العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مفهوم الرؤية إلى العالم بوصفه أداة إجرائية لقراءة تاريخ الفكر الفلسفي

مفهوم الرؤية إلى العالم بوصفه أداة إجرائية لقراءة تاريخ الفكر الفلسفي

Conceptualizing the World as a Procedural Tool for Reading the History of Philosophical Thought

الطيب بوعزة

Eltayeb Bouazza

الملخّص

تتميز هذه الدراسة باستدلالها على ضرورة استحضار هذا المفهوم الإجرائي في بحث الظاهرة الإنسانية، إذ بيّنت أن تأسيس المفهوم منذ فيلهلم ديلتاي قام على أساس التمييز بين العلم الطبيعي والعلم الإنساني، وذلك ضد هيمنة براديغم نموذج Paradigm العلوم الطبيعية، حيث نادى ديلتاي بتأسيس العلوم الإنسانية على نموذج منهجي مغاير لما يتأسس عليه العلم الطبيعي، بسبب الحضور الفاعل للمعنى في الكينونة الإنسانية.

Abstract

Ernst Cassirer, An Essay on Man; an Introduction to the Philosophy of Human Culture (New Haven: Yale University Press; London: H. Milford; Oxford university press, 1944).

الكلمات المفتاحية:
  • الرؤية
  • الفكر الفلسفي
  • براديغم
  • العلوم الانسانية
  • العالم
Keywords:
  • Paradigm
  • Philosophy
  • Human Sciences

في مقاربة السلوك وأنماط الاجتماع الإنساني، يشكل مفهوم «المعنى الكلي» مدخل ضروريًا

لفهم الظاهرة الإنسانية. وفي هذا البحث، يسعى الكاتب إلى تحديد دلالة المفهوم وشروط

تأسيسه في المجال الفلسفي والسوسيولوجي، والحوافز التي جعلت علماء الاجتماع

والأنثروبولوجيا ملزمين باستعماله. تتميز هذه الدراسة باستدلالها على ضرورة استحضار هذا المفهوم الإجرائي في بحث

الظاهرة الإنسانية، إذ بيّنت أن تأسيس المفهوم منذ فيلهلم ديلتاي قام على أساس التمييز

بين العلم الطبيعي والعلم الإنساني، وذلك ضد هيمنة براديغم (نموذج Paradigm)

العلوم الطبيعية، حيث نادى ديلتاي بتأسيس العلوم الإنسانية على نموذج منهجي مغاير لما

يتأسس عليه العلم الطبيعي، بسبب الحضور الفاعل للمعنى في الكينونة الإنسانية.

كما تتميز الدراسة بالتدليل على أن مسار تطور العلوم الإنسانية كان مرافقًا باستعمال مفهوم

«المعنى الكلي» أو «الرؤية إلى العالم»، وإن لم تستعمله بالصيغة اللفظية ذاتها. لم تقتصر الدراسة على بيان دلالة المفهوم وشروط تأسيسه وتطور استعماله، بل حرص

الكاتب فيها على إعادة البناء الدلالي للمفهوم، بتجديد ضبط مكوناته، لجعله قادرًا على

تأدية الدور المنهجي الإجرائي.

مقدمة

يشكّل «المعنى» في حياة الإنسان خصيصة تميز نمطه في الكينونة إلى درجة يصح معها تعريفه بأنه

كائن رامز أو كائن منتج للرموز والدلالات. ولا نرى هذه القدرة على الترميز والتسمية مجرد

(((نجد هذا الاصطلاح حاضرًا ضمنيًا في نظرية بن جني الخاصة بالقدرة على التسمية التي يمتاز بها الإنسان، كما نجده بصريح

التعبير عند إرنست كاسيرر في كتابهمقال في الإنسان:

فعل جزئي من بين أفعال متفرقة، أو سلوك من بين سلوكات جزئية، بل هي ما يؤسس ويحايث مختلف

أنماط سلوك الإنسان وتفاعله مع الذات والوجود؛ فالكائن البشري يأكل ويلبس ويرى ويذوق ويحكم

بطرائق خاضعة للرموز والدلالات، ومشروطة بها. وسواءٌ على المستوى الفردي أو الجمعي، نلحظ أن الحاجة إلى فهم الوجود لا تُسَدُّ بمجرد الاستجابة

إلى الحاجات البيولوجية بالانغماس المادي في عيش الوجود، وعلى المستوى الجمعي لا يكفي لوجود

المجتمع وجود كينونة بشرية وإطار جغرافي بيئي حامل لها، بل لا بد من معنى حامل أيضًا، يتمثّل

في سردية مؤسِّسة للُحمة الجماعة، وساندة له، وآية ذلك أن ما مجتمع بلا «معنى كلّ» ينظّم به رؤيته

إلى ذاته وإلى العالم، وإلى القيم الواجب تجسيدها في واقع العلاقات بنوعيها الرابط بين الإنسان

والطبيعة، والرابط بين الإنسان والإنسان. إنها «الرؤية» التي تمنح المجتمع لحمته الرابطة بين

مكوناته المختلفة التي من دونها يصير مجرد مراكمة لأفراد لا مجتمع مَنْظُوم بعلاقات ووشائج تمنحه

صفة الديمومة التي تخرجه من مجرد مجموعة متفرقة من الذوات، إلى كينونة مجتمعية ذات هوية

وعلائق وامتداد زماني. لوصف كلية هذا المعنى بلفظ دال على مجاله، سُكّ في حقل العلوم الإنسانية مصطلح «الرؤية إلى العالم»؛

فما المقصود دلاليًا بهذا المفهوم، وما هي عناصره ومكوّناته؟ وكيف يصلح لأن يكون مفهومًا إجرائيًا ذا

أداء منهجي مفيد في تحليل الوجود الانساني في مستوييه الاجتماعي و الفكري؟

في الحاجة إلى استعمال مفهوم «الرؤية إلى العالم» في بحث الظاهرة الإنسانية

لنستبق جواب الاستفهامات السابقة، بالقول: إن ضرورة اعتماد مفهوم «الرؤية إلى العالم» آتية من محورية

المعنى الكلي في حياة الكائن الإنساني من جهة، وعمقه الوظيفي كبُعد نظري شارط للوعي والسلوك من

جهة ثانية، الأمر الذي يؤكد أن فهم الظاهرة الإنسانية - والظاهرة الفكرية على وجه أخص، ومن باب

أولى - مرهون بشروط أهمّها فهم ذاك المعنى الناظم للوعي والفعل الإنسانيين. وما يدل على ذلك أن مفهوم «الرؤية إلى العالم» صار منظورًا منهجيًا حاضرًا حتى في العلوم الإنسانية الأكثر

اتصالً بالموضوع السلوكي الملحوظ (مثل علم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس الاجتماعي.)... وحضور هذا المفهوم لتحليل السلوك الاجتماعي توكيد لنقطة أن حضوره يكون أولى وألزم عندما يتعلق

الأمر بتحليل السلوك الذهني، كالفعل الفلسفي ونتاجه النظري -مثلً - الذي هو مجال بحثنا هذا. لا يعني حضور مفهوم «الرؤية إلى العالم» في حقل العلوم الإنسانية أنه بدأ تبلوره فيها، بل إذا رجعنا

إلى الحقل الفلسفي، وإذا كنا لا نجده مستعمل ببنيته اللفظية تلك (أي: «الرؤية إلى العالم»)، فإننا نجده

حاضرًا بماصدقه الدلالي العام من خلال دوال أخرى مقاربة له في المعنى. للتدليل على ذلك، نكتفي هنا باستحضار فكرة «روح العصر» عند هيغل، حيث إنها تدل - من حيث

(((نستعمل في هذ البحث مفهوم « الرؤية إلى العالم» (Weltanschaung,Worldview) لشيوعه، لكن من ناحية التدقيق الدلالي نفضل

دالً لغويًا آخر، وهو «الرؤية إلى الوجود»؛ لأن لفظ الوجود أوسع في الدلالة على ما صدق المعنى الكلي من لفظ العالم.

تطبيقها الإجرائي في المتن الهيغيلي - على تناول «كلية» المعنى الثاوي في المجتمع، باستحضار البؤرة

التصورية المحورية التي تنظمه، وهذا قريب من التأويل السوسيولوجي والأنثروبولوجي لمفهوم «الرؤية

إلى العالم.» وما يؤكد أهمية هذا المفهوم في تحليل الظاهرة المجتمعية أن حتى تلامذة هيغل الموسومين ب«اليسار الهيغيلي»،

أقصد أولئك الذين انشغلوا بالتفسير المادي للفكر، كانوا مضطرين حتى لا يغفلوا عن أهميته في تفسير

الوقائع الاجتماعية، وإن لم يعترفوا بالدلالة المنهجية لهذا الاضطرار، إذ التزموا بالتقليد الأيديولوجي،

فانساقوا نحو تفسيره - أي تفسير «المعنى الكلي» - من خلال المنظور الجدلي المادي الذي يقرأ الفكرة من

حيث كونها مشروطة لا شارطة. والدليل على ذلك أن القراءة الماركسية - مثلً - مع لوكاتش ولوسيان غولدمان بدت لنا قريبة من

إنجاز مراجعة نقدية تعيد للفكر قيمته وفاعليته في تشكيل السلوك والوجود الإنسانيين، لولا النفوذ

الأيديولوجي القوي الذي كان سائدًا وقتئذ في الوسط الثقافي الماركسي. وإذا انتقلنا من الهيغيلية، ويسارها، إلى البحث الفلسفي في نسق الحضارة والاجتماع، سنلاحظ أن كثيرين

من الفلاسفة استشعروا الحاجة إلى اصطناع مفاهيم مقاربة دلاليًا لما صدق مفهوم «الرؤية إلى العالم»،

للإمساك بكلية النسق عبر تحديد المعنى الثاوي داخله، وإن لم يعبّوا عن ذلك المفهوم بدال «الرؤية. »...

فمع أوزفالد شبنغلر وميغيل دي أونامونو و ألفرد نورث وايتهد... نجد تركيزًا على الفلسفة الثاوية في

النسق الثقافي؛ الفلسفة التي يشك ل استخلاصها وتعيين محدداتها شرطًا لفهم المركّب الحضاري والمجتمعي

ومقاربة ظواهره. وقبل الفلسفة المعاصرة، نجد أن طريقة التفكير التي ينتهجها الفيلسوف لا تخرج عن ذاك القصد الطموح،

الذي يهدف إمّا إلى إنتاج رؤية جديدة إلى العالم وإمّا إلى الاستدلال على نمط في الرؤية سابق في التبلور

والوجود. ويكفي النظر في تاريخ صيرورة الفكر الفلسفي لتبَيُِّذلك. هذا على المستوى الفلسفي، أمّا على مستوى حقل العلوم الإنسانية، فقد سبق أن قلنا إن مفهوم «الرؤية

إلى العالم» ابتُدع كدال لفظي داخل ذلك الحقل المعرفي، ومعنى قولنا ذاك أن تلك العلوم لم تبدع مدلول

المفهوم، بل أبدعت «دالهُ»، حيث بيَّنَا أن الحقل الفلسفي كان أسبق إلى تحديد مدلول مقارب له، بل

(((صحيح أن التوجه الذي حكم الرؤية الماركسية هو دراسة الشروط المادية المحددة للوعي، والنظر إلى المعنى الكلي بوصفه

نتاجًا طبقيًا، وذلك امتثال للنهج المادي الجدلي الذي تُلخص منظورَه لعلاقة الفكر بالواقع، تلك المقولةُ الماركسية الشهيرة: «ليس

وعي الناس هو ما يحدد كيفية وجودهم، بل كيفية وجودهم الاجتماعي هي التي تحدد وعيهم». انظر:

Karl Marx, Critique de l’économie politique, Préface, Pléiade, Tome I, pp.272-273.

والفكرة الماركسية القائلة بأسبقية البنية الإجتماعية في تكييف الوعي، هي ما يعبّر عنه غولدمان بقوله: «منذ نهاية العصر القديم وحتى

أيامنا هذه، تشكل الطبقات الاجتماعية البنيات التحتية لرؤى العالم..» بمعنى «أنه كلما تعلق الأمر بالبحث عن البنية التحتية لفلسفة

ما أو اتجاه أدبي ما، فإننا لا نخلص إلى جيل، أمة أو كنيسة / مهنة، أو أي مجموعة اجتماعية أخرى، ولكن نخلص إلى طبقة اجتماعية

وشبكة علاقاتها مع المجتمع». انظر:

Marcel Rioux, » Remarques sur les concepts de vision du monde et de totalité, Anthropologica « , vol. 4, no 2 (1962), pp.

لكن على الرغم من هذه الأولوية المعطاة للبنية المادية، فإن النظر في سياق التحليل الذي أنجزه النقد الماركسي، في مجال تحليل

الإبداع الأدبي مثلً، يكشف لحظات صعوبة التزام الماركسي بهذه الأولوية في النظر، واضطراره إلى الانتباه إلى فاعلية الفكر،

واستقلالية نظام إنتاجه عن نمط الانتاج الاقتصادي وما يفرزه من تراتبية طبقية.

والاشتغال به على مستوى تحليل البنى الفكرية وطريقة انتظامها وتطورها. وقد أشرنا كمثال على ذلك إلى

الفلسفة الهيغيلية، وتوابعها، أقصد فلاسفة اليسار الهيغيلي الذين كانوا، على الرغم من التوجه الفلسفي

المادي لبعضهم، قد استشعروا أهمية اللجوء إلى مفهوم «الرؤية إلى العالم»، الدال على وجود معنى كلي

محايث للوعي الجمعي، ويتوجب على الباحث تحديده واستحضاره لفهم الظواهر الإنسانية المراد درسها. فما الذي دعا العلوم الإنسانية إلى ابتداع هذا الدال المفهومي واصطناعه أداة إجرائية لتحليل

الفعل الاجتماعي؟ يقال غالبًا إن مفهوم «الرؤية إلى العالم» مفهوم حديث الاستعمال في الدراسات السوسيولوجية

والأنثروبولوجية. بيد أن هذا القول ليس صحيحًا إل إذا تم التنصيص في القول ذاته على حداثة تلك

الدراسات نفسها، أي النشأة الحديثة بل المعاصرة للعلوم الانسانية؛ لأن اضطرار الباحث السوسيولوجي

إلى اصطناع المفهوم كان منذ لحظة النشأة الأولى لتلك العلوم في بداية القرن التاسع عشر. لكن يمكن أن نقول - في المقابل - بأن لحظة النشأة تلك لم تشهد توسعًا في استعمال المفهوم، فإذا استثنينا

التقليد الألماني الذي اتخذ مقاربة المعنى الكلي مدخلً منهجيًا لتحليل الظاهرة المجتمعية، وخصوصًا من

زاوية منظور «سوسيولوجيا الفهم»، كما نظَّرَ لها عالم الاجتماع ماكس فيبر، ثم «سوسيولوجية المعرفة »

مع كارل مانهايم and Ideology()Utopia - مثلً- الذي نجده، على الرغم من تأثره بالماركسية، يولي

عناية خاصة في تنظيره السوسيولجي لفاعلية الفكرة، إلى درجة أنه في بعض مراحل تطوره الفكري نظر

إلى فئة المثقفين بوصفها طبقة متحررة إلى حد كبير من الاشراط الطبقي... فإن التقليد الأنغلوساكسوني

- إذا استثنينا بعض الأسماء القليلة، وأهمها رايت م (ِلز Power Elite) - سار مسارًا آخر في تحليل الفعل

الاجتماعي، على نحو يعطي الأولوية للملحوظ على المعنى المجرد، وللجزئي القابل للاستقراء على

الكلي العام. لكن صيرورة علم الاجتماع وتوسعه نحو دراسة النظم الاجتماعية خارج «المجتمع الصناعي» جعلاه

يستشعر حسًّا إبستيمولوجيًا نقديًا خلص به إلى تعديل نظري في منظومة تفكيره وطرائقه المنهجية. هذا الاضطرار توكيد آخر لما سبق أن قلناه، وهو محورية المعنى في حياة الكائن الإنساني؛ لأن حضور

مفهوم «الرؤية إلى العالم» وتشغيله في البحث الاجتماعي راجعان ابتداءً إلى طبيعة الظاهرة الإنسانية ذاتها

التي اضطرت الناظر إليها إلى اعتبار المفهوم، وتوسله كأداة للتحليل؛ فبما أن الوجود الإنساني يتجاوز

مستوى الوجود الطبيعي/البيولوجي إلى المستوى الثقافي، فإن «المعنى» يحتل موقعًا محوريًا في مختلف أنماط

هذا الوجود؛ إذ حتى إشباع الحاجة الغريزية لدى الكائن الإنساني مشدود إلى «المعنى»، ومرتهن بقواعده

ونظمه الرمزية، ومن ثم لا يتأتى فهم طريقته في الإشباع، بمجرد تحليل بيولوجي.

(((إيضاحًا لذلك، لنتبين الأمر بمثال بسيط:

إذا استشعر الكائن الحيواني الجوع وتراءت الفريسة أمامه، تجده ينقض عليها. وتفسير فعله هذا لا يحتاج سوى إلى الإحالة إلى

كينونته البيولوجية وطبيعتها في الاحتياج والتغذي. أمّا الكائن البشري، فقد يستشعر غريزة الجوع، وقد يكون أمامه أشهى ما يرغب

فيه من نوع الطعام، لكنه إذا كان ممتنعًا عن الأكل بآمر ديني مثل، كفريضة الصوم، فإنه لا يمد يده إليه. وتفسير موقفه هذا لا يتأتى

بمحض الإحالة على الطبيعة البيولوجية، بل لا بد من إحالة على المعنى الثقافي الثاوي في عقليته ووجدانه.

إذن، ليس استحضار محورية المعنى في مقاربة كينونة الإنسان شرط ا لفهم اتجاهاته في التفكير والتذوق فحسب، بل حتى لتعليل

أشكال وأنماط إشباعاته الغريزية المحضة.

وإذا صح هذا على مستوى بيولوجية الكائن البشري، فإنه يصح أكثر على مستوى الفعل الاجتماعي والمواقف الثقافية.

وحتى فيلهلم ديلتاي) W. Dilthey) الذي يُعزى إليه تأسيس مفهوم «الرؤية إلى العالم»، لم يقترحه إل على

أساس التمييز بين العلم الطبيعي والعلم الإنساني، وذلك ضد هيمنة براديغم (نموذج) العلوم الطبيعية،

إذ نادى بتأسيس العلوم الإنسانية (التي يفرعها إلى علوم القانون والدِّين والفن والتاريخ) على «نموذج

متميز ومغاير لما يتأسس عليه العلم الطبيعي». إذن، لم يُقترح مفهوم «الرؤية إلى العالم» في سياق البحث الاجتماعي إل بداعي خصوصية الظاهرة

الإنسانية وامتياز نمطها في الوجود عن الظاهرة الطبيعية.وإذا تتبّعنا صيرورة العلوم الإنسانية،

سنلاحظ أن مسارها النظري والعملي كان مرافقًا بلحاظ «الرؤية إلى العالم»، حتى وإن لم تستعمله بالدال

اللفظي ذاته: فعند جيمس فايبلمان (J. K. Feibleman) مثل نجد دالً تعبيريًا مقاربًا هو «الأنطولوجيا

الضمنية المهيمنة». ومدلول هذا المفهوم بالنسبة إلى فايبلمان هو المعتقد أو فلسفة الجسم الاجتماعي التي

هي أنطولوجيا ضمنية لا يعيها أفراد الجسم إلّ جزئيًا. يقول فايبلمان: «إن الفلسفة المهيمنة لدى شعب

ما هي ما يمايزه عن غيره....» إنها ما يُل وّن أفكارَ الأفراد ومشاعرهم وأفعالهم، ويحدد اختيارهم لغاياتهم

الاجتماعية «لأن الأنطولوجيا الضمنية المهيمنة هي بلا شك «العنصر الأكثر قوة على مستوى عناصر

البناء الاجتماعي ومكوّناته». وإذ يجعل فايبلمان الأنطولوجيا الضمنية، أي الرؤية إلى الوجود، أهم مكوّنات البناء المجتمعي، فذاك

توكيد منه لأمرين: - البُعد الوظيفي للرؤية كفاعل داخل النسق الثقافي والاجتماعي. - وجوب الاهتمام بها في التحليل السوسيولوجي من أجل مقاربة ذلك النسق. ومن ثم يتبين أن العلوم الإنسانية لم تستغن عن المدلول الكلي الذي يحمله مفهوم «الرؤية إلى العالم»، على

الرغم من أنها تنزع نحو لحظ الجزئي؛ فعند زومبارت) Sombart) مثلً، نجد إفصاحًا عن الكلي، لدى

تحديده مدلول مفهوم«الرؤية...» بأنه: «كلية تأويلاتنا للعالم ولحياتنا في هذا العالم، وكذلك كلية القيم التي

نعيش بها». وتفسير زومبارت لهذا المفهوم يلتقي مع العديد من التحديدات الدلالية التي تحيل إلى فكرة

«المعنى الكلي» السائد في النسق الثقافي والمجتمعي. لكن إذا كان التحليل السابق انتهى بنا إلى أن مفهوم «الرؤية إلى العالم» يتعلق بالمعنى الثقافي الكلي المحايث

للفعل والبناء الاجتماعيين، فإنه قبل أن نبدأ في تحليل مكوناته وإعادة بنائها بما يتلاءم مع موضوع بحثنا،

أي تحليل الفكر الفلسفي، لا بد من الدفاع عن قيمته الإجرائية التي قد يُشَك كُ فيها بسبب مطلب الإمساك

بالمعنى الكلي؛ فربما يُساءَل الإمكان الإجرائي لمفهوم «الرؤية إلى العالم» بمساءلة مشككة قائلة: - أليس ثمة اختلال في إجرائية المفهوم، بسبب ارتباطه بمطلب «الكلية»؟ - كيف يمكن لمفهوم «الرؤية إلى العالم»، بما يفيده من لحظ كلية المعنى المحايث للنسق الثقافي والمجتمعي،

أن يكون أداة إجرائية من منظور العلم؟

(5) Wioletta Miskiewicz, » Dilthey et la difficile recherche d’une autre objectivité, « Intellectica, vol. 26, no. 1 (1998). (6) Rioux, p. 10.

(((المصدر نفسه.

(((المصدر نفسه.

- هل يقدر هذا المفهوم حقًا المساهمة في تحليل المعطى الإنساني، أم أن قيمته الإجرائية تتهاوى بفعل طبيعته

ذاتها كدال على وعي جمعي يصعب التقاطه بأدوات القياس؟ ليست هذه المساءلة مجرد افتراض، بل لها وجود وتداول داخل الوسط العلمي، فالسوسيولوجي إشينشتاد

(S. N. Eisenstadt) مثلً يقول على نحو جازم: «إن الذي يريد أن يدرك المجتمعات بوصفها كليات،

وأن يكون منظوره هذا أداة تحليلية صالحة لقراءة المجتمع، يقع في خطأ التعميم». ويقول بصريح العبارة،

نافيًا قابلية «الكلي» لأن يكون موضوعًا علميًا: «إن المجتمع الكلي لا يمكن أن يشكل موضوعًا مشروعًا

للتحليل». كما نجد عند الإبستيمولوجي كارل بوبر نقدًا لا يخلو من تعريض بمفهوم الروح أو الوعي الجمعي، مناديًا

بتعويضه بمفهوم أكثر معقولية، حيث يقول في كتابه بؤس التاريخانية:«إن مفاهيم مثل ‹روح عصر ما› أو

روح أمة أو جيش... تدل على الأقل على وجود فراغ ومساحة ينبغي على السوسيولوجيا أن تملأهما بشيء

آخر أكثر معقولية». كما أن قسمً كبيرًا من السوسيولوجيين يتصور أن قراءة الظاهرة الاجتماعية تستلزم النظرة التجريبية

(الإمبريقية)، بما تعنيه من توجه منهاجي (ميتودولوجي) استقرائي يختص بلحظ «الجزئي» بلحاظ

الاستقراء)، وهذا يعكس ما ألمحنا إليه من قبل، أي ذلك الانقسام الذي يفصل الرؤية السوسيولوجية

التجريبية (الإمبريقية) التي تبتغي وصف الظاهرة، عن الرؤية السوسيولوجية التي تبتغي «فهمها»،

بما يعنيه «علم اجتماع الفهم» من انشغال ب«المعنى» كمكون رئيس وفاعل في تشكيل وبلورة الظاهرة

الإنسانية. من هنا، لا غرابة في أن نجد مثل هذا التشكيك في القدرة الإجرائية لمفهوم «الرؤية إلى العالم»

سائدًا في البحث السوسيولوجي، وخصوصًا في قسمه التجريبي (الإمبريقي.) يبتبين ممّا ذكرنا سابقًا أنه إذا كان بعض السوسيولوجيين ذوي النزوع التجريبي (الإمبريقي) استهجن

قراءة الواقع المجتمعي من مدخل مفهوم نظري كلي كمفهوم «الرؤية إلى العالم»، فثمة في المقابل بعض آخر

توسل هذا المفهوم وثمَنَّ قيمتَه الإجرائية. وإذا انتقلنا بلحاظنا من التخصص السوسيولوجي إلى التخصص الأنثروبولوجي، سنلحظ أن

الباحثين جعلوا للمفهوم قيمة واعتبارًا؛ فديفيد بيدني (D. Bidney) يقول في الجزء الذي خصصه

ل«الأنثروبولوجيا النظرية»: «من المهمات الأساسية للذي يدرس الميتا- أنثربولوجي أن يجد المسلمّات

الرئيسة التي تتعلق بطبيعة العالم وطبيعة الإنسان السائدة في نسق ثقافي ما»، والأمر في الحقيقة ما عاد

من اهتمام الميتا-أنثروبولوجي فقط، بل إنه صار، كما يقول مارسيل ريو، «مركز اهتمام الأنثروبولوجيا

عامة». إننا نرى أن احتياج الأنثروبولوجي إلى مفهوم إجرائي كهذا آت من طبيعة موضوعه ذاته؛ فمعلوم أن

تأسيس العلوم الاجتماعية بدأ في المجتمع الصناعي الرأسمالي، فاتخذت السوسيولوجيا في قسم منها

منظورًا ماديًا موصولً بتقنيات استقرائية لقراءة الظاهرة الاجتماعية.

(((المصدر نفسه.

(10) Karl R. Popper, Misère de l’historicisme, traduit de l’anglais par Hervé Rousseau, recherches en sciences humaines; 8 (Paris: Plon, 1956), p. 146. (11) Rioux, « Remarques sur les concepts de vision ».

ومعلوم أن مستوى التطور المادي للمجتمع الصناعي يسمح بتقبّل هذا النوع من القراءات، لأنه أفرز

ظواهر ومستويات في البناء الاجتماعي قابلة لأن تُقرأ من مدخل البنية الاقتصادية، كما هي الحال في علم

الاجتماع الماركسي مثلً، لكن انتقال العلوم الاجتماعية إلى دراسة المجتمعات البدائية أو المجتمعات

التي تقع خارج صيرورة النمط الحداثي الصناعي، جعل عدتها المنهجية عاجزة عن أداء دورها التحليلي

والتفسيري، إذ يمكن لدى التحليل المقارن للقيم وأنماط السلوك السائدة بين قبيلتين متجاورتين، لهما

المناخ ذاته وأدوات الإنتاج ذاتها... أي البناء التحتي المادي ذاته،، أن نجد اختلافات كثيرة تَُايزهُ، ا

الأمر الذي يعجز عنده المنظور السوسيولوجي المادي عن فهم هذا التمايز أو الاختلاف وتعليله ماديًا،

فلا يبقى إلّ تفسير اختلاف السلوك والظواهر من خلال بيان اختلاف التصورات الثقافية التي تحملها

هاتان القبيلتان، لأن اختلاف النموذج التصوري الثقافي هو الذي يستطيع تفسير اختلاف أنماط الفعل

والسلوك. هنا، كان لا بد من توسل أنثروبولوجيا ثقافية تنتبه إلى الدور الوظيفي الذي يؤديه نسق الدلالات والمعاني

«الرؤية إلى العالم» في البنية الاجتماعية، وليس فقط توسل نظرة سوسيولوجية مشدودة إلى تفسير الظاهرة

الثقافية والاجتماعية بنوعية أداوت الإنتاج السائدة، والبيئة المادية... لذا، كان مفهوم «الرؤية إلى العالم» من أهم المفاهيم التي أدت وظيفة إجرائية في الأنثروبولجيا الثقافية،

حتى صار مفهومًا مركزيًا يصعب الاستغناء عنه. والدليل على ذلك أن حتى في حالة غياب المفهوم بدواله اللفظية تلك، نلفي البحث الأنثروبولوجي

مضطرًا إلى توسل مفاهيم مقاربة تتعلق بالدلالات الثقافية العامة الناظمة للفعل الاجتماعي والمؤثرة فيه،

منها - مثلً- مفهوم «التشكُّل الثقافي) » Cultural Configuration) عند كلايد كلوكهون (C. Klukhohn)

الذي عبّ عنه في البداية ب «مبدأ الثقافة الضمني»، معرّفًا إياه بكونه «مجموع المسلمّات غير المعلنة، التي

يحملها أفراد المجتمع من دون أن يعي أغلبهم ذلك»، أو ما نجده عنده - أي عند كلوكهون - في كتاباته

المتأخرة، أي مفهوم «اتجاه القيم» الذي يقدمه بقوله: «من الملائم استعمال مفهوم الاتجاه نحو القيم لتمييز

هذه المفاهيم القيمية التي تتميز بكونها: أ-عامة، ب- منظمة، ج- حاملة لأحكام وجودية». ومفهوم اتجاه القيم حاضر أيضًا في أعمال تالكوت بارسونز، كما تتكلم لورا طومسون من جهتها عن

«القيم الرئيسة» التي تعرّفها بأنها«المسلمّات القاعدية أو مفاهيم الثقافة في ما يتعلق بالمشكلات- المفاتيح

للحياة، أي الطبيعة والكون والإنسان والحيوان والنبات والعلاقات الرابطة بينها». كما نلحظ عند

إدوارد أدامسون هوبل (Hoebel E. A.) حرصًا على التمييز بين نوعين من المسلمّات، مسلمّات وجودية

ومسلمّات قيمية، «تشكل بترابطها (الرؤية إلى العالم) في ثقافة ما»، محددًا القيم الأولى بكونها تخص

طبيعة الوجود، بينما الثانية تخص التوصيف القيمي للأشياء والسلوكات (هل هي خير أم شر؟)، ومجموع

ذلك يشكل «الرؤية إلى العالم» داخل النسق المجتمعي. بل يمكن القول إن بعض الأنثروبولوجيين، مثل كروبر) Kroeber) وكلوكهون، يذهب أكثر من ذلك

فيساوي تقريبًا بين الثقافة والوعي الجمعي.

(((1 المصدر نفسه.

(((1 المصدر نفسه.

(14) Rioux, « Remarques sur les concepts de vision ».

ونجد حتى السوسيولوجيين الرواد الذين لهم نزوع نحو التعامل مع الظواهر الاجتماعية كما لو كانت

أشياء، لا يغفلون، شأنهم شأن دوركهايم، توسل المعنى الكلي، ولا استهجان قيمته كأداة إجرائية في تحليل

الظاهرة الاجتماعية. ويكفي للتدليل على ذلك استحضار تأويل أحد أشهر تلامذة دوركهايم، بوجليه) Bouglé) الذي يقول إن

أستاذه كان يعتقد أن «المجتمع مجموع أفكار» وأن «المعتقدات الجمعية هي البؤرة الحيوية لكل مجتمع». حاصل ما سبق أن البحث السوسيولوجي - في كثير من توجهاته ونماذجه - لم يستطع الاستغناء، في

مقاربته للسلوك الاجتماعي، عن المعاني والدلالات الكلية، بل كان فهم السلوك مشروط ا إلى حد كبير

بفهم المعنى الكلي الثاوي داخل المجتمع. وهذا المعنى الكلي إذا لم يتداول في البحث الاجتماعي بتعبير «الرؤية إلى العالم»، فإننا نجده متداولً

بدوال لفظية مغايرة، تؤكد ما سلف أن قلناه من قبل وهو أن فهم الوجود البشري، حتى في مستوياته

الفعلية والمادية، مشروط بفهم المعاني الثقافية الكبرى التي تحايث ذلك الوجود، الأمر الذي يضطر

الباحث في الأنساق المجتمعية إلى اصطناع مفاهيم إجرائية للَِحْظِ المعنى الكلي وتلمّس دوره في

تشكيل السلوك. ومن ثم نستنتج أن مفهوم «الرؤية...» ذو قيمة وحضور ليس فقط في الكتابة الفلسفية، بل حتى في

القراءات السوسيولوجية والأنثروبولوجية المعنية بفهم السلوك الإنساني كفعل اجتماعي، وحضوره

في حقل العلوم الإنسانية دليل على أنه وسيلة منهجية رئيسة لفهم الظاهرة الإنسانية حتى في مستوياتها

الأساسية، أي كسلوك أو فعل ملحوظ. واتجاهنا في النظر يقوم على نقد المقاربات المادية التي تنظر إلى الوجود المجتمعي كمجموعة من البنى

والشروط، جاعلة من المعتقد الديني والرؤى الفلسفية ونسق القيم مجرد طينة طيعة تتأثر ولا تؤثر؛ إذ

نراها مقاربات أبعد ما تكون عن القدرة على فهم الظاهرة الإنسانية، مثلما أن ردة الفعل التي تعتقد أن

ليس لبنية العيش المادية للعيش تأثير لها في الفكر، هي أيضًا واقع في قراءة مختلة. ومن ثم نرى أن المدخل المنهجي نحو تحليل الظاهرة الإنسانية مشروط بالقدرة على لحظ «المعنى الكلي»

السائد، وتحليل علاقاته بمجمل البنية الاجتماعية والثقافية، وهي العلاقات التي تكشف عن تجاذب التأثر

والتأثير بين الفكرة والمادة، مع اعتقادنا بأولوية الفكر باعتبار أن المادة لا تبقى خامًا في البناء الاجتماعي

بل تخضع لصياغة فكرية بدءًا من تسميتها وتصنيفها وتقويمها، ثم استعمالها. ويؤكد هذا وذاك اختصاص

الظاهرة الإنسانية وتمايز نمط وجودها عن نمط الوجود الطبيعي. لكن ما معنى خصوصية الظاهرة الإنسانية في سياق بحثنا القاصد تأسيس إجرائية مفهوم «الرؤية

إلى العالم»؟ إن التوقف هنا لتحديد دلالة الخصوصية مهم، لا للتمييز بين حقلي العلوم الإنسانية والطبيعية فحسب،

بل أيضًا لوضع احتراس منهجي حتى لا نطبّق مفهوم «الرؤية إلى العالم» بمدلوله كشرط حتمي للوعي

والذوق، أي بوصف تلك «الرؤية...» حتمية شارطة.

(((1 المصدر نفسه.

أمّا كيف يتم هذا الاحتراس ببيان الخصوصية، فنكتفي هنا بأن نشير إلى خصيصتي الوعي والحرية اللتين

تميزان نمط وجود الكائن الإنساني عن النمط الوجود الطبيعي والحيواني الخاضع لمنطق الضرورة والغريزة. ومن ثم كان من اللازم لحقل العلوم الإنسانية أن يحايثه ذلك الحس الإبستيمولوجي القلِق من الخضوع

لنموذج (براديغم) العلوم الطبيعية، نظرًا إلى التمايز الماهوي بين نمط الوجود الإنساني ونمط الوجود

الطبيعي، وإن لم يستثمر هذا الحقل المعرفي، في أكثر اتجاهاته النظرية، مستلزمات مقولة الحرية الإنسانية؛ إذ

ظل نازعًا نحو تقديم الشرط الاجتماعي كحتمية نافية للإرادة. هنا، ينبغي أن ندرك الامتياز بمعنى مزدوج، فننافح من خلال التنصيص عليه عن وجوب إدخال مقولة

المعنى الكلي في تحليل السلوك البشري. كما ينبغي، نظرًا إلى امتياز الكائن الإنساني بالحرية، أل نجعل

«المعنى الكلي» ل «الرؤية إلى العالم» ذا فاعلية حتمية شارطة على نحو مطلق، بل شرطًا يؤثر في التفكير لكن

من دون إغفال مقدار الفرادة في تمثّل ذاك المعنى والامتثال له، نظرًا إلى امتياز الكائن الإنساني بخاصتي

الوعي والحرية. ثم إن «الرؤية إلى العالم»، باعتبارها «معنى كليًا»، ليست مجرد جزء دلالي من جملة الدلالات والرموز

الثقافية المتداولة، ولا هي تقليعة من جملة التقليعات الوقتية، بل هي متجذرة في أعماق الكينونة الإنسانية

والاجتماعية، وبالتالي لا يمكن التحولات والتغييرات الثقافية، مهما تكن وساعتها وقوتها، أن تغير في

لحظة وجيزة وعلى نحو جذري نمط الرؤية السائد، بل إن المعنى الكلي أو «الرؤية إلى العالم» أبطأ مكوّن

ثقافي عن اقتبال الصيرورة والخضوع لمنطقها القاضي بالتغير والتحول.

مفهوم «الرؤية إلى العالم» وسؤال الإمكان الإجرائي من منظور إبستيمولوجي

بعد بيان ما سبق، لنستعد الآن استفهامنا السابق: هل مفهوم «الرؤية إلى العالم»، بما يفيده من ل ظِ كلية المعطى الثقافي والمجتمعي، قابل لأن يكون أداة

إجرائية من منظور إبستيمولوجيا العلم؟ أقول لنستعد السؤال مع إعادة النظر في تحديد المقصود من العلم، وذلك لأننا لسنا هنا بصدد بحث

سوسيولوجي، بل بحث تأريخي فلسفي، ولذا يصير السؤال: هل مفهوم «الرؤية إلى العالم»، بما يفيده من لحظ الأنساق الدينية والفلسفية، قابل لأن يكون أداة إجرائية

من منظور التَّأْريخ الفلسفي؟ حتى لو لم يكف التحليل السابق المدافع عن القيمة الإجرائية لمفهوم «الرؤية إلى العالم» من منظور

سوسيولوجي وأنثروبولوجي، فإن تغييرنا لدوال السؤال كاف لتبرير طرحه.

(((1 في السياق الفكري الأوروبي، تُعَدّ الفلسفة الكانطية من أشهر النماذج الفلسفية التي أصّلت لمعنى الكائن الإنساني ومكمن

امتياز نمطه في الكينونة، حيث ميز كانط الوجود الإنساني من الوجود الطبيعي، ولا سيما الحرية.

هنا نسارع إلى القول إن التفكير الفلسفي ليس مشغولً ببلورة رؤى العالم ومشدودًا إلى مطلب كلية المعنى

فحسب، بل إن بنية النسق الفلسفي ذاته تكاد تطابق بنية مفهوم «الرؤية إلى العالم» أيضًا. وهذا التوافق أو المطابقة لا يجعل اتخاذ المفهوم أداة لتحليل الأنساق والمنظومات الفلسفية أمرًا مبررًا

فحسب، بل يجعله ضروريًا من الناحية المنهجية أيضًا. لكن لا بد هنا من معاودة التفكير في لفظ الإجرائية، فالقول بأن مفهوم «الرؤية إلى العالم» يتطابق ويتناغم

مع الأنساق الفلسفية لا يكفي لاتخاذه منظورًا إجرائيًا في التحليل، بل لا بد من بناء المفهوم وبيان عناصره

ومكوناته على نحو يسمح ببناء زوايا النظر التحليلي وتقعيد أدواته. فكيف نحوّل المفهوم من مدلوله

النظري العام إلى مدلول إجرائي؟ وما هي مكوناته؟ وكيف يمكن أن نتخذها أداوت لتحليل «النسق»

الثقافي الإغريقي؟ من المفيد أن نستحضر هنا أطروحة ديلتاي الذي يُعتبر - بحسب كثير من الباحثين - مبتدع

مصطلح «الرؤية إلى العالم». ومع أننا نشكك في هذه النسبة باعتبار أن اللساني الألماني فيلهلم فون

هامبولدت كان قد استعمل في سنة 1835 مفهوم Weltansicht بمدلول مقارب، فإننا نرى

أن دلتاي رائد من رواد بناء هذا المفهوم، وأحد أوائل الفلاسفة الذين لم يحددوا مدلوله فقط، بل

حددوا أيضًا عناصره، الأمر الذي قرّبه من مستوى المفهوم الإجرائي بما تعنيه الإجرائية من اقتدار

تحليلي منهجي. وممّا يؤكد تناغم مطلبنا، أي تحليل المعتقد الديني اليوناني مع مفهوم «الرؤية إلى العالم» الذي نحن بصدد

بيان دلالته وطابعه الإجرائي، أن بلورة هذا المفهوم من حيثية علاقته ب «الوعي الجمعي»، من قِبَلِ دلتاي،

كانت حاضرة في تحليله لأطروحتي هيغل وشلايماخر في ما يخص دراسة الظاهرة الدينية بالتحديد، إذ

يقول دلتاي: « إن كتابات شلايماخر في شأن الدِّين هي التي أوحت بأهمية مفهوم الوعي الجمعي في مجال دراسة الأديان

... كما أننا نعلم اليوم أنه تحت تأثير خطاب في شأن الدِّين، ولد المفهوم الهيغيلي عن الوعي الجمعي». فما هي العناصر الذي تؤسس دلالة هذا المفهوم عند دلتاي؟ لنستهدِ هنا بأحد أكبر المتخصصين في فلسفته، أقصد هودجز) H.H. Hodges) الذي توقف مليًا عند

هذا المفهوم مسائلً معناه، فخلص إلى القول إن دلتاي شكّل مفهومه بثلاثة عناصر مترابطة بنيويًا، هي:

«العنصر الأول: يتكون من المعتقدات المتعلقة بالطبيعة والعالم التجريبي. والعنصر الثاني: يتأسس انطلاقًا

من العنصر الأول ويتعلق بنسق الأذواق... المعبّ عنها بواسطة أحكام القيمة. والعنصر الثالث: ينتج من

العنصرين السابقين: وهو مجموع الرغبات... والواجبات، والأهداف، والقواعد العملية والمبادئ».

(17) Anne-Marie Chabrolle-Cerretini, La «Vision du monde» de Wilhelm von Humboldt: Histoire d’un concept linguistique, langages (Lyon: ENS éd., 2007), p. 61. (18) Wilhelm Dilthey, L’Edification du monde historique dans les sciences de l’esprit , trad., présentation et notes par Sylvie Mesure, Passages (Paris: Ed. du Cerf, 1988), p. 104. (19) Rioux, p. 9.

هل نأخذ بهذا التفصيل في بنية المفهوم، على نحو ما استخلصه هودجز من دلتاي؟ بطبيعة الحال، يمكن تبرير التفصيل الدلالي السابق لمفهوم «الرؤية إلى العالم» على نحو ما قدمه هودجز

في قراءته لدلتاي، لكن المطلب الذي نرمي إليه لا يسمح لنا بإبقاء تلك المكونات على تلك الشاكلة،

لأننا نطلب مفهومًا يتميز بالإيجاز والإمكان الإجرائي، في حين أن في التفصيل المقدم لدلالات تلك

المكونات السابق بيانها تفريعًا وتداخلً من جهة، وانشدادًا إلى ما يلائم تحليل الفعل لا تحليل الفكر،

ومن ثم فهي أداة إجرائية موائمة للتحليل السوسيولوجي والأنثروبولوجي، ولا تتفق من ثم مع تحليل

الوجود الذهني. ومن ثم ينبغي أن نعيد بناء المفهوم ليتوافق إجرائيًا مع هذا النمط في الوجود؟ بتوسلنا مفهوم «الرؤية إلى العالم» في ما يلي من سطور، نقصد تحليل المعنى الكلي السائد في المجتمع

البشري، ونعني به نسق المعتقدات التي تحدد للإنسان طريقة فهمه لذاته وللعالم المحيط به. أمّا من حيث عناصر المفهوم التي ستمكننا من التحليل، فإننا نأخذ بثلاثة عناصر مدخلية كبرى هي: - مفهوم الألوهية. - مفهوم الكون (الوجود الطبيعي.) - مفهوم الإنسان (الوجود البشري.) والداعي إلى ذكر هذه العناصر ليس افتراضًا منهجيًا، بل هو نتاج تحليل للأسئلة المؤسسة للمعنى الكلي. ومن هنا تعلق مطلبنا بأداة إجرائية لتحليل السلوك الفكري المرتبط بذاك المعنى، لنخلص إلى نوع

الإجابات التي يعطيها لتلك الأسئلة. فإذا كان هودجز مثلً لم يذكر في مكوّنات الرؤية مفهوم الألوهية - على الرغم من إمكان القول

بوجوده ضمنيًا في المكوّن الأول - فإننا نعتقد أنه مكوّن رئيس يستلزم الاستحضار والذكر، عند تحليل

فعل التفكير. أمّا المكوّن الثاني، «الكون» (الوجود الطبيعي)، فضرورة استحضاره آتية من جهة أنه موضوع السؤال

البدئي للفلسفة، إذ تبدو في لحظة ظهورها الأول مشدودة إلى سؤال الوجود وأصله ومآله، وذلك

لعرضية ذلك الوجود وصيرورته. وآتية من جهة ثانية من طبيعة العلاقة الجوهرية التي تربط التفكير

كفعل ذهني بالوجود من حيث هو موضوع لهذا الفعل. صحيح أن تطور منظومة المعرفة العلمية، بدءًا

من اللحظة الحداثية، حاول انتزاع الوجود الطبيعي من الحقل الفلسفي وتأسيس الحقل المعرفي العلمي،

لكن ذاك الانتزاع لا يبرر درس الموقف الفلسفي من الوجود الطبيعي، لأنه لم يتخل عن التفكير فيه

وتحديد دلالته الكلية؛ ذلك لأن الحقل المعرفي العلمي يتناول الوجود بمنظار جزئي، وهو بالتالي لا

يستجيب للحاجة إلى الدلالة الكلية، وليس في إمكانه إشباعها بأدواته المنهجية القائمة على التحليل

والتكميم (التحديد الكمي)، لا التأمل والتنظير، ومن ثم فالعلم، في تقديرنا، يتحسس الوجود ولا

يفكر فيه!

أمّا السؤال عن الإنسان، فموصول بالسؤال عن الوجود ومرتبط به، على نحو لا ينفك عنه، وإن تأخر

تكثيف الانشغال به؛ ففي صيرورة تطور الفكر الفلسفي نلحظ في البداية تركيزًا على سؤال الوجود، ثم

سيجري مع الفيثاغورية، وخصوصًا السقراطية، إعادة ترتيب أولويات الانشغال الفلسفي ليصير تفكيرًا

مكثفًا في سؤال الإنسان. إنها تلك الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجودين الإنساني والطبيعي، التي يشكل جوابها جوابًا عن أصل

الإنسان والكون ومصيرهما، وما يلزم عن هذا الجواب من معايير وقيم ناظمة للسلوك الاجتماعي. وهي

الأسئلة الرئيسة التي استشعرها الكائن الإنساني منذ القِدم، ولا يزال يستشعرها ويطلب جوابها، على

الرغم ممّا يدّعيه الفكر الفلسفي ما بعد الحداثي من مجاوزة الميتافيزيقا، ومن ثم تخطي الأسئلة الكلية وما

يرتبط بها من مطلب إنتاج السرديات الكبرى. ربما تتعطل آلية إنتاج السرديات الكبرى، هذا صحيح، لكن هذا التعطل لا يعني حصول إشباع وانتفاء

الحاجة الشعورية والعقلية إليها، لأنها موصولة بأسئلة الوضع الوجودي البشري في مستواه النفسي

العميق، وإذا أمكن إنتاج خطاب فلسفي يسفّه الانشغال بها، أو حتى نقد إبستيمولوجي يكشف عن

استعصاء بحثها بقدرات العقل، فلا يكفي شيوع ذاك المقال في التفكير الفلسفي المعاصر لتوكيد انتفاء

وجود ذاك الإنشغال والاحتياج من صميم الكينونة الإنسانية. هذا فضلً عن أن هذا المقال المسفّه للانشغال بالمعنى الكلي هو توكيد لأهمية اصطناع هذا المفهوم في تحليل

حتى النماذج الفلسفية المناهضة له، لأنه مدخل لقراءة دلالة هذا المقال ذاته. وقد يُلحظ أننا قدمنا مكوّن الألوهية على غيره من المكوّنات في بناء الرؤية، والداعي إلى ذلك لا

يعني أن ترتيب أنساق الرؤى كلها يقوم بالضرورة على أولوية الألوهية، بل ثمة رؤى فلسفية

وميثولوجية لا تنتظم بناها وفق ذاك الترتيب، إذ منها ما يرتب الألوهية تالية للكون لا سابقة له

، ومثال ذلك واضح في «تيوغونية» الشاعر الإغريقي هزيود) Hesiod) القائلة بأولوية الخاوس

على أورانوس. لذا نفسر الأولوية في بيان المكوّنات بأنها تعبير عن اقتناعنا بأهمية الدِّين، عامة، كشارط في عملية تأسيس

المعنى، وإن تباين تموضع مكونّها المركزي، أي الألوهية بحسب طبيعة الأنساق والفلسفات. كما أن حضور الألوهية لا يعني بالضرورة أن كل رؤية إلى العالم تؤمن بها، بل يعني لحاظ ا إجرائيًا، بمعنى

أن حتى الفلسفات الملحدة التي تزعم نفي الألوهية ينبغي أن نتخذ في مقاربتها مكوّن الألوهية لنتبين

كيف أن استبعاده يكون أساسًا لكثير من البناءات الدلالية والمعرفية الأخرى المتعلق بماهية الطبيعة

والإنسان والقيم. ختامًا، يتبين من التحليل السابق أن المدخل المنهجي لتحليل الظاهرة الإنسانية، ولا سيما في

مستواها المعرفي، مشروط بالقدرة على لحظ «المعنى الكلي» السائد، وتحليل علاقاته بمجمل البنية

الاجتماعية والثقافية.