العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الخوف والانفعال السياسي: سبينوزا والعلاقة بين السلطة والخرافة

الخوف والانفعال السياسي: سبينوزا والعلاقة بين السلطة والخرافة

Fear and Political Emotion: Spinoza and the Relationship between Authority and Superstition

لمرابط اسنيد *

Lemrabott Sneid *

الملخّص

تبحث الدراسة في تجليات المسألة السياسية في فلسفة سبينوزا، من خلال نقد الخرافة بوصفها ميتافيزيقا سياسية، وربط السياسة بالواقعة السيكولوجية، عبر مبدأ الانفعال السياسي، حيث يقدّم سبينوزا، مستفيدًا من السياق الواقعي الذي حكم النظرية السياسية خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، طروحات سياسية مشبعة بالتحليل السيكولوجي والتاريخي لمسار الفكر السياسي، وهو ما يلفت الانتباه إلى رهان سبينوزا المبكر على الديمقراطية باعتبارها نتيجة تأملات في الطبيعة البشرية والتاريخ السياسي. ومن ثم، تتمحور إشكالية الدراسة حول وضعية الخرافة بوصفها أداة للهيمنة السياسية، واعتبار حرية الرأي والتفكير شرطًا ضروريًا لبناء نظام ديمقراطي، يتجاوز من خلاله الأفراد وضعية الخوف في علاقتهم بالسلطة السياسية.

Abstract

Abstract: This study explores the political question in Spinoza’s philosophy by examining his critique of superstition as a form of political metaphysics and his understanding of politics through the lens of psychological reality, particularly the role of political affects. Situated within the realist context that shaped political theory in the sixteenth and seventeenth centuries, Spinoza develops a political account deeply informed by psychological and historical analyses of the evolution of political thought. This perspective draws attention to his early defence of democracy as a system grounded in reflections on human nature and the historical development of political life. The study therefore focuses on the role of superstition as a tool of political domination and argues that freedom of thought and expression constitutes a necessary condition for the formation of a democratic order in which individuals can overcome the condition of fear that characterizes their relationship with political authority.

الكلمات المفتاحية:
  • سبينوزا
  • الديمقراطية
  • الخرافة
  • التحليل التاريخي
  • الانفعال السياسي
Keywords:
  • Spinoza
  • Democracy
  • Superstition
  • Political Emotions
  • Historical Analysis

خلال نقد الخرافة بوصفها ميتافيزيقا سياسية، وربط السياسة بالواقعة السيكولوجية، عبر

مبدأ الانفعال السياسي، حيث يقدّم سبينوزا، مستفيدًا من السياق الواقعي الذي حكم النظرية

السياسية خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، طروحات سياسية مشبعة بالتحليل

السيكولوجي والتاريخي لمسار الفكر السياسي، وهو ما يلفت الانتباه إلى رهانه المبكر على

الديمقراطية باعتبارها نتيجة تأملات في الطبيعة البشرية والتاريخ السياسي. ومن ثم، تتمحور

إشكالية الدراسة حول وضعية الخرافة بوصفها أداة للهيمنة السياسية، واعتبار حرية الرأي

والتفكير شرطًا ضروريًا لبناء نظام ديمقراطي، يتجاوز من خلاله الأفراد وضعية الخوف في

علاقتهم بالسلطة السياسية.

مقدمة

تسعى هذه الدراسة لمناقشة المسألة السياسية في فلسفة باروخ سبينوزا Baruch Spinoza (1677–1632)، من جهة نقد الخرافة بوصفها ميتافيزيقا سياسية، وربط النظرية السياسية بالواقعة السيكولوجية، وبحث تأثير دراسة الانفعال في السياسة. وتكمن الإشكالية التي تنبع من هذا المسار في كيفية تأسيس السياسة على واقعية تعدّدية، تضمن رفع الممارسة السياسية من نطاق الخرافة والخوف إلى فضاء التعدد من دون تبنّي تصوّر رومانسي للسياسة؟ اتّبع سبينوزا مسارًا مغايرًا عن الصورة التي كانت عليها النظرية السياسية في صيغتها الهوبزية

والمكيافيلية، إلى جانب موقفه من تأثير الخرافة في السياسة، وتبنّى خيارًا مناصرًا لحرية التعبير،

معتبرًا أنّ اختلاف الآراء والأفكار شبيه باختلاف الأذواق. وبناء عليه، تأتي أهمية سبينوزا في سياق

النظرية السياسية الحديثة، وهي أنه، على عكس توماس هوبز (1679–1588) أو نيقولا مكيافيلي (1527–1469)، لم ينطلق من الخوف بوصفه عنصرًا فاعلًا في تشكّل السلطة ووحدة المجتمع. وقد

كانت الرسالة اللاهوتية السياسية أول مرافعة حقيقية في الفلسفة الحديثة بشأن العلاقة بين اللاهوتي والسياسي، بمعنى أنّ محاولة سبينوزا تموقعت بوصفها نظرية في حدود السلطة الدينية وطبيعة الخلاص الديني في علاقته المحايثة بالمسألة السياسية. تقوم إشكالية الدراسة على بحث تأثير مفهوم الخرافة والخوف في بنية النظام السياسي في فلسفة سبينوزا، ومحاولة الأخير تقديم نظريته في الديمقراطية والتعددية، باعتبارها تحريرًا سيكولوجيًا

للإنسان، في مقابل حالة الانفعال السياسي، التي يستثمر فيها الطغيان، وتكتسب استمراريتها من خلال قوى الهيمنة على الجمهور. ومن ثم، تتساءل عن أهمية الخرافة في نظرية سبينوزا السياسية، وعن ارتباط الحرية السياسية بتجاوز انفعالات الخوف والخضوع للخرافة بوصفها ميتافيزيقا سياسية. توظّف الدراسة المنهج الوصفي التحليلي؛ بمعنى أنها لا تحاول أن تُسقط على رؤية سبينوزا تأويلًا خارج نطاق الدائرة التي تبدو في أفقنا المعاصر بعيدة عن إشكالات الفلسفة السياسية المعاصرة، وهي دائرة الجدل بين اللاهوتي والسياسي. لكن، بالاعتماد على نصوص سبينوزا نفسها، نجد أنّ وصفه لهذه الظاهرة يتجاوز حدود العلاقة الضيقة بين اللاهوت والسياسة، بل يعتمد على السيكولوجيا السياسية لوصف تأثير انفعال الخوف في النظرية السياسية. ومن المهم في التعامل مع فيلسوف نسقي مثل سبينوزا، تقسيم منهج الدراسة إلى ثلاثة مستويات: يرتبط المستوى الأول بدائرة النص السبينوزي نفسه، والمسألة تتعلق بطبيعة المنهج السبينوزي في التعامل الفيلولوجي التاريخي مع دراسة التاريخ السياسي وبناء نظرياته وفقًا لهذا المسار. أما المستوى الثاني، فيتعلق بالصورة السبينوزية في الدراسات الكلاسيكية، التي ارتبطت بالنظرة الراديكالية إلى الدين. في حين يتعلق المستوى الثالث بركام القراءات المعاصرة لفلسفة سبينوزا، التي تتنوع ضمن مختلف السياقات، الألمانية والفرنسية والأنكلوسكسونية.

وتفرض هذه المستويات الثلاثة منهجًا محايثًا لطبيعة الإشكال السبينوزي، يقوم على الاهتمام بالنص

السبينوزي نفسه، وفصله عن الصورة السبينوزية كما  ظهرت في القرون اللاحقة. وبناء على هذا الاعتبار، وقع اختيارنا على المنهج الوصفي التحليلي. ويهمّنا في هذا الصدد النظر إلى هذه المسألة من خلال ثلاثة أسئلة رئيسة: أولًا، كيف أسس سبينوزا

نظرية في السياسة تربط بين الخط الهوبزي المكيافيلي من جهة، والتأملات المدرسية في السياسة والعلم المدني من جهة أخرى؟ وكيف جعل من ثنائية الخرافة والانفعال السياسي إطارًا ديناميًا لتحليل

التاريخ السياسي عبر نموذج التاريخ العبراني؟ ولماذا انتهى إلى تبنّي الخيار الديمقراطي، على الرغم

من السياق التاريخي الذي حكم ظهور أعماله السياسية، وهو سياق ارتبط بالحروب الدينية والنزاعات الطائفية؟ وانطلاقًا من هذه الأسئلة، جاءت مباحث هذه الدراسة على النحو التالي: المبحث الأول عن تأسيس السياسة على التعددية بديلًا من الخوف. ويناقش المبحث الثاني الخرافة بوصفها ميتافيزيقا سياسية. أما المبحث الثالث فيجادل بأن الدولة والخوف هما من مظاهر الانفعال السياسي، حيث يبرز الخوف بوصفه وسيلة للهيمنة على الجمهور سواء بواسطة السلطة السياسية، أو عبر سلطة رجال الدين. وفي المبحث الأخير عن الديمقراطية والتحرر من الانفعال السياسي، يركز سبينوزا على المميزات السيكولوجية للنظام الديمقراطي؛ إذ تجري الممارسة السياسية بطرائق إيجابية لا تخضع لضغوط الخوف والخرافة.

أولا: تأسيس السياسة على التعددية بديلا من الخوف

تتبدّى مهمة السياسة من خلال تنظيم كائنات مختلفة اختلافًا مطلقًا، مع الأخذ في الحسبان مساواتهم النسبية والعمل على تجريد اختلافاتهم الخاصة. ويمكن من خلال هذا التعريف الوقوف على مقاربة سبينوزا للمسألة السياسية؛ بمعنى أنها لا ترمز إلى إطفاء نار الحرب، كما عند هوبز، إنما إلى تنظيم الاختلاف الأصلي بين البشر، إضافة إلى الاستزادة من نظام القوة، التي يسعى من خلالها الإنسان لحفظ وجوده والاستزادة منه. ولعل الانتقال من اللاهوت والسياسة، إلى الرسالة السياسية غير المكتملة، يرمز إلى تمييز حدود النظر بين الدين بما هو تقنية خلاص جماعي، في حدود علاقته العامة بالسياسة، أو نظام الحكم، إلى بحث المسألة السياسية في بُعدها التنفيذي، وفي طبيعة السلطة السياسية نفسها وحدودها؛ بمعنى أننا في

الرسالة السياسية ندخل مع سبينوزا إلى مكامن المفهوم السياسي، ضمن نظرية مقارنة النظم والبحث في أسباب الثورة ومصادر الاستمرارية. وبناء عليه، تأتي تسمية إتيان باليبار ل  الرسالة السياسية باعتبارها "علم الدولة"؛ إذ يلحظ جملةً من الفروق الأسلوبية والمضمونية، بين كتابَي اللاهوت

والسياسة والرسالة السياسية، فعلى الرغم من السنوات القليلة التي تفصل بين العملين، فإننا نستشعر تبدّل العوالم بينهما؛ إذ لم تعُد فيهما الحجج التفسيرية الطويلة، ولا استراتيجية الإقناع التي تهدف

(((حنة أرندت، ما السياسة؟ ترجمة وتحقيق زهير الخويلدي وسلمى بالحاج مبروك (الجزائر: منشورات ضفاف؛ بيروت: منشورات الاختلاف، 2014)، ص 9، شوهد في 2026/6/28، في: https://acr.ps/hBy2sfy

إلى أن يفهم القارئ تدريجيًا أسباب الأزمة الوشيكة ووسائل تجنّبها. ومع ذلك، بقي العرض التركيبي

حاضرًا، وإن لم يكن "هندسيًا"، كما هي الحال في الأخلاق، الذي يشير صراحة إلى المبادئ العقلانية

ويقدّم علامات العلم كلها. ولا يقتصر هذا التمايز على الأسلوب فحسب، بل يتعلق أيضًا بالصياغة النظرية، والمعنى السياسي للحجة. ولا شك في أن أكثر من قارئ قد انزعج من هذا الأمر. ومن عمل إلى آخر، نلاحظ عناصر أساسية للاستمرارية، أهمها "تعريف" القانون الطبيعي بالقوة، الذي يمنحه سبينوزا الآن، نطاقًا جذريًا.

ونجد أيضًا أن أطروحته النظرية عن الفكر التجريدي تنصّ على أن حرّية الفكر غير قابلة للإكراه، لذا

فهي خارج سلطة السيادة، مع أنها تُعدّ مرتبطةً ارتباطًا وثيقًا بحرّية التعبير عن الرأي. ويلحظ باليبار أن سبينوزا ما عاد يشير إلى "العقد الاجتماعي" باعتباره لحظةً تأسيسيةً للمجتمع المدني. والتبدّل الأهم من ذلك كله هو أن الأطروحة المركزية التي تكاد تكون شعارًا في اللاهوت

والسياسة، والتي تقول إن غاية الدولة هي الحرية، ما عادت قائمةً فعلًا في الرسالة السياسية، وتبرز مكانها الأطروحة القائلة إن غاية المجتمع المدني ليست إّلا السلام. ولعلّ هذه التمايزات التي أشار إليها باليبار بين النصين هي التي تؤسس الرأي القائل: إن نظرية سبينوزا هي امتداد جزئي لهوبز، وامتداد منهجي لمكيافيلي. وعلى الرغم من أنّ سبينوزا لا يُداري

إعجابه بمكيافيلي، ويقدّم تقييمًا خاصًا لعمله، باعتبار أنه أراد من خلاله أن يُحذّر الأمة من أن تُجمَع

السلطات في يد فرد واحد، أًّيًا كان، فإنه يعود إلى ذكر مكيافيلي، مُبيّنًا دقة تحليله في ما يتعلق بأسباب

تفكك الدول، وحاجتها إلى استيعاب التطورات التاريخية، لكنه يرفض المقترح القاضي بالعودة إلى الدكتاتورية. بهذا المعنى، يمكن القول إن سبينوزا استحسن أدوات مكيافيلي في تحليل التاريخ السياسي، لكنه رفض على نحو شبه مطلق التماهي مع النتائج التي انتهى إليها. وفي ما يتعلق بهوبز، نجد أن سبينوزا

قد وضع في المراسلات مع ياريغ يِلس Jarig Jelles (1683–1619)، نقاط التمايز الكبرى مع هوبز. وما يستقر من عرض العلاقة المتشابكة بين طروحات سبينوزا السياسية ضمن السياق الهوبزي المكيافيلي أنه لا يمكن قطع الصلات التاريخية والتأملية بين هذه النظرية المتفرّدة في تشكيل المبحث

السياسي الحديث، إّلا أنه لا يستقيم الحديث، في الوقت نفسه، عن التماثل والاستمرارية في تقليد منسجم. فنظرية سبينوزا السياسية ليست نتاج تأملات حصرية في التاريخ كما عند مكيافيلي، ولا نظرية في أنثروبولوجيا الذرّة كما عند هوبز، بل جاءت منسجمةً مع تصوّره الفريد للحالة الطبيعية، بوصفها

(2) Etienne Balibar, Spinoza et la poltique: Le transindividuel (Paris: Presse Universitaires de France, 1985), p. 63. (3) Ibid., pp. 63–64. (4) Leo Strauss, Spinoza’s Critique of Religion , E. M. sinclair (trans.) (New York: Schoken books Inc., 1965 [1930]), p. 15, accessed on 28/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2sw9

(((باروخ سبينوزا، مقالة في السياسية، ترجمة وتقديم عبد الله العروي (الدار البيضاء: المركز الثقافي للكتاب، 2023)، ص.31

حالةً تعدّديةً أصليةً، تغيب فيها أيّ معيارية مشتركة لقيَم التعايش، ويسعى فيها الفرد لتحقيق وجوده

والاستزادة منه، بناء على اعتبارات الرغبة. ومن ثم، تبرز الحاجة إلى الدولة من وجهين: يتعلق الأول بتنظيم الاختلاف الأصلي بين البشر، ويبرز الثاني من خلال تعزيز قدرة الإنسان على تنمية حاجاته الضرورية إلى الاستمرار في الوجود. وهي بهذا المعنى حاجة إتيقية وأنطولوجية. ولعل من أحدث الطروحات في هذا السياق ما وصل إليه غونزالو ريشي سرناداس، بشأن ارتباط مفهوم الدولة بصيغة التعايش المبني على التعددية، التي تحفظ حق الاختلاف الطبيعي بين البشر على مستوى الرؤية والتفكير؛ إذ "ينبغي عدم فهم سلطة الدولة باعتبارها تُمثّل نمطًا من الاستيلاء على سلطة الجماهير، أي إنه لا يمكن تأسيس الأولى على حساب الثانية. وتنبع قوّة الدولة من الجمهور،

وليس من أيّ مكان آخر، ويسمى هذا الحق الذي تُحدّده قوّة الجمهور الدولة". تظهر المقاربة السبينوزية بمعزل عن الموقف الهوبزي والمكيافيلي، لأنها تُبنى على أساس من التبجيل الميتافيزيقي للتفكير الديمقراطي، بمعنى إقرار الاختلاف باعتباره طبيعة بشرية، ولا يهدف النظام السياسي إّلا إلى تنظيمها والرفع من مستواها التجريدي. وبالعودة إلى كتاب رسالة في اللاهوت والسياسة، نجد سبينوزا يخطّ في الفصل الأخير منه أحد أهم النصوص الفلسفية في حرّية التفكير

واستحالة السيطرة على الأذهان. وكما أنّ نشأة الدولة ليست ضرورة قائمة نتيجة استحالة العيش المشترك، أو نابعة من الصراع الأزلي بين البشر، كذلك الأمر بالنسبة إلى غاية الدولة التي تستحيل غايةً إتيقيةً بامتياز، فليست غاية الدولة حدًا أدنى من المعيشة للمواطنين، بل يتعلق مقصدها بتوفير السعادة لمواطنيها، وتمكين تحقيق نوازعهم العقلانية، والعاطفية المنسجمة مع مبدأ الكوناتوس. وانطلاقًا من صورة الكوناتوس في السياسة، يمكن صوغ جملة من المبادئ، منها: أولًا، أن الإنسان يُفضّل إلقاء الأوامر على تقبّلها. وثانيًا، لا توجد حاجة إلى السلطة المطلقة حتى في أوقات الحروب.

وثالثًا، منح جميع المواطنين فرصة تولّي المناصب السامية، وهو ما يبعث على الأمل. تُجسّد هذه المبادئ الثلاثة آليةَ مناقشة المسألة السياسية، بما يتلاءم مع الكوناتوس البشري؛ فالنزوع

السيادي للإنسان، الذي يدخل ضمن صراع الإرادات، لا يمكن إقصاؤه، بقدر ما يُمكن توجيهه من

خلال طريقة تضمن مشاركة الجمهور وإقامة وعي تشاركي فعّال. أما السلطة المطلقة فهي سلوك لا يتلاءم مع الطبيعة البشرية، ولا يمكن أن يكون ضمانة للتعايش. وأخيرًا، أراد سبينوزا بناء فكرة عن الرجاء في السياسة، تُعزّز طموح الفرد في الدولة، وتُلغي صوغ

أرستقراطية الحكم. وتُعبّر هذه المبادئ التي أعلنها سبينوزا في الرسالة السياسية عن مسألة أخرى،

(6) Gonzalo Ricci Cernadas, The Multitude in Spinoza, From Physics to Politics (New York/ London: Bloomsburg Academic, 2024), p. 149.

(((يعرفّ سبينوزا الكوناتوس بأنه الجُهد الذي يبذله كل موجود من أجل الاستمرار في كيانه. ينظر: باروخ سبينوزا، الإتيقا، ترجمة

وتقديم وتعليق أحمد العلمي (الدار البيضاء: دار أفريقيا الشرق، 2010)، الباب الثالث، القضية.7 (((سبينوزا، مقالة في السياسة، ص.60

لا تقلّ أهمية، وهي التحليل الواقعي للحالة السياسية، بما يتّسق مع المقدمة النقدية للرسالة السياسية، التي شملت نقدًا لاذعًا للنظرية السياسية من جهة انطلاقها مما ينبغي، لا مما هو واقع، أو مما هو ممكن. وقد وصل سبينوزا إلى خلاصة مفادها أن الفلاسفة أرادوا تقديم نموذج متعالٍللنظرية السياسية، لا يصمد أمام التصدّعات التي يفرضها الواقع. والحال أن سبينوزا بسط معول النقد ليشمل المشتغلين بالسياسة باعتبارها تجربة تاريخية؛ فهؤلاء أيضًا، وبعد سعيهم العميق لمخالفة الفلاسفة في ما يذهبون إليه، وإقامة السياسة على الواقعة التاريخية، أنتجوا نموذجًا رديئًا لصورة السياسي عند الناس، "وبات ينظر إليه كما لو كان همّه الوحيد هو التحايل على الناس، وليس العمل على خدمتهم، وأن سبب علوّ شأنهم هو في الغالب الدهاء لا الرصانة؛ إذ علّمتهم التجربة أن الشرّ قائم ما دام على الأرض بشر". وقد توخّى سبينوزا عدم الانجرار خلف جوقة التعالي التي بُني عليها القول الفلسفي في السياسة، بيد أنه آثر أيضًا عدم الانزلاق إلى مصافّ الإمبريقية السياسية، وإن كان انحيازه إلى الثانية يفوق الأولى. وضمن هذا المسار التوسطي، يأتي الإعلان عن أن المقصد العام ليس إحداث الجديد على مستوى النظرية، بل بحث سبل الإمكانات المتاحة في ما هو قائم. وبناء عليه، تأتي ملحوظة ستانلي روسن Stanley Rosen (1929–2014) من أن تعاليم سبينوزا السياسية تتحدّد في رسالة في اللاهوت والسياسة، أكثر من الرسالة السياسية التي لا تبحث في أصل الدولة، بالقدر الذي تتلمّس فيه المسألة العملية الخاصة بالصيغة الأفضل للأنواع الثلاثة الرئيسة للحكومات، أي: الملكية والأرستقراطية والديمقراطية. ومن ثم، كان تشديده على القوانين الوضعية والدساتير، إضافة إلى الصراحة التي تخص الطابع العلمي لأهداف الفلسفة السياسية ومناهجها. ولا تقتصر فكرة التعددية في منشئها المتعلّق حصرًا بالطبيعة البشرية، وإنما تشمل المعنى الأنطولوجي؛

أي تعددية الأحوال في الوجود، وكذلك التعددية الواقعية وتعددية الخطاب وتقنيات المقاربة. وقد ظهرت مقاربة سبينوزا السياسية في رسالة في اللاهوت والسياسة، ضمن اختراع أصيل، انفرد به سبينوزا، وهو مفهوم "اللاهوتي السياسي" ضمن محاولة لتبيان حدود التلاقي أو الافتراق بين ما هو سياسي وما هو لاهوتي، واستدعاء آلية تعايش لا تُقصي الخلاص الديني من المجتمع، لكنها في الوقت نفسه تضع ضوابط صارمة على تغوّل السلطة الدينية على ما هو في الأساس من اختصاص

رجل السياسة. وفي المقابل، جاءت الرسالة السياسية لتُحدّد ضوابط الممارسة السياسية نفسها، وتُبيّن

تهافت نماذج الحكم التعسّفي.

(((المرجع نفسه، ص.18 ((1(المرجع نفسه، ص.17 (1((ليو شتراوس وجوزيف كروبسي، تاريخ الفلسفة السياسية، الجزء الأول: من ثيوكيديديدس إلى اسبينوزا، ترجمة محمود سيد أحمد، مراجعة وتقديم إمام عبد الفتاح إمام (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2005)، ص 671، شوهد في 2026/6/28، في:

https://acr.ps/hBy2sMK

ثانيًا: الخرافة بوصفها ميتافيزيقا سياسية

ليس النقد العقلاني للخرافة جديدًا في تاريخ الفلسفة، أو على مستوى الإصلاح الديني؛ إذ من المعلوم أن من بين غايات الفكر الفلسفي الأول مواجهة جملة من الخرافات والتصوّرات الشائعة لدى

الناس، غير أن المسار الذي أخذه سبينوزا في نقده الخرافة، بوصفها ميتافيزيقا سياسية، يُعدّ، من دون مبالغة، استباقًا حقيقيًا لضروب النقد التي عُنيت بمواجهة خطاب الخرافة في السياسة. وعلى النحو

الذي بيّنه أندريه توسيل، حيث قال: "لقد تجذّرت الخرافة في نظرية سبينوزا باعتبارها صورة للحياة،

تتمتع بفاعليتها الخاصة، المنفصلة عن كل ذرائعية. وهو يجد في تفسير كيف يُشكّل الأفراد المؤمنون بالخرافات أنفسهم على هذا النحو، وكيف يتعاملون مع معتقداتهم وينجذبون إليها. ويوضح كيف ينشأ هذا الاعتقاد من عدم القدرة على حلّ المعضلات العملية. ومن ثم فإن الخرافة هي صورة التنظيم 'الكوناتوس'. وبعد أن شرح أصلها، يستطيع سبينوزا أن يصف طرائقها وشخصياتها التاريخية. الوهم ليس محض خلل فكري، إنما يتعيّن بوصفه نمطًا للحياة". وكما هو محدد في الإتيقا، قد يرى المرء في الخرافة والانفعال وسيلةً لحفظ وجوده، بحسب نظام اشتغال الكوناتوس، وتنطلق هذه النظرة المبدئية من مفهوم جذري لتعدّد صور الوجود في الحياة، ومن ثم يُفسح سبينوزا، على مستوى التحليل، المجال لدراسة جينالوجية لتشكّل المفهوم ابتداء، ثم ينتقل إلى معيار الحكم القيمي والتاريخي على هذا الشكل أو ذاك من أشكال الحياة المنوّعة. ويتوقف ليو شتراوس عند تمييز مهم انطلاقًا من المشاعر التي تُنتج الخرافات. وباتّباعه التقاليد الأبيقورية، يستمدّ سبينوزا الحقائق الجوهرية للدين (التي لا يتناولها نقده إّلا في حالة الدين المُوحى

به) من الخوف والمخيلة والاهتمام بالوحي من الخوف، ومضمون الوحي من الخيال. وفي أدبيات الدين كلها المُوحى به، يُفرّق سبينوزا بين الخوف الحقيقي من الإله، والخوف الخرافي منه،

وبين الخوف من الإله والخضوع التام له، وبين الخوف من الإله والخوف الدنيوي. تتقدم الخرافة بوصفها ميتافيزيقا سياسية، تضرب في صميم أيديولوجيا الحكم الثيوقراطي، وتشكّل وسيلة مُثلى لردع أيّ محاولة للخروج على هيمنة رجال الدين، سواء أكانت محاولة جماهيرية، وهي

نادرة، أم محاولة من الطبقة الحاكمة لإقصاء رجال الدين عن سُدّة القرار. يقدّم سبينوزا مث لًا على خضوع الحُكم للخرافة والخوف في لحظات الضعف، ويتجلّى هذا المثال في الإسكندر المقدوني الذي، على الرغم من قوّته، فإنه لم يجد مناصًا من اللجوء إلى الخرافة

(12) André Tosel, Spinoza ou le Crépuscule de la servitude: Essai sur la Traité Theologico–Politique (Paris: Aubier, 1985), p. 41, accessed on 28/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2t3l

(1((سبينوزا، الإتيقا، الباب الرابع، القضية،.19

(14) Strauss, p. 207.

((1(يقدّم سبينوزا دولة الإسكندر نموذجًا لتسرّب الخرافة إلى النظام السياسي في أوقات الضعف، حيث لم يلجأ الإسكندر إلى

الخرافة والعرّافين إّلا في لحظات ضعفه، بعد أن بات يخاف على مصيره، وهو على أبواب سوس.

في أوقات الضعف. ولا تتوقف الخرافة عن كونها عنصرًا ضاغطًا على الدولة في مختلف مراحل

التقلّبات التاريخية، إنما تتوسع لتأخذ أشك لًا منوعة بحسب طبيعة الانفعال السياسي القائم، وكذلك طبيعة الخطر الذي يواجه نظام الحكم. ولا يلجأ سبينوزا إلى التاريخ السياسي عبثًا، إنما يتحدّث ليصوّب الأنظار نحو واقع هولندي تتجاذبه

الصراعات بشأن طبيعة الدور الذي يقوم به رجال الدين، وبشأن حرية الرأي في الدولة، حيث يؤكد صراحة أن الغاية المباشرة من الرسالة اللاهوتية السياسية، هي تعزيز حرية الرأي والتأكيد على أنها لا تُشكّل خطرًا على الدولة، أو على المجتمع، "فالحرية العامة لا تسمح بأن يقوم الحكم الفردي

على الأحكام السابقة، أو أن يخضع لأيّ قهر. أما الفتن التي تُثار باسم الدين، فلا تحدث إّلا عند سنّ

قوانين متعلّقة بموضوعات النظر والتأمل، فيُدان بعض الآراء باعتبارها جرائم، ويقع أصحابها تحت

طائلة العقاب، ويلقى أنصارها ودُعاتها حتفهم، ليس من أجل مصلحة الدولة، بل لكراهية أعدائهم لهم وقسوتهم عليهم. ولو كان القانون العام يقضي بأن الأفعال وحدها هي التي تخضع للقانون، أما الأقوال، فلا تخضع مطلقًا للعقاب، لما أمكن لمثل هذه الفتن أن تتمسح بالقانون، ولما تحوّلت

الخلافات في الرأي أبدًا إلى فتن". يُبيّن سبينوزا وجهة نظر مركزية بشأن حرية التعبير، من حيث أهميتها في مواجهة أيديولوجيا الخرافة

التي تؤسّس على أحادية التفكير وغياب التعددية في صور الفكر، وعلى نحو أخص غياب النقد

العلمي الذي يسعى لتقديم تفسير مغاير للظواهر السياسية، من شأنه أن يُفقد الخرافة، بما هي تقنية،

هيمنة سرديتها التاريخية والسياسية. وضمن هذا السياق الذي يقوم على تصوّر جوهري لحرّية التعبير، يبرز الحكم الديمقراطي بوصفه

نظامًا يُعبّر عن الطبيعة، ويسعى لدحض الميتافيزيقا السياسية، وبيان فداحة الحالة التي انتهت إليها

المؤسسات الدينية من حيث هي أداة للهيمنة. "ومنذ أن ظهر هذا الفساد داخل الكنيسة، هيمنت رغبة جارفة في دخول الكهنوت على قلوب أكثر الناس شًّرًا، وانقلب الحماس لنشر الدين إلى شهوة

وطموح مزرٍ. وتحوّلت الكنائس إلى مسارح لا يسمع فيها الفردُ علماءَ الدين، بل خطباء الكنيسة

الفصحاء الذين لا رغبة لديهم في تعليم الناس، بل يستهدفون إثارة الإعجاب بهم، وينالون علنًا من المنشقين عليهم، ويفرضون تعاليم جديدة لم يتعوّدها أحد لإثارة دهشة العوام. وقد أدّى هذا الموقف

بالضرورة إلى صراع مر، وإلى حسد وحقد لم تستطع السنوات التخفيف منه". وتحكم ثلاثةُ عناوين رئيسة هذا النص المحوري من استهلال اللاهوت والسياسة. الأول، التحوّل

الوظيفي للكنائس إلى مسارح. وفي الدلالة الرمزية للمسرح ما يثير مختلف الانفعالات الشعبية، فالعمل

(1((باروخ سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة حسن حنفي، مراجعة فؤاد زكريا (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 2005)، ص 111، شوهد في 2026/6/28، في: https://acr.ps/hBy2sfS ((1(المرجع نفسه، ص.112 ((1(المرجع نفسه، ص.113

المسرحي هو عمل غائي متقن، يسعى لتوجيه الجمهور نحو هدف بعينه. وهنا يأتي العنوان الثاني وهو تحوّل الخطاب الديني إلى خطاب ديماغوجي، يسعى لإثارة إعجاب الناس، وكسب تعاطفهم وولائهم.

والثالث هو طقوس وتعاليم محدثة، من شأنها أن تُعزّز الدور السياسي للمؤسسات الدينية، وتساهم في

تكريس قبضة رجال الدين على الدولة، وتُمعن في هيمنة عقيدة الخرافة على الشعب. ينتج من هذه العناوين الرئيسة لهيمنة الخرافة السياسية نمط مزمن من الصراع المرير؛ صراع داخل الثيوقراطية الدينية من جهة، وصراع مع كل محاولة لعقلنة الفضاء العام وتخليصه من سردية التاريخ المقدّس. لذلك، ليس من المستغرب أن يكون المثال الحاضر في رسالة في اللاهوت والسياسة هو تاريخ دولة العبرانيين صعودًا وهبوطًا، مرورًا بالانتكاسات التاريخية للشعب العبراني، والمآسي التي

أدّت إليها هيمنة القيادة الروحية على القيادة الدنيوية. يعتبر سلافيان زاك أن الخطر الأكبر الذي تُمثّله الخرافة يتجسّد في الهيمنة، حيث يستفيد وكلاء

الخرافة من هذا الميل الطبيعي لدى غالبية الناس إلى الخضوع للخرافة، ويسعون لإشباع تعطّشهم للهيمنة، وخداع الناس، وجعلهم يقبلون الخرافة التي تتوافق مع مصالحهم الحيوية الخاصة. وقد ناقش نقّاد، من أمثال مايكل روزنتال Roshental. Michael A (1950–) وريتشارد بوبكين Richard Popkin (2005–1923) وهايدي رافين Ravven. Heidi M (1952–)، حضور التاريخ العبراني في رسالة في اللاهوت والسياسة بالسؤال التالي: أكان سبينوزا يقدّم الشعب العبراني نموذجًا

لهيمنة التعصّب الديني وسيطرة الخرافة على الشعب أم أنه يقدّم إلى القارئ نشأة المجتمع العبراني

وبروز الأنبياء فيه دليلًا على أهمية التنظيم الاجتماعي والمناعة التعاضدية التي يمنحها التنظيم الاجتماعي للشعوب؟ الحال أن هاتين الصورتين تحضران على نحو متوازٍ في رسالة في اللاهوت، فمن جهة يُفسّر سبينوزا

التاريخ العبراني باعتباره نتاج عقل جماعي، اتّحد في مواجهة المخاطر والبحث عن سبيل للوحدة، وهنا تحضر الطقوس الدينية بالمعنى الإيجابي، باعتبارها ضرورية للحفاظ على وحدة الشعب. ومن جهة أخرى، تبرز السيطرة المتدرّجة والتصاعدية للنفس الخرافي كونها السبب الرئيس للويلات التي

تعرّض لها الشعب اليهودي، ويُبيّن المضمونُ الفلسفي لهذه القراءة آلية التطبيق المنهجي والتاريخي

للفصل بين الخرافة والدين عند سبينوزا. وينتهي سبينوزا في مقاربته الخرافة بوصفها ميتافيزيقا سياسية إلى أنه على الرغم من أثرها في صنع الوعي بالجهل على مستوى الحياة العامة، فإنها تُقوّض أيضًا سلطة السياسيين، وتحدّ من قدرتهم على

ممارسة العمل السياسي، وتحول دون تحقيق المصلحة السياسية؛ إذ مهما كان السياسيّ ماهرًا على

مستوى الخطاب الجماهيري، وتنظيم القدرة على اتخاذ القرارات التي تخدم المصلحة العامة، فإنه لن يستطيع كبح انفعال الخوف الذي يسيطر على الناس.

(19) Sylvain Zac, Spinoza et lʼintrepretation de lʼecriture (Paris: Press Universitaires de France, 1965), p. 129, accessed on 28/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2swt

وتكشف سوزان جيمس كيف تشكّل هذا الدور التخريبي المزدوج للخرافة، ففي "الإضافة إلى إفساد حكم الزعماء السياسيين، فإن الخرافات تُقوّض سلطتهم. فمن ناحية، تخلق مكانة خاصة للوكلاء

الذين يدّعون أنهم قادرون على تهدئة الخوف، ومن ثم للعرّافين أو المنجّمين الذين قد يتحَّدَون سلطة

الحاكم أو القائد. ومن ناحية أخرى، بما أن التهدئة التي توفّرها مثل هذه الشخصيات، عادة ما تكون مؤقتة فحسب، فإن هذا من شأنه أن يؤدّي إلى تفاقم المشكلة". ولا شك في أن مقاربة سبينوزا المنهجية، في دراسة التأثير التاريخي للخرافة في المجتمع العبراني، إضافة إلى التحليل السيكولوجي لارتباط الخرافة بالخوف العام، تُبيّن أنّ الأمر متعلقٌ بظاهرة متوازية

التأثير؛ بمعنى أن الدراسة التاريخية للعهد القديم هي ذاتها ترتبط بالنظرية الفلسفية لما يجب أن يكون عليه المجتمع. بعبارة أخرى، يقدم سبينوزا، من خلال رسالة في اللاهوت والسياسة، مقاربة شبيهة بقراءة مكيافيلي للتاريخ السياسي، إّلا أنّه يتجاوزه من جهة كونه يقدّم نقدًا تاريخيًا للميتافيزيقا

السياسية.

ثالثًا: الدولة والخوف من مظاهر الانفعال السياسي

لا تؤسّس الدولة عند سبينوزا على القهر أو الخوف، بل تفرض نفسها نتيجة رغبة من نوع خاص، تتهيّأ

للأفراد، من أجل الارتقاء بنمط وجودهم. وقد كان لافتًا أنّ سبينوزا، على الرغم من بغضه التعريفات الكليّة، فإنه لا يجد ضيرًا من المقولة الشهيرة "الإنسان كائن اجتماعي بطبعه"، وهو في الوقت عينه

لا يرى في العزلة منجاة للإنسان، "فالحق الطبيعي للبشر لا يُتصَّوَر إّلا حيث توجد حقوق مشتركة،

حيث يوجد سكن مشترك واستغلال مشترك للأرض، وتكتل يُمكّن الجميع من الممانعة والتحصين

وصدّ كل اعتداء، والعيش كما يحلو لهم في وفاق تام. وكلما ارتفع عدد المتحالفين الذين يكونون لحمة واحدة، زاد حق الجميع". بهذا المعنى، تمثّل الدولة امتدادًا لرغبة أصيلة في تعزيز نمط العيش، وهي تعبير عن قرار عقلاني، يحقق الانتقال نحو مجتمع يحفظ حق التعددية؛ إذ لا يمكن أن تُمارس العقلانية خارج الدولة أو التنظيم الاجتماعي، كما لا يمكن أن يستوي التنظيم الاجتماعي خارج العقلانية. ويرتكز تفسير سبينوزا للجانب السياسي على قراءة تاريخ السلطة السياسية من جهة، وقراءة واقع الحالة الهولندية من جهة أخرى، وهذا ما يشير إليه أنتونيو نيغري، حيث "بلغ الطموح وانعدام الضمير حًّدًا جعل الدين يُنظر إليه باعتباره لا يقتصر على احترام تعاليم الروح القدس، بل على الدفاع عن تفسيرات البشر، حتى بات الدين لا يُرادف الإحسان، بل يُرادف نشر الفتنة وبثّ الكراهية العمياء المتسترة تحت ستار الغيرة على الرب والحماسة الشديدة. وإلى جانب هذه الشرور،

(20) Suzan James, Spinoza on Philosophy: Religion and Politics: The Theologico–Political Treatise (Oxford: Oxford University Press, 2012), p. 20.

(2((سبينوزا، مقالة في السياسة، ص.29

لا بد من إضافة الخرافات التي تُعلّم الناس احتقار العقل والطبيعة، وإجلال ما ينافيهما وتقديسه فحسب". تقوم الدولة بالضدّ من حالة الانفعال السياسي؛ بمعنى أنه إذا كانت حالة الطبيعة عند سبينوزا تتميز بغياب نموذج موحّد للقيم وتتسم بطابع الانفعال السلبي، فإن الدولة هي حالة تنظيم الانفعالات وفقًا لنموذج عقلانيّ. وإضافة إلى الانفعالات السلبية السائدة في غياب التنظيم الدولاتي، فإن الصفة

الرئيسة لحالة الطبيعة عند سبينوزا تتسم بغياب نموذج توافقي للقيم، "حيث لا يمكن تصوّر المعصية أو الطاعة بالمعنى الضيّق إّلا في إطار تجمّع مدني، كذلك الأمر بالنسبة إلى العدل والظلم. في حكم

الطبيعة، لا يصح القول هذا الشيء ملك فلان، وذاك ملك فلان، كل شيء ملك لكل فرد يملك القدرة على الاستحواذ عليه". وضمن هذا السياق، تأتي أهمية مسألة الدولة عند سبينوزا، والمسألة السياسية على وجه العموم، حيث تؤَّسَس المشروعية القيمية بناء على المشروعية السياسية. وقد كشفت قراءة فاطمة حداد

الشامخ عن هذا البعد المركزي في فلسفة سبينوزا، مبيّنةً أن غرضها الأساسي هو إعادة الاعتبار إلى الفلسفة السياسية ضمن النسق السبينوزي، وتجاوز تلك الصورة النمطية عن سبينوزا بما هو فيلسوف ميتافيزيقي أو مولع بالإله، ارتكز تفكيره على البحث عن الجوهر. وبالنسبة إلى حداد، فقد انطلق سبينوزا من تصوّر أنثروبولوجي واضح لصوغ فلسفة سياسية، تجعل من السياسة موضوعًا، ولا يمكن قراءة سبينوزا قراءةً أيديولوجية تتجاوز تاريخية نصه، أو قراءة ميتافيزيقية ترتكز على اعتبار أن النصوص السياسية ثانوية في تفكيره. يجري الحديث في المسألة الدينية عن تجاوز الديكارتية في طرح المشكل ومعالجته، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المسألة السياسية، فيبحث سبينوزا عن نسق في السياسة يتقاطع في بعض فصوله مع طروحات هوبز ومكيافيلي، غير أنه يحفظ الانسجام مع الروح العامة للمذهب السبينوزي. وقد جرت الإشارة إلى معضلة الحرية عند سبينوزا، وكيف يرتبط مبحث الحرية بالمعنى المبثوث في الإتيقا والحرية الديمقراطية التعددية في الرسالة السياسية. وقد أوضح برايتون بولغا آلية الانسجام عند سبينوزا بين الحرية السياسية التي يربطها بغايات الطبيعة البشرية، و"الحرية الإنسانية" التي يربطها بأزلية العقل، من جهة أنهما يجتمعان ضمن مسار في دينامية الانفعالات وتحوّلها إلى إملاءات العقل.

(22) Antonio Negri, The Savage Anomaly, The Power of Spinoza’s Metaphics and Politics , Michael Hardt (trans.) (Oxford: University of Minessota Press, 2000), p. 99, accessed on 28/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2sNo

(2((سبينوزا، مقالة في السياسة، ص.38 (2((فاطمة حداد الشامخ، الفلسفة النسقية ونسق الفلسفة السياسية عند سبينوزا، ترجمة جلال الدين سعيد، مراجعة صالح مصباح (تونس: معهد تونس للترجمة؛ الرباط: مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 2017)، ص 12، شوهد في 2026/6/28، في:

https://acr.ps/hBy2swN (25) Brayton Polka, Between Philosophy and Religion: Spinoza, the Bible, and Modernity , vol. 1: Hermeneutics and Ontology (New York/ London: Lexington Books, 2007), p. 143.

وإذا كانت الانفعالات عند سبينوزا ترتقي إلى مصاف المقولة الأنطولوجية، فإن مقولة الدولة والتنظيم الاجتماعي ليست مجرد قالب لتعيين المسألة السياسية، إنما هي شرط ضروري لحياة العقل. وكما يدحض سبينوزا المفهوم الأثير عن الإرادة الحرة بمعناها الأنطولوجي، فإن الأمر ذاته ينطبق على الدولة، فنحن لا نقول عن الدولة إنها حرة في تصرّفها إّلا ضمن إملاءات العقل. "الدولة ترتكب

خطيئة كلما أقدمت أو غضّت الطرف على عمل يؤدي إلى خرابها. فنقول إنها أخطأت، كما يقول الفلاسفة والأطباء إن الطبيعة تخطئ من هذه الزاوية، يصح القول إن الدولة تخطئ عندما تخالف أفعالها مقتضيات العقل. لقد قررنا أن الدولة سيّدة ذاتها، ما دامت تتصرف بحكمة، فإذا تهوّرت، فإنها

تتنكر، وبالتالي تظلم نفسها". ويكون التعسّف والحكم الفردي والقمع بمنزلة انفعالات الجسم السياسي التي توازي انفعالات

الفرد، وتنتج منها اضطرابات تُهدّد المسار العقلاني للتنظيم الاجتماعي. واللافت هنا الإشارة إلى إشكالية ربما يكون سبينوزا من أوائل الذين اعتنوا ببسطها في أفق الأزمنة الحديثة، وهي تصوّر الدولة

بوصفها تعبيرًا عن الروح الكلية للشعب، وباصطلاح سبينوزا هي تعبير عن قوانين الطبيعة. وقد أكد

هذه التلازمية الخطرة في مطلع الفصل الثاني من الرسالة السياسية، حيث "إن حق الدولة (السلطة العليا) هو حقها في حكم الطبيعة، لا فرق بين المفهومين؛ إذ ليس هو حق كل فرد مستقلًا، بل حق الشعب في حالة تلاحم، كما لو كان تحرّكه روح واحدة. بعبارة أخرى، حق جسم الدولة، جسدًا

وروحًا، مثله مثل حق الفرد في حكم الطبيعة، على قدر طاقته. يعني أن حق المواطن الفرد يقل

كلما اتسعت الفجوة بين قدرته وقدرة السلطة العليا". ومن المعلوم أن سبينوزا قد توقّف كثيرًا عند الدلالة الفيلولوجية لمفهوم الروح في التراث العبراني،

ومن بين دلالة الروح عنده هي نفس الإنسان. أما المعنى الثاني، فيفيد أن كلمة روح في العبرية قد تعني الذهن أو حكم الذهن، ولهذا السبب استحقّت الشريعة نفسها، بمقدار تعبيرها عن الفكر الإلهي. ولعل ربط المعنى الأخير للروح في اللاهوت والسياسة بالتعبير المشار إليه في الرسالة السياسية يفرض على المرء أن يتأمّل كثيرًا في الإمكانات التي أوقدها سبينوزا في تصوّره المعلمن للروح،

وهي، ربما، إمكانات لن تظهر من جهة الحضور الفلسفي إّلا في القرن الثامن عشر، مع بزوغ المثالية الألمانية التي كانت فلسفة سبينوزا ضمن روافدها الكبرى. وضمن القراءة التي نجدها عند نوفاليس عن سبينوزا المولع بالحب الإلهي، يذهب غاي واتش إلى أنّ نمط التصوف الذي يتبناه سبينوزا لا يتصالح بالضرورة مع السلطة الدينية، حيث يقوّض الدور

التوسطي الذي يؤديه رجال الدين بين الفرد والنص الديني، وبين الفرد والإله. ومن ثم، لا يجد الخطوة الكافية لدى السلطة الدينية، "حيث تحذّر 'الأديان' من المتصوفين. وغالبًا ما تدينهم مؤسساتها الدينية

(2((سبينوزا، مقالة في السياسة، ص.48 ((2(المرجع نفسه، ص.24 (2((سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ص.137

باسم العقل أو العقيدة أو الشريعة؛ إذ يجب أن تبقى أسرار الإيمان حكرًا عليهم. يملي اللاهوتيون

العقائد، ويضع الفقهاء الأحكام. وإن وُجد نقاش، فهو يقتصر على أقرانهم المطّلعين. وعلى عامة

المؤمنين اتّباعهم. بالنسبة إليهم، يجب أن يبقى الإيمان، بطريقةٍ ما، ضربًا من العبث، محصورًا في

كتاب تعليمي 'للاستعمال الشخصي"'. وضمن هذه المقاربة الكلية، تبرز مقولة الانفعال السياسي التي شخّص من خلالها سبينوزا حالة الانحراف العمومية، ضمن صيغة لعلم نفس سياسي تشخّص الاختلالات التي يمكن أن تصيب جسد الدولة. وتعترف في الوقت نفسه بأن التقلّبات الانفعالية تدخل في صميم الطبيعة البشرية. ويمكن تلمّس الحديث عن الانفعال السياسي في فقرتين أساسيتين من الرسالة السياسية، ففي الفصل الثاني

يورد سبينوزا عبارته الشهيرة: ليس الإنسان إمبراطورية في إمبراطورية Imperum in imperio، ومحل الاستحضار هنا لا يتعلق بالموقف الأنطولوجي بقدر تعلّقه بالحالة السياسية، فالمطلوب إثباته هو أن التجربة التاريخية تفيد أننا لسنا أقدر على تقويم النفس منّا على التحكّم في صحة الجسد، وأن ليس في

مقدور أيّ إنسان أن يستخدم دائمًا عقله بكيفية مُثلى، بيد أنّ كل إنسان، سواء أكان عاِلمًا أم جاهلًا، يعمل

ما في وسعه لحفظ ذاته، وتقع محاولاته كلها لتحقيق هذا الغرض في نطاق الحق الطبيعي. وتفسر هذه الفقرة بامتياز آلية اشتغال الكوناتوس السبينوزي في مجال السياسة، بوصفه تعبيرًا عن

مجهود الكائن لكسب أكبر قدر من الوجود، سواء بوساطة العقل أو الانفعال. أما الإشارة الثانية لتأثير الانفعال، فتأتي في الفقرة الأخيرة من الفصل نفسه. وضمن سياق متعلق بالمعاهدات الدولية، وأن الاحتفاظ بها متعلّق بالظروف الحاكمة، يربط سبينوزا بين التقلّبات الانفعالية والحق الطبيعي المطلق للإنسان في حفظ وجوده، والإلزامات الواجبية تجاه مبدأ العهد نفسه. فمن أيّ جهة نظرنا إلى البشر،

سواء أكانوا تحت تأثير الشهوة أم العقل، فالنتيجة واحدة؛ إذ ينطبق البرهان على الجميع. وعلى عكس النموذج الكانطي في إقامة نموذج من الاتحاد الأخلاقي بين الدول، فإن سبينوزا، على الرغم من أنه ينطلق من رفض قاطع لعقيدة الحرب، يرى في المصلحة السياسية وحدها قاعدة فُضلى للتعاون الدولي. وضمن هذا المسار من التأكيد على الفردانية، في مقابل سلطة الحاكم، تبرز مجموعة من الصعوبات بشأن طبيعة التلاقي بين حق الفرد في السير وفق تصوّره الفردي للخلاص، وحق

الدولة في تصويب توجّهات الأفراد نحو المصلحة العامة. ويعتبر لويس فوير أنّ سبينوزا حاول تجاوز هذا الإشكال من خلال تحديد سلطة الحاكم في مقابل الفكر الحر، فقد حاول "تجاوز هذا التقابل من خلال التأكيد على أن البشر لا يستطيعون التنازل عن حقوقهم في الحكم الحر للحاكم، وأن هناك قيودًا متجذّرة على الحقوق التي يمكن تخصيصها للحاكم، وأن حق الفكر الحر محجوز للفرد".

(29) Guy Watch, Spinoza, L’immanence: "Et rien d’autre" (Paris: L’Harmattan, 2024), p. 218.

(3((سبينوزا، مقالة في السياسة، ص.26

(31) Lewis Feuer, Spinoza and The Rise of Liberalism (New Jersey: Transaction Publishers, 1987), p. 107.

ومن المعلوم أن قراءة سبينوزا بوصفه مفكرًا ليبراليًا خالصًا تحتوي على مخاطرة لا بأس بها، تمامًا مثل

القراءة الماركسية والجماعاتية لنسقه. غير أنه مما لا يمكن تجاوزه هو أنّه عمل بجهد حثيث على تحقيق قدر من التوازن بين سلطة الدولة والحق الطبيعي للأفراد. ولا شك في أن إسقاط نظرية لاحقة على تفكير مفكر، مثل سبينوزا، تحتاج إلى قدر من الانتباه، بيد أنه إن كان لا بد من توضيح هذه المسألة، فإن تصوّره للملكية، وبالذات الملكية العقارية بحصرها في يد الدولة، بعيدٌ عن تأملات هوبز ولوك على

وجه الخصوص في الملكية الشخصية، والنظر إلى وظيفة الدولة من زاوية تقديس الملكية الشخصية. ولا يمكن كذلك إهمال أنطولوجيا الرغبة عند سبينوزا بوصفها محركًا أساسيًا لسعي البشر في تحقيق

وجودهم والحفاظ عليه. وبهذا، تتوافق السبينوزية جزئيًا مع التصوّر الماركسي للرغبة، بوصفها أحد

عناصر الفاعلية التاريخية.

رابعًا: الديمقراطية والتحرر من الانفعال السياسي

على الرغم من أن عمل سبينوزا في الرسالة السياسية لم يكتمل، وربما باغته الموت قبل إكماله، فإن الدلائل الواضحة من هذا المؤَّلَف وغيره من الأعمال تشير كلها إلى تفضيل صيغة ديمقراطية، ورفض الطغيان رفضًا مطلقًا. فهل مثّل هذا الموقف انحيازًا مطلقًا إلى الإرادة العامة؟ من الملحوظ في نصوص سبينوزا تبنّي نوع من الحذر تجاه ميولات العامة وأهوائهم، على الرغم من أن نظريته في دحض الحكم المطلق من جهة تحرص على أّلا يسقط مصير المجتمع فريسةً لانفعالات الحاكم الفرد. وإذا كان توشار يرى أن المسألة الدينية والسياسية عند سبينوزا تحمل مظهرًا واحدًا، هو

التخلّص من الخوف والحقد، فنقد المدينة السياسية الدنيوية يتواكب مع نقد الدولة الدينية. بعبارة أخرى مواجهة الانفعال السلبي في السياسة، كما في اللاهوت. وكما بدأ سبينوزا بنقد الخرافة باعتبارها ميتافيزيقا سياسية، فإنه يفتتح باب السياسة بنقد الاستبداد، ليس من زاوية الممارسة التاريخية، بل من جهة الاستعدادات الطبيعية؛ إذ مهما كانت النيّة سليمة،

فمن شأن وضع المسؤولية في يد فرد واحد أن يُعزّز ارتهان المجتمع للانفعال السياسي، و"لا مناص

من إقامة نظام يجعل الجميع، الحاكم والمحكوم، طوعًا أم كرهًا، يتوخّون الصالح العام، أي يعيشون، إما تلقائيًا، وإما اضطرارًا، حسب أوامر العقل. وقد تسير شؤون الدولة على هذا النهج إن نُظمت

بكيفية تمنع من وضع مصير الجماعة بيد فرد، اتّك لًا على حسن نيّته. والواقع أن لا أحد أبدًا يظل على

الدوام يقظًا لا ينام، ولا نفس تظل صلبة منيعة لا تنكسر". وتُعبّر هذه المناشدة السيكولوجية عن منطلقات سبينوزا الأنثروبولوجية من أنّ الإنسان كائن حالٌّيٌ،

متقلّب المزاج، ومنفعل في أكثر أوقاته بالكثير من القوى الخارجة عن سيطرته. ويتمثّل ما يبنى على هذه

(3((جان توشار، تاريخ الأفكار السياسية: من عصر النهضة إلى عصر الأنوار، ترجمة ناجي الدراوشة، ج  2 (دمشق: دار التكوين للنشر، 2010)، ص 493، شوهد في 2026/6/28، في: https://acr.ps/hBy2sgc (3((سبينوزا، مقالة في السياسة، ص.59

المصادرة السيكولوجية في أن الانفراد بالحكم يُمثّل خطرًا على استمرارية الدول. وعلى الرغم من أن

الطاعة تشكّل أحد مفاتيح النظرية السبينوزية، فإنها بهذا المعنى مرتبطة بالقانون، كما بيّن باليبار، "تبدو

الديمقراطية [عند سبينوزا] مطلبًا محايثًا لطبيعة الدولة. وهذه الأطروحة هي في الأساس مصادرة منطقية،

ذات دلالة سياسية، فمن وظائف كل دولة إرساء الهيمنة، ومن ثم الطاعة، ومن ثم إخضاع الأفراد لنظام موضوعي". ويعتقد باليبار أن الديمقراطية تمثّل بالنسبة إلى سبينوزا إحدى آليات الفصل بين حالة الدولة وحالة الاستعباد، وبين مفهوم الرعايا أو الأتباع وصورة المواطنة. فالديمقراطية هي تصوّر محايث

للمشاركة السياسية، يوافق رغبة أصيلة لدى الأفراد بحكم أنفسهم. ويمكن النظر إلى عاملين أساسيين باعتبارهما يمّثلّان شروط انهيار الدول عند سبينوزا: العامل الأول، المُعَبَّر عنه في اللاهوت والسياسة،

ويتعلّق بتغوّل السلطة الدينية في الدولة، أو انحياز الدولة إلى طائفة بعينها، على حساب الطوائف

الأخرى؛ أما العامل الثاني فيتعلّق بسلطة الاستبداد، أو سلطة الفرد، على نحو يتجاوز الشرعية التأسيسية للاجتماع السياسي. وبناء عليه، يأتي مطلب الديمقراطية بوصفه عنصر الملاءمة الكبرى بين سلطة المجتمع، وحقوق الأفراد التي لا يمكن التنازل عنها. ولا يمكن أن تتحقق هذه المقاربة المتوازنة إّلا ضمن صورة تعدّدية للحكم والديمقراطية، هي النظام السياسي الذي يسمح بتأسيس سلطة الدولة على أفراد المجموعة جميعهم، دونما تمييز، ويضمن في الوقت نفسه الحصول على طاعتهم بالإرغام أو الإقناع؛ إذ لا تتعارض مع حقوق الفرد الطبيعية. إنّ النظام الديمقراطي في نظر سبينوزا هو التنظيم السياسي الأكثر قربًا إلى مثال الدستور المستوحى

من بنود العقد الاجتماعي نفسها. والحال أن هذه العلاقة التقابلية بين الفرد وسلطة الدولة لا يمكن اختزالها في البعد التشريعي والقانوني. ولعل عملية البناء الاجتماعي تتجاوز في استقرارها الأدوات التشريعية، على الرغم من أهميتها في ضمان حرية التعبير في ظروف محددة. لكن فنون الاتصال والتفاوض البنّاء التي ترتكز عليها قوة الدولة الحرة لا يمكن إنشاؤها بمرسوم، وهنا أيضًا تؤدي حرية التفلسف دورًا حاسمًا. ويعني السماح للناس بهذه الحرية، من بين أمور أخرى، السماح لهم بالتعبير عن "حماستهم للحقيقة" من خلال التدريب والمناقشة العلنية للحجج ووجهات النظر التي يعتبرونها الأكثر عقلانية. ومع ذلك، فإن الحماسة للحقيقة هي أيضًا، كما يلاحظ سبينوزا، مصدر اللباقة Comitas والاعتبار للآخرين

. Mansuetudo

إن الأشخاص الذين يلتزمون حقًا بالمشروع الفلسفي للفهم منفتحون على الأفكار الجديدة، ومتحمّسون للتعلم. ومثل جميع البشر، فإنهم يريدون من الآخرين أن يقبلوا وجهة نظرهم، وأن

يدركوا عدم جدوى محاولة إجبار الآخرين على التفكير الموجّه.

(34) Balibar, p. 45.

((3(الشامخ، ص.317

ولعلّ هذا الموقف الذي تدافع عنه سوزان جيمس يساعد في فهم إصرار سبينوزا على وضع حرية التفلسف عنوانًا فرعيًا ل  رسالة في اللاهوت والسياسة؛ فاصطلاح الفلسفة عند سبينوزا لا يتماهى مع

التصور اليوناني للتفكير في الكليات بقدر ما يطرح برنامجًا نقديًا، لتفعيل القدرة البشرية على مواجهة

تقلّبات الحياة، وتحويل انفعالات، مثل الخوف والحقد، إلى انفعالات إيجابية تخدم المشروع العملي للإتيقا. ويذهب فريدريك لنوار إلى مناقشة طبيعة الاستدلال الذي يقيمه سبينوزا في تفضيل النظام الديمقراطي، ولا يتعلق الأمر في هذا الصدد بصيغة تفضيل أخلاقية، بقدر ارتباطه بمعالجة براغماتية؛ فالنظام الديمقراطي يحقق على نحو أفضل نمطًا من التوافق مع الطبيعة البشرية. فكي يتسنّى لنظام

ما أن يدوم، يجب عليه أّلا يرتكز على الخوف فحسب. ف "الطاعة الخارجية" لا تنفي، على الرغم من

ذلك، وجود نشاط ذهني باطني، بوجهٍيجعل الفرد الذي يخضع خضوعًا صارمًا لسلطة فرد آخر، هو

من يوافق على تنفيذ أوامر هذا الآخر بكل صدق. "إنّ السلطة الأقوى هي تلك التي تُهيمن حتّى على

قلوب رعاياها". ولا يكتفي لنوار بتأكيد أسبقية سبينوزا في تشكيل الحداثة السياسية في الغرب، قبل لوك وكانط وفولتير، وإنما يُنبّه إلى أهمية سبينوزا في التنبيه إلى مزالق النظام الديمقراطي. فالنظام الديمقراطي، بقدر ما يُمثّل

طوق نجاة للاجتماع السياسي، فإنه يحمل في داخله بعض بذور فنائه، بالنظر إلى توجّه الجمهور المنوّع،

ويمكن أن تكون الديمقراطية أكثر تماسكًا وصمودًا وحيوية، بقدر ما يكون الأفراد الذين يكوّنونها قادرين

على التحكم في انفعالاتهم السلبية، ويوجّهون كيانهم بموجب ما يُمليه العقل عليهم. ونفهم من ذلك كله، حتّى وإن كان سبينوزا لا يقولها صراحةً، "أنه إذا كان المواطنون محكومين

بعواطفهم، وليس بعقلهم، فإنهم سيختارون طُغاة وديماغوجيين لحكمهم". ولعل الإشارة الوحيدة للسياسة في كتاب الإتيقا تنير الدرب الذي يفتتحه لنوار بشأن نقد الممارسة الديمقراطية من زاوية علم النفس السياسي. وقد ناقش سبينوزا، في مختتم الباب الثاني، من الكتاب مسألة الإرادة الحرّة

والتصوّر الاعتباطي للإرادة، مُبيّنًا طبيعة مذهبه في الفكرة الملائمة التي تكون علّة ذاتها، ولا تحتاج

إلى برهان خارجي يعزز يقينها. ويأتي الانعطاف هنا نحو السياسة بوصفه محاولة لبيان المزايا العملية لهذا المذهب، والرد على الاعتراضات القائمة عليه. وعلى مستوى النتائج البراغماتية، تتوزّع هذه المزايا بين المردودية الاجتماعية والتشاركية؛ بأن يرضى الإنسان بما لديه، وأن يساعد غيره، ليس بدافع الشفقة الانفعالية، ولا بدافع التحيّز أو المعتقد الباطل، إنما بتوجيه من العقل وحده؛ أي وفق

ما تطلبه الأوضاع والظروف. وعلى المستوى السياسي، تحدد إتيقا الانفعالات الشروط التي تتطلّبها سياسة المواطنين وقيادتهم، لا ليصبحوا عبيدًا، وإنما ليحققوا أفضل أعمالهم بحرّية.

(3((فريدريك لنوار، المعجزة السبينوزية: فلسفة لإنارة حياتنا، ترجمة عادل مطيمط (بيروت: دار التنوير للنشر والتوزيع، 2020)، ص 117، شوهد في 2026/6/28، في: https://acr.ps/hBy2sNo ((3(المرجع نفسه، ص.121 (3((سبينوزا، الإتيقا، الباب الثاني، القضية.42

ويُعزّز استحضار المسألة السياسية، في طور عرض سبينوزا لمبحث المعرفة في الإتيقا، التوجّه القائل إن النموذج الديمقراطي الذي يقترحه لا يستقيم من دون محددات عقلية ترفع الشروط العقلانية للاختيار السياسي. وإذا كان إميل برييه يرى أن السبينوزية بعد سبينوزا بقيت حركة دينية، أو بمعنى أدق حركة بدعية، من دون إظهار أثر سبينوزا في النظرية السياسية، فإن الصورة التي بدأت ترتسم في العقود الأخيرة بشأن سياسته تقول شيئًا آخر، فقد أثّرت أفكاره بشأن التسامح والحق الطبيعي والديمقراطية، بالغ الأثر، في الأجيال اللاحقة، ونجد لدى جوناثان إزرايل استقراءً مطوّلًا عن تحوّل فكرة سبينوزا عن الحرية

إلى مطلب رئيس في النصف الأول من القرن الثامن عشر؛ فالتحوّل من مطلب حرية العبادة الذي

تبنّته السبينوزية، إلى السعي لحرية الفكر والتعبير، انطلاقًا من فلسفة سبينوزا، أصبح ملمحًا محدّدًا رئيسًا للتنوير الراديكالي. وبحلول الربع الثاني من القرن الثامن عشر، ما عاد فلاسفة أوروبا الغربية يشكون أساسًا من عوز الحرية الدينية، حيث أصبح محور صراعهم معركة الحرية الفكرية وحرية التعبير والنشر. ويتبيّن من الفصول الأخيرة من الرسالة السياسية أنّ سبينوزا يُفضّل ملكية دستورية، يكون فيها حق

كامل للمشاركة الشعبية مع مجلس استشاري وتشريعي منتخب، يُعبّر عن روح الأمة. وفي الوقت

نفسه، يشير إلى حق الدولة المطلق في احتكار العنف وتدبير الشأن العام، من جهة أنّ ممارسة السلطة على الناس محصورة في يد الحاكم وحده، أو من ينوب عنه، وأيّ إنسان أقدم على هذا الفعل، من دون تخويله، يُعدّ متطاولًا على السيادة، بمعزل عن صلاح النيّة. وفي المقابل، وعلى الضدّ من هوبز،

فإن الدولة نفسها تخضع للقانون الطبيعي، "فالدولة ترتكب خطيئة كلما أقدمت أو غضّت الطرف على عمل يؤدي إلى خرابها. فنقول إنها أخطأت، كما يقول الفلاسفة والأطباء إن الطبيعة تخطئ من هذه الزاوية، يصح القول إن الدولة تخطئ عندما تُخالف أفعالها مقتضيات العقل. لقد قررنا أنّ الدولة سيّدة ذاتها ما دامت تتصرف بحكمة". ولا شك في أن عدم اكتمال الرسالة السياسية فوّت فرصة مهمة لفهم الرؤية التفصيلية التي كان

سبينوزا يدلي بها في سبيل إيضاح مقاربته السياسية، إذا أخذنا في الحسبان أن الفقرة الأخيرة من الرسالة السياسية غير المكتملة كانت تتناول مشاركة المرأة في الحياة السياسية. بيد أن المعالم الكبرى للنظرية السياسية كانت قد بدأت في التشكل منذ رسالة في اللاهوت والسياسة، على نحو بات معه من الصعب إقصاء سبينوزا من المبحث التأسيسي للفلسفة السياسية الحديثة، وكذلك مسار التشكل العام للدولة الليبرالية المعاصرة.

(3((جوناثان إزرايل، التنوير متنازعًا فيه: الفلسفة والحداثة وانعتاق الإنسان 1752–1676، ترجمة محمد زاهي المغيربي ونجيب

الحصادي، مراجعة صالح مصباح (المنامة: هيئة البحرين للثقافة والآثار، 2020)، ص 200، شوهد في 2026/6/28، في:

https://acr.ps/hBy2t3Z

(4((سبينوزا، مقالة في السياسة، ص.48

خاتمة

ترتبط فلسفة سبينوزا النظرية على نحو واضح بتجلياتها العملية. والواقع أن السؤال الذي طرحته هذه الدراسة لا يتعلق بالترابط بين الفلسفة النظرية والفلسفة العملية فحسب، وإنما بمركزية الفلسفة السياسية في تفكيره ومدار علاقتها بالمسألة الدينية، التي تتداخل على نحو جليّ في نسق سبينوزا،

على نحو يجعله مخترع مفهوم "اللاهوتي السياسي"؛ بمعنى أن مدار اشتغاله بالمسألة الدينية لا يمكن فصله عن الفلسفة السياسية، والعكس صحيح. وضمن نظرية سبينوزا في الانفعالات، كان من المهم التركيز على مفهوم الانفعال السياسي؛ ذلك أنه من القلائل الذين تنبّهوا إلى مكانة الانفعال في السياسة، وبناء عليه يأتي نقده للسلطة الفردية ضمن

رهان سيكولوجي على القيادة الجماعية للمجتمع، ومن ثم يأتي الرهان على الديمقراطية، نتيجةً طبيعيةً لموقفه الأنثروبولوجي والسيكولوجي. وهو يتعامل مع التديّن المتعصب بوصفه نمطًا من

الانفعال السلبي، النابع أساسًا من ظاهرة الخوف الذي يتشكّل بوصفه عائقًا، من دون المصالحة مع

مبدأ الحرية في التفكير والتعبير. يُنظر إلى مشروع سبينوزا عمومًا بوصفه أحد المشاريع الراديكالية الكبرى من حيث جذرية النقد

والتأصيل، وقد تعزّزت هذه الفرضية بمجموعة من القراءات، أبرزها في السياق المعاصر نظرية

جوناثان إزرايل وغيره. والواقع أنّ هذه القراءات ترتكب خطأ كبيرًا حين لا تفصل بين سبينوزا

وصورة السبينوزية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، فالصورة التي تشكّلت بشأن السبينوزية بوصفها تهمة حالت دون القراءة الهادئة لفلسفة سبينوزا، التي من شأنها أن تُعيد استكشاف مواقفه؛ ذلك أنّه لا يرى في جوهر الدين ما يمنع من إقامة نموذج تعايشي بين البشر، من خلال التمييز بين نقد الخرافة، بوصفها عقيدة هيمنة سياسية، ونقد النماذج الطقوسية الضيقة، في مقابل التأكيد على أهمية التدين السليم في الحياة العملية. وضمن هذا السياق، يأتي العنوان الفرعي ل  رسالة في اللاهوت والسياسة مبيّنًا أنّ حرية التفكير لا تشكل خطرًا، سواء على جوهر الهوية الدينية، أو على

الحالة الاجتماعية السياسية. وتصل هذه الدراسة إلى نتيجة مفادها أنّ دراسة سبينوزا لمسألة الخرافة والخوف باعتبارهما انفعالين سياسيين لم تكن محصورة ضمن نطاق التاريخ العبراني، إنما أراد تقديم الخرافة بوصفها آلية لفهم النظم السياسية وأساليب الهيمنة. وفي المقابل، يظهر تمسّكه بالتعددية على مستوى الأفكار والآراء، باعتبارها وسيلة لإقامة نظام سياسي لا يشكّل الخوف ركيزة بقائه.

المراجع References

العربية

أرندت، حنة. ما السياسة؟ ترجمة وتحقيق زهير الخويلدي وسلمى بالحاج مبروك. الجزائر: منشورات ضفاف؛ بيروت: منشورات الاختلاف، 2014:. في https://acr.ps/hBy2sfy

إزرايل، جوناثان. التنوير متنازعًا فيه: الفلسفة والحداثة وانعتاق الإنسان 1752–1676. ترجمة محمد زاهي المغيربي ونجيب الحصادي. مراجعة صالح مصباح. المنامة: هيئة البحرين للثقافة والآثار،

2020:. في https://acr.ps/hBy2t3Z

توشار، جان. تاريخ الأفكار السياسية: من عصر النهضة إلى عصر الأنوار. ترجمة ناجي الدراوشة. دمشق: دار التكوين للنشر، 2010:. في https://acr.ps/hBy2sgc سبينوزا، باروخ. رسالة في اللاهوت والسياسة. ترجمة حسن حنفي. مراجعة فؤاد زكريا. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 2005:. في https://acr.ps/hBy2sfS ________. الإتيقا. ترجمة وتقديم وتعليق أحمد العلمي. الدار البيضاء: دار أفريقيا الشرق،.2010 ________. مقالة في السياسة. ترجمة وتقديم عبد الله العروي. الدار البيضاء: المركز الثقافي للكتاب،.2023 الشامخ، فاطمة حداد. الفلسفة النسقية ونسق الفلسفة السياسية عند سبينوزا. ترجمة جلال الدين سعيد. مراجعة صالح مصباح. تونس: معهد تونس للترجمة؛ الرباط: مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات

والأبحاث، 2017:. في https://acr.ps/hBy2swN

شتراوس، ليو وجوزيف كروبسي. تاريخ الفلسفة السياسية. الجزء الأول: من ثيوكيديديدس إلى اسبينوزا. ترجمة محمود سيد أحمد. مراجعة وتقديم إمام عبد الفتاح إمام. القاهرة: المجلس الأعلى

للثقافة، 2005:. في https://acr.ps/hBy2sMK

لنوار، فريدريك. المعجزة السبينوزية: فلسفة لإنارة حياتنا. ترجمة عادل مطيمط. بيروت: دار التنوير للنشر والتوزيع، 2020:. في https://acr.ps/hBy2sNo

الأجنبية

Balibar, Etienne. Spinoza et la poltique: Le transindividuel. Paris: Presse Universitaires de France, 1985. Cernadas, Gonzalo Ricci. The Multitude in Spinoza, From Physics to Politics. New York/ London: Bloomsburg Academic, 2024. Feuer, Lewis. Spinoza and The Rise of Liberalism. New Jersey: Transaction Publishers,

James, Suzan. Spinoza on Philosophy: Religion and Politics: The Theologico–Political Treatise. Oxford: Oxford University Press, 2012. Negri, Antonio.  The Savage Anomaly: The Power of Spinoza’s Metaphics and Politics. Michael Hardt (trans.). Oxford: University of Minessota Press, 2000. at: https://acr.ps/hBy2sNo

Polka, Brayton. Between Philosophy and Religion: Spinoza, the Bible, and Modernity. vol. 1: Hermeneutics and Ontology. New York/ London: Lexington Books, 2007. Strauss, Leo.  Spinoza’s Critique of Religion. E. M. Sinclair (trans.). New York: Schoken books Inc., 1965 [1930]. at: https://acr.ps/hBy2sw9 Tosel, André. Spinoza ou le Crépuscule de la servitude: Essai sur la Traité Theologico– Politique. Paris: Aubier, 1985. at: https://acr.ps/hBy2t3l Watch, Guy. Spinoza, L’immanence: "Et rien d’autre". Paris: L’Harmattan, 2024. Zac, Sylvain. Spinoza et l’intrepretation de l’ecriture. Paris: Press Universitaires de France, 1965. at: https://acr.ps/hBy2swt