتي والعاقات بين الدولة والأفراد، وسقوط مشروع التنوير؛ يُؤكّدُ هابرماس على فقدان الفضاء العمومي البرجوازي لوظيفته التي تشكّلت تاريخيًا، مستفيدًا من نقد فريزر وآبل وغيرهم. وفقدَ الرأي العام كذلك وظيفته
النقدية وأصبح في الإمكان التاعب به. وكل ذلك أثّر في "حرية الإنسان بدلً من أن يجعل هذه الحرية تنمو وتزدهر". يعرض هابرماس، في كتابه الفضاء العمومي أركيولوجيا الإشهار باعتباره مكوّنًا أساسيًا للمجتمع البرجوازي، البنية العامة للفضاء العمومي البرجوازي والقوى الاجتماعية المُشكّلة له.
(21) Ibid., p. 67.
(2((نور الدين علوش، المدرسة الألمانية النقدية: نماذج مختارة من الجيل الأول إلى الجيل الثالث (بيروت: دار الفارابي، 2013)، ص.65
(23) Habermas, L’espace public , p. 67. (24) Gordon Finlayson, Habermas: A Very Short Introduction (Oxford: Oxford University Press, 2005), p. 13.
الشكل (1) البنية الهرمية للفضاء العمومي البرجوازي والقوى الاجتماعية المُشكّلة له
المصدر: محمد عبد السام الأشهب، أخلاقيات المناقشة في فلسفة التواصل لهابرماس (عمّان: دار ورد للنشر والتوزيع، 2013)،
ص 172 (بتصرف).
أبانت إشكاليات الدولة الليبرالية الحديثة عن تناقضات عميقة بين المطلب الديمقراطي من جهة، ووجود رأي عام يتفاعل داخل الفضاء العمومي مع الدولة والقضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى. كان لجُملة التحولات الاجتماعية والثقافية تأثيرها العميق في مسائل التذاوت وتحقيق
الاعتراف بأشكاله المُتعددة، بحيث يعترض ذلك تناقضان رئيسان؛ أولهما يتعلق بتسييس الدولة وتحييد
الجمهور، في حين يتعلق ثانيهما بتسييس الجمهور وتحييد الدولة. ولحل هذه الإشكاليات السياسية، يقترح هابرماس إعادة التفكير في الفضاء العمومي، من خال الديمقراطية التداولية التي قد تُسهم في تجديد مطلب الحرية.
2. الديمقراطية التداولية وإعادة التفكير في الفضاء العمومي: نحو تجديد مطلب الحرية
لم يعد الفضاء العمومي البرجوازي قادرًا على تأدية وظيفته، و"اجتياحه إما من قبل الدولة أو من قبل النسق الاقتصادي، وبالتالي انعدام إمكانية وجود الديمقراطية دونما إعادة بناء المجال العام، ومن دون العودة إلى الجدل السياسي الحر والمستقل". لقد عرفت الفلسفة السياسية لدى هابرماس، إعادة تحيين نسقي من خال الانشغال بمسألة الديمقراطية، باعتبارها تُمثّل سببًا للفضاء
العام ونتيجةً له. فبإعادة التفكير في ممكنات أخرى للشكل الديمقراطي المُهيمِن، يُحاول هابرماس "إعادة تفعيل السيادة الشعبية للمواطنين عبر مناقشات حرة، ديمقراطية داخل الفضاء العمومي، وذلك عبر ثاث مراحل، تهم الصراع الذي يضع الأطراف المتنازعة في الواجهة، والتراضي الذي يسمح بتعايش الأطراف المتنازعة، والإجماع الذي يُحيل إلى التوجهات الثقافية المشتركة بين هذه الأطراف". خضع تصور هابرماس للفضاء العمومي لتحويرات عديدة بفضل النقد الذي صاغته فريزر لهذا الفضاء في مقالها "إعادة التفكير في الفضاء العمومي"، وتصورها له كفضاء عام "وستفالي "، وبفضل تطويره لنظرية الفعل التواصلي والديمقراطية التشاورية. وقد ضمنت إعادة بناء الفضاء العمومي – من وجهة نظر هابرماس – "إعادة الرقابة على الممارسة السياسية عن طريق العمل التواصلي الذي يُمارسه الرأي العام داخل الفضاء العمومي". ورغم التغييرات التي أدخلها هابرماس على مفهومه للفضاء العمومي، والصلة العميقة التي تربطه بالديمقراطية، فإنه قد حافظ، من وجهة نظر ديفيد ميل، على ثاثة عناصر رئيسة ظلّت حاضرة في أعماله؛ وتشمل هذه العناصر المساطر التي يعتمدها التواصل داخل الفضاء العمومي، والمصالح التي يتناولها النقاش العمومي والتشاور العقاني باعتباره مصدر المشروعية. وبناءً على ذلك، يستند التواصل داخل الفضاء العمومي إلى عقانية تواصلية تستند هي
نفسها إلى بنية أخاقية. وهنا يظهر تأثير آبل من خال أعماله المتعلقة بأخاقيات النقاش والمسؤولية التي تقوم على النديّة في الحوار وفكرة العالم المعيش.
(2((آلان تورين، ما الديمقراطية؟ دراسة فلسفية، ترجمة عبود كاسوحة (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 2000)، ص.259 (2((عز الدين الخطابي، أسئلة الحداثة ورهاناتها: في المجتمع والسياسية والتربية (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون؛ الجزائر: منشورات الاختاف؛ دبي: مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، 2008)، ص.74
(27) Nancy Fraser, "Rethinking the Public Sphere: A Contribution to the Critique of Actually Existing Democracy," Social Text , no. 25–26 (1990), pp. 109–142.
((2(تُطلق تسمية صلح وستفاليا، أو سامُ وستفاليا، على معاهدة السام المُبرمة في سنة 1648 التي أنهت حرب الثاثين عامًا
Thirty Years’ War بين فرنسا وألمانيا أو الإمبراطورية الرومانية المقدسة. أرست هذه الاتفاقية نظامًا جديدًا في أوروبا يقوم على مبدأ
سيادة الدول. ((2(كيساسي، ص.78
(30) David Van Mill, Deliberation , Social Choice and Absolutist Democracy (London: Routledge, 2006).
3(((كارل أوتو آبل، التفكير مع هابرماز ضد هابرماز، ترجمة عمر مهيبل (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون؛ الرباط: المركز الثقافي العربي؛ الجزائر: منشورات الاختاف،.)2005
في سياق مُراجعاته لنظريّة الفضاء العمومي، يُقدّم هابرماس تَصوُّرًا حول تشكُّل هذا الفضاء في فرنسا وألمانيا وإنكلترا؛ إذ مثّلت الثورة الفرنسية، من وجهة نظره، "قادحًا لتسيس الفضاء العمومي
الذي كان مُغرقًا في الأدب والنقد الفنّي". وفي السياق نفسه، يتبنّى هابرماس أطروحات المؤرخ البريطاني جيوفري إيلي المتعلقة بتشكُّل الفضاء العمومي في إنكلترا؛ من خال "دراسة تكوُّن الطبقات الاجتماعية، والتعبئة الثقافية، وبُروز بنى تواصليّة عمومية جديدة في إطار المنظمات التطوعية
التي تشكّلت في القرن الثامن عشر، والليبرالية الشعبيّة التي ميّزت إنكلترا في القرن التاسع عشر".
ويعرض هابرماس، أيضًا، أطروحة هانز أولريش ويلر المتعلقة بتشكّل الفضاء العمومي في ألمانيا؛ إذ إنّ هذا الفضاء "تجاوز مع نهاية القرن الثامن عشر، حلقات العلماء وأصبح يضُم الأهالي إلى جانب البرجوازية". وتُمثّل هذه الأطروحات التي يُقدّمها هابرماس المرتبطة بتشكُّل الفضاء العمومي، جزءًا من المراجعات التي تأتي في سياق النقد الذي واجهه التصور الهابرماسي للفضاء العمومي،
واعتباره "مثاليّة غير مُبرّرة" بتعبير إيلي. وينتبه هابرماس إلى ما أسماه "الديناميكية الداخليّة للثقافة
الشعبيّة"، من خال أطروحة ميخائيل باختين Bakhtine Mikhaïl المتعلقة بالثقافة الشعبية في
العصر الوسيط وإبّان عصر النهضة، وهي ديناميكيّة تُفسّر تشكُّل الثقافة المُهيمنة وتراتُبيّة السلطة
ومواجهتها. وبناءً على النقد الذي واجهه التصور الهابرماسي للفضاء العمومي، يُقدّم هابرماس قراءة جديدة
تُعنى بتحوُلّات هذا الفضاء، بحيث يُكثّفها في ثاث مراجعات أساسية. يتعلّق العنوان الأول لهذه المراجعات بما أسماه "الطفرات البنيويّة التي شهدها الفضاء العمومي، توازيًا مع تحوُلّات الدولة والاقتصاد". ويُبيّن هابرماس أيضًا تأثير هذه الطفرات في خلق نوع من الضغط يضمن
الحريات داخل المجتمع، باعتباره فضاءً للتبادل الاقتصادي. وقد أدّت هذه التحوُلّات داخل
المجتمعات المعاصرة، بحيث يُهيمن النسق الاقتصادي، إلى ظهور ثاثة تمايُزات، يُفسّرها هابرماس كما يلي: "أولً، الفضاء الخاص والأسس الاجتماعية للملكية الخاصة. ثانيًا، بنية الفضاء
العمومي وتركيبته. ثالثًا، مسار الشرعية الديمقراطية". وفي الإطار نفسه، يشمل العنوان الثاني
(32) Jürgen Habermas, "L’espace public, 30 ans après," Quaderni , no. 14 (Automne 1992). (33) Ibid., p. 163. (34) Geoffrey Eley, "Nations, Publics and Political Cultures. Placing Habermas in the Nineteenth Century," in: Nicholas B. Dirks et al. (eds.), Culture/ Power/ History (Princeton: Princeton University Press, 1994). (35) Habermas, L’espace public , pp. 163–164. (36) Hans–Ulrich Wehler, Deutsche Gesellschaftsgeschichichte (Munich: C. H. Beck, 1987). (37) Habermas, L’espace public , p. 163. (38) Ibid., p. 164. (39) Ibid., p. 166.
(4((ميخائيل باختين، أعمال فرانسوا رابليه والثقافة الشعبية في العصر الوسيط وإبّان عصر النهضة، ترجمة شكير نصر الدين
(بيروت: منشورات الجمل،.)2015
(41) Habermas, L’espace public , p. 168. (42) Ibid., p. 170.
"التصوُّرات الحديثة لمفهوم الحق الطبيعي ونظريات الفلسفة الأخاقية، وتحوُلّات المجتمع
المدني الذي كان دائمًا ضدّ السلطة العمومية (الحكومة)، باعتبارها فضاء خاصًا جدًّا". أما ثالث
العناوين، فهو "تغيُّر البنية الأساسية للفضاء العمومي مع شكل المُنظّمات، التوزيع والاستهاك". أحالت هذه المراجعات إلى صياغة تصوُّر جديد للفضاء العمومي من جانب بنيته وأدواره وعاقاته بالحرية
والسياسة والديمقراطية التداولية. وقد أصبحت أخاقيات العالم المعيش، كما صاغها هابرماس، "مفاهيم ذات أبعاد سياسية مثل الحرية الفردية والعدالة والمساواة والحق في المشاركة"، ووقع دمج المجتمع كنسق وكعالم معيش في نظرية الفعل التواصلي، من أجل تسييس المجتمع، مع التأكيد على الربط بين دولة القانون والديمقراطية. في هذا السياق، يُقدّم هابرماس نموذجًا تداوليًّا يُساهم في تأدية "الفضاء العمومي
لمهمة مزدوجة؛ أن يقيَ نفسه أولً من الاتجاهات الاستعمارية للنظم الاقتصادية، وأن يُغذّي فيما بعد،
هذه النُظم نفسها وفق المنطق التواصلي". وقد أدّت هيمنة النسق الاقتصادي إلى انفصال دولة القانون عن الممارسة الديمقراطية، وفرض ذلك ضرورة إعادة عقلنة النظام أو النسق الذي يتجلى في الاقتصاد والسياسة، بتعبير ماكس فيبر. وفي هذا الإطار، مثّلت الديمقراطية التداولية إحدى حلقات العقلنة التي يطرحها هابرماس في سياق إعادة "فتح" الفضاء العمومي أمام الرأي العام، وحيث يكون "الارتباط بين البنى الفوقية والبنى التحتية في الأطوار الحاسمة عندما ينتقل مجتمع ما إلى مستوى جديد من التحرر". وفي نقد هابرماس للدولة الحديثة ونظامها الديمقراطي، يُعقّب على تناقضات العقد الاجتماعي كما تصوّره جون
جاك روسو Rousseau Jacques – Jean (1778–1712)، حيث وجدت الدولة الرأسمالية في فكرة العقد الاجتماعي، من وجهة نظر هابرماس، "تبريرًا وشرعنةً لسلطتها التي تلتزم بتحقيق مشروعها ورهانها الأصلي
الذي وُجدت من أجله، والمتمثل في تشريع وتبرير وتحصين الاستغال الرأسمالي لإنسان الحديث". ومثّل هذا العقد الاجتماعي، التبرير الفلسفي والسياسي للهيمنة والاستغال من خال الوظيفة السياسية للدولة، المتمثّلة في الديمقراطية التمثيلية، التي تُعبّر عن "رأسمالية مُنفلتة"، تفرض إعادة تأويل العقد
الاجتماعي، ضمن مسار نقدي يفحص نظرية جون رولز (2002–1921) في العدالة، ويُعقّب على مقاربة يوشا كوهين (1994–1919) في مسألة الديمقراطية التداولية. في هذا السياق، يُفضي التصور الهابرماسي للديمقراطية التداولية إلى اعتماد نظرية "النقاش على البينذاتية
(43) Ibid. (44) Ibid., p. 172. (45) Seyla Benhabib, "In the Shadow of Aristotle and Hegel: Communicative Ethics and Current Controversies in Practical Philosophy," Philosophical Forum , vol. 3, no. 1, 1989, p. 23.
((4(فونيسكا، ص.1447 (4((يورغن هابرماس، بعد ماركس، ترجمة محمد مياد (بيروت: دار الحوار، 2002)، ص.80 (4((بلقاسم كريسعان، إعادة بناء مفهوم الديمقراطية عند هابرماس، تقديم محمد نجيب بوطالب (تونس: دار سحر للنشر، 2022)، ص.140
(49) Melkevik B., Droit et agir communicationnel: Penser avec Habermas (Paris: Buenos Books Internationnel, 2012). (50) John Rawls, Théorie de la justice , G. Audard (trad.) (Paris: Seuil, 1987). (51) Jean L. Cohen & Andrew Arato, Civil Society and Political Theory (Cambridge: MIT Press, 1994).
العليا لمسارات التفاهم التي تتحقق عبر المسارات الديمقراطية أو في شبكة تواصل الفضاء العمومي السياسي". صاغ هابرماس مشروع الديمقراطية التداولية ضمن تصوُّر يقوم على تمفصل القيم الأخاقية
في نظرية النقاش، ويظهر هذا التصوُّر من وجهة نظر آلبن بوفيي Bouvier Alban في "حاشية برنامج
لتأسيس إتيقا النقاش على العقل"، وقد حملت هذه الحاشية، مقاربة لمبدأ النقاش الذي يختصره هابرماس في النقاش الأساسي الأخاقي، الذي جرى تطويره فيما بعد في كتاب القانون والديمقراطية، في شكل ديمقراطية تداولية، تتجاوز من جهة، التصور الليبرالي الذي يعتبر أن الحقوق السياسية لا تعدو أن تكون حقوقًا ذاتية، بحيث يحقق المواطن مصلحته الشخصية في إطار القانون وفي ظل حماية الدولة. ومن جهة ثانية، التصور الجمهوري الذي يعتبر أن الإرادة وتشكُّل الذاتية، يتحققان من خال التواصل العمومي. يجمع هابرماس بين هذين النموذجين (الليبرالي والجمهوري)، من خال اقتراح نموذج إجرائي، يشترط أن يكون تطبيق البرامج السياسية خاضعًا لإرادة المجتمع. وبذلك، يرفع هابرماس القانون والبرنامج السياسي إلى منزلة التعبير الأسمى عن إرادة المواطنين، وفي هذا ابتعاد عن الشكانية القانونية وربطٌ للقانون بأبعاده الأخاقية. ويبتعد هابرماس عن التصور "الأوتوبيوتيكي" الذي يُؤكد على انفصال القانون والأخاق، واستقالهما من وجهة نظر نيكاس لوهمان Luhmann Niklas)1998–1927(، بحيث يشتغل كل نسق بمعزل عن النسق الآخر. وتُمثّل الدولة، من وجهة نظر هابرماس، أحد مكونات النسق السياسي، وتتألف من مجموعة من الأنساق المؤسساتية. ويوجد داخل النسق السياسي تقسيم للعمل يُمكّن من التمييز بين هذه المؤسسات، حيث يؤدّي بعضُها دورًا تداوليًّا، ويُساهم في تشكيل الرأي
العام مثل البرلمانات. ويظهر البعد الأخاقي في فلسفة هابرماس التداولية، أيضًا، من خال تأكيده على حرية الذات وعدم خضوعها للهيمنة. أما البعد العلمي، فيتجلّى في نموذج تداولي يقوم على إضفاء الطابع العلمي على السياسة، وذلك عبر الجمع بين القيم المُوجّهة للفعل والتقنيات المُساعدة على تنفيذه، وكذلك من خال مُناقشة "الوظيفة المُزدوجة للتقدم العلمي كقوة إنتاج وكأيديولوجيا". يُقدّم هابرماس في كتاب القانون والديمقراطية شروط التداول ضمن الفضاء العمومي، وهي: "أن يعتمد النقاش على الحجاج، وأن يكون شاما وعموميًّا، وأَّلَّ يتعرّض لأيّ شكل من الضغوط الخارجية أو
الداخلية، وأن يشمل جميع المواضيع، وأن ينتهي إلى قرارات بحسب قاعدة الأغلبية، وأن يكون التداول مُتعلّقًا بتأويل الحاجات وتغيير المواقف والخيارات شبه السياسية". ويتّخذ هذا التداول مسارًا نظاميًا
ضمن الهيئات البرلمانية لدولة القانون، ومسارًا آخر غير نظامي يكون ضمن الفضاء العمومي الذي تشغله
(52) Jürgen Habermas, Droit et démocratie , De R. Rochlitz & C. Bouchindhomme (trad.) (Paris: Gallimard, 1997), p. 323. (53) Alban Bouvier, " Démocratie délibérative , démocratie débattante , démocratie participative , Revue européenne des sciences sociales ," vol. 45, no. 136 (2007), p. 6.
((5(أوتوبيوتيكي: مفهوم صاغه البيولوجي والفيلسوف التشيلي هامبرتو ماتورانا Maturana Humberto (2021–1928) ليُشير إلى
دورة إعادة الإنتاج الذاتي داخل الخايا الحية. توسّع هذا المفهوم ليشمل كل الأنساق التي تشتغل بالطريقة نفسها. (5((ينظر: نيكاس لومان، مدخل إلى نظرية الأنساق، ترجمة يوسف فهمي حجازي (برلين: منشورات الجمل،.)2010 (5((يورغن هابرماس، العلم والتقنية كأيديولوجيا، ترجمة حسن صقر (برلين: منشورات الجمل، 2003 ص)،.54
(57) Habermas, Droit et démocratie , pp. 330–331.
القوى المدنية، إضافة إلى أنه يُشدّدُ على أهمية مأسسة النقاش لضمان نجاح الديمقراطية التداولية؛ إذ "لا تربط نظرية النقاش نجاح السياسات التداولية بوجود مجموعة من المواطنين القادرين على الفعل معًا، ولكن بمأسسة الإجراءات والشروط المائمة للتواصل عبر الجمع بين تداول داخل المؤسسات ورأي عام يتشكّل بطريقة غير نظامية". من خال مأسسة الإجراءات والشروط التي تضمن التداول ونجاح الديمقراطية التداولية، يتخلّص الرأي العام من الدعاية والتضليل والاستعراض التي كانت تُمارس هيمنتها داخل الفضاء العمومي البرجوازي. ثم إنها تضمن عدم انحراف الممارسة السياسية نحو الفوضى والعنف، خاصة مع أزمات الديمقراطية التمثيلية التي أبانت عن تناقضات حادة تمظهرت في صراعات بين الرأي العام، مُمثّا في قوى احتجاجية، مدنية وسياسية، تقف على النقيض من الدولة وخياراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإشكاليات ما بعد الدولة – الأمة، وبروز قضايا الجندر والنسوية والبيئة وغيرها. وإذ يُمكّن هذا الاحتجاج داخل الفضاء العمومي من أن تنهل الدولة من "سياقات التواصل الذي يجري في هذا الفضاء وتظل مُرتبطة به"، في سياق آخر يهم مسألة التداولية، يعود هابرماس إلى مسألة الشرعية والمشروعية، في نقد لأطروحة فيبر حول المشروعية التي تتأسس على العقل العملي. وإذ وحدها "الأنظمة السياسية من تمتلك أو تفقد المشروعية"، وذلك لأنه من أجل ضمان مشروعية نظام ما، يجب توافُر نوعين من الضمانات؛ يتعلق أولهما بطريقة تُحيل إلى العاطفة أو الدين، في حين يتعلق ثانيهما بالنتائج، يُعيد هابرماس دمج القانون بأبعاده الأخاقية، ويطرح من خال ذلك إمكانية خلق حالة من التوازن التي تُمكّن الفاعلين داخل الفضاء العمومي من قدرة متزايدة على التأثير، والمساهمة في اتخاذ القرار، على نحو يجعل من المجتمع المدني "قادرًا على ممارسة التأثير الضروري لتغيير المؤسسات التشريعية والتنفيذية عبر حشد الرأي العام". بهذا الشكل، "تتقاطع مسائل الشرعية والمجتمع المدني والثقافة السياسية والعيش المشترك، وهي تُمثّل النقاط المركزية للسياسة التداولية لدى هابرماس". ومن خال ما يمكن تسميته "عقلنة السياسة تداوليًّا"، يُمأسس هابرماس النقاش في الفضاء
العمومي، ويتجاوز تناقض تسييس الدولة وتحييد الجمهور، أو تسييس الجمهور وتحييد الدولة؛ إذ يستخلص مقاربة تتمثّل في أن تقوم الدولة بوظائفها، على أن يكون ذلك تحت رقابة الجمهور. وتُعيد هذه المقاربة فتحَ مساحات أمام الجمهور من أجل المشاركة في تدبير شؤون الدولة، من
خال النقاش والتداول داخل الفضاء العمومي، ومن ثم التحرر من الهيمنة والتضليل اللذين كانا يزاولَان داخل الفضاء العمومي البرجوازي. وبهذا، يكون الفضاء العمومي، بتعبير إلاريا كاسيلو،
(58) Ibid., p. 323. (59) Ibid., p. 379.
(6((هابرماس، بعد ماركس، ص.251 (6((للمزيد حول مسألة الدين والفضاء العام في فلسفة هابرماس، ينظر: يورغن هابرماس [وآخرون]، قوة الدين في الفضاء العام، ترجمة فاح حليم (بيروت: دار التنوير،.)2013
(62) Habermas, Droit et démocratie , p. 400. (63) Ferrarese Estelle, "Le conflit politique selon Habermas," Multitudes , vol. 2, no. 41 (2010), p. 198.
"فضاء للقاء عفوي أو مُبرمج، بحيث تلتقي الذوات المُتماثلة أو المختلفة لمناقشة القضايا السياسية
وفق منطق تحاوري مُعيّن، بُغية الوصول إلى إصدار قرار سياسي أو التعبير على موقف مُعيّن من قضية
سياسية مُعيّنة، أو من أجل تشكيل رأي عام حول موضوع مشترك يهم فئة معينة". تعرّضت مقاربة هابرماس للفضاء العمومي إلى نقد ساهم في تطويره لفلسفته التواصلية من جهة،
وفي توسيع حيّز هذا الفضاء لاستيعاب مسائل جديدة ذات أبعاد ودلالات ثقافية مختلفة، مثل النسوية
والجندر والاجئين وغيرها من القضايا، من جهة أخرى؛ إذ تعتبر أرليت فارج أن "الفضاء العمومي ليس نتاجًا للبرجوازية والنخبة الاجتماعية المُثقّفة فقط، بل شاركت في إنشائه الطبقات العاملة والنساء،
وغير ذلك". وفي هذا السياق، سيكون لإسهامات فريزر في عاقة بمسائل الجندر والنسوية وقضايا الثقافة، حيّز مهم في تدعيم مطلب الحرية داخل الفضاء العمومي.
ثانيًا: الفضاء العمومي: أولوية الاعتراف ومأسسته مع نانسي فريزر
تُقدّم فريزر تصوُّرًا نقديًا للفضاء العمومي البرجوازي كما تصوّره هابرماس. فقد حاولت أن تُبيّن، في
"إعادة التفكير في الفضاء العمومي"، إمكانية التأسيس لنظرية نقدية جديدة، والتفكير في فضاء عمومي مُغاير. وعلى النقيض من هابرماس، تُبيّن فريزر إمكانية وجود فضاءات عمومية أخرى؛ إذ "إن
المشكلة ليست فقط في أن هابرماس يجعل من الفضاء العمومي البرجوازي مثاليًّا، بل يفشل كذلك في
معالجة الفضاءات العمومية الأخرى المنافسة: الابرجوازية والاليبرالية". وتنفي فريزر عن الفضاء العمومي، بأشكاله المتعددة، العاقات خارج دائرة الصراع، إذ يُمثّل الصراع مسألة بنيويّة تعكس نوعًا
من الهيمنة الأيديولوجية التي تتخذ على سبيل المثال "شكل إقصاء المرأة من الفضاء العمومي"، على أنها لا ترفض فكرة الفضاء العمومي بصفة إطاقيّة، بل "تقبله من الناحية المعيارية، وتُسائله حول
قضايا المساواة بين المشاركين في النقاش، وتقديم الوحدة على تعددية الجماهير، وإشكالية التعارض بين الفضاء العام والفضاء الخاص، والفصل الصارم بين المجتمع المدني والدولة". وتعثر فريزر في أعمال ماري رايان المتعلقة ب "النساء في بالتيمور والفضاء العمومي" على ما يُفيد انبثاق الفضاء
العمومي البرجوازي، تزامنًا مع فضاءات أخرى لم يذكرها هابرماس، وتخص الفاحين ونساء النخبة والطبقة العاملة. لذلك، يبدو الفضاء العمومي الهابرماسي من وجهة نظر فريزر، غير مكتمل العناصر، أو مُغيّبًا لباقي الفضاءات التي تشكّلت تاريخيًا. ثمّ إن مسألة الإجماع داخل هذا الفضاء، ليست حتميّة
(64) Ilaria Casillo et al. (eds.), Dictionnaire critique et interdisciplinaire de la participation, GIS Démocratie et participation: DicoPart , 2 ème ed. (Paris: GIS Démocratie et Participation, 2022). (65) Arlette Farge, Dire et mal dire, l’opinion public au XVII siècle (Paris: Seuil, 1992). (66) Fraser. (67) Ibid., p. 115. (68) Ibid., p. 116.
(6((نور الدين علوش، فلسفة السلطة السياسية عند هابرماس (بيروت: دار الرافدين، 2016)، ص.92
(70) Mary Rayan, Women in Public Baltimore (Paris: Jhon Hopkins University Press, 1990).
على نحو يأمل هابرماس من خالها تحقيقها من خال النقاش، بل إن جوهر الفضاء العمومي يتمثّل أساسًا في الصراع الذي يُفضي إلى تسويات، من دون أن يضمن تحقيق الإجماع. وتتفق فريزر في هذا المستوى مع إيلي الذي يُصر على أن "الفضاء العمومي هو إطار مُنظّم، بحيث يجري فيه إنتاج الاحتجاج أو التفاوض الثقافي والأيديولوجي للجماهير المتعددة". من خال هذا المدخل النقدي الذي تطرحه فريزر للفضاء العام البرجوازي كما تصوّره هابرماس، تُؤكّد على رؤية مغايره لماهية الفضاء العمومي وأدواره وأشكال التعدد التي تخُص مختلف القضايا المطروحة، في ظل العولمة والتعددية الثقافية؛ وخاصة مع تحولات الدولة – الأمة، والهويات العابرة للأوطان، واكتساح الحركات الاحتجاجية للحيّز السياسي. وفي السياق نفسه، تُعيد النقاش حول القضايا الثقافية ومسائل العدالة وإعادة التوزيع، من أجل فك "القيود الداخلية"، بتعبير ويل كيمليكا Kymlicka Will، عن الفضاء العمومي، وتطرح قضية التفاعل بين الثقافة والاقتصاد والعدالة الاجتماعية. لذلك، تُعيد فريزر التفكير في الاعتراف، انطاقًا من أعمال هونيث، مع وقوفها على النقيض من موقفه القاضي ب "رفض فكرة وجود حركات اجتماعية جديدة، واعتبارها إنشاءات سياسية يجري فصلها بشكل مُصطنع عن مجموع الشكاوى والعذابات والاحتجاجات الصادرة عن فئات الشعب الأكثر تنوعًا ضد الظلم، كما بيّن
." La misère du monde بؤس العالم) في كتابه 2002–1930(Pierre Bourdieu بيير بورديو ستكون إعادة التفكير في الاعتراف من خال التركيز على الحق والقانون، مع إدراكها "تمفصل سياسات الاعتراف اليوم، داخل القضايا الاجتماعية للفضاء العمومي؛ ومن ثمّة، تكثُّف الفضاء العمومي بموجة نقد لسياسات الدولة حول الاعتراف باعتبارها مبنيّة على سياسات لاستيعاب وليست سياسات للتعددية". وفي هذا الإطار، تعمل سياسات الاعتراف "على استحضار الخصوصية الثقافية للمجموعات المُشكّلة للمجتمع المدني في المجال العمومي من جهة، واعتراف الدولة بالهويّة الثقافية للمجموعات فيها من جهة أخرى. وقد ارتبطت التعددية الثقافية بمسألة المواطنة أيضًا باعتبارها مُركّبًا مُهمًّا من مركّبات الدولة المواطنيّة التي تعترف بالثقافات المُختلفة، بُغية تعزيز قيم المُواطنيّة في صفوف أبناء هذه المجموعات، وكجزء من تطوير للحرية، يُفترض أن الهويّة مُركّب من مركّبات الحرية الفردية التي لا يمكن أن تُعبّر عن نفسها إلا في إطار مجموعة ثقافية".
(71) Nancy Fraser, Repenser la sphère publique: Une contribution à la critique de la démocratie telle qu’elle existe réellement Extrait de Habermas and the public sphere , Muriel Valenta (trad.) (Cambridge: MIT Press, 1992), pp. 109–142.
(7((ينظر: أكسل هونيث، التشيؤ: دراسة في نظرية الاعتراف، ترجمة وتقديم كمال بومنير (الجزائر: مؤسسة كنوز الحكمة، 2012)، الفصل الثالث "أولوية الاعتراف." (7((تورين، براديغما جديدة، ص.257 (7((محمد أمين بن جياني، "مأسسة الاعتراف عند نانسي فريزر: تحليل البنية الثقافية والاقتصادية لاعتراف"، مؤمنون ب حدود، 2020/6/23، شوهد في 2022/2/5، في: https://bit.ly/3CMR4b4 (7((مهند مصطفى، "سياسة الاعتراف والحرية: سجال وإطار نظري تحت طائلة الراهن العربي"، تبيّن، مج 5، العدد 17
(تشرين الأول/ أكتوبر 2016)، ص.78
من خال التفكير فيما يمكن تسميته "التحيين النسقي" لبردايم الاعتراف، انطاقًا من أعمال هونيث، تطرح فريزر ما تعتبره فلسفة تعددية تتعامل مع اختافات الأفراد، وتضمن حرياتهم داخل الفضاء العمومي، انطاقًا من مبدأ التعددية والاعتراف المُمأسس.
1. الفضاء العمومي والتحيين النسقي لبردايم الاعتراف
شكّل مفهوم الاعتراف لدى هونيث نقطة الانطاق في تركيز فريزر على مأسسة المفهوم، ونقله من لغة الخطاب في إطار عملية التواصل، إلى براكسيس Praxis. وتحوّلت مسألة الاعتراف في فلسفة فريزر، إلى مفارقة أنطولوجية تفرض البحث في أسئلة العدالة والهوية والجندر والثقافة، بوصف الاعتراف نفسه فعا سياسيًا. وعلى هذا الأساس، يُعاد البحث في مأسسة الاعتراف من خال التركيز
على الاقتصاد والتنمية والفعل الثقافي؛ بحيث لم يعد هذا المفهوم وفق فريزر "اختزاليًا على المستوى
الفردي والسيكولوجي والذاتي". وبذلك، يُمثّل بردايم الاعتراف لدى هونيث، نقطة التحول التي يقع عليها اشتغال فريزر بالتفكير في أركيولوجيا جديدة للفضاء العمومي مخالفة لتلك التي قدّمها هابرماس. وفي سياق استعراض ماهية الاعتراف وأشكاله وأدواره في عاقة بالفضاء العمومي ومطلب الحرية، ينطلق هونيث من الإرث النظري لمدرسة فرانكفورت. وذلك لمحاولة تدعيم النظرية النقدية، وتحيين بردايماتها المُتعلقة أساسًا بالاعتراف. يُريد هونيث من خال هذا التحيين النسقي، الاستجابة ل "مقتضيات الزمن الحاضر والظروف الراهنة
على الساحة العالمية اجتماعيًا وسياسيًا وأخاقيًا"؛ بحيث تتعلق مهمات النظرية النقدية، في ظل
الأوضاع الراهنة للمجتمعات المعاصرة، بمهمّة وصفية تسعى إلى تشخيص الباثولوجيات الاجتماعية
التي تُعرقل عملية التذاوت، اجتماعيًا وأخاقيًا، ومهمة معيارية تقوم على تحديد أشكال الحياة الاجتماعية
الناجحة. وتتقاطع هاتان المهمتان في نقطة التكامل بين "الطابع الوصفي والمعياري من الناحية النظرية، بحيث تظهر هذه الأخيرة كنظرية نقدية للمجتمع". ومن خال البحث في مُخرجات النظرية النقدية
لمدرسة فرانكفورت، يتعامل هونيث مع مفهوم التشيُّؤ عند جورج لوكاش ليُقدّم "تصورًا لعملية التشيؤ
بطريقة مغايرة"، وذلك من خال فحص العاقة بين التشيُّؤ من جهة، باعتباره يُشكّل "وضعًا أو
نمطًا من السلوك الجدّ مُتطوّر في المجتمعات الرأسمالية"، وفقدان الاعتراف، من جهة أخرى. وفي
((7(المرجع نفسه. ((7(عن عاقة أكسل هونيث بمدرسة فرانكفورت، ينظر:
Axel Honneth, La Société du mépris: Vers une nouvelle théorie critique , Olivier Voirol, Pierre Rusch & Alexandre Dupeyrix (trad.) (Paris: La Découverte, 2006).
((7(هونيث، ص.7
(79) Franck Fischbach et al. (eds.), Où en est la théorie critique? (Paris: La découverte, 2003), p. 171.
((8(هونيث، ص.69 (8((للمزيد حول مفهوم التشيؤ، يُراجع: جورج لوكاش، التاريخ والوعي الطبقي، ترجمة حنّا الشاعر (بيروت: دار الأندلس، ((8(هونيث، ص.36
ذلك، يُقيم هونيث مُقارنة بين التشيؤ والمشاركة الملتزمة – بتعبير مارتن هايدغر Heidegger Martin
(1976–1889) – ليستخلص ما يُفيد أن "التشيؤ يعني نسيان الاعتراف reconnaissance la de Oubli ".
وعلى أساس ذلك، تجري عملية التحيين النسقي لمفهوم الاعتراف الذي لا يتحقق من وجهة نظره، إلا من خال الصراع الاجتماعي، على النقيض من أطروحة هابرماس التي تتكثّفُ في نظرية الفعل التواصلي. كما يستفيد بردايم الاعتراف من التفاعلية الرمزية مع جورج هربرت ميد، وخاصة فيما يتعلق بفكرة "الآخر المعمم الذي يسمح بتحقيق التوافق التذاوتي"، ويُقدّم ثاثة نماذج معيارية متميزة لاعتراف. وتتبلور
هذه النماذج ضمن عاقات تذاوتية تُسهم في تحقيق الأفراد لذواتهم على نحو طبيعي، بوضع حد للصراعات الاجتماعية التي تقوم على السيطرة والهيمنة والظلم الاجتماعي. وتتوزع هذه النماذج على "الاعتراف في الحب، والاعتراف في الحق، والاعتراف في التضامن". يُعبّر الاعتراف في الحب عن
"عاقة تفاعلية مؤسسة على نموذج خاص لاعتراف المتبادل". أما الاعتراف في التضامن فهو ذلك "الشكل من الاعتراف الذي يُمكّن الفرد من تحقيق الذات". في حين أن الاعتراف في القانون (الحق)،
هو "ما يضمن للأفراد حريتهم واستقالهم الذاتي". الشكل (2) النماذج الثلاثة للاعتراف لدى أكسل هونيث
المصدر: من إعداد الباحث اعتمادًا على مقدمة بومنير: أكسل هونيث، التشيؤ: دراسة في نظرية الاعتراف، ترجمة وتقديم كمال
بومنير (الجزائر: مؤسسة كنوز الحكمة، 2012)، ص.8–7 (8((للمزيد حول مفهوم المشاركة الملتزمة، ينظر: مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، ترجمة فتحي المسكيني، مراجعة إسماعيل المصدق (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.)2012 ((8(هونيث، ص.73
(85) G. H. Mead, L’esprit, Le Soi et la Société , Jean Caseneuve (trad.) (Paris: PUF, 1963), p. 48. (86) Axel Honneth, "Reconnaissance," O. Mannoni (trad.), in: Monique Canto Sperber (ed.), Dictionnaire d’éthique et de philosophie morale (Paris: PUF, 1996), p. 1273.
((8(للمزيد، ينظر:
Axel Honneth, Reconnaissance et reproduction sociale , Michelle Lapierre & Emmanuel Renault (trad.) (Paris: Presses universitaires, 2008); Axel Honneth, La lutte pour la reconnaissance , Pierre Rusch (trad.) (Paris: Cerf, 2002).
((8(هونيث، ص.9 ((8(المرجع نفسه، ص.10 ((9(المرجع نفسه، ص.11
تُمثّل النماذج الثاثة لاعتراف، بحسب هونيث، جُملة التطلعات الأساسية المشروعة للفرد من الناحية الإتيقية. غير أن شروط النزاعات والصراعات الاجتماعية داخل المجتمعات المُعاصرة لم تجد طريقها نحو الحل في ظل تناقضات الدولة الليبرالية الحديثة، بحيث تشهد المجتمعات المعاصرة "تراجعًا أخاقيًا وقيميًا. فمبدأ تحقيق الذات خلق أمراضًا جديدة من قبيل الإحساس بالفراغ الداخلي والعدمية
والقلق؛ ذلك أن الضغط الهائل للنيوليبرالية يجبر الناس على التفكير في أنفسهم كمواد معروضة للبيع دائمًا. بحيث يجب أن نكون دائمًا مرنين ومتكيّفين". وتعمل هذه التناقضات على انتهاك شروط
الاعتراف بتعبير هونيث، بحيث "إذا لم يتحقق هذا الاعتراف، فإن المرء سيشعر – لا محالة – بالاحتقار، وهو الأمر الذي يُهدّد بإمكانية اندثار شخصيته وزوالها". وضمن هذا السياق، تتكثّف تجارب الاحتقار الاجتماعي – من وجهة نظر هونيث – في ثاثة أشكال. يتعلق الشكل الأول بازدراء أو احتقار يتعرض له الفرد من الناحية الجسدية. ويتعلق الأمر بأنواع العنف الجسدي الذي يتسبب في "فقدان ثقة الفرد في نفسه وفي المجتمع الذي يعيش فيه". أما الشكل الثاني، فيتعلّق بما يُصيب الفرد من انتهاك لاحترام الأخاقي، في عاقة "بسلب الفرد حقوقه السياسية والمدنية والاجتماعية. بحيث تتضمّن الحقوق المدنية ما يُسمّيه هونيث الحقوق السالبة التي تحمي حرية الفرد من الانتهاكات الامشروعة للدولة. أما الحقوق السياسية، فتدل على الحقوق الموجبة التي تضمن المشاركة في سيرورات تكوين الإرادة العمومية. في حين تتعلق الحقوق الاجتماعية بما يضمن للفرد نصيبه من التوزيع العادل للثروة". ويشمل الشكل الثالث من الاحتقار، ما يُعنوِنُه هونيث بالحكم على القيمة الاجتماعية للأفراد؛ بحيث يتعلق الأمر بالحكم السلبي الذي يُؤدّي إلى انعدام الثقة وغياب التقدير الاجتماعي. وتُؤدي أشكال الاحتقار الثاثة إلى ما أسماه هونيث "الموت أو الإماتة Mortification La "، التي "هي تعبير آخر عن الإذلال والمهانة". وتشمل هذه الإماتة ما يلي: • الإماتة النفسية والعاطفية: من خال التعذيب والوصم، وهي تُحيل إلى فقدان الشخص للثقة بنفسه. • الإماتة الاجتماعية: من خال الإقصاء والتهميش وحرمان الأفراد من حقوقهم، أو حالات الامرئيّة
الاجتماعية sociale Invisibilité. وذلك بفعل القوانين التميزيّة على أساس العرق أو الدين وغيرها. • الإماتة القيميّة والأخلاقية: وتتعلّق بالتقدير الاجتماعي المُشوّه أو المُنعدم، وهي تجري من خال تجاهل مؤهات الأفراد، ومن خال الحط من مساهماتهم في المجتمع، عبر إطاق الأحكام السلبيّة
على نحو يُسيئ إلى قيمهم وأخاقهم.
(9((أكسل هونيث، "مغامرة الصراع مع القيم العالمية، حوار مع ألكسندرا لافاستين"، ترجمة نور الدين علوش، مؤمنون ب حدود، 2020/1/11، شوهد في 2022/10/10، في: https://bit.ly/3g5x36m
(92) Honneth, La société du mépris , p. 193.
(9((الزواوي بغورة، الاعتراف من أجل مفهوم جديد للعدل: دراسة في الفلسفة الاجتماعية (بيروت: دار الطليعة، 2012)، ص.177 (9((بول ريكور، سيرة الاعتراف: ثلاث دراسات، ترجمة فتحي إنقزو، مراجعة محمد محجوب (تونس: المركز الوطني للترجمة، 2010)، ص.248 (9((بغورة،.178 ص
ضمن معايير كونية وإنسانية.
فقدان كل شكل من أشكال الاعتراف.
| أاشكال الاعتراف | نوع العلاقات العاطفية المُحققة لالاعتراف | مجالات تحقيق اااإلذات | أشكال الإنكار ورفض الاعتراف، الازدراء والاحتقار والإذلال | أنماط الإماتة La Mortification |
|---|---|---|---|---|
| الحب | عاقات عاطفية (الحب، والصداقة، وغيرهما) | اإإالثقة بالنفس | الإنكار العاطفي والجسدي (الإهانات والعنف بأشكاله المختلفة، والوصم، والتجريح، والاغتصاب، وغير ذإلك) | الإماتة النفسية، العاطفية والجسديّة |
| القانون | توفير الحقوق (الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية والمدنية، وضمان مرئيّة الفرد) La visibilité | اإإاحترام الذات | الإنكار القانوني (الحرمان من الحقوق المختلفة، والإقصاء، والتهميش، وحالات الامرئيّة، وإغير ذلك) | الإماتة الاجتماعية |
| التضامن | التقدير الاجتماعي، الاندماج ا الاجتماعي | تإاقدير الذات | الإنكار الاجتماعي (الحط من قيمة الأفراد ومن قدُراتهم ا وإأمُؤهاتهم) | الإماتة القيميّة والأخاقية |
ص.151
يُقدّم هونيث تصورًا لبناء عاقات الاعتراف الذي يمرُّ عبر ثاثة أنواع (الحب، والقانون، والتضامن)،
لمواجهة الاحتقار الاجتماعي، وذلك ضمن أفق أخاقي يضمن الاستقال الذاتي للأفراد وكرامتهم
ويتضمّن الجدول (1) أشكال الاعتراف بحسب هونيث، ونوع العاقات المُحقّقة لكل شكل منه، إضافة إلى مجالات تحقيق الذات، وأشكال رفض الاعتراف، وأنماط الإماتة التي يتعرض لها الفرد مع
الجدول (1) أشكال الاعتراف وأنواع علاقاته لدى هونيث
المصدر: محمد بوعبد الله، "سوسيولوجيا الاعتراف لمواجهة مشاكل العنف والجور الاجتماعي"، إضافات، العدد 40 (2017)،
من خال ما تقدّم، يكون تصوُّر بنية عاقات الاعتراف الاجتماعي لدى هونيث على النحو التالي: الجدول (2) بنية علاقات الاعتراف الاجتماعي لدى هونيث
| التقدير الاجتماعي Estime sociale | الاحترام الإدراكي Considération cognitive | العناية بالذات Sollicitude personnelle | صيغة الاعتراف Mode de reconnaissance |
|---|---|---|---|
| القُدرات والمُؤهلات Capacités et qualités | المسؤولية الأخلاقية Responsabilité morale | المُؤثّرات والحاجات Affect et besoins | الأبعاد الشخصية Dimension personnelle |
| العلاقات الاجتماعية Communauté de valeur (solidarité) | العلاقات القانونية Relations juridiques (droit) | العلاقات الأوليّة Relations primaires (amours, amitié) | أشكال الاعتراف Forme de reconnaissance |
| الفردانية، المساواة Individualisation, Egalisation | التعميم، التجسيد Généralisation, Concrétisation | التطوير المُحتمل Potentiel de développement | |
| تقدير الذات Estime de soi | احترام الذات Respect de soi | الثقة بالنفس Confiance en soi | العلاقة مع الذات Relation pratique à soi |
| الإذلال والإهانة Humiliation et onffense | الحرمان من الحقوق والإقصاء Privation de droit et exclusion | القمع والعنف Sévices et violences | أشكال الاحتقار Forme de mépris |
| الشرف والكرامة Honneur, Dignité | الاندماج الاجتماعي Intégrité sociale | الاندماج الجسدي Intégrité physique | أشكال الهوية المُهددة Forme d’identité menacée |
المصدر: من إنجاز الباحث، اعتمادًا على:
Charles Ramond, "Le retour des sentiments moraux dans les théories de la reconnaissance, de la grammaire morale des conflits sociaux à la grammaire des sentiments moraux," Hal SHS , 15/2/2012, accessed on 28/2/2023, at: https://bit.ly/3Ljm9aX
تعدّدت المداخل الفلسفية والاجتماعية والنفسية التي حاول هونيث توظيفها لإعادة بناء مفهوم الاعتراف وتحيينه. فقد وظّف مفاهيم الامرئية الاجتماعية L’invisibilité Sociale والعمل والعدل والأيديولوجيا، وغيرها. ففي كتاب مجتمع الاحتقار: من أجل نظرية نقدية جديدة، وتحديدًا في الفصل السابع منه المعنون ب "الامرئية من خال إبستيمولوجيا الاعتراف"، يعتمد هونيث على أعمال موريس ميرلوبونتي Maurice Merleau–Ponty (1908–1961)، وخاصة مؤلفه المرئي واللامرئي، لتفسير الهيمنة التي تقوم على التفوُّق الاجتماعي. تحدُث هذه الامرئية الاجتماعية رغم وجود قوانين
تكفلُ حقوق الأفراد، غير أن الامرئية تجري من خال الوصم الاجتماعي والسلوكيات التي تُعبّر عن
(9((ينظر: موريس ميرلوبونتي، المرئي واللامرئي، ترجمة عبد العزيز العيادي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2008
الاحتقار والتجاهل والازدراء المُعبّر عنه بالاعتراف المُشوّه. ويجري الانتقال من الامرئية Invisibilité
إلى المرئية Visibilité من خال الاحترام المتبادل، وتجاوز أشكال الاحتقار. في جانب آخر، يتحدّث هونيث عما أسماه "الجانب الأيديولوجي لاعتراف"، مُوظّفا مقاربات لويس ألثوسير Althusser Louis
(1990–1918) في عاقة بتمييزه بين العلم والأيديولوجيا؛ إذ إن الأيديولوجيا تتصف بالخطأ والزيف من وجهة نظر ألثوسير. ومن هذا المدخل، يعتبر هونيث أن الاعتراف المُشوَّه يتطابق مع الأيديولوجيا
بالمعنى الذي يُقدّمه ألثوسير، ويقود هذا النوع من الاعتراف إلى التماثل مع النظام وتغذية الهيمنة
والإخضاع وفقدان الحرية. من خال الاعتراف المتبادل وتحقيق الذات والاستقالية والحرية، تكتمل أشكال الاعتراف وشروطه، في مواجهة أشكال الاعتراف أو الاحتقار التي تحدث داخل الفضاء العمومي. ويُبلور
هونيث تصوُّرًا مُغايرًا لأطروحة هابرماس حول الفضاء العمومي نفسه، على نحو يتعارض مع هذه
الأخيرة في مستوى إمكانيات التطبيق الإمبريقي، وينقُد عدم التنصيص في نظرية هابرماس على شروط المشاركة في الفضاء العمومي. وينطلق هونيث من فكرة الصراع من أجل الاعتراف في الحياة الاجتماعية المشتركة، ليقف عند تناقضين رئيسين، يحطّمان تماسك نظرية هابرماس. تتعلق هذه التناقضات ب "شروط المشاركة في الشأن العام، وبآليات الاستبعاد والسيطرة في الفضاء العمومي الديمقراطي". وعلى هذه الشاكلة، لا يمكن أن تكون المشاركة في الشأن العام مُنعزلة عن شروط
الحرية وعدم الهيمنة والسيطرة والتوجيه داخل هذا الفضاء، بحيث تستبق هذه الشروط، إتيقا النقاش التي حدّدها هابرماس للتواصل وعملية التفاهم. ولا يمكن أن تكون شروط المشاركة في الفضاء العمومي مضمونة أيضًا، إلّ "إذا كانت للذوات في الوقائع إمكانية حقيقية للظهور في الفضاء العمومي على نحو مستقل ومن دون إكراه". في معرض حديثه عن الإكراهات التي تحدث داخل الفضاء العمومي، يطرح هونيث فكرة "اتجاهات الصناعة الثقافية في الفضاء العمومي الديمقراطي، المُتمثّلة في انتقاء موضوعات وأوضاع النزاع وفق
منظور، ووفق وجهة نظر الجدة أو الآثار الإعامية التي تُنتجها". يبدو الفضاء العمومي كما تصوّره
هابرماس مُحافظًا على خصائصه الأولى (الفضاء العمومي البرجوازي)، رغم إعادة النظر والنقد
والتحيين وإدخال الفعل التواصلي كآلية للتداول الحر، والتفكير في الديمقراطية التداولية، ف تزال قوى الهيمنة مثل الإعام، تفرض موضوع النقاش العمومي، ولا تزال المشاركة داخل هذا الفضاء بعيدة عن أن تصطبغ بالسياسي بما هو تكثيف لمعاني الديمقراطية ومدلولاتها. ولا يمكن لهذا الفضاء إلّ أن يكون مُولّدًا لنكران الاعتراف، أو هو موطن "العبد السعيد" بتعبير هونيث. يُعدّ هذا التحيين النسقي لبردايم الاعتراف، والنقد الجذري للفضاء العمومي، منطلقًا لتفكير فريزر في
مسألة الحرية والفضاء العمومي من خال أشكال الاعتراف لدى هونيث، مع مأسسة المفهوم بداية
(97) Honneth, La société du mépris , pp. 174–180. (98) Ibid. (99) Ibid.
من إعادة النظر في افتراضات هونيث المتعلقة بشروط تنفيذ الاعتراف والتركيز على الحق كإطار بنيوي لتحقيق الاعتراف داخل الفضاء العمومي.
2. مأسسة الاعتراف، أو الذات بمصطلحات ثقافية
تتعرض الدولة الليبرالية الحديثة إلى أشكال متعددة من النقد، تتعلق بمسائل التعدديّة والاستيعاب
والهوية، ودور الدولة في تحديد السياسات المسؤولة على ذلك؛ إذ "تمفصلت سياسات الاعتراف داخل القضايا الاجتماعية، وارتد الفضاء العمومي بموجة نقد لسياسات الدولة". إضافة إلى ذلك، اقترن التفكير في السياسة ومُجمل القضايا الثقافية والاقتصادية التي تُشكّل الجدل داخل الدولة،
بالفضاء العمومي وإمكانية تأدية أدواره التواصلية، أو تحقيق الاعتراف في الوقت الذي نتحدّث فيه عن "نهاية المجتمعات". وفي هذا السياق، يبحث آلان تورين Touraine Alain من خال فكرة "نهاية المجتمعات" في أزمة الحداثة الأوروبية التي نشأت حول تحديد يشرح بمصطلحات اجتماعية حصرًا، "جميع مقولات التنظيم والفكر الاجتماعيين، أي الوظائف التي يشغلها الفاعلون والمؤسسات
من أجل ضمان بناء المجتمع وقدرته على التكيُّف مع التغييرات الضرورية". وتتقاطع هذه الأزمة
مع مُشكلة التمثيل؛ إذ لم تعد القوى السياسية، تُمثّل الفاعلين الاجتماعيين والأفراد. وفي هذا الإطار،
تتعرض أزمة التمثيل، ومن ثم أزمة الحداثة، إلى ثاثة توترات بنيوية تُمثّل في الوقت نفسه، مسارات ثاثة للأزمة، وهي "فقدان التوترات الدينامية، والإذعان لديكتاتورية قمعية، وانحال الإرادوية في السوق". تتعلق فكرة "نهاية المجتمعات" ببروز صراعات جديدة، تُضاف إلى أخرى فرضت عودة السياسي، وامتداد الفضاء العمومي باعتباره نقطة التقاء الفاعلين الأفراد/ المواطنين مع النظام. وعلى هذا الأساس، تقترح فريزر ما تعتبره "المزايا النسبيّة لجمهور عالمي واحد بالنسبة إلى تعدد الجمهور في
نمطين مجتمعين حديثين؛ المجتمعات الطبقية، والمجتمعات المُتساوية والمتعددة الثقافات".
وتعترض فريزر على ماهية النقاش داخل الفضاء العمومي كما يتصوّره هابرماس؛ بحيث لا يمكن أن
يكون النقاش المبني على الحجاج والعقانية والصحة والمعقولية مُعبّرًا عن تعددية ثقافية أو د لًّ على
الحرية؛ إذ يبقى نموذجًا أحاديًّا لا يتعلق إلّ بالتاريخ البرجوازي. وتبحث، من خال نقدها للفضاء
العمومي البرجوازي، في إمكانية جعل الفضاء العمومي في متناول الجمهور، من دون الاقتصار على فئة معيّنة. وهي تُعيد بلورة التصور الذي طرحه هونيث لإتيقا الاعتراف، من خال "تصوّر انتماء الاعتراف
(10((هو اقتباس من عنوان القسم الثاني "الآن وقد بتنا نتكلم عن ذواتنا بمصطلحات ثقافية"، ينظر: تورين، براديغما جديدة، ص.176 ((10(ريكور، ص.6 (10((تورين، براديغما جديدة، ص.97 ((10(المرجع نفسه، ص.97 ((10(المرجع نفسه، ص.101
(105) Nancy Fraser, Repenser la sphère publique: Une contribution à la critique de la démocratie telle qu’elle existe réellement , Muriel Valenta (trad.) (Cambridge: Mit press, 1992), pp. 137–138.
إلى أنماط مؤسسيّة للتقدير الثقافي، مع كيفية ارتباط ممارسات التبعيّة باختراقات العدالة". لذلك،
ترى فريزر مسألة الاعتراف ضمن سياق مُتكامل للعدالة الاجتماعية، يُنظر إليها من أبعاد مختلفة،
على نقيض التصور الذي يُقدّمه هونيث الذي يظل أحاديًّا واختزاليًّا من وجهة نظرها. وتُناقش مسائل
"الامساواة والاعدالة في سياق المجتمعات الرأسمالية العالمية وزيادة التنوع الثقافي في المجتمع الحديث. وبناءً عليه، فهي تدعو إلى اتباع منهج المنظورات المُزدوجة الذي يُميّز بين نوعين من الظلم؛
هما عدم الاعتراف، والتوزيع غير العادل". تظهر مسألتا العدالة والظلم بوصفها بردايمات تأويلية، تحاول فريزر، أن تفهم من خالهما "وضعية النظام والنسق الاقتصادي للرأسمالية الحديثة". وإذ تُؤكد على تجذُّر الهيمنة الثقافية داخل الدولة الليبرالية الحديثة، التي تتمظهر في سياسات الأقليات والطبقات المُهمّشة والطبقات المُستبعدة، يظهر
الظلم الاجتماعي والاقتصادي في ممارسات "الاستغال والتهميش الاقتصادي والحرمان من مستوى معيشي لائق". وفضا عن ذلك، يُعبّر هذا الظلم الاجتماعي والاقتصادي عن عاقة إشكالية بين
طبقات المجتمع داخل الدولة الليبرالية الحديثة من جهة، والمجتمع والدولة من جهة أخرى. وفي مواجهة هذه الأشكال من الظلم، تتعامل فريزر مع الاعتراف باعتباره مسألة مرتبطة بالثقافة والهوية والذات، وتفكك أنواع هذا الظلم (الثقافي أو الرمزي)، مع التأكيد على تمفصلها مع الأنماط الاجتماعية للتمثيل. الشكل (3) الظلم الثقافي والأنظمة الاجتماعية للتمثيل
المصدر: من إنجاز الباحث اعتمادًا على:
Nancy Fraser & Pierre Bourdieu, (Mis)recognition, Social Inequality and Social Justice , Terry Lovell (ed.) (New York/ London: Routledge, 2007), p. 67.
(106) Maria Pia Lara & Robert Fine, "Justice and the Public Sphere," in: Nancy Fraser & Pierre Bourdieu, (Mis) recognition, Social Inequality and Social Justice , Terry Lovell (ed.) (New York/ London: Routledge, 2007), p. 41. (107) Terry Lovell, "Nancy Fraser’s Integrated Theory of Justice: a 'Sociology Rish' Model for a Global Capitaliste Era?" in: Fraser & Bourdieu, p. 67. (108) Ibid. (109) Ibid.
يظهر عدم الاعتراف بوصفه إشكالية تُعبّر عن التوزيع غير العادل، وهو يشمل أيضًا "جميع أشكال
النسوية المناهضة للعنصرية التي تسعى في التحولات والإصاحات الاجتماعية والاقتصادية إلى الانتصاف إلى مظالم الإثنية أو الجنس أو العرق؛ لذلك، فهي أوسع من سياسة الطبقة التقليدية". ومن ثمّ، فإنّ الاعتراف لم يعد مُتصا بمسألة الذات أو التواصل داخل الفضاء العام فحسب، بل أصبح
مُتعلقًا أيضًا ب "إعادة النظر في الهويات التي أُقصيت على نحو غير عادل". من هذه الزاوية، تبرز الحاجة إلى الاهتمام بالعاقة التفاعلية بين الاعتراف وإعادة التوزيع في مواجهة الواقع الاجتماعي والسياسات المُنشطرة ثقافيًّا وغير العادلة اقتصاديًّا. لذلك، تطرح فريزر مسألة
التفكير في مأسسة الاعتراف، وإشكالية إعادة التوزيع. وفي هذا السياق، تشتغل بتحليل الاعتراف انطاقًا من الفلسفة الأخاقية التي تعرضُ مفهومًا شاما للعدالة يمكنه أن يستوعب المطالب القابلة للدفاع عن المساواة الاجتماعية، والمطالب القابلة للدفاع عن الاختاف، وتُفرد النظرية النقدية أيضًا بمهمة تغيير المجتمع. أما الجانب المتعلق بالنظرية السياسية، فتُركّز من خاله على تصوُّر مجموعة من الترتيبات المؤسساتية والإصاحات السياسية التي يمكنها أن تكون حاًّ للتوزيع غير العادل وعدم الاعتراف. أما السياسات العملية، فهي تبحث في تعزيز المشاركة الديمقراطية على نحو يُسهّل عملية إعادة التوزيع ويُعطي بُعدًا أوسع لسياسات الاعتراف. من خال التخصصات المعرفية الأربعة (الفلسفة الأخاقية Philosophy Moral، والنظرية الاجتماعية
Theory Social، والنظرية السياسية Theory Political، والسياسات العملية Politics Practical)،
تُفكّر فريزر في مأسسة الاعتراف، مع الانتباه إلى تمفصله عمليًّا مع سياسات التوزيع العادل، بحيث
يصبح الاعتراف مسألة عدالة، ويصبح "كل توزيع غير عادل" ناتجًا من "عدم الاعتراف". لذلك، فهي "تدعو إلى ضرورة تجاوز نظرية العدالة التوزيعية، إلى دراسة الأنماط المؤسسية للتقدير الثقافي، وتتساءل إن كانت هذه الأُطر تُعرقل المناصفة التشاركية في الحياة الاجتماعية". إذا كان التحيين النسقي لمفهوم الاعتراف لدى هونيث، يُؤطّر شكل الاعتراف في الحق، فإن الظلم الاقتصادي من وجهة نظر فريزر، يدُل على فقدان الاعتراف، بما أن هذا النوع من الظلم يُمثّل بالنسبة إلى الشخص "احتقارًا لمؤهاته الذاتية". لهذا، يكون الاختبار العملي لفرضية الاعتراف مُرتهنًا بمأسسة المطالب الثقافية والاقتصادية، بحيث "لا يجد مطلب الاعتراف والتوزيع العادل مكانهُ لدى النظام السياسي
إلا بتمثيله في هيئات قانونية وأُطر دستورية". وهكذا، وجب التفكير في الاعتراف – من وجهة نظر
(110) Nancy Fraser, "Justice Sociale, redistribution et reconnaissance," Revue du Mauss , vol. 1, no. 23 (2004), p. 154. (111) Ibid. (112) Nancy Fraser & Axel Honneth, Redistribution or Recognition? A Political–Philosophy Exchange , Joel Galb, James Ingram & Christiane Wilke (trans.) (London/ New York: Verso, 2003), pp. 26–27. (113) Ibid., pp. 34–35. (114) Ibid.
(11((تورين، براديغما جديدة، ص.256 (11((صمويل هنتنغتون، النظام السياسي لمجتمعات متغيرة، ترجمة سمية فلو عبود (بيروت: دار الساقي، 1993)، ص.21
فريزر– في إطار "نظرية العدالة ما بعد الوستفالية". وينطلق نقدها للفضاء العمومي الذي يطرحه هابرماس، أيضًا، من القاعدة النظرية لسياسة الاعتراف من داخل المفهوم الليبرالي للفردانية؛ وذلك نظرًا إلى أن هذا الفضاء لم يعد واقعيًّا في أعقاب التحولات الاجتماعية والسياسية، "لأن الجماهير
العريضة غير المُرتبطة بالبرجوازية هي التي صارت تؤدّي اليوم أدوارًا مهمة في اللعبة السياسية، وهي
التي تحرص على الخدمة العمومية وتُطالب بها حينما تفتقدها". يتبنّى هونيث التقليد المُسمّى "الأمراض الاجتماعية" للمجتمعات الرأسمالية الحديثة، في مقابل
مواصلة هابرماس التقليدَ الفلسفي لمدرسة فرانكفورت أو للنظرية النقدية. وعلى أساس هذا التوجه، أمكن التفكير في العاقات المُرضية التي يسمح بها الاعتراف، فيما يتعلق بتكوين الهوية. غير أن سؤال
الهوية يتساوق عمليًّا – من وجهة نظر فريزر – مع مسألة "أولوية الشروط الاقتصادية (إعادة توزيع عادل
للثروات)، والشروط الثقافية (الاعتراف بالمهمشين لأسباب إثنية أو ثقافية أو جنسية"). ويرتبط البعد السياسي جذريًّا بمسألة التوزيع والاعتراف، بحيث "تُؤخذ الأبعاد الاقتصادية والثقافية والسياسية في عاقة تشابك وتأثير متبادل". وانطاقًا من هذه مأسسة مفهوم الاعتراف، تُعيد فريزر التفكير في مطلب الحرية داخل الفضاء العمومي، من خال مشروع تفكيك سياسات الهوية والنسوية والحركات الاجتماعية الجديدة التي "ترتبط بالهدف المشترك المُتمثّل في المطالب غير الحصريّة والمُوجّهة نحو الديمقراطية بغرض الاعتراف الثقافي". تنتبه فريزر إلى التحوُّل في السياسات النسوية، في سياق النضال من أجل مطلب المساواة والاعتراف
بالاختاف الجنسي. وعلى هذا الأساس، كانت توجُّهاتها الفكرية والنضالية تقوم على تفكيك التقابل
بين "الذكوري والأنثوي"، وتجذير تبعيّة الصراع الاجتماعي للصراعات الثقافية وسياسات إعادة
التوزيع. ومن هذا المنظور، تُركّز على فك الارتباط المُبالغ فيه بمسألة الاعتراف، من دون الانتباه
إلى التوزيع العادل. وفي هذا الجانب، تتحمّل الرأسمالية الاجتماعية أو الليبرالية مسؤولية ما تُسميه
فريزر "لحظة الأزمة"، بحيث يُواجه ذلك من خال المساواة الفعلية التي تمر عبر التوزيع العادل
الذي يعني، في نهاية الأمر، اعترافًا بالحقوق النسوية. إن اقتران الاعتراف بالحقوق الثقافية وبقضايا
(117) Réjane Sénac, "L’institutionnalisation d’une égalité dans la différence: Parité, diversité, intersectionnalité," Hal , 3/4/2014, accessed on 12/7/ 2021, at: https://bit.ly/3VeG7WP
(11((رشيد العلوي، "الفضاء العمومي من هابرماس إلى نانسي فريزر"، مؤمنون ب حدود، 2022/1/15، شوهد في 2022/6/14،
في: https://bit.ly/2VwcbGy
((11(هونيث، ص.65
(120) Sénac. (121) Nancy Fraser, "Feminist Politics in the Age of Recognition: A Two–Dimensional Approach to Gender Justice," Studies in Social Justice , vol. 1, no. 1 (Winter 2007), p. 24.
(12((للمزيد في هذه المسألة، ينظر: نانسي فريزر [وآخرون]، نسوية من أجل ال %99 مانيفستو لحركة اجتماعية، ترجمة محمد رمضان، مراجعة إلهام عيدروس (القاهرة: دار صفصافة للنشر،.)2020 (12((نانسي فريزر، "قضايا النسوية من منظور الفلسفة"، ترجمة هشام عبد النور،، 2021/3/23، شوهد في 2022/2/5 كوّة
في: 1 Crpgr /3 ly. bit:// https
التعدد والنسوية، وارتباط النضال من أجل الاعتراف بالأطر الاجتماعيةُ، يُعيد بلورة فكرة الاعتراف
وتحيينها، لمواجهة تناقضات المجتمعات المعاصرة، مثل الجماعة التي تشترك في هدف معين (كقضية النسوية والمساواة مع فريزر)، داخل الأفق الاقتصادي (التوزيعي)، مع الانتباه إلى "عدم اختزال ذلك في الاقتصاد والثقافة فقط"، بل يجري الاهتمام بمسألة التوزيع العادل، باعتبار أن العدل هو النقطة المشتركة التي يلتقي فيها الرمزي (الثقافي) والاقتصادي. اتخذا الاعتراف بالاختاف، بما هو نضال من أجل الحرية، وارتباطه بقضايا الجندر على سبيل المثال، أشك لً متعددة من النضال داخل الفضاء العمومي، تتعلق بإعادة توزيع الثروة ومساءلة السياسي؛ فلقد "ظهرت قواعد جديدة تظهر جميعها في ثاثة مستويات. يتعلق المستوى الأول بالميل إلى تحويل إعادة التوزيع إلى الاعتراف، في ظل تسارع العولمة الاقتصادية. ويُسمّى هذا المستوى بالإزاحة أو الإبعاد.
أما المستوى الثاني، فيتمظهر في النضال من أجل الاعتراف في وقت يجري فيه الترابط والتواصل بين الثقافات بنسب سريعة وكبيرة جدًّا. ويُحيل هذا المستوى إلى ما تسمّيه فريزر "التشيُّؤ". في حين يتعلّق
المستوى الثالث بسياسات الهوية التي تُؤدّي، بحسب تعبيرها، إلى "تشوُّه المنظور". تُمثّل هذه المستويات الثاثة مشكات الاعتراف في ظل تغيُّر أشكال الممارسات الديمقراطية في
الدولة الليبرالية الحديثة، وبروز أنماط جديدة من التفاعات داخل الفضاء العمومي، يجري حلُّها على أساس يُخالف المدلول الحقيقي لاعتراف، والتوزيع العادل واحترام التعددية. الشكل (4) مُشكلات الاعتراف من منظور فريزر
المصدر: من إنجاز الباحث، اعتمادًا على: الزواوي بغورة، الاعتراف من أجل مفهوم جديد للعدل: دراسة في الفلسفة الاجتماعية
(بيروت: دار الطليعة، 2012)، ص.121 ((12(مصطلح صاغه عالم الاجتماع جورج كورفتش Gurvitch Georges (1894–1965) في كتابه الأُطر الاجتماعية للمعرفة، ويقصد به دراسة الترابطات الوظيفية بين مختلف الأطر الاجتماعية للأنماط المعرفية المختلفة كالفئة والطبقة. للمزيد، ينظر: خليل
أحمد خليل، مفتاح العلوم الإنسانية (بيروت: دار الطليعة، 1989)، ص.401
(125) Nancy Fraser, "Les dilemmes de la justice, Rencontre," Sciences Humaines , no. 203 (Avril 2009).
((12(بغورة، ص.121
سيُعاد التفكير في الفضاء العمومي من منظور فريزر، بصفته مُخالفًا للأحادية التي تحدّث عنها هابرماس
من جهة؛ بمعنى أنه لا يوجد فضاء عمومي واحد، بل فضاءات متعددة، ومن جهة أنّ الاعتراف يتجاوز الثاثية المتعلقة بالاعتراف في الحب والاعتراف في القانون أو الحق والاعتراف في التضامن، من وجهة نظر هونيث، ليقع التركيز على الشكلين الأخيرين (الاعتراف في الحق والاعتراف في التضامن) اللذين سوف يُمثّان لدى فريزر نقطة الانطاق في عملية مأسسة الاعتراف الذي ينطلق من فك إشكاليات الإزاحة والتشيُّؤ وتشوُّه المنظور، والتركيز على التوزيع العادل والتعددية الثقافية. من خال الدمج بين القانون والعدالة، والعدالة التوزيعية واحترام الهويات الثقافية في إطار التعددية، يمكن أن يكون الفضاء العمومي محورًا لنشاط "نضالي" تعددي كُلّي، يستطيع نقل القضايا السياسية إلى مجال التداول الحر والتعددي لمواجهة مظاهر الاعدالة والهيمنة الاقتصادية، بحيث يُصبح الاعتراف عاجًا للباثولوجيات الاجتماعية التي يذكرها هونيث. ويكون الاعتراف والعاج الاقتصادي مدخلين مُهمّين، أيضًا، لضمان المشاركة المُتساوية داخل فضاء عمومي عابر للأوطان على صيغته الكانطية.
خاتمة
لا يزال سؤال الحرية راهنًا، وهو يجد مُبرراته النظرية والعملية داخل الفلسفة السياسية المعاصرة. وقد تحولت أشكال النضال من أجل الحرية داخل الفضاء العمومي، في ضوء إشكاليات الديمقراطية داخل الدولة الليبرالية الحديثة. يبدو سؤال الحرية مُثقا برهانات الاعتراف والتعددية والهوية والتوزيع العادل للثروات، ومطلب المشاركة المُتساوية، إضافة إلى الرهان الأساسي المُتمثّل في ضمان التداول الحر للأفكار داخل الفضاء العمومي. في هذا السياق، تأتي مساهمات يورغن هابرماس في عاقة بمسألة التواصل داخل الفضاء العمومي، وشروط النقاش أو الحجاج المُفضي إلى التفاهم. وتُعتبر مراجعات أكسل هونيث لمفهوم الاعتراف، أو ما يُسمى التحيين النسقي للمفهوم، إعادة قراءة من داخل النظرية النقدية لحدود نظرية الفعل التواصلي وما يمكنها أن تطرحه من إمكانيات للتحرر، في ظل الأمراض الاجتماعية التي برزت من داخل النموذج الديمقراطي للدولة الليبرالية الحديثة. لذلك، كانت مواجهة الباثولوجيات الاجتماعية والصراعات، من خال طرح أشكال الاعتراف (الاعتراف في الحب، والاعتراف في القانون، والاعتراف في التضامن)، مساهمة في جعل الاعتراف أشبه ما يكون ب "البردايم المثالي" الذي يُعالج تلك الباثولوجيات داخل النموذج الديمقراطي المعاصر. وفي هذا النشاط الفلسفي نفسه، تُواصل فريزر معالجة مسألة الفضاء العمومي والاعتراف من وجهتين؛ تتعلق الأولى بنقد تصور هابرماس للفضاء العمومي بصيغته البرجوازية، كما أسمته، أمّا الثانية فهي من خال الاشتغال بمأسسة الاعتراف وطرح مسألة التوزيع العادل والتعددية الثقافية، مع التحمُّس للنضالات المتعددة داخل الفضاء العمومي وخاصة النضالات النسوية.
(12((ينظر: إيمانويل كانط، تأملات في التربية، ما التنوير؟ ما التوجه في التفكير؟ ترجمة وتعليق محمود بن جماعة (تونس: دار محمد علي للنشر،.)2010
شغلت أطروحة الفضاء العمومي حيّزًا مهمًّا وثريًّا في أطروحات عديد من الفاسفة والمفكرين.
كما خضعت هذه الأطروحة إلى مراجعات وإثراء نظري، أملته جُملة التحوُلّات البنيوية التي تعيشها
المجتمعات المعاصرة. أعيد التفكير في الفضاء العمومي انطاقًا من نشأته وتطوُّره وأدواره كما هو
الشأن مع هابرماس وفريزر وهونيث، ومن خال أطروحات مُغايرة مثل تلك التي يُقدّمها أوسكار نيغت
Oskar Neget، التي تتمحور حول "فضاء عمومي معارض" يحمل شكا جديدًا للمجتمع، بحيث "يُسند للفضاء العمومي الدور المحوري في تكوين وعينا بالزمن الحاضر". لا يمكن فصل مطلب الحرية والنضالات المتعددة والمختلفة، من حيث المضامين، عن مُجمل
المسائل المذكورة، التي تتكثّف في المسألة السياسية، من خال المشاركة والنقاش والمساهمة في القرارات والبرامج السياسية؛ إذ إن حالة الأزمة، بتعبير زيغمونت باومان Bauman Zygmunt (2017–1925) فرضت التفكير في الثقافة بوصفها "قوّة مُؤهلة لأن تُصبح بنية في مجتمع متحرر
من الهيمنة الرأسمالية". يضاف إلى ذلك "فضاء التدفقات"، كما أسماه مانويل كاستلز Manuel Castells، باعتباره فضاءً لكُليات متخيّلة، ليكون مُحركًا للقضايا التي تُثار داخل الفضاء العمومي،
ويجري النضال حولها عمليًّا ومواجهة قوى الاتحرر التي يفرضها التوزيع غير العادل للثروة وفقدان
الاعتراف وعدم احترام التعددية والاختاف. يبدو أن الفضاء العمومي، في ظل أزمات الديمقراطية، لن يخلو من احتجاجات متعددة، تبحث عن التخلص من الهيمنة التي تجاوزت الدولة الحديثة، وتحولت إلى ما يشبه الأزمة الدائمة والمُتجددة. لذلك،
يُعاد من جديد طرح جدليّة الفضاء العمومي وسؤال الحرية في عاقة بتوسع أشكال الاحتجاج وتنوعها.
ومن هذه الزاوية، يُستعاد الجدل الفلسفي مع هابرماس وهونيث وفريزر، حول الفضاء العمومي والحرية،
مع الاستفادة من تراكمات النظرية النقدية فيما يتعلق بمفاهيم التسارع مع هارتموت روزا Rosa Hartmut، على سبيل المثال، أو النضالات النسوية والشبابية التي أثّرت في أركيولوجيا الفضاء العمومي، وفرضت التفكير عميقًا في ممكنات أخرى يمكن للفضاء العمومي أن يُقدّمها في خدمة مطلب الحرية.
References
المراجع
العربية
آبل، كارل أوتو. التفكير مع هابرماز ضد هابرماز. ترجمة عمر مهيبل. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون؛ الرباط: المركز الثقافي العربي؛ الجزائر: منشورات الاختاف،.2005 آرنت، حنة. ما السياسة؟ أسبابها وتداعياتها. ترجمة نادرة السنوسي. بيروت: دار الروافد؛ الجزائر: دار ابن النديم،.2019
(12((أوسكار نيغت، "الفضاء العمومي المعارض اليوم"، ترجمة محمد العربي العياري، مؤمنون ب حدود، 2022/5/17، شوهد
في 2022/10/12، في: https://bit.ly/3ev7SK6
(12((زيغمونت باومان وكارلو بوردوني، حالة الأزمة، ترجمة حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2018)، ص.125 ((13(المرجع نفسه، ص.139
الأشهب، محمد عبد السام. أخلاقيات المناقشة في فلسفة التواصل لهابرماس. عمّان: دار ورد للنشر
والتوزيع،.2013 إهرنبرغ، جون. المجتمع المدني: التاريخ النقدي للفكرة. ترجمة علي حاكم صالح وحسن ناظم. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2008 باختين، ميخائيل. أعمال فرانسوا رابليه والثقافة الشعبية في العصر الوسيط وإبّان عصر النهضة. ترجمة شكير نصر الدين. بيروت: منشورات الجمل،.2015 باومان، زيغمونت وكارلو بوردوني. حالة الأزمة. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2018 بغورة، الزواوي. الاعتراف من أجل مفهوم جديد للعدل: دراسة في الفلسفة الاجتماعية. بيروت: دار الطليعة،.2012 بن جياني، محمد أمين. "مأسسة الاعتراف عند نانسي فريزر. تحليل البنية الثقافية والاقتصادية لاعتراف". مؤمنون ب حدود. 2020/6/23:. في https://bit.ly/3CMR4b4 بوعبد الله، محمد. "سوسيولوجيا الاعتراف لمواجهة مشاكل العنف والجور الاجتماعي". إضافات. العدد 40.)2017(تورين، آلان. براديغما جديدة لفهم عالم اليوم. ترجمة جورج سليمان. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2011 _______. ما الديمقراطية؟ دراسة فلسفية. ترجمة عبود كاسوحة. دمشق: منشورات وزارة الثقافة، الحدّاد، مصطفى [وآخرون]. الماركسية الغربية وما بعدها؛ التأسيس والانعطاف والاستعادة. علي عبود المحمداوي (محرر). تقديم أم الزين بن شيخة المسكيني. بيروت: منشورات ضفاف؛ الجزائر: منشورات الاختاف،.2014 حنفي مصطفى [وآخرون]. فلسفة الحق عند هابرماس. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية،.2008 خريسان، باسم علي. ما بعد الحداثة: دراسة في المشروع الثقافي الغربي. دمشق: دار الفكر،.2006 الخطابي، عز الدين. أسئلة الحداثة ورهاناتها: في المجتمع والسياسية والتربية. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون؛ الجزائر: منشورات الاختاف؛ دبي: مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم،.2008 خليل، خليل أحمد. مفتاح العلوم الإنسانية. بيروت: دار الطليعة،.1989 ريكور، بول. سيرة الاعتراف: ثلاث دراسات. ترجمة فتحي إنقزو. مراجعة محمد محجوب. تونس: المركز الوطني للترجمة،.2010 علوش، نور الدين. المدرسة الألمانية النقدية: نماذج مختارة من الجيل الأول إلى الجيل الثالث. بيروت: دار الفارابي،.2013
_______. فلسفة السلطة السياسية عند هابرماس. بيروت: دار الرافدين،.2016 العلوي، رشيد. "الفضاء العمومي من هابرماس إلى نانسي فريزر". مؤمنون ب حدود. 2022/1/15.
في: VwcbGy /2 ly. bit:// https
فريزر، نانسي [وآخرون]. نسوية من أجل ال %99 مانيفستو لحركة اجتماعية. ترجمة محمد رمضان. مراجعة إلهام عيدروس. القاهرة: دار صفصافة للنشر،.2020 فريزر، نانسي. "قضايا النسوية من منظور الفلسفة". ترجمة هشام عبد النور. كوّة.2021/3/23.
في: https://bit.ly/3Crpgr1
فونيسكا، ديفيد. "أثر هابرماس في الفقه الدستوري المعاصر". مجلة القانون العام وعلم السياسة. العدد 6.)2007(كريسعان، بلقاسم. إعادة بناء مفهوم الديمقراطية عند هابرماس. تقديم محمد نجيب بوطالب. تونس: دار سحر للنشر،.2022 كيساسي، إيريك. الديمقراطية والمساواة. ترجمة جهيدة لاوند. بيروت: معهد الدراسات الاستراتيجية، لوكاش، جورج. التاريخ والوعي الطبقي. ترجمة حنّا الشاعر. بيروت: دار الأندلس،.1982 لومان، نيكاس. مدخل إلى نظرية الأنساق. ترجمة يوسف فهمي حجازي. برلين: منشورات الجمل، المحمداوي، علي عبُّود. الإشكالية السياسية للحداثة: من فلسفة الذات إلى فلسفة التواصل. بيروت:
منشورات كلمة،.2015 مصطفى، مهند. "سياسة الاعتراف والحرية: سجال وإطار نظري تحت طائلة الراهن العربي". تبيّن. مج 5، العدد 17 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2016 ميرلوبونتي، موريس. المرئي واللامرئي. ترجمة عبد العزيز العيادي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2008 نيغت، أوسكار. "الفضاء العمومي المعارض اليوم". ترجمة محمد العربي العياري. مؤمنون ب حدود. 2022/5/17:. في 6 SK 7 ev /3 ly. bit:// https هابرماس، يورغن. القول الفلسفي للحداثة. ترجمة فاطمة الجيوشي. دمشق: منشورات وزارة الثقافة، ________. بعد ماركس. ترجمة محمد مياد. بيروت: دار الحوار،.2002 ________. العلم والتقنية كأيديولوجيا. ترجمة حسن صقر. برلين: منشورات الجمل،.2003 هابرماس، يورغن [وآخرون]. قوة الدين في الفضاء العام. ترجمة فاح حليم. بيروت: دار التنوير،
هنتنغتون، صمويل. النظام السياسي لمجتمعات متغيرة. ترجمة سمية فلو عبود. بيروت: دار الساقي، هونيث، أكسل. "مغامرة الصراع مع القيم العالمية، حوار مع ألكسندرا لافاستين". ترجمة نور الدين علوش. مؤمنون ب حدود. 2020/1/11:. في https://bit.ly/3g5x36m هيدغر، مارتن. الكينونة والزمان. ترجمة فتحي المسكيني. مراجعة إسماعيل المصدق. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2012
الأجنبية
B., Melkevik. Droit et agir communicationnel: Penser avec Habermas. Paris: Buenos Books Internationnel, 2012. B., Nicholas Dirks et al. (eds.). Culture/ Power/ History: Princeton: Princeton University Press, 1994. Benhabib, Seyla. "In the Shadow of Aristotle and Hegel: Communicative Ethics and Current Controversies in Practical Philosophy." Philosophical Forum. vol. 3, no. 1
Bouvier, Alban. "Démocratie délibérative, démocratie débattante, démocratie participative." Revue européenne des sciences sociales. vol. 45, no. 136 (2007). Casillo, Ilaria et al. (eds.). Dictionnaire critique et interdisciplinaire de la participation, GIS Démocratie et participation: DicoPart. 2 è me ed. Paris: GIS Démocratie et Participation, 2022. Cohen, Jean L. & Andrew Arato. Civil Society and Political Theory. Cambridge: MIT Press, 1994. Estelle, Ferrarese. "Le conflit politique selon Habermas." Multitudes. vol. 2, no. 41
Farge, Arlette. Dire et mal dire, l’opinion public au XVII siècle. Paris: Seuil, 1992. Finlayson, Gordon. Habermas: A Very Short Introduction. Oxford: Oxford University Press, 2005. Fischbach, Franck et al. (eds.). Où en est la théorie critique? Paris: La découverte, 2003. Foucault, Michel. Dit et écrit (1954–1988). vol. 2: 1954–1975. Paris: Gallimard, 1988. Fraser, Nancy & Axel Honneth. Redistribution or Recognition? A Political–Philosophy Exchange. Joel Galb, James Ingram & Christiane Wilke (trans.). London/ New York: Verso, 2003. Fraser, Nancy & Pierre Bourdieu. (Mis)recognition, Social Inequality and Social Justice. Terry Lovell (ed.). New York/ London: Routledge, 2007. Fraser, Nancy. "Rethinking the Public Sphere: A Contribution to the Critique of Actually Existing Democracy." Social Text. no. 25–26 (1990). _______. Repenser la sphère publique: Une contribution à la critique de la démocratie telle qu’elle existe réellement extrait de habermas and the public sphere. Muriel Valenta (trad.). Cambridge: MIT Press, 1992.
_______. "Justice Sociale, redistribution et reconnaissance." Revue du Mauss. vol. 1, no. 23 (2004). _______. "Feminist Politics in the Age of Recognition: A Two–Dimensional Approach to Gender Justice." Studies in Social Justice. vol. 1, no. 1 (Winter 2007). _______. "Les dilemmes de la justice, Rencontre." Sciences Humaines. no. 203 (Avril
Habermas, Jürgen, Sara Lennox & Frank Lennox. "The Public Sphere: An Encyclopedia Article (1964)." New German Critique. no. 3 (Autumn 1974). Habermas, Jürgen. "La modernité: Un projet inachevé." G. Raulet (trad.). Critique. vol. 37, no. 413 (Octobre 1981). _______. The Theory of Communicative Action. vol. 2: Lifeworld and System: A Critique if Functionalist Reason.Thomas McCarthy (trans.). Boston: Beacon Press, 1985. _______. "L’espace public, 30 ans après." Quaderni. no. 14 (Automne 1992). _______. L’espace public: Archéologie de la publicité comme dimension constitutive de la société bourgeoise. M. B. de Launay (trad.). Paris: Payot, 1993. _______. Droit et démocratie. R. Rochlitz & C. Bouchindhomme (trad.). Paris: Gallimard, 1997. Honneth, Axel. La lutte pour la reconnaissance. Pierre Rusch (trad.). Paris: Cerf, 2002. _______. La Société du mépris: Vers une nouvelle théorie critique. Olivier Voirol, Pierre Rusch & Alexandre Dupeyrix (trad.). Paris: La Découverte, 2006. _______. Reconnaissance et reproduction sociale. Michelle Lapierre & Emmanuel Renault (trad.). Paris: Presses universitaires, 2008. Lyotard, Jean François. La condition post–moderne. Paris: Edition de Minuit, 1979. Mead, G. H. L’esprit , Le Soi et la Société. Jean Caseneuve (trad.). Paris: PUF, 1963. Mill, David Van. Deliberation, Social Choice and Absolutist Democracy. London: Routledge, 2006. O’Donnell, David, Philip O’Regan & Brian Coates. "Intellectual Capital: A Habermasian Introduction." Journal of Intellectual Capital. vol. 1, no. 2 (June 2000). Ramond, Charles. "Le retour des sentiments moraux dans les théories de la reconnaissance, de la grammaire morale des conflits sociaux à la grammaire des sentiments moraux." Hal SHS. at: https://bit.ly/3Ljm9aX Rawls, John. Théorie de la justice , G. Audard (trad.). Paris: Seuil, 1987. Rayan, Mary. Women in Public Baltimore. Paris: Jhon Hopkins University Press, 1990. Sénac, Réjane. "L’institutionnalisation d’une égalité dans la différence: Parité, diversité, intersectionnalité." Hal. 3/4/2014. at: https://bit.ly/3VeG7WP Sperber, Monique Canto (ed.). Dictionnaire d’éthique et de philosophie morale. Paris: PUF, 1996. Wehler, Hans–Ulrich. Deutsche Gesellschaftsgeschichichte. Munich: C. H. Beck, 1987.