العودة إلى تفاصيل المؤلَّف من وجهة أخلاق الفعل إلى وجهة أخلاق الفاعل: جدل النتائجية والآدابية وأخلاق الفضيلة في الفلسفة الأخلاقية المعاصرة

من وجهة أخلاق الفعل إلى وجهة أخلاق الفاعل: جدل النتائجية والآدابية وأخلاق الفضيلة في الفلسفة الأخلاقية المعاصرة

From the Ethics of the Act to the Ethics of the Agent: Debating Consequentialism, Deontology and Virtue Ethics in Contemporary Moral Philosophy

منير الكشو

Mounir Kchaou

الملخّص

تروم هذه الورقة التطرق إلى الخصومة القائمة في فلسفة الأخلاق المعاصرة بين ثلاثة اتجاهات كبرى، وهي النتائجية والآدابية وأخلاق الفضيلة. ولئن سيطرت النتائجية التي مثّلها بصفة أساسية المذهب المنفعي، والآدابية التي مثلها المذهب الحدسي مع ديفيد روس، والكانطي مع جون رولز وتوماس سكانلون ويورغن هابرماس، فإنه بدايةً من ثمانينيات القرن الماضي برز رأيٌ يدعو إلى تركيز الاهتمام على الفاعل الأخلاقي وصفاته وفضائله، بدلًا من التركيز، مثلما يفعل الاتجاهان السائدان، على الفعل والمبادئ والقواعد الموجهة له، ويقدّم نظرية محدّثة من أخلاق الفضيلة مع فيليبا فوت وألسادير ماكنتاير ومايكل سلوت بديلًا منهما. لذلك، تستعرض هذه الدراسة حيثيات الجدل في فلسفة الأخلاق بين النتائجية والآدابية وأخلاق الفضيلة، وتقف عند معايير تقييم كل واحد منها للأفعال وقواعد اتخاذ القرار وأنظمة الحجاج التي يستخدمها، وتنظر في مدى اتساق منطلقاته مع النتائج التي تفضي إليها قياساته الأخلاقية، ثم تطرح السؤال عن مدى حاجة التفكير الأخلاقي المعاصر إلى نظرية في الفضيلة، ومدى قدرة أخلاق الفضيلة في صيغتها الحديثة على تقديم بديل يحلّ محلّ المقاربتين السابقتين.

Abstract

Abstract: This article addresses the struggle in contemporary moral philosophy between three major trends: consequentialism, deontology, and virtue ethics. Consequentialism, mainly embodied in the utilitarian approach, and deontology, represented by the intuitionist frameworks of W.D. Ross and the Kantianism of John Rawls, Thomas Scanlon, and Jürgen Habermas, have dominated contemporary debates in moral philosophy. However, in the early 1980s, a trend has emerged that calls for greater focus on the moral agents and their qualities

الكلمات المفتاحية:
  • أخلاق الفعل
  • أخلاق الفاعل
  • النتائجية
  • الآدابية
  • أخلاق الفضيلة
  • فلسفة الأخلاق المعاصرة
Keywords:
  • Action Ethics
  • Agent Ethics
  • Morality
  • Virtue Ethics
  • Contemporary Moral Philosophy.

منير الكشو * | Mounir Kchaou

اتجاهات كبرى، وهي النتائجية والآدابية وأخلاق الفضيلة. ولئن سيطرت النتائجية التي مثّلها بصفة

أساسية المذهب المنفعي، والآدابية التي مثلها المذهب الحدسي مع ديفيد روس، والكانطي مع

جون رولز وتوماس سكانلون ويورغن هابرماس، فإنه بدايةً من ثمانينيات القرن العشرين برز رأيٌ

يدعو إلى تركيز الاهتمام على الفاعل الأخلاقي وصفاته وفضائله، بدلًا من التركيز، مثلما  يفعل

الاتجاهان السائدان، على الفعل والمبادئ والقواعد الموجهة له، ويقدّم نظرية محدّثة من أخلاق

الفضيلة مع فيليبا فوت وألسدير ماكنتاير ومايكل سلوت بدايلًا منهما. لذلك، تستعرض هذه

الدراسة حيثيات الجدل في فلسفة الأخلاق بين النتائجية والآدابية وأخلاق الفضيلة، وتقف عند

معايير تقييم كل واحد منها للأفعال وقواعد اتخاذ القرار وأنظمة الحجاج التي يستخدمها، وتنظر

في مدى اتساق منطلقاته مع النتائج التي تفضي إليها قياساته الأخلاقية، ثم تطرح السؤال عن

مدى حاجة التفكير الأخلاقي المعاصر إلى نظرية في الفضيلة، ومدى قدرة أخلاق الفضيلة في

صيغتها الحديثة على تقديم بديل يحلّ محلّ المقاربتين السابقتين.

Professor in the Department of Philosophy at Doha Institute for Graduates Studies. mounir.kchaou@dohainstitute.edu.qa

and virtues rather than on actions and rules as in the case of the two prevailing trends. The proponents of this new approach, such as Philippa Foot, Alasdair MacIntyre and Michael Slote, have presented updated theories of virtue ethics as an alternative to these schools. This study therefore reviews the debate between consequentialism, deontology and virtue ethics, considering how each school evaluates actions, the rules of decision–making and the systems of argumentation on which they rely. It also investigates the consistency of the results to which their moral reasoning leads. Finally, it interrogates the extent to which contemporary ethical thinking needs a theory of virtue, and the degree to which virtue ethics in its modern form is able to provide an alternative to the other two approaches to ethical issues.

مقدمة

هناك خصومة بين النظريات الأخلاقية المرِّكِزة على الفعل، مثل النتائجية Consequentialism، والآدابية Deontologism، من جهة، وتلك المرِّكِزة على الفاعل، مثل نظرية أخلاق الفضيلة Virtue Ethics، من جهة أخرى، في مقاربة قضايا الأخلاق المعيارية. فسواء تعلّق الأمر بالقرارات والاختيارات المتصلة بالأفعال الفردية أو العامة، أو بتلك التي تندرج ضمن مجال الأخلاق التطبيقية مثل أخلاقيات الأعمال أو المهن الطبية والبيوأخلاقية وغيرها، فإن التعارض بين المقاربتين الأوليين والمقاربة الثالثة يبدو بيّنًا وعميقًا. وتُقَدَّم بعض هذه المقاربات الكبرى الثلاث في جدالات فلسفة

الأخلاق المعاصرة بدايلًا من بعض، وهي تقترح قراءات متمايزة للوقائع الأخلاقية تنبني على أنظمة حجاج متعارضة. فحينما نطرح السؤال: ما الفعل الذي تُوجب الأخلاق القيام به؟ نجد في فلسفة الأخلاق المعاصرة ثلاثة أجوبة متباينة. أولًا، جواب نتائجي يعتبر الفعل الواجب أخلاقيًا هو ذاك الذي

يجلب، أو يُتوقع منه أن يجلب، أكبر قيمة ممكنة أو يحقق أفضل أحوال تكون عليها الأشياء أو ينجز

أكبر قدر من الخير. ثانيًا، جواب آدابي يوصي بالقيام بالفعل الذي يتطابق مع الضابط الأخلاقي، سواء

أكان هذا الضابط قانونًا أم أمرًا يتعيّن علينا الالتزام به بغضّ النظر عن النتائج المتوقعة منه أو المترتبة

عليه. وثالثًا، جواب أخلاق الفضيلة، وفيه يكون الفعل المستقيم أخلاقيًا هو ذاك الذي يتعرّف إليه

ويقوم به أو يوصي بالقيام به شخص طيّب خلوق وفاضل حريّ بالثقة والتقدير. وفي حين تنشغل

النتائجية والآدابية بالفعل والقواعد والمبادئ الموجهة له، تركّز أخلاق الفضيلة على الصفات والفضائل المميزة للفاعل. يُعدّ ظهور نموذج أخلاق الفضيلة في التفكير الأخلاقي المعاصر حديثًا نسبيًا، إذ هيمن النموذجان النتائجي

والآدابي على الجدل الفلسفي حول قضايا الأخلاق طوال الثمانين سنة الأولى من القرن العشرين، في حين بدأت نظريات أخلاق الفضيلة منذ بداية الثمانينيات تعمل على شقّ طريق ثالث بينهما وتقديم نموذج بديل منهما. ففي سنة 1930، عندما قسّم فيلسوف الأخلاق الإنكليزي شارلي دينبير برود

Charlie Dunbar Broad (1971–1887)، النظريات الأخلاقية ما بين غائية Teleological وآدابية Deontological، وهو التصنيف الذي أصبح بعد ذلك سائدًا في قراءة الاختلاف بين المقاربات لقضايا

الأخلاق وفي تصنيف النظريات الأخلاقية، لم يترك مكانًا لأخلاق الفضيلة. ففي رأي برود، تعتبر النظريات الغائية أن الفعل الحقّ أخلاقيًا هو ذاك الذي يروم تحقيق جملة من النتائج تُعدّ خيرًا أخلاقيًا في

ذاتها. في حين ترفض النظريات الآدابية ذاك، وتؤكد في المقابل وجود ملفوظات أخلاقية من قبيل "إن هذا الفعل أو ذاك يكون دومًا حًّقًا (أو باطلًا) أخلاقيًا في هذه الظروف أو تلك، بغضّ النظر عن النتائج

التي تترتب عليه". وتتميز الآدابية من النتائجية بتأكيدها وجود معنى ل "الحق" ينطبق على الأفعال وعلى النيّات، ولا  يقبل التفسير أو التقدير من جهة قدرته على أن يُفضي إلى نتائج حميدة. فحينما يُوجّه إلينا

سؤال في موضوعٍ ما، يكون واجبنا تقديم جواب يعبّر عن رأي صادق يروم الحقيقة في ذاك الموضوع،

حتى لو كنّا نعرف أن نتائجه البعيدة وغير المباشرة يمكن أن تتسبب في آراء خاطئة في مواضيع أخرى، وحتى لو كنا ندرك أيضًا أن هذا الرأي، مع صدقه وصوابه، يمكن أن يخلّف آلامًا ومتاعب جمّة لمن يُصغون إلينا. فالكذب باطل لأنه يهدف إلى ترويج معتقدات زائفة، وليس لأن المعتقد الزائف حالة سيئة ومستنكرة يكون عليها الفكر. على خلاف ذلك، يرى المُحكّم الأخلاقي النتائجي أن الكذب باطل وسيئ أخلاقيًا لأن نتائجه ستكون في الإجمال سيئة، والنتائج لا تكون ذات أهمية بالنسبة إليه إلا بقدر

ما تكون حسنة أو سيّئة. فاستقراءات الوقائع الماضية تجعلنا نستخلص، في رأي النتائجيين، أن الكذب

له نتائج ذميمة. لكنّ ذاك لا  يمثّل غير اتجاه عام لا  يمدّنا بيقين على أن كل كذبة في ظروف محددة قائمة لها نتائج شائنة، وأن الكذب في كل الظروف التي يمكن تصورها سيكون له عواقب وخيمة. لذلك يرى النتائجيون أننا لا نستطيع أن نصوغ ملفوظات، من قبيل هذا الضرب أو ذاك من الأفعال يكون دومًا حقًا (أو باطلًا). أما الآدابيون فيؤكدون أننا ندرك هذا الضرب من الأحكام بالتأمل في الصفات البارزة للفعل، أو في مدى توافقه مع قناعاتنا الأخلاقية الأكثر رسوخًا في ذواتنا، مثلما  يقول الفيلسوف الأميركي جون رولز John Rawls (2002–1921)، أو في نتائجه المباشرة. فكل اعتبار للنتائج البعيدة للكذب أو في المواصفات الأخرى للنتائج المتوقعة، غير تلك التي تكون متضمّنة في تعريف فعلٍ ما على أنه "كذب"، لا تكون له أّي وجاهة في تحديد بطلان الفعل في نظر أنصار الآدابية. ظل الاستقطاب بين النظريتين – النتائجية التي مثّلها بصفة أساسية المذهب المنفعي، والآدابية التي مثلها أساسًا المذهب الحدسي مع ديفيد روس David Ross (1800–1755)، والكانطي أساسًا مع جون رولز، وتوماس سكانلون ويورغن هابرماس – سائدًا في الجدل في قضايا الفلسفة الأخلاقية الحديثة والمعاصرة. لكن بدأ يبرز للعيان أن تقسيم الأحكام الأخلاقية المعيارية إلى قسمين؛ نتائجي وآدابي، أدى إلى التركيز على الأفعال ونتائجها وإهمال الأحكام الأخلاقية المتعلقة بالفواعل الأخلاقية، أي الأشخاص وطباعهم وسمات خلقهم وسجيتهم. وفضلًا عن ذاك، فإن التركيز على المُلزِم أخلاقيًا،

مثلما تفعل المقاربتان النتائجية والآدابية، أدّى إلى إقصاء الأحكام الأخلاقية المتعلقة بالحسَن والممتاز والمثالي والحريّ بالإعجاب، تلك التي لم يُعرها برود اهتمامًا يُذكر.

(1) Charlie Dunbar Broad, Five Types of Ethical Theory (London: Routledge & Kagan Paul, 1967 [1930]), p. 206. (2) Ibid., p. 207. (3) Ibid., p. 8.

يمكننا صياغة المشكل الذي نريد أن نتطرق إليه هنا على النحو التالي: إذا كان النموذج العام المميز للفلسفة الأخلاقية الحديثة هو نموذج المبادئ والقواعد، وليس ذاك المميز لأخلاق الفضيلة الباحث عن المثل الأعلى للحياة وعن الطبائع والخصال الشخصية، فهل أصبحت نظريات أخلاق الفضيلة، بهذا، نظريات مهجورة؟ ألا تزال هناك أهميةٌ ما لأخلاق الفضيلة في الفلسفة الأخلاقية الحديثة التي تسيطر على مجالاتها الوجهتان الآدابية والنتائجية؟ كيف تشتغل هذه النماذج الثلاثة؟ وبماذا تتميز مقارباتها للأسئلة الأخلاقية الكبرى؟ وكيف تتباين هذه المقاربات؟ لمحاولة الإجابة عن هذه الأسئلة، تستعرض الدراسة أهم مميزات مقاربة النتائجية للقضايا الأخلاقية وتحاول تصحيح بعض سوء الفهم الذي لحق بهذه المقاربة ومسّ بأحقيتها في الزعم

أنها نظرية أخلاقية، وتُبرز أهم الاعتراضات التي قدمت عليها، ثم تنتقل إلى عرض أهم سمات المقاربة الآدابية وإبراز نقاط التوارد والاختلاف بين أهم الفلاسفة الذين يتبنّون الخطوط الكبرى لهذه المقاربة في حين أنهم يختلفون في التفاصيل، ثم تشرح اعتراضات نظرية أخلاق الفضيلة على المنحى القواعدي والقانوني الذي أخذته الفلسفة الأخلاقية المعاصرة وعلى ما تعتبره إفراطًا في التركيز على الفعل وتجاهل صفات الفاعل وهويته، وتختم بالدفاع عن الرأي الذي يعتبر أن أخلاق الفضيلة لا تمثّل بدايلًا من نموذج المبادئ والقوانين الأخلاقية، وإنما  يمكنها أن تكون رافدًا فحسب لهذا النموذج.

أولا: النتائجية

ترى النتائجية أن تقدير إذا ما كان الفاعل أصاب أو فشل في اختيار الفعل أو القاعدة التي توجّه فعله ينبغي أن يكون بفحص نتائج قراره وآثار فعله المتوقعة في العالم الذي يعيش فيه. وبتوجيه الاهتمام إلى تبعات الفعل، لا إلى دوافعه، تعتمد النظرية النتائجية مقاربة غائية، أو تليولوجية (من "تيلوس" اليونانية Telos) التي تعني الغاية والهدف. وفي ذاك تختلف عن المقاربة الآدابية أو الدينتولوجية التي تقدّر أخلاقية الفعل بمدى وفاء الفاعل بالالتزام أو الواجب (Deon باليونانية). وفي حين تحكم النتائجية على قيمة اختيارٍ ما بفحص النتائج المترتبة عليه، تحكم المقاربة الآدابية على اختيارٍ ما بتحديد مدى استجابته للالتزامات والواجبات الأخلاقية المحمولة عليه بوصفه فاعلًا. ويمكننا أن نميّز مع فيليب بوتيت، أحد المختصين في الفلسفة الأخلاقية والسياسية المعاصرة، بين

النتائجية من حيث هي نظرية متعلقة بالعادل، والنتائجية بوصفها نظرية متعلقة بالخير أساسًا. فأن

نقول عن شيء إنه خِّيِر، يعني أن نؤكد أن له قيمةً ما إيجابية، وأن لنا مصلحةً ما في اختياره. أما أن

نقول عن شيء إنه عادل فهو أن نؤكد أنه في حالة اختيارٍ بينه وبين أشياء أخرى، ينبغي أن يكون هو ما نختاره. ولئن كانت كل نظرية في الخير نظريةً في القيمة التي تُعزى إلى الأشياء وتمكّن من المفاضلة بينها وفق أولوياتنا، ومن معرفة الإمكانيات المتاحة للفعل، فإن النتائجية تحثّنا، بما هي

(4) Philip Pettit, "Consequentialisme," in: Dictionnaire d’ethique et de philosophie morale (Paris: PUF, 1996), pp. 388–396.

نظرية في العادل، على تحديد الاختيار الأكثر استجابة لمقتضيات العدل من ضمن إمكانيات عديدة متاحة لنا. والرأي عندنا أنه سواء حُملت النتائجية على المعنى الثاني، أي بوصفها نظرية في العادل، أو على المعنى الأول، أي بوصفها نظرية في الخير، تظل، مثلما  يقرّ بذلك بوتيت، دومًا في حاجة إلى نظرية في الخير تحدد سمات النتائج الفُضلى المرتجاة لتمييز العادل أو الخيّر من الأفعال ممّا سواهما. فكل النظريات الأخلاقية النتائجية، فيما  يتعلق بالعادل، تفترض نظريةً ما في الخيّر. والمثال الأوضح على ذلك هو المنفعية التي تعرّف الخير على أنه سعادة ومتعة وإشباع للتفضيلات. وفي انسجام مع ما أشار إليه بوتيت هنا، نلاحظ أن خيرية النتائج من وجهة نظر المنفعية، لا تقدّر من خلال الفائدة التي تجلبها للفاعل، وإنما من وجهة نظرٍ لاشخصية، محايدة تجاهه. وهو ما  يعني أنه لتمييز الاختيار الصحيح أخلاقيًا من غيره من الاختيارات، ينبغي تقييم نتائج الفعل من وجهة محايدة تجاه الفاعل، للتعرّف إلى الاختيار الذي من شأنه أن يُفضي إلى أفضل النتائج المحايدة تجاه الفاعل ومصالحه. فبوتيت يعتبر أن اعتناق تصوّر نتائجي للخيّر، كما هو الحال في المذهب المنفعي، يقتضي شرطًا ضروريًا، وهو أن يكون الخير المطلوب يتحدد من وجهة نظر محايدة تجاه الفاعل وأهوائه ومصالحه ومنافعه ورغباته، حتى يتسنى اعتبار النتائجية نظرية أخلاقية. ويكون تقييم ما محايدًا تجاه الفاعل عندما  يقبل الصياغة بمفردات لا تحيل إلى صاحب التقييم ولا إلى الفاعل، مثلما  يكون الأمر حينما  يعزو المرء قيمةً إلى اختيارٍ ما، لأنه يُتوقع منه تحصيل سعادة للجميع، أكبر مما هو مُتوافر أو لأنه يتوقع أن يكون له أثر محمود في المحيط الطبيعي أو في كوكب الأرض بأسره. لكن حينما  يقدّر الفاعل قيمة الاختيارات الممكنة وفق الخيرات التي يمكن أن تجلبها له ولأهله وأقربائه وأصدقائه أو لأي غرض ذي نفع خاص، نكون أمام تقييمٍ للنتائج المحتملة من وجهة نظر الفاعل. فالعادل من وجهة نظر النتائجية يُحمَل في نظر بوتيت على معنى الخير الذي يُعرّف بمفردات محايدة تجاه الفاعل ويكون لاشخصيًا. وتستجيب المنفعية – أكثر المذاهب النتائجية تماسكًا وأوسعها تأثيرًا – لهذا الشرط الذي وضعه بوتيت حتى تُعتبر نظرية نتائجية ما نظريةً أخلاقية. فخلافًا للتصوّر الشائع الذي يخلط بين "مبدأ المنفعة" الذي هو معيار أخلاقي، ونظرية "الأثَرة الكونية للإنسان" التي هي نظرية سيكولوجية، لا  يعطي مذهب المنفعية الأولوية للمصلحة الخاصة للفاعل. وهو الأمر الذي يجسّده على أحسن وجه المبدأ المنفعي الذي

(5) Ibid.

(((يعتبر المفكر والباحث في الاقتصاد فرانسيسكو فيرغارا (1574–1524) أن إيلي هاليفي Élie Halévy، الفيلسوف الفرنسي

من أصل إنكليزي، ساهم في ترويج هذه الصورة الخاطئة عن النظرية الأخلاقية المنفعية، عندما أكّد أن الفيلسوف المنفعي ينظر إلى الفرد على أنه أناني بطبعه، وأن كل الميول اللامبالية بالمصلحة الذاتية تتأتى عن تغييرات أدخلت على هذه الأنانية الأصلية. ينظر:

Francisico Vergara, Les fondements philosophiques du liberalisme (Paris: La Decouverte, 2002), p. 61.

صاغه في القرن التاسع عشر جيريمي بنثام (1832–1748): "أكبر سعادة لأكبر عدد". وفي هذا السياق نبّه

هنري سدجويك Henry Sidgwick (1900–1838)، فيلسوف الأخلاق وأحد روّاد المذهب، إلى أن سوء

الفهم للمذهب أدى إلى شيوع تصورات خاطئة حوله، تخلط بين نظريةٍ في الدوافع ونظريةٍ أخلاقية في المنفعة، فيقول: "إن المنفعية وفق تعريفي لها، هي نظرية أخلاقية وليست نظرية سيكولوجية، إنها نظرية فيما  ينبغي أن يكون لا نظرية فيما هو موجود". أما الوجه الثاني لسوء الفهم للمذهب، الذي اشتكى منه الفلاسفة المنفعيون، فيتعلق بالخلط بين المعيار النفعي وهو سعادة الجماعة السياسية أو القومية ومعيار أخلاق الأثرة وتفضيل الفاعل لمصلحته الخاصة في كل اختيار أو قرار يقوم به. وفي نظر أنصار النظرية المنفعية يمثّل ذلك تشويهًا لها. لذلك شدّد جون ستيوارت مل على أن "السعادة التي تمثّل المقياس النفعي لما هو خير في ما  يتعلق بالسلوك، ليست متمثلة في السعادة الخاصة للفاعل، بل في تلك المتعلقة بسعادة الجميع. فبين أن يختار المرء سعادته الخاصة أو سعادة الآخرين، يقتضي مبدأ المنفعة منه أن يكون محايدًا كل الحياد، مثله مثل متفرج خيّر وغير منتفع. إننا نقرأ في القاعدة الذهبية ليسوع الناصري Jusus

of Nazareth، الروح التامة للأخلاق النفعية (وهي أن تفعل كما تريد أن يفعل الغير بك، وأن تحبّ لجارك

ما تحبّه لنفسك). فهذه القواعد تجسّم الكمال المثالي للأخلاق النفعية والمنفعة بما هي وسيلة للتقرّب

أكثر من هذا المثل الأعلى". تحسّبًا لكل خلط قد يحدث بين مبدأ المنفعة ومبدأ الأثرة، ولما  ينجم عنه

من تغليب للمصلحة الذاتية عند أخذ قرار الفعل، نبّه بنثام في مقالة بعنوان "عن المنفعية" قائلًا: "أكبر

سعادة لأكبر عدد [...] قد اقتُرح مبدأ [...] لكل تشريع وكذلك لكل قاعدة تقوم بتوجيه السلوك الإنساني على صعيد الحياة الخاصة". إن هذا التوجيه يدلنا، في نظر بنثام، على "المسلك الأقوم الذي ينبغي انتهاجه في كل مناسبة على الصعيدين العام والخاص، أي إنه هدف ينبغي أن يسعى إليه كل فرد، سواء على نحو خاص وشخصي، أو بوصفه عضوًا في جماعة". فبنثام ربط خير الفرد بخير الجماعة، وجعل

من البحث عن سعادة الآخرين أفضل سبيل لنيل الفرد أكبر قسط ممكن من السعادة، إذ كما لاحظ زكريا إبراهيم (1976–1924) في معرض تعليقه على آراء بنثام، أن "المنفعة الشخصية وثيقة الصلة بالمنفعة العامة، ما دام الفرد عاجزًا بالضرورة عن الوصول إلى ما هو نافع له، دون الاجتماع بالآخرين والتضامن معهم". وبناء على هذا، يمكن أن نصل إلى هذه الصياغة التي تبدو لنا الأكثر وضوحًا لقاعدة الفعل

الأخلاقي المنفعي التي نجدها لدى عادل ضاهر: "كل شخص مُلزم خلقًّيًا وملزم فقط بأن يختار من بين

البدائل المتاحة له ذلك البديل الذي يحقق أكثر سعادة لأكبر عدد من الناس، بشرط ألا  يعطي لسعادة أيّ

شخص قيمة تقل أو تزيد عن سعادة أي شخص آخر".

(7) Jeremy Bentham, Introduction to Principles of Morals and Legislation (1871) (Kitchener, Ontario: Batoche Books, 2000), pp. 6, 7, 8, 15.

(((نقل: ا عن Vergara. (((جون ستيوارت مل، النفعية، ترجمة سعاد الحرار (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2012)، ص.52–51

(10) Jeremy Bentham, Deontology and the Article on Utilitarianism (Oxford: Clarendon Press, 1992), p. 291. (11) Ibid., p. 320.

(1((زكريا إبراهيم، المشكلة الخلقية (القاهرة: مطبعة مصر، 1969)، ص.149 (1((عادل ضاهر، نقد الفلسفة الغربية: الأخلاق والعقل (عمّان: دار الشروق للنشر، 1990)، ص.233

لقد شكلت المنفعية فلسفة أخلاقية وسياسية متسقة ومتماسكة، سيطرت ردحًا طوايلًا من الزمن في السياق الأنكلو–أميركي على الجدل حول الأخلاق العامة وحول تقييم سياسات الدولة وأداء المؤسسات وعدالة القوانين وفاعليتها وأشكال التسويغ الفلسفي لها. وفي نظر المنفعية، من حيث هي نظرية في الأخلاق العامة، ينبغي أن تُقَيَّم المؤسسات من حيث مدى قدرتها على توفير الظروف

الملائمة لتعظيم مقدار الرفاه الذي يَنعَم به المجتمع برمّته، إذ مثلما لاحظ زكريا إبراهيم "أهم العوامل المؤثرة في حساب اللذات هو عامل 'الامتداد'؛ لأن بيت القصيد أن تشمل اللذة أكبر عدد ممكن من الأفراد". فالحُكم الصالح ليس ذاك الذي ينذر نفسه لخدمة خير متعالٍ أو قضية أو غاية بعيدة المنال تتجاوز أفق انتظارات الناس في هذا العالم، ولا  يكون بلوغها من باب اليقين، وإنما ذاك الذي يفلح في وضع السياسات القادرة على إنماء مجموع الإشباعات الفردية وتحسين الرفاه العام في الزمن الحاضر أو في المدى المنظور على الأقل. وليس هذا الرفاه العام من وجهة نظر المنفعية غير مجموع حالات السعادة والمنافع والمتع التي يخبُرها أفراد المجتمع، كلٌ على حدة. وتتميز هذه المقاربة بخاصتين؛

الأولى، وجهة نظر شمولية تمكّن من صهر المنافع الفردية في بوتقة منفعة عامة وجامعة، تُقدّر من زاوية نظر رقيب متعاطف ونزيه، والثانية، وجهة نظر معيارية مفادها أن التدبير الأفضل للشؤون العامة هو ذاك الذي يعمل على تعظيم الرفاه العام. لقد طرحت مسألة صهر المنافع الفردية في منفعة شاملة صعوبةً أمام المنفعية. فلأنها تحدّد الموضوع الطبيعي للرغبة في اللذّة، وذاك الذي يكون للنفور في الألم، يُطرح السؤال حول مدى إمكان وجود حسّ أخلاقي يُلزم الفرد بطلب المنفعة العامّة، وليس مصلحته الخاصة. وقد ردّت المنفعية على ذاك التحدي بالتأكيد على ثلاثة مبادئ. الأول، هو مثلما أسلفنا، صهر المنافع والمصالح في منفعة شاملة وجامعة. والثاني، التأكيد على الهوية الطبيعية لهذه المنافع. والثالث هو التماهي Identification الاصطناعي بين المنافع. يتحقق انصهار المصالح من وجهة نظر المنفعيين من خلال شعور إيجابي هو "التعاطف" الذي يحسّ به كل شخص تجاه سعادة القريب منه وأفراحه ومآسيه وأتراحه. ومع أن مذهب المنفعة لم يتشكّل

((1(إبراهيم، ص.150

(15) John Harsanyi, "Morality and the Theory of Rational Behaviour," in: A. Sen & B. Williams (eds.), Utilitarianism and Beyond (Cambridge: Cambridge University Press, 1982), pp. 39–62.

((1(يمكن التمييز بين التعاطف Sympathy والمشاركة الوجدانية Empathy من نواحٍ متعددة. فالتعاطف يستخدم في أغلب

الأحيان للدلالة على رد فعل شخص حيال انفعال سلبي، كالألم مثلًا الذي يشعر به شخص آخر، يُفضي إلى سلوك اجتماعي

تضامني معه وبالاستعداد لمساعدته. في المقابل، تتضمن المشاركة الوجدانية عمومًا رد فعل تجاه الانفعالات السلبية والإيجابية

للشخص من دون أن يقتضي ذلك بالضرورة القيام بأيّ شيء حيالها، ولا  يقتضي الأمر في حالة المشاركة الوجدانية أيّ سلوك

اجتماعي تضامني. ويُحمل عادة التعاطف على معنى المعرفة والاستحسان، في حين أن المشاركة الوجدانية غالبًا ما لا تكون معنيّة

بتجميع الوقائع حول أوضاع الآخرين وحالاتهم النفسية والعاطفية. فالتعاطف يعني رَّدَ فعلٍ عاطفيًا محددًا مثل الشفقة والرأفة، في

حين أن المشاركة الوجدانية تتضمن مشاعر وانفعالات بما فيها تلك السلبية من قبيل الغضب والغلّ والخوف. ينظر:

Lou Agosta, "Empathy and Sympathy in Ethics," Internet Encyclopedia of Philosophy , accessed on 15/1/2024, at: https://2u.pw/QZeVcZS

على نحو نسقيّ إلا أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر مع بنثام وجون ستيوارت مل،

فإنه استوعب جملة من المفاهيم وأساليب الحجاج التي تبلورت لدى فلاسفة سابقين له، أمثال ديفيد هيوم David Hume (1776–1711) وآدم سميث Adam Smith (1790–1723)، في دفاعهما عن أهمية المنافع والمصالح والمشاعر في تشكّل المعايير الأخلاقية. ومن هذه المفاهيم الأخلاقية المهمة في هذا المجال مفهوم التعاطف. والتعاطف بالنسبة إلى المجتمع في نظر هيوم هو بمنزلة الغِراء الذي يشدّ أفراد الجماعة الأخلاقية بعضهم إلى بعض ويربط الذات بالآخرين؛ إذ يرى أن فكر البشر يشبه مرايا تعكس كل واحدة صورة فكر الآخر. وهي حين تعكس الانفعالات والمشاعر لا تعكسها على نحو منعزل كل واحدةٍ على حدة، وإنما في شكل حزمة تتداخل فيها الأهواء بالمشاعر والرغائب والآراء، ويرتدّ بعضها على بعض بدرجات متفاوتة، وتقوى وتذوي أيضًا وتتلاشى أحيانًا. فالفرد يَخبُر رجع

الصدى لانفعالاته الذاتية في الآخر ويتفطن إلى المتعة التي تعبّر عنها الابتسامة، أو الألم الذي يعبّر عنه

تجهّم الوجه، أو الغضب الذي يعبّر عنه عضّ الأسنان. وفي حالة كهذه، يندلع شعور مماثل غير مباشر

في النفس، ويصبح الأساس الخِبْري لمزيد من التجارب المعرفية اللاحقة حول ما  يحدث مع الآخر

من تفاعلات. لكنّ هيوم تجنّب إعطاء التعاطف دورًا مركزيًا في تشكيل الجماعة الأخلاقية. فالخبرة

تفيدنا أن التعاطف يشتدّ ويخبو بمفعول الزمن والمسافة والجوار ونوعية الروابط بين الناس. فنحن أقل تأثّرًا بمتع وآلام مَن تفصلنا عنهم مسافة بعيدة قياسًا بمن يقيمون بجوارنا أو من تربطنا بهم قرابة عائلية

أو صداقة. فالتعاطف الموجّه صوب من تربطنا بهم أواصر ما، لا  يكفي لتأسيس الأخلاقية، في نظر

هيوم، إذ يرى أن الاستحسان الأخلاقي للفعل والالتزامات التي تكون لنا تجاه من تنأى المسافات بيننا وبينهم لا  ينبغي أن تقلّ قوة عن ذاك الذي يكون لنا تجاه القريبين منا. وهو ما  يعني أن مدى التعاطف الذي نشعر به – من حيث هو سمة للطبيعة – نحو الآخرين لا  يقتصر على من نعرفه منهم، بل يتسع ليشمل من لا تربطنا بهم أيّ صلة مخصوصة. يقول هيوم "لأفترض أنني رأيت شخصًا ما لا أعرفه البتّة،

لكن لكونه نائمًا في الحقول، عرضة لأن تطأه حوافر الخيول، فإنني سأسرع في الحال إلى مساعدته،

ويكون دافعي لهذا العمل هو مبدأ التعاطف ذاته الذي يجعلني مهتًّمًا بالأحزان الماثلة للغريب". لذلك ينبغي، وفق هيوم، أن نعمل على تحقيق التوازن الحيادي الأخلاقي من خلال فكرة رقيب مثالي نزيه غير متحيز. وهو ما  يقتضي الحصول على أفضل معادلة معقولة وممكنة بين حُكم الفاعل

الأخلاقي، من حيث هو رقيب متعاطف، وحكمه من حيث هو رقيب مثالي ونزيه. ولا  يعني لفظ "نزيه" أن الرقيب "غير متعاطف"، كما لا  يعني أيضًا أنه "متعاطف على نحو مطلق". وفي أفضل الأحوال، يتكامل الرقيبان غير المتحيز والمتعاطف، في نظر هيوم، فأن يكون المرء متعاطفًا مع الآخرين هو أن يُلغي المسافة بينه وبينهم ويشاركهم وجدانيًا مُتعَهم ومَسرّاتهم وآلامهم وأتراحهم. وأن يكون رقيبًا مثاليًا

ومحايدًا هو أن يضع مسافة بينه وبينهم، وأن ينظر إلى متع ومشاعر كل واحد منهم بتجرّد وحياد، على

(1((ديفيد هيوم، رسالة في الطبيعة البشرية، ترجمة عبد الكريم ناصيف (دمشق: دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع، 2016)، ص.302–295 ((1(المرجع نفسه، ص.396

(19) Agosta.

قدم المساواة مع تلك التي للآخرين. ولكي نزيل التوتر المحتمل بين فكرتَي الرقيب النزيه والرقيب المتعاطف حتى نجد أساسًا للاستحسان والاستهجان الأخلاقيَين، ينبغي أن نفهم الحياد والتجرّد

اللذين هما صفتا الرقيب النزيه، لا على أنهما انعدام القدرة على التعاطف أو فقدان للمشاعر الإنسانية، وإنما لأن الرقيب يكون، مثلما  يقول لو أغوستا، في حالة ينعدم فيها تضارب المصالح. فلئن كان على الرقيب المثالي أن يكون متعاطفًا، فلا  ينبغي أن يكون ذلك على معنى الحدب والعناية، وإنما على معنى الانفتاح على إمكانية التفاعل الوجداني والتأثر. فأن يشارك وجدانيًا الآخرَ مشاعره، أمرٌ مفيد

بالنسبة إلى الرقيب النزيه، لكنه ليس الأمر الحاسم دومًا لأن حكم الاستحسان الأخلاقي ينبغي أن يأخذ في الحسبان تقييم الصفات الأخلاقية للفاعل في وضعٍ ما. فما  يشعر به الآخر مهمّ للحكم والتقييم الأخلاقي لحُسن طبع الشخص الذي يتعلّق به الأمر، لكن باعتبار أن التعاطف يوسّع، وفق هيوم،

دائرته إلى ما هو أبعد من المدى الضيّق للأسرة أو الأصدقاء؛ فهو يفتح المجال للعناية والاهتمام برفاه

الإنسانية قاطبة وخيرها. من خلال التعاطف، يخبُر إذًا كل فرد في ذاته، تحقّق التماهي والتطابق، على نحو عفوي، بين مصلحته

ومنفعته الخاصة ومصالح الآخرين، شركائه في الوطن، من خلال مبادئ عامة للعدل. يقول هيوم: "إن الاهتمام بمصلحتنا الخاصة والمصلحة العامة هو الذي يجعلنا نؤسس لقوانين العدل". وتصبح عندئذ متعه وآلامه لا تنفصم عن تلك التي للآخرين. وبسعيه على هذا النحو لتحقيق مصلحته الخاصة، يقوم كل شخص، في نظر المنفعية، بتعظيم المجموع الحسابي للمسرّات التي يستمتع بها أعضاء

المجتمع، ومن ثم تقليص مجموع الألم الذي يشعرون به. وعلى هذا النحو، نبلغ حالة سبق أن وصفها هيوم، يفضي فيها التعاطف إلى تشكّل حسّ بالصالح العام، فيقول: "إنه الحسّ العام بالصالح العام

فقط الذي يحسّ به كل أفراد المجتمع الذي يعبّرون عنه بعضهم لبعض، والذي يدفعهم لأن ينظّموا

سلوكهم وفق قواعد معيّنة. إنني ألاحظ أنه سيكون لمصلحتي أن أترك الآخر يمتلك سلعة، شريطة أن

يعمل هو بالطريقة ذاتها تجاهي. فهو يحسّ بمصلحة مماثلة في تنظيم سلوكه، وعندما  يجري التعبير

بصورة متبادلة عن هذا الحسّ العام بالمصلحة ويكون معروفًا للطرفين، فإنه ينتج القرار والسلوك

المناسبين". وبذلك، ليس قيام العدل متوقفًا على قرار يفرضه العقل على الأهواء والرغائب والمصالح، وإنما كما  يقول هيوم: "إن المصلحة الذاتية هي الدافع الأصلي لقيام العدل. لكن التعاطف مع المصلحة العامة هو مصدر القبول الأخلاقي الذي يصاحب تلك الفضيلة". أما المبدأ الثاني للمقاربة المنفعية فهو التماهي بين المصالح الذي جسّدته فكرة اليد الخفية لآدم

سميث. فأفرادٌ لا  يبالي بعضهم تجاه مصالح بعض، يبحث كل منهم عن تحقيق مصالحه الخاصة، يتوصّلون عبر آلية طبيعية وعفوية، من دون ترتيب مسبق، إلى إنشاء مجتمع متوازن ومتماسك يعمّ الخير

(20) Ibid.

((2(هيوم، ص.506 ((2(المرجع نفسه، ص.500–499 ((2(المرجع نفسه، ص.509

فيه الجميع. فالتنافس الاقتصادي في إطار سوق حرة، تُحجم الدولة أو أيّ سلطة خارجية عن التدخل في سياقاتها وفي تفاعلات الأفراد داخلها، يحفّز الإنتاج ويزيد من عرض الخيرات والسلع والخدمات ويخفّض أسعارها ويزيد في خلق مواطن الشغل ويخفّض من البطالة ويقود في الأخير إلى ضرب من التوازن بين العرض والطلب على مستوى السلع والخدمات؛ فتنخفض الأسعار وتتحسن الأجور وينمو حجم إشباع الرغائب ويتحقق خير عام لم يكن في نية الفاعلين نشدانه. يقول سميث: "بما أن كل فرد يسعى قدر استطاعته لأن يوظف رأسماله في دعم الأعمال الداخلية، ومن خلال ذلك توجيه تلك الأعمال بحيث يكون إنتاجها بأكبر قيمة، فإن كل فرد يعمل ويجدّ لجعل الإيراد السنوي للمجتمع بأسره كبيرًا على قدر استطاعته. وهو عمومًا لا  يعتزم تعزيز المصلحة العامة ولا  يدري مقدار تعزيزه

لها. لكنه من حيث تفضيله لدعم الأعمال الداخلية على دعم الأعمال الخارجية، إنما  يهدف إلى أمنه الخاص. ومن خلال توجيه تلك الأعمال بطريقة قد يكون فيها إنتاجه بأكبر قيمة، لا  يفكر، حينها، إلا في كسبه الشخصي، وهو بهذه الحالة وفي حالات كثيرة غيرها يكون منقادًا بيد خفيّة لتعزيز غاية لم

تكن قط في نيّته. وليست دومًا الشيء الأسوأ للمجتمع أنها لم تكن قطّ في نيّته". ويجسّد عمل المشرّع المبدأ الثالث المتمثل في التطابق الاصطناعي بين المصالح. فبنثام يؤكد مثل

هيوم وسميث على أهمية الاستعداد الفطري لدى البشر للتعاطف، إذ يعتبر أن "من لا  يكون واعيًا

بذاته بوجود باعث تعاطفي في قلبه نحو سعادة الآخرين"، يشكو من إعاقة عاطفية إلى درجةٍ يكون فيها "حاله شبيهًا بحال شخص فاقد لحاسة الشم". فمن خلال مسارٍ من التنشئة الثقافية، يكتسب استعداد التعاطف، في نظر بنثام، قدرةً على التأثير في سلوك الأفراد. ومثلما أن الطفل لا  يكتسب كفاية أخذ الآخرين في الاعتبار إلا بفعل التربية، فينبغي كذلك للأخلاق والتشريع أن يوفّرا الظروف السانحة ليتوسّع مجال فاعلية الاستعداد للتعاطف لتشمل الآخرين. يقول بنثام: "إن المهمة الدائمة والشاقة لكل مُرٍَّبٍ أخلاقيّ ولكل مشرّع يستحقّ هذه الصفة، أن يزيد من تأثير التعاطف على حساب إيثار الشخص

لنفسه والتعاطف مع أكبر عدد من الناس على حساب التعاطف مع عدد قليل منهم". ومن خلال الوعد والوعيد، يتوصّل المشرّع إلى توجيه نزعات الأثرة وإيثار الذات نحو التعاون ودفع الأفراد صوب

تطوير الصالح المشترك وتنمية المنفعة الجامعة. فصورة المشرّع، الذي هو عند بنثام بمنزلة الكائن

الاصطناعي الذي يحسب الخسائر والأرباح من حيث مقادير السعادة الموفورة وتلك المهدورة، تطابق فكرة الرقيب النزيه، لدى هيوم وسميث، الذي يتعاطف مع كل أفراد المجتمع، فيدرك منافعهم ويشعر بمتعهم وآلامهم، ولكنه يقف في الوقت نفسه على مسافة واحدة تجاههم ويظل على الحياد. وتمكّن صورة المشرّع الذي يقف في موقع المتفرج المحايد والعطوف، في الوقت نفسه، من بروز وجهة نظر

(2((آدم سميث، ثروة الأمم، ترجمة وليد شحادة، مج  2 (دمشق: دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع، 2016)، ص.36 (2((حول التعاطف وفرضية الرقيب النزيه لدى آدم سميث، ينظر: آدم سميث، نظرية المشاعر الأخلاقية، ترجمة منذر محمود محمد (دمشق: دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع، 2022)، ص.381–380

(26) Jeremy Bentham, First Principles Preparatory to Constitutional Code (Oxford: Clarendon Press, 1989), p. 14. (27) Jeremy Bentham, Constitutional Code , F. Rosen & J. H. Burns (eds.), vol. 1 (Oxford: Clarendon Press, 1983), p. 119.

محايدة وموضوعية، ومن تمييز المصالح والتفضيلات الفردية التي ينبغي إدراجها في حساب المنفعة العامة والرفاه الشامل للمجتمع، من تلك التي تظل خاصة بأقليات وأفراد. تطرح مسألة صهر المنافع الفردية في منفعة جامعة شاملة صعوبات عديدة جعلت النتائجية المنفعية عرضةً للنقد من جهات متعدّدة، لعل أهمها، في نظرنا، تلك المتعلقة بموقع الالتزامات الخاصة في حساب المنافع وبعجز المنفعية عن الاعتراف بتعددية الأشخاص. فالمنفعية، من حيث هي إجراء لاتخاذ القرار الأخلاقي الصائب على الصعيد الفردي، تعترضها، في نظر ويل كيمليكا Will Kymlicka، صعوبة الاعتراف بوجود التزامات أخلاقية للأفراد لا تخضع لحساب المنفعة ومنطق الربح والخسارة. ففضلًا عن خطر مبدأ صهر المنافع في منفعة شاملة على الحرية الفردية، حين يصبح أساسًا لسياسات الدولة، فإنه يؤدي إلى اختزال الأفراد في بُعد المنفعة ويحوّلهم إلى ذوات مجرّدة

من كل التزام شخصي تجاه من تربطهم بهم صلات خاصة؛ إذ تقتضي المنفعية الأخلاقية المعمّمة من الشخص حساب مقدار المنفعة التي سينتجها فعله في كل وضع يجد نفسه مجبرًا فيه على اتخاذ

قرار حتى لو تعلّق بأمور شخصية؛ ذلك أن المنفعية لا تعترف، في نظر كيمليكا، بالواجبات التي تكون للفرد حيال أشخاص بعينهم، وتُدرج ضمن حساب المنافع تفضيلات وقرارات لا  ينبغي أن تُطرح وفق مفردات الربح والخسارة. وهو ما  يجعلها في تعارض مع الحدس الأخلاقي الذي يخبُره

الناس على نحو يومي. فنزعتها المساواتية تجعل الفاعلين المتبنّين لمذهبها يعتبرون أن كل الناس يحظون بالمكانة الأخلاقية نفسها، ولا  يتميز بعضهم من بعض إلا من حيث مقدار المنفعة الشاملة التي يستطيعون توفيرها. وهو ما  يعني أنه لا يُسمح للفاعل الأخلاقي المنفعي أن تكون له علاقات من نوع خاص تسوّغ له الاستثناء من سريان مبدأ المنفعة وحساب الربح والخسارة الذي يفرضه، كتلك التي تكون له مع أصدقائه أو أفراد عائلته أو دائن ينتظر منه الوفاء بوعده وسداد دينه. فأخلاق الحسّ المشترك تحثّنا، مثلًا، على الاعتراف بالحقوق المشروعة لمن أقرض غيره م لًا، وتُجبر المَدين على سداد دينه في الآجال المتفق عليها مع الدائن، حتى لو كان استخدام مال الدَين في مشاريع ما بدلًا من إرجاعه إلى صاحبه يمكن أن يجلب سعادة أكثر ومنفعة شاملة أكبر. ففكرة حقوق قائمة على التزامات مسبقة وتعهدات مقدّمة تظل خارج دائرة سيادة المبدأ المنفعي، ويصعب بهذا الدفاع عنها من وجهة نظر منفعية تعتبر أن النتائج، فحسب، هي ما  ينبغي أن يُؤخذ في الحسبان عند أخذ قرار الفعل. فالقيمة الأخلاقية للفعل تتمثل فقط في قدرته على إحداث حالات نفسية مرغوب فيها لا لدى الفاعل فحسب، بل لدى أكبر عدد من الناس. فوفق المنفعية، ينبغي عند البتّ في أمر تسديد الدَين أن يأخذ الفاعل الأخلاقي في اعتباره كل التفضيلات والمنافع المحتملة لكل الأفراد، وأثر قراره في حساب المنفعة العامة ومدى تعظيمه لها. ولا  يهمّ الفاعل، وفق منطق تعظيم المنفعة، إن كانت منفعة الدائن صاحب الحق في عداد المنافع التي احتُسبت جزءًا من المنفعة العامة أم لا.

(2((ويل كيملشكا، مدخل إلى الفلسفة السياسية المعاصرة، ترجمة منير الكشو (تونس: دار سيناترا للنشر، 2010)، ص 43. هذا

النقد هو نفسه تقريبًا الذي وجهه الفيلسوف البريطاني وليام ديفيد روس للنتائجية كما سنرى لاحقًا. ((2(المرجع نفسه، ص 46–45

فلعدم اعتراف المنفعية بالالتزامات الشخصية نراها تعتبر القرار الصائب الذي يتخذه فاعل أخلاقي ما، هو ذاك الذي يكون محايدًا شخصيًا ولا  يعطي أولوية لالتزاماته نحو شخصه على حساب التزاماته

نحو غيره. لذلك، تبدو فكرة أن تكون للشخص تطلّعات خاصة ويعمل على تحقيقها، صعبة القبول من وجهة النظر المنفعية، مثلما  يلاحظ الفيلسوف البريطاني برنارد وليامز (2003–1929)، فيقول: "إذا كُنتَ شخصًا يتحلّى على نحو أصيل وصادق بخصال (الالتزام والطموح والودّ) لا  يمكنك أن تعكس في فعلك وفي تفكيرك في الوقت نفسه وعلى نحو وفيّ كل مقتضيات المنفعية، ولا  يحقّ

لك حتى أن تأمل القيام بذلك [...] فالمنفعية لا تُلقي جانبًا بالضرورة فقط بكل هذه الاستعدادات،

وإنما هي تحطّ إلى ما لا نهاية له من قيمتها وتعتمد على صورة للإنسان. لم تكن هذه النزعة في صيغتها الأصلية تتردد في الدفاع عنها؛ صورة كائن مزوّد على نحو مثالي بمجموعة من التطلعات ذات طابع فردي فقط ويسهل على الأقل التضحية بها، وباستعداد أخلاقي أصيل واحد هو العناية المنفعية". أما بالنسبة إلى الاعتراض الثاني المتمثل في أن المنفعية لا تفلح في أخذ تعددية الأشخاص على محمل الجدّ، فيلاحظ رولز أن المنفعية، بما هي نظرية في الأخلاق العامة تفيد في اتخاذ القرار الصائب على صعيد السياسات، تظل تنظر إلى رفاه المجتمع باعتباره الحصيلة الإجمالية للإشباعات المتوافرة للرغائب الفردية. وهو الأمر الذي يقودها إلى عدم إعارة الاهتمام اللازم للاختلاف النوعي بين الأفراد، من حيث التطلعات والميول وطبيعة الرغائب. يقول رولز: "كما هو الحال بالنسبة لرفاه الشخص الذي يُبنى من سلسلة الرضا التي يتمّ اختبارها في لحظات مختلفة من مسيرة حياته، كذلك وبنفس الطريقة تمامًا يُبنى رفاه المجتمع من إنجاز أنظمة الرغبات للكثير من الأفراد الذين ينتمون إليه. بما أن المبدأ بالنسبة للفرد هو السعي قدر الإمكان وراء الرفاه الذاتي وله نظام رغباته الذاتي، فإن المبدأ بالنسبة للمجتمع هو السعي قدر الإمكان وراء الرفاه للمجموعة، لتحقيق الدرجة الأعظم من النظام الشامل للرغبة الذي يتم التوصل إليه من رغبات أعضائه. تمامًا كما أن الفرد يوازن مكاسبه الحالية والمستقبلية مقابل خسائره الحالية والمستقبلية، كذلك المجتمع يمكن أن يوازن الرضا وعدم الرضا بين أفراد مختلفين". ويرى رولز أن إعطاء الأولوية عند تحديد السياسات العامة لمقتضى تعظيم الحصيلة الإجمالية للإشباعات، يؤدي إلى إخراج مسألة توزيع الرفاه وفوائد التعاون الاجتماعي بين المواطنين من دائرة الاهتمام، أو في أفضل الأحوال منحها أهمية ثانوية. فالتوزيع العادل لفوائد التعاون الاجتماعي لا تكون له أهمية إلا من حيث مدى تأثيره في تعظيم المنافع. وفي هذا يقول: "العلامة الفارقة للرؤية النفعية للعدالة أنه لا  يهم، إلا بشكل غير مباشر، كيف يتمّ توزيع المجموع من الرضا بين الأفراد، تمامًا كما أنه لا  يهمّ، إلا بشكل غير مباشر، كيف يوزّع الشخص الواحد الرضا على مرّ الزمن. التوزيع الصحيح في كلتا الحالتين هو ما  يؤدي إلى الرضا الأعظم. إن المجتمع يجب أن

(30) Bernard Williams, Moral Luck (Cambridge: Cambridge University Press, 1981), pp. 51–53;

وورد ذكره لدى كيمليكا في: كيملشكا، ص.49–48 (3((جون رولز، نظرية في العدالة، ترجمة ليلى الطويل (دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2012)، ص.53–52

يوزع وسائل الرضا مهما تكن الحقوق والواجبات، والفرص والامتيازات، والأشكال المتنوعة للثروة، بحيث يمكنه تحقيق الرضا الأعظم إن كان يستطيع". ولا  يعني ذلك أن المنفعية ترفض التوزيع الأكثر مساواة، أو تجافي العدالة التوزيعية، إذ مثلما  يؤكد دارسون، أمثال فرانسيسكو فيرغارا وكيمليكا وجون هارساني (2000–1920)، أن فكرة المساواة ذات قيمة أساسية في مذهب المنفعية الذي شدّد مع بنثام على أن كل شخص يساوي واحدًا لا أكثر ولا أقل. وقد استخدمت الحجة المنفعية في مقاومة الامتيازات الأرستقراطية المتوارثة عبر الأجيال، وكانت بحقٍ مذهبًا تقدّمًيًّا في القرن التاسع

عشر، يدعو إلى المساواة والعدالة الاجتماعية وتعميم الخير العام على أكبر عدد من الناس والتصدّي للفقر والجوع والحرمان من التعليم ومن أسباب الصحة والرفاه التي عاناها السواد الأعظم من الناس حين ظهور المذهب. ونافحت المنفعية عن الحريات العامة والفردية مثلما جسّدت ذلك كتابات مل Leonard Hobhouse) وليونارد هوبهاوس 1882–1836(Thomas Hill Green وتوماس هيل غرين (1929–1864). وكذلك دافعت نظريات الاقتصاد النيوكلاسيكي ذات الوجهة المنفعية عن ضرورة إعادة توزيع الدخول والثروة والموارد الاقتصادية لتعظيم المنفعة. فمفهوم المنفعة الحدية المنخفضة Decreased Marginal Utility يفرض على السلطات العامة التدخل من أجل إعادة توزيع الدخول Incomes باعتماد سياسات ضريبية مناسبة، لأن تجمّع الموارد ووسائل إشباع الرغبات بين أيدي فئة قليلة من المجتمع يؤدي إلى بلوغ أعلى درجات الرضا والإشباع، وإلى انخفاض درجات المنفعة الحدية لديها، ويُفضي إلى عزوف أفرادها عن الاستهلاك؛ ما يُنتج ركودًا اقتصاديًا، الأمر الذي يقتضي إعادة توزيع للموارد المادية من الميسورين في اتجاه الفئات الضعيفة الدخل للزيادة في الرصيد الصافي للإشباعات والمنافع ولتحفيز النمو الاقتصادي. وهو المقتضى الذي حققه الكثير من البلدان في شكل الضريبة التدرجيّة على الدخل وغيرها من الضرائب. ولا  ينفي رولز هذا الجانب المساواتي في المذهب المنفعي، إذ جسّد هذا المذهب صيغةً لما يُعرف بليبرالية السعادة التي ينصبّ اهتمامها على توفير أسباب السعادة المادية والرخاء لجميع الناس

على قاعدة المساواة، أكثر مما  ينصبّ على حماية الحقوق والحريات. لكن عيب هذه الليبرالية

يكمن في أنها تعرّف السعادة بأنها هي خير على نحو مستقل عن العدالة والحقّ، وهو ما  يجعلها

تنحو بالضرورة صوب منح الخير والسعادة الأولوية على الحق والعدل. فمبدأ بنثام "أكبر سعادة لأكبر عدد" يجيز التضحية بالأقلية ما دام في ذلك تحقيق لسعادة العدد الأكبر من الناس. كما أن الحساب المنفعي الذي يصبّ الاهتمام على ارتفاع المنسوب العام للموارد الضرورية لإشباع الرغبات والمنافع

لا  يرى ضيرًا في أن ما  يخسره البعض من حقوق ومنافع، تعوّضه الجماعة بارتفاعٍ في حجم المنفعة

العامة التي تكسبها، ما دام ما حققته من أرباح يفوق ما تكبّده البعض من أفرادها من خسائر. يقول

رولز: "لكن، كما هو الحال بالنسبة للأوامر الأخرى، تلك المتعلقة بالعدالة مشتقة من الغاية الوحيدة وهي التوصّل إلى الرصيد الأعظم من الرضا. وهكذا لا  يوجد سبب مبدئيًا لماذا يجب ألا تعوّض

((3(المرجع نفسه، ص 55 (مع تعديل طفيف.) ((3(حول التمييز بين ليبرالية السعادة وليبرالية الحقوق ينظر الفصل الثاني من: Vergara.

المكاسب الأكبر لبعضهم، الخسائر الأقل للآخرين؛ أو بشكلٍ أكثر أهمية، لماذا لا يُجعل انتهاك الحرية للقلة صحيحًا من خلال الخير الأكبر الذي يشترك به الكثير". من هذه الزاوية، لا تنجح المنفعية

في العثور على الترتيب الأفضل بين مقتضيات الحرية ومقتضيات المساواة بجعلها مُقتضى توفير السعادة لأكبر عدد في مركز اهتمام السلطات العامة، ودفعها بالاعتبارات المتعلقة بالحقوق والحريات والمساواة والعدالة إلى المرتبة الثانية. وأمر كهذا يجرّد العدالة من صفة المفهوم المعياري الأساسي

ما دامت أهميته لا تكمن في ذاته وإنما في آثاره المتوقعة؛ أي قدرته على الترفيع من منسوب السعادة. ويرى رولز وأنصار النظريات الأخلاقية الآدابية أن هذا التصور الأداتي للحق والعدل تنجم عنه تبعات يصعب تحمّلها من وجهة نظر أخلاقية، إذ يمكنه أن يبرّر الانتهاكات للحرية والكرامة الإنسانية بنسب

الرفاه التي يُتوقع حصول الجماعة السياسية عليها.

ثانيًا: تعارض الوجهة الآدابية والوجهة النتائجية

لئن كانت النظريات الغائية، مثل النتائجية والمنفعية، كما أسلفنا، تعرّف الخير على نحو مستقل عن

الحق والصواب، وتعرّف العادل والحق باعتبارهما ما  يمكّن من تعظيم الخير، فإن النظريات الآدابية

في الأخلاق تصنّف الأفعال واجبة أو باطلة من دون اعتبار لتبعاتها ونتائجها. وهي خلافًا للنتائجية لا تعرّف الخير على نحو منفصل عن الحق والعادل، ولا تجعل منهما أدوات لتعظيم الخير.

فالفعل الأخلاقي القويم، بالنسبة إلى الآدابيين، هو ذاك الذي يتطابق مع المعيار الأخلاقي الذي يجب علينا القيام به بغضّ النظر عن النتائج المتوقعة منه. فللحق أولوية على الخير، وهذا الأخير لا  يحدّد القيمة الأخلاقية للفعل، إذ يمكن أن يكون الفعل صوابًا حتى لو لم يكن يُتوقع منه النتائج المحمودة والخيّرة ولا  يسهم في تعظيمها. ويُعتبر الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1804–1724) أهم مصدر

لإلهام أفكار فلاسفة الأخلاق الآدابيين المعاصرين وحججهم، لكنهم يعتمدون أيضًا على الأفكار والمقاربات للفيلسوفين البريطانيين ريتشارد برايس Richard Price (1791–1723) ووليام ديفيد روس (1971–1877) اللذين دافعا أيضًا عن أولوية الحق والصواب على الخير والسعادة. فكانط أكد أن كل تحديد للخير والشر يقتضي إقامة القانون العادل الذي يحدّد الواجب الذي في ضوئه يمكننا تمييز الخير من الشر، فيقول: "إن مفهوم [كل من] الخير والشر يجب ألا  يتم تعيينه قبل القانون الذي يبدو كأنه كان يجب أن يوضع هو في أساسه، بل فقط كما  يحدث ذلك هنا بعده وبواسطته". أما برايس، فقد اعتبر الحق والباطل صفتين عينيتين للأفعال لا مجرّد إحساسين مقترنين بطريقة اشتغال فكرنا

وإدراكه للعالم. ومعرفة ما هو حق من دون قبول به وتثمين له، ومن دون الاستعداد لتحقيقه والعمل وفقه، أمر غير ممكن التصور بالنسبة إلى برايس. ولأن الحق والباطل أخلاقيًا هما، في نظره، مستقلان

((3(رولز، ص.55 ((3(ينظر الفصل الأول، الفقرة السادسة من: المرجع نفسه. (3((يراجع مدخل وليام ديفيد روس في موسوعة كامبريدج للفلسفة من تحرير إلمر سبراغ، في:

Elmer Sprague (ed.), Cambridge Encyclopedia of Philosophy (New York/ London: Macmillan, 1972), pp. 1–3.

(3((إيمانويل كانط، نقد العقل العملي، ترجمة غانم هنا (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008)، ص.129

عن فكر الإنسان ويكونان مطلقين بالنسبة إلى العقل الإلهي. ولو كان الأمر على خلاف ذلك لما كان هناك معنى للقول إن الإرادة الإلهية يمكن أن تكون خيّرة. أما روس، فقد انتقد النتائجية لإفراطها

في تبسيط العلاقة الأخلاقية التي تربط الناس بعضهم ببعض. فهي تفترض مثلًا، كما  يقول روس، أن العلاقة الوحيدة ذات الدلالة الأخلاقية بيني وجيراني هي تلك التي تجعل منهم مستفيدين محتملين من الفعل الذي أقوم به. ويعترض على ذلك بالتأكيد على أن علاقة "مُفيد – مستفيد"، على الرغم

من أهميتها أخلاقًا، ليست العلاقة الوحيدة المهمّة على الصعيد الأخلاقي. فعلاقة الواعد بالموعود

والمَدين بالدائن والزوجة بالزوج والطفل بأبويه والصديق بالصديق والمواطن بشريكه في المواطنة،

هي الأخرى مهمة أخلاقًّيًا لتحديد ما  ينبغي لنا فعله. والحجة الثانية التي يقدّمها روس ضد النتائجية

هي أنها لا تعترف ب "الطابع الشخصي المميز" للواجب. فإذا كان الواجب هو إنتاج أعظم قدر من الخير، فلن تكون هناك أهمية للسؤال عمّن سيكون ذاك الخير من نصيبه، سواء كنتُ أنا نفسي أو

المُحسن إليّ، أو شخصًا وعدته به، أو أي شخص آخر. فهذه المسألة ليست جوهرية في نظر النتائجية

ولا تُحدث أيّ فارق، في حين أن الواقع يفيدنا خلاف ذلك. ويعتبر روس أن الحق والخير صفتان

متمايزتان غير قابلتين للتعريف ولا تقبلان بأن تردّ إلى صفات موضوعية. فالحق ينتمي إلى مجال الأفعال على نحو مستقلّ عن الدوافع، في حين يتعلق الخير الأخلاقي بالدوافع للفعل، فيقول: "بمجرّد

أن يقوم الإنسان بفعل لأنه يعتقد أنه سيعزّز مصالحه الخاصة، فلن يتصرف من منطلق الشعور بصوابه، بل من منطلق المصلحة الذاتية". يمكننا تمييز العناصر التالية في المقاربة الآدابية، وهي تأكيدها أن قيمة الأفعال تكمن في ذاتها لا في نتائجها ومنحها الأولوية للحقوق ومبادئ العدل، وتأكيدها على أهمية القواعد والقوانين في ضبط السلوك الأخلاقي.

1. قيمة الأفعال تكمن في ذاتها لا في نتائجها

حول العنصر الأول يجدر التنبيه، مثلما أسلفنا في مقدمتنا، إلى أن الآدابية تشترك مع النتائجية في جعل الفعل مركز الاهتمام في الحكم الأخلاقي، وفي أن الأخلاق تتعلق بتوجيه الفعل في اتجاهٍ ما. وترى هذه النظريات المركّزة على الفعل لا على خصال الفاعل، أننا نتعرف إلى ما  ينبغي فعله بالاعتماد على القواعد أو القوانين أو المبادئ التي تمدّنا بطريقة في التفكير، نكتشف من خلالها الفعل الحق أو المندوب أو الواجب أخلاقًّيًا عند اتخاذ قرارٍ في وضعٍ ما. ويمكن من هذه الوجهة أَّيَ شخص، حتى

لو لم تكن له أيّ رغبة أو حرص على العمل وفق ما  يمليه الواجب والقاعدة، أن يتوصّل إلى معرفة

وإدراك ما هو مطلوب منه، إذ يكفيه أن يحاكي سلوك الآخرين الذين تصرّفوا على نحو مستقيم، من

دون أن يثمّن بالضرورة هو نفسه ذلك السلوك، وأن يعتقد بالضرورة أنه قدوة حسنة له. لذلك لا نجد

((3(ينظر مدخل وليام ديفيد روس في: Sprague (ed.).

(39) William David Ross, The Right and the Good (Oxford: Oxford University Press, 2002 [1930]), p. 19. (40) Ibid., p. 22. (41) Ibid., p. 34.

في النظريات الأخلاقية المركّزة على الفعل مكانة معرفية مرموقة تُعزى إلى الفاعل كما هو الحال في النظريات المركّزة على صفات الفاعل. فعلى خلاف النظريات المتأثرة بالنظرية الأخلاقية الأرسطية التي تجعل أساس الفعل العقلاني قائمًا في الرغبة المتعقّلة التي تتحدد بطبيعة غايتها وهدفها، جعل كانط أساس فعل الكائنات العاقلة متمثلًا في الإرادة التي تجعل الواجب والقانون الأخلاقي غايتها الأولى. أما الرغبات العاقلة، فيصعب تحديدها بسبب تعددية تصورات الخير وكثرة مواضيع ملكة الرغبة وتباينها من شخص إلى آخر، ما  يمنع ضبط تعريف موحّد لها. ولا تقيم النظرية الأخلاقية الآدابية في صيغتها الكانطية أخلاقية الفعل على طبيعة الدافع الحسي والخبري ولا على أيّ مبدأ مادي مهما كان، وإنما تجعله معتمدًا على الوعي بالواجب الذي يقتضي الحرية بمعنى استقلالية الإرادة التي تحصل بفعل تحديد العقل لها من خلال الأمر الأخلاقي القطعي. وفق هذا المعنى، تعتبر هذه المقاربة أن هناك أفع لًا ذات صلاحية مطلقة في ذاتها ومُلزمة على نحو كليّ، وأخرى باطلة أخلاقيًا في

حد ذاتها، ولا  يمكن أن نقبل بها أدواتٍ لتنفيذ أو تحقيق غايات مهما بدت نبيلة أو ملزمة لنا أخلاقًّيًا.

ولعلّ هذا ما حدا بتوماس ناجل، أحد فلاسفة الأخلاق الأميركيين المعاصرين، إلى القول إن الموقف القطعي والصارم للأخلاق الآدابية "يستند إلى ضرب من الحُكم الأخلاقي أساسي وصائب لا  يمكن اختزاله في مبادئ أخرى أو تجاوزه من خلالها"؛ فهناك قيمة باطنة للأفعال تجعلها تتحدّد في ذاتها لا في غايات خارجية، مهما كان تثميننا لها، ولا بسياقات مستقلة عنها.

2. أولوية الحقوق على الخير والعدل على السعادة

يعتبر أنصار النظرية الآدابية أن رؤيتهم للأخلاق توفّر حصانة أفضل من أيّ نظرية أخلاقية أخرى للحقوق الذاتية للأفراد؛ أي تلك الحقوق التي يمتلكها الأشخاص على نحو مطلق ولا تتأتى فقط من وجود منظومة قانونية تجعلها حقوقًا فعلية. فالفعل المُدان أخلاقًّيًا يخرق واجبًا وقانونًا يحميان حًّقًا

من حقوق الغير، وينتهك حقًا أخلاقيًا يظل مطلقًا، حتى لو لم توجد القوانين المدنية التي تنقله من حيز

الإطلاقية إلى حيز الفعلية. وخلافًا للنزعة النتائجية، لا تجعل الآدابية الحقوق خيراتٍ من ضمن خيراتٍ أخرى يمكن تقدير قيمتها من جهة النتائج التي تجلبها للأفراد، سواء أكانت محمودة أم مذمومة، وإنما هي قيود تُفرض على طريقتهم في الفعل ضمن أيّ وضع يجدون أنفسهم فيه. وهو ما  يعني أن

الحقوق وقواعد العدالة الحامية لها لا  يمكن أن تكون أدواتٍ لتحقيق غاية مرغوب فيها، سواء على الصعيد الفردي أو الجماعي. لذلك، بدت النظرية الأخلاقية الآدابية أكثر مواءمة للتصور الليبرالي المنشغل بحماية الحقوق الذاتية ضد كل محاولات تقليص مداها، من خلال قوانين مدنية تقيّد

التمتع بها أكثر مما هو منشغل بالزيادة في مقدار السعادة المادية، كما هو الأمر بالنسبة إلى المنفعية وليبرالية السعادة. لذلك تُعطي النظريات الآدابية الأولوية للعادل على الخيّر، ولا تهتم بمضمون الفعل

(42) J. B. Schneewind, "The Misfortunes of Virtue," Ethics , vol. 101, no. 1 (October 1990), pp. 42–63. (43) Thomas Nagel, Mortal Questions (Cambridge: Cambridge University Press, 1979), p. 56.

(4((يميز رونالد دووركين بين حقوق أخلاقية وحقوق قانونية وحقوق مؤسساتية، ينظر: رونالد دووركين، أخذ الحقوق على محمل

الجدّ، ترجمة وتقديم منير الكشو (تونس: دار سيناترا للترجمة، 2015)، ص.163–162

والأهداف التي ينشدها، خلافًا للمنفعية وأخلاق الفضيلة اللتين تبحث كلّ منهما على طريقتها، في تحقيق مثل أعلى للحياة الفُضلى والخيّرة، وتُلزم الفاعل الأخلاقي بالسعي نحو تحقيقها. فالنتائجية

وأخلاق الفضيلة تتسمان بنزعة كمالية Perfectionnist تجعلهما  يحدّدان تصورًا للخير، سواء كان هو

الرفاه أم مث لًا أعلى للحياة الخيّرة، في انسجام مع تصور ديني أو سياسي أو فلسفي تأملي أو غيره،

ينبغي للشخص أن يعمل على تحقيقه. في حين يرى الآدابيون أن على الأخلاق أن تركّز على الفعل لتمييز الواجب منه من المنهي عنه، والمباح من المحظور، بغضّ النظر عن تصورات الحياة الخيّرة

وما ترسمه من غايات. فمقابل النزعة الكمالية للنظريات الأخلاقية الأخرى تكتفي النزعة الآدابية بغرض أكثر تواضعًا، هو تحصين الحقوق الأساسية للأفراد في إطار معايير العادل وحماية حريتهم في اختيار تصورات الخير التي يريدونها والمثل الأعلى للحياة الفُضلى الذي يبغون اتباعه. وقد جعل ذلك رولز في نظريته في العدالة شرطًا لقيام مجتمع عادل مُحكم التنظيم من خلال المبدأ الأول الذي

يضمن، في رأيه، الحق الأساسي لكل شخص في الاختيار الحر لتصوّره للحياة الخيّرة. على الصعيد الحجاجي، يفترض ذلك أن الأولوية ينبغي أن تُعطى للإجرائيات ولقدرتها على إنتاج المبادئ الأولية الكفيلة بحماية الحقوق، وجعلها بمنأى عن كل مساومات أو مقايضاتٍ بمقتضيات أخرى للعيش المشترك، مثل الرفاه العام أو المصلحة المشتركة أو المنفعة العامة أو الأمن والاستقرار المجتمعي والسياسي. وخلافًا للنتائجية التي تقيّم الأفعال على قاعدة النتائج التي تجلبها، ولأخلاق

الفضيلة التي تركز على نوعية الفعل ومضامينه، تكتفي النزعة الآدابية بفرض إكراهات على الفعل وصياغتها ضمن قواعد ومبادئ إجرائية وقانونية، مثلما نرى ذلك لدى رولز وهابرماس وديفيد غوتييه (2023–1932) وسكانلون الذين يُعدّون من أهم الممثلين للآدابية الإجرائية، وإن اختلفوا في سبل

الحجاج الفلسفي على المعايير والمبادئ الأخلاقية وطريقة توظيف المقاربة الإجرائية لدراسة قضايا الأخلاق. فالنظرية الأخلاقية الهابرماسية آدابية من حيث إنها تجعل المعايير الأخلاقية مبادئ تفرض على الأفراد التزامات على نحو قطعي، لا تتوقف صحتها على المنافع والخيرات التي تجلبها لهم. لكن مضمون المبدأ الأخلاقي، في نظر هابرماس، لا  يَمثُل من البداية بصفة المعيار الصائب في حد

ذاته، مثل ذلك الذي يستمدّ من الحسّ المشترك أو الذي يُستنتج من الفطرة السليمة، وإنما  يكون

نتيجة لمسار "ممارسة حجاجية لا  يتسنى تدبيرها إلا على نحو مشترك مع الآخرين تقوم على مضامين مفترضة فيها ذاتها". فصياغة المبادئ الأخلاقية ينبغي أن تكون، في نظره، نتيجة إجرائيةِ نقاشٍ فعلي، أو على الأقلّ محتمل الحصول. وتختلف هذه المبادئ الأخلاقية التي تتشكّل على هذا النحو

عن المبادئ الأداتية والالتزامات المتولّدة من تصورات الحياة الخيّرة، حتى لو أخذت في الحسبان

السياقات الخاصة بتصورات الخير في المداولة الأخلاقية. ومثلما هو الأمر لدى كانط، ينبغي في نظر هابرماس أن تخضع القواعد الحاكمة للسلوك لما  يسميه مبدأ U" Univeralization " (الكونية) الذي يصوغه على النحو التالي: "إن كل معيار صحيح ينبغي أن يستجيب لشرط أن يكون كل الأشخاص

(4((حول مبادئ العدالة لرولز ينظر مقالنا: منير الكشو، "نظرية جون رولز في العدالة التوزيعية ونقادها" تبيّن، مج  9، العدد 36

(ربيع 2021)، ص.72–49

(46) Jurgen Habermas , Léthique de la discussion , M. Hunyadi (trad.) (Paris: Le Cerf, 1992), p. 95.

المعنيين به مُستعدّين للقبول بالنتائج والآثار العرضية، التي يُتوقع أن تترتب على التزام الجميع به، على تلبية كلّ واحد منهم لمصالحه، ومستعدين لتفضيل هذه الآثار عن تلك المحتملة من الالتزام بمبدأ آخر". وتختلف هذه المبادئ الأخلاقية، من حيث هي معايير شاملة وكونية يفضي إليها مسار المداولة، عن القيم التي تفترض دومًا ترتيبًا تفاضليًا ما للخيرات، يظل مرتبطًا بالثقافات وبرؤى العالم

المتعدّدة، وكذلك تختلف عن المصالح، حتى عندما تكون في شكل مصلحة معمّمة Generalized Interest، في أن صلاحيتها كونية ولا تنطبق فقط على الجماعة اللغوية والثقافية المشاركة في المناقشة، في حين أن الخيرات والقيم متعدّدة ومختلف فيها، والمصالح تظلّ دومًا محلّ خلاف وتنافس لا  يمكن إزالتهما حتى لو أمكن بلوغ توافقات حولها. والطريقة الإجرائية نفسها في تحديد المبادئ التي ينبغي أن تحمي الحقوق والحريات وأن تحكم نمط اشتغال المؤسسات وسلوك الأفراد في المجتمع، نجدها لدى رولز أيضًا. فقد قدّم نظريته في العدالة على أنها تستند إلى نظرية أخلاقية آدابية وتعتمد على تصور إجرائي للعدالة يؤكد أسبقية العادل على الخيّر. فمبادئ العدالة التي تضعها هذه النظرية أساسًا لمجتمع عادل وجيّد التنظيم، تكون حصيلة

مداولة بين أطراف اجتماعية من وراء حجاب جهلٍ في حالة افتراضية متخيلة. وفق هذا التمشي، تتحدّد الالتزامات الأخلاقية التي تقع على كاهل الفاعلين الأخلاقيين والاجتماعيين، عبر توافق الإرادات التي تحصل أثناء مداولة افتراضية بين أفراد عقلانيين، يبحثون عن حماية مصالحهم المفهومة جيدًا ضمن ظروف يتوافر فيها شرط الإنصاف. لذلك، يتكفل حجاب الجهل بمنع المعلومات التي من شأنها أن تجعل المداولة مفاوضةً بين أطراف غير متساوين، من حيث القدرة على التأثير في نتائج المداولة وفرض التنازلات على الأطراف الأخرى، مثل تلك المتعلقة بمعرفتهم بمواهبهم الطبيعية من قوة جسديّة أو عقليّة وحدّة طبع وصبر، أو بهويتهم الخاصة الجنسية أو العرقية أو الدينية أو الطبقية

والاجتماعية. ومداولةٌ على هذا النحو تفضي، في رأي رولز، إلى التعاقد حول مبادئ عادلة وتصورٍ عامّ للعدل، يحكم عمل المؤسسات الكبرى للمجتمع وطريقة توزيعها لمزايا التعاون الاجتماعي وتكاليفه. ولئن كان غرض رولز من استخدام إجرائية العقد الاجتماعي هو تسويغ مبادئ عدالة يتفق حولها مواطنو مجتمع ديمقراطي تعدّدي، من حيث تصورات الخير ومُثل الحياة الفُضلى، توفّر لهم العدالة والاستقرار السياسي وتضمن لهم أفضل حماية لحقوقهم وحرياتهم، يستخدم الفيلسوف الكندي غوتييه إجرائية العقد الاجتماعي لتسويغ مبادئ أخلاقية لنظرية آدابية. وخلافًا لمقاربة رولز وهابرماس وسكانلون، المتأثرة بالكانطية الأخلاقية، تكون الأخلاق وفق وجهة نظر غوتييه مرتبطة بالرغائب والمصالح، وتفترض سلوكًا محفّزًا للبحث عن المنفعة الخاصة، أكثر مما تفترض سلوكًا لامباليًا

بها وخاضعًا لمعايير وضوابط مستقلّة عنها. غير أن غوتييه، وإن انطلق من السلوك الواقعي للأفراد الساعين لتعظيم منافعهم لاستنتاج القواعد الأخلاقية الناظمة للسلوك التي سينتهون إلى التعاقد حولها، لا  يجعل مبدأ المنفعة الأساس لتقييم الأفعال بعد تأسيس الأخلاق على نحو تعاقدي؛ وهو

(47) Jurgen Habermas, Morale et Communication , C. Bouchindhomme (trad.) (Paris: Le Cerf, 1986), pp. 86–87.

ما  يجعل نظريته آدابية، وليست نتائجية. ولئن كان هدف التعاقدية السياسية، مثلما هو الأمر لدى رولز وجيمس بوكانان (2013–1919)، هو صياغة نظرية في المشروعية وفي الالتزامات السياسية Political Obligations، وتعمل على تحديد الشروط التي يتعين توافرها لتكون المؤسسات ذات شرعية أخلاقية، ويحقّ لها إلزام الأفراد بالوفاء بالتزاماتهم السياسية نحوها، من قبيل طاعة القوانين ودفع الضرائب والقيام بالخدمة العسكرية والدفاع على الوطن وغيرها، تستخدم التعاقدية الأخلاقية لغوتييه إجرائية العقد من أجل معرفة أيّ المبادئ الضابطة للسلوك يصحّ اعتبارها مبادئ أخلاقية يمكن

قبولها من أفراد تختلف مصالحهم وتفرّق بينهم تصورات متباينة للخير لا تتقايس، ويجدون في وضعٍ

خلوٍ من الأخلاق شبيهًا بالحالة الطبيعية الهوبزية. فالقواعد الأخلاقية لدى غوتييه تمثّل إكراهات وقيودًا لنزوع كل فرد إلى تعظيم منفعته المأمولة، من دون اعتبار لا للمصلحة العامة ولا للفوائد المتبادلة مع أقرانه في المجتمع. وهي في نظره، قواعد يهتدي فاعلون عقلانيون إليها ويتفقون على جعلها قيودًا على سلوك كل واحد منهم يسعى لتعظيم منفعته الخاصة. وينبغي لكل عضو، بما هو فاعل عقلاني ينتمي إلى جماعة، ويرغب في زيادة أرباحه وتقليص خسائره وحماية مصالحه، أن يلتزم باحترامها حتى يستمر العيش المشترك والتعاون الاجتماعي وتتحقق الفوائد المتبادلة. وفق هذا التمشي الهوبزي لغوتييه، ليست القواعد التي تلزمنا الأخلاق باحترامها غير قواعد تبصّر وحسن تدبير يقبل بها فاعلون عقلانيون من أجل حماية مصالحهم؛ وهي مصالح فاعل عقلاني عليم جيّدًا وقادر على تمييز مصلحته وفهمها كما  ينبغي، وليست تلك التي يشعر بها فاعل لا  ينظر إلا إلى

رغائبه وشهواته المباشرة. ويرى غوتييه أن فاعلًا يتميز بهذه الصفات سيدرك أن تحقيق تفضيلاته، المفكّر فيها جيّدًا، وحماية مصالحه، المفهومة على نحو سليم، يقتضيان الحفاظ على شروط التعاون

مع الآخرين، وليس في البحث المنفلت من كل عقال عن المنفعة الشخصية، فيقول: "لا  ينبغي أن ننظر إلى الأخلاق بوصفها تقييدًا من العقل فقط على إشباع التفضيلات اللاعقلانية. إن الفاعل الأخلاقي هو ذاك الذي يسعى إلى الحصول على أعظم إشباع لتفضيلاته، والأخلاق هي القيد الذي ينفرض

(4((حول هذا التصور للأخلاق باعتبارها مفهومًا مشتقًا وليس أصليًا ومستقلًا، ينظر الفصل السابع في:

David Gauthier, Morals by Agreement (Oxford: Clarendon Press, 1986).

ينبغي التنويه إلى أن هذا التصور لعقد اجتماعي مستلهم من هوبز يقوم على العناصر التالية: 1. اعتبار المبادئ الأخلاقية بمنزلة القواعد الإجرائية الأداتية التي تصلح لتنظيم نشاط أفراد يرغبون في تعظيم منافعهم، 2. موقف الفاعلين الأخلاقيين حيال هذه

المبادئ يتحدد بمدى تعلّقهم بحماية مصالحهم العقلانية، 3. الاستجابة للأوامر الأخلاقية تضمن لكل فرد الأداة التي يمكنه بها مزاولة تحقيق تفضيلاته ورغائبه من دون صدام أو احتكاك بأقرانه في المجتمع. ((4(اقتصادي وفيلسوف أميركي ينتمي إلى الاتجاه الليبرتاريني حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد سنة 1986، عُرف بدراسات في

مجال نظرية الاختيار العام Public Choice Theory، اعتمد المقاربة التعاقدية في كتابه حدود الحرية بين الفوضى واللفيثانللدفاع عن دولة الحد الأدنى وتجريد الدولة الضخمة؛ أي دولة الرفاه في نظره من المشروعية الأخلاقية. ينظر كتابه:

James Buchanan, The Limits of Liberty between Anarchy and Leviathan (Chicago: The University of Chicago Press,

حول العقد الاجتماعي في الفلسفة السياسية المعاصرة لدى بوكانان وآخرين، ينظر الفصل الأول من كتابنا:

Mounir Kchaou, Etudes rawlsiennes, justice et contrat (Tunis: Centre de Publications Univeraitaires, 2006). (50) David Gauthier, "Morality and Advantage," The Philosophical Review , vol. 76, no. 4 (1967), pp. 460–475.

على الطريقة التي بها يحقق مسعاه، وهو قيد ينتج من تفاعله مع فاعلين آخرين". ومن هذه الوجهة، تبدو الأخلاق جملةً من القيود، يقبل فاعلون ساعون لتعظيم منافعهم وتقليص خسائرهم بفرضها على رغائبهم وشهواتهم، من أجل الحفاظ على استمرارية مشروع التعاون الاجتماعي. هذا المشروع يوفّر السياق الذي تشتغل فيه العقلانية التعظيمية التي من مصلحة جميع الشركاء الاجتماعيين المحافظة عليها مهما كان تعلقهم بغاياتهم وأغراضهم الخاصة.

3. أهمية القواعد والقوانين

يتعلق العنصر الثالث بتشديد المقاربة الآدابية على أهمية القواعد والقوانين الضابطة للسلوك. فسواء من خلال فكرة أولوية القانون وعلويته، أو فكرة حقوق أخلاقية مطلقة، أو التمييز الكانطي بين الفعل عن واجب والفعل وفقًا للواجب، تستند الوجهة الآدابية إلى تصوّر للفعل المستقيم وللحياة الخيّرة

يقوم على إدراكٍ للحدود التي ترسمها القواعد والقوانين والضوابط والمعايير والأوامر والنواهي للفعل الإنساني. لذلك، جعل كانط احترام القانون، سواء أكان قانونًا مدنيًا يسري على الأفعال الخارجية

للأشخاص في تفاعلاتهم اليومية، أم أخلاقيًا موجّهًا إلى السريرة الباطنة والنية الدافعة للفعل، أساس

الأخلاقية، فيقول: "إن موضوع الاحترام هو، إذًا، وببساطة: القانون كما نفرضه نحن أنفسنا على أنفسنا، وهو مع ذلك ضروري في ذاته ونحن نخضع له من حيث كونه قانونًا من دون استشارة حب الذات". فينبغي أن ينصبّ الاحترام على القانون لا على الأشخاص، وحين ينصبّ على الأشخاص

لا  يكون لذواتهم وإنما من حيث إنهم بسلوكم يقدّمون لنا أمثلة للقانون المُفعّل، فيقول أيضًا: "إن كل

احترام نحو شخص ليس في الحقيقة إلا احترامًا للقانون [...] الذي يقدّم هذا الشخص مث لًا له".

فوفقًا للوجهة الآدابية الكانطية يكون احترام الأشخاص احترامًا لعقلانية كائنات عاقلة لا تُختزل ذاتها

في وجودها بوصفها ظاهرة ضمن عالم الظواهر، تخضع للسببية العمياء وعاجزة عن التحديد الذاتي، وإنما تُحدد بوصفها شيئًا في ذاته قادرًا على أن يقتلع نفسه من عالم الظواهر وأن يقيم فعله على العقل

العملي والأمر الأخلاقي القطعي، لا على الميول والدوافع الحسية والمشاعر والعواطف والانفعالات والرغائب. لذلك، يكون احترام شخص هذه الذات الحرة احترامًا للأمر الأخلاقي، سواء في شكله

الخارجي بوصفه قانونًا مدنيًا، وهذا هو معنى الفعل طبقًا للواجب، أو في شكله الداخلي من حيث

هو قانون أخلاقي مُحدّد للإرادة الخيّرة التي تجعل الواجب الأخلاقي غرضها الأول، وهو معنى الفعل

عن واجب. ويقول كانط متحدثًا عن القوانين الأخلاقية: "على نقيض قوانين الطبيعة، تسمى قوانين الحرية هذه قوانين أخلاقية. وبما أنها موجّهة إلى الأفعال الخارجية ومطابقتها للقانون فحسب، فإنها

تسمى قوانين قضائية، ولكن إذا اقتضوا أيضًا أن تكون (القوانين) نفسها هي الأساس المحدّد للأفعال، فهي قوانين أخلاقية، ومن ثم يقول المرء إن التوافق مع القوانين القضائية هو قانونية الفعل، والتوافق

(51) David Gauthier, "Why Contractarianism?" in: Peter Vallentyne (ed.), Contractarianism and Rational Choice: Essays on David Gauthier’s Morals by Agreement (Cambridge: Cambridge University Press, 1991), pp. 24–30, esp. 13.

(5((إمانويل كانط، أسس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة محمد فتحي الشنيطي (الإسكندرية: دار الوفاء للطباعة والنشر، 1970)، ص.52 ((5(المرجع نفسه.

مع القوانين الأخلاقية هو أخلاقيته". وبناءً عليه، ينبغي أن ننظر إلى احترام الأشخاص الكانطي

باعتباره المقابل أو البديل من التعاطف المنفعي لدى هيوم وسميث وبنثام. ولئن اشتركا في صفة أن كليهما شعور، فإنهما  يختلفان في أمر مهم، وهو أن الأول شعور يحافظ على المسافة الفاصلة بين الذات والآخر موضوع الاحترام، في حين يتطلّب الثاني كفاية التماهي والمشاركة الوجدانية مع الآخر، أو ضربًا من الالتحام به يُلغي تلك المسافة. ولئن اقتضى الاحترام هو أيضًا نوعًا من التماهي مع الآخر يجعل الذات تعترف له بالحق بأن يكون له – مثلما  يكون لها – رغائب ومشاريع خاصة ومشاعر من حب وكراهية ومخاوف وآمال تؤثر فيه وفي حياته على أنحاء عدّة، يظل شعور الاحترام يدفع، مع ذلك، الذات للوقوف على مسافة منه، ويجعلها تعتبر مشاريع كل شخص مشاريعه الخاصة به وليست مشاريعها هي أيضًا، ولا أنها شريكة له فيها كذلك. أما "التعاطف"، فيتمثل في الأساس في ميل عفوي لتبنّي حاجات الآخرين ومصالحهم، وكأنها حاجات الذات ومصالحها، ويجعلها تعمل من ثمّ على مساعدتهم على هذا الأساس. فالاحترام ميل يدفعنا إلى عدم مشاركة الآخر حياته، وأن نبقى على حدة تاركين إياه يعيش الحياة التي يريد وفق الطريقة التي يشاء ويراها صالحة له. وبهذا، فإن احترام الأشخاص يقتضي احترام استقلاليتهم الذاتية، والحرص كذلك على أّلا يكون اهتمامنا بسعادتهم وبرفاههم، الذي هو لدى كانط واجب فضيلة؛ أي إنه واجب واسع وليس صارمًا Strict كما هو الحال بالنسبة إلى الأمر القطعي، متضاربًا مع تلك الاستقلالية الذاتية. لذلك، يشدد نورمان أحد شرّاح كانط

على أن شعور التعاطف هو الذي يؤسس لقيم الإحسان والطيبة والعناية والحدب المميزة للأخلاق المنفعية، في حين أن شعور الاحترام يشكّل الأساس لقيم الاستقلالية الذاتية والحرية والحقوق.

ثالثًا: أنواع النظريات الآدابية

يمكننا أن نميز بين ثلاثة أنواع من النظريات الآدابية؛ نظريات متمحورة حول الفاعل، ونظريات مركّزة على الحقوق، وثالثة تعاقدية. يضع الصنف الأول من النظريات الأخلاقية الآدابية مناط الاهتمام الأخلاقي صفة الفاعل Agency. فالأخلاقية في صميمها مسألة شخصية، وكل شخص معنيّ بجعل

العالم الأخلاقي الخاص به منظمًا وسوًّيًا. ولا  ينبغي أن يركّز الواجب الأخلاقي على أثر فعل فاعلٍ ما في أفعال فواعل أخرى، كأن يدفعهم إلى ارتكاب شٍّرّ ما، وإنما في مسألة كيف يمكنه العمل على

جعل ذاته الفاعلة خالصة من كل شائبة لاأخلاقية. لذلك، تركّز النظريات الآدابية المركّزة على الفعل من حيث علاقته بالفاعل على دور الإرادة الطيّبة في تحديد الصفة الأخلاقية للفعل، إذ يكتسي في

هذا السياق تأكيد كانط على أهمية الإرادة الخيّرة والنية الحسنة في الأخلاقية قيمة بالغة، فيقول: "من

بين كل ما  يمكن تصوره في العالم، بل وبوجه عام خارج العالم، ليس ثمة ما  يمكن اعتباره خيرًا من

(54) Immanuel Kant, Metaphysics of Morals , Mary Gregor (trans.) (Cambridge: Cambridge University Press, 1991), §. 213, p. 42. (55) Richard Norman, "Respect of Persons, Autonomy and Equality," Internationale de Philosophie , vol. 43, no. 170 (1989), pp. 323–341.. Stephen Darwell, Deontology (Oxford: Blackwell, 2003) (5(ينظر القسم الثاني من كتاب:(

دون تحفظ، إن لم يكن الإرادة الخيّرة". فصفاء النية الداخلية والتزامها بالأمر الأخلاقي يكونان هنا شرطًا أوّلًيًّا لأخلاقية كل فعل وفق المقاربة الآدابية. فوجود النية الطيبة أو غيابها هو ما  يسمح بتصنيف قولٍ ما على أنه صادق أو كاذب، لأن الأكاذيب تكون بالضرورة قصدية وعن نية المغالطة، في حين أن الفشل في قول الحقيقة والإخلال بمقتضاها لا  يتضمنان بالضرورة نية المغالطة حتى في الحالات التي نسمّيها الكذب في شكل سهوٍ عن قول الحقيقة. ومن جهة أخرى، لا  يكون انتهاك إكراه أو قيد آدابي إلا عن قصد، وهو ما  يعني أن الآثار العرضية الناتجة من أفعالنا التي يترتب عليها سوء أو ضرر يلحق بالآخرين، أو أننا فشلنا في منع ذلك الضرر، لا يُعدّ خرقًا للقيد الآدابي. أما الصنف الثاني المركّز على الحقوق فيجعل من الدفاع عن حق الأشخاص في أّلا يُستخدموا من دون موافقتهم أدواتٍ لإنتاج أفضل النتائج لغيرهم مدار انشغاله الرئيس؛ إذ يرفض هذا الصنف من النظريات الآدابية أن يستخدم فردٌ جسد فردٍ آخر أو عمله أو قدراته ومواهبه لخدمة أيّ غرض، سواء أكان شخصيًا أم عامًا من دون موافقته. ويتبنّى عديد الفلاسفة الليبرتارينيون، الذين ينبغي أن نميزهم من الليبراليين، هذا الضرب من النظريات الأخلاقية الآدابية المركّزة على الحقوق، ومن ضمنهم روبرت نوزيك Robert Nozick (2002–1938)، وبيتر فالنتين Peter Vallentyne، وفريدريش هايك

والصنف الثالث من النظريات الآدابية هو النظريات الأخلاقية التعاقدية. تعتبر هذه النظريات الأفعال الباطلة أخلاقيًا هي تلك التي تنهى عن فعلها المبادئ التي يقبل بها أناس وُضعوا في وضع افتراضي لإبرام عقد اجتماعي يكون منصفًا وعادلًا ينهض على قناعات أخلاقية راسخة مشتركة بين أفراد المجتمع، مثلما هو الأمر لدى رولز في كتابه نظرية في العدالة، أو عقد أخلاقي ينتهي إلى وضع ضوابط أخلاقية يتفق حولها أفراد في وضع مساومة أصلي، مثلما هو الأمر لدى الفيلسوف الكندي الليبرتاريني غوتييه الذي عرضنا وجهة نظره، وذلك لتنظيم علاقاتهم في عالم غير مثالي يدفع فيه السعي المحموم إلى تعظيم المنفعة الخاصة الناس إلى التعدّي على حقوق غيرهم وخرق شروط التعاون، أو كذلك تلك الأفعال التي تحجُرها مبادئ لا  يستطيع أحد أن "يرفضها على نحو معقول reasonably " مثلما  يدافع

(5((كانط، أسس ميتافيزيقا الأخلاق، ص.41

(58) Davis, Nancy, "Contemporary Deontology," in: Peter Singer (ed.), A Companion to Ethics (Oxford: Blackwell, 1991), pp. 205–218.

((5(حول الاختلاف بين الليبرتارينية والليبرالية، ينظر الفصلان الثاني والرابع في: كيملشكا؛ الكشو، "نظرية جون رولز في العدالة التوزيعية ونقادها"، ص 72–49؛ وبالنسبة إلى روبارت نوزيك، ينظر المقطعان الأول والثاني من الفصل السابع في: روبارت نوزيك،

الفوضى، الدولة، اليوتوبيا، ترجمة عبد الكريم ناصيف (دمشق: دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع، 2019)؛ وبالنسبة إلى فريدريش هايك يُنظر الفصل التاسع في:

Frederich Hayek, Law, Legislation and Liberty , vol. 2: The Mirage of Social Justice (London: Routledge, 1998).

((6(ينظر الفصل الثالث في: رولز؛ وينظر الفصلان السابع والثامن في: Morals by Agreement Gauthier,.

عن ذلك الفيلسوف الأميركي توماس سكانلون، الذي يعتبر أن "الفعل يكون صائبًا وأخلاقيًا إذا كان ضروريًا ومبررًا بموجب مبادئ لا  يمكن أيّ إنسان، يملك الدوافع المناسبة، أن يرفضها بصورة معقولة، بصفتها أساسًا للاتفاق العام الحرّ المبني على المعرفة". ويجدر التنبيه إلى أن أغلب النظريات الآدابية، باستثناء غوتييه تقريبًا، تؤكد انتسابها إلى كانط وفلسفته العملية على نحو أو آخر. فالنظريات الآدابية المركّزة على الفاعل، التي تجعل القيمة الأخلاقية للأفعال متوقفة على المبادئ والقواعد التي يعمل وفقها، وليس على أثر تلك الأفعال في الآخرين، تستند إلى فكرة كانط أنه ما من شيء يكون خيرًا على نحو مطلق مثلما الإرادة الخيرة. أما النظريات المركّزة على الحقوق، فتستند إلى التحذير الكانطي من استخدام الآخرين مجرّد وسيلة لخدمة أغراض شخصية. في حين تستند النظريات التعاقدية إلى تأكيد كانط على القاعدة التي تُلزم الفاعل بأن يجعل من مسلّمة فعله موضوع إرادة كل الكائنات العاقلة، وأن تصلح من ثمّ قانونًا كونيًا وأمرًا أخلاقيًا قطعيًا تترتب عليه واجبات مقيّدة.

رابعًا: أخلاق الفضيلة ومقاربتها للقضايا الأخلاقية

مقابل النظريات النتائجية والآدابية المركّزة على الفعل بصفة أساسية، وعلى الفاعل على نحو ثانوي، ركّزت نظريات أخلاق الفضيلة المعاصرة الاهتمام على الفاعل وخُلقه ونوع الأفعال التي تصدر عنه. لذلك، عملت على التباين مع ما تعتبره نموذجًا آليًا للفعل الأخلاقي يقتصر فيه دور

الفاعل على استحضار المبدأ أو المعيار أو القانون الأخلاقي وتطبيقه على الحالة الماثلة أمامه، أو محاكاة الآخرين في أفعالهم من دون اجتهاد ولا حاجة إلى التفكير. لذلك، سعت إلى إعادة إحياء بعض شواغل الفكر الأخلاقي اليوناني وصياغتها على نحوٍ تستجيب فيه للحاجة إلى حل مشاكل الفلسفة الأخلاقية الحديثة. وقد استصلحت لهذا الأمر ثلاثة مفاهيم استقتها من الفلسفة الأخلاقية القديمة، هي: أولًا، الفضيلة وتقترن بمعاني التميز Excellence، والاستقامة Arête، والطبع Character الذي هو استعداد للفعل على نحو ما. فالفضيلة استعداد وحالة ذهنية ونفسية يكون عليها الفاعل. فالكريم هو من يمتلك استعدادًا للفعل عن كرم، متعوّدًا على الفعل على ذاك

النحو ومحَطّ ثقة الناس في ذلك. لكن الفضيلة ليست العادة وما تعوّد عليه المرء فحسب، لأن العادة تكون في غالب الأحيان خالية من التفكير ولا تستدعي استخدامه. لذلك، تقتضي الفضيلة، فضلًا عن الاستعداد والتعوّد، الحكمة الأخلاقية، وتسمّى أيضًا الاستدلال العملي أو حسن التدبير

((6(ينظر الفصل الثاني، في:

Thomas Scanlon, What we Owe to each Other (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2003). (62) Thomas M. Scanlon, "The Significance of Choice," in: Michael Walzer et al. (eds.), The Tanner Lectures on Human Values , vol. 8 (Salt Lake City: University of Utah Press, 1988), p. 151.

ورد ذكره في: مايكل مدحت، "الرهانات الأخلاقية للتسامح عند توماس سكانلون"، تبيّن، مج  12، العدد 46 (خريف 2023)،

ص.124

Phronesis. فخلافًا للفعل وفق ما تعوّد عليه المرء، تعني الفضيلة وجود الاستعداد للفعل على

نحوٍ ما، ولا  يعني أن ذلك الاستعداد تحوّل إلى عاملٍ داخل كيان الشخص يُنتج باستمرار، من دون

تفكير وتمييز، أفع لًا فاضلة، وإنما الاستعداد للعمل وفق أسباب معقولة. وتكون من ثم الفضيلة استعدادًا يزاوله الفاعل من خلال عقله العملي وقدرته على الاستدلال وعلى النظر برويّة، ويتشكل من خلال التجارب والاختيارات السابقة. فالتفكّر الأخلاقي يبدأ مما  يتعلّمه المرء من مجتمعه، والفضيلة تكتسب في البداية باتباع قواعد ونماذج خاصة بسياق التنشئة الاجتماعية، لكنها تستدعي أيضًا تنمية الفرد في ذاته للاستعداد لاتخاذ القرار والفعل الذي ينبع عن فهم ورويّة يكون الوحيد القادر على تحقيقهما في كل حالة يجد نفسه فيها. لذلك، تعني ممارسة الاستدلال العقلاني واستعداد المرء للقيام بالفعل الصواب لأسباب صحيحة، وفق طريقة سليمة بيُسر ومن دون تردد،

أن الإنسان الفاضل لا  يعرف حالة ما  يمكن أن نسميه نزاع المشاعر الذي يضعه في نزاع داخلي مع نفسه، ويجعله يقوم بالفعل الصواب لأنه نجح في التغلب على نوازعه الداخلية التي تدفعه في اتجاه معاكس لما تقتضيه الفضيلة وكسر جماحها. لذلك، فالفعل الذي يأتيه الإنسان الفاضل يختلف عن الفعل الصواب الذي ينتج من قدرة الشخص على الضبط الذاتي والتحكم في نوازعه. فلئن كان فعل التحكم في الذات أمرًا يستحق التثمين أخلاقيًا، فإنه يظل مع ذلك متوقفًا على مدى قدرة الشخص

على الاستمرار في العمل على هذا النحو في كل الأوضاع وفي كل المواقف، في حين تقتضي الفضيلة إتيان الفعل الحق للأسباب الصحيحة من دون مقاومة داخلية تذكر، باعتباره ناتجًا من الطبع

الخيّر. وثالثًا، السعادة أو الازدهار Eudaimonia، إذ تؤكد أخلاق الفضيلة أن حياةً تُعاش في

انسجام مع الفضائل هي التي تجسّد أحسن صورة لمعنى الحياة المزدهرة. لكن هذه الصورة للأخلاقية لم تكن هي البارزة في مجادلات فلاسفة الأخلاق إلى حدود نهاية السبعينيات من القرن الماضي في ظل سيطرة النظريتين الأخلاقيتين النتائجية والآدابية على الجدل في فلسفة الأخلاق المعيارية. ففي مقال صدر سنة 1958 بعنوان "الفلسفة الأخلاقية الحديثة"، انتقدت الفيلسوفة إليزابيث أنسكوم (2001–1919) الفلسفة الأخلاقية الحديثة والمعاصرة، التي تسيطر عليها، في نظرها، المقاربتان النتائجية والآدابية. واعتبرت أنسكوم أن المصطلحات الأخلاقية المتوارثة تاريخيًا، مثل الواجب

الأخلاقي وما "يجب" عامة، لم تعُد قابلةً للفهم لأن رؤى العالم التي كانت تستمد منها هذه المصطلحات معناها لم تعد قائمة اليوم، في حين تستمر الأفكار التي أنجبتها في صيغ محنّطة من قبيل "افعل" على

(63) Julia Annans "Virtue Ethics," in: David Copp (ed.), The Oxford Handbook of Ethical Theory (Oxford: Oxford University Press, 2005), pp. 515–536. (64) Grec Pence, "Virtue Ethics," in: Peter Singer (ed.), Companion to Ethics (London: Blackwell, 2000 [1991]), pp. 249–258. (65) Annans. (66) Elizabeth Anscombe, "Modern Moral Philosophy," The Journal of the Royal Institute of Philosophy , vol. 33, no. 124 (January 1958), pp. 1–16.

ونُشر مترجمًا إلى اللغة العربية في دورية تبيّن، ينظر: إليزابيث آنسكوم، "الفلسفة الأخلاقية الحديثة"، ترجمة نجيب الحصادي، تبيّن،

مج 12، العدد 46 (خريف 2023)، ص.181–165

نحو لا تحقق فيه أيّ رغبة لك، لأن المستقيم أخلاقيًا يقتضي منك ذلك. وهذه النظريات، بالنسبة إلى

أنسكوم، ليست غير ملائمة فحسب، بل ضارة أيضًا. فحتى الفضيلة أصبحت على نحو ضار غايةً في حد ذاتها، وغير مرتبطة باحتياجات الإنسان أو رغباته. وتحسّرت في هذا المقال عن انصراف نظر التفكير

الأخلاقي في الفلسفة الحديثة عن المسائل المتعلقة بالفضائل والرذائل والدوافع والطبع الأخلاقي والتربية الأخلاقية، والحكمة والصداقة والعلاقات الأسرية والسعادة والازدهار ودور المشاعر في تجاربنا الأخلاقية، وعن السؤال حول نوع الأشخاص الذي ينبغي أن نكون، وحول كيف يتعين علينا أن نعيش. ونصحت أنسكوم فلاسفة الأخلاق أن يتخلّوا عند الخوض في مسائل الأخلاق عن مفهومَي "الواجب الأخلاقي" و"الالتزام الأخلاقي" اللذين لا  يمكن أن يكون لهما معنى، في نظرها، إَّلا ضمن سياق تفكير ديني يرى في العمل الأخلاقي الصالح تحقيق تشريع ذي مصدر إلهي. ومع أن رأيها لم يلقَ ترحيبًا واسعًا وسط فلاسفة الأخلاق الذين كانوا في معظمهم علمانيين، أخذ نداؤها

بضرورة النظر إلى الضوابط الأخلاقية لا من خلال مفاهيم الواجب والالتزام والقانون، وإنما من خلال مفاهيم الفضائل وسمات الطبع، يحفل باهتمام متزايد من فلاسفة الأخلاق. فبعد نحو عشرين سنة من صدور مقال أنسكوم، كتبت الفيلسوفة البريطانية فيليبا فوت (2010–1920) ما  يلي: "لقد أهمل، على نحو غريب، منظّرو الأخلاق المنتمون إلى مدرسة الفلسفة التحليلية موضوع الفضائل والرذائل سنوات عديدة. وكان الرأي المُضمرُ القبول منهم هو أن دراسة هذا الموضوع لا  ينبغي أن

تمثّل جزءًا أساسًّيًا من أيّ دراسة للأخلاق. وباعتبار أن هذا الرأي يشاطره، فيما  يبدو، فلاسفةٌ أمثال

ديفيد هيوم وكانط ومل وجورج إدوارد مور George Edward Moore (1958–1873) ووليام ديفيد روس، وكذلك هارولد آرثر بريتشارد Harold Arthur Prichard (1947–1871) الذين انحدرت منهم الفلسفة الأخلاقية المعاصرة في مجملها، ربما لا  يكون الإهمال مفاجئًا في الحصيلة". غير

أن فوت تلاحظ أن الأمور بدأت تتجه إلى التغيير، بتحويل فلاسفةٍ أنظارهم صوب مسائل الفضيلة، وتذكر منهم تحديدًا يوري هنريك فون فريكت (2003–1916) وكتابه ضروب الخيريّة الذي نُشر سنة 1963، وبيتر غيتش (2013–1916) وكتابه الصادر سنة 1977 بعنوان الفضائل. وقد تزايد الاهتمام بالفضيلة في حقل دراسات النظرية الأخلاقية بداية الثمانينيات من القرن الماضي بصدور كتب مهمة. ففضلًا عن كتاب فيليبا فوت الذي أشرنا إليه، نذكر على وجه خاص كتاب ما بعد الفضيلة للأميركي ألسدير ماكنتاير، وكتاب رسالة قصيرة في فضائل كبيرة للفرنسي أندري كونت سبونفيل. وقد سعى هؤلاء إلى خطّ طريق ثالث بين الاتجاهين المسيطرين في حقل النظرية الأخلاقية المعيارية، النتائجي والآدابي؛ طريق لا  ينصبّ اهتمامه الرئيس على البحث عن نظرية في

(67) Philippa Foot, Virtus and Vices and other Essays in Moral Philosophy (Berkeley: California University Press, 1977), p. 1.. Georg Henrik von Wright, The Varieties of Goodness (London: Routledge & Kegan Paul, 1963) (6(ينظر:(. Peter Geach, The Virtues (Cambridge: Cambridge University Press, 1977) (6(ينظر:(

(7((ينظر: ألسدير ماكنتاير، ما بعد الفضيلة، ترجمة حيدر الحاج إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.)2013

. Andre Comte Sponville, Petit traite des grandes vertus (Paris: PUF, 1995) (7(ينظر:(

الفعل المستقيم أخلاقيًا، وإنما على تعقّب جملة السمات في طبع الفواعل التي تحدّد الخيّر أخلاقيًا

والأشخاص الجديرين بالتقدير الذين يصلحون قدوةً لغيرهم. لذلك، اشتغلت نظريات أخلاق الفضيلة على وجهتين؛ فقامت من جهة بنقد ما تعدّه مزاعم وطموحات للنظريات المعيارية المهيمنة في الجدل حول قضايا فلسفة الأخلاق، ومن جهة أخرى سعت إلى بلورة تصور لأخلاق معيارية موجّه نحو الفضيلة يكون بدايلًا منها. وما  يعيبه أنصار نظرية الفضيلة على

المنفعيين والآدابيين هو أولًا، اعتمادهم المفرط على منوال القواعد في تحديد الاختيار الأخلاقي. فهذا المنوال يجعلهم يرون المبادئ والقوانين الثابتة والكونية كافية لتمييز الفعل الأخلاقي من غير الأخلاقي، في حين تشهد أمثلة من السلوك الأخلاقي، مستقاة من الحياة اليومية، أن أصحابها لا  يستنتجون ما  ينبغي فعله من مبادئ وقواعد كونية لا زمنية مرتّبة تفاضلًّيًا. فالأفعال الفاضلة تصدر

عن أشخاص لديهم مهارة في تقدير الحكم الأخلاقي الملائم الذي يمكّنهم من الاستجابة على نحو ملائم لما هو مطلوب منهم في كل وضع، بطريقة تدرك خصوصيته وتأخذها في الحسبان ولا تكتفي بالتطبيق الحرفي والآلي للقواعد الأخلاقية. أما الجانب الثاني الذي ينتقدونه في هذه النظريات فهو تصوّرها المفرط في العقلانية للفعل الأخلاقي. فالنظريات الأخلاقية السائدة تعزو دورًا سلبًّيًا فحسب

إلى الرغائب والمشاعر الأخلاقية، في حين أن الأشخاص الجديرين بالإعجاب والتقدير على الصعيد الأخلاقي ليسوا أولئك الذين يكتفون بالقيام بواجباتهم فحسب، بل الذين يقومون بها بناءً على مشاعر

وعواطف سليمة ووجيهة أخلاقيًا. وحتى إن اعترف أنصار المذهبين النتائجي والآدابي بأهمية

الدوافع الأخلاقية، فإننا نراهم يصرّون على صياغتها في شكل أفكار مجرّدة من قبيل "أكبر سعادة لأكبر

عدد"، أو "الأمر الأخلاقي القطعي"، ولا  ينزّلونها ضمن سيكولوجية أشخاص بعينهم في علاقاتهم وتفاعلاتهم مع أشخاص آخرين. أما المأخذ الثالث على النظريات السائدة فيتعلق بالشكلانية التي تسم مقاربتها لقضايا الأخلاق، إذ يصبّون كل اهتمامهم على التحليل المفهومي لمعاني الواجب

وعلى الحجج المنطقية التي تقوم على ذلك التحليل من دون اهتمام بصفات الذوات الفاعلة. وهو ما  يترتب عليه، في نظر أنصار أخلاق الفضيلة، تصور ضيق لمعنى الأخلاقية ولدور فلسفة الأخلاق، في حين ينبغي، في رأيهم، أن تنفتح دراسة الأخلاق على مجالات مهمة لاستكشاف معاني الأفعال الإنسانية، مثل السيكولوجيا والأنثروبولوجيا والتاريخ والفن والأدب والثقافة عمومًا. ويُعدّ أمرًا مهًّمًا

انفتاحُ الفلسفة الأخلاقية على هذه الحقول المعرفية بالنسبة إلى نظريةٍ في الأخلاق تجعل المحِّدِد في

القرار الأخلاقي هو صاحب القرار؛ أي الفاعل ذاته، وليس المبادئ والقواعد العامة. فالقرار ينتج هنا

((7(يوافق ماكنتاير أنسكوم تأكيدها على عدم اتساق التفكير الأخلاقي الحديث، ويرى أن المجتمعات الحديثة لم ترث تقليدًا

أخلاقيًا واحدًا من الماضي، بل شذرات من تقاليد متنازعة: كمالية أفلاطونية تجعلهم ينشدون الكمال، ومنفعية تجعل المحدثين

لا  يرون ضيرًا في اعتماد مبدأ المنفعة ومذهب الحقوق الطبيعية عندما  يتعلق الأمر بالدفاع عن حقوق الملكية من وجهة نظر لوكية

(نسبة إلى لوك)، ومسيحية في التعلق بقيم مثالية مثل المحبة والرحمة والمساواة الأخلاقية، وليبرالية في الدفاع عن الاستقلالية الذاتية من وجهة نظر كانط أو مل. وفي مقابل ذلك، يريد ماكنتاير إعادة الاعتبار للتصور الأرسطي لفكرة حياة ذات معنى. ينظر: الفصل السادس في: ماكنتاير.

((7:(ينظر Schneewind, pp. 42–63. (74) Ibid.

من نظر ورويّة وتفكّر من الفاعل، وليس هو قرارًا خاطفًا يتخذه على عجل بالاستئناس، فحسب، بمبدأ أو قاعدة، يعتقد أنها الملائمة لتلك الحالة. لذلك، فالمعرفة بالفاعل ومحفّزات فعله وتجاربه وسيرته الذاتية وثقافته أمر مهم، وهو ما تفيدنا به هذه الحقول المعرفية. وكما أسلفنا، تنظر وجهة النظر التي تقول بمحورية الفضيلة في القرار الأخلاقي أو عند التقويم الأخلاقي للأفعال إلى الطبع باعتباره كُنه الأخلاقية، وترى أن المُقتضى الأخلاقي المركزي ليس ذاك الذي حدّده كانط من خلال السؤال "ماذا يجب عليّ أن أفعل؟" وإنما ذاك الذي يطرحه المرء على

نفسه متسائلًا "أيّ نوع من الأشخاص عليّ أن أكون؟". لذلك، فإن أهم ما  يميز وجهة نظر أخلاق

الفضيلة هو أنها تجعل طباع الفاعلين موضوع الأحكام الأخلاقية الأولية. والشخص الفاضل هو، مثلما  يقول أحد المختصين في فلسفة الأخلاق الأرسطية، "ذاك الذي يصدر سلوكه على نحو مميز من استعداد ثابت". فالاستعدادات الفاضلة تقود الفاعلين الفضلاء إلى أن يُعيروا اهتمامًا بالغًا للخيرات والشرور التي تعترض الناس في ظروف حياتهم المتقلبة، وأن يسعوا لجلب الخير لهم وتجنيبهم المضرة والألم. وعلى المستوى المعرفي والإدراكي، يعتبر أنصار نظرية الفضيلة أن مُدركات الشخص الفاضل هي المورد الأساسي لمعرفة كيف يمكن تحصيل أكبر خير، ومن يستحق ذاك، وفي أي ظروف والحدّ الذي يبلغه مداه. ولئن أمكننا استنتاج بعض القواعد العامة من القرارات التي اتخذها الأشخاص الأفاضل في ظروف وملابسات محددة، فإنه لا  يمكننا أن نضع قواعد تمكّننا من توقّعها واستباق كل قرار قبل اتخاذهم له في كل حالة جديدة تطرأ. ولئن احتاج الأطفال إلى التربية على الفضائل بتلقينهم بعض القواعد العامة، فإن الفاعلين الأخلاقيين الناضجين والرشد، في نظر فلاسفة أخلاق الفضيلة المعاصرين، لا  يحتاجون إلى مثل تلك القواعد. وأن تكون الفضيلة طبيعية بالنسبة إلى البشر لا  يعني ذلك أنها في حاجة إلى التلقين، أو أنه من اليسير اكتسابها، وإنما أنها تفيد الفاعل الأخلاقي، من حيث هو كائن مدني بطبعه، سواء على نحو فردي أو باعتباره عضوًا في جماعة لا  يقدر على العيش وحيدًا.

خامسًا: هل يمكن التوفيق بين المقاربتين لقضايا الأخلاق؟

يبدو لنا أن السبب الرئيس لغياب بردايم أخلاق الفضيلة من جدالات فلسفة الأخلاق المعاصرة، كما  يدلّ عليه تصنيف برود للنظريات الأخلاقية المعاصرة، وقد سبق إيراده في دراستنا، لا  يعود إلى سهو أو سوء تقدير من الباحثين لقيمتها، أو إلى غلبة مفاهيم أخلاقية مثل الواجبات والالتزامات التي تنتمي إلى مدونة دينية، مثلما تقول أنسكوم. وإنما، في رأينا، إلى أن النموذج المميز لفلسفة الأخلاق لدى المحدثين هو ذاك الذي يحدّد القيمة الأخلاقية للفعل بمدى تطابقه مع المبادئ والضوابط والقيم والقواعد التي تعرّف الفعل الصواب أخلاقيًا، أو تمكّن من التقييم الأخلاقي للنتائج المترتبة

عليه على الناس. ويبدو أن ذلك قد اتضح منذ أواخر القرن التاسع عشر مع هنري سيدجويك حين

(75) L. A. Kosman, "Being Properly Affected: Virtues and Feelings in Aristotle’s Ethics," in: Amelie Rorty (ed.), Essays on Aristotle’s Ethics (Berkeley: University of California Press, 1980), p. 103.

نقل: ا عن Schneewind.

شدّد على سمة يعتبرها أساسية في التفكير الفلسفي الحديث والمعاصر في الأخلاق، وهي طابعها القواعدي والقانوني، إذ كتب ما  يلي: "يمكن عزو ما آلت إليه خصائص الجدال الأخلاقي القديم الرئيسة، من تميز سابق من العصر الحديث، إلى توظيف مفهوم توليفي ل [الخير]، بدلًا من مفهوم محدد [مثل الصواب]، عند التعبير عن الأحكام الأخلاقية الشائعة عن الأفعال. فالفضيلة عند الإغريق، أو الفعل الصواب Right Action، يعتبر عمومًا أحد أنواع الخير: هكذا [...] عند سعينا إلى تنظيم

السلوك الإنساني تنظيمًا ممنهجًا، فإن أول سؤال يتبادر إلى الذهن [...] يتناول كيفية تحديد العلاقة

بين هذا النوع من الخير وباقي المنظومة من صنوف الخير". وبناءً على ذلك، شدّد رولز على

الاختلاف بين فلسفة الأخلاق لدى القدامى وفلسفة الأخلاق لدى المحدثين على النحو التالي: "إن القدامى اهتموا بالطريقة الأكثر عقلانية لبلوغ السعادة الحقيقية، أو الخير الأسمى، وإنهم بحثوا في السلوك الفاضل، وفي فضائل مثل الشجاعة وضبط النفس، والحكمة والعدل، وهذه خيّرة في حدّ

ذاتها باعتبارها تمثّل جوانب من شخصية الإنسان، في ارتباطها بذلك الخير الأسمى، سواء كانت وسيلة أو مقومات، أو كليهما معًا. هذا في حين دارت أسئلة أصحاب المدارس الفلسفية الحديثة، في المقام الأول، حول أمرين: أولًا، ما رأوه بوصفه مقرّرات آمرة Prescriptions وجازمة للعقل السليم.

وثانيًا، حول الحقوق والواجبات والالتزامات المترتبة على تلك المقررات". ووفق هذا، تكون قراءة

سيدجويك ورولز لتاريخ النظريات الأخلاقية في انسجامٍ مع رؤية برود التي أوردنا ذكرها. فالوجهتان الآدابية Deontological والنتائجية Consequentialist هما الوحيدتان اللتان يجوز اعتبارهما نظريتين تنتميان إلى الفلسفة الأخلاقية الحديثة بالمعنى الدقيق. في حين تنتمي أخلاق الفضيلة إلى نموذج ولّى زمنه وانقضى. غير أن الأمر لا  يبدو على هذا النحو من البساطة، إذ لا  يزال السؤال حول الفضيلة يطرح نفسه باستمرار على المعاصرين، ولا  يزال هناك اهتمام بالمسائل المقترنة بالفعل في علاقته بالفاعل وبالغايات التي تمنح معنى للحياة، لا في علاقته بالقاعدة الضابطة للحياة الأخلاقية فحسب. ومن دون إنكار أهمية التطورات التي عرفها التفكير الأخلاقي الحديث في علاقته بمجالَي القانون والسياسة تحديدًا، يمكننا أن نجد مكانًا للفضيلة ولصيغة من نظرية أخلاق الفضيلة تتوافق مع الوجهة الآدابية، التي غدت غالبةً على فلسفة الأخلاق المعاصرة بعد انحسار تأثير المنفعية، ولا تتضارب معها. ويمكننا أن نميّز في

هذا الصدد بين صيغتين من نظريات الفضيلة: صيغة راديكالية تكون فيها نظريات الفضيلة بدايلًا من النظريات الآدابية، ويكون، وفقها، ما هو حق وصواب أخلاقيًا متوقّفًا على حُكم الإنسان الفاضل

وتقديره. وصيغة أقل راديكالية تقدّم وفقها أخلاق الفضيلة طريقة لتصحيح بعض التشوّهات التي قد

تلحق بالاستدلال الأخلاقي في المقاربة الآدابية. فالمقاربة الآدابية للأخلاق يمكن أن تسبّب تشوّهات

في التفكير الأخلاقي بتقليلها من الحاجة إلى الحُكم والتقدير الشخصيّ وسعة المخيلة والابتكار،

واستنباط الحلول في الحالات العويصة التي يتعذر فيها المعرفة اليقينية بالقانون الأخلاقي الذي يلائم

(7((هنري سيدجويك ورد ذكره لدى رولز في: جون رولز، محاضرات في تاريخ فلسفة الأخلاق، ترجمة ربيع وهبة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص.40 ((7(المرجع نفسه، ص.41

الحالة التي نجد أنفسنا حيالها أو يظهر فيها ما  يمكن أن نسميه نزاع الواجبات، ويعسر فيه معرفة الفعل الصواب. ففي وضع مثل هذا يمكن أن تبرز أهمية الحكمة الخاصة بالشخص وصفات طبعه واستعداده لفعل الخير للاهتداء إلى القرار الصائب أخلاقيًا. لكن لا بدّ من أن تُعدّ عند ذلك أخلاق الفضيلة جزءًا

من النظرية الآدابية أو مكمّلة لها، لا بدايلًا منها، لأن الفاعل الفاضل عندما  يقرّر ما هو حق وصواب

يكون مدعًّوًا أيضًا ليشرح للآخرين القاعدة أو الأساس الذي أقام عليه حكمه وقراره. ونلاحظ أن كانط نفسه، الذي يعدّ مؤسس مذهب أخلاق الآداب الحديثة والمعاصرة، لم ينكر الحاجة إلى نظرية في الفضيلة تكون جزءًا من ميتافيزيقا الأخلاق. فعلى الرغم من أن ما هو مطلوب من الفاعل

الأخلاقي القيام به لا  يمكن استنتاجه، في نظره، إلا من ضابط عقلاني غير خبري، وهو الأمر القطعي الذي يمدنا بالأساس المعياري الوحيد لتقييم الأفعال أخلاقيًا على نحو مستقل عن الدوافع والميول

والاستعدادات الخاصة بالفاعل ومشاعره وعن النتائج المترتبة على فعله، فإنه خصّ واجبات الفضيلة

بجزء من كتابه ميتافيزيقا الأخلاق؛ إذ يقدّم فيه تصورًا للتميّز الأخلاقي وللشخص المثالي أخلاقيًا،

ويحدّد غايتين يراهما ملزمتين بالنسبة إلى كل فاعل عقلاني. تتعلق الأولى بالكمال الذاتي للشخص، والثانية بسعادة الآخرين. يقوم كانط بتمييزٍ غدا مشهورًا بعده بين الواجبات الكاملة والواجبات غير

الكاملة، ويعتبر أن واجب المرء في طلب الكمال لنفسه وتحقيق سعادة غيره يعدّ من ضمن الواجبات غير الكاملة. فلئن كان الفاعل ملزمًا بتبنّي الغايات التي تنشأ عن هاتين الغايتين العامتين، فإنه تظل

له مع ذلك الحرية فيما  يتعلق بكيفية إنجازهما، وفي تقدير الوسائل وأقوم السبل لتحقيقهما. وفي حين أن الواجبات الكاملة تحدّد لنا الأفعال التي يجب الإحجام عن القيام بها، تخبرنا الواجبات غير الكاملة عن تلك الأفعال التي هي غير باطلة أو أنها تقتضيها الأخلاق. غير أن كانط، مثلما هو الحال بالنسبة إلى الآدابيين عمومًا، يعرّف الفضيلة على أنها في المقام الأول مثلٌ أعلى لقوة العزيمة والثبات والإصرار

أمام كل الدوافع داخل الذات التي تعارض الاستعداد الأخلاقي. فدوافع الطبيعة تشكّل عقبات كأداء أحيانًا قائمة في فكر الإنسان تعوق إنجازه لواجبه، ما  يتعيّن عليه أن يكون مستعًّدًا وقادرًا على مقاومتها

والتغلب عليها بإعمال العقل في كل وقتٍ يفكر فيه في واجبه؛ إذ ينبغي أن يستقر الرأي لديه على أنه قادر على إنجاز ما  يأمره به القانون على نحوٍ غير مشروط. فخلافًا لما تراه نظريات الفضيلة من أن الفاضل ليس ذاك الذي يجتهد للسيطرة على ميولاته ورغباته لأنه اكتسب الاستعداد لمعرفة الفضيلة والعمل وفقها، تتجسد الفضيلة، بالنسبة إلى كانط، في ذلك الحزم الذي يُبديه الشخص في التمسك

بالواجب ضدّ ما تمليه عليه ميولاته ودوافعه الحسية، وفي قدرته الأخلاقية في أن يجعل إرادته لا تطلب شيئًا غير فعل ما هو حق وما  يمليه عليها الواجب. فالفضيلة ينبغي أن تكون نتيجة للمبادئ الأخلاقية، وأن يكون الإنسان فاضلًا هو أن يفعل أساسًا وقبل كل شيء عن واجب. فالقيمة الأخلاقية للأفعال

لا تتحدد، في نظره، بمدى مطابقتها للواجب فقط، وإنما إن كانت هذه الأفعال تصدر عن واجب فعلًا.

(7((ينظر: كانط، أسس ميتافيزيقا الأخلاق. ((7(ينظر المقطع السابع من مقدمة: Kant, §. 390, p. 194. ((8(ينظر المقطع الأول من مقدمة: Ibid., vol. 2, §. 380.

(81) Ibid., §. 384–385.

وتحقيق مثل هذا المُقتضى يتطلب بالنسبة إلى كانط قوة إرادة وعزمًا للصمود أمام الدوافع والإغراءات، وهو ما  يجعل نجاح الفاعل في ذلك رهين نجاحه في اكتساب صفات الطبع التي تساعده على أن يحيا حياة أخلاقية. وهي صفات ينبغي أن يسعى الفاعل الأخلاقي إلى اكتسابها وتنميتها في ذاته على نحوٍ تام، حتى لو أن النجاح في ذلك لا  يكون دومًا حليفه. فالإرادة الخيرة، التي هي تلك الملتزمة بأن تفعل دومًا الحق، يمكن أن تكون ضعيفة أيضًا وتفشل في مقاومة ميول الذات ودوافعها الحسية. لذلك يقول توماس هيل، أحد شرّاح فلسفة كانط الأخلاقية، إن هذا الأخير يُعرّف الفضيلة بأنها قوة الإرادة

والشخص الفاضل ذاك الذي هو صاحب إرادة تكون في الوقت نفسه خيّرة وقوية. فالشخص الضعيف أخلاقيًا، وليس عديم الأخلاق، يمتلك إرادة خيّرة، لكنه لا  يفلح، في ظروفٍ

وملابساتٍ ما، في الاستجابة للمُقتضى الأساسي وهو فعل الحقّ؛ إذ يتصرف وفقًا لقاعدتين للفعل أساسيتين متعارضتين، واحدة تحثّه على الامتثال للمُقتضيات الأخلاقية اللاشرطية، وأخرى تدفعه إلى النظر في المدى القريب وجعل حبه لذاته فوق اعتبارات الأخلاق. لذلك، يتعيّن على الشخص

الضعيف أخلاقيًا أن يحسن استخدام كفاياته الأخلاقية للالتزام بالقيام بالفعل الحق، وتكريس ذلك في

سائر أفعاله. ويقتضي ذلك منه اكتساب سمات الطبع التي تيسّر ذلك؛ أي الفضيلة. وخلافًا لنظريات أخلاق الفضيلة التي تكاد تتفق على أن القواعد والمبادئ الأخلاقية ليست ضرورية للقرارات الفردية، وأن الأفضل هو العمل على تطوير كلّ شخص لسمات طبعه الخاص، يتّبع الآدابيون رأي كانط في ضرورة المبادئ لحياة أخلاقية طيبة، ويعتبرون أن كل شخص في حاجة إلى احترام تلك المبادئ حتى يمكنه أن يكون فاضلًا، ولا تكفي تنمية الطبع لتحقيق ذاك الغرض، ويعطون دورًا جوهريًا لأحكام العقل العملي التي تصدر عن نظر ورويّة في المبادئ وعلاقتها بالأوضاع الخاصة. وإن أفرطت، في

حالةٍ ما، هذه الأحكام في تبسيط الوقائع المعقدة واختزالها، فإنه يظل يوجد مع ذلك أساس مشترك يمنح الشرعية للأحكام الأخلاقية الخاصة. ومع أن كانط شدّد على أن المشاعر لا تمنح أساسًا للحكم الأخلاقي، وأنها غالبًا ما تحرّفه، فإنه اعترف بدور إيجابي للمشاعر من قبيل الاحترام، والمتعة التي

تحصل من جرّاء القيام بالواجب، وكذلك الشعور بالإثم عندما  يدرك المرء أنه قام بفعل قبيح.

ويؤكد كانط أيضًا على ضرورة تطوير مشاعر إيجابية أخرى من شأنها أن تيسّر للمرء القيام بواجباته،

غير أن هذه المشاعر تظل نتيجةً للحُكم والتقدير الأخلاقي، وليست مصدرًا له. وفي الأخير ينبغي

التنبيه أيضًا إلى أن الآدابيين الكانطيين لا  ينفون أهمية فضائل مثل النزاهة والصداقة والإحسان وغيرها، ولكنها تقتضي، مثلما قام كانط بمعالجتها في الجزء الثاني الخاص بنظرية الفضيلة من كتاب ميتافيزيقا الأخلاق، طبعًا فاضلًا يتحدّد من حيث هو أولًا، احترام لمبادئ العدالة التي ينبغي أن ننظر إليها على أنها ضوابط للفعل الصواب، مستقلة عن طباع الأشخاص واستعداداتهم، وتمثّل بذاتها واجبًا كاملًا،

(82) Thomas E. Hill, Jr., "Kantian Virtue and 'Virtue Ethics'," in: Monika Betzler (ed.), Kant’s Ethics of Virtue (Berlin: Walter de Gruyter, 2008), pp. 29–59.

((8(ينظر مقدمة كتاب:

Immanuel Kant, Metaphysique of Morals , Roger J. Sullivan (trans.), 2 nd ed. (Cambridge: Cambridge University Press, 1996), Sect. 1. §. 2014, p. 42.

وهو ما  يتعارض مع الصيغة الراديكالية من أخلاق الفضيلة التي تستنتج سمات الفعل الصواب من صفات أفعال الناس الأفاضل، ثانيًا، طلب الفضائل من حيث هي واجبات غير كاملة، لا  يكون ممكنًا

إلا بعد استيفاء متطلبات الشرط الأول، وهو الامتثال للواجبات الكاملة والصارمة. فلا  يمكن من هذه الوجهة اشتقاق معاييرنا للحق والعدل من فكرةٍ عن الفضيلة، لأنه عندما  يتعلق الأمر بتعليل أخلاقية الفعل والمحاجة عليها أمام الآخرين، نكون في حاجة، مثلما أسلفنا، إلى معايير مستقلة. ووفق هذه الصيغة، يمكن في نظرنا العثور على أرضية تفاهم بين نظرية نحيلة من أخلاق الفضيلة لا تجعل الأفعال قائمةً على اجتهادات الأفاضل وأعمالهم الخيّرة، وإنما تؤسسها على مبادئ حق

وعدالة مستقلة عن طباع الأشخاص واستعداداتهم الخلقية، ونظرية أخلاقية آدابية تجعل الفضيلة أوّلًا

صفةً لإرادة خيرة وقوية ومثابرة على إنجاز الواجب الأخلاقي، وثانيًا طلبًا للصورة المُثلى للأخلاقية

التي تحقق بالسعي نحو واجبات الفضائل الواسعة وغير الكاملة.

خاتمة

لقد قادنا استعراض حيثيات الجدل المعاصر في فلسفة الأخلاق بين النتائجية والآدابية وأخلاق الفضيلة إلى التساؤل حول موقع أخلاق الفضيلة في صيغتها المُحدثة في الفكر الأخلاقي المعاصر. وللإجابة عن السؤال، قمنا بتقديم المقاربات الثلاث الكبرى لفلسفة الأخلاق المعاصرة ومعايير تقييمها للأفعال أو قواعد اتخاذ القرار وأنظمة الحجاج التي ترتكز عليها، وفحصنا مدى اتساق منطلقاتها مع النتائج التي تفضي إليها قياساتها الأخلاقية. وكما بينّا، فلئن انحصر الجدل مدةً طويلة بين فلسفات

متضَّمَنة في النظرية النتائجية أو الآدابية، فإن فترة الثمانينيات شهدت بروز فلسفات أخلاقية عملت على تحديث مفاهيم فلسفة الأخلاق القديمة الأفلاطونية والأرسطية والرواقية والمسيحية، وجعْلها أكثر قدرة على الاستجابة للشواغل الأخلاقية للإنسان المعاصر. وانتهينا في الأخير إلى أن أخلاق الفضيلة لا تمثل بدايلًا لا من النظرية النتائجية ولا من النظرية الآدابية، مع تأكيدنا على أن هذه الأخيرة في حاجة إلى رافد تمدّها به أخلاق الفضيلة وفق الصيغة التي بلورها كانط في نظرية الفضيلة، وهو الجزء الثاني من كتابه ميتافيزيقا الأخلاق. ويجعلنا هذا الاستنتاج نعتقد أن الجدل في مسائل الأخلاق المعيارية في السنوات المقبلة سيظل منحصرًا بين المذهبين الكبيرين؛ النتائجية وفق صيغها المختلفة،

والآدابية وفق صيغ متعددة، قدّمنا بعضًا منها. وفي رأينا، إن كان من الصعب أن نجد صيغة للتوافق بين أخلاق الفضيلة والأخلاق النتائجية في صيغتها المنفعية المعاصرة، فيمكن في المقابل أن نجد صيغة للتوفيق بين الأخلاق الآدابية وصيغة من أخلاق الفضيلة، تكون معتدلة لا تلغي دور الضوابط الأخلاقية المستقلة والشاملة في تحديد الفعل الصائب أخلاقيًا، وتجعل الفضيلة استعدادًا للفعل عن

واجب وصفة لإرادة خيّرة وقوية، قادرة على كسر جماح الشهوات والميول، وتعترف في الوقت نفسه

بالواجبات الواسعة مثل واجبات الشخص نحو نفسه، كأن يعمل على تنمية مواهبه، وواجباته نحو غيره، مثل العمل على تحقيق سعادتهم وتنمية فضائل مثل الصداقة والإحسان. ووفق هذه الوجهة، تحدّث رولز في كتاب نظرية في العدالة عن فضيلة الصداقة المدنية والأخوة التي لا تكون ممكنة وتعبّر عن

جوهر مفهومها إلا في مجتمع محكم التنظيم، يستجيب لمقتضيات العدالة كاملة؛ أي ضمان الحريات لجميع المواطنين وسيادة مبدأ التوزيع العادل للفوائد والتكاليف للتعاون والعيش المشترك.

المراجع

العربية

إبراهيم، زكريا. المشكلة الخلقية. القاهرة: مطبعة مصر،.1969 آنسكوم، إليزابيث. "الفلسفة الأخلاقية الحديثة". ترجمة نجيب الحصادي. تبيّن. مج  12، العدد 46 (خريف.)2023 دووركين، رونالد. أخذ الحقوق على محمل الجدّ. ترجمة وتقديم منير الكشو. تونس: دار سيناترا للترجمة،.2015 رولز، جون. نظرية في العدالة. ترجمة ليلى الطويل. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب،.2012 _______. محاضرات في تاريخ فلسفة الأخلاق. ترجمة ربيع وهبة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 سميث، آدم. ثروة الأمم. ترجمة وليد شحادة. دمشق: دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع،.2016 _______. نظرية المشاعر الأخلاقية. ترجمة منذر محمود محمد. دمشق: دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع،.2022 ضاهر، عادل. نقد الفلسفة الغربية: الأخلاق والعقل. عمّان: دار الشروق للنشر،.1990 كانط، إمانويل. أسس ميتافيزيقا الأخلاق. ترجمة محمد فتحي الشنيطي. الإسكندرية: دار الوفاء للطباعة والنشر،.1970 _______. نقد العقل العملي. ترجمة غانم هنا. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2008 الكشو، منير. "نظرية جون رولز في العدالة التوزيعية ونقادها". تبيّن. مج  9، العدد 36 (ربيع.)2021 كيملشكا، ويل. مدخل إلى الفلسفة السياسية المعاصرة. ترجمة منير الكشو. تونس: دار سيناترا للنشر،

ماكنتاير، ألسدير. ما بعد الفضيلة. ترجمة حيدر الحاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،

(8((رولز، نظرية في العدالة، ص.145

References

مدحت، مايكل. "الرهانات الأخلاقية للتسامح عند توماس سكانلون". تبين. مج  12، العدد 46 (خريف

مل، جون ستيوارت. النفعية. ترجمة سعاد الحرار. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2012 نوزيك، روبارت. الفوضى، الدولة، اليوتوبيا. ترجمة عبد الكريم ناصيف. دمشق: دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع،.2019 هيوم، ديفيد. رسالة في الطبيعة البشرية. ترجمة عبد الكريم ناصيف. دمشق: دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع،.2016

الأجنبية

Agosta, Lou. "Empathy and Sympathy in Ethics." Internet Encyclopedia of Philosophy. at: https://2u.pw/QZeVcZS Anscombe, Elizabeth. "Modern Moral Philosophy." The Journal of the Royal Institute of Philosophy. vol. 33, no. 124 (January 1958). Bentham, Jeremy. Constitutional Code. F. Rosen & J. H. Burns (eds.). Oxford: Clarendon Press, 1983. _______. First Principles Preparatory to Constitutional Code. Oxford: Clarendon Press, 1989. _______. Deontology and the Article on Utilitarianism. Oxford: Clarendon Press, 1992. ________. Introduction to Principles of Morals and Legislation (1871). Kitchener, Ontario: Batoche Books, 2000. Betzler, Monika (ed.). Kant’s Ethics of Virtue. Berlin: Walter de Gruyter, 2008. Broad, Charlie Dunbar. Five Types of Ethical Theory. London: Routledge & Kagan Paul, 1967 [1930]. Copp, David (ed.). The Oxford Handbook of Ethical Theory. Oxford: Oxford University Press, 2005. Darwell, Stephen. Deontology. Oxford: Blackwell, 2003. Dictionnaire d’ethique et de philosophie morale. Paris: PUF, 1996. Foot, Philippa. Virtus and Vices and other Essays in Moral Philosophy. Berkeley: California University Press, 1977. Gauthier, David. "Morality and Advantage." The Philosophical Review. vol. 76, no. 4

_______. Morals by Agreement. Oxford: Clarendon Press, 1986. Habermas, Jurgen. Léthique de la discussion. M. Hunyadi (trad.). Paris: Le Cerf, 1992. Habermas, Jurgen. Morale et Communication. C. Bouchindhomme (trad.). Paris: Le Cerf, 1986.

Hayek, Frederich. Law, Legislation and Liberty, vol. 2: The Mirage of Social Justice.

Kant, Immanuel. Metaphysics of Morals. Mary Gregor (trans.). Cambridge: Cambridge

________. Metaphysique of Morals. Roger J. Sullivan (trans.). 2 nd ed. Cambridge:

Kchaou, Mounir. Etudes rawlsiennes, justice et contract. Tunis: Centre de Publications

Nagel, Thomas. Mortal Questions. Cambridge: Cambridge University Press, 1979. Norman, Richard. "Respect of Persons, Autonomy and Equality." Internationale de

Rorty, Amelie (ed.). Essays on Aristotle’s Ethics. Berkeley: University of California

Ross, William David. The Right and the Good. Oxford: Oxford University Press, 2002

Scanlon, Thomas. What we Owe to each Other. Cambridge, MA: Harvard University

Schneewind, J. B. "The Misfortunes of Virtue." Ethics. vol. 101, no. 1 (October 1990). Sen, A. & B. Williams (eds.). Utilitarianism and Beyond. Cambridge: Cambridge

Sprague, Elmer (ed.). Cambridge Encyclopedia of Philosophy. New York/ London:

Vallentyne, Peter (ed.). Contractarianism and Rational Choice: Essays on David Gauthier’s Morals by Agreement. Cambridge: Cambridge University Press, 1991. philosophiques du liberalisme.

Paris:

Walzer, Michael et al. (eds.). The Tanner Lectures on Human Values. Salt Lake City:

Williams, Bernard. Moral Luck. Cambridge: Cambridge University Press, 1981.

London: Routledge, 1998.

University Press, 1991.

Cambridge University Press, 1996.

Univeraitaires, 2006.

Philosophie. vol. 43, no. 170 (1989).

Press, 1980.

Press, 2003.

University Press, 1982. Singer, Peter (ed.). A Companion to Ethics. Oxford: Blackwell, 1991.

Macmillan, 1972.

Vergara, Francisico.  Les fondements La Decouverte, 2002.

University of Utah Press, 1988.