مصائر الفلسفة في العالم العربيّ الفلسفة تعليمًا وتعلّمًا في الجامعة اللبنانيّة
The Fate of Philosophy in the Arab world: Philosophy as Taught and Learnt in the Lebanese University
الملخّص
يربط البحث البعد النظري بالبعد العملي في مقاربته تعليم الفلسفة وتعلّمها في لبنان (بوصفه نموذجا داالّ على العالم العربي). ويجد أنَّ الفلسفة تكابد في المجتمعات العربية ألوانًا من التأزّم حتى بات النهوض بها أمرًا عسيرًا يحتاج قدرًا عظيما من جرأة الثورة على يقينيات التسليم الديني ومسلّمات المبايعة السياسية، كما يحتاج فهم العلاقة التي تربط الفلسفة بالعلوم الوضعيّة والإنسانيّة ذلك الربط الإبستمولوجي الفطن الذي يتيح للفلسفة أن تسهم بصورة فاعلة في صياغة المعنى الإنساني الأرحب.
Abstract
This study links the theoretical with the practical in its approach to the teaching and learning of philosophy in Lebanon as an exemplar for the Arab world. Philosophy in the Arab world is in crisis, and even its revival would be difficult and require enormous boldness to revolt against the certainties of the religious view and the givens of political allegiance. It would also require an understanding of the relationship linking philosophy with the positivist and human sciences, which is a clever epistemological link that gives philosophy the ability to contribute effectively in the formation of the broadest meaning of the human.
- العالم العربي
- التأزم
- النهوض
- الثورة
- المعنى الإنساني .
- Arab World
- Crisis
- Revival
- Revolutions
هكذا، يقتضي التبرصّ في حال الفلسفة في العالم العربي النظرَ في واقع وظيفتها القائمة الآن ومقارنته بطبيعة الوظيفة التي ينبغي أن تضطلع بها. وهذا لا يتمّ إلا بمعاينة واقع العالم العربي المتأخّر المتوعّك الذي يمكن للفلسفة، بما تختزنه من طاقات تحرير الذات العربية، أن تثب به نحو آفاق التجديد والإبداع. ولذلك، كان من الواجب استقصاء آليات تعليم الفلسفة في العالم العربي وإشكالياتها، من صياغة برامجها في النظام التعليمي الجامعي المعاصر وحدّة التوتر الناشط بين الفكر العربي والفكر الغربي، إلى واقع أساتذتها وتحليل موادها ومقرّراتها وأ مْلِياتها وطرائقها ووسائلها وإمكاناتها العملية، بغية التوصّل إلى تصوّر جديد لمقام الفلسفة. يتناول هذا البحث مسألة تعليم الفلسفة وتعلّمها في الجامعة اللبنانيّة. وهو بحثٌ يندرج في سياق الخبرة التعليميّة الشخصيّة والمعاينة الذاتيّة الحرّة. وقد سبق لبعض المنتديات والمعاهد في لبنان أن تناولت هذه المسألة في مقاربات شتّى، غير أنّ الميزة الأساسيّة التي يتّصف بها هذا البحث تكمن في ربط البُعد النظري بالبُعد التقنيّ العمليّ، وهو ما يبرّر مسعى المقاربة الشاملة لجميع جوانب المشكلة التي تعانيها الفلسفة في لبنان.
ولذلك ينبسط البحث في ثلاثة أقسام: يتناول القسم الأوّل منها مقام الفلسفة في المجتمعات العربيّة. وفي هذه المقاربة ترصّدٌ للخلفيّة الثقافيّة الأرحب التي تنسلك فيها مسألةُ النظر في تعيين مقام الفلسفة في المجتمع اللبناني.ّ ويتناول القسم الثاني منها مسألة ارتباط الفلسفة بسائر العلوم الإنسانيّة والوضعيّة، وهو الارتباط الذي يعني للفلسفة موضع تأثيرها ومبلغ إسهامها في الأنظومة الثقافيّة الكونيّة على وجه العموم، وفي الأنظومة الثقافيّة العربيّة في سياق تجلّياتها اللبنانيّة على وجه الخصوص. وأمّا القسم الثالث والأخير، فيعالج حصرًا مشكلة تعليم الفلسفة وتعلّمها في الجامعة اللبنانيّة، وهي معالجة تروم أن تتحرّى جميع جوانب الإعضال الذي ينتاب هذا التعليم. ولا يخفى على أحد أنّ مثل هذا البحث، المستند إلى المعاينة الفرديّة والتحليل النقديّ الذاتيّ والتلمّس الحدسيّ، قد يفتقر إلى السند العلميّ الموضوعيّ القاهر ما لم تعضده المقاربات السوسيولوجيّة الميدانيّة. بيد أن الإتيان بمثل هذه الأبحاث الفرديّة لن يمنع علماء الاجتماع من تناول هذه المسألة، لا بل قد يُعينهم على التشمير لمؤازرة هذه الجهود حين تستقيم شروط البحث العلميّ المتكامل الاختصاصات والمتنوّع الأبعاد.
مقام الفلسفة في المجتمعات العربيّة
ثمّة سبيلان إلى النظر في هويّة الفلسفة ومقامها في المجتمع اللبنانيّ وسائر المجتمعات العربيّة: سبيل المقاربة النظريّة وسبيل المقاربة الواقعيّة. السبيل الأوّل يكشف في الفلسفة همّ المساءلة والنقد والتحقّق والبناء المترابط. ومن مقتضيات الهمّ الفلسفيّ النظريّ الانعتاق من سلطان المعارف المتواترة والبنى الحاكمة والأنظمة السائدة. أمّا السبيل الثاني فيكشف في الفلسفة همّ الانخراط في إشكاليّة الوجود التاريخيّ العربي. ومن مُستلزمات هم الانخراط التاريخيّ إدراكُ طبيعة الاختبار الإنسانيّ الذي تضطلع به المجتمعاتُ البشريّة الكادحة في مختلف أوطان العالم العربيّ. ولا شكّ في أنّ هذين السبيلين يفضيان بتكاملهما إلى صوغ الفلسفة العربيّة المنشودة. بيد أنّ الفلسفة تكابد في المجتمعات العربيّة ألوانًا شتّى من العذاب الفكريّ. ويرشقها الكثيرون بتهمة العقم في الأثر والإرباك في الحياة. وقد يطول المقام إنْ شاء المرء أن يتقىصّ الأسباب القصيّة التي تبرّر بعضًا من التأزّم الفلسفيّ في العالم العربيّ، ومنها الأسباب الاجتماعيّة (بنية العلاقات الفوقيّة، النمطيّة المسلكيّة التقليديّة)، والثقافيّة (تمجيد الهويّة الذاتيّة وازدراء الغيريّة والغربة المقلقة، استرهاب النقد الذاتيّ واستقباح المسّ بمسلمّات
العمارة الفكريّة الذاتيّة، انعطاب الوصال النقديّ بالتراث الفلسفيّ العربيّ القديم والحديث، تحجّر القوالب اللغويّة وتجمّد المعاني والتعابير، العجز عن ابتكار الإشكاليّة الفكريّة المناسبة لطبيعة الوضعيّة التاريخيّة العربيّة)، والاقتصاديّة (تسلّط الهمّ الع شيّ على الهمّ الفكريّ، الانبهار بالفاعليّة التقنيّة والتشكيك في أثر الفكر التاريخيّ)، والسياسيّة (تسلّط مظالم الاستعمار والصهيونيّة على الوعي العربيّ، انفطار الذات العربيّة الفرديّة والجماعيّة على التبعيّة، خضوع السياسيّات للاّهوتيّات)، والدينيّة (التسليم المطلق بسلطة النصّ الدينيّ المنعتق من قرائن الانتماء التاريخيّ، إيثار الوثوقيّة العباديّة على المساءلة اللاهوتيّة، ارتهان اللاهوتيّات للسياسيّات.) فإذا كانت الفلسفة تخضع في أوطان العالم العربيّ لهذا القدر من الإكراه، أدرك المرءُ أنّ النهوض بالفلسفة أمر عسيرٌ يقتضي مقدارًا عظيامً من جرأة الثورة. والحال أنّ الثورات العربيّة الحديثة، إمّا اكتنفها الغموض الثقافيّ (التباسات النهضة العربيّة الحديثة)، وإمّا أفسدتها المطامح السياسيّة (إبهامات يقظة القوميّات العربيّة)، وإمّا قيّدتها التواءات المبايعة الفكريّة (معاثر المقاربات الماركسيّة للواقع العربيّ)، وإمّا أنهكتها ادّعاءات الاستئثار الدينيّ القاهرة (مصادرات الأصوليّة الدينيّة للوعي العربيّ المعاصر). وقد يحار المرءُ في تعيين هويّة هذه الثورات، حتّى إنّ بعض المتفائلين لا يتورّعون عن افتراض المسعى الفلسفيّ في أصل هذه الانتفاضات العربيّة المتزامنة أو المتعاقبة. وحين يستذكر المرءُ أنّ اليمين العربيّ الثقافيّوالاجتماعيّ والسياسيّ والدينيّ لم يُثمر على الإطلاق ثمار الثورة الفكريّة المنعشة المغنية، يدرك أنّ الفلسفة العربيّة إمّا أن تتجىلّ في جرأة التغيير المجدِّد، وإمّا أن تكبو في غفوة التكرار الخاضع والتبرير الصائن لمعتمدات الممارسة التاريخيّة الظالمة. بيد أنّ الموضوعيّة الفكريّة تستلزم الإقرار بأنّ الفلسفة العربيّة ما نهضت لها ثورةٌ ذاتيّةٌ محضٌ. فالفلسفة في العالم العربيّ الحديث والمعاصر، ما اختبرت إلى الآن ثورتها المنبثقة من صميم مقتضيات الوجود العربيّ الاجتماعي الثقافيّ. وليس أقدر على التيقّن من هذا التخدّر الفلسفيّ من استدعاء اللاهوتيّات والسياسيّات في إدراك الواقع العربيّ الفكريّ، وهما الحقلان اللذان يمنعان الإنسان العربيّ من بلوغ مواقع الاستفسار الفلسفيّ العربي الأرحب والأنسب والأغنى. فاللاهوتيّات العربيّة هي العمق الثقافيّالذي فيه تنغرس أنظوماتُ التفكّر الدينيّ العربيّ المعاصر، الإسلاميّة منها والمسيحيّة. وأمّا السياسيّات العربيّة، فهي الخلفيّة الفكريّة التي تنشط في أرجائها عماراتُ النظريّات السياسيّة العربيّة المؤاتية أو المجافية للأنظمة السياسيّة العربيّة السائدة. وفي حين تؤثر اللاهوتيّات العربيّة الانسلاكَِ في مقولات اليقين الإيمانيّ الوثوقيّة، تستفرد السياسيّات العربيّة بجميع ضروب الاختبار الاجتماعيّ العربيّ، فتستغرقها وتصادرها وتهيمن عليها بإكراهها على اعتناق مقولات الولاء والمبايعة والائتمار. ومن ثمّ، فإنّ اللاهوتيّات العربيّة والسياسيّات العربيّة تتواطأ على استكراه الفلسفة واستقباحها ومجانبتها واضطهادها. ذلك أنّ الفلسفة ترفض تخدّرات الوثوق الدينيّ، وتناهض إماتات المبايعة القاهرة. ولا عجب، من ثمّ، أن تتحالف اللاهوتيّات والسياسيّات على إحراج الفلسفة وإخراجها من دائرة الاهتمام الوجوديّ العربيّ المعاصر. فالفلسفة، بما تنطوي عليه من إرباك الاستفسار الخلاصيّ، تخالف يقينيّات التسليم الدينيّ ومسلمّات المبايعة السياسيّة. وطالما استمرّت المجتمعات العربيّة تخضع لهيمنة اللاهوتيّات والسياسيّات في ممارساتها القمعيّة، استحال على الإنسان العربيّ أن يفوز بتصوّر فلسفيّ نقديّ إصلاحيّ واعد.
وحين أتحدّث عن يقينيّات التسليم الدينيّ، أميّز تمييزًا صارمًا اختبار الإنسان العربيّ الروحيّ الإيمانيّ من خضوع العقل العربيّ لسلطان الأنظومة الدينيّة والنصّ الدينيّ والتقليد الدينيّ والمؤسّسة الدينيّة. وممّا لا شكّ فيه أن الإسلام العربيّ والمسيحيّة العربيّة يتشاركان بنسب مختلفة في محنة العقل العربيّ. ولذلك ينبغي أن تنهض، في الأوطان العربيّة، فلسفةٌ عربيّةٌ في الدين تحرّر الاختبار الإيمانيّ العربيّ في حقليه الإسلاميّ والمسيحيّ من تجارب التخدّر الديني. ذلك أنّ الإسلام والمسيحيّة ينطويان، كلاهما معًا، على مكتنزات روحيّة جليلة الشأن تعزّز في الإنسان طاقات الاختبار الإيمانيّ الصافي التي تضع الوجود الإنسانيّ في وصال الحبّ الإلهيّ. فيجب، من ثمّ، أن تقوم فلسفةٌ عربيّةٌ في الدين تحرّر الاختبار الإيمانيّ في تذوّق الحبّ الإلهيّ من قيود التفسير الدينيّ المؤاتي لمنافع السلطتين الدينيّة والسياسيّة. وبذلك يتهيّأ للاّهوتيّات العربيّة أن تستقيم باستقامة الاختبار الإيمانيّ الروحي الإسلاميّ والمسيحيّ. ولا شكّ في أنّ البحث الفلسفيّ في قابليّة الإيمان لتجاوز تعثّرات المؤسّسة الدينيّة هو من أشدّ الأبحاث ضرورةً في مسرى الإصلاح الدينيّ العربي.ّ وحين أتحدّث عن مسلمّات المبايعة السياسيّة، أفصل فصلا قاطعًا بين مقتضيات التجيلّ الاجتماعيّ السياسيّ لفطرة الحريّة الإنسانيّة الكيانيّة ومساومات السلطة السياسيّة في صون منافع النظام الحاكم. فالإنسان العربي ما ألف قطِّ التوق إلى الحريّة السياسيّة الذاتيّة إلاّ في نطاق الانتماء الدينيّ والاجتماعيّ والثقافيّ. فأتت الأنظمة السياسيّة العربيّة تمجّد فضائل الانتماء وتقلّل من شأن الحريّة حتّى تهيّأ للإنسان العربيّ أنّ حريّته لا قوام لها ولا معنى إلاّ في خضوعها لمقتضيات الانتماء. فغدت الجماعةُ هي جوهرَ المعنى في الوجود السياسيّ. فانصرف الكثير من الناس إلى تطلّب الحريّة الوجدانيّة الباطنة، واكتفَوا بمقدار زهيد من الحريّة السياسيّة. فإذا بالعقل العربيّ يأنس إلى المبايعة ويحذر المساءلة والنقد والتفرّد والابتكار. ولم ا كان الأمر على هذه الحال، اقتضى للعقلّ العربيّ أن يأتي بفلسفةٍ في السياسة تعيد ربط الكيان الإنسانيّ العربيّ بمقولة الحريّة. وفي دائرة الاختبار العربيّ الأرحب، ينبغي لفلسفة السياسة أن تنقض مسلمّات الأنظمة السياسيّة الحاكمة التي تخالف، في تصوّراتها وفي مسالكها، انعقاد الفطرة الإنسانيّة على أصل الحريّة.
ويقيني الثابت، في ختام هذه الإشارات، أنّ الفلسفة المقبلة إلينا في العالم العربيّ لن يستقيم لها حال ما لم تقترن باللاهوتيّات والسياسيّات. ومعنى ذلك أنّ الفلسفة العربيّة المعاصرة إمّا أن تكون فلسفةً دينيّةً وفلسفةً سياسيّة،ً وإمّا أن تسقط في متاهات التجريد الترفيّ. وما من أحد يمنع الفلاسفة العرب، إنْ وُجدوا، من أن ينهضوا بعمارة فلسفيّة عربيّة غير دينيّة وغير فلسفيّة. ولكنّ الظنّ الأغلب أنّ هذه الفلسفة سيعسر عليها أن تقيم البرهان على صوابيّتها النظريّة وملاءمتها التاريخيّة. ورأس الكلام أنّ الفلسفة، إذ يحاصرها الدين والسياسة في الأوطان العربيّة، ينبغي لها أن تتفلّت من هذا الحصار من دون أن تكرّر خطيئة الدين والسياسة، فتحاصرهما على غير هدى. فما السبيل التاريخيّ الأقوم لركوب هذا المركب الفكريّ النبيل، وأهل العرب خاضعون لمشيئة القدر، مس ون بداعي المنفعة الضيّقة ومفعول الدهر الكابح؟ قد يكون النظر في ارتباط الفلسفة بواقع العلوم الإنسانيّة والوضعيّة من السبُل التي تُتيح للإنسان العربيّ المستنير أن يفوز بتصوّر واقعيّ فاعل لتحرير المجتمعات العربيّة من أزمة التخلّف الفكريّ. فالواقع العربيّ، حين تتناوله هذه العلوم، إنمّا تنجلي مغاليقه وتتفتّح قابليّاته للاستنارة والتحرّر والارتقاء.
العلاقة الإبستمولوجيّة بين الفلسفة وسائر العلوم الوضعيّة والإنسانيّة
من مصاعب تعليم الفلسفة في لبنان وفي المجتمعات العربيّة التباس العلاقة التي تربطها بالعلوم الوضعيّة والعلوم الإنسانيّة. والمعلوم أنّ العلوم، منذ زمن الإغريق، لا تستقيم إلا إذا استندت إلى أفق معرفيّيطلب الحقيقة في سياق من التصوّر الفكريّ الشامل للوجود وللكون وللإنسان وللتاريخ. ولذلك قيل إنّ العلم في الزمن المعاصر وفي الزمن القديم «هو في جوهره نظرٌ (ثيوريا)، أي بحثٌ عن الحقيقة. ومن ثمّ، فإنّ له حياةً خاصّةً وتاريخًا ملازمًا لطبيعته». ومعنى هذا القول أنّ التصوّر الفلسفيّ للحقيقة هو الذي يحدّد مسرى البحث العلميّ عن الحقائق. ولذلك لا تستطيع العلوم الوضعيّة أن تنشط إلاّ إذا استندت إلى تصوّر فلسفيّ يرسم لها أفق المعنى الأقصى للحقيقة. غير أنّ نشوء التصوّر الفلسفيّ دونه مصاعبُ جمّة. فالفلسفة ليس فيها مضمونٌ من الحقائق الثابتة المنفصلة عن النظر في الواقع. والواقع صنفان، واقع الموجودات وواقع الاختبار الإنسانيّ للموجودات. والمعلوم أنّ الموجودات لا يجوز أن ينظر فيها الإنسانُ نظرًا فلسفيًّا إلاّ من بعد أن يتحرّى عن طبيعتها الماديّة الموضوعيّة المحضة. ومن ثمّ، فإنّ مثل هذا التحرّي يقتضي الوثوق بالمعارف التي تكتسبها العلوم عن هذه الموجودات. وثمّة صعوبةٌ أخرى تنشأ من انعدام الحياد الموضوعيّ في العلوم. ذلك أنّ المعرفة العلميّة تستند في كلّ زمن من الأزمنة إلى جملة من الفرضيّات القبْليّة التي تتكوّن من تراكم المعارف السابقة وتنارصُ إمكانات التحرّي التقني الراهنة. فلكلّ زمن تاريخيّ مقدّماته وفرضيّاته ونماذجه ومبادئه وأوائله وأصوله. وهذه كلّها تنزل منزلةَ التوسّط بين المسرى الفكريّ الفلسفيّ والمسرى العلميّ الموضوعيّ. وفي هذا الموضع بعينه يجوز الحديث عن تواطؤ قاهر بين الفلسفة والعلوم. ويتجىلّ هذا التواطؤ في نشوء المنهج العلميّ الذي يحكم المعرفة في زمن من الأزمنة ومجتمع من المجتمعات وثقافة من الثقافات: «النسق العلميّ السائد في مرحلة ما هو جملة المبادئ والمفاهيم
والمقولات المتّسقة التي تشكّل الإطار العام لاحتواء ظواهر الطبيعة وتفسيرها تفسيرًا عقليًّا مقبولا. وعندما يعجز هذا النسق عن احتواء ظواهر جديدة، أي لا يفرسّ ها، يصبح هذا النسق شائخًا أو بعضٌ من جوانبه شائخة. ويكون العلم في أزمة تفرض نفسها على العقل لإبداع حلّ لها، وهو ما يعني وجوب البحث عن نسق جديد يحتوي الظواهر الجديدة أو تعديل هذا النسق. (...) هذا الذي يحدث في العلم يحدث شبيهُه في إبداع الفلسفة، أي يتغريّ النسقُ الفلسفيّ القديم أو يجب تعديله. والعرب، وقد تزايدت مشاكلهم الحياتيّة ولم يُسهموا في عمليّة التراكم المتجدّدة، أي لم يقدّموا فلسفة حديثة أو معاصرة، فلم يقدّموا نسقًا جديدًا لاحتواء مشاكلهم». ذلك هو النسق الذي ينبثق من التصوّر الفلسفيّ الأشمل للوجود. وبما أنّ هذا التصوّر الفلسفي الأشمل يستند إلى خلاصات العلوم الوضعيّة في استنطاق الموجودات عن حقائقها، فإنّ الربط الإبستمولوجي الفطن بين الفلسفة والعلوم هو الذي يُتيح للفلسفة أن تُسهم إسهامًا فاعلا في صياغة المعنى الإنسانيّ الأرحب وتكوين الشخصيّة الإنسانيّة الأسلم وتدبير المدينة الإنسانيّة الفاضلة. وغنيٌّ عن البيان أنّ الإبستمولوجيا تدلّ في هذا السياق على عمليّة التحرّي عن النظام المعرفيّالأعمق الذي به ينتظم مجموعُ العلوم الوضعيّة والإنسانيّة. فالمقاربة الإبستمولوجيّة تروم أن تترصّد طبيعة المنطق المعرفيّالناظم للعقل العربيّ وأن تتبنيّ قيمة هذا المنطق في قابليّته لضمان قيمة المعارف العربيّة وتبرير ملاءمتها للحال الإنسانيّة المطلوبة في المجتمعات العربيّة. وممّا لا شكّ فيه أنّ استقامة الربط الإبستمولوجيّ بين الفلسفة والعلوم الوضعيّة تمكّن الفلسفة من الاتّصال المثمر بالعلوم الإنسانيّة. ذلك أنّ العلوم الإنسانيّة، في مختلف ميادينها، حين تتحرّى عن حقائق الإنسان في تنوّع أبعادها النفسيّة والاجتماعيّة، إنمّا تزوّد الفلسفة المادّةَ الأساسيّة لتفك رها النظريّ التأصيليّ. فإذا كانت مكتسبات العلوم الوضعيّة تضمن للفلسفة الانتظامَ في سياق النسق العلميّ الذي تفرضه ضروراتُ الإدراك العلمي الموضوعيّ لحقيقة الموجودات، فإنّ مكتسبات العلوم الإنسانيّة تهيّئ للفلسفة بلوغ حقل من المعاينات التاريخيّة التي تصف واقع الإنسان حين يتفاعل هو والزمن والموجودات والآخرين تفاعلا وجوديًّا واعيًا عاقلا. ويعلم الجميع أنّ الفلسفة، إذا انقطعت عن المعاينات الناشطة في العلوم الإنسانيّة، فقدت صلتها بالواقع الإنسانيّ وانقلبت تنظيرًا مجرّدًا سليبَ الفحوى عديمَ الفائدة. ذلك أهنّا لا تستطيع أن تعنيّ هويّة الإنسان وأن تستخرج معنى الوجود وأن تضبط أصول المعيّة الإنسانيّة إنْ هي أهملت خلاصات علوم النفس والاجتماع واللغة والتاريخ والاقتصاد والسياسة. ومع أنّ هذه العلوم تقتطع في الوجود الإنسانيّ أقسامًا شتّى من الاختبارات تنظر فيها نظرًا مستندًا إلى طبيعة المسؤوليّة البحثيّة المنوطة بها، فإنّ الفلسفة، إذا أرادت أن تصون لنفسها حقلا خاصًّا من المسؤوليّة الفكريّة، لا يجوز لها لا أن تنوب مناب هذه العلوم منفردةً أو مجتمعةً، ولا أن تفرض على هذه العلوم مقدّماتها النظريّة القبْليّة، ولا أن تدّعي الاستعلاء على هذه العلوم أو العصمة المعرفيّة أو الموعظة الفكريّة الوجوديّة. جلّ عنايتها أن ترعى ائتلاف العلوم الإنسانيّة في عزمها على فهم الواقع الإنساني في مختلف أبعاده وتجلّياته ومتطلّباته. ومعنى هذه الرعاية أن تصون وحدة المسعى في هذه الأبحاث، وأن توفّق بين خلاصاتها، وأن ترتفع بهذه الخلاصات إلى مقام التصوّر الأشمل الذي منه ينبثق المعنى الأقصى للوجود الإنسانيّ برمّته. وإذا ما أراد المرء أن يسوق مثالا على خصوصيّة التفكّر الفلسفيّ المستند إلى النسق المعرفيّالذي تفرضه مكتسبات العلوم الوضعيّة وإلى الفتوحات المعرفيّة الوجوديّة التي تفوز بها العلومُ الإنسانيّة، كان لا بدّ له من أن يتبرصّ في
نسبيّة الأشياء والكلمات في كلّ ما يكتنف الوجود والعالم والكون من توتّرات وتنازعات وجدليّات. وفي ظنّي أنّ الوجود لا طاقة بالإنسان على الإطباق عليه. فالوجود في ذاته أمرٌ، ووعي الوجود في التاريخ أمرٌ آخر. ولا سبيل للإنسان إلى الانعتاق من الوعي التاريخيّ. ومن ضرورات الربط الإبستمولوجيّ المعاصر بين الفلسفة والعلوم أن يميّز الفيلسوف أمورًا ثلاثة: الأشياء في جوهر كينونتها، والاختبارات الإنسانيّة المتنوّعة لتجيلّ الأشياء في معترك الحياة، والكلمات التي يستخدمها الناس لوصف هذه الاختبارات. واليقين في هذا كلّه أنّ هناك فاصلا عظيامً بين هذه الدوائر الثلاث؛ فالأشياء هي غير الاختبارات، والأشياء والاختبارات هي غير الكلمات. والحال أنّ الناس يظنّون بخطاباتهم أهنّم يقبضون على الأشياء من خلال اختباراتهم لها. وفي هذا عين الضلال. لذلك، لا بدّ للفلسفة من أن تحثّ الناس على أن يعتصموا بنسبيّة اختباراتهم للأشياء وبنسبيّة كلماتهم في وصف هذه الاختبارات، وأن يكفّوا خصوصًا عن الادّعاء الثقيل أنّ كلماتهم واختباراتهم هي الصورة الأمينة المثلى للأشياء. وحده هذا التمييز يدفع بالناس، مهما تنوّعت أديانهم ومذاهبهم، إلى التقابل والتعارف والتصافي والتعاون والتقابس. وهذه هي الأفعال الإنسانيّة الخمسة الراقية التي تليق بحضارة البشريّة في مطالع الألف الثالث. وعماد هذه الفلسفة أنّ الوجود في صلب كينونته متنوّعُ الظهور، وأنّ الحقيقة في صميم حركتها التاريخيّة متشعّبةُ التجلّيات، وأنّ الانتماء الإنسانيّ في عمق معناه علائقيٌّ يستضيف الغيريّة استضافة التبادل الحر.ّ وفي زمن التقابل العسير بين الأنظومات الثقافيّة المختلفة، لا بدّ للفلسفة من قول خلاصيّ تستخرجه من مكتسبات العلوم الوضعيّة وخلاصات العلوم الإنسانيّة. وبمقتضى هذا القول الفلسفيّ، يستطيع الناس أن يحيوا في أمانة صريحة لتصوّراتهم وفي انفتاح صادق على تصوّرات الآخرين. فالقول بالنسبيّة الفلسفيّة لا يعني الإعراض عن الإيمان الذاتيّ والاعتقاد الذاتيّ والانتماء الذاتيّ، بل يعني الاعتراف بانتساب كلّ انتماء ثقافيّ أو دينيّ أو اجتماعيّ إلى ميدان الوجود المتنوّع الظهور وتجلّيات الحقيقة المتشعّبة المسالك. وبالاستناد إلى هذا الأساس الفلسفيّ، يمكن الفلسفة أن تسهم إسهامًا عظيامً في إنجاح التلاقي الكونيّ بين الأديان. وممّا يحمله هذا الإسهام ضرورةُ التمييز بين ثلاث دوائر في الانتماء الدينيّ على تنوّع تسمياته. هناك دائرةٌ أولى مشتركة بين جميع الناس، ألا وهي دائرة الاعتراف بحقوق الإنسان التي نجحت الشرعة العالميّة في استخراج خلاصتها الجوهريّة في إثر قرون من المعاناة الإنسانيّة. وما من سبيل إلى تسالم الحضارات والمجتمعات إلاّ بالتوافق على أحقيّة هذه الشرعة. وهناك دائرةٌ ثانية مشتركةٌ بين أهل الأديان، ألا وهي دائرة الولاء للقيَم الروحيّة الخاصّة بالاختبار الدينيّ، ومنها على سبيل المثال، قيَم المحبّة والرحمة والغفران والتضحية والإخلاء الذاتيّ، وهي قيَمٌ لا تملك شرعةُ حقوق الإنسان العالميّة أن تنادي بها. ولكنّها قيَمٌ لا تناقض الشرعة العالميّة، بل ترتقي بالإنسانيّة إلى مستوى الروحيّة الأخلاقيّة الرفيعة. وهناك أخيرًا دائرةٌ ثالثةٌ تختصّ بها كلُّ ديانة على حدة، عنيتُ بها دائرة التذوّقات اللاهوتيّة الماورائيّة الغيبيّة الصوفيّة التي تنفرد بها كلُّ أنظومة دينيّة وتعتبرها في أساس العمارة الدينيّة. ودعوة الفلسفة للأديان أن تعتصم بهذه التذوّقات اللاهوتيّة من غير أن تُنزلها منزلة المطلق المهيمن على آفاق الوعي الإنسانيّ، ومن غير أن تفرضها على الآخرين، ومن غير أن تعزلها عن سياقات
نشوئها الثقافيّوالتاريخيّ. فإذا اعتمدت الحضارات على وجه العموم، والأديان على وجه الخصوص، مثل هذا التمييز، تهيّأ للناس أن يهنأوا بحياتهم مرّتين، مرّةً حين يسُرّون باختبارهم الإيمانيّ المنعش لكيانهم، ومرّةً حين يفرحون بإقبالهم إلى الآخرين يستكشفونهم عن مكتنزات اختبارهم الإيمانيّ المختلف. والشرط الوحيد في هذا كلّه إقرارُ الجميع بأحقيّة الشرعة العالميّة لحقوق الإنسان، مع ما تستتليه من تأويلات تاريخيّة مصاحبة لتطوّر الوعي الإنسانيّ في سياق التعدّديّة الكونيّة المتفوّرة. وحدها الفلسفة مؤهّلةٌ لصوغ مثل هذه المساهمة الفذّة. فلا العلوم الوضعيّة ولا سائر العلوم الإنسانيّة تستطيع أو يجوز لها أن تنهض بمثل هذه المسؤوليّة. ولذلك كان للفلسفة أن تحتفظ بمقام فريد لا ينازعها عليه علم من العلوم الأخرى. هذا القول الفلسفيّ الخلاصيّ لا يمكن صياغته إلا بالاستناد إلى ما أفرجت عنه العلوم الإنسانيّة من اعتراف صريح بتنوّع الإقبالات المعرفيّة إلى الوجود. غير أنّ الاكتفاء بما أفضت إليه هذه العلوم لا يُتيح للإنسان أن يفوز بمثل هذه الخلاصة الشاملة الرفيعة. ولذلك كان لا بدّ من صون النظر الفلسفيّ الرحب حتّى لا تسقط المعارف الإنسانيّة في تجربة الانحصار والاقتطاع والاجتزاء. وإذا ما أراد المرء أن يستنطق خصوصيّة الفلسفة العربيّة الإبستمولوجيّة، وجب عليه أن يحلّل طبيعة التفك ر الفلسفيّ العربيّ منذ نشأته حتّى اليوم، وأن يربط هذا التفك ر بما نشأت عليه أحوال العرب في الأزمنة الغابرة وبما آلت إليه هذه الأحوال في الزمن الحاضر. ومع أنّ المقام هنا ليس مقام التوسّع في هذا التحليل، فإنّ بعض الإشارات قد تكون مفيدةً لإدراك حقيقة النسق الإبستمولوجيّ الذي يحكم عمليّة التفكّر الفلسفيّ العربي.ّ ومن هذه المقاربات التبريريّة أنّ الفكر العربيّ نشأ على مقولة التوفيق. ولذلك كان في أصله فكرًا توفيقيًّا. والمعلوم أنّ انفطار الفكر العربيّ على مقولة التوفيق ناجمٌ من اختبار الإنسان العربيّ في الصحراء للتنازع بين الشعور بالعزلة والرغبة في الغزو. فالاختباران المتعارضان ولّدا في النفسيّة العربيّة الرغبة في التصالح الذاتي.ّ وفي هذا التحليل سعيٌ إلى بناء نمط التفكّر العربيّ على طبيعة الاختبار الأنتروبولوجي. ثمّة سبيل آخر يبرّر الخصوصيّة الإبستمولوجيّة بالاستناد إلى اصطباغ الاختبار العربيّ بهيمنة الرؤية اللاهوتيّة لله وللإنسان وللكون وللتاريخ: «إنّ نظام المعرفة العربيّ العميق الذي تحكّم في إنتاج رؤيتنا للعالم والأشياء ظلّ خاضعًا لمحدّدات يمكن تبنيّ ملامحها جيّدًا في سيادة المرجعيّة والتعالي النصيّ للحقيقة ». لا شكّ في أنّ هذا التبرير ينطوي على الكثير من الإصابة، لكنّه يُعوزه التحرّي عن أسباب هذه الهيمنة المتعالية. فإذا كان الفكر العربيّ فكرًا مفطورًا على الغيبيّات، فإنّ لمثل هذا الانفطار أسبابه البيئيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة. والعوز التبريريّ عينه يصيب التفسير الذي يصنّف أنماط التفكّر العربيّ فيحصرها في مواضع ثلاثة. وبحسب هذا التفسير، يقوم في العقل العربيّ ثلاثة أنظمة من المعرفة، ألا وهي النظام المعرفيّالبيانيّ، والنظام المعرفيّ العرفانيّ، والنظام المعرفي البرهانيّ. وهي أنظمةٌ معرفيّةٌ متعارضة تصارعت على تعاقب العصور وانتهى بها الصراع إلى انتصار العرفان، أي إلى تغليب الحدسيّة والغيبيّة الماورائيّة والوثوقيّة اللاهوتيّة.
وفي جميع الأحوال، يبدو أنّ مشكلة التفكّر العربيّ متّصلةٌ بطبيعة الاختبار الأنتروبولوجيّ العربيّ الأرحب. وفي هذا الاختبار ضمّةٌ من الاعتبارات التي تفرض على المفكّر أن يربط نظام المعارف الإنسانيّة بخلفيّة تاريخيّة أفضت إلى اعتماد نمط خاصّ من التعبير اللغويّ ومن النسق التفكّريّ: «المشكلة الحقيقيّة للتفكير النظريّ في الثقافة العربيّة هي أنّ هذا التفكير النظريّ أو الفلسفيّ لم يمتلك القدرة أو الجرأة أو الإمكان على أن يواجه الوجود انطلاقًا من خصوصيّته الحضاريّة وحدها، وعلى أن يقوم من ثمّ بتطوير هذه المواجهة وينفتح بها على الآخرين محقّقًا حضورًا ذا هويّة أصيلة». فالمشكلة الأساسيّة تكمن في كيفيّات الإقبال الفكريّ العربيّ إلى الواقع الإنسانيّ في المجتمعات العربيّة. ومن الواضح أنّ الفلسفة هي العلم الوحيد القادر على النظر الناقد في واقع النظام المعرفيّالعربيّ، وفي واقع الإنسان العربيّ، وفي طبيعة المقاربات التي بها تتناول العلوم الإنسانيّة الواقع الأوّل والواقع الثاني وارتباطهما المتعثّر. لذلك، ينبغي التذكير بأنّ التحرّي الفكريّ عن الخلفيّة الإبستمولوجيّة الناظمة للتفك ر العربيّ لا يستقيم إلاّ إذا رعته الفلسفة رعايةً شاملةً. ذلك أنّ الفلسفة بحثٌ دائمٌ عن المعنى الأشمل للوجود الكونيّ والإنسانيّ بحسب مقتضيات التفكّر العقليّ المستقلّ وفي استنهاض شامل لطاقات الوعي الإنسانيّ كلّها. والفلسفة تحمل إلى الإنسان السؤال الأصعب الذي يصيب عمق الكيان الإنسانيّ ويستتلي من تلقاء نفسه التجدّد والانسلاك في السياق التاريخيّ المتغريّ. فالفلسفة تدنو من الحياة لتستنطقها عن رسائلها التي تستكتبها الناسَ في كلّ زمن من الأزمنة. ولا تني الفلسفة تعارك الحياة وتعاركها الحياة. ولذلك كان من ألزم شروط الفلسفة التبرصّ في نداءات الوجود المنبثقة من صلب المعاناة الإنسانيّة الفرديّة والجماعيّة. ولذلك أيضًا كانت الفلسفة، على وجه المفارقة، أرقى العلوم وأعسر الصناعات اليوميّة التي يندر أن يمتهنها الإنسان في زمن العولمة. ومن مغريات الفلسفة المربكة أهنّا العلم الوحيد الذي يحرّر الإنسان تحرير التحلّل والبناء. فالفلسفة تَستحلّ الإنسانَ فتُعتقه من الموروثات المجافية للواقع المستجدّ. والفلسفة تبني الإنسان فتُنشئ له بنيانًا كيانيًّا جديدًا يراعي مقتضيات الانسلاك في معترك الحياة. وحين يتبرصّ المرء في واقع الفلسفة في نطاق الاختبار الاجتماعيّ العربيّ على وجه العموم، وفي سياق التعليم الجامعيّ اللبنانيّ على وجه الخصوص، فإنّ الأمانة الموضوعيّة تقتضي أن حيُ مَل السؤال على وجهين. الوجه الأوّل يقتضي النظر في واقع الوظيفة التي تضطلع بها الفلسفة في العالم العربيّ. أمّا الوجه الثاني، فيتطلّب النظر في طبيعة الوظيفة التي ينبغي للفلسفة أن تضطلع بها في العالم العربي. غير أنّ الحديث عن علاقة الفلسفة بالعالم العربي لا يستقيم إلاّ بمعاينة واقع العالم العربيّ. فالعالم العربيّ متأخّرٌ متوعّكٌ تقنيًّا، متأملّ مكبوتٌ وجوديًّا، متعثّرٌ متشنّجٌ عقليًّا، مضطربٌ محمومٌ دينيًّا، متذبذبٌ ملتبسٌ روحيًّا. هذه هي السمات السلبيّة التي يعاينها المرء مرتسمةً على محيّا هذا العالم الذي حتُزن النفسَ إطلالتُه على آفاق القرن الحادي والعشرين. والحقيقة أنّ الوضعيّة الثقافيّة التي تتخبّط فيها مجتمعات العالم العربيّ ما انفكّت أسيرة الأنظومة الفكريّة التي كانت سائدة في القرون الوسطى. وهي أنظومةٌ بَطلت ملاءمتُها المعرفيّة لأوضاع الاختبارات الإنسانيّة الناشطة في الزمن الحاضر، لأنّ أصولها ومنطقها ومبادئها ومفاهيمها ومقولاتها ومناهجها شاخت وكفّت عن أن تعرب عن المستجدّات الطارئة على الوعي الإنسانيّ. وفي يقيني أنّ باب الاجتهاد العقليّ قد أ غلق حين آثر العرب مناصرة الغزالي والتخيلّ عن ابن رشد. بيد أنّ الأزمة العقليّة الخط رة التي تعصف بالعالم العربيّ تستوجب الاستفسار
عن حقيقة هذه المستجدّات. فإذا أكره أهلُ السلطان الدينيّ والسياسيّ والمعرفي المجتمعاتِ العربيّة على القول إنّ اختبارات الإنسان العربيّ لا تتبدّل بتبدّل الأهواء والتيّارات، كانت الأنظومة الفكريّة الوسيطيّة الشائخة هي الأنسب للوعي العربيّ. وهنا يواجه الفكر العربيّ السؤال الفلسفيّ الأخطر: هل تغريَّ الإنسانُ العربيّ تغريًّا كيانيًّا وجوديًّا يبرّر تغيير الأنظومة الفكريّة؟ والمعلوم أنّ تعيين واقع الإنسان العربيّ يخضع للمقولات التي يستخدمها الفكر العربيّ في وصفه للكينونة الإنسانيّة العربيّة التاريخيّة الراهنة. ولكنّ المقولات منتظمةٌ في سياق الأنظومة المعرفيّة الأرحب. فإذا اجترأ المرءُ على افتراض شيء من التطوّر في فهم هذه الكينونة، كان لزامًا عليه أن ينعتق من هيمنة هذه المقولات. غير أنّ الانعتاق من هذه السطوة يجرّ على المفكّر المنعتق ضربيَن من المخاطر. الضرب الأوّل يصيبه حين يتصدّى لمسلمّات الأنظومة الفكريّة العربيّة السائدة، وهي أنظومة وسيطيّة غيبيّة دينيّة متسلّطة. والضرب الثاني يعانيه حين يدرك أنّ الكلمات الجديدة التي يستخدمها لا تستطيع مخاطبة العقول العربيّة الخاضعة لقابليّات من الإدراك فرضتها عليها هذه الأنظومة. فإذا به يخاطب نفسه مخاطبةً يائسة.ً وبالرغم من هذا الإحباط الفلسفيّ العربيّ، ينبغي للفيلسوف العربيّ أن يثق بقدرة الفكر على تغيير النفوس والبنى تغييرًا خفرًا حاملا لوعود الإصلاح. ولا يتأتّى له مثلُ هذا التغيير إلاّ إذا استعاد لنفسه الوظيفة النقديّة الشاملة التي تنعقد عليها الفلسفة وتنفرد بها من دون سائر العلوم. ومن ثمّ، ينبغي للنشاط الفلسفيّ في المجتمعات العربيّة، ولاسيمّا في متطلّباته التعليميّة، أن يتناول طبيعة هذه الوظيفة التغييريّة التي ينبغي أن تضطلع بها الفلسفة في العالم العربيّ. والحقيقة أنّ واقع الفلسفة في العالم العربيّ لا يشجّع على التفاؤل. ولكنّ الفلسفة تَفكّرٌ لا يملك الواقعُ أن يقبض عليه. ولذلك لا بدّ من النظر إلى الرجاء الفلسفيّ الذي يعقده الفلاسفة العرب، وهم ندرةٌ نادرةٌ، على تحوّل الذات العربيّة وانسلاكها في مسرى التحرّر. فإذا كان للفلسفة اليوم من رسالة استنهاض تلائم واقع العالم العربيّ، فهي رسالة تحرير الذات العربيّة من ذاتها. وهذه، لعمري، من أعسر المهامّت المعرفيّة والوجوديّة. فالفلسفة تنفرد وحدها من بين جميع العلوم في القدرة على تفكيك التراكمات المعرفيّة التي احتشدت في الوعي العربيّ وأغلقت عليه منافذ مصاحبة العصر. وربّ معترض يعترض على طبيعة هذه الرسالة، مبرّرًا تحفّظ ه بغربة الذات العربيّة الثقافيّة عن المسعى الفلسفيّ؛ فالفلسفة ليست من صميم الكينونة العربيّة، على حدّ ما يدّعي بعضُهم. ولكنّ هذا القول مردودٌ لأنْ ما من صميميّة كينونيّة قائمة في ذاتها بمعزل عن عوامل التأثّر التاريخيّ. فإذا صحّ هذا القول، صحّ قول آخر يعتبر أنّ الإسلام ليس من صميم الكينونة العربيّة، إذ إنّ العروبة قامت قبل الإسلام. وصحّ قول آخر أيضًا يعتبر أنّ المسيحيّة ليست من صميم الكينونة العربيّة. وفي ظنّي أنّ مثل هذا المنطق عقيمٌ يجافي أصول الانخراط في المسرى التاريخي للوجود البشريّ، وهو مسرى التأثّر والتأثير، والتفاعل والتقابس، والتبدّل والتطوّر. وحدها الفلسفة، على ما تختزنه من طاقات التحرير للذات العربيّة، قادرةٌ على استنهاض العالم العربيّ والتوثّب به نحو آفاق التجديد والإبداع. بيد أنّ ذلك يقتضي جرأةً نادرةً في الإنسان العربيّ حتّى يخلع عنه لباس الاستعباد. فالإنسان العربي عبدٌ لغيره. والغيريّة التي تستعبده جعلته يستعذبها لشدّة ما ألم به من نوائب الدهر. ولكأينّ به يخال نفسه اليوم في أبهى صيَغ الوجود، في حين أنّه يعاني الأمرَّين. ومن أدهى المصائب التي تنتابه أنّ الفكر الدينيّ العربيّ والفكر السياسيّ العربيّ تواطآ عليه فأوهماه أنّ اكتمال كيانه وسعادة وجوده تضمنهما له مقولاتُ الانصياع لهما، أي للأنظومة الثقافيّة والاجتماعيّة التي سار عليها المجتمع العربيّ منذ أقدم العصور. أمّا الفلسفة، بما هي نقدٌ بنّاء
لمسلك الإنسان في التاريخ، فإهنّا تمنحه الفرصة والقدرة على النظر إلى ذاته وإلى الآخرين نظرةً جديدةً. وهذا ما يحتاج إليه العالم العربيّ في الزمن الحاضر. ورأس الكلام في هذا الباب أنّ الفلسفة هي وحدها من بين سائر العلوم قادرةٌ على مقاربة الإنسان مقاربةً نقديّة بنّاءةً شاملةً، وأنّ هذه المقاربة هي وحدها قادرةٌ على استجلاء الخلفيّة المعرفيّة التي بها تنتظم العلوم الوضعيّة وسائر العلوم الإنسانيّة، وأنّ هذه الخلفيّة الإبستمولوجيّة ينبغي أن تخضع على الدوام للمراجعة النقديّة التقويميّة بالاستناد إلى معطيات الاختبارات العلميّة والأنتروبولوجيّة التي تضطلع بها الكينونة العربيّة التاريخيّة الفرديّة والجماعيّة، وأنّ تطوّر هذه الاختبارات يستتلي التحقّق الدائم من صحّة الربط بين الواقع (المستند الأخير للفكر) والاختبار (السبيل الوحيد إلى الواقع) والخطاب (التعبير اللغويّ الأنسب عن هذه الاختبارات.) وحدها الفلسفة خليقةٌ بالتحرّي الرصين عن هذه العلاقة الثلاثيّة التي تقوم عليها الخصوصيّة الثقافيّة للمجتمعات الإنسانيّة. وما من سبيل إلى النظر في الخصوصيّة الثقافيّة العربيّة إلاّ بالاستناد إلى التحرّي الفلسفيّ الرصين. ولذلك كان من واجب الجامعات العربيّة أن تُفرد لتعليم الفلسفة المقام الأرفع في بناء الشخصيّة الثقافيّة العربيّة المقبلة. وإذا ما أرادت المجتمعات العربيّة أن تخرج من غفوتها الحضاريّة وأن تجتنب السقوط في متاهات الفراغات الوجوديّة المعاصرة المقلقة، كان من ألزم واجباتها أن تعزّز في الفلسفة أثرها الاجتماعي والسياسيّ المباشر.
تعليم الفلسفة في الجامعة اللبنانيّة في إشكاليّاته المتدافعة
آليّات صوغ البرامج الجديدة في النظام التعليميّ الجامعيّ المعاصر في سياق تجديد أصول التعليم الجامعيّ المعاصر في العلوم الإنسانيّة وأساليبه وطرائقه، أنشئت في الجامعة اللبنانيّة لجانُ اختصاص اعتنت بصوغ البرنامج التعليميّ الجديد الموافق لمقتضيات الإصلاح الجامعيّ الغربي المنشأ. ونال البرنامج التعليميّ الفلسفيّ في الجامعة اللبنانيّة نصيبه من التغيير، غير أنّ الخلفيّة الفكريّة التي ألزمت هذا الإصلاح في الجامعات الغربيّة لا تؤاتي الخلفيّة الفكريّة التي ألزمت مثل هذا الإصلاح في الجامعة اللبنانيّة؛ فالحاجة إلى تطوير تعليم الفلسفة في الجامعة اللبنانيّة فرضتها حركةُ الإصلاح التعليميّة الغربيّة ومسارعة الجامعات الخاصّة في لبنان إلى استدخال متطلّبات هذا الإصلاح في البنية التنظيميّة للتعليم الجامعي المحيلّ. ومن مدلولات هذا الإكراه أنّ الجامعة اللبنانيّة لم تستشعر مثل هذه الضرورة الإصلاحيّة من تلقاء ذاتها، ولم تعمد إلى دراسات ميدانيّة نقديّة تستبق الإصلاح التعليميّ، بل اعتمدت البنية التنظيميّة الغربيّة، وطفقت
تضمّ في تضاعيفها عتيق المقرّرات الفلسفيّة إلى جديد المقترحات الوافدة، فإذا بالبنية الجديدة الثلاثيّة المراحل (الإجازة والماستر والدكتوراه: أقترح كلمة «أمد» تعريبًا للمختزل الفرنسي LMD) خليطٌ هجينٌ من مواد قديمة وموادّ جديدة لا تأتلف إلاّ بالتجاور الإكراهي. ومع أنّ اعتماد بعض من المقرّرات الجديدة يستجيب لحركة الفكر الفلسفيّ العالميّ، فإنّ الصعوبة الأدهى في إصلاح برنامج الفلسفة أنّه إصلاحٌ نظريٌّ محضٌ لا يراعي واقع طلاّب الفلسفة في الجامعة اللبنانيّة، ولا واقع أساتذة الفلسفة في الجامعة اللبنانيّة، ولا واقع الجامعة اللبنانيّة نفسها، ولا الواقع اللبنانيّ في صميم تأزّمه البنيويّ، ولا واقع الفكر العربيّ بارتباطه المتعثّر بالفكر الغربيّ. وما دامت المقدّمة النظريّة النقديّة التي استُهلّت بها هذه الدراسة تتناول أزمة الفلسفة في العالم العربيّ، فإنّه من المفيد أن ينظر المرء في إشكاليّة تعليم الفلسفة نظرًا يفتضح التواءات هذه الحقول المتشابكة من الواقع. تعليم الفلسفة في قرائن الواقع اللبنانيّ ما من سبيل لإدراك صعوبات تعليم الفلسفة في الجامعة اللبنانيّة من دون التبرصّ في قرائن المجتمع اللبناني.ّ ذلك أنّ طبيعة الحياة الاجتماعيّة اللبنانيّة هي التي ترسم الخلفيّة الحاكمة لمقام الفلسفة. وبمعزل عن معاثر الديمقراطيّة اللبنانيّة ومساوئ الطائفيّة واستشراء الفساد وتقهقر الأخلاق الجماعيّة، فإنّ الحديث عن الخلفيّة الاجتماعيّة الحاكمة يقتضي النظر في طبيعة الذهنيّة اللبنانيّة في صميم قوامها. ومع أنّ اضطرابات الواقع اللبناني تناقض ما تنطوي عليه الفلسفة من تعشّق للحكمة، وتهذيب للأخلاق، ونبل في المعاملة، وصدق في طلب المثال الأعلى، وتبرصّ ناقد في عثرات الوجود الإنسانيّ، فإنّ الحديث عن هذه الخلفيّة هو الذي يستجلي حقيقة المقام الفعليّ للفلسفة. فالاجتماع اللبنانيّ قائمٌ على نمط من الذهنيّة اللبنانيّة يمكن المرء أن يصفه بمخالفته للنشاط العقليّ التجريديّ المحض. فالذهنيّة اللبنانيّة ليست ذهنيّةً تجريديّةً، بل انفعاليّة، عاطفيّة، مشاعريّة. ولذلك لا ينسلك النشاط الذهنيّ اللبنانيّ تلقائيًّا في سياق التمثّل النظريّ والمنطق الرياضيّ والتصوّر الأفهوميّ. ومن الخصائص السلبيّة التي تعيق ازدهار الفلسفة في المجتمع اللبنانيّ انعدام البناء الفلسفيّ اللبنانيّ الذاتيّ الذي ينشب في اللاوعي الفرديّ والجماعيّ، ويُلهم الأفراد والمجموعات الانتظام العفويّ في مثل هذا النشاط الذهني المتطلّب. فالفلسفة ليست من إرث اللبنانييّن، بل الشعر والأدب هما السبيل الذي به تُفصح الذات اللبنانيّة عن باطنها. وفي سياق هذا التحليل البنيويّ، ينبغي إلقاء البال إلى المعضلة الكأداء التي تشلّ التفكّر اللبناني،ّ عنيت بها مشكلة اللغة. فاللبنانيّون لا لغة لهم. والعلّة في ذلك أنّ اللغة اللبنانيّة المحكيّة التي بها يفُصح اللبنانيّون إفصاحًا عفويًّا عامّ يختلج في صدورهم، هذه اللغة المحليّة لم تنشأ لها فلسفةٌ أو عمارةٌ فكريّةٌ شاملةٌ تذاهبها
وتُسعفها في مقاربة الواقع الإنسانيّ. فكان الفصام اللبنانيّ المرضَيّ بين اختبارات الفكر الباطن وإمكانات التعبير العفويّ القابل للإبلاغ. ومن ثمّ، ظلّ اللبنانيّون يتجاذبهم بريق اللغات الغربيّة يُقبلون عليها في إتقان نادر وسحر اللهجة اللبنانيّة الحاملة لمكنونات ذاتيّتهم. والحال أنّ الفكر الذاتيّ لا يقوم من دون بنيان لغويّ ذاتي متماسك وقابل لمؤاتاة أحوال العصر. هذه هي الخلفيّة القاهرة التي تؤثّر سلبًا في مسرى تعليم الفلسفة في المجتمع اللبنانيّ. فالناس في لبنان ما تعوّدوا أن يتّكلوا على الفكر لينهضوا بأكلاف معيشتهم، ولا هم آنسوا في الفلسفة القدرة الذاتيّة على تقويم الأوضاع وتغيير مجرى الأحداث. إهنّم في واقعيّتهم السياسيّة يدركون أنّ التاريخ اللبنانيّ والعربيّ مفطورٌ على الالتواءات والمفاسد والتسويات المذلّة. ولذلك لا يُقبلون طوعًا على تعلّم الفلسفة وممارستها فعلا حضاريًّا راقيًا به خيُضعون الواقع لرفعة المثال الإنساني.ّ وينضاف إلى هذا كلّه أنّ صورة الفيلسوف في المخيال اللبنانيّ الشعبيّ تماهي صورةَ الإنسان المنفرد الغريب المنعزل في صومعة الفكر العقيم. وندر أن عاين اللبنانيّون في الفيلسوف تأل قًا في الإسهام على غير استغراب للذات، وانخراط ا في المجتمع على غير مفسدة في المسلك. وفي زمن الأنانيّات اللبنانيّة المستفحلة، كفّت الفلسفة عن أن تكون الملاذ الرفيع لأهل الحكمة والطهارة. أمّا إذا اختبر بعض اللبنانييّن الحاجة الصادقة إلى بعض من هذه الحالة المثاليّة، فركونهم الأوّل هو إلى الدين، به يستظلّون يأسًا وقنوط ا، وإليه يفزعون تلبيةً لغريزة الاحتضان الجماعيّ وحاجة اليقين الغيبيّ. تعليم الفلسفة في سياق وضعيّة الجامعة اللبنانيّة لا يخفى على أحد ما ابتُليت به الجامعة اللبنانيّة من آفات جمّة. وليس المقام هنا مقام الإدانة. غير أنّ الموضوعيّة العلميّة تقتضي أن يدرك المرء ارتباط إشكاليّة تعليم الفلسفة بوضعيّة الجامعة اللبنانيّة الرازحة تحت وطأة المشكلات الإداريّة والثُّغَر المسلكيّة. وممّا لا ريب فيه أنّ أعظم مصائب الجامعة اللبنانيّة خضوعها للمشيئة السياسيّة اللبنانيّة. فالجامعة اللبنانية فقّرتها دواهي المفاسد السياسيّة في المجتمع اللبنانيّ. وهذا من أغرب
الأوضاع وأشدّها إرباكًا. ومن جرّاء هذا الخضوع أو الإخضاع، تتعثّر سبُل الإدارة والرقابة والمتابعة والتجديد والابتكار. ولشدّة انحصار القرار الأكاديميّ وتكاثر أعداد الطلاّب والأساتذة وانتشار الفروع في المناطق اللبنانيّة، أضحى من المستحيل أن يتصوّر المرء سبلُا إداريّة معاصرة تتدبّر شؤون الجامعة اللبنانيّة تدبّرَ الاطّلاع الواثق والمعرفة الفطنة والملاحقة الفاعلة والتطوير الصائب. ولا مناص من أن يؤثّر هذا كلّه في مسرى التعليم والبحث في الجامعة اللبنانيّة، ولاسيمّا في حقول العلوم الإنسانيّة، ومنها حقل تعليم الفلسفة. فالجامعة اللبنانيّة ينقصها تصوّرٌ فكريٌّ شامل لمقام الإنسان والمجتمع ولحركة التاريخ. والافتقار إلى مثل هذا التصوّر يُفقد تعليم الفلسفة القدرة على الاستناد إلى مرجعيّة فكريّة تُتيح لأقسام الفلسفة أن ترتّب مواقع الصدارة في اعتماد المقرّرات والموادّ وطرائق التعليم ومنهجيّات البحث. وهذا كلّه يولّد في نفوس الأساتذة والطلاّب ضربًا من التنازع والتوتّر والتضارب. وقد تؤثّر هذه الضبابيّة الفكريّة في تقهقر مستوى الأداء التعليميّ ومستوى الأبحاث. تعليم الفلسفة في حدّ ة التوتّر الناشط بين الفكر العربيّ والفكر الغربيّ بيد أنّ المشكلة هي أخطر نشوبًا في عمق الثقافة العربيّة. فالفكر العربيّ المعاصر ما انفكّ يعاني قصورًا مقلقًا في التعبير الأصليّ عن ذاتيّة الإنسان العربيّ والاجتماع العربيّ. ولذلك ينشأ ضربٌ من الصراع الحادّ بين ضرورة الاعتراف بصوابيّة الفكر الغربيّ في التعبير عن حقائق الواقع الإنسانيّ وضرورة الاعتصام بالاختبار الفكري العربيّ في التعبير عن هذه الذاتيّة. وبما أنّ مثل هذا الاختبار لا يرقى إلى مستوى الإصابة الفكريّة التي فازت بها العلوم الإنسانيّة والعلوم الوضعيّة في الغرب المعاصر، فإنّ الفلسفة العربيّة المعاصرة مُكرهةٌ في الكثير من الأحيان على الاستغاثة بمكتسبات هذه العلوم الغربيّة. ونظرًا إلى مثل هذا التوتّر، يعاني تعليم الفلسفة في الجامعة اللبنانيّة ضروبًا شتّى من الالتباس، فالمذاهب الفلسفيّة التي يستعرضها البرنامج التعليميّ، ولاسيمّا في المرحلتين الأولى والثانية من المراحل الثلاث (أمد)، لا يمكن استيعابها في غربتها الوجوديّة واللغويّة والمعنويّة. فهي نشأت في غير البيئة اللبنانيّة والعربيّة، وجرى الإفصاح عنها في غير اللغة العربيّة، وحملت إلى الوعي الإنسانيّ فهامً للواقع ينظُمه منطقٌ هو غيرُ منطق الفهم العربيّ السائد. ولهذه الأسباب مجتمعةً يستصعب طالب الفلسفة في الجامعة اللبنانيّة إدراك السياقات الوجوديّة والتاريخيّة واللطائف المعنويّة والخصائص التعبيريّة والمضامين المجرّدة المتميّزة التي تنطوي عليها مثل هذه المذاهب. ومن أخطر صعوبات تعليم الفلسفة في الجامعة اللبنانيّة، في سياق المواجهة الحادّة بين الفكر العربيّ والفكر الغربيّ، صعوبة التضلّع من اللغات الأجنبيّة الحيّة التي أظهرت قدرًا عظيامً من الطاقة التعبيريّة عن مضامين هذه المذاهب، وفي طليعتها الألمانيّة والفرنسيّة والإنكليزيّة. ولا يستطيع طلاّب الفلسفة أن يركنوا إلى الاجتهادات
اللغويّة التي تُفرج عنها أقلام بعض الفلاسفة العرب المعاصرين. فهي اجتهاداتٌ فرديّةٌ ما حظيت حتّى الآن بتصديق رسميّ وبمكانة حقيقيّة في أسماع المجتمعات العربيّة. وقد تنقلب الموادّ الفلسفيّة أشبه بمناطق فكريّة مستهجنة يستصعب الطالب اللبنانيّ بلوغها والإقامة فيها؛ فإمّا يجانبها، وإمّا يقيم فيها إقامة الغريب. وفي كلتا الحالتين لا يقوى على التفكّر الرصين فيها لأنّه لا يستعذب الانخراط في مسالكها الوعرة. تعليم الفلسفة في حدود واقع أساتذة الجامعة اللبنانيّة ومن مشكلات تعليم الفلسفة في الجامعة اللبنانيّة وضعيّة أساتذة الفلسفة الذين ينتمون إلى المجتمع اللبناني،ّ ويشاطرونه علله ومصائبه وانعطاباته وأحلامه وتطلّعاته. ومن الحقائق الثابتة في هذا السياق أنّ أساتذة الفلسفة اللبنانييّن تصيبهم على وجه العموم عدوى السياسة اللبنانيّة والتحزّب الطائفيّ. ولذلك ندر فيهم من تسامى على الولاءات الضيّقة. ومن الجليّ أنّ الولاء السياسيّ يربك العقل الفلسفيّ ويُفقده الطاقة على النقد الصافي الموضوعيّ، ويحرمه التفرّغَالفعليّ للمطالعات الفلسفيّة الرصينة والأبحاث الفكريّة الرائدة. ويعلم الجميع في الجامعة اللبنانيّة أنّ أقسام الفلسفة فيها شهدت نهضةً فلسفيّة جليلةً في مسرى الجيلَين الأوّل والثاني من أساتذتها الذين كانوا يولون مقام الصدارة لمواكبة الإصدارات الفلسفيّة العالميّة وللبحث الفلسفيّ الشخصي والإنتاج الفكريّ الذاتيّ. أمّا الجيل الثالث، فلقد صاحبته الحرب اللبنانيّة وأثّرت فيه أيمّا تأثير، فإذا به منقادٌ عنوة إلى التعثّر بإرباكات هذه الحرب وآثارها المقيتة، يصرف جهده في البحث عن ضمانات سياسيّة له وفي تعزيز موقعه الاجتماعيّ، مرجئًا البحث الفكريّ إلى ما يفترضه من أزمنة سلام ورخاء قد تُفرج عنها الأوضاع المحليّة والإقليميّة. ومن نتائج هذا الإهمال الفكريّ في أوساط الجيل الثالث من أساتذة الفلسفة اللبنانييّن الإعراض عن الاشتراك في المؤتمرات الفلسفيّة المحليّة والإقليميّة، وخصوصًا الدوليّة منها، حيث تتقارع الكفاءات وتتقابل الإنجازات وتتواجه النظرات في روح من الاتّضاع العلميّ والتملّك المعرفيّ. ويعزو بعضهم أسباب مثل هذا الإعراض إمّا إلى الإحباط الفكريّ، وإمّا إلى الكسل الفلسفيّ الذاتيّ، وإمّا إلى التقاعس الإداريّ في الجامعة اللبنانيّة. ومن أعراض هذه الوضعيّة الفلسفيّة المقلقة أنّ معظم أساتذة الفلسفة في الجامعة اللبنانيّة يخوض في ميادين الموادّ الفلسفيّة التعليميّة من غير إكباب وإلمام وتخصّص. ويندر أن يواظب أستاذ الفلسفة على تعليم مادّة فلسفيّة تخصّصيّة يجيلّ فيها حتّى يصبح المرجع الأكبر لها في الأوساط الجامعيّة اللبنانيّة. وقلمّا يواظب الأساتذة على الغوص في أبعاد الأطروحة الأصليّة التي أنالتهم شهادة الدكتوراه. وثمّة ظاهرةٌ مربكة قد ترسم لتعليم الفلسفة في الجامعة اللبنانيّة مصيرها المحتوم في المقبل من السنوات، ألا وهي ازدياد أعداد الدكاترة المتخرّجين في الجامعة اللبنانيّة عينها، وفي بعض الجامعات العربيّة والإيرانيّة. ومن مخاطر هذا التكاثر اكتفاء هؤلاء الدكاترة باللغة العربيّة أو الفارسيّة، واقتصار خبراتهم الأكاديميّة على امتهان التعلّم والتعليم في البيئة الجامعيّة اللبنانيّة أو العربيّة، واكتفاؤهم القسريّ بالاط لاع على ما تيرسّ من الأعمال الفلسفيّة العالميّة المعرّبة. ومن النتائج المستكرهة التي تستتليها أوضاع الأساتذة هذه امتهانُ تعليم الفلسفة على طريقة التلقين
التقليديّ الكلاسيكيّ الحرفيّالسطحيّ التكراريّ. وفي هذه الطريقة كثيرٌ من الشوائب والثُّغَر والالتواءات. وألطف ما يقال فيها إهنّا تثبّط عزيمة طلاّب الفلسفة، وتكاد تزهق فيهم رغبة البحث والتفكير والمواظبة على المطالعة والاستنارة. تحليل الموادّ والمقرّرات والأُمْلِيات في برنامج تعليم الفلسفة اجتهدت كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في الجامعة اللبنانيّة في تجديد البرنامج التعليميّ الفلسفيّ بحسب مقتضيات التطوّر والتجديد التي استنسبتها الجامعات الغربيّة. ووُفّقت اللجان في اقتراح بعض المسارات والمواد والمقرّرات التي تواكب حركة التجدّد في الفكر الفلسفيّ العالميّ، فأتى البرنامج الجديد حاملا لبعض من التنوّع المفيد، ولاسيمّا في تفريع المسارات التعليميّة ابتداءً من الفصلين الخامس والسادس، حيث انطوى البرنامج على أربعة مسارات تعليميّة اختياريّة (الفلسفة العامّة، الفلسفة والعلوم السياسيّة والاجتماعيّة، الفلسفة وعلم النفس، الفلسفة والإعلام والتوثيق) ينخرط فيها طالب الفلسفة وفاقًا لرغبته وطاقته وتطلّعه البحثيّ والمهنيّ. ومن فوائد هذا التنويع ربطُ الفلسفة بحقول العلوم الإنسانيّة الأخرى، وجعلها في متناول الطلاّب الراغبين في الفوز بتصوّر فلسفيّ مفيد للحياة الإنسانيّة في مختلف تجلّياتها التاريخيّة. بيد أنّ مشكلتها الأساسيّة تكمن في التباس الصلة التي تربطها بموادّ الفصول الأربعة الأولى، وهي مقرّرات التعليم الأساسيّة المرتبطة بتاريخ الفلسفة وبالمنطق والإبستمولوجيا والأخلاق. فإذا استثنى المرء المسار الأوّل (فلسفة اللغة والتأويل، الفلسفة والدين والقضايا المعاصرة، مناهج التفكير الفلسفيّ، فلسفة التاريخ، فلسفات الكائن، قضايا ومشكلات فلسفيّة)، وهو مسار الفلسفة العامّة الذي ينطوي على الموادّ المرتبطة عضويًّا بموادّ الفصول الأربعة الأولى، فإنّ المسارات الثلاثة الأخرى تنبسط في حقول خاصّة هي غير حقل التفكّر الفلسفيّ المحض، ولو أهنّا تستدعي التبرصّ الفلسفيّ الناقد. ولكنّ سمة الاختصاص التي تميّزها قد تربك أساتذة الفلسفة في قدرتهم على الخوض فيها وإبلاغها إلى الطلاّب إبلاغًا أمينًا متمك. نًا ومع أنّ استدخال هذه المقرّرات القريبة بمضامينها من حقول العلوم الإنسانيّة الأخرى قد يفيد الطلاّب إفادةً جمّة، فإنّ التباس الصلة التي يمكن أن تربطها بالفلسفة، بما هي حقلُ اختصاص مستقلّ، قد يضعف اعتناء الطلاّب باختصاصهم الأوّل، ويحيد بهم عن خصوصيّة التفك ر الفلسفيّ. وهذا أمرٌ تقترن خطورتُه بما قد ينتاب أساتذة الفلسفة من سوء إدراك للمشهد المعرفيّالأوسع الذي يشتمل على جميع المعارف المحصّلة في العلوم الإنسانيّة. وليس المطلوب من أساتذة الفلسفة الإلمام بجميع فروع العلوم الإنسانيّة، بل القدرة على ربط خلاصات هذه العلوم بمسرى التفكّر الفلسفيّ الخاصّ. فإذا انعدم هذا الربط في أذهان الطلاّب، كفّوا عن التثبّت من خصوصيّة التفكّر الفلسفيّ، ونشأت في أذهانهم مقاطعاتٌ معرفيّة مستقلّة متضاربة ضاعفت من إرباكهم الفكريّ والوجوديّ. وعلاوةً على هذا، فإنّ المشكلة الكبرى في هذه المقرّرات والموادّ والأ مْلِيات تكمن في التباس المحتويات التي يُفترض إبلاغها إلى الطلاّب. ومع أنّ اللجان صاغت شيئًا من التوصيف الإجماليّ لأغلب هذه المقرّرات، فإن سلامة المسرى التشاوريّ في صوغ البرنامج التعليميّ تقتضي النهوض بورشة عمل مشتركة بين جميع فروع الفلسفة في الجامعة اللبنانيّة. فلا يُكتفَى بالخطوط العامّة التي رسمتها اللجان في توصيفها المقتضب، ولا يُكتفَى باستنهاض الأساتذة فرديًّا إلى توصيف تفصيليّ للموادّ التي يدرّسونها، بل يجب إشراك جميع أساتذة الفلسفة
في عمل جماعيّ يُفرَزون فيه بحسب اختصاصاتهم الفلسفيّة إلى فرق تخصّصيّة تَعمد هي إلى توصيف المقرّرات، وضبط مراجعها ومستنداتها، وتحديثها، وانتهاج طرائق التدريس الملائمة لطبيعة الموادّ الفلسفيّة. وإذا ما تفحّص المرء الموادّ المستدخلة في الفصلين الأوّل والثاني من الماستر، فإنّ العناوين التي يقع عليها تنبئ عن مخاطر التكرار المملّ لموادّ الإجازة. وأمّا العبارة الساترة لخبايا هذه المقرّرات، فهي عبارة «حلقة بحثيّة». ومع أن المراد بهذه الحلقات في الجامعات الغربيّة هو قراءة التراث الفلسفيّ قراءةً نقديّة تجديديّة، وتناوُل الواقع الإنساني المستجدّ في حقول الاختبار الفكريّ والأخلاقيّ والدينيّ والاجتماعيّ والسياسيّ والفنيّ تناولَ النقد والتقويم والاستشراف، فإنّ الاكتفاء بحلقات بحثيّة في الفكر اليونانيّ القديم والفكر الوسيطيّ والفكر الحديث والفكر المعاصر إنمّا يشبه الرغبة في استكمال ما سقط شرحه في سنوات الإجازة الثلاث. وفي حين أنّ التوجّه الحاليّ في فروع الفلسفة الخمسة يقضي بتناول النصوص الأصليّة في هذه الحقب التاريخيّة وقراءتها وتأولّها، غير أنّ هذا الجهد ينبغي أن يكون الأستاذ والطالب قد اضطلعا به في سنوات الإجازة. ويستوقف المرء بعضٌ من التكرار المربك في عناوين المقرّرات المستدخلة، فيعسر عليه تمييز مضامين الموادّ بعضها من بعض. والمثال الأشدّ إظهارًا لمثل هذا التكرار هو مادّة الحضارات وقد ظهرت على تعاقب الفصول والحلقات في مسمّيات شتّى؛ فالفصل الثاني من الإجازة ينطوي على مقرّر إلزاميّ اسمه «فلسفة الحضارات»، والفصل الثالث من الإجازة يقترح مقرّرًا اختياريًّا اسمه «العولمة وحوار الحضارات»، والفصل الثاني من الماستر يدرج في مسار الفلسفة والإعلام الثقافيّوالتوثيق مقرّرًا اسمه «ثقافة وحوار الحضارات»، والفصل الثالث من الماستر يفرض مقرّرًا إلزاميًّا اسمه «حلقة بحث في الفلسفة والحضارة»، ويستدرك الاعتراض بإضافة العبارة المبهمة «قضايا وإشكاليّات». ويقع المرء على التكرار المربك عينه في مادّة تحليل النصوص؛ فالفصل الأوّل من الإجازة ريخّ الطالب بين مقرّرات ثلاثة منها مقرّرٌ اسمه «نصوص ومصطلحات فلسفيّة»، والفصل الثاني من الإجازة يقترح على الطالب اختيار مقرّر اسمه «العلوم البيانيّة: نصوص ومصطلحات فلسفيّة باللغة العربيّة»، والفصل السادس من الإجازة يُدرج في مسار الفلسفة العامّة مقرّرًا اسمه «تحليل نصوص فلسفيّة حديثة ومعاصرة»، والفصل الثاني من الماستر يستدخل في مسار الفلسفة العامّة والبحث العلميّ مقرّرًا اسمه «تحليل نصوص فلسفيّة ومصطلحات باللغة الأجنبيّة». ويصحّ الاعتراض عينه في مسألة الحلقات البحثيّة التي تتناول حقب الفكر الفلسفيّ القديمة والوسيطيّة والحديثة والمعاصرة، إذ يعود الطالب في الماستر إلى مقرّرات تتناول الحقب التاريخيّة عينها في إطار منهجيّة الحلقة البحثيّة (حلقة بحث في تاريخ الفلسفة القديمة والوسيطة، حلقة بحث في تاريخ الفلسفة العربيّة المشرقيّة والمغربيّة، حلقة بحث في تاريخ الفلسفة الغربيّة الحديثة والمعاصرة). ويتكرّر الأمر عينه في حقول المعرفة الفلسفيّة الأخرى، إذ يقع الطالب على حلقات بحث في السياسة وفي الأخلاق، وفي الفينومنولوجيا والوجوديّة، وفي التيّارات والمذاهب الفلسفيّة المعاصرة، وفي سواها من الحقول التي سبق للطالب أن ارتادها في سنوات الإجازة. والقصد من هذا كلّه أن يعمد الأساتذة إلى الخوض في مسائل جديدة لم يتطرّقوا إليها في سنوات الإجازة. غير أنّ استعادة الحقبة التاريخيّة عينها، أو الحقل المعرفي نفسه، تحمل في مطاويها مخاطر التكرار والتوسّع المضجر في القضايا التي سبق للطالب أن اطّلع عليها في أبحاثه وقراءاته في غضون سنوات الإجازة. واتّقاءً لمثل هذا التكرار، استدخلت اللجان بعضًا من المقرّرات الجديدة التي تنسلك في اختصاصات علم النفس وعلم الاجتماع وعلم السياسة وعلم الاقتصاد والإعلام. فأتى مثل هذا التجديد، وخصوصًا في برنامج الماستر، أشبه باستحداث مسرى تعليميّ يوازي، على شيء من المنافسة، المسرى التعليميّ الفلسفيّ، إذ انبسطت هذه الموادّ الجديدة في حقول معرفيّة مستقلّة عن حقل المعرفة الفلسفيّة البحتة. ويكفي الاط لاع على بعض المسمّيات
حتّى يدرك المرء مبلغ الحرج في مواءمتها للتفكّر الفلسفيّ الخالص. ومن هذه المسمّيات نظريّات العدالة ورأس المال الاجتماعي والرفاه، وعلم نفس الاتّصال والإعلام، ومدخل إلى العلاقات العامّة والإعلان، والاتّصال بواسطة الرموز، وتحليل المعلومات والوثائق واستخدامها، والإعلام والقضايا العربيّة المعاصرة، والاقتصاد العالميّ والتنمية، وعلم النفس اللغويّ، وديناميّة الجماعة، والإعلام والتكنولوجيا والمجتمع، والإعلام الإلكترونيّ والأقمار الصناعيّة للاتّصالات، والأنظمة الإعلاميّة، وعلم نفس المؤسّسات المدرسيّة، وعلم اجتماع التربية، والبثّ الفضائيّ المباشر، والإعلام المرئيّ والمسموع والمكتوب، والمشهد الإعلاميّ العربيّ والعالميّ، والثقافة والتراث والسياحة... إلخ. ومشكلة هذه الموادّ الجامعيّة المستدخلة أهنّا تُربك الطالب، إذ تُشعره بأن هناك موادّ فلسفيّة محضة قد تغيب في ذهنه صلتُها بالواقع الإنسانيّ، وموادّ معرفيّة أخرى تتّسم بالسمة الحياتيّة والوجوديّة لأهنّا تُعنى بقضايا الناس، ولكنّها لا تحتمل المقاربة الفلسفيّة. فإذا بالطالب يتنازعه موقفان؛ فإمّا الأمانة للتفكّر الفلسفيّ المحض والتسامي على جزئيّات الاختبارات الإنسانيّة الحياتيّة، وإمّا الاقتراب من واقع الناس ومعايشته فكريًّا في استطلاع المعرفة في هذه الحقول والابتعاد عن التطلّب الفلسفيّ المحض. ومن الالتباسات التي تعتري البرنامج التعليميّ الفلسفيّ الجديد احتمال الاجتهاد المفتوح في بعض المواد والمقرّرات التي يتّصف عنوانها بصفة الإجمال والشمول، ومن هذه المقرّرات " قضايا ومشكلات فلسفيّة " (الفصل الخامس من الإجازة)؛ فلسفة الفكر الدينيّ (الفصل الثالث من الإجازة)؛ الفلسفة والدين والقضايا المعاصرة (الفصل الخامس من الإجازة). ومن هذه الالتباسات إطلاق صفة الفلسفة على حقول من المعرفة لا تحتمل بيسر مثل هذا الانتساب. ومن أكثر الاقتراحات التباسًا في هذا السياق المقرّر الذي يربط بين الفلسفة والموارد البشريّة وتخطيط المدن والعمل في البلديّات (مسار الفلسفة والعلوم السياسيّة والاجتماعيّة في الفصل الثاني من الماستر)، وفلسفة الإعلام (مسار الفلسفة والإعلام والتوثيق في الفصل السادس). وقد ينطبع في ذهن الطالب أنّ اللجوء إلى عبارة الفلسفة هي حيلةٌ من حيَل تشريع الطابع الفلسفيّ للمادّة المقترحة. والمعلوم أن الفكر الفلسفيّ مستنهضٌ من صلب دعوته إلى مقاربة جميع حقول الوجود الإنسانيّ مقاربةَ الاستيضاح والنقد والتقويم والاستشراف. غير أنّ إقحام الفلسفة في جميع الميادين قد يُفقد الفلسفةَ خصوصيّتها ويجعلها خاضعة لملابسات التفكّر اللصيقة بسائر العلوم الإنسانيّة. وعلاوةً على هذا، فإنّ الخوض في مثل هذه المقاربات الفلسفيّة المتشعّبة تقتضي بأستاذ المادّة إلمامًا عميقًا بطبيعة المعارف التخصّصيّة التي يستتليها البحث في هذه الميادين. وهذا الأمر صعبُ التحقّق في مسرى التخصّص الفلسفيّ الكلاسيكيّ الذي اختبره معظم أساتذة الفلسفة في الجامعة اللبنانيّة. وفي جميع الأحوال، يجدر بموادّ التعليم الفلسفيّ في مقرّرات الإجازة والماستر والدكتوراه (أمد) أن تنشّئ الطالب على ضروب ثلاثة من التفقّه. الضرب الأوّل يُعنى بتمكين الطالب من المفاهيم والاصطلاحات وأنساق التفكير، والضرب الثاني يعين الطالب على إدراك حركة التطوّر التاريخيّ للفكر الفلسفيّ، فيما الضرب الثالث يهيّئ الطالب للتفكّر الرصين في إشكاليّات الحياة الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة في نطاق الاختبار المحيلّ والإقليميّ والعالميّ. ومن ثمّ، ينبغي للموادّ والمقرّرات والأ مْلِيات أن تتّصل اتّصالا وثيقًا بخلاصات الأبحاث العلميّة في العلوم الوضعيّة وفي العلوم الإنسانيّة. ويجدر بأساتذة الفلسفة أن يزوّدوا الطلاّب بمضامين هذه الخلاصات ويُطلعوهم على المصادر الحديثة التي تنطوي على آخر المكتسبات في ميادين اختصاصهم. ومع أن جميع الأساتذة ليسوا قادرين على التجديد المعرفيّالفلسفيّ، فإنّ ألزم الواجبات التي تقتضيها دعوهتُم التعليميّة تفرض عليهم، في أدنى متطلّباتها، أن يبلّغوا الطلاّبَ مضامينَ هذه الخلاصات التي أفضى إليها أهلُ الفكر في الجامعات المتقدّمة.
تعليم الفلسفة في إشكاليّات طرائقه ووسائله وإمكاناته العمليّة من صعوبات تعليم الفلسفة في الجامعة اللبنانيّة أنّ أصحاب التدبير الإداريّ في الكليّة والأساتذة والطلاّب فيها لم يواكبوا مواكبةً رصينة تطوّر مناهج التعليم الذي اختبرته الجامعات الغربيّة في نطاق برنامج الأرصدة الجديد في الإجازة والماستر والدكتوراه (أمد). ويمكن المط لع أن يعزو أسباب التعثّر في تعليم الفلسفة إلى طائفة من الاعتبارات تتّصل أولّا بوضعيّة الأساتذة وقابليّتهم المتضائلة للإصلاح الجذريّ في طرُق التعليم، وتتّصل ثانيًا بالبنية القانونيّة التي استنبطتها كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في عزمها على استصلاح التعليم في الفلسفة وسائر العلوم الإنسانيّة، وتتّصل ثالثًا بالبنية الماديّة التحتيّة التي تقوم عليها الأقسام والفروع في هذه الكليّة، وتتّصل رابعًا بوضعيّة الطلاّب وأحوال انتمائهم إلى المجتمع اللبنانيّ. ومع أنّ الخوض في تحليل مظاهر التعثّر في هذه القطاعات الأربعة قد ينطوي على شيء من المجازفة والتسرّع والإجحاف، فإنّ التطلّب المعرفي يقتضي الخوض في هذا الغمار. ومن أسباب التعثّر في وضعيّة الأساتذة، عطفًا على ما سبق ذكره في هذا السياق، أهنّم متوزّعون إلى طائفتيَن؛ فهم إمّا من الجيل القديم الذي درس في الجامعات الغربيّة على أصول المنهاج القديم، وإمّا من الجيل الجديد الذي تخرّج في الجامعة اللبنانيّة. وفي كلتا الحالتيَن يندر في هؤلاء الأساتذة من حصّل علمه في الجامعات الغربيّة السائرة على المنهاج الجديد. ومن ثمّ، فإنّ اعتماد المنهاج الجديد أتى في صورة التنقيح السطحيّ، لا في هيئة الإصلاح البنيويّ في نظُم التعليم الفلسفيّ وآليّاته وطرائقه. وبالرغم من الجهود الصادقة التي يبذلها أساتذة الفلسفة في الجامعة اللبنانيّة لتنشئة الطلاّب على الفهم الفلسفيّ، وتشويقهم وحضّهم على احتراف العمل الفلسفيّ، فإنّ طرُق التعليم الفلسفيّ ما فتئت تعوزها قدرةُ القراءة التحليليّة القادرة على الربط بين الإنتاجات الفكريّة المعاصرة والأحداث الكونيّة المواكبة. وهو ربط يتيح للطلاّب إدراك المقام الخطير الذي يضطلع به التفكّر الفلسفيّ حين يتناول الواقع الإنسانيّ. وممّا ينتاب التعليم الفلسفيّ أيضًا من أعراض التعثّر العجز عن سَوق الأمثلة التاريخيّة الخليقة باستيضاح مضامين الفكر النظريّ، في حين أنّ الإغراق في التجريد النظريّ يحرم الطلاّب سبُلَ التثبّت الفعليّ من جدارة التفكّر الفلسفيّ في رعاية الوجود الإنسانيّ في عمق منطوياته. ومن الثُّغَر التي تعتري التعليم الفلسفيّ الافتقار إلى تصوّر معرفيّضابط لتنوّع المذاهب والتيّارات يُتيح للطلاّب أن يربطوا ربطًا فطنًا بين المدارس الفلسفيّة. ومردّ هذا الافتقار إلى انحصار تخصّص الأساتذة الفلسفيّ في حقل واحد من حقول المعرفة الفلسفيّة، واقتصار أُمْلِياتهم الفلسفيّة على تناول الفلاسفة عينهم من المنظار الفلسفيّ عينه. وقد يكون من المجدي في هذا السياق أن يتعاقب أساتذة الاختصاصات الفلسفيّة على استعراض الموضوع عينه في حلقات تعليميّة مشتركة، وأن تتضافر أيضًا جهود أساتذة العلوم الإنسانيّة الأخرى على مقاربة المسائل الفلسفيّة في حلقات دراسيّة تخصّصيّة في الماستر والدكتوراه. وثمّة تعثّرٌ آخر يستتليه إشراكُ الطلاّب في مسرى التنشئة الفلسفيّة. وقد أدخل البرنامج التعليميّ الجديد (أمد) تنويعًا مفيدًا في طبيعة التعليم الفلسفيّ، فوزّع المقرّر إلى حصَص تعليميّة نظريّة وحصَص تعليميّة تطبيقيّة. ومن جرّاء انعقاد أغلب الموادّ الفلسفيّة على طابع نظريّ مغرق في التجريد، فإنّ أساتذة الفلسفة ما انفك وا يحارون في ابتكار الطرُق التعليميّة التطبيقيّة، ما خلا استنهاض الطلاّب إلى إعداد أبحاث تظلّ هي بعينها نظريّة في تناول بعض المسائل النظريّة في مذاهب الفلاسفة أو التيّارات الفلسفيّة. وقد تنساق بعض الموادّ الفلسفيّة انسياقًا عفويًّا
إلى ترجيح الحصَص التطبيقيّة من جرّاء طبيعتها العمليّة الواضحة المعالم، كمادّة الأخلاق والسياسة وفلسفة الجمال، وأغلب المقرّرات التي استدخلتها اللجان في تفريع الاختصاصات الفلسفيّة إلى مسارات شتّى، منها مسار الفلسفة والعلوم السياسيّة والاجتماعيّة ومسار الفلسفة وعلم النفس ومسار الفلسفة والإعلام والتوثيق. أمّا في مسألة التعثّر في البنية القانونيّة، فإنّ عقدة العقد تكمن في ضمان الحضور الأكاديميّ الملزم لطلاّب الفلسفة. ذلك أنّ كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في الجامعة اللبنانيّة تستثني من إلزاميّة الحضور بعض الأقسام التي يتبنيّ فيها أنّ عدد الطلاّب لا يبلغ النسبة الملائمة التي تتيح التشدّد في مسألة الحضور الإلزاميّ. ومن هذه الأقسام قسم الفلسفة الذي يعاني في الجامعة اللبنانيّة وفي سائر الجامعات الخاصّة في لبنان تقهقرًا مربكًا في الإقبال. وقد يكون بعضٌ من أسباب هذا التقهقر مقترنًا باعتبارات تتخطّى حدود الجامعة اللبنانيّة نفسها. غير أنّ مشكلة التخلّف عن الحضور تظلّ تعثّر الأداء التعليميّ والتعلّميّ في أقسام الفلسفة في الجامعة اللبنانيّة. ويكاد تعليم الفلسفة ينقلب إلى ما هو أشبه بالتعليم الجامعيّ الناشط بالمراسلة أو عبر شبكة الإنترنت. وقد يكون من الأجدى، والحال هذه، أن تستنبط كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة أساليب مبتكرة تُعينها على مواكبة طلاّب الفلسفة مواكبةً تليق بخطورة الاختصاص الذي يُقبلون إليه. وتتفاقم خطورة مثل هذا التعثّر القانوني حين تتمادى الإدارة الجامعيّة في تسامحها العملانيّ، فتبيح تمديد فترات التسجيل للطلاّب المتأخّرين حتّى انتصاف الفصل الدراسيّ في مطلع كلّ سنة، وهو ما يُربك الأساتذة في معالجتهم لمشكلة الحضور. ومن معاثر البنية القانونيّة الإبقاء على امتحان الاستلحاق في كليّة الآداب، وهو الامتحان الذي ما عاد يتواءم هو والنظام التعليميّ الجديد (أمد) القائم على استنهاض الطلاّب استنهاضًا متدرّجًا إلى الأداء الجامعيّ؛ فالتقييم الذي يحصل عليه الطالب الجامعيّ بمقتضى نظام المقرّرات الجديد يتوزّع على مراحل شتّى، ويستنفر الطالب إلى جهد أكاديميّ مطّرد. ولذلك، يُفترض في العلامة التي ينالها الطالب أن تكون قد تألّفت من مجموع التقييم الذي حصل عليه الطالب في مختلف المراحل التي يُفحص فيها عن كفاءته في استيعاب مضامين الأ.ُمْلِية ومن معاثر البنية القانونيّة الافتقار إلى هيئة إداريّة أو بنية تنظيميّة ترعى مصاحبة طلاّب الفلسفة في توجّههم الجامعيّ. فالطلاّب يكتفون بتلقّي الدروس الجامعيّة في الفلسفة من غير أن يتباحثوا وأساتذتهم في الآفاق التحصيليّة والبحثيّة التي يمكن أن تشرّعها لهم الدراسات العليا في الماستر والدكتوراه. ويندر أن تواكب الكليّة طلاّب النخبة في الفلسفة، فتصاحب أبحاثهم في الماستر والدكتوراه في لبنان وفي الخارج بحسب كفاءات كل واحد منهم وقدراته وحاجات الجامعة اللبنانيّة والمجتمع اللبنانيّ. ويتجىلّ هذا التقصير في مستوى الإعداد لأبحاث الماستر، حيث يختار الطلاّب مواضيع أبحاثهم من غير تنسيق بين إدارات أقسام الفلسفة في الفروع الخمسة التي تشتمل عليها كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في الجامعة اللبنانيّة. وقد يكون من الأنسب أن تعمد أقسام الفلسفة في الكليّة إلى ترصّد هذه الطاقات الفرديّة والحاجات الأكاديميّة والاجتماعيّة وتنسيق أبحاث الدراسات العليا والدكتوراه تنسيقًا يوفّق بين حريّة الطالب في اختيار حقل اختصاصه وضرورات الإسهام في تلبية حاجات الجامعة اللبنانيّة والمجتمع اللبناني.ّ وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى طبيعة المواضيع التي يختارها طلاّب الفلسفة لدراساتهم العليا في الماستر والدكتوراه. وممّا يستغربه المرء في هذا الاختيار الإقبالُ المتنامي على مسائل الدين والصوفيّة والروحانيّات، وكأنمّا الفلسفة أضحت خادمةً للفكر الدينيّ تُستدعَى لا لقيمة ذاتيّة تنطوي عليها، بل لما تحمله من قابليّات معرفيّة تناصر الغيبيّات الدينيّة. وفي هذا كلّه بابٌ للتأمّل والاعتبار، إذ لا يجوز أن تفقد الفلسفةُ من مقامها
المعرفيّالمستقلّ المحايد، فتخضع لمسلمّات إيمانيّة قد يُراد بها تشريع نمط السلوك الاجتماعيّ الطائفيّ السائد في المجتمع اللبنانيّ وفي مجتمعات العالم العربي.ّ وأمّا بالنسبة إلى وضعيّة طلاّب الفلسفة في انتمائهم إلى المجتمع اللبنانيّ، فإنّ مردود هذا التعليم الفلسفيّ يبدو للناظر المحايد قليل الشأن والأثر لاعتبارات شتّى. والعامل الأعظم تأثيرًا في هذا المضمار إنمّا هو مشكلة الفقر الاجتماعيّ الذي يصيب أغلب اللبنانييّن من بعد أن قطّعت الحرب اللبنانيّة أوصال المجتمع اللبنانيّ واستشرت الطائفيّة في بنى الإدارة، فأفسدتها وعط لتها وأخضعتها لأمراء الطوائف ولمصالح الإقطاعييّن وأصحاب الثروات غير الشرعيّة. وممّا لا ريب فيه أنّ هذا الواقع اللبنانيّ الأليم يضطرّ الطلاّب إلى الإعراض عن الفلسفة النظريّة التي فقدت مقامها الشريف الإصلاحيّ في المجتمع اللبنانيّ. وأمّا إذا أقبلوا إليها، فإهنّم، في أغلب الأحيان، يُقبلون إليها إقبال العجز أو اليأس من إمكانات التخصّص في مجالات أخرى. وحين ينخرطون في دراسة الفلسفة، فإهنّم يُضطرّون إلى العمل اليوميّ لسدّ حاجاتهم الضروريّة، ممّا يحرمهم التفاعل الرصين مع استدعاءات الفلسفة واستنهاضاتها التغييريّة. فإذا بهم يستحصلون على شهادة الإجازة بأقلّ مقادير الانتظام الأكاديميّ والأداء الجامعيّ والمثابرة الفكريّة. ومن معاثر هذه الوضعيّة الطلاّبيّة المربكة تقهقرُ مستوى التعليم في المرحلة الثانويّة المعِدّة للتعليم الجامعي. وتتجىلّ آثار هذا التقهقر في قطاع القراءة والمطالعة وتعزيز نشاط التفكير الشخصيّ. فالطالب اللبنانيّ لا يقرأ على وجه العموم. وأمّا إذا قرأ، فإنّ قراءاته تنحصر في ميادين المعلوماتيّة والأعمال والسريَ الفنيّة والأزياء والأبراج والقصّة الخياليّة والفضائح السياسيّة. وهذه كلّها ميادين في المعرفة تشلّ القدرة النقديّة في الفرد، وتعط ل فيه طاقات الفهم الصحيح لقضايا الوجود الإنسانيّ العظمى فتكبّله في سلاسل التفاهات والمبتذلات والسطحيّات. ومن معاثر هذه الوضعيّة أيضًا تضاؤل فرص التوظيف الفلسفيّ الموازي لمهنة التعليم. ذلك أنّ بنية التوظيف في المجتمع اللبنانيّ لا تولي الثقافة الفلسفيّة مقام الصدارة في تعزيز الحصول على وظائف إداريّة ومدنيّة وسياسيّة عالية الشأن. فإذا بالمتخرّجين من طلاّب الفلسفة يعانون الأمرَّين من مصاعب الانخراط في البيئة المهنيّة اللبنانيّة، وهو ما يدفعهم إلى الإعراض عن الفلسفة والانسلاك في نشاط مهنيّ لا صلة له بطبيعة الاختصاص الجامعيّ. وقد يسبق مثل هذا الانسلاك اختيارَ الفلسفة كحقل للدراسة الفلسفيّة، إذ غالبًا ما يؤْث ر بعض الشبّانِ والشابّات، وهم أجراءُ في مهَن متواضعة، أن يزيّنوا أوقات فراغهم بدراسة جامعيّة يأملون منها أن يستحصلوا على مقام المجاز الجامعيّ في أقلّ قدر من الالتزام والعناء. فيختارون من غير تردّد الفلسفة، وفي ظنّهم أهنّا أشد الاختصاصات الجامعيّة التباسًا معرفيًّا وأرحبها إطلالةً، ومن ثمّ أقلّها استنفارًا للجهد العقليّ وأقربها منالا. ومن عواقب هذا التعثّر المهنيّ أنّ حامل إجازة الفلسفة يتفوّق عليه حتّى حاملو سائر إجازات العلوم الإنسانيّة، ولاسيمّا إجازات الأدب الإنكليزيّ والأدب الفرنسيّ واللغات والترجمة وعلم الاجتماع والتربية وعلم النفس، يتفوّقون عليه في استثمار المجتمع اللبنانيّ لطاقات التوظيف والاستيعاب التي يوفّرها لأصحاب الشهادات الجامعيّة في العلوم الإنسانيّة. ولا جرم أنّ مثل هذا التمييز الظالم تُسأل عنه الذهنيّة الاجتماعيّة اللبنانيّة في ترتيبها لمقامات الإدراك الإنسانيّ ولقيَم العلاقات والأداء والابتكار والفاعليّة الحقّة. وفي حقل التعثّر الأخير، ألا وهو البنية الماديّة التحتيّة التي تحمل الجامعة اللبنانيّة، فإنّ مظاهر الانعطاب والتعط ل جليّةٌ للعيان. ورأس المشكلة المركزيّةُ الإداريّةُ المفرطةُ في تحك مها بمصائر عدد عظيم من الطلاّب (ما يقارب السبعين ألف طالب) والأساتذة (ما يقارب الثلاثة آلاف أستاذ). فالجامعة اللبنانيّة نمت نموًّا عظيامً، ولكنّها في نظامها وروحيّتها لم تواكب هذا النموّ، بل ظلّت سائرةً على نهجها القديم. واشتدّت حدّة المشكلات حين
أذعنت الجامعة للسلطة السياسيّة اللبنانيّة وللذهنيّة الطائفيّة الفاسدة؛ فإذا ببنيتها التحتيّة تظهر عليها علامات السقم الذي يصيب النظام برمّته. ومن جرّاء التشدّد في المركزيّة الإداريّة، غدا من العسير أن يتصوّر المرء بعضًا من الإصلاح في البرامج التعليميّة والتدابير الأكاديميّة ومناهج البحث المتقدّمة. وينضاف إلى مثل هذا التعثّر في استنباط القرارات الإصلاحيّة الجريئة تعثّرٌ في تنظيم البنية المعماريّة القادرة على استيعاب هذا النموّ العدديّ الهائل. ونظرًا إلى بطء العمل الإداريّ، فإنّ المجمّعات الجامعيّة في المحافظات تأخّر تنفيذها، باستثناء مجمّع واحد في بيروت. فظلّت أقسام الفلسفة وغيرها من أقسام العلوم الإنسانيّة تستوطن المباني المستأجرة الضيّقة المتصدّعة، حيث تندر صالات التعليم وقاعات الاجتماعات ومكاتب الأساتذة وفسح التلاقي الطلابيّ ومباني السكن الطلابيّ الجامعيّ. والأدهى في هذا كلّه انعدام التفاعل الأكاديميّ المغني بين الكليّات بسبب غياب المجمّعات التي تحتضن الكليّات على اختلاف اختصاصاتها. وأمّا إذا قام مجمّعٌ جامعي حاضنٌ للكليّات، فسرعان ما تسري إليه عدوى التسلّط الطائفيّ والمذهبيّ والحزبيّ، وهو ما يُفقده، في موضع انتمائه الجغرافيّ، القدرةَ على الاستثمار العلميّ الأكاديميّ والإثمار الفكريّ الإصلاحيّ. وغنيّ عن البيان أنّ احتكاك الفلسفة بسائر العلوم الإنسانيّة والوضعيّة هو السبيل الأنجع لاغتنائها الذاتيّ وإغنائها للحقول المعرفيّة الأخرى. وفي هذا تعزيزٌ للتواصل بين طلاّب الفلسفة وطلاّب الاختصاصات الأخرى، وتمكينٌ للفلسفة من ولوج قطاعات المعرفة الإنسانيّة الأخرى تعليامً وتعلاّمً. ومن معاثر البنية التحتيّة الافتقار إلى المكتبات المتخصّصة ومختبرات البحث المتطوّرة. والمعلوم أنّ الفلسفة لاتنتعش إلاّ بالقراءة، والقراءة الفلسفيّة لا تستقيم إلاّ بإقبالها على المصنّفات التخصّصيّة، والمصنّفات التخصّصيّة لا بلوغ إليها إلاّ باقتطاع ميزانيّة ضخمة ترصدها الجامعة لاقتناء أمّهات الكتب الفلسفيّة الصادرة في الغرب.
خاتمة: في سبيل تصوّر جديد لمقام الفلسفة التعليمي في الجامعة اللبنانيّة
رأس الكلام في هذا كلّه أنّ الفلسفة هي ضرورةٌ معرفيّةٌ كيانيّةٌ وبُعدٌ أساسيّ من أبعاد التعليم الجامعيّ في مجمل حقوله. وهي عماد الرؤية الإنسانيّة التي يناط بالجامعة اللبنانيّة أن تستخرجها وتقترحها لإبراء المجتمع اللبنانيّ من أسقامه والارتقاء به إلى مستوى التطلّب الكيانيّ الأسمى الذي يحقّق إنسانيّة الإنسان اللبنانيّ في كامل أبعادها. ومن ثمّ، يليق بالفلسفة أن تخرج من أسوارها الضيّقة في أقسامها الفقيرة لتسري بخفر فاعل في أروقة الكليّات العلميّة والمعاهد التطبيقيّة التي تشهد إقبالا قلّ نظيره. وليس من مستقبل واعد للفلسفة في الجامعة اللبنانيّة وفي المجتمع اللبنانيّ إلاّ بخروجها من ذاتها ودخولها، تعلاّمً وتعليامً، في نطاق اختصاصات العلوم الإنسانيّة والعلوم الوضعيّة. وإذا ثبت أنّ الاجتماع اللبنانيّ لا يستقيم إلاّ على أساس رؤية فلسفيّة ملائمة لوضعيّته التاريخيّة ولمطامح أعضائه الرفيعة، وأنّ المجتمع اللبنانيّ اختبر في الزمن المعاصر نشوء مذاهب فلسفيّة رصينة متكاملة تنطلق من الواقع اللبنانيّ والواقع العربيّ، وتناصر حركة الفكر المحيلّ والإقليميّ، وتُسهم بإسهامها المتواضع في إثرائه، كان لا بدّ من تعزيز مقام الفلسفة في الجامعة اللبنانيّة حتّى تتعزّز حركة التفلسف الرصين في تضاعيف الاجتماع اللبنانيّ، فينشأ جرّاء هذه الحركة وعيٌ لبنانيٌّ عقلانيٌّ حرٌّ خليقٌ ببناء المجتمع بناءً سليامً واعدًا.