العودة إلى تفاصيل المؤلَّف ما بعد الثورات العربية:الإصلاح الديني والعلمانية

ما بعد الثورات العربية:الإصلاح الديني والعلمانية

The Aftermath of the Arab Revolutions: Religious Reform and Secularism

كمال عبد اللطيف

Kamal Abdellatif

الملخّص

يفكّر هذا البحث في ما بعد الثورات العربية من خلال ثلاث قضايا كبرى: المشروع الديمقراطي والإصلاح الديني وقضية العلمانية. ويتمثّل هاجسه في تحصين المنجز الثوري الحاصل في الوطن العربي الكبير، ودفعه لبلوغ الأفق الذي يطمح إليه: عتبة الديمقراطية. وهو، في مقاربته كيفيات التحصين، لا يقصر اهتمامه على الانتقال السياسي وما يقتضيه من تأسيس هيئات ودساتير وعقود، بل يتعدّاه إلى مسألة الإسناد الفكري للثورات الحاصلة، لاعتقاده أنّ نجاح الثورات العربية في تخطّي المراحل الانتقالية وبلوغ عتبة الانتقال الديمقراطي، يتطلب ثورة ثقافية تقوم على مغالبة التقاليد الفكرية الراسخة عبر إتمام معارك الإصلاح الديني في الفكر العربي، والاستمرار في توطين قيم الحداثة وما يرتبط بها، في موضوع فصل الدين عن الدولة .

Abstract

This study examines the key developments emerging in the aftermath of the Arab revolutions, with a specific focus on the democratic project, religious reform, and secularism. The study is also concerned with strengthening the gains made to date in the Arab world and how to advance these achievements to their ultimate goal of democracy. In safeguarding these gains, the author is concerned with not only the region’s political transition (entailing the establishment of authoritative bodies, the drafting of constitutions, and the creation of social contracts), but also the intellectual underpinnings of the ongoing revolutions. The author believes that the success of the Arab revolutions requires a cultural revolution that challenges traditions and deep-seated intellectual norms by bringing about religious reform. This necessitates a rooting in modernity and its inherent values, particularly insofar as they relate to the separation of religion and state.

الكلمات المفتاحية:
  • الإصلاح الديني
  • الثورات العربية
  • المشروع الديمقراطي
  • العلمانية
Keywords:
  • Religious Reform
  • Cultural Revolution
  • Democracy
  • Arab Revolutions

يفكّر هذا البحث في ما بعد الثورات العربية من خلال ثلاث قضايا كبرى: المشروع الديمقراطي والإصلاح الديني وقضية العلمانية. ويتمثّل هاجسه في تحصين المنجز الثوري الحاصل في الوطن العربي الكبير، ودفعه لبلوغ الأفق الذي يطمح إليه: عتبة الديمقراطية. وهو، في مقاربته كيفيات التحصين، لا يقصر اهتمامه على الانتقال السياسي (وما يقتضيه من تأسيس هيئات ودساتير وعقود)، بل يتعدّاه إلى مسألة الإسناد الفكري للثورات الحاصلة، لاعتقاده أنّ نجاح الثورات العربية في تخطّي المراحل الانتقالية وبلوغ عتبة الانتقال الديمقراطي، يتطلب ثورة ثقافية تقوم على مغالبة التقاليد الفكرية الراسخة عبر إتمام معارك الإصلاح الديني في الفكر العربي، والاستمرار في توطين قيم الحداثة وما يرتبط بها، في موضوع فصل الدين عن الدولة. لا يخفي البحث خشيته، إذا، من أنَّ فترة الانتقال السياسي التي تجري اليوم بعد الثورات العربية، يمكن أن تترتب عنها، إذا لم يتم التحكّم في توجيهها وضبط ملامحها العامة في إطار توافقات آنية وأخرى في المدى المتوسط، عودة الحال إلى ما كان عليه، لنصبح مرة أخرى أمام أنظمة لا تختلف عن تلك التي أطاحتها.

مقدّمة

تثير التحولّات التي نتجت من الثورات المتواصلة في عدد من البلدان العربية أسئلة كثيرة. ولعل معاينة النتائج الأولى للمشهد السياسي العربي، في الطور الانتقالي لما بعد الانفجار السياسي، في البلدان التي

تمت فيها الانفجارات الاحتجاجية، تتيح لنا الاقتراب من بعض آثار ما حصل في المجتمع العربي ونتائجه، خلال عام 2011 وإلى يومنا هذا1. سنوجِّه اهتمامنا في هذه الورقة نحو زاوية محددة من الحدث وآثاره. يتعلق الأمر بمحاولةٍ في تعقّل موضوع وصول بعض تيارات الإسلام السياسي إلى الحكم، قصد التفكير في النتائج المحتملة لهذا الوصول، في علاقتها بالمشروع السياسي الديمقراطي وقيمه الوضعية والتاريخية. وسنعتمد في عمليات المساءلة والفهم على المعطيات الحاصلة في البلدان، التي شكلت طلائع الحدث الثوري في تونس ومصر والمغرب، وهي البلدان نفسها التي عرفت بعد الحركات الاحتجاجية وصول أحزابها الإسلامية إلى السلطة، وذلك قصد التمثيل العياني لما يحصل اليوم على أرض الواقع، ثم بناء أهم القضايا التي نعتقد أنها موصولة بصور الانتقال السياسي الجارية اليوم. نتجنّب في هذا العمل، قدر المستطاع، المواقف القبْلية والأحكام العامة، كما نتجنّب فكرة المؤامرة التي تغفل الطابع المركّب والمعقّد، لأسئلة السياسة والتحوّل في التاريخ، لنقترب من التفاعلات والتناقضات التي تجري في الواقع. يوجّهنا في ذلك كله هدف مركزي يتعلق بالبحث في كيفيات إنجاح مسلسل الانتقال السياسي والديمقراطي في المجتمعات العربية. إن ما بعد الثورات العربية في عنوان ورقتنا، يحيل إلى الأفق الديمقراطي الذي شكّل الإطار العام لأغلب شعارات الميادين العربية. أمّا الإصلاح الديني والعلمانية فيرتبطان في تصوّرنا بما نفترض أنه المهمات المطلوبة في فضاء الفكر العربي اليوم، لعلنا نتمكن من إبداع مخرج تاريخي قادر على تحويل الحدث الذي أسقط أنظمة في الحكم مستبدة وفاسدة إلى حدث صانع لمرحلة انتقال سياسي، تمهّد بدورها لما نتطلع إليه من أفق ديمقراطي مأمول. تهتم الورقة ببناء ما يسعف بالمواجهة النظرية لمختلف مظاهر التحوّل في أبعادها السياسية والأيديولوجية، وتتوخى أساسًا تركيب جملة من القضايا المحفزة على مزيد من الجدل التاريخي في الموضوعات التي أشرنا إليها؛ فنحن نعتقد أن الحوادث التي حصلت تدعونا إلى العناية بالمتغيرات في جريانها الفعلي، مع تجنّب الأحكام المسبقة في باب مواقف الإسلاميين من الحداثة والديمقراطية، أكان منها الأحكام القطعية في موضوع رفض الإسلاميين للتحديث السياسي أم الأحكام الجديدة المتحمسة لبعض تيارات الإسلام السياسي، والتي لا تتردد في إعلان المستجدات، في مواقفهم من الديمقراطية والمشروع السياسي الحداثي، مغفلة أدبياتهم الواضحة في موضوع المرجعية وتطبيق الشريعة الإسلامية، ومغفلة في الآن نفسه الرهانات المطروحة على الإسلاميين في علاقاتهم بنزعات السلفيين والشيعة والطرقية، والإسلام الذي ترعاه الأنظمة السائدة. إن هذا العمل يفرض علينا الجمع بين آليتين في المتابعة والتحليل والفهم: آلية المقاربة السياسية بمختلف المقدمات التي تأخذ بها، وآلية المقاربة الفكرية التأملية، المستندة إلى مقدمات الفكر التاريخي ومكاسب الفكر النهضوي العربي، في أبعاده التنويرية الموصولة بمكاسب الفكر المعاصر، وتجارب المجتمعات الأخرى في التاريخ. ورغم صعوبة الجمع المذكور في لحظات الإنجاز والتركيب، فإننا نعتقد أن ضرورتها تسمح لنا بنوع من المغامرة المطلوبة، قصد التخلص من بعض المواقف القطعية الجاهزة، والاقتراب أكثر من العلامات والمؤشرات،

الصانعة لحاضر برهانات سياسية جديدة لا تزال في طور التشكل، في زمن حصلت فيه الإطاحة بأنظمة مستبدة كنا عجزنا عقودًا طويلة من الزمن عن خلخلة أسسها والتخلص من مظاهر فسادها. ونفترض أن المساهمة في تحصين حدث الثورة، وتحويله إلى حدث قادر على انخراط المجتمعات العربية في التمرس بقواعد العمل السياسي الديمقراطي، يتطلبان الوعي بأن التحوّل الديمقراطي في التاريخ يستدعي أوالً تعزيز خيارات ثقافية معيّنة، كما يقتضي تأهيالًاجتماعيًا يجعلنا في مستوى المشاركة السياسية المطلوبة في المجتمعات الديمقراطية. لهذا، نشير إلى أننا نميل في هذه الورقة إلى الحديث عن الانتقال السياسي بدل الانتقال الديمقراطي، ذلك أن كثيرًا من الحوادث التي حصلت، بعد أن عصفت رياح الثورات العربية بأنظمة كانت توطِّن العزم على الاستمرار والتوريث، تشير إلى تحولّات سياسية مؤكدة في واقعنا، وذلك رغم استمرار حصول كثير من التداعيات التي ولّدها الانفجار الاحتجاجي الحاصل في مجتمعاتنا. أمّا الانتقال الديمقراطي وآلياته، فهما أمران مرغوب فيهما ومطلوبان، كما تؤكد ذلك شعارات الاحتجاج الاجتماعي، التي اعتبُرت عماد الثورات العربية، إضافة إلى أنهما يعدّان محصلة للتفاعلات السياسية والاجتماعية القائمة اليوم في كثير من البلدان العربية. ولهذا السبب، نُدرج ورقتنا في باب المقاربات الإيجابية للانفجار، الذي شمل في عام 2011 مختلف المجتمعات العربية. لن نكتفي في هذا العمل بتركيب معطيات تُعنى بتحليل المشهد السياسي في أبعاده الانتقالية المشار إليها آنفًا، بل إن مساعينا البعيدة تروم التفكير في جوانب من التحديات النظرية والسياسية، التي يطرحها هذا المشهد في فكرنا السياسي، وتطلعاتنا الرامية إلى ولوج أبواب المشروع السياسي الديمقراطي وبدء السير على دروبه. ولا بد من أن نوضح هنا أن عمق الانفجار الحاصل في الميادين خلال العام الماضي لم ينتج بعدُ ما يكافئه في مستوى الذهنيات والأفكار؛ فلا نزال نعاين كثيرًا من مظاهر التموقعات السياسية والمذهبية القاطعة والمغلقة. ومن هنا تنبع عنايتنا في هذه العمل، من بلورة الأسئلة المناسبة لحجم التحولات الجارية، بهدف تطوير الجدل وإضاءة جوانب من الفعل التاريخي، الذي أسقط أنظمة كانت قد بلغت الحدود القصوى في التلاعب بمصير شعوبها ونخبها. ولن نكتفي بهذا، بل إننا نتوخى أيضًا فتح باب الجدل كذلك، في واقع النخب السياسية العربية، التي استأنست بمربع اللعب المتاح في موضوع علاقتها بالسلطة وأنظمتها، ولم تفكر في كيفيات توسيعه ورفع حدوده. ويكشف تشخيصنا للمجال السياسي الممهِّد لأفعال الاحتجاج، الصانعة للانتقال السياسي، اتساع هامش المبعَدين عن العمل السياسي الشرعي والمتاح، وفي مقابل ذلك، نلاحظ اتساعًا آخر في هامش العمل الخيري وأعمال الإحسان المدنية، الأمر الذي وضع المجتمع أمام فاعلين سياسيين جدد، حيث يمكن أن يلاحظ المتابع للمجتمعات العربية خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي تزايد الجماعات الدعوية، وتنامي الفرق الصوفية والنزعات السلفية، وفرق الإسلام السياسي، وذلك ضمن سياقات محلية ودولية. وقد أثمر ذلك كله، كما يعرف الجميع، تنامي شبكات الإسلام السياسي السلمية والجهادية، الافتراضية والواقعية، ثم انتشار قنوات الهداية والعلاج بالطلاسم. نجمت عن كل ما سبق، في ظل أزمة البطالة المستفحلة وسط قطاعات الشباب من خريجي الجامعات، ظواهر

جديدة طورت مواقف وتصورات مختلفة عن النمط السائد للعمل السياسي، من دون أن نغفل الإشارة إلى توقف الأحزاب السائدة عن أعمال التعبئة والاستقطاب، الأمر الذي أنتج مشهدًا سياسيًا لا يزال في حاجة إلى المعاينة والتوصيف. أمّا التيارات الحداثية الليبرالية، فقد ظلت تعاني فقرًا في التصور والرؤية، من دون أن نغفل عجزها في عمليات توطين آليات ومفاهيم المشروع الحداثي، الأمر الذي ترك المجال مفتوحًا أمام صور المدِّ المحافظ، فأصبح حاضرًا بقوة وكثافة في الفكر والسياسة والمجتمع، بل اتجه إلى تحويل كثير من المظاهر والسلوكات إلى قواعد راسخة، في مجتمعات تروم التخلص من التقليد والانتصار لقيم النهضة والتقدم والإبداع. ولا بد من الإقرار هنا أيضًا بفشل الأحزاب القومية، وتقوقع فضائل اليسار وعدم قدرتها على إنجاز النقد الذاتي المطلوب، بعدما أصبح تراجعها أمرً قائامً ومؤكدًا. إن عودة الفاعل القومي إلى لغة الهروب بالاكتفاء بتحرير البيانات، وسعيه إلى الأخذ بتلابيب الإسلام السياسي في مشاريع مؤسسية للعمل المشترك، يكشفان حدّة الأزمة التي بلغها الأفق القومي في الفكر العربي. أمّا اليسار بفصائله المتشرذمة، فقد توقف عن التفكير والعمل، وترك المجال الاجتماعي أمام خيارات الإسلام السياسي وأفعالها الخيرية، المبنية في إطار شبكات تجمع العمل الدعوي بالعمل الاجتماعي والسياسي، متناسيًا دوره التاريخي في التحرير والعدالة والتقدم. لا شك أن شروطًا أخرى ساهمت في إفراز جوانب من النتائج التي سطرنا باختزال كبير في الفقرات السابقة، ومن بينها أيضًا بطش أغلب الأنظمة العربية، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، ببعض تيارات اليسار. وما زاد التيارات المذكورة ضمورًا هو شيخوختها، شيخوخة العمر الزمني، المتمثّلة في عدم قدرتها على تجديد آليات عملها في مجتمع يتغير، وعالم لم يعد الصراع الدولي فيه واضح الملامح، إضافة إلى الشيخوخة الاعتبارية، ممثَّلة في فقر المفاهيم المستعملة في فهم المجتمعات العربية، حيث يستمر كثير من اليساريين العرب في الاقتراب من أسئلة الواقع العربي بتغييبه، والاكتفاء بالنظر إليه بواسطة ترسانة من المفاهيم المتآكلة لا تساعد في عمليات الإمساك بالتحولات الجارية ونوعية الصراع القائمة داخل المجتمعات العربية، الأمر الذي ينتج منه عدم قدرة نخب اليسار على الإلمام بظواهر المجتمع ومتغيراته في تنوّعها وتحولّها. لقد شخّصنا في الفقرات السابقة، وبصورة مختزلة، جوانب من التحولّات الحاصلة في المشهد السياسي العربي. والهدف من ذلك رسم معالم الطريق التي اخترنا لهذه الورقة ولأسئلتها، ويتعلق الأمر بمحور أول نتّجه فيه إلى تشخيص مشهد ما بعد الثورات العربية، لنقف على مظاهر الانتقال السياسي العربي وسماته، كما تجسمت في ظاهرة وصول الإسلاميين إلى أجهزة السلطة، وتداعيات الوصول ومساراته. ثم ننتقل في محور ثان إلى بلورة جوانب من التحديات الجديدة المطروحة أمامنا في المجال السياسي وفي مجال الفكر العربي، ونتوقف أساسًا أمام موضوعي الإصلاح الديني وأسئلة العلمانية في الفكر العربي، لنركِّب في النهاية جملة من الخلاصات العامة.

في الانتقال السياسي العربي، الإسلاميون في السلطة

ترتّب عن الاحتجاجات المستميتة التي شملت أغلب المجتمعات العربية، طوال أشهر عام 2011، وصول بعض أحزاب الإسلام السياسي وتياراته إلى دواليب السلطة وأجهزتها. ويتعلق الأمر بكلٍّ من حزب النهضة في تونس، وحزب العدالة والتنمية في المغرب، ثم حزب العدالة والحرية في مصر. وإذا كان كثير من الدارسين والملاحظين يعتبرون أن الوصول المذكور لم يكن متوقَّعًا، وذلك بحكم أن أفعال الاحتجاج كانت في لحظات إطلاقها في أغلب الساحات العربية مفتوحة على فاعلين يندرجون في فلك المهمشين

والهامشيين من الشباب، ومختلف الفئات الاجتماعية المتضررة من حالات الاحتقان الاقتصادي والاجتماعي داخل هذه المجتمعات، إضافة إلى أن بعض الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية اتخذت من حدث الانفجار لحظة حصوله مواقف رافضة له ولنتائجه، وبعضها الآخر مارس كثيرًا من التردد والازدواجية في قبول شعارات الثورات العربية وتداعياتها ورفض هذه الثورات والتداعيات. وما يجري إغفاله، في نظرنا، في سياق فهم ما حصل، هو أن أحداث التاريخ المفصلية والانتقالية الكبرى، من قبيل رياح وعواصف الانفجارات العربية، تحتاج إلى رؤية مركَّبة، بحكم أن الحدث في لحظات اشتعاله يتحول بفعل أصابع الصانعين له ومن يلتحق بهم، مختبرًا حيًا لترتيب سياقاته وآفاقه، فلا يعود ممكنًا إدراك ما يجري بمنطق السببية الميكانيكية. بل إن درجة تعقّد ما يجري تولِّد ما يمكن تصوره وتوقّعه، كما يمكن أن تولِّد ما لا يخطر ببال الذين ينتظرون، وينظرون بأعين تستخدم قواعد في النظر مستمدة من تجارب وسياقات مختلفة عن سياقات ما جرى ويجري في مجتمعنا. ومن هنا أهمية العناية المباشرة بما يجري في المحيط السياسي العربي، وبناء الفرضيات الموصولة بحالته في مستوياتها المركّبة. إن الأمر المؤكد هنا هو أن الواقعة الكبرى أوصلت تيارات سياسية إسلامية إلى سدّة السلطة، وهي تيارات معروفة في المشهد الحزبي داخل مجتمعاتها، وأغلبها كان محظورًا ثم حصل على الشرعية القانونية، ومارس معارضة أنظمة الحكم في بلدانه. ولأننا نواجه حدثًا غير مسبوق؛ حدثًا يندرج في دائرة الأعمال الثورية بامتياز، من دون أن يكون حامالً لمواصفات بعينها تضعه في خانة هذه الثورة أو تلك من ثورات التاريخ، فإن ردود الفعل الحاصلة بعده جاءت مثيرة للجدل، وقد يكون هذا شأن جميع الأفعال المؤثرة في سير التاريخ. لا بدّ من أن نوضح هنا أن الأمر المثير في سياق ما نحن بصدده هو التداعيات والنتائج التي حصلت بعد ذلك، إذ احتلت أحزاب إسلامية أغلب المواقع التي حصلت فيها الاحتجاجات الكبيرة في العالم العربي على أغلبية تؤهلها لمقاعد السلطة، ولأن الأمر في الصورة التي برز بها كان مفاجئًا، وخاصة في أعين وأذهان المحللين الذين واكبوا شعارات الاحتجاج ومطالب المحتجين، وانتبهوا إلى أفقها الليبرالي المتمثّل في الدعوة إلى الحرية وإسقاط أنظمة الطغيان، وطالبوا بالكرامة والعزة وبمختلف الحقوق الموصولة بسجلات حقوق الإنسان، كما تبلورت في أدبيات حقوق الإنسان. إالّ أن الرجّة الحاصلة تتمثّل في حصول أحزاب ذات مرجعية دينية إسلامية على أعلى النسب في الانتخابات التي تم تدبيرها، بعد نجاح أفعال الاحتجاج وقدرة هذه الأفعال على بناء ما يناسب الفعل الاحتجاجي الذي مارست، حيث أسقطت الحكومات الفاسدة، وحصول ما أطلقنا عليه في هذه الورقة صفة الانتقال السياسي. نقصد بالانتقال السياسي الفعل الذي يختلف عن الانتقال الديمقراطي، ذلك أننا بعد الثورات العربية ولجنا

دروب الفترات الانتقالية؛ فترات تأسيس الهيئات القادرة على تدبير المرحلة الانتقالية في التاريخ. وقد استوعبت هذه الفترة في الصور التي تمت وتتم بها، مطلبين كبيرين: إعداد دساتير جديدة، وذلك بإعادة تحرير الدساتير المناسبة للتوافقات والعقود المفترض أن تحصل بين الحاكمين والمحكومين، في مجتمعات قامت بتغيير حكامها، وتتجه اليوم لكتابة عقد جديد يوضح بنية النظام السياسي المختلف عن النظام المنهار. ومن الأمور اللافتة للنظر أن أغلب الدول العربية انخرطت، إمّا بفعل الثورات العربية وإمّا بفعل إيحاءات وعدوى المتغيرات الجديدة المترتبة عنها، في بناء شرعية جديدة يتم فيها التخلي عن كثير من أساليب العمل السياسي التي كانت سائدة قبل حصول الانفجارات الاحتجاجية الرافضة للطغيان والفساد. ويحمل هذا الأمر مزايا عدة موصولة بالتغيرات التي ساهمت في خلخلة تقنيات كثيرة، وهو ما نفترض أن تكون له انعكاسات في مشهدنا السياسي. يشير الانتقال السياسي إلى فترة بناء المؤسسات انطلاقًا من التوافقات التي يرتبها الفاعلون في المشهد السياسي، وانطلاقًا من بنود الدساتير الجديدة، وما يفترض أن تستوعب من جديد في اتجاه بناء دولة الحق والمؤسسات، حلم المجتمعات العربية بمجتمع المواطنة والحرية. وإذا ما استثنينا المواقف الراديكالية أو الجذرية التي عربّ عنها بعض الفاعلين من السياسيين والمثقفين في المجتمعات العربية، نجد أن مرحلة الانتقال التي نعيش أطوارها اليوم اتسمت بمظهر يدل على حيوية المجتمع السياسي العربي. صحيح أنها تضعنا -بلغة الفكر- أمام مفارقات، لكنها تضعنا في الوقت نفسه أمام إجراءات تاريخية ضرورية لتجاوز أزمات قائمة، أو العمل على التقليص من حدّة بعض المآزق التاريخية. وقد انتبه المحللون السياسيون في تونس والمغرب ومصر إلى أن المشهد السياسي في الأقطار التي تعيش هذه المرحلة الانتقالية تأقلم بإيقاع سريع مع ما حدث، وما ترتب عنه من نتائج أوصلت فريقًا سياسيًا دون آخر إلى دواليب الأجهزة التنفيذية. لا يعني هذا أن عبور مراحل الانتقال يعَدّ أمرًا سهالً أو ميرسًّا، بل إن الفاعل السياسي في صيغة الجمع لجأ في الفضاء السياسي لمجتمعه إلى الاستفادة من مكاسب وخيرات تاريخية محددة، من دون أن ننسى الإشارة إلى التكلفة التاريخية المترتبة عن كل ما سبق، وهي تكلفة تعادل في نظرنا تعزيز الطموح في التغيير والتجاوز بمنطق التاريخ. لم يؤد وصول الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية إلى الحكم إلى حصول أزمة سياسية، بل إن قواعد اللعبة الديمقراطية أدّت، من ناحية الشكل على الأقل، إلى لزوم تشكيل أغلبيات من أجل ضمان عمل سياسي مريح، فوجدنا أن حزب العدالة والتنمية في المغرب يشكل الأغلبية الحكومية من بعض أحزاب الكتلة، حزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية، إضافة إلى حزب الحركة الشعبية. ومن المعلوم أن حزب التقدم والاشتراكية يُعتبر في الأساس حامالًالاسم الجديد للحزب الشيوعي المغربي، وهو حزب يدرج انطلاقًا من خياراته الأيديولوجية والسياسية في أفق اليسار، الأمر الذي يكشف أننا أمام مرونة ملحوظة في موقف الطرفين، موقف حزب العدالة والتنمية وموقف حزب التقدم والاشتراكية. ولن نهتم هنا بالمسوّغات التي عربّ عنها كل منهما، فما يهمنا في الأساس هو المرونة السياسية الصانعة للتحالف المرحلي الانتقالي، وهو التحالف الموصول

بسياق وشروط التحولات التي عرفها المغرب في الربيع العربي، والمختلفة في كثير من جوانبها عن سياقات ما حصل في تونس ومصر، وباقي الدول التي عرفت الانفجار المذكور. أمّا في تونس، فقد فوجئ أيضًا المتابعون والمهتمون بالتحالف الحكومي الذي يقوم بتدبير المرحلة الانتقالية، والذي يتكوّن من حزب النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وحزب التكتل من أجل العمل والحريات. وفي مقابل هذا الفعل السياسي الذي وضعنا أمام مرحلة انتقالية تفترض أن تشكل مرحلة في تدبير الانتقال نحو توطين الأفق الديمقراطي في مجتمعاتنا. نجد في دائرة المثقفين مواقف أكثر تناقضًا؛ فهناك من جهة من يفرسّ كل ما حصل بمنطق التآمر والتدبير المسبق، ويذهب في ذلك بعيدًا فيشير إلى الحلقات التي حصل فيها ترتيب كل ما جرى ويجري، من أجل إعطاء السلطة لتيارات إسلامية معتدلة ومتنورة وليبرالية؛ تيارات يفترض بحسابات معيّنة أن تكون فاعلة ومتصالحة مع المتغيرات الجارية في بلدانها وفي العالم. إن بعض الذين يرون هذا يذكِّروننا بأن بعض أطر حزب العدالة والتنمية وقيادييه في المغرب كانوا قد اتخذوا مواقف ضد حركة 20 فبراير وضد الاحتجاجات الاجتماعية في المغرب، رغم أنهم كانوا ينتمون إذ ذاك إلى حزب معارض. لكن هؤلاء ينسون مسألة معروفة تتعلق بأبرز مدبّري احتجاجات الحركة المذكورة ومطلقيها لحظة انفجارها، وهي المعنية بتيار النهج الديمقراطي، الذي هو فصيل سياسي راديكالي، وجماعة العدل والإحسان. أمّا في مصر، فكانت مواقف حركة الإخوان المسلمين في مصر، من احتجاجات ميدان التحرير في القاهرة والساحات العمومية في الإسكندرية وبورسعيد. ورغم أن هذا المنطق لا يساعد كثيرًا في تحليل الحدث وتداعياته، وصورة المشهد السياسي الحزبي في الدول التي عرفت الحدث، فإنه يؤشر في نظرنا على تعقّد الموضوع الذي نحن بصدد التفكير فيه. في مقابل الموقف السابق، نجد أن من المثقفين من يولي الحدث عناية كبيرة، إذ هو الذي زحزح أنظمة الحكم في تونس ومصر وليبيا واليمن والمغرب، وأطاح بعضها بضربة استوعبت كثيرًا من مظاهر الإبداع في التاريخ السياسي المعاصر. ولن نتمكن من إدراك روحها المبدعة وفعلها التاريخي المركّب إالّ عندما نتذكر الهذيان السياسي السابق عليها، في كل من مصر وليبيا وتونس. ونتذكر في الآن نفسه درجة الاستبداد التي حولت في يوم من الأيام نموذج انتقال السلطة في سورية إلى نظام قابل للاقتداء، حيث ظهرت علامات ذلك ومؤشراته في كلٍّ من مصر وليبيا. هناك وجه ثالث لتشخيص ما حدث: يتعلق الأمر أوالً بمراعاة نتائج الانتخابات الحاصلة بعد الثورات والمنتجة لأغلبيات حكومية تقودها أحزاب بمرجعية إسلامية. إن قبول ما حصل يعني، في نظر بعضهم، الدخول في باب الاستئناس بقواعد اللعبة الديمقراطية، كما يعني استيعاب الفصائل الإسلامية غير الجهادية وغير السلفية

النصية، الأمر الذي يفتح الباب على مصراعيه لإعادة فتح باب الاجتهاد في النظر إلى موضوع نمط الدولة الجديدة، في علاقته بنمط الخلافة والحكم في أزمنة خلت. وفي هذا السياق، نعتبر أن أمامنا، في ضوء ما حصل في مجتمعاتنا بعد الثورات العربية ووصول بعض تيارات الإسلام السياسي إلى الحكم، مهمة إتمام مشروع الإصلاح الديني، ولا يحصل ذلك في نظرنا إلا بمزيد من الدفاع عن قيم الاجتهاد والإبداع. ونفترض أن وصول الإسلاميين إلى السلطة يمكّننا من مواصلة استكمال التحديث الثقافي في الفضاء الاجتماعي العربي. ولهذا السبب سنفكر في موضوع الإصلاح الديني في تاريخنا المعاصر وفي حاضرنا، لنقف على حدوده وعوائقه. صحيح أننا نتبنيّ في خطابات الفاعلين السياسيين باسم الإسلام السياسي نزعة جديدة في المواءمة بين مجتمعنا وثقافتنا ومكاسب الأزمنة المعاصرة، مع قدر من الإلحاح على المرجعية الدينية، تحت غطاء عدم التفريط في الهوية الثقافية للأمة، الأمر الذي يجعلنا نتساءل من زاوية أخرى، وبناء على جدليات التاريخ، ألا يمكن أن يساهم فعل التغيير الحاصل اليوم، رغم لازمة المرجعية التي ترد في الأغلب الأعم بصورة تمويهية، في علمنة الإسلام السياسي؟ هناك من يرى صعوبة ذلك، معتبرًا أن في الإسلام السياسي اليوم، رغم كل المرونة الخطابية التي يعلنها الناطقون باسمه، ميالً متزايدًا إلى الحديث باسمه من طرف فاعلين آخرين يستخدمون بدورهم الدين في الصراع السياسي، ولهذا الأمر خطره على الدين. وفي الوقت نفسه، هناك من يعتبر أن العولمة تتجه إلى إجبار الإسلام السياسي على استعمال لغة المجال العام الوضعية والتاريخية، حيث بدأ بعض تياراته التي لا تخفي براغماتيتها، يخفف من العتيق من مفرداته، ويستعمل، كغيره من القوى السياسية، الوسائط الجديدة في التواصل. يجب أالّ ننسى هنا تعقّد فئات المنضوين تحت راية تيارات الإسلام السياسي، وكنا أشرنا آنفًا إلى عجز الأحزاب اليسارية والليبرالية التقليدية عن توسيع قواعدها وإدماج الشباب في فضاء العمل السياسي الحزبي، الأمر الذي شجع مجموعات منهم على الانخراط في الجماعات السياسية الدينية، بحسابات تختلف عن تقديرات القادة المؤطِّرين لهم، إضافة إلى أن التنافس والعمل داخل فضاءات العمل السياسي الحزبي يولّدان معطيات جديدة، نفترض أنها تسمح بمزيد من التخفيف من أعباء المطلقات في العمل السياسي، وضمن هذا الأفق، سنقترب من العلمانية وموضوع الدولة المدنية في سياق تحولّات الفكر السياسي العربي.

ما بعد الثورات العربية، في كيفية الإسناد الثقافي للأفق الديمقراطي

مهّدنا في المقدمة للزاوية التي نفكر فيها في موضوع الإسلاميين والديمقراطية. ورتبنا في محورها الأول جملة من المعطيات التي سمحت لنا بتشخيص مفهوم الانتقال السياسي الجاري وسماته، كما تشكلت في المشهد السياسي العربي، وفي بعض ردود الفعل الحاصلة في المشهد الثقافي العربي، وخاصة في البلدان التي عرفت درجات عالية من الاحتجاج ترتب عنها متغيرات عدة، يفترض أن تساهم في تسريع وتائر الإصلاح، والاقتراب من أبواب الأفق الديمقراطي.

ونتجه في المحور الثاني إلى مقاربة فكرية تضعنا أمام موضوعات موصولة بعضها ببعض، وموصولة، في الآن نفسه، بسياقات الراهن السياسي العربي وتداعياته، نقصد بذلك الأفق الديمقراطي وسنده الفكري المتمثّل في كلٍّ من الإصلاح الديني وموضوع فصل الدين عن الدولة. وإذا كنا نعتقد أن الثورات العربية في المنطلق لم تحصل لتحقق صحوة دينية، كما يحلو لبعضهم أن يتصور، بل اتجهت منذ إعلانها إلى التعبير عن تطلعات المتظاهرين، التي كانت تروم التخلص من الأنظمة الاستبدادية، أنظمة الحزب الواحد، التي حتُوِّل الدول إلى ممتلكات خاصة، كما كانت تريد التخلص من أنظمة التعددية المصنوعة بالمساحيق قصد التمويه، فإن هذه الثورات قامت لتخاصم هذه الأنظمة مجتمعة، كما قامت لتواجه الاستبداد المسلح بالدين، أو المسلح بالعقائد الشمولية. صحيح أن التحوّل السياسي يؤشر في مجراه الراهن على معطيات لم تكن في الحسبان، إالّ أن مكر التاريخ منتوج تاريخي قابل للتعقل والمواجهة، ثم إعادة التدخل، وخاصة عندما يقف الفاعل السياسي أمام ظواهر معقَّدة ومتناقضة. ولعل فرز المعطيات التي ذكرنا، والسعي إلى إنجاز محاولات في تعقلها، وذلك بمزيد من العمل على دمقرطة نزعات الإسلام السياسي، يتطلبان جهودًا من الحوار المتواصل والمنتج مع مختلف مكونات المجتمع. إن المأزق الراهن الذي أفرزته صناديق الاقتراع، يدعونا إلى التفكير في كيفية حماية الأفق الديمقراطي الذي نتطلع إليه من مختلف أشكال التحايل التي تتجه إلى تقويضه بوسائله وآلياته. ولا بدّ من الإشارة هنا، وقبل التفكير في الجدليات التي يثيرها سياق محورنا الثاني، إلى أن بعض الباحثين اعتبر أن الحركات الإسلامية تمثّل ثورة مضادة، لأنها حركات لم تستوعب قيم الحداثة. ورغم أن هذا الموقف يحاكم المواقف العامة لبعض تيارات الإسلام السياسي، فإنه يغفل جدليات التاريخ التي تمارس على الفاعل السياسي بدورها ما يدفعه إلى تغيير مواقفه وتعديلها، وفي أبسط الحالات العمل على تكييفها مع المتغيرات الجديدة. وإذا كانت مجتمعاتنا تسير نحو العلمنة، وفصل الدين عن الدولة، وإرساء دولة القانون التي يتساوى فيها الجميع بصرف النظر عن معتقداتهم، فإن الجدل الحاصل اليوم، على هامش وصول بعض التيارات الإسلامية السياسية في موضوع علاقة الدين بالديمقراطية، يختلف عن النقاشات والحوارات التي أثيرت حول هذا الموضوع في العقدين الأخيرين من القرن الماضي ومطالع هذا القرن. ونحن نتصور أن النقاش المطروح في هذا الباب يستدعي لزوم الاستناد إلى تاريخ الأفكار وتاريخ الأديان وربطهما بتاريخ الممارسات الاجتماعية، بل محاولة فهمهما في إطار الصراع بين مبادرات السلطات الدينية والسياسية، وما عرفه المجالان من ترابط وتنافر. وإذا كنا نسلّم بحصول انفصال السياسي عن الديني في الغرب منذ عصر النهضة، فإننا نعتبر أن ذلك حصل استنادًا إلى مدّ دنيوي ساهمت فيه جملة من الشروط، وترتب عنه استقلال المجال السياسي. أما التحدي الأساس المطروح اليوم أمام فكر وممارسة الإسلاميين، فيكمن في تصورنا في مواجهة الذات أوالً، وإتمام مهمة الإصلاح الديني ثانيًا.

  1. 9 أخبار الأدب (مصر)، العدد 990 (.)2012 10 Champion Françoise, “« Entre laïcisation et sécularisation » Des rapports Église-État dans l›Europe communautaire,” Le Débat, no. 77 (Novembre-Décembre1993), pp. 46-72. 11 تيار الإصلاح الديني ومصائره في المجتمعات العربية: أوراق مقدمة في ندوة حلب بمناسبة مرور 100 عام على وفاة عبد الرحمن الكواكبي، 31 أيار - 1 حزيران 2002، تنسيق ماهر الشريف وسلام الكواكبي (دمشق: المعهد الفرنسي للشرق الأوسط، فرع الدراسات العربية، 2003)، ص.162-145 12 رصد تقرير تاريخي للسلام الدولي الصادر في أيار/ مايو 2012 تحت عنوان «الأجندات الاقتصادية للأحزاب الإسلامية»، مجمل التحديات الاقتصادية الكبرى التي تواجه الحكومات الإسلامية وتدعوها إلى اتخاذ قرارات ضرورية. فالمؤشرات الاقتصادية الصعبة في تونس والمغرب ومصر، والمتجلية في المعدلات العالمية للبطالة والفقر وتدينّ الإنتاجية، والقدرة التنافسية الضعيفة لاقتصاداتها، وانخفاض مستويات اندماجها في الاقتصاد العالمي، والتفاوت الحاد بين فئات المجتمع وبين جهاته، إضافة إلى انتشار الفساد وارتفاع معدلات الديون إلخ.. وتساءل معدّو التقرير: هل في إمكان أحزاب النهضة والعدالة والتنمية، وحزب الحرية والعدالة مواجهة المؤشرات المذكورة وتبعاتها؟ ويكشف التقرير أن الأحزاب المذكورة أعدّت برامج اقتصادية تدور حول محاور كبرى أهمها: علاقة الدولة بالقطاع الخاص؛ مسؤولية الدولة في الحد من الفقر والبطالة؛ سيادة القانون ومحاربة الفساد؛ السياسات المالية. وهي تراهن الحكومات الإسلامية على الحكم الرشيد ومحاربة الفساد، وكذا وضع العدالة الاجتماعية في قلب عمليات التنمية الاقتصادية لتدبير اقتصاد أكثر فعالية. ولا يغفل التقرير التذكير بأن الأحزاب الإسلامية اعتمدت في سياق توسيع قواعدها وتأمين صعودها على الشبكات الخيرية للخدمات الاجتماعية، في مجالات الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية. وقد أبرز بوضوح أن حزب العدالة والتنمية ركز في الأطروحة التي أعدها في مؤتمره السادس في كانون الثاني/ يناير 2012، على الطابع الليبرالي لمقاربته الاقتصادية، وهو حزب وافق على الدستور الجديد من دون أن يطالب بالتنصيص على إدراج الشريعة. انظر: أخبار اليوم، العدد).2012(745 13 المساء، العدد 1807 (تموز/ يوليو.)2012

ورغم صدور تقارير كثيرة متناقضة في موضوع قبول أو رفض تيارات الإسلام السياسي، بعد وصولها إلى السلطة، فإننا نعتقد بأهمية متابعة أشكال حضورها السياسي وأدائها الاقتصادي، خاصة أنها ورثت في بلدانها تركات وتراكمات من الفساد وسوء التدبير. فالمؤشرات الاقتصادية الصعبة في تونس والمغرب ومصر، والمتجلية في المعدلات العالية للبطالة والفقر وتدينّ الإنتاجية، والقدرة التنافسية الضعيفة لاقتصاداتها، وانخفاض مستويات اندماجها في الاقتصاد العالمي، والتفاوت الحاد بين فئات المجتمع وبين جهاته، إضافة إلى انتشار الفساد وارتفاع معدلات الديون إلخ.. كلّ ذلك يدعو إلى كثير من المواجهة الصعبة. يجب أالّ نغفل الإشارة إلى أن الإخوان المسلمين في مصر، شأنهم شأن معظم الحركات الإسلامية في العالم العربي، عربّوا عن مواقف مؤيدة للديمقراطية، وقدّموا برنامجًا انتخابيًا هو أقرب إلى البرامج الانتخابية التي تتبنّاها الأحزاب المدنية، وحرصوا في كل مناسبة وحين على تأكيد رفضهم اللجوء إلى العنف كوسيلة لحسم الصراع السياسي. كما أن حزب النهضة وحزب العدالة والتنمية عربّا باستمرار عن مواقفهم الرافضة للإسلام الجهادي. إالّ أن بعض الباحثين يرى في المواقف المذكورة مجرد مواقف توظَّف قصد التمويه، ويوضح أصحاب هذا الرأي أن التيارات المذكورة تتلاعب بالدين، ومقابل ذلك يدعون إلى حماية الدين في زمن الثورات من الدولة ومن الأحزاب ومن الصراع السياسي. وهم يرون أيضًا أنه ليس لمجتمعنا مشكلة مع دينه، بل إن مشكلاته مرتبطة بالشأن العام، ولهذا الأخير منطق في المقاربة والمعالجة يختلف عن موقف الدين. يمكن أن نشير إلى أن المواقف الرافضة لما حصل تنطلق من الاستئناس الحاصل في تدبير الدولة العربية للشأن الديني؛ فقد رتبت الدولة الحديثة في المجال العربي الإسلامي تدبيرًا معيّنًا للدين، إذ أصبحت مسؤولة عن مؤسساته وفضاءاته الرمزية والروحية، وعملت على منحه في أغلب الدول العربية موقعًا هوياتيًا في البنود الأولى لدساتيرها. ولأننا لم نعرف في تاريخنا مؤسسات راعية للشأن الديني خارج المؤسسات التي ترعاها الدولة، فإنه لم تظهر معارضات مماثلة لأشكال معارضة الكنيسة للدولة في المجتمعات المسيحية. لكن في مقابل المعطى السابق، شهدنا في كثير من المجتمعات الإسلامية في منتصف القرن العشرين بروز شعارات تدعو إلى «العودة إلى حكم الشريعة» أو «تطبيق الشريعة»، إالّ أن الذين رفعوا الشعارات المذكورة كانوا من المعارضين السياسيين، رجال دولة سابقين أو مثقفين، ولم يكونوا من العلماء، وكان دافعهم إلى رفع هذه الشعارات يتجه إلى التحرر من هيمنة الدولة على الشأن الديني. وبظهور قوى الإسلام السياسي المنظمة في

أحزاب إسلامية، حاملة مسمّيات جديدة، تغيرت صور الصراع السياسي في المجتمعات العربية. لم يختف شعار العودة إلى تطبيق الشريعة، ولكنه تحول من أداة نقد ومعارضة لطبيعة الدولة، إلى دعوة إلى أسلمتها. نُدرج ما سبق، ونتفهم جوانب كثيرة منه، في ضوء ما نطلق عليه عسر الانتقال السياسي الحاصل، ونعي في الآن نفسه، كيف يختلف هذا الانتقال من مجتمع عربي إلى آخر، كما نعي أن الخلاف الحالي في مصر في موضوع المادة الثانية من الدستور، والمتعلقة بسؤال هل يمكن الحكم بمبادئ الشريعة الإسلامية أم بأحكامها؟ يعكس إشكالات موصولة بخصوصيات تاريخية مجتمعية محددة. وفي مقابل ذلك، يمكن أن نتحدث عن جوانب من يرُسِْ التحوّل في المغرب، بحكم أن التعدد الحزبي أمر قائم منذ ستينيات القرن الماضي، حين توافرت في الإصلاح الدستوري الأرضية المناسبة، فكان ألم الانتقال، لكنه كان محتمالً. ولا بدّ من القول إن الانتقال في عموم البلدان العربية جاء موجعًا، إالّ أن ميزته الأساس تكمن في كونه وضع الدولة العربية أمام المرآة، وما يبعث على الأمل في البداية والنهاية، زوال الطغيان وفتح الطريق مجدّدًا أمام الأفق الديمقراطي.

1 - راهنية الإصلاح الديني، في الإسناد والتفاعل

أ- تدعونا النتائج الحاصلة بعد الثورات العربية، التي شكلت السمة الأبرز لواقع المجتمعات العربية طوال عام 2011، إلى ضرورة التفكير مجددًا في بعض الإشكالات الموصولة بمشروع النهضة والتقدم في الفكر العربي. ونغامر هنا بفرضية نرى فيها أن صعود تيارات الإسلام السياسي إلى السلطة في بعض الأقطار العربية، يعَدّ في نظرنا مؤشرًا قويًا على ضرورة إتمام مشروع الإصلاح الديني، بدل الاكتفاء بمخاتلة القضايا الموصولة به، أو الاكتفاء عند النظر إليها بتركيب معادلات التوافق السهل، الذي يسكت عن المركزي في المسائل المطروحة في موضوعات الإصلاح، ليعتني بالهامشي والعارض. تدعونا أشكال الخلط القائمة اليوم، في موضوعات وظيفة الدين في المجتمع وعلاقة الدين بالدولة وكذا علاقة المقدس بالثقافي، إلى استئناف عمليات التفكير في علاقة الإسلام بالمجتمع والدولة والثقافة في المجتمعات العربية، وبدون قبول الاكتفاء بالمعالجة الشكلية أو السطحية، بل بذل الجهود الكافية لإثارة جذور المسائل، انتصارًا لقراءة جديدة وتأويل جديد لنصوص الإسلام ومعتقداته. وإذا كان الإسلام قد شكّل عبر تاريخنا ثروة رمزية، فلا يجب أن نغفل أشكال التوظيف التي طاولت قيَمه وحوَّلتها في بعض مراحل من تاريخنا إلى أسمنت صانع لخيارات وتوازنات وعقائد. ولهذا طرحت مسألة الإصلاح الديني، قصد بلورة حدود أدوار العقائد ومؤسساتها داخل المجتمع. لا نقرن في هذا العمل مطلب الإصلاح الديني بواقع وصول بعض تيارات الإسلام السياسي إلى السلطة؛ فقد طرح قبل ذلك، ولا بأشكال تلاعب الأنظمة السائدة برأس المال الرمزي الديني لشعوبها، ما يستدعي ذلك. إننا نطرحه لوعينا بضرورته في سياق استكمال تحديث مجتمعاتنا، خاصة أن بعض ما تنتظره من وصول تيارات الإسلام السياسي إلى السلطة قد يولّد ما يمكن أن يساعد في مزيد من العلمنة، كما قد يفجر معارك أخرى نعتقد بإمكانية تسريعها لمطلب الإصلاح الديني.

صحيح أن الإرهاصات الأولى لمشروع الإصلاح الديني في الفكر العربي تبلورت في صيغها الأولى في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، حيث تمكن بعض النهضويين العرب من التعبير عن جملة من المواقف والخيارات، التي ساهمت في توضيح جوانب من الإشكالات الموصولة بموضوع التجديد الديني، وما عربّ عليه بعضهم بمفردات مرادفة من قبيل بعث الإسلام وإحيائه. إالّ أن هدفهم الأساس، وإن كان يقترب من عتبات الإصلاح الديني ومدارجه، كان يتوخى أوالً وقبل كل شيء، مرمى المواءمة بين قيم الإسلام وقيم الأزمنة الحديثة والمعاصرة. ب- نقرأ الملامح الكبرى في موضوع التجديد الديني، في مشروع الحركة السلفية النهضوية كما عربّت عنها أعمال كلٍّ من جمال الدين الأفغاني (1897-1838) ومحمد عبده (1905-1849). وهي أعمال تتوخى في مجملها، كما أوضحنا آنفًا، بناء خطوات في باب إيجاد جسور لوصل الإسلام مع متطلبات الحياة المعاصرة؛ فقد قاربا معًا في بعض أعمالهما، جوانب معيّنة في موضوع علاقة الإسلام بالعلم، وعلاقة الإسلام بالدولة وبالسياسة، واندرج مشروعهما السلفي في سياق التفكير، في علاقة الإسلام بالنهضة والتقدم والحرية. ولا شك أن مجموع الأثر الذي بلوره الشيخان لامس جوانب من المعضلات التي أشرنا إليها. ويمكن أن نذكر هنا للتمثيل فقط، نص رسالة الأفغاني في الرد على الدهريين، ونص محمد عبده الإسلام دين العلم والمدنية 15، إالّ أن جهودهما في الأعمال التي ذكرنا لم تتمكن من الدفع بموضوع الإصلاح الديني إلى حدوده المطلوبة، من أجل بناء مشروع في التنوير، يقضي بتعيين مكانة الدين وحدوده في المجتمع، خصوصًا أن المجتمعات العربية الإسلامية كانت قد انخرطت في سجل من الإصلاحات الهادفة إلى التكيف مع معطيات الأزمنة الحديثة، في مجال القانون والدولة والتربية والمجتمع. ويسجل الباحث في الأدبيات الإصلاحية الإسلامية عدم قدرة هذه الأدبيات على رفع بعض الحواجز والصعوبات، التي كانت تحول دون توسيع دائرة الحريات الفردية والجماعية، خارج قوانين الحلال والحرام، والطيب والخبيث، بالدلالة الدينية الموصولة بالنعوت المذكورة، إضافة إلى استخدامها للحكمة التي يوجزها المبدأ المتداول بصورة تكرارية، ونقصد بذلك مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ونعرف أن المعطيات الحاصلة في هذا السياق، في موضوع الاقتراب من موضوع الإصلاح، تتجاوز إرادة الشيخين؛ فهي موصولة بقيود التقليد التي تشكل موانع قوية أمام رياح التحوّل، التي حملها المد الاستعماري إلى المجتمعات الإسلامية، في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. لم يتجاوز الإصلاح الديني في أعمال الشيخين الخطوة المتعلقة بنوع من المواءمة بين مقتضيات الحاضر في تنوعها، ومبادئ الإسلام في عموميتها. وفي الفتاوى التي أصدرها محمد عبده علامات دالّة على حدود هذه المواءمة، وهي خطوة لا يستطيع أحد أن ينكر قيمتها، في باب الدعوة إلى إنجاز التوافق الضروري بين القيم الدينية وعالم ما يفتأ يتغير. إالّ أننا نرى أن موضوع الإصلاح الديني يُعتبر، كما أشرنا سابقًا، أكبر من المواءمة المذكورة، وذلك رغم الجرأة التي تضمّنتها بعض فتاوى محمد عبده، مقارنة بما كان سائدًا في زمنه. ولعلنا لا نبالغ عندما نشير إلى أن بعض فتاويه تتجاوز كثيرًا من الأحكام والفتاوى التي تصدر اليوم، في سياق زمني ومجتمعي مختلف كليًا عن الظرفية التي كانت تؤطر مسعاه الفكري في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

ومن المؤكد أن مجهود علي عبد الرازق (1966-1888) ساهم بدوره في خلخلة بعض القناعات في موضوع علاقة الدين بالدولة، حيث بلور في مصنفه الشهير الإسلام وأصول الحكمما نعتقد أنه دعوة واضحة إلى فصل الخلافة عن الدين، وفصل قواعد السياسة عن مبادئ وقيم العقيدة. إالّ أن جهوده لم تتواصل، بل إن المحاكمة التي تعرض لها، والردود التي كتبت ضد نصّه، بهدف الاعتراض على مواقفه وآرائه، تدل على استمرار هيمنة قناعات وخيارات معادية للإصلاح، في الفضاء الثقافي العربي والإسلامي. وما نريد الإشارة إليه هنا هو انقطاع الاهتمام بموضوع الإصلاح الديني نظريًا، في مقابل أشكال كثيرة من التدبير السياسي للحضور الديني داخل المجتمعات العربية. إن الأمر المثير هنا هو أن التيار السلفي عرف تراجعًا قويًا من حيث مبادئه وتوجهاته الكبرى، وخاصة في السلفيات الجديدة التي تبلورت في منتصف القرن الماضي، واكتفت بمواجهة عمليات التفرنج والماركسية، متخلّية عن كثير من المبادئ الإصلاحية في روح مشروع محمد عبده التوفيقي، حيث اتجه بعض المواقف السلفية الجديدة نحو مزيد من النصية والقطع في النظر، مُغَلِّبًا روح المحافظة في تأويله لكثير من منظومات العقائد الدينية. أمّا أبرز مظاهر إشكالات الإصلاح الديني في الفكر العربي المعاصر، فقد اكتُفي في النظر إليها باستعادة كثير من المواقف الوسطية، كما تمت فيها عمليات الانتصار لأشكال من المخاتلة في مقاربة الموضوع، وحصل تغييب لأسئلة الإصلاح في المجال الديني من طرف النخب، وذلك نتيجة القهر الثقافي والسياسي، واستمرار الدول القائمة في التعامل مع الدين وتوظيفه بأشكال مختلفة، في الطقوس الموصولة بالولاء والطاعة، وذلك فيما أصبح يعرف بالدين الرسمي، دين الدولة، الذي تنص عليه البنود الأولى في أغلب الدساتير العربية. يواكب تنامي النزعات المحافظة في المستوى الفكري، نزوع تاريخي إلى مزيد من تمثّل كثير من علمنة معطيات التدبير السياسي والاجتماعي، بل وعلمنة الدولة، وذلك بمزيد من توطين ترسانة القوانين الوضعية، في مجالات الإنتاج والعمل. إالّ أن المفارقة المكشوفة هنا تتمثّل في أن أغلب الأنظمة العربية كانت لا تتردد، تحت أسماء مختلفة ومسوغات كثيرة، في إعلان وصايتها على الشأن الديني. نؤكد مرة ثانية ضرورة إتمام مهمة الإصلاح الديني، بحكم أنها تُعَدّ اليوم مطلبًا تاريخيًا؛ إذ هو مطلب تزداد أهميته كلما استمر الفكر العربي في تأجيله والابتعاد عنه. ولعل بروز أمراء الافتاء الجدد المنادين بالجهاد وتطبيق الحدود، والمتحدثين بلغة الأحزمة الناسفة، وتزايد قنوات الإفتاء والدعوة والتجييش الديني، وظهور قنوات التطبيب والشعوذة باسم الدين، كلّ ذلك يرسم الملامح الكبرى لأزمة التوقف الحاصلة في الفكر العربي، في موضوع بناء دعائم الإصلاح الديني في فكرنا وحاضرنا. إننا نعي جيدًا أن توقف مشاريع الإصلاح الديني لا يعني إغفال صور حضور الديني في المجتمع؛ فقد حرصت الأنظمة السياسية على تأطير المجالس الدينية، واستحضارها الرمزي في تأثيث الفضاء السياسي، كما انتعشت في العقود الأخيرة ظاهرة استثمار الموارد الأيديولوجية، التي يحملها الدين بالنسبة إلى الحركات الإسلامية. وفي الموقفين معًا يتم الاكتفاء بما يقتضيه التوظيف الأيديولوجي، من تكييف لبعض المسائل الدينية مع مقتضيات العمل المطلوبة، ومن دون تفكير في إنجاز تأويل جديد في الأصول والمبادئ العامة.

ج -أنتج الفكر العربي في جوار ذلك كله، وفي موازاة الموقف السلفي في موضوع الإصلاح الديني، مواقف لا تخلو من جهد في الاقتراب من هذا الموضوع. ويتعلّق الأمر هنا بمواقف التنويريين العرب، الذين دافعوا بطريقة مستميتة عن ضرورة الإصلاح الديني، إالّ أن تصوراتهم لم تجد الصدى المطلوب، لأسباب ليس هنا مجال البحث فيها. نحن نشير إلى مساهمة الموسوعيين العرب الشوام، وقد عززوا مطلب الإصلاح الديني بمواقفهم الرامية إلى توطين المعارف الجديدة، التي تلتقي بصورة أو بأخرى في روحها العامة مع بعض مقدّمات الإصلاح الديني، ونقصد بذلك مفاهيم التسامح والحرية والمساواة والعلم. شكّل الموسوعيون العرب لحظة قوية في مشروع النهضة العربية الأولى. وقد تواصلت جهودهم متطورة في أعمال فكرية أخرى، في الثلث الأخير من القرن الماضي، حيث قدّمت أعمال العروي وهشام جعيط، على سبيل التمثيل، مواقف قوية في باب إسناد مطلب الاستفادة من التاريخ المعاصر، ومختلف مكاسب الفكر والمعرفة في عصرنا، بالصورة التي تساهم في عمليات تعزيز أفق الإصلاح الديني المرتقب. نقرأ في أعمال هشام جعيط نقده للتصور السلفي للتاريخ، كما نقف على رفضه المنظور الغوغائي لحركات الإسلام السياسي، لكننا نتبين فيها أيضًا، سعيه إلى منح الإسلام والذاكرة الإسلامية امتياز التعبير العميق عن جوانب من مكونات ذات الإنسان التاريخية ومكنوناتها، ومساعي هذا الإنسان لتعقّل ذواته في التاريخ. وجعيط يقبل، مثل العروي، مكاسب معركة حضور المقدس في التاريخ، كما رتبت في التاريخ الأوروبي الحديث والمعاصر، ويقبل مكاسب ومنجزات معركة الكنيسة والدولة في التاريخ. لكنه لا ينسى أيضًا أن المقدس ما زال يشكل جزءًا من التاريخ الرمزي والثقافي والوجودي لإنسانية تواصل التفكير الشامل في مصيرها. وسيتعزز الموقف الإصلاحي في الثلث الأخير من القرن العشرين من زاوية أخرى، حيث سنجد أن بعض المفكرين الذين اهتموا بالمسألة التراثية أنجز أطروحات في موضوع نقد العقل الإسلامي، الأمر الذي نتج منه التقاء بعض الجوانب في جهودهم مع مشروع الإصلاح الديني، كما بلورته سلفية النهضة العربية. ونحن نشير هنا إلى مشروع كلٍّ من محمد عابد الجابري ومحمد أركون، اللذين استثمرا معًا في منجزهما النظري النقدي روحًا نهضوية مؤكدة، كما استوعبا دعوة جديدة إلى التجاوب الإيجابي مع متغيرات زمننا في المعرفة والسياسة والتاريخ؛ ففي الإسلاميات التطبيقية لمحمد أركون، يجري تدشين القول النقدي في سؤال النص التراثي، نص القرآن، ونصوص الفكر الإسلامي المختلفة والمتعددة، والنصوص السياسية، ونصوص الفقه والتصوف، ومختلف منتوجات العقل التراثي والذاكرة التراثية، وذلك بهدف محاصرة نظام النظر الإسلامي الوسيطي، وكشف منطقه الداخلي ومحدوديته النظرية والتاريخية. وهي تتأسس في أعمال أركون بواسطة عمليات الاستيعاب الإيجابية لمكاسب العقل المنهجي المعاصر، حيث تتيح هذه المكاسب المنهجية إمكانية إنجاز فتوح نظرية جديدة، في مجال معرفة الذات في تمظهراتها الرمزية المختلفة.

يفسح أركون المجال في أعماله لمفاهيم الفكر النقدي باعتبارها وسائل وأدوات مناسبة لمحاصرة الفكر القطعي النصي واليقيني بمختلف صوره، وذلك لتعزيز وترسيخ صور العقلانية في النظر، والنسبية في المعرفة، والتاريخ في الوجود. وفي السياق نفسه، يتحول النقد في أعمال محمد عابد الجابري إلى أفق منفتح على أزمنة قادمة؛ فالحاضر مكبَّل بقيود من حديد، وتكسير القيود يتطلب مقاومة قوية، ومنازلات لا تتوقف إلا لتبتدئ، وذلك داخل دائرة من الصراع المرتبط بإشكالات كبرى لا تنفع فيها الخيارات الفردية المعزولة عن دوائر الصراع الاجتماعي والسياسي داخل المجتمع. ولهذا يحضر في مشروع النقد الذي أنجزه الجابري كثير من الحسابات السياسية، وكثير من الهواجس السياسية، كما تحضر حسابات توسيع دائرة المتنورين، وذلك باستعمال اللغة الشارحة، واللغة الموجّهة لأكبر قدر ممكن من الجمهور. ولعله على بيِّنة من أن معركة التحديث تتطلب مواصلة الجهد النقدي وتنويعه، وهو الأمر الذي يفيد بأن الرجل كان يراهن على المديين الزمنيين المتوسط والطويل. ضمن هذا الأفق، انتقد الجابري المواقف الراديكالية من التراث، واعتبرها مواقف سهلة وبسيطة، كما انتقد سدنة التراث وحراسه، وهم في الأغلب الأعم فقهاء الظلام الذين يكتفون بحفظه وتقعيده، ثم حفظه ونظمه، ثم حفظه وذكره، وهو الأمر الذي يحوّل الذهن إلى ذاكرة، والفهم إلى حفيظة، والمعرفة إلى طقس تذكُّر واستظهار؛ طقس يجعل الأقدمين ينطقون بلسان المتأخرين، والخلف نسخة من السلف، والأحياء ينطقون بلسان الأموات. إننا نُدرج الأعمال التي أشرنا إليها في الفقرات السابقة، في باب الالتقاء غير المباشر بموضوع الإصلاح الديني، كما يمكن أن نُدرج مواقف الأنظمة السياسية العربية خلال القرن العشرين في أشكال التدبير العلماني المخاتل وغير المعلن للمجتمعات نفسها. د - إن عوائق التحديث في مجتمعنا مركّبة، وهي عوائق سياسية ومجتمعية وثقافية واقتصادية، وكل خطوة نخطوها في المجالات التي عدَّدنا، تتيح لنا الاقتراب أكثر من طموحنا في التحديث الفكري، الداعم لتطلعاتنا في الحرية والتقدم. ونلح على أهمية ما ذكرنا، بحكم أننا نعتقد أنه لا يمكن أن نلج أبواب التحديث ونستمر في المحافظة في الآن نفسه على فكر ديني تقليدي. وما يساهم في إمكانية تحديث مجتمعنا هو أننا نشترك مع الدول المتقدمة في كثير من المكونات الثقافية، نشترك معها في الموروث المسيحي واليهودي، كما نشترك معها في الفكر اليوناني. إن الفكر السامي قيمة مشتركة بين مجتمعاتنا. وإذا كانت المجتمعات الغربية قد طورت فكرها الديني، وذلك رغم الاعتراضات المتواصلة على أفكار التحديث في المسيحية واليهودية، إذ يجب أالّ أن ننسى أن مجمع الفاتيكان الثاني كان معاديًا لحرية العقيدة، إلا أن المجتمعات الغربية ركبت في تاريخها الحديث والمعاصر ما

أهّلها للاستفادة من التوازن الاجتماعي والسياسي، الذي يرتب قواعده ويجددها بتطويرها في المشروع السياسي الديمقراطي. تتطلب عملية الانخراط في بناء الإصلاح الديني الانتباه إلى المكاسب التي حققنا في مجالاته في تاريخنا، وذلك قصد تطويرها وسدّ نواقصها. وفي تاريخنا القريب أمثلة كثيرة على درجات انخراطنا المتقدم أحيانًا، في مجابهة بعض القضايا الموصولة بمعضلات الإصلاح الديني وأسئلته. وإذا كانت الدراسات التاريخية الديمغرافية التي أُنجزت في أوروبا، في مطلع القرن الماضي، قد عملت على تركيب نموذج نظري في موضوع الترابط بين الإصلاح الديني البروتستانتي وانتشار التعليم، مع ما واكب ذلك كله من تحولات مجتمعية شملت بنية الأسرة والسلطة، وقوّت النزعات الفردية المستقلة عن الجماعات الأولية، فقد تم التمدن والتصنيع وظهرت المدن الكبرى، الأمر الذي يؤرشّ على حدث اجتماعي مركّب. وقد عكس هذا النموذج معطيات تتعلق أوالً بالمجتمعات الأوروبية، واندمجت في منطقه لاحقًا، في النصف الأخير من القرن العشرين، كلٌّ من إسبانيا واليونان، ثم البرتغال وجنوب إيطاليا. وما يترتب عن ذلك هو ضرورة تحصين الثورة السياسية بثورة مماثلة في الذهنيات، ولم تتمكن المجتمعات الغربية خلخلة بنية الأخلاق التقليدية إالّ في ستينيات القرن العشرين (ثورة 1968 في فرنسا)، حيث فتح المجال أمام منظومات قيمية جديدة، عاكسة نمط التغير الجاري في المعرفة والتاريخ والتقنية. ويمكننا أن نحوّل مكاسب الانفجار السياسي الحاصل في مجتمعاتنا بتفجيرات مماثلة في منظومة القيم التقليدية، بفعل معول التحول الذي فجرته وتفجره ثورات المعرفة والتقنية في مجتمعنا، لعلنا نتمكن من تفكيك المواقف الجذرية الطهرانية في الجماعات الأخلاقية التقليدية والجماعات الدينية المحافظة. ومن المؤكد أن خيوط التقليد اهترأت وأصاب جوانب منها التلف. ولعل النخب مطالبة لا برتق المهترئ، لأن هذا الأخير لا يمكن أن يلتئم مجدّدًا، ولن يحصل ذلك إالّ عن طريق إبداع أسئلة وأجوبة مساعدة في عملية مواجهة التحديات المطروحة أمامنا، وذلك بمزيد من الانفتاح على الثقافة والقيم الكونية. لقد ازداد حضور الشأن الديني بفعل التحولّات التي عرفها العالم بعد الثورة الإيرانية عام 1979، فنتج من ذلك عودة المقدس بصورة مختلفة إلى المجال العمومي في العالم الإسلامي، وما ترتب عن ذلك من استخدام للدين وتوظيفه في مجال الصراع السياسي، فعدنا لنواجه من جديد إلحاح مطلب الإصلاح الديني. وقد شكّل حادثا تفجير طائرتين في قلب برجي التجارة العالمي داخل الولايات المتحدة الأميركية في مطلع هذا القرن الصورة الأعنف في مجال استخدام المقدس في مواجهة إشكالات الهيمنة الأميركية على العالم، والمتمثّلة في إرادة القوة التي أعلنتها بعد انفراط القطب الاشتراكي، والمتمثّلة كذلك بالنسبة إلى الفضاء الإقليمي العربي في المشرق في عمليات الإسناد المطلق للاستعمار الصهيوني لفلسطين، ومختلف تجليات توجهها السياسي، الهادف إلى تحقيق درجة قصوى من الهيمنة على العالم. وقد أبرز الفعل المذكور وجود قوى سياسية فاعلة في السياسة العالمية،

بصور جديدة من الخطاب والفعل والتموقع السياسي؛ صور توظ ف فيها شبكات وأفعال ومواقف عاكسة لمستويات قوية من الصراع، بعضها ظاهر، وكثير منها يستخدم وسائل التقية والخداع. نخلص من كل ما سبق إلى أن موضوع الإصلاح الديني في العمق يستدعي عمليات فكرية معززة لآليات الاجتهاد والنقد والحرية، وهي عمليات موصولة بدرجات قوة تطور مجتمعنا، وما يتصل به من قوة الوعي ودرجات نقديته، وموصولة كذلك بلزوم تطوير برامجنا في التربية والتعليم، كما أنها مرتبطة بدرجات تحول الوعي في المجتمع، حيث يمكن أن يترتب عن تعزيز الفكر التاريخي والنقدي ما يمكن أن يساهم في اختراق المقدمات الدوغمائية، التي صنعت للفكر الديني في ثقافتنا أسيجة صلبة، تحتاج في رأينا إلى قوة في النظر مستوعبة روح الإسلام، ومستوعبة في الآن نفسه حاجتنا الفعلية إلى الإصلاح والاجتهاد، حفاظًا على الإسلام ورسالته في عالم متغير.

-2 العلمانية، نحو إبداع طريق عربي لتوطين قيم العلمانية أ- ينطلق تصوّرنا للإصلاح الديني من معاينتنا المتواصلة لأشكال حضور الدين في مجتمعنا. وقد أوضحنا ونحن نقارب كيفيات هذا الحضور في المبحث السابق، جوانب من المخاضات والتوظيفات، التي تمارَس داخل المجتمع عمليات ترسيخ ثقافة لا علاقة لها بالقيم الروحية. ذلك أن من يقف وراء الوسائط الجديدة الهادفة إلى إشاعة ثقافة الجهل والخنوع والطاعة لا يلتفت إلى متغيرات المجتمع العربي وطموحاته، في التنوير والعقلانية واستيعاب مكاسب الأزمنة الحديثة. لهذا السبب ألححنا على ضرورة استكمال مشروعنا في الإصلاح الديني، ومحاولة توسيعه بالصورة التي لا تستبعد استمرار حضور المقدس في التاريخ. وفي السياق نفسه، نفكر في أهمية سؤال فصل الدين عن الدولة، لمزيد من تحديث المجال العام، وترك المطلقات والعمل في إطار التعاقدات التاريخية في مجال التدبير السياسي. وقد لاحظنا في مناسبات مختلفة اعتنينا فيها بهذا الموضوع، أنه بمقدار ما تتجه المجتمعات العربية نحو مزيد من العلمنة القسرية، تنتعش مفارقات كثيرة في الفكر والخطاب. كما لاحظنا في المناقشات الدائرة في الموضوع كثيرًا من التصادم بين المتجادلين، وكثيرًا من المغالطات المبنية على أحكام وتصورات لا علاقة لها بالتاريخ في تجلياته الفعلية. وسنحاول في هذا المحور متابعة إعادة النظر في تصورنا للمفهوم، وفي سبل منحه الشحنة الدلالية الموصولة بفكرنا السياسي وتطلعات مجتمعاتنا. ونحن نعتبر أن وصول الإسلاميين إلى السلطة يُعَدّ مسألة مواتية لتطوير النظر في العلمانية، وتطوير التفكير في موضوع حاجتنا الماسة إلى روحها، قصد مزيد من تحديث فضائنا السياسي. يُعتبر مفهوم العلمانية من المفاهيم الأكثر التباسًا في الفكر والكتابة السياسية العربية، وغالبًا ما يكون النقاش في المنابر العربية في موضوعه متشنجًا، فلا يُعنى بتحقيق أو بلوغ أي تقدم، في النظر إلى المفهوم وصور التطوع والتنوع التي لحقت معانيه.

ولا بدّ من أن نوضح هنا أن الأوليات الكبرى التي سنتجه إلى بسطها ربما تتيح لنا إمكانية تجاوز المواقف الحدية المتداولة بصدد المفهوم، من قبيل مرادفته بالهرطقة والدهرية، أو السعي إلى تعميم دلالته الفرنسية من دون التفات إلى التاريخ ومقتضياته. ومن أجل حفريات أكثر تاريخية، ننطلق من ضرورة التمييز بين موضوع العلمانية وموضوع الدين، ذلك أننا لا نتصور اليوم أن في إمكان أي فرد أن يشكك في أدوار الدين في حياة البشر؛ فبعد جميع أشكال النقد الفلسفي التي وجهت إلى الظاهرة الدينية وظاهرة المقدس في المجتمع، فإن استمرار النوازع الدينية في حياة الأفراد والمجتمعات، تُعَدّ أكبر دليل على حاجة الناس إلى المقدس، وإلى الآفاق التي يرسمها في وجدانهم وفي حياتهم. ومعنى هذا أنه لا علاقة بين مسائل الإيمان الديني الذاتية، وسؤال العلمانية في المجال السياسي. وفي السياق نفسه، نشير إلى أن هناك من يرفض التعارض الشائع بين مفردتي علماني وإسلامي، ويعتبر أن ما يعارض الإسلام هو الزندقة أو الكفر. ترتبط العلمانية بسياق تاريخي ونظري محددين؛ فقد نشأت الدعوة إلى فصل الكنيسة عن الدولة، في إطار صراعات معروفة داخل المجال التاريخي الأوروبي. وقد ترتب عن هذه الصراعات توافقات أقرّت باستقلال مجال السياسة عن مجال الكنيسة، حيث أصبح الدين شأنًا خاصًا، وتحولت الكنيسة إلى مؤسسة اجتماعية حاضنة للعقيدة وساهرة على طقوسها. وفي هذا الإطار، دافعت الجمهورية الفرنسية الرابعة ثم الخامسة عن أهمية استقلال الشؤون المدنية عن الشؤون الدينية. ورغم عدم وجود أي فصل بين الديني والدنيوي في تاريخ الحكم في الإسلام، فإنه يجب أن نقر بأن المجتمع الإسلامي يفرض وحدة السلطة، لكنه لم يحصل قط أن توحدت السلطة في التاريخ الإسلامي، وما سمّي ولاية الفقيه لم يتحقق في يوم من الأيام. كانت الولاية دائامً في يد السلطان، وكان هذا الأخير يعتمد على الفقيه، ويقول بوحدة السلطة على أساس ما يقوله الفقيه، وعلى أساس تركيز وحدة هذه السلطة. وإذا كان الاستبداد الإسلامي أيضًا واقعًا مؤكدًا، فإنه كان استبدادًا علمانيًا وليس دينيًا، كما كان الاستبداد البيزنطي استبدادًا علمانيًا مبنيًا على ما يقوله الفقيه؛ ففي التاريخ الإسلامي ما يؤكد تخصيص السلطة وتوزيعها على النحو الذي نجده في الأديان الأخرى. ب - تعززت الدعوة إلى العلمانية في سياق التاريخ السياسي الغربي بالمقدمات الفلسفية الكبرى للمشروع السياسي الحداثي، حيث ساهمت مفاهيم العقل والتعاقد والتسامح والمواطنة والتدبير المدني، في تركيب تصورات سياسية، أَولت أهمية خاصة للتعاقدات البشرية النسبية والوضعية، باعتبارها البديل المناسب للعقائد والتصورات والنصوص الموصولة بمجال العقائد الدينية، فتحرر المجال الديني، وتحرر المجال السياسي،

وأصبح الجدل واضحًا في دائرة السياسي، بحكم اعتماده على محصلة الصراع الاجتماعي بين البشر داخل المجتمع، وخارج كل تصور موصول بنصوص مطلقة. اتخذت العلمانية طابعًا نضاليًا في فكر الأنوار، لكن نتائج الصراع السياسي والعقائدي في المجتمعات الغربية كشفت في النهاية أن الفصل بين سلطة الكنيسة وسلطة الدولة أثمر وضوحًا في مقاربة المجالين، لكنه لم ينه سلطة الدين على البشر، ولا دور العمل السياسي الدنيوي في تدبير شؤون المجتمع. إضافة إلى ذلك، نلاحظ أن مفهوم العلمانية يتمتع، مثل غيره من مفاهيم الفلسفة السياسية المدنية، بمرونة كبيرة. فهو كما نتصور، مفهوم مفتوح، وتجارب البشر في التاريخ تجعله موصوالً بجبهات جديدة وتصورات جديدة، وأساليب في العمل غير مسبوقة، وهو الأمر الذي يسمح بإدخال تلوينات في المعنى على حمولته الدلالية بالصورة التي توسعه، وتجعله يستوعب معطيات تاريخية، تمنحه كفاءات نظرية وتطبيقية، تستفيد من مختلف التحولّات التي لحقته، وما فتئت تلحقه في التاريخ، وذلك بناء على معطيات التنوع والخصوصية التاريخية. ونحن ننطلق في التفكير في هذا الموضوع من زاوية تقرّ بأن المفاهيم في المجال السياسي ليست جواهر مطلقة ومغلقة، بل إن الفاعلية النظرية والتاريخية التي يتمتع بها البشر تمنحهم إمكانية تطوير المفاهيم، وإعادة النظر فيها بالصورة التي تمنحها النجاعة المطلوبة، وتسعف مستعمليها بإدراك أفضل لموضوعات جدلهم. وبناء على ما سبق، نتصور أن الجدل في موضوع مفهوم العلمانية في الفكر السياسي العربي في ضوء التحولات الجارية اليوم في مجتمعاتنا، يقتضي الإعلان أوالً أننا نتحدث في المجال السياسي، وأن هذا المجال هو مجال للصراع التاريخي بامتياز، وأن كل محاولة لاستدراج الدين والعقائد الدينية في هذا الباب تبتعد عن روح المفهوم، وتجعلنا نقترب أكثر من علم الكلام ومن السياسة الشرعية، ونقترب من لغة حراسة الدين في الدنيا، وكلها مفاهيم موصولة بتاريخ لم تعد ملامحه واضحة اليوم في حياتنا المعاصرة. لقد نشأ مشروع الدولة الوطنية في كثير من الأقطار العربية، منذ نهايات القرن التاسع عشر، وظلت الشرعية التقليدية موصولة ببعض مجالات التدبير السياسية في أغلب المجتمعات العربية، ولم يُفتح نقاش عقلي واضح حول الموضوع حتى هذه اللحظة، إذ لا تزال صور المخاتلات مهيمنة على كثير من مظاهر الفعل والنظر السياسيين في عالمنا. وعندما نفكر في تعيين حدود المجال السياسي، وأنماط التدبير السياسية السائدة في مجتمعنا، فإنه يمكننا أن نفتح نقاشًا في موضوع العلمانية، بهدف تطوير الإشكالات السياسية والتاريخية المطروحة أمامنا اليوم، ومن أبرزها إشكال الاجتهاد في مواجهة مستجدات عصرنا ومتغيراته. كما يمكننا أن نفتح نقاشًا آخر في موضوع إعلان أن الإسلام هو الحل، ومرادفته بمبدأ تطبيق الشريعة، وأن الجمع بين الشعارين في الفضاء السياسي العربي اليوم يضعنا أمام مشروع الدولة الدينية في زمن نعرف فيه، بفضل مآثر التحديث السياسي، أن مسؤولية الدولة ذات أبعاد اقتصادية وسياسية واجتماعية واسعة.

نشير في نهاية حديثنا عن العلمانية إلى تمييزنا بين العلمانية في بعدها الأيديولوجي النضالي والعلمانية كظاهرة أو سيرورة اجتماعية. ذلك أن مجتمعاتنا منخرطة في مزيد من توسيع دوائر علمنة المجتمع؛ ففي المغرب نقف على كثير من مظاهر تدبير الشأن الديني، الذي يعتمد على مبدأ قبول تصور الملَكية في المغرب للدين بحكم وظائفه التاريخية في الوحدة والاستقرار. لكننا لا نفترض أن فصائل الإسلام السياسي في مجتمعنا تقبل المبادئ نفسها. ويظل الأمر مفتوحًا على ممكنات في العمل إمّا في اتجاه تطوير المكاسب، وإمّا في اتجاه ضبط المجال الديني وتسييجه بقراءة محددة للثوابت والعقائد والطقوس، أو في اتجاه آخر يضعنا على أبواب الدولة الدينية. لنترك القضايا النظرية، التي هي قضايا فكرية بحتة، ولننظر إلى العلمانية بصفتها سيرورة اجتماعية. هذا الذي أعنيه بالكلام الذي قلته آنفًا، فما الذي تقتضيه العلمانية كسيرورة اجتماعية؟ وما الذي تقتضيه القوانين لتكون قوانين وضعية؟ إذا كانت القوانين وضعية في جميع الميادين، فإنها تكون متناغمة مع هذه السيرورة الاجتماعية، فهل يواصل الإسلاميون عمل الدولة داخل النظام السياسي المغربي، في موضوع بناء دولة القانون والمؤسسات، القائم على التعاقدات التاريخية، كما بدت ملامح ذلك في صورتها الأولى في الدستور الجديد (2011)، الذي يُعَدّ نتيجة من نتائج الثورات العربية؟