العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الوجدان: من تحديد هايدغر الأنطولوجي إلى تأسيس هونيث لإتيقا الاعتراف

الوجدان: من تحديد هايدغر الأنطولوجي إلى تأسيس هونيث لإتيقا الاعتراف

Affect: From Heidegger’s Ontological Definition to Axel Honneth’s Ethical Foundation of Recognition

خالد بنشانع *

Khalid Benchanaa *

الملخّص

نسعى من خلال هذه الدراسة إلى إلقاء الضوء على تيمة الوجدان باعتبارها أحد مقومات الكينونة البشرية حيث تقتدر من خلالها الانفتاح على الوجود في العالم وعلى الغير، بناءً على التأويل الفينومينولوجي لمارتن هايدغر. فكيف خوّل هذا الإمكان الأنطولوجي أن يعتمده أكسيل هونيث أساسًا لإتيقا الاعتراف لتجاوز مظاهر الاحتقار والتشيُّؤ المتجسدة في المجتمعات المعاصرة؟ نؤكد هذا الإمكان استنادًا إلى نظريات علم نفس نموّ الطفل التي بيّنت أنّ العلاقة الأولية للطفل مع الغير تنبني على البعد الوجداني، واستنادًا إلى نتائج فلسفة اللغة مع ستانلي كافيل على مستوى فهم العلاقات الأولية للتفاعل بناءً على تحليله للمنطوقات اللغوية التي تكشف من خلالها الذات أحوالها الوجدانية للغير.

Abstract

Abstract: This study explores affectivity as an essential component of human existence, through which a person opens up to being in the world and to the Other, based on Heideggerʼs phenomenological interpretation. This ontological possibility has allowed Axel Honneth to adopt it as a foundation for an ethics of recognition, aimed at overcoming the manifestations of contempt and objectification prevalent in contemporary societies. This possibility is further supported by theories of child developmental psychology, which have demonstrated that the childʼs primary relationship with the Other is rooted in affectivity. It is also reinforced by insights from the philosophy of language, particularly Stanley Cavellʼs analysis of linguistic utterances, which reveals how the self discloses its affective states to the Other.

الكلمات المفتاحية:
  • الوجدان
  • الوجود
  • الكينونة البشرية
  • الاعتراف
  • العلاقة البينذاتية
  • الحب
Keywords:
  • Affection
  • Existence
  • Dasein
  • Recognition
  • Intersubjective Relationships
  • Love

مقومات الكينونة الّبشرية حيث تقتدر من خلالها الانفتاح على الوجود في العالم وعلى الغير،

بناءً على التأويل الفينومينولوجي لمارتن هايدغر. فكيف خوّل هذا الإمكان الأنطولوجي أن

يعتمده أكسيل هونيث أساسًا لإتيقا الاعتراف لتجاوز مظاهر الاحتقار والتشيُؤ المتجسدة في

المجتمعات المعاصرة؟ نؤكد هذا الإمكان استنادًا إلى نظريات علم نفس نموّ الطفل التي بيّنت

أنّ العلاقة الأولية للطفل مع الغير تنّبني على الّبعد الوجداني، واستنادًا إلى نتائج فلسفة اللغة

مع ستانلي كافيل على مستوى فهم العلاقات الأولية للتفاعل بناءً على تحليله للمنطوقات

اللغوية التي تكشف من خلالها الذات أحوالها الوجدانية للغير.

مقدمة

خصصت الفلسفة حيزًا من أسئلتها للجانب الوجداني، على الرغم من أنّ التوجه الذي وجّه مسارها هو منح الأسبقية للبعد العقلاني في الوجود الإنساني. فقد سعى زمرة من الفلاسفة إلى إعادة الاعتبار لهذه الخصيصة الإنسانية. فأرسطو Aristote (322–384 ق. م.) تناول مسألة الانفعال Pathos في كتابه الخطابة Rhétorique وكذلك في كتابيه علم الأخلاق إلى نيقوماخوسوما بعد الطبيعة. وأفرد رينيه ديكارت René Descartes (650–15961)، المجسد لروح عقلانية العصر الحديث، كتابًا في موضوع الانفعالات عنوانه انفعالات النفس. واهتم إيمانويل كانط (804–17241) بمسألة الحساسية؛ إذ إنه يُعتبر أول فيلسوف ميّز بين الانفعالات Affects

والعواطف Passions، وبيّن أنّ الانفعالات على خلاف العواطف ليست معارِضة للعقل، لكون

الانفعالات تعوق عمله فحسب، في حين أن العاطفة تعطّله. غير أنّ هذا التوجه الذي منح أسبقية وأفضلية للعقل على كل الأبعاد المشكّلة لإنسانيتنا في تاريخ الفلسفة، ستراجعه جذريًا، خلال القرن 91، مجموعة من الفلاسفة، من أبرزهم آرثر شوبنهاور Arthur Schopenhauer 1) 860–1788(وفردريك نيتشه Friedrich Nietzsche (900–18441)، على نحو أتاح استكشاف جوانب من إنسانيتنا أشد عمقًا. وفي القرن العشرين، حظي مفهوم الوجدان بمكانة متميزة، خاصة في الفلسفة الألمانية مع مارتن هايدغر (976–18891)، في مقابل بردايم الوعي الذي تجسد في العصر الحديث وجعل من الأساس المعرفي محددًا رئيسًا لعلاقة الإنسان بوجوده وعلاقته بالغير؛ فأدى إلى إفراغ الإنسان من كينونته وتشيّئه بفصله عن روابطه الأوّلية، أي مع وجوده لمصلحة عالم موضوعي

خضع لسلطة العقل الأداتي. لم يرفض هايدغر فقط الأسبقية الأنطولوجية للعقل فحسب، بل إنه طوّر فهمًا وتأويلًا جديددَين للإنسان أيضًا، أو بالأحرى للكينونة البشرية Dasein، التي يحتل فيها البعد الوجداني مكانة أساسية. فالوجدان يمثل بالنسبة إليه مع الفهم والكلام ثلاث كيفيات لانفتاح الكينونة البشرية على العالم وإحدى بناها التكوينية الأساسية. وبناءً عليه، تعدّ أنطولوحيا هايدغر

(((نشير إلى أن ثمة لبسًا على مستوى التمييز بين الكلمات التالية: Affects, Passions, Sentiment, Emotions، وذلك راجع إلى

عدم تمييز الفلاسفة في العصور القديمة والحديثة بينها، ومثال ذلك أن القديس أوغسطين يستخدم Passiones, Affectiones, Affectus بوصفها كلمات مترادفة. ينظر:

Marc Richir, "Affectivité," accessed on 10/9/2024, at: https://2u.pw/aPsgDmSF;

إن كانط أول فيلسوف ميز بين الانفعالات Affects والعواطف Passions في كتابه نقد ملكة الحكمفي الفقرة المعنونة ب "ملاحظة عامة حول عرض الأحكام الجمالية المفكرة"، بحيث تتسم الانفعالات بكونها هوجاء غير مفَّكَر فيها، في حين أن العواطف ترتبط

بملكة الرغبة فهي مفَّكَر فيها وتستمر فترة أطول من الانفعال، ومثال ذلك أن "السخط" إذا حصل باعتباره غضبًا يعدّه انفع لًا.

أما إذا تحوّل إلى كراهية (رغبة في الانتقام)، فهو يعدّ عاطفة. وخلص إلى أنّ الانفعال يعوق عمل العقل في حين أنّ العاطفة

تعطّله. ينظر:

Emmanuel Kant, Critique de la faculté de juger , Alain Renaut (trans.) (Paris: GF Flammarion, 2015), p. 249.

(((الدازاين Dasein عند الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر هو مفهوم مركزي في فلسفته الوجودية، ويعني حرفيًا "الوجود–هنا" أو

"الكينونة–في–العالم". ويشير إلى الإنسان باعتباره كائنًا واعيًا، منخرطًا في العالم من حوله، وليس مجرد كائن مستقل عن هذا

العالم.

محاولة متفردة للكشف عن المنسي في تاريخ الفلسفة وهو نسيان الوجود الأصيل، المتمثل في العلاقة الأولية للإنسان ككينونة مع وجوده، أي من خلال الوجدان، رافعًا إياه إلى مرتبة المحدد الأنطولوجي لكينونة الإنسان، اعتمادًا على تأويله الفينومينولوجي. وقد جعل أكسيل هونيث Axel Honneth هذا المنظور الأنطولوجي للوجدان إمكانًا لتطوير نظريته في الاعتراف الإتيقي، واعتبر المشاركة الوجدانية للإنسان أساسًا للعلاقة البينذاتية لتجاوز الأشكال السلبية على مستوى العلاقات الاجتماعية، كالاحتقار والتشُّيُؤ، بغية تأسيس عدالة اجتماعية وتطوير شروط الديمقراطية من أجل حياة أكثر إنسانية. نهدف، من خلال هذه الدراسة، إلى إضاءة زاوية من التفكير الفلسفي المعاصر تتعلق بمحاولة إبراز أولوية الوجدان على المعرفة، والكشف عن أنّ المعرفة ذاتها تتأسس على حال وجداني، وتتيح تقديم إمكانات تسمح ببناء علاقات اجتماعية سليمة. لذلك، سنحاول الإجابة عن هذه الأسئلة: كيف تمكّن هايدغر من الكشف عن بنية للوجدان الأنطولوجية بوصفها أولية للانفتاح على العالم وعلى الغير بناءً على مفهوم "العناية"؟ وكيف سيتخذ هونيث من بردايم الوجدان إمكانًا فلسفيًا لهدم التصور التقليدي الذي يضع الذات المحايدة في مقابل العالم أو هدمه، وتقديم إتيقا الاعتراف بديلًا من مواصلة مشروع الحداثة، باستعادة علاقة الإنسان الأولية مع الوجود؛ من خلال استبداله مفهوم "العناية" الهايدغري بمفهوم "الاعتراف"؟ وكيف جعل المشاركة الوجدانية مقوّمًا أساسيًا للاعتراف؛ إتيقا مؤِّسِسة لأولوية "المشاركة الوجدانية" مع الغير من أجل تحقيق اعتراف اجتماعي قوامه مشاعر الحب يسمح بتقدير الذات تجاوزًا لوضعية الاحتقار والتشُّيُؤ التي صارت تطبع المجتمع الحديث؟ وما الدلالة التي حازها مفهوم الوجدان في تاريخ الفلسفة؟ وأين تتمثل جدّة تصور هايدغر للوجدان في تاريخ الفلسفة؟ وبأيّ معنى يُعدّ الوجدان بنية أنطولوجية للإنسان؟

أولا: هايدغر، الوجدان بوصفه محددًا أنطولوجيّا لكينونة الإنسان

انشغل الفلاسفة وعلماء اللاهوت، على حد سواء، بتيمة الوجدان لقدرته على كشف الحقائق المستعصية على العقل المنطقي المجرد، وتوجيه أفعال الإنسان وأفكاره وقيمه، غير أنه سيصير مع

(((ينتمي هونيث إلى جيل المدرسة النقدية الثالث، أو ما يُعرف بمدرسة فرانكفورت، بحيث مثّل امتدادًا للفلسفة الاجتماعية الرامية

إلى إبراز التناقضات التي أضحت المجتمعات الحديثة تعانيها بفعل هيمنة العقلانية الأداتية على كل مناحي الحياة، وكذا سيطرة العولمة على مختلف أنماط الوجود البشري. وقد تولّى هونيث رئاسة معهد البحث الاجتماعي، عام 2001، وقد حظي بمكانة

مرموقة في الأوساط الفكرية الألمانية والأوروبية لإسهاماته المتميزة في الفلسفة الاجتماعية والعملية. تابع دراسته الجامعية ببرلين وفي معهد ماكس بلانك Max–Planck–Institut الذي كان يشرف عليه أستاذه يورغن هابرماس Jürgen Habermas، وقد رشّحه

لتدريس الفلسفة الاجتماعية والعملية في جامعة يوهان فولفغانغ فون غوته Goethe–Universität Frankfurt am Main. وهذا مكّنه

من الانخراط في تقليد النظرية النقدية والعمل على تطويرها من خلال سعيه لتأسيس نظريته الأخلاقية والاجتماعية والسياسية التي تتمحور حول مفهوم الاعتراف.

هايدغر محددًا أنطولوجيًا لكينونة الإنسان، أي بوصفه الكيفية الأساسية لوجوده في العالم، وستصير

"الأحوال الوجدانية" مقومًا لبنية الإنسان باعتباره كينونة، وليس مجرد أعراضٍ تتجلى في وضعيات معينة

أو أحوال معيشة داخلية تطفو على العقل والإرادة. غير أن كلمَتي Befindlichkeit و Stimmung اللتين

اقترحهما هايدغر في مؤلفه الكينونة والزمان Sein und Zeit (9271) ستطرحان إشكالات على مستوى ترجمتهما سواء في اللغات الأجنبية أو العربية؛ لغياب مقابل لهما في هذه اللغات. وسيدفعنا ذلك في البدء إلى محاولة تذليل بعض هذه الصعوبات على مستوى الترجمة في اللغتين الفرنسية والإنكليزية؛ ومن ثمّ مساءلة قدرة اللغة العربية على توطين هذا المفهوم في بيئته، مع التعريج على بعض التصورات

التي أولت هذا المفهوم أهمية، في تاريخ الفلسفة، والمعنى الذي حازته؛ لإدراك جِدّة تصوّر هايدغر.

1. الوجدان: إشكالية الترجمة والدلالة

ميّز هايدغر في بداية الفقرة (29) من كتاب الكينونة والزمانبين مفهومَي الوجدان Befindlichkeit

والحال الوجداني Stimmung؛ لهذا ينبغي لنا التوقف عند هاتين الكلمتين لتحديد حقليهما الدلاليَين:

كلمة Befindlichkeit مشتقة من الفعل Siche befinden، وتعني "وُجد" أو "وجَدَ ذاته"، وهي تدل

على معنى مزدوج: الأول، أجد نفسي هنا أو هناك (له معنى مقامي: المكان الذي هو فيه). أما الثاني، فهو: عندما أجِدُ نفسي في حال جيد أو سيئ (بمعنى استعداد داخلي: الحال الذي يجد الإنسان نفسه فيه). فالوجدان ليس إدراكًا موجّهًا نحو الباطن فحسب، بل هو أيضًا بنية تكشف أنّ الكينونة الإنسانية

مقذوف بها في العالم سلفًا، بمعنى أنه موجود يجد نفسه موجودًا بعدُ بشكل ما، أي في عيانية سابقة. إنّ الوجدان يمثل الكيفية التي توجد بها الكينونة البشرية في وجودها في العالم، إنه الحال الذي نجد عليه أنفسنا متى بدأنا نشعر بأننا نحن. لذلك نحن لسنا نحن، بل ما وجدنا عليه أنفسنا في كل مرة. وما نجده من أنفسنا، وفي أنفسنا أيضًا، في كل مرة هو ما كنّا من قبل. و"ما كان" هو ما به يتعلق الوجدان. فالوجدان، إذًا، هو جهاز العلاقة مع النفس من جهة الماضي الذي تستدعيه في نفسها من دون أن تستطيع تحويله إلى كيانيّة أصلية. ينبغي في البدء، الإشارة إلى اتفاق جل الباحثين المهتمين بفكر هايدغر على صعوبة ترجمة هذا المفهوم سواء في اللسان الفرنسي أو الإنكليزي وحتى العربي؛ لغياب مقابل له من جهة، وللتعدد الدلالي لكلمة Befindlichkeit المتواشجة مع مكانية كينونة الإنسان من جهة أخرى؛ ومن ثم مع معنى طوبولوجي آخر سيكشفه هايدغر في كلمة Stimmung المرادفة لها، التي تعني المزاج وكذلك المقام. لذلك، فإن ترجمته تعدّ بمنزلة "تأويل" لاستيعاب فلسفته في اللغة المترجمة. ومن بين الترجمات في اللسان الفرنسي الترجمة التي اقترحها ألفونس دو ويلانس

Alphonse de Waelhens)1981–1911(Sentiment de la situation "شعور بالوضع"، وفرانسوا

فيزن François Vezin الذي ترجمها ب  Disposibilité. أما إيمانويل مارتينو Emmanuel Martineau، فقد اقترح كلمة Affection مثبتًا معنى واحدًا لكلمة Befindlichkeit بإثبات المصطلح التقليدي

(((مارتن هايدغر، الكينونة والزمان، ترجمة فتحي المسكيني (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2012)، ص.591

Affection الذي يعود إلى affectio لدى القديس أوغسطين Saint Augustin (430–354). وبينت مارلين زاردر أنّ كلمة Befindlichkeit تدل على معنى "شعر بذاته" أو "وجد ذاته في وضعية ما"، ولا تُفهم باعتبارها حالة داخلية خالصة، بل بوصفها كيفية لإنجاز تجربة العالم، أو على نحو أدق تجربة تربط الذات والعالم، وقد اقترحت ترجمتها بعبارة Sentiment de se trouver là "شعور بوجود هناك". أما فيما يخص الترجمات لكلمة في اللسان الإنكليزي، فنجد ترجمة لجوان ستامبو (1932–2013) هي "التناغم " Attunement، أي تحديد أحوالنا الوجدانية بوصفها طرائق للعثور على أنفسنا في العالم. واقترح ريتشارد بولت Richard Polt كلمتين: Disposition، و Dis–poseness (الاستعداد، أو المزاج، أو الاتجاه) لكونها تساعدنا على اعتبار أن الحال الوجداني يساعد أيضًا على تحديد مكاننا في العالم ويمنحنا توجهًا معيّنًا (Situatedness

حالة معينة، Disposedness وضعية الاستعداد، Affectedness حالة التأثر، So – foundness حالة

الوجود، Attuned self – finding إيجاد الذات المتناغمة، Where – you – are at – ness المكان

الذي توجد فيه). واقترح ماكري وربينسون عبارة State – of – mind بمعنى حالة نفسية.

(((كلمة "الانفعال" هي ترجمة لكلمة Passion المشتقة من الكلمة اللاتينية passio، ومن اللفظ اليوناني pathos. ومن مرادفتها في اللغة اللاتينية affectus, affectio، ومن مرادفتها في اللغة الفرنسية Emotion، ومن مرادفتها في اللغة الألمانية Leiden, Leidenschaft, Affekt, Affektion, Gefühl، ومن مرادفتها في اللغة الإنكليزية Passion, Affection. و"انفعل" مطاوع "فعل"، وقد أطلق في اللغة العربية على إحدى مقولات أرسطو "أن ينفعل" Passion، وهي ضد مقولة "أن يفعل" Action. ويعبّر الانفعال

عن حركة النفس التي تؤدي إلى تغيرات تظهر على المستوى الفيزيولوجي، بمعنى أنّ الانفعال هو التأثر وقبول الأثر ينتج منه

تغيّر في الحساسية ناشئ عن سبب خارجي. إن دلالة الانفعال في الفلسفة الحديثة غير محددة، فهو يدل عند بعضهم على

الاستعداد أو الحال أو التغير، سواء أكان س ببه خارجيًا أم داخليًا، وهو يدل عند بعضهم على جميع التغيرات الوجدانية أو

الفكرية، بحيث يدل الانفعال عند ديكارت، في كتابه انفعالات النفس، على التغييرات الداخلية التي تتعرض لها النفس تحت تأثير الجسم. وقد ذكر ستة انفعالات أولية (الدهشة، والحب، والبغض، والرغبة، والفرح، والحزن)، ويشير إلى ثمانية وثلاثين انفع لًا خاًّصًا. أما الانفعال عند باروخ سبينوزا (677–16321)، فهو الذي يزيد من قدرة الجسم على الفعل أو يقلل منها. ويذكر

سبينوزا ثلاثة انفعالات أولية (الرغبة، والفرح، والحزن)، ويذكر خمسة وأربعين انفع لًا خاًّصًا. هكذا، يمكن القول إن الانفعال

هو حالة نفسية ذات صفة وجدانية قوية مصحوبة بتغيرات فيزيولوجية سريعة وبحركات تعبيرية كثيرًا تكون جليّة أو عنيفة. وينشأ

الانفعال عادة عن إعاقة فجائية لميول أو رغبات قوية، أو عن إرضاء غير منتظر لهذه الميول والرغبات. والانفعال، في الحالتين، يعني أنه غير ممكن من دون صدمة. ينظر:

Baruch de Spinoza, Éthique , J.–G. Prat. (trad.), vol. 3 (Paris: Librairie Hachette, 1880), p. 3. (6) Marlène Zarader, Lire être et temps de Heidegger (Paris: Vrin – Bibliothèque d’Histoire de la Philosophie, 2012), p. 215. (7) Martin Heidegger, Being and Time , Joan Stambaugh (trans.) (New York: Suny Press, 1996).

ينظر ((:(

Richard Polt et al. (eds.), Heidegger’s "Being and Time": Critical Essays (United States: Lanham, Rowman & Littlefield,

(((يتحفظ ريتشارد بولت عن هذه الترجمة (حالة نفسية) لأن هايدغر يتجنب كل ما من شأنه أن يوحي بالحضور مثل النفس أو العقل. 1(((محمد عناني، مصطلحات الفلسفة الوجودية عند مارتن هايدغر: معجم ودراسة (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2023)، ص 67،.70

أما كلمة "وجدان" التي اخترناها عنوانًا للدراسة، فتتطلب وقفة على مستوى دلالتها اللغوية والاصطلاحية في اللسان العربي لتحديد مشروعية هذا الاختيار. إنّ الوجدان في المعجم الفلسفي وموسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، من المصدر "وجد"، نقول: وجد المطلوب وجدانًا، أي أصابه، وأدركه. ويدلّ الوجدان عند الصوفية على الشعور الناجم عن مصادفة الحق تعالى. وعند الحكماء هو النفس وقواها الباطنة، أو هو القوى الباطنة فقط من جهة ما هي وسيلة لإدراك الحياة الداخلية. فالوجداني هو ما يجده كل أحد من نفسه (كعلمنا بوجود ذواتنا، وبأفعال ذواتنا)، ويرادفه الحدسي، أو ما يدرك بالقوى الباطنة (كعلمنا بخوفنا، وشهوتنا، وغضبنا، ولذّتنا)، أي ما يحكم به العقل استنادًا إلى الحس الباطن. وتطلق الوجدانيات بالجمع على ما يكون مدرَكًا بالحواس الباطنة. وإذا علمت أنّ الحواس عند

القدماء تشمل الحس المشترك والخيال، والمصورة، والمتخيلة والمفكرة، والوهمية، والحافظة، كان الوجداني غير مقصور على إدراك اللذة والألم والانفعال، بل كان مشتملًا على إدراك كل ما يظهر على مسرح النفس من الصور والمعاني. لكنّ المعجم الفلسفي الذي وضعه مجمع اللغة العربية يُطلق كلمة الوجدان على مجموع الظواهر الوجدانية، من لذّة وألم وانفعال. ويُطلق كلمة الوجداني على ما له صلة بالوجدانيات، كاللذة والألم، ويقابله الفكري والنزوعي من أحوال النفس. فالملاحظ أنّ كلمة "وجدان" تحمل دلالات متعددة في اللسان العربي لا يجعلها مرادفة للكلمة الألمانية Befindlichkeit التي اختارها هايدغر للتعبير عن "شعور بالوجود هناك" أو "وجد ذاته في وضعية ما"، أي بوصفه الكيفية لإنجاز تجربة العالم أو على نحو أدق تجربة تربط الذات والعالم، بل يدل على بعض من معانيه من دون أن يحمل الدلالة الأنطولوجية. غير أنّ مشروعية هذا التأويل تتمثل في أنّ كلمة وجدان ترتبط بالوجود. لذلك، عندما نعود إلى بعض التحديدات المعاصرة لهذا المفهوم التي لا محالة أنها تستعيد تصورات من التراث العربي القديم، نتمكّن من تقديم الوجدان بوصفه مفهومًا يقترب من المعنى

الذي سعى هايدغر لتبيانه، ومن ذلك المعنى الذي منحه تيسير شيخ الأرض؛ عندما جعل الوجدان محايثًا للوجود ومحلّ تلاقٍ للنظر مع العمل وشرطًا للحرية الإنسانية التي يمكنها استخدام حتميات وجوده لإقامة معالم حضارية معيّنة: "ومن هنا كان تلاقي النظر والعمل في الوجود، بعد تلاقيهما في

الوجدان. وهذا معنى أنّ ما في الوجدان يتحقق في الوجود، وأنّ ما في الوجود يتحقق في الوجدان". والمعنى الذي منحه عبد الرحمن بدوي (2002–1917): "'وجدان' هو أنها تصلح أيضًا بمعنى الوجود، وفي هذا ما يقرب كثيرًا من التعبير الدقيق عن هذه التجربة الوجودية"، التي من شأنها، باعتبارها ملكة،

(((1 جميل صليبا، المعجم الفلسفي: بالألفاظ العربية والفرنسية والإنجليزية، ج  2 (بيروت: دار التوفيق، 9941)، ص.557 ومن الترجمات المقترحة لهذا المفهوم: الإدراك الداخلي أو النفسي، فعل المعرفة من خلال الوعي، من خلال الذكاء أو الفهم. 1(((محمد علي التهانوي، موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، سلسلة موسوعات المصطلحات العربية والإسلامية (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 9961)، ص 7581 (يقترح عدة مرادفات في اللغة الفرنسية Intuition, Conscience, Affectivité. أما مرادفاها في اللغة الإنكليزية، فهما  Conscience, Affectivity). (1((صليبا، ج 2، ص.557 1(((تيسير شيخ الأرض، الوجود والصيرورة والفعل (دمشق: منشورات اتحاد الكتاب العرب، 9941)، ص.12 (((1 عبد الرحمن بدوي، الوجود الزماني (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 9551)، ص.206

أن تنظر إلى الإنسان باعتباره وحدة تسمح ب "أن تزيل مشكلة الذات والموضوع"، وبوصف الوجدان "عالمًا للإدراك يختلف تمامًا عن عالم الإدراك الذي يكوّنه العقل". أمّا كلمة Stimmung، فهي كما بيّنت زاردر من العبارات النادرة، خاصة في الفرنسية، وليس ثمة

مقابل لها في اللغات الأخرى. وقد ميز ميشال هار بين دلالتين: الأولى صوتية أو "طوبولوجية الوجدان"، وهي "الحال " الذي يخلقها صوت Stimme الوجود أو الضمير، والثانية "مقامية" Tonalité تدل على "المزاج" Humeur/ Mood الذي يعدّل أحوال الكينونة بحسب مقام واحد. فعلى أساس أنّ كينونة الإنسان تجد نفسها، في الغالب، لا تزال موجودة في العالم، فإنها تختبر وجدانها في مزاج أو حال وجداني. فالمزاج، أو الحال الوجداني، من المنظور الأنطولوجي، يتجاوز نطاق تكشّف المعرفة والإرادة؛ إذ يكشف عن الخاصية الجوهرية للوجدان؛ أنّ الكينونة ملقى بها في العالم. فالحال الوجداني هو ما يهاجمنا بحيث إنه لا يأتي من "الخارج" ولا من "الداخل"، بل يحدث من الوجود في العالم كنمط لهذا الوجود، فالأحوال الوجدانية ما بها يتكشف الوجود في العالم لكينونة الإنسان. فما الدلالة التي حازها مفهوم الوجدان في تاريخ الفلسفة؟ لم يتوانَ الفلاسفة، على مر تاريخ الفلسفة، في دراسة الوجدان، سعيًا لإبراز محدوديته أو سعته

وشموله على العقل المنطقي؛ إذ تشَكَّل تقليد فلسفي رفع من شأن الوجدان في العصر القديم المتأخر مع طابع لاهوتي مسيحي يقوم على أساس النظرة الداخلية للعالم. ويُعدّ أوغسطين من أهم الوجوه

الفلسفية واللاهوتية المعبّرة عن هذا التقليد، الذي أعلى من شأن مقولة الوجدان سعيًا للتخلص من

سطوة المقولات المنطقية الأرسطية. وقد كشفت مساهماته التأسيسية عن هذا الجانب "اللغزي" في الإنسان ودوره الحيوي باعتباره قوة باطنية للنفس ونورًا تتكشف من خلاله الحقيقة الإلهية المتحجبة

في موجوداته: "هو نور الإنسان الباطني وصوته وشَدْوه وقبلته". فالوجدان، في نظره، حدس باطني يسمح للنفس بالتمييز بين الحقيقة والخطأ يتجاوز مقدرات الحدس الحسي: "الحس الخارجي ليس سوى الأداة، ولا يمكنه أن يحكم على ما نراه. لنا حاسة أخرى، باطنية في الإنسان، تفضل وتسمو على الحواس الأخرى؛ بها نميز الصحيح من الخطأ، نميز الصحيح بواسطة شيء، قابل للفهم وغير الصحيح نميزه بواسطة الحرمان من تلك الحاسة". ومكنون هذا الوجدان هو الشعور الصادر عن الحب الإلهي، باعتباره هبة عطاءاتها غير محدودة وغير منقطعة عند ولوجها أعماق النفس البشرية، فتؤثّر في قرارات "الإنسان الفاضل" واختياراته وأفعاله، ف "ما إن تلج المحبة الإلهية إلى النفس، حتى تتجلى كماهية للحب، معطاء بلا حدود ومن

(1((المرجع نفسه. (1((المرجع نفسه. 1(((القديس أوغسطينوس، اعترافات، ترجمة الخوري يوحنا الحلو، التراث الروحي، ط  4 (بيروت: دار المشرق، 1991)، ص.198–197 1(((القديس أوغسطينوس، مدينة الله، ترجمة الخوري يوحنا الحلو، ج  2 (بيروت: دار الشروق، 2007) ص.46–45 (2(("أيها الرب، يا من تنكشف دومًا أمامه لجة الوجدان البشري"، ينظر: أوغسطينوس، اعترافات، الكتاب العاشر، ص.193

دون كلل". لهذا يتحدد الفعل الإنساني باعتباره فعلًا قصديًا موجّهًا بغايات صادرة عن موقف دافعه

شعور وجداني، ومن أهمه الحب. بهذا تمثّل المحبة الإلهية الموقف الذي على النفس أن تتبناه إزاء العالم باعتباره تعبيرًا عن "الحياة المسيحية": "إن وصف الحياة المسيحية، هو إبراز موقف النفس

تجاه الأشياء حيث تسود محبة الله ". وبما أنّ المحبة الإلهية الخالصة هي بهجة روحية تمثل الغاية النهائية أو الغبطة Béatitude، فقد جعلها أوغسطين مبدأً للحياة الأخلاقية المبنيّة على قاعدة وجوب

ملاءَمة الحب لمنزلة الأشياء التي نحبّها؛ بمعنى أنّ القاعدة المؤِّسِسة للحياة الأخلاقية والاجتماعية

تقوم على مبدأ أنّ الإنسان الفاضل يستخدم كل شيء ويفهم ذاته من أجل الله: "بعد أن يصل الإنسان إلى هذه الدرجة من الفضيلة، حيث ترتّب الإرادة وتنظم كل غاية بحسب قيمتها الفعلية، ويحبّها

بحسب ما تستحقه، فإنّ الإنسان يصل إلى حياة أخلاقية على أكمل وجه ممكن؛ لذلك لا نستغرب أنّ حياته ستكون في مجملها مبنية على (المحبة، والشفقة"). لهذا ميز أوغسطين بين معيارَين للفعل الإنساني: "الاستمتاع والاستعمال". فالتمتع يثبت إرادة الإنسان في شيء نتيجة حبّه له، في حين أنّ

الاستعمال هو استخدام شيء وسيلةً للحصول على شيء آخر: "يتمتع الإنسان بما يحبّ لما هو عليه

ويستعمل ما يحبّ في سبيل هدف آخر: لهذا يجب على الإنسان أن يستخدم الأمور الدنيوية استحقاقًا

للخيرات الأبدية، لا أن يتمتع بها". ومن ثمّ، يرتبط الاستمتاع والابتهاج بالغايات بوصفها مترابطة فيما بينها، وهي تصل إلى حد بلوغ الغاية النهائية والقصوى أو الغبطة، أما الموضوعات الأخرى فهي تعتمد على ذاتها باعتبارها وسائل لتحقيق غاياتها. جعل أوغسطين هذا التمييز القاعدة الأولى التي ينبغي للحياة المسيحية أن تقوم عليها، أي إن الابتهاج الرئيس يتمثل في الابتهاج الناتج من تصور أنّ الله هو الخير الأسمى، في حين أنّ باقي الموضوعات تُستخدم للاستمتاع والابتهاج بالله. من هنا، يستمد الإنسان عظمته من فكره وروحه، لا من جسده؛ لأنّ الله خلق الإنسان على صورته وشبيهه. ويقتضي ذلك منه أن يستخدم الخيرات الخارجية والمادية لإشباع حاجات الجسد لغاية أعظم؛ هي إشباع حاجات الروح. ومن ثمّ، يعتبر الروح المبدأ الداخلي الذي يفصل الإنسان عن الحياة المادية وينفتح نحو الإلهي، "بما أنه لا شيء بين الروح والله، فإنّ الإنسان الذي يستخدم جسده لأجل روحه، يجب أن يستخدم روحه ليبهج الله". إن تصور أوغسطين للعلاقات الاجتماعية

(21) Etienne Gilson, Introduction à l’étude de Saint Augustin (Paris: Vrin, 1949), p. 217. (22) Ibid;

((2(الغبطة: Béatitude مشتقة من الكلمة اللاتينية Beatitudo التي تعني سرورًا دائمًا لا يعكّر صفوه شيء. وتُستعمل على نحو

خاص في اللاهوت المسيحي للدلالة على سعادة الصفوة. وليست الغبطة مرادفًا للسعادة. فهي، من جهة، تشير إلى فكرة فرح

روحاني، ناشط، يبلغه الفكر القويم الملازم له، أو يبلغه المكابد فيكون كرامة له. وهي تدل، من جهة أخرى، على الحياة الرفيعة أو المقبلة، وهي تتضمن تدخّل الله أو الدخول في الملكوت الإلهي، وتاليًا تكون الغبطة إشباعًا للوجود المتسامي أو العرفاني المتعالي

فينا، أكثر ما تكون إشباعًا لميولنا الراهنة. ينظر: أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، ترجمة أحمد خليل عويدات، مج 1

(بيروت/ باريس: منشورات عويدات، 2008)، ص.130

(24) Gilson, p. 220.

(2((أوغسطينوس، مدينة الله، ج  2، ص.41

(26) Gilson, p. 219.

لم يحد عن تصوّره التيولوجي القائم على تراتبية بين الموجودات وفي هرمها الله؛ بحيث وضع

ترتيبًا ونظامًا محددًا للنظام الاجتماعي، في أعلى مراقيه الأقارب، ثم الأصدقاء، وبعد ذلك

الغرباء. فالغير يوجد، في نظره، في أعلى مراتب الخيرات الثانوية، المخلوقة من الله، التي يمكن استخدامها نتيجة لغايات إرادتنا. والسبيل إلى محبة الغير هو محبة الشخص لذاته التي تقصد الحب الإلهي المتحرر من الاعتبارات المادية: "يجب أن يحب الإنسان جسده من أجل روحه، وروحه من أجل الله؛ إذًا، إذَا وجب علينا أن نحبّ قريبنا كما نحبّ أنفسنا، فإنه لا ينبغي أن نحبّ

فيه جسده إلا من أجل روحه، وروحه إلا من أجل الله". هكذا يُحمل الوجدان عند أوغسطين

بطابعٍ روحي ديني سبيلًا لنيل الغبطة وموجّهًا لأفعال "المؤمن" ومواقفه نحو الوجود والعالم،

وتحرره من العالم المادي؛ بمعنى أنه وجدان يخص أشخاصًا دون غيرهم، وسيمتد هذا المنظور

إلى الفلسفة الحديثة مع توسيع نطاقه. بسبب خضوع الفكر الفلسفي، في العصر الحديث لسلطة العلم، صار العقل محكومًا بهاجس

الموضوعية وبوصفه الأداة الأساسية للمعرفة بما في ذلك الميتافيزيقا. لذلك ستُعاد مساءلة الوجدان

ودوره في المعرفة، خاصة مع بليز باسكال Blaise Pascal (662–16231)، الذي تأثر بالمنظور الأوغسطيني في هذا الجانب. وتكمن جدّته في كيفية استدلاله على هذا الاعتبار، بحيث رأى أن المجالات البرهانية تقتضي تصديقًا قلبيًا، سمح له بالتمييز بين المعرفة المنطقية والمعرفة الحدسية،

أي إنّ إدراك الحقيقة يقتضي إعمال سبيلَين: سبيل العقل وسبيل القلب: "للقلب حججه التي لا يعرفها العقل"، على اعتبار أنّ المبادئ الأولى المعتمدة في مجال العلم بوصفها مسلّمات لا يستدل عليها عقليًا، كوجود المكان والزمان والحركة والعدد، بل تنتج من التصديق القلبي الذي يُعدّ بمنزلة إدراك

مباشر لا يحتاج إلى برهان: "المبادئ تحس، والقضايا تستنتج وكلها عن يقين ولو اختلفت الطرق". ثمة، إذًا، سبيلان للحقيقة: سبيل يقوم على البرهان العقلي وسبيل يقوم على الشعور القلبي ولا ينبغي الخلط بينهما، فلا يمكن العقل أن يطلب من القلب إثبات مبادئه الأولى للموافقة عليها ولا يمكن أن يطلب القلب من العقل أن يشعر بكل القضايا التي يثبتها ليتقبّلها: "نعرف الحقيقة ليس بالعقل وحده،

بل بالقلب أيضًا. وإننا بهذه الطريقة الأخيرة نعرف المبادئ الأولى، وعبثًا يحاول العقل المعلّل الذي لا حصة له فيها أن يناهضها". ويخلص باسكال إلى أنّ إثبات وجود الله سبيله هو الشعور القلبي، الذي بموجبه تحصل السعادة، منتقدًا ديكارت لكونه سعى إلى إثبات الله عقليًا، وكذلك تصورات

رجال الدين الذين سعوا إلى البرهنة على وجود الله من خلال دليل العلّة. هكذا، لا يختلف تصوّر

باسكال عن أوغسطين للوجدان من جهة كونه حدسًا قلبيًا محكومًا بهاجس البحث عن الحقيقة،

ومحكومًا بتصور ثنائية الكائن البشري: العقل والقلب، النفس والجسد. ومع التحولات الفلسفية

الطارئة على مستوى منظور الإنسان باعتباره وحدة غير قابل للانفصال مع الفلسفة الفينومينولوجية

(27) Ibid., p. 220.

(2((بليز بسكال، خواطر، ترجمة إدوار البستاني (بيروت: المكتبة الشرقية، 9721)، ص.97 ((2(المرجع نفسه، ص.98 ((3(المرجع نفسه، ص.98–97

التي ستظهر في ألمانيا، أي النظر إلى الشخص بوصفه كًّلا غير قابل للاختزال في البعد العقلاني، سيُنظر إلى الوجدان باعتباره أحد مكونات الروح التي تمنح الشخصَ وحدةً من خلالها ينفتح على

عالم. من الدراسات الفلسفية المعاصرة التي اهتمت بالجانب الوجداني بوصفه يمثل "لغزية مستحكمة" لوجودنا في العالم، الفلسفة الفينومينولوجية مع ماكس شيلر Max Scheler (928–18741)، وهي تهدف إلى تجاوز الثنائيات التي خلّفتها النزعة العقلانية، كثنائية العقل والواقع، أو الذات والموضوع، أو الأنا والغير... إلخ، من خلال التوفيق بينها؛ إذ إنه تمكّن من توسيع دائرة البحث الفينومينولوجي بالانفتاح على دراسة فينومينولوجيا العواطف، لاهتمامه بمشكلة القيم، من خلال تحليل فينومينولوجي ل "أفعال التفضيل والشعور والاشمئزاز والحب والكراهية"، بوصفها أفع لًا ذات مضمون قبلي تستقل عن كل تجربة استقرائية مثل قوانين الفكر الخالصة، وتؤسس ل "أخلاق غير صورية للقيم"، "ليست بالضرورة، في حاجة إلى أن تكون 'عملية' أو 'مادية'، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك ليقول بكونها قبلية (قبلي مادي في مقابل القبلي المثالي")، منتقدًا الأخلاق الصورية الكانطية المتعالية عن الوجود العيني. والسبيل إلى ذلك هو استجلاء دور

"العواطف" وفهمه، لتأسيس "إتيقا التعاطف" التي تقوم على تحديدٍ وترتيبٍ دقيقَين للقيم القائمة على أفعال التفضيل وفي سلّمها قيمة الحب؛ بحيث كشف في فصل "القيم والشخص" من كتابه الأساس، الإتيقا الصورية والإتيقا غير الصورية للقيم: محاولة جديدة لتأسيس شخصانية إتيقية (9161)، عن العلاقة الوطيدة بين القيم والشخص، منتقدًا الإتيقا الصورية ومبرزًا حدودها لفهم تعقّد الحياة الأخلاقية، المتمثلة في أخلاق الواجب، التي تؤسس لأخلاقية على قواعد وواجبات مجردة، من دون الأخذ في الاعتبار حقيقة القيم والعواطف. وفي المقابل، اقترح "إتيقا مادية للقيم"، تعتبر أنّ القيم الأخلاقية هي حقائق موضوعية ومستقلة عن إرادتنا الفردية. ومن ثمّ، فإن

للقيم تراتبية موضوعية تدرك من خلال مشاعر إنسانية، كالتعاطف والحب، تسمح بالتعرف إلى القيم الموجودة في العالم والاستجابة لها. فالشخص هو المسؤول عن تحقق القيم الأخلاقية وتجسدها، وقادر على التوجه نحو قيم عليا، مثل الحب والعدالة، والتصرف بتوافق معها؛ بالنظر إلى أن المبدأ المحدد للشخص يكمن في "الروح"، باعتباره مبدأ داخليًا ينفلت من دائرة العضوي،

وهو لا يقتصر على مضامين وأفعال صادرة عن العقل، بل لها علاقة بالانفعال والوجدان والإرادة والتقييم: "والتعيين الأساسي لكائن روحي هو انفصاله عن العضوي، هو حريته واستقلاله عن التبعية للعضوي وللحياة ولكل ما ينتمي إليها. هذا الكائن له عالم، إنه يستطيع أن يحوّل ما يحيط

(3((حسين ظريف، مفهوم الروح عند ماكس شيلر (القاهرة: دار النهضة العربية، 9971)، ص.49 ((3(يميز شيلر بين مفهومَي التعاطف Empathie (Einfühlung) والمشاركة الوجدانية Sympathie (Mitgefühl)، اللذين يُعتبران

مفهومين أساسيَين في فلسفته، خصوصًا على مستوى فهم العلاقات الإنسانية وإدراك القيم الأخلاقية. فالتعاطف يدل على قدرة

للشعور وفهم مشاعر الغير وتجاربه كما نحياها نحن. إنه نمط للتعرف الوجداني مع الغير، بحيث يسمح بإدراك ذاتي للعالم كما يحياه الشخص الآخر. من هنا، يؤدي التعاطف دورًا حاسمًا في فهم القيم الأخلاقية، وفي القدرة على تعُّرُف إنسانية الآخرين.

أما المشاركة الوجدانية فهي تتجاوز التعاطف، إذ إنها لا تتضمن القدرة على الشعور بمشاعر الغير وتجاربه فحسب، بل تمثل استجابة وجدانية وإرادة للتصرف وفقًا لذلك، من أجل تخفيف المعاناة أو تحقيق الحياة السعيدة. ينظر: المرجع نفسه.

به إلى موضوعات، وأن يفهم هذه الموضوعات من غير ربطه بدوافعه الحيوانية، وذلك على خلاف الحيوان الذي لا يعطي أهميةً إّلا لدوافعه". يمثل التعاطف، إذًا، في نظر شيلر، كينونة الإنسان وماهيته، فلا ينبغي النظر إليه بوصفه "شيئًا" أو "جوهرًا"، بل إنه يمثل "الوحدة المعيشة"، ف "الشخص هو الوحدة العينية والجوهرية لكينونة أفعال

تختلف في ماهياتها في ذاتها [...] تسبق جلّ الأفعال – المختلفة على نحو جوهري (على وجه الخصوص اختلاف بين الإدراك الداخلي والخارجي، وبين الإرادة الداخلية والخارجية، وبين الإحساس الداخلي والخارجي، وبين الحب والكراهية،... إلخ): إذًا، وجود الشخص هو 'أساس' كل الأفعال المختلفة اختلافًا جوهريًا". فوجود الشخص يتحقق من خلال أفعال ذات مضمون

قصدي: "فعلًا، الشخص لا يوجد ولا يعبّر عن ذاته إّلا بوصفه موجودًا ينجز أفع لًا، ولا يوجد بأيّ

معنى 'وراء' أو 'فوق' الأفعال، أو شيء يوجد 'فوق' إنجاز وسيرورة الأفعال"؛ ومن ثمّ النأي عن النظر إليه بوصفه مركزًا فقط للأفعال العقلية، بل أيضًا، هو محلّ للأفعال الإرادية والعاطفية، وذلك يقتضي اقتحام منطقة البينذاتية، ف "من خلال إدراكه قيمة الأفعال فوق العقلية Extra–rational (يعني الأفعال التي تتجاوز العقل أو غير العقلية)، ومن خلال بيان أنّ الآخرين يمكن أن يوجدوا على هذا المستوى الأخير". وسيدفعه ذلك إلى الاعتراض على موقف إدموند هوسرل في مسألة إدراك الغير انطلاقًا من موقف عقلاني خالص على أنه "موضوع"، ف "إذا أردنا أن نتكشف 'الآخر' على مستوى 'نحن'، فيما يقولون، فيجب التركيز على تحليل الأفعال الباطنية كتلك الموجودة في علاقاتنا الفعلية أو الواقعية بالآخرين، ينبغي لنا أن نتناول بالتحليل 'العواطف الاجتماعية' التي تكشف مباشرة عن حضور الكائنات الأخرى المماثلة لنا ك 'الحب' و'التعاطف' و'الحياء' و'الحقد' و'الندم' و'التوبة"'. بناءً عليه، فإنّ العلاقة بين الذات والموضوع أو بين الأنا والعالم والآخر تتشكّل على أساس إقرار

بالمستويين التجريبي والسيكولوجي وبقدرتهما على دعم الوجود والتعبير عن ثرائه وامتلائه. هكذا، فإنّ التعاطف، في رأي شيلر، في ماهيته فعل أوّلي بدئي من أفعال الوجدان لا يمكن ردّه إلى العقل لما له من طبيعة قصدية، يسمح بالمشاركة الوجدانية مع الغير لتَوُجُّه الذات الدائم نحو ذوات أخرى؛

إذ إنها تتمكن في هذا التوجه من إدراك مشاعرها والتخلّي عن التمركز حول ذاتها من خلال الإحساس بأنّ ثمة مساواة معه في القيمة، ويسمح بإمكانية انفتاح القلب والعقل: "التعاطف: يحطم الأنانية والشرور الأخلاقية للأنا، ويفتح القلب والعقل أيضًا". هكذا يتوحد الوجدان والعقل من خلال

(3((مارتن هايدغر، المفاهيم الأساسية للميتافيزيقا: العالم – التناهي – الوحدة، ترجمة وتقديم إسماعيل المصدق (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2023)، ص.22

(34) Max Scheler, Formalism in Ethics and Non–Formal Ethics of Values: A New Attempt toward the Foundation of an Ethical Personalism , Manfred Frings & Roger Funk (trans.) (Evanston: Northwestern University Press, 1973), p. 383. (35) Ibid., p. 385.

((3(ظريف، ص.53 ((3(المرجع نفسه، ص.55–54

(38) Max Scheler, The Nature of Sympathy , Peter Heath (trans.) (London: Archon Books, 1970), p. 22.

الروح، الذي من خلاله ينظر إلى الإنسان على أنه شخص له عالمه وينفتح على العالم. ما الذي سيسمح لهايدغر بنقل الوجدان باعتباره تجربة باطنية يعيشها الإنسان إلى كونه بنية من كينونة الإنسان؟

1. أنطولوجيا الوجدان بوصفها محلّ انفتاح الكينونة البشرية

رفع هايدغر الوجدان إلى مرتبة المحدد الأنطولوجي لكينونة الإنسان، أي بوصفه الكيفية الأساسية لوجود الكينونة الإنسانية في العالم: "الوجدان محدد أنطولوجي لكون الإنسان". لذلك، عدّ

الأحوال الوجدانية مقومًا لبنية الإنسان باعتباره كينونة، وليست مجرد أعراضٍ تتجلى في وضعيات

معينة. فالكينونة لا تكون أحيانًا وفي مناسبات معيّنة في أحوال وجدانية، بل إن وجودها في حال

وجداني معيّن هو جزء من بنيتها الأساسية. بمعنى آخر، إن الوجدان يمثل الكيفية الأولية التي

ينكشف بها للكينونة البشرية وجودها في العالم، "وعليه، فإنّ كل تصرف للكينونة سواء أكان نظريًا

أم عمليًا، وسواء كان إزاء ذاتها أو الأشياء أو الآخرين، يكون قائمًا على أساس حال وجداني: فرح،

حزن، دهشة، فضول، حنين، شوق، أمل، يأس، استياء، لامبالاة، وما إلى ذلك". لقد مثّل الانشغال بتحديد البنى العامّة للوجود البشري حجر الزاوية في بنيان فلسفة هايدغر، أي

الانشغال ب "الوجود العام" أو الكينونة البشرية" في كتابه الكينونة والزمان، "لفهم حقيقة الوجود بوجه عام". بهذا المعنى فإنّ الأنطولوجيا، في رأيه، تمثّل وجودنا نفسه. وكان سبيله إلى ذلك هو اعتماده على وجهة نظر فينومينولوجية تبتغي العودة إلى الأشياء ذاتها سيرًا على ما خطّه هوسرل لهذا العلم

لتحديد المقومات الأنطولوجية للوجود الإنساني باعتبارها كينونة منفتحة على وجودها، إن "غرضه هو أنطولوجيا أساسية"، لئّلا ينظر إلى الإنسان بكيفية مجَّزَأة يتمّ "تقطيع أوصالها "، كما هو شأن

المقاربات العلمية التجزيئية (علم الطبيعة، وعلم النفس، وعلم التاريخ)، التي اقتصرت على دراسة "الموجودات العينية الجزئية". وحصل الأمر ذاته للتقليد الفلسفي اليوناني الذي انصرف عن دراسة "الوجود بصفة عامة" إلى تحديد كيفيات "الموجود"، فآلت إلى "مجرد دراسة للمقولات التي تفهم على نحوها الأشياء". ولم تسلم كذلك الفلسفة الوسيطية من نقده لكونها أهملت التمييز بين "الوجود" و"الأشياء الموجودة"، فاعتبرت الإنسان "شيئًا" أو "جوهرًا" يتسم بكيفيات محددة ومندمجة

في الزمان، في حين حددت الفلسفة الحديثة الكائن البشري من خلال "العقل" بوصفه الكيفية التي بموجبها يدرك بها العالم، أي النظر إليه من خلال الفعل المعرفي القائم بين الذات والموضوع، لهذا

(3((الشيخ أحمد أبو المعالي ولد سالم فال، "فينومينولوجيا الأحوال الوجدانية عند هايدغر"، أبحاث محكّمة، مؤمنون بلا حدود،

2022/1/20، شوهد في 2024/10/1، في: https://2u.pw/UVq0obG7 (4((مارتن هايدغر، كتابات أساسية، ترجمة إسماعيل المصدق، ج  2 (بيروت: المشروع القومي للترجمة، 2003)، ص.11 ((4(المرجع نفسه. (4((زكريا إبراهيم، الوجود والزمان لهيدغر، تراث الإنسانية، مج  6 (الرباط: دار الرشاد الحديثة، 9651)، ص.528 (4((هايدغر، الكينونة والزمان، ص.260 ((4(المرجع نفسه. ((4(زكريا، ص.528

"نظروا إلى الوجود على أنه مقولة منطقية أو محمول عادي [...] أن يكون من أكثر المحمولات شكلية، وأشدها تجريدًا". كان سبيل هايدغر إلى ذلك هو محاولة إبراز البنية الأصلية الموحّدة لوجود الإنسان باعتباره كينونة

تتحدد من خلالها إمكاناته الأنطولوجية والطرائق التي بها يوجد فينومينولوجيا لكشف طباعه على صعيد أنطولوجي. وإمكان ذلك، هو النظر إلى الطابع الأصلي للظاهرة من خلال "الوجود – في" être – à، تجاوزًا لأيّ اشتقاق من ظواهر أخرى تنحو إلى تقطيع أوصالها كما حصل مع الأنطولوجيا

التقليدية: "إن ظاهرة وحدة الأصل بين اللحظات المقومة قد تم إغفالها في الأنطولوجيا، تبعًا لنزعة المنهج تطلق العنان للبرهنة على أنّ كل شيء وأيّ شيء صادر انطلاقًا من "علة أولى". والسبيل إلى

ذلك هو "إدراك الكينونة الأصلية للدازين ذاته، أي العناية". إن المنظور الذي به يمكن النظر فينومينولوجيا إلى "الوجود في" بما هو كذلك، يتجلى في البدء في كونه متباينًا عن الوجود القائم أمامنا être–devant–nous، واعتباره نمطًا للإنسان باعتباره كينونة، على خلاف المقاربة المعرفية القائمة على الفصل بين الذات والموضوع، فجاء "الفحص التقليدي عن "مشكل المعرفة" مفهومًا بنفسه من ناحية أنطيقية، قد حرّف على المستوى الأنطولوجي بأوجه

عدة إلى حٍّدٍ لم يعد معه منظورًا". وينبغي اعتباره، في نظر هايدغر، يمثل وجود "البين" نتيجة بين

قائمين (الذات والموضوع). لذلك، فإنّ وجود الإنسان هو المحدد لماهيته، في حين أنّ التحديدات الأساسية للموجود البشري ما هي إلا أساليب كينونته أو أنحاء لوجوده. ومن ثمّ، فالإنسان يصير من

خلال هذا المنظور هو "الكائن الذي يتكشف من خلاله معنى الوجود". إذا كانت ماهية الإنسان باعتباره كينونة تتقوّم كوجود – في – العالم être–au–monde، أي باعتباره

"هناك" التي تشير إلى "هنا" وإلى "هنالك" أو باعتباره "وجود – ملقى – به" être–jeté، فإنه بذلك

((4(المرجع نفسه. ((4(الوجود – في: تحديد أنطولوجي للإنسان باعتباره كينونة تختلف في كيفية وجودها عن نمط الوجود لليد l’à–portée–de–la– main، أو القائم أمامنا Sous–la–main. لذلك، ترتبط دلالته الأنطولوجية بالسكن والإقامة والألفة وبالعناية والتعود، على خلاف التحديد المكاني الذي يكون على شاكلة علاقة مكانية بين الكينونة والعالم. ((4(وحدة الأصل: تشير إلى التساوي الحاصل بين جميع بنى الكينونة البشرية، وهو بمنزلة امتياز وجوداني يمنع وجود أي "منطق" خطّي في ظهور تلك البنى. وشرط أصالتها هو أنها تحدث بكيفية متزامنة وتبادلية، تعبّر عن (كلية الكل البنيوي) الذي يشكله نمط

وجود الكينونة البشرية بوصفه عناية. (4((هايدغر، الكينونة والزمان، ص.260 (5((المرجع نفسه. (((5 المرجع نفسه، ص.261 (5((زكريا، ص.529 (5((الوجود – في – العالم être – au – monde: إنّ الموجود البشري موجّه منذ البداية إلى العالم الخارجي، أي إنّ له علاقة خاصة

بالعالم تتمثل في الاهتمام والانشغال. فالعالم ليس جوهرًا متحيزًا أو كيانًا مكانيًا، بل يمثّل بنية أنطولوجية يمتنع أن يكون الإنسان

بمقتضاها مجرد "ذاتية" مغلقة. إنّ العلاقة بين الإنسان باعتباره كينونة والعالم هي علاقة وجودية قوامها الشعور بالاهتمام، لذلك

فالموجود البشري متفتّح منذ البداية وموجّه وجدانيًا نحو العالم الخارجي.

يكون دائم الانفتاح وليس موجودًا قائمًا أمامنا، ف "الدازين هو انفتاحه". وقوام هذا الوجود يتمثل

في الوجدان والفهم والكلام، بوصفها بنى أساسية للكينونة البشرية: "الوجدان والفهم هما معيّنان

على أصل واحد بواسطة الكلام". وسأقتصر على الوجدان باعتباره محًّلا لانفتاح الكينونة البشرية وأرضية سيؤسس عليها هونيث منظوره للاعتراف المتبادل. فما الإمكانات التي يمنحها الوجدان للإنسان باعتباره كينونة؟ إنّ الإنسان بما هو كينونة: يوجد على الدوام في حال وجوداني: "الدازين هو بعد دائمًا على مزاج

ما"؛ بمعنى أنه في جل أحواله كراحة البال أو في تعكّر المزاج وحتى في حال فقدانه للمزاج، يكون في حال وجداني ما. ومن ثمّ، فإنّ وجود الإنسان باعتباره كينونة في العالم مطبوع وجدانيًا، بحيث

تمثّل الأحوال الوجدانية الكيفية الأصلية لانفتاحه على العالم مقدمة على أيّ إدراك معرفي، بل إنّ

المعرفة ذاتها مطبوعة من خلال حال وجداني معيّن: "الأحوال الوجدانية بما هي كيفية أصلية للانفتاح

سابقة على أيّ سلوك معرفي، وذات مدى أقصى من مدى المعرفة، بل إنّ المعرفة ذاتها لا تكون

إلا في حال وجداني معيّن، وفوق ذلك الحال الوجداني يتضمن 'معرفة' بالعالم، غير أنها تبقى غير

صريحة". وحتى في حال سعيه للتسيّد على أحواله الوجدانية من خلال أولية الإرادة والمعرفة،

فإننا "لن نصير أبدًا أسيادًا على المزاج من دون مزاج، بل في كل مرة انطلاقًا من مزاج معاكس". يوجد الإنسان بما هو كينونة منفتحًا ضمن وجدان ما يكون على كيفية الوجود – في – العالم؛ بمعنى

أنّ الوجدان يسمح له أن يُحمَل إلى أمام نفسه على نحو "يجد نفسه بوصفه على مزاج ما". من ذلك

أنه يجد نفسه عبئًا متروكًا بوصفه وجودًا – ملقى – به لما ينطوي عليه من لغزيةٍ ما في الغالب يخفيها

أو يسعى للتخلص منها بالاشتغال بأمور متلاحقة. وطابع العبء الذي يكشفه الوجدان لا يرتبط بالأحوال الوجدانية فحسب المتعلّقة بالسرور، بل إنه يكمن أيضًا حتى في الحزن والكآبة: "إن طابع العبء ليس خاصًا بالأحوال الوجدانية المرتبطة بالحزن والكآبة، بل حتى عندما يكون الحال

الوجداني غير ملحوظ". من هنا، فإنّ أول طابع أنطولوجي لماهية الوجدان أنه" يفتح الدازين ضمن كينونته – الملقى – بها وذلك في بادئ الأمر وأغلب الأمر على طريقة الإعراض الذي يتجنبها"، ما يجعل الوجدان نمطًا من أنماط وجود الإنسان باعتباره كينونة في العالم، فهو "شكل لكوننا في العالم، وهذا الأخير هو منبع للأحوال الوجدانية". فالوجدان لا يأتي من الخارج ولا من الداخل،

5(((هايدغر، الكينونة والزمان، ص.263 (((5 المرجع نفسه، ص.264 (5((المرجع نفسه، ص.266 5(((أحمد أبو المعالي، ص.25 5(((هايدغر، الكينونة والزمان، ص.270 (5((المرجع نفسه، ص.268 ((6(أحمد أبو المعالي، ص.19 (6((هايدغر، الكينونة والزمان، ص.270 (6((أحمد أبو المعالي، ص.18

لهذا يشبّه هايدغر الأحوال الوجدانية باللحن الموسيقي لعدم ثباتها على حال واحد، على خلاف

ما ذهبت إليه التصورات التقليدية والسيكولوجيا لكونها اعتبرت الأحوال الوجدانية مشاعرَ (الفرح،

الحزن، الغضب، الكآبة... إلخ) كحالات للروح، لها وجود لحظي تتزايد حدّتها وتنقص. ونتج من ذلك تمييز بين التفكير والإرادة والشعور، في حين اعتبرت الأحوال الوجدانية في مرتبة ثالثة للمعيش على أساس منظورها للإنسان بوصفه كائنًا حيّا عاقلًا. وهكذا، ينفي هايدغر أن يُعدّ الوجدان حالة

نفسية فحسب أو ليس له تفُّكُر، ومثال ذلك أنّ تعكّر المزاج يصير معه الإنسان باعتباره كينونة "أعمى عن ذات نفسه" و"العالم المحيط المنشغل به ينزاح وراء حجاب"، كما أنّ "التبصّر الذي للانشغال يضلّ عن وجهته"، لذلك قلّما يكون الوجدان متفكرًا لأنّ الأحوال الوجدانية تباغتنا: "تتحدد الأحوال

الوجدانية أنطولوجيًا ولا تتحدد سيكولوجيًا في البداية، لأنها جزء أساسي في بنيتنا، إنها الأساس

الذي يمنح للإنسان بما هو كينونة التماسك والإمكانية". من ثمّ، فإنّ الطابع الثاني للوجدان هو أنه "نمط وجوداني أساسي للانفتاح الأصلي المشترك للعالم، والكينونة – معًا والوجود، ومن أجل هذا الأخير هو ذاته من حيث الماهية كينونة – في – العالم". ويتمثّل الطابع الثالث للوجدان في فهم عالمية العالم بكيفية أكثر تبصّرًا، على أساس أنّ انفتاح الإنسان باعتباره كينونة على العالم والآخرين

يتقوّم من خلال الوجدان، أي يسمح بملاقاة موجودات العالم على نمط نزوع قصدي ناتج من

الوجدان: "إنه يضع الدازاين في علاقة مع الموجودات المختلفة المشكّلة للعالم"، تجعل المرء، في وضعيات الاهتمام أو المقاومة أو التهديد، لا يكون ممكنًا من الناحية الأنطولوجية، "إلا متى كانت الكينونة، بما هي كذلك متعيّنة سلفًا، من الناحية الوجودانية، على نحو يُمكنها أن تصبح بهذه الطريقة

معنيّة بما يلاقيها داخل العالم. إنّ هذا التعنّي إنما يتأسس في صلب الوجدان، الذي بصفته تلك هو

مثلًا قد فتح العالم على جهة كونه تهديدًا ممكنًا". وتتحدد كينونة الإنسان دائمًا باعتبارها وجودًا مع الغير، لأنّ "الكون – في – العالم يتضمن كون الكينونة

المشترك مع الآخرين". إنها علاقة تمثل جزءًا من البنية الأنطولوجية لكينونة الإنسان وتتجسد من

خلال "العناية" Sollicitude بما هي "ضرب من الاهتمام يوجهه الاعتبار والتسامح حتى لو أخذا شكل الاستبعاد والتجاهل". وتفضي هذه العلاقة في نظر هايدغر إلى نتائج تأويلية وإبستيمولوجية ترتبط بمسألة الفهم والمعرفة الخاصة بالوجود – معًا، وتفضي إلى نتائج أنطولوجية تتمثل في أنّ الإنسان باعتباره كينونة يكون منفتحًا مسبقًا على الآخرين: "إنّنا في البداية لا نكتشف أنفسنا أولًا وبعد ذلك

((6(المرجع نفسه، ص.19–18 (6((هايدغر، الكينونة والزمان، ص.271

(65) Jean–François Houle, Phénoménologie de l’angoisse et l’ennui chez Heidegger entre 1924 et 1930 , approche des tonalités fondamentales (Grundstimmungen) (Québec: Université du Québec, 2017), p. 23, accessed on 10/9/2024, at: https://2u.pw/ihOQ1OpJ

(6((هايدغر، الكينونة والزمان، ص.272–271 (6((أحمد أبو المعالي، ص.11 ((6(المرجع نفسه.

نكتشف الآخر وإنما نكتشف أنفسنا بمعية الآخرين". وتتجسد هذه العلاقة من خلال شكلين ف "أنا أرعى الآخر إما بأن أتحمّل إمكانيات وجوده؛ بمعنى أن أجرّده من أعباء وجوده بقيامي بما كان ينبغي

له القيام به، وإما أن أحرره لكي يتحمل هو إمكانيات كونه وأعباء وجوده". هكذا، أسهم هايدغر، على وجه الخصوص في التقليد الألماني، من تخليص الوجدان من الاعتبارات الضيّقة المتمثلة في

كونه آلية للكشف عن الحقيقة، بل جعله نمطًا من أنماط الكينونة التي تسمح له بالانفتاح على العالم وعلى الغير. وسيمثّل هذا الاعتبار منطلقًا تأسيسًا لأكسيل هونيث بشأن نظريته المتمثّلة في الاعتراف

المتبادل الذي حاول إغناءَه بمقوّمات الدراسات السيكولوجية الحديثة وفلسفة اللغة؛ لأنّ غايته هي

محاولة تجاوز الوضعيات السلبية التي تعيشها المجتمعات الحديثة كالاحتقار والظلم... إلخ.

ثانيًا: الوجدان أساس إتيقا الاعتراف عند أكسيل هونيث

يكمن منطلق اهتمام هونيث بالوجدان في أسباب عملية تتمثل في معالجة إشكالات نتيجة هيمنة العقل الأداتي على كل مستويات الوجود الإنساني بما فيها العلاقات الاجتماعية، أي بوصفه أحد الاعتبارات التي يمكن أن تساهم في تطوير مشروعه للاعتراف الذي شغله على مدار مساره الفلسفي؛ إذ صرّح في كتابه التشيؤ: رسالة صغيرة في النظرية النقدية بأطروحة مفادها أنّ "الاعتراف سابق على

المعرفة"، على أساس أنّ مواقفنا ليست محايدة، بل هي نتاج لانخراطنا في هذا العالم بكيفية عفوية، ف "الانخراط الوجودي في العالم هو أساس كل علاقة موضوعية مع العالم". إنه بذلك يتقاطع على نحوٍ ما مع التصور الأنطولوجي لهايدغر من جهة أنه يعتبر أنّ كينونة الإنسان تتحدد كوجود في العالم: "ما يميز الإنسان إنما هو أولًا وقبل كل شيء انخراطه في عالم يمثل مجال اهتمامه". غير أنه سلك طريقًا غير التي سلكها هايدغر، وهي طريق الفلسفة النقدية التي تتوخى علاج سلبيات المجتمعات الحديثة اعتمادًا على ما أفرزته نتائج سيكولوجيا النموّ ونتائج فلسفة اللغة؛

بخصوص تحليل المنطوقات اللغوية التي تمكّن من كشف أهمية البعد الوجداني في تشكل العلاقات الاجتماعية باعتبارها أولية للاعتراف؛ بمعنى أنه عمل على تأسيس مقاربته المعرفية على أرضية التصور الأنطولوجي للإنسان؛ بحيث استبدل مفهوم العناية بمفهوم الاعتراف.

1. التعاطف الوجداني بوصفه سبيلًا لتحقق الاعتراف

سعيًا لتأسيس إتيقا الاعتراف باعتبارها أولية للعلاقة التذاوتية بناءً على أولية الارتباط الوجداني مع الغير،

الذي يتوافق من حيث المبدأ مع المنظور الأنطولوجي لهايدغر، أي الاعتبار الذي يجعل الوجدان الكيفية

((6(المرجع نفسه. ((7(المرجع نفسه.

(71) Axel Honneth, La Réification: Petit traité de théorie critique , Stéphane Haber (trad.) (Paris: Gallimard, 2007), p. 52. (72) Ibid.

((7(زكريا، ص.529

الأولية لانفتاح الإنسان باعتباره كينونة في العالم، انفتح هونيث على نتائج علم نفس النمو المعاصرة، ومن بينها دراسات جون بياجيه Jean Piaget (980–18961)، وجورج هربرت ميد Georges Herbert Mead (931–18631)، ودونالد دافيدسون Donald Davidson (2003–1917)، وسيغموند فرويد Sigmund Freud (939–18561)، التي تركز على وجود ترابط بين القدرات المعرفية والعقلية عند الطفل مع العلاقات التذاوتية الأولية؛ بمعنى أنّ الطفل يتعلم كيفية الارتباط بالعالم الموضوعي أو السماح له بتبنّي منظور الغير: "تنمية مهارات الطفل على التفكير والتفاعل وجب أن تدرك باعتبارها عملية تأخذ مكان الآلية التي من خلالها يتبنّى الطفل منظور الشخص الآخر الذي يواجهه"، ما ينتج منه تدريجيًا

"التخلّي عن التمركز حول الذات" و"انبثاق الفكر الرمزي"، في الشهر التاسع، لهذا تعدّ هذه المرحلة العمرية، بالنسبة إلى هذه الدراسات السيكولوجية، أساسية في تشكّل علاقة الطفل مع العالم بناءً على

العلاقة التي يقيمها مع الشخص المفضّل لديه. غير أنّ هذه التصورات من وجهة هونيث تغفل إغف لًا تامّا الخاصية الوجدانية الناجمة عن علاقة الطفل بالغير، الشخص المفضّل لديه، وتمنح البعد المعرفي أهميةً لتفسير أصل النشاط العقلي. لهذا، عرّج على دراسات سيكولوجية تقارن بين الأشخاص المتوحدين

والأسوياء بخصوص تأكيدها أهمية الوجدان في انفتاح الطفل على العالم بناءً على التماهي العاطفي

مع الشخص المفضّل لديه في محيطه، الذي يقوده إلى تطور الفكر الرمزي. ومن أهم الدراسات، في هذا السياق، دراسات لبيتر هوبسون Peter Hobson (9491)، ومايكل توماسيلو Michael Tomasello (9501)، ومارتن دورنس Martin Dornes (950.)1 ولا يُردّ سلوك الشخص المتوحد إلى صعوبات

معرفية مرتبطة باضطرابات وظيفية عقلية ولغوية فحسب، بل يعتبر العامل الحاسم في ذلك، إضافةً إلى الشروط العصبية والوراثية، عجزه عن التماهي مع الآخر. ذلك ما خلص إليه عالم النفس دورنس في دراسته للطفل التوحدي، بحيث تنعدم استجابته العاطفية ويظل منغلقًا على منظوره الشخصي حول العالم ولا يستطيع أن يتآلف مع أيّ منظور آخر. ومن هنا، وجد هونيث في هذه الدراسات مج لًا خصبًا

لتزويد نظريته للاعتراف بالمقومات النفسية التي تتوافق مع التصورات الوجودية في الإقرار بالأسبقية الزمنية للاستجابة الوجدانية على الانتقال المعرفي الناجم عن العلاقة البينذاتية، سبيلًا لفهم الدلالات الوجودية في الحياة اليومية. وقد اهتمّ هونيث بتطوير تصوره للاعتراف المؤسس على منظور إتيقي القاضي بتقدير الذات، باعتباره

أولية لتحديد هوية الشخص وللاعتراف المتبادل الذي يسمح بإدراك الشخص لذاته بناءً على تجاوز

حالة سوء الفهم، بحسب تصوّر ستانلي كافيل Stanley Cavell (2018–1926) المتعلق بفهم العلاقات

الأولية للتفاعل استنادًا إلى تحليله للمنطوقات اللغوية من أجل إبراز أنّ علاقتنا بالعالم مرتبطة بالقدرة على الاعتراف. فقد وجّه كافيل نقده إلى المنظور الذي يشكّك في إمكانية معرفة الأحوال العقلية للغير

بادعاء أنها لا تكون في مستوى يقين الشخص الذي يحياها، لكونها تستند إلى منطلقات "نموذج العلاقة المعرفية"، في حين أنّ كشف الذات أحوالَها الداخلية للغير ينجم عن التفاعل بإثارة الانتباه نحوه. وهو

(74) Honneth, pp. 52–53. (75) Ibid., p. 59.

في ذلك، يتفق مع جون بول سارتر Jean–Paul Sartre (980–19051)، بخصوص ما عرضه في القسم الثالث من كتابه الوجود والعدم (9431)، والمتمثل في نقده للاتجاه الشكّي في إشكالية معرفة الغير، لكونه ينطلق من مقدمات تعتبر أنّ "علاقتنا بهذه الحياة هي في الأساس ذات طابع معرفي"؛ وهذا يعني أن الذات نفسها لا يمكنها الوصول إلى حالاتها الداخلية باعتبارها موضوعات للمعرفة أو العلم. لذلك، فإنّ تجاوز وضعية التماثل بين الذات والغير يقتضي تصوّر هذه العلاقة خارج إطار النموذج الذي تتصور

به الذات أحوالها الذهنية الخاصة، بل يجب تصوّرها باعتبارها ذاتًا وجودية مشاركة، أي إنها ذاتٌ توجد

منفعلة من طرف الآخرين. لذلك، اعتبر كافيل أنّ المتكلم في إمكانه الكشف عن أحواله الداخلية بناءً

على التعاطف والمشاركة الوجدانية مع المخاطب، وليس بناءً على يقين معرفي مسبق، ف "الفهم اللغوي

مقرون بالافتراضالمسبق غير المعرفي للاعتراف بالغير ". فالتعاطف، في نظره، شعور وجودي للذات المشاركة للغير وجدانيًا، يسمح بفهم التعبيرات للقيام

بردّات فعل مناسبة تتيح تجاوز حالة اللامبالاة والاحتقار، ف "قبل كلّ معرفة ممكنة تقصد الأحوال

الداخلية الخاصة بذاتٍ أخرى، يجب أولًا وجود يقين توصّل إلى الحالة التي تشعر فيها هذه

الذات – من الناحية الوجودية – بأنها مشاركة فعلًا في عالم الأحوال الداخلية الذي يشعر به الآخر. وما إن تحقق هذه "القفزة"، ويتمّ تحقيق نوع من الارتباط مع الغير، أستطيع أن أستوعب تعبيرات

الأحوال التي يشعر بها بحسب مضمونها، أي باعتبارها مطالب موجّهة إليّ، لأقوم بردّة فعل مناسبة

تجاهها". هكذا، يخلص هونيث إلى أنّ الاعتراف بالذات لا يحصل نتيجةً لموقف تواصلي، بل من خلال الاعتراف المتبادل الذي ينتج من تعاطف ومشاركة وجدانية تسمح بفهم تعبيرات الأحوال الداخلية درءًا للاحتقار والازدراء. وحتى سوء الفهم الناتج من غياب موقف إزاء تعبيرات الأحوال

الوجدانية بسبب صور التواصل بين الناس المزيفة يعني "أنّ التعبير عن هذه الأحوال الداخلية لم يتم فهمه على نحو مناسب". ومن ثمّ، فإنّ إحلال نموذج يعتمد على التعاطف والمشاركة الوجودية

محلّ النموذج المعرفي القائم على مبدأ التماثل بين الذات العارفة والآخر هو السبيل الأمثل، في رأي هونيث، لفهم أحوال الآخرين الداخلية المعيشة التي تتأثر بهم ضمن علاقاتهم بذواتهم. وهكذا يتبين أنّ منطلق هونيث هو منطلق أنطولوجي لكنه يأخذ بنتائج علم النفس وفلسفة اللغة، لأنّ غايته ذات طبيعة علاجية عملية.

2. الحب أساس تقدير الشخص لذاته

يرى هونيث أنّ كثيرًا من النزاعات الاجتماعية وأشكال عدم التفاهم يغذّيها إدراكنا لنظرة الآخرين إلينا،

أو حتى إحساسنا بتلك النظرة فحسب. لذلك اعتبر المجتمع مج لًا لتقاطع الأفكار وتعارض المصالح المعنوية والمادية، إضافةً إلى أنه مجال لحصول التواصل البينذاتي القائم على الاعتراف المتبادل بين

(76) Ibid., p. 65 (77) Ibid., p. 67. (78) Ibid., p. 66. (79) Ibid.

الذوات، والصراع من أجله هو الكفيل بتحقيق الذات وتفعيل قدراتها. فالصراع الاجتماعي ناجم عن الاحتقار وشعور الفرد بأنه ضحية الظلم المسلط عليه؛ لهذا ميز هونيث بين ثلاثة أنواع من الاحتقار الناتجة من عدم الاعتراف: أولًا، الاحتقار الجسدي أو الفيزيائي وهو يضم كل أشكال الإهانة والاحتقار الصادرة عن العنف الذي يمسّ المستوى الجسدي، مثل التعذيب والاغتصاب، ما ينتج منه

فقدان الثقة بالنفس وبالآخرين، وإحساس الفرد بالتبعية والخضوع لإرادة الغير. ثانيًا، الاحتقار الذي

يشمل الحقوق المشروعة؛ فالاحتقار الاجتماعي ينتج من حرمان الفرد من الحقوق التي يفترض أن يحظى بها جميع أفراد المجتمع على قدر المساواة. ثالثًا، الاحتقار القيمي والمعياري المتجسد في الأحكام الصادرة على بعض المراتب الاجتماعية على نحو سلبي، ما يتولد منه إحساس بعدم الانتماء الفعلي إلى المجتمع وعدم اكتمال عضوية الفرد لأن حقوقه غير مكتملة. هكذا، يسهم الاحتقار بأنواعه الثلاثة، الجسدي والاجتماعي والقيمي، في إذكاء الاحتقان الاجتماعي، ويفقد الشخص فاعليته داخل المجتمع. وقد استند هونيث في مقاربته النقدية إلى تحليل سيكولوجي اجتماعي. فهو قد استفاد في طرحه، مثلًا، من الدراسات السيكولوجية التي أنجزها دونالد وينكوت La mort psychique "1) حول مفهوم "الموت النفسي للذات 971–1896(Donald Winnnicott الذي يحصل نتيجةً للحرمان الاجتماعي والحقوقي؛ ومن ثمّ، يفقد الشخص مكانته المناسبة باعتباره

مشاركًا وفاعلًا اجتماعيًا، إضافةً إلى عدم الاعتراف، بالقدر نفسه، بالمسؤولية الأخلاقية التي يتمتع

بها غيره، وقد اعتبر أنّ الأم هي المسؤولة عن إشباع حاجات طفلها البيولوجية والعاطفية. ولأنّ مقاربة هونيث نقدية اجتماعية، فإنه قدّم في المقابل إمكانات أخلاقية تتوخّى تجاوز وضعية الاحتقار. ولا سيما الاعتراف الناجم عن الحبّ من خلال إعطاء العلاقة الوجدانية الأولية الحاصلة بين الطفل

والأم أهمية، لتتسع هذه العلاقة وتشمل الأفراد المحيطين به، على أساس أنّ الأم تمثّل النموذج الأول للاعتراف المتبادل؛ بحيث تسهم هذه العلاقة الوجدانية في إرساء الثقة بالنفس التي يكون لها الأثر في كلّ مساره. إضافةً إلى هذا الإمكان، اقترح الاعتراف القانوني والسياسي لضمان حرية الأفراد واستقلالهم الذاتي مع ضرورة تحمّل المسؤولية الأخلاقية الناتجة من التنشئة الاجتماعية، ثمّ

الاعتراف الحاصل عن التقدير الاجتماعي المرتبط بتقدير الذات من خلال دور الفرد داخل المجتمع بدلًا من مكانته المحددة من خلال مرتبته الاجتماعية.

خاتمة

حظي مفهوم الوجدان باهتمام الفلاسفة على مرّ تاريخ الفلسفة، إلا أنه ظل خاضعًا لصورة الفكر

التي تحكم كل عصر؛ ليدلّ على حدسٍ باطني يمِّكِن من كشف "الحقيقة" المستعصية على العقل المنطقي والعلمي. غير أنه سيصبح، مع الفلسفة المعاصرة، إمكانًا للانفتاح على العالم، وعلى الآخرين؛ لذلك، فالإنسان في جل تصرفاته سواء النظرية أو العملية يكون في حال وجداني معيّن؛

بمعنى أنّ الوجدان بنية من بنى كينونته. وسيمنح هذا المنظور إمكانات فلسفية لمعالجة إشكالات نظرية وعملية، مقصدها الأساس تجاوز إخفاقات الفلسفة الحديثة التي أخضعت الوجود وأنحاءه

لمقتضيات العقل، ما أدى إلى تشييء الإنسان. وقد تجسّد هذا الحضور على نحو لافت مع الفلسفة

الوجودية، التي جعلت الوجدان وأحواله كيفية لوجود الإنسان باعتباره كينونة، وليس مجرد معيش داخلي يطفو على العقل والإرادة. ومن ثم، صار ينظر إلى علاقة الإنسان بوجوده وبالغير على أنها انخراط وجداني سابق على ما هو معرفي، سيسمح بتأسيس مقولة الاعتراف على المشاركة الوجدانية للغير سعيًا لتجاوز سلبيات العلاقات الاجتماعية. ولا شك في أنّ لهذا المنظور جذوره الممتدة في

التجربة الروحية الدينية، خاصة الفكر الإسلامي الصوفي بوصفه تجربة وجودية ومعرفية. وهذه التجربة تختلف أشكالها وأحوالها المتحققة في النفس، مثل المكاشفة والتجلّي والمشاهدة، أي إنّ الوجدان يمثّل الكيفية المباشرة لكشف أسرار العالم الإلهي، من أجل الشعور بالوحدة مع الله، ومنبعه الحب الإلهي الخالص وسبيله الوجد الذي يقتضي الاسترشاد بالوحي. ومن بين المحاولات الفلسفية العربية المبكرة التي حاولت استئناف القول الفلسفي العربي، الفلسفة الجوانية لعثمان أمين (978–19051) التي أولت البعد الوجداني أهمية؛ سعيًا لتأسيس فلسفة أخلاقية مقوّمها الإيمان بوصفه

جوهر الدين، ومبدؤها محاولة استنهاض الروح بالعودة إلى القلب في صفائه. وقد كان مسلكه في ذلك مساءلة التراث الإسلامي الصوفي. يُضاف إلى ذلك محاولة عبد الرحمن بدوي الذي اختار

مسلكًا مخالفًا متمثلًا في البحث عن الالتقاء بين الفكر الصوفي العربي والفلسفة الوجودية، في كتابه الإنسانية والوجودية في الفكر العربي (9821)، مقدّمًا إشارات وتأويلات تؤكد وجود تقاطعات عديدة

بين الفكر الصوفي والفلسفة الوجودية، ومدار دراسته هو البحث عن أرضية لتصوره الوجودي بناءً

على هذا التراث الروحي؛ "لهذا لا نملّ من الإلحاح في توكيد هذا المعنى حتى نفهم مدلول النزعة الصوفية على وجهها الأعمق: فهي ليست مجرد تحليلات نفسية شخصية لأحوال فردية تؤخذ على هذا الأساس النفسي الفردي، بل في جوهرها تحليل للوجود الذاتي بوصفه الوجود الحقيقي". لذلك، نعتقد أنّ ما يستدعي إمكانية الانفتاح على التفاعل بين الفكر الفلسفي خاصة الألماني والتراث العربي الصوفي على مستوى تصورهما للوجدان، باعتباره كيفية لانفتاح الإنسان على العالم وعلى الآخرين، هو أنّ كلمة الوجود تُشتق من الوجْد؛ بمعنى أنّ ما في الوجدان يتحقق في الوجود، وأن

ما في الوجود يتحقق في الوجدان. ويمتلك التراث العربي إمكاناته لتأسيس تصور أخلاقي ملائم لمنظور العلاقة مع الآخر يقوم على منطلقات وجدانية تخص بنيته الفكرية، من أجل حلّ إشكالات تتعلق بالعالم العربي، وأبرزها الصراعات الطائفية وتهميش الأقلّيات.

References

المراجع

العربية

إبراهيم، زكريا. الوجود والزمان لهيدغر. تراث الإنسانية. الرباط: دار الرشاد الحديثة،.1965 بدوي، عبد الرحمن. الوجود الزماني. القاهرة: مكتبة النهضة المصرية،.1955 ________. الإنسانية والوجودية في الفكر العربي. بيروت: دار القلم،.1982

(8((عبد الرحمن بدوي، الإنسانية والوجودية في الفكر العربي (بيروت: دار القلم، 9821)، ص.74

بسكال، بليز. خواطر. ترجمة إدوار البستاني. بيروت: المكتبة الشرقية،.1972 التهانوي، محمد علي. موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم. سلسلة موسوعات المصطلحات العربية والإسلامية. بيروت: مكتبة لبنان ناشرون،.1996 شيخ الأرض، تيسير. الوجود والصيرورة والفعل. دمشق: منشورات اتحاد الكتاب العرب،.1994 صليبا، جميل. المعجم الفلسفي: بالألفاظ العربية والفرنسية والإنجليزية. بيروت: دار التوفيق،.1994 ظريف، حسين. مفهوم الروح عند ماكس شيلر. القاهرة: دار النهضة العربية،.1997 عناني، محمد. مصطلحات الفلسفة الوجودية عند مارتن هايدغر: معجم ودراسة. القاهرة: مؤسسة هنداوي،.2023 القديس أوغسطينوس. اعترافات. ترجمة الخوري يوحنا الحلو. التراث الروحي. ط  4. بيروت: دار المشرق،.1991 ________. مدينة الله. ترجمة الخوري يوحنا الحلو. بيروت: دار الشروق،.2007 لالاند، أندريه. موسوعة لالاند الفلسفية. ترجمة أحمد خليل عويدات. بيروت/ باريس: منشورات عويدات،.2008 هايدغر، مارتن. كتابات أساسية. ترجمة إسماعيل المصدق. بيروت: المشروع القومي للترجمة،

________. الكينونة والزمان. ترجمة فتحي المسكيني. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2012 ________. المفاهيم الأساسية للميتافيزيقا: العالم – التناهي – الوحدة. ترجمة وتقديم إسماعيل المصدق. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2023 ولد سالم فال، الشيخ أحمد أبو المعالي. "فينومينولوجيا الأحوال الوجدانية عند هايدغر". أبحاث محكّمة، مؤمنون بلا حدود. 2022/1/20:. في https://2u.pw/UVq0obG7

الأجنبية

De Spinoza, Baruch. Éthique. J. G. Prat. (trad.). vol. 3. Paris: Librairie Hachette, 1880. Gilson, Etienne. Introduction à l’étude de Saint Augustin. Paris: Vrin, 1949. Heidegger, Martin. Being and Time. Joan Stambaugh (trans.). New York: Suny Press,

Honneth, Axel. La Réification: Petit traité de théorie critique. Stéphane Haber (trad.). Paris: Gallimard, 2007.

Houle, Jean–François. Phénoménologie de l’angoisse et l’ennui chez Heidegger entre 1924 et 1930 , approche des tonalités fondamentales (Grundstimmungen). Québec:

Kant, Emmanuel. Critique de la faculté de juger. Alain Renaut (trans.). Paris: GF

Polt, Richard et al. (eds.). Heidegger’s "Being and Time": Critical Essays. United

Scheler, Max. The Nature of Sympathy. Peter Heath (trans.). London: Archon Books,

Zarader, Marlène. Lire Être et Temps de Heidegger. Paris: Vrin – Bibliothèque

Université du Québec, 2017. at: https://2u.pw/ihOQ1OpJ

Flammarion , 2015.

States: Lanham, Rowman & Littlefield, 2005.

d’Histoire de la Philosophie, 2012.