مساهمة الاستشراق الأنغلو - أميركي في صعود دراسة المناطق
Anglo-American Orientalism’s Contribution to the Rise of Regional Studies
الملخّص
لا تهدف هذه الدراسة إلى البحث في موضوع الاستشراق وإن على نحو نقدي، نظرًا إلى أن الموضوع هذا استُهلك على مدار القرن الماضي انطلاقًا من الزاوية النقدية، سواء من جانب مستشرقين وجدوا في تسمية الحقل واستخداماته مدعاة للنقد، أو من جانب مفكرين عرب، بصرف النظر عن خلفياتهم المنهجية والأيديولوجية، علاوة على ما يُعرف بالردود السجالية على الاستشراق التي حفلت بها كتب الدارسين. ولكن الهدف من هذه الدراسة هو تسليط الضوء على تحول مهم سيعرفه الحقل بعد الحرب العالمية الثانية، وللأسف لم يفرد له حتى الباحثون الكبار الذين ساهموا بشكل كبير في نقد الاستشراق سوى بضعة أسطر أو بضع فقرات في أحسن الأحوال من مؤلفاتهم الضخمة. لذلك تزعم هذه الدراسة أنها تطرق إشكالً جديدًا وتدقق فيه على نحو يربط بين المستويات التي لا تجد ربطًا في مؤلفات محترمة ومؤسسة وضخمة لكن لا يطعن فيها مطلقًا أن أصحابها قاربوا الموضوع من زوايا محكومة بتكويناتهم المفعمة غالبًا بالميل الفلسفي أو الأدبي.
Abstract
This study does not aim to research Orientalism, even from a critical stance, given that the subject has been exhausted over the past century, beginning with the critical perspective, whether by orientalists who thought that the name and uses of the field called for criticism or by Arab thinkers, irrespective of their methodological and ideological backgrounds. There have also been polemics against Orientalism that fill the pages of academic works. Here, however, the aim is to shed light on an important transformation undergone in the field after World War II; unfortunately, this change was only alluded to in passing even by the major scholars who made significant contributions to the critique of Orientalism. This paper claims to deal with a new problem, and investigates it in a fashion that makes connections unmade by esteemed, foundational, and voluminous studies.
- الاستشراق
- الأنغلو – أميركي
- الفلسفي
- الأدبي
- النقد
- Orientalism
- Criticism
- Anglo-American
- Literary
لا تهدف هذه الدراسة إلى البحث في موضوع الاستشراق وإن على نحو نقدي، نظرًا إلى أن
الموضوع هذا استُهلك على مدار القرن الماضي انطلاقًا من الزاوية النقدية، سواء من جانب
مستشرقين وجدوا في تسمية الحقل واستخداماته مدعاة للنقد، أو من جانب مفكرين
عرب، بصرف النظر عن خلفياتهم المنهجية والأيديولوجية، علاوة على ما يُعرف بالردود
السجالية على الاستشراق التي حفلت بها كتب الدارسين. ولكن الهدف من هذه الدراسة
هو تسليط الضوء على تحول مهم سيعرفه الحقل بعد الحرب العالمية الثانية، وللأسف لم يفرد
له حتى الباحثون الكبار الذين ساهموا بشكل كبير في نقد الاستشراق سوى بضعة أسطر أو
بضع فقرات في أحسن الأحوال من مؤلفاتهم الضخمة. لذلك تزعم هذه الدراسة أنها
تطرق إشكالً جديدًا وتدقق فيه على نحو يربط بين المستويات التي لا تجد ربطًا في مؤلفات
محترمة ومؤسسة وضخمة لكن لا يطعن فيها مطلقًا أن أصحابها قاربوا الموضوع من زوايا
محكومة بتكويناتهم المفعمة غالبًا بالميل الفلسفي أو الأدبي.
مقدمة
بداية، لا ضير إن عرّجنا على دلالة الألفاظ للوقوف على ما هو جوهري فيها وما هو مؤثر في
الانتقالات التي سيعرفها الحقل في ما بعد. فلفظة الاستشراق تتصل بالجذر اللغوي «شرق»،
وبإضافة أحرف الطلب تصبح دالة على كل من أدخل نفسه في أهل الشرق وصار منهم وطلب لغتهم
وآدابهم وعلومهم. وهذا التحديد قال به كلٌّ من معجم لاروسوقاموس أكسفورد، وكان أول استخدام
(((يُقصد كلٌّ من إدوارد سعيد وحسن حنفي وعبد الله العروي وصادق جلال العظم وغيرهم، وهناك منهم من اكتفى بالحديث
عن الأزمة التي يعرفها الحقل مثل أنور عبد الملك من دون التفصيل في الظاهرة التي ندرسها في هذه الدراسة، بل حتى مؤلف
زكاري لقمان الذي سيأتي ذكره لم يربط بين ما صار يعرف بدراسة المناطق وبين الاستشراق ربطًا يسترعي المستويات الجيواقتصادية
بالسياسية بالأيديولوجية، وإن كانت مساهمته جديرة بالاحترام.
(((بخصوص هذه الانتقالات، كان أهمها إلى ميادين كالأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا، وقد أفردت مجلة الاجتهاد للموضوع خمسة
أعداد متتالية هي: 47 و 48 و 49 و 50 و 51 في صيف وخريف سنة 2001 وشتاء سنة 2001 وربيع سنة 2001. إلا أن الانتقال الذي
يُهمنا هو المتعلق بدراسة المناطق، وهي حقل بيني سيساهم فيه مختلف العلوم الإنسانية، بما فيها الأنثروبولوجيا.
للكلمة سنة 1630، حين أُطلق على أحد أعضاء الكنيسة الشرقية. وقد عرفت الإنكليزية والفرنسية
مصطلح مستشرق أول مرة سنة 1779، وأضيف بعدها مصطلح استشراق إلى معجم الأكاديمية الفرنسية
سنة 1838. الكلمة هذه مستمدة من المعنى الذي يحيل إلى شروق الشمس، وذلك يثير إشكالية دواعي تسمية موقع
جغرافي معيّ؛ فمن الناحية الجغرافية تحكمت مركزية حوض البحر الأبيض المتوسط في فترات تاريخية
معيّنة في نحت الجغرافيا بشكل جعل شرقه شرقًا وغربه غربًا. كما أن المرحلة التي تلتها اتسمت بانتقال
مركز القوة إلى أوروبا الغربية، وهو ما زاد في تقوية هذا التصور بشأن «كينونة الشرق»، التي ارتبطت
بتصورات سادت فترات طويلة. يذهب البعض إلى اعتبار أن هذا الشرق هو البلدان الواقعة شرق البحر الأبيض المتوسط قبل الفتوحات
الإسلامية، وبعدها سيشمل الشرق كلًّ من مصر وشمال أفريقيا. وقد استقر الرأي في دائرة معارف
العالم على أن الشرق يُطلَق على الأقطار والجزر الآسيوية، ويُطلَق في بعض الأحيان على القسم الغربي من
آسيا التي تسمّى أيضًا شرقًا أدنى. يرى هشام جعيط أن البيئة الفكرية التي تهيأت في القرن الثاني عشر الميلادي ثم توسعت وتدفقت في
القرنين الثالث عشر والرابع عشر، لتمتد حتى القرن الثامن عشر، انطلقت من عداء شديد ل«النبوة
المحمدية الكاذبة». وكان الاعتقاد ساريًا حول كون نبي الإسلام هو السبب في وقف تدفق المسيحية
الإنساني «بنبوءته الكاذبة» تلك، علاوة على أن أغلب الباحثين يذهب إلى أن الهدف الرئيسي لظهور
الاستشراق كان محاربة الإسلام والنيل منه، فقد كان دخول المسلمين إلى إسبانيا وصقلية في العصر
الوسيط هو الذي دفع «الغرب» إلى وجوب دراسة الدعوة الإسلامية. انطبعت العلاقة بين الشرق، ممثَّلً في المسلمين، والغرب المسيحي بالصراع منذ نشوء تلك العلاقة؛ فخلال
مرحلة زحف المسلمين على مناطق غربية ثم توقف هذا الزحف، ليعقب ذلك موجة من الزحف المضاد
من الغرب على الشرق بدءًا بإسبانيا وتتويج الزحف الغربي بهجمات الغرب على الشرق إبان الحروب
الصليبية، لم تكن كتابات المستشرقين عملً علميًا بالمعنى الدقيق للكلمة، بقدر ما كانت سلاحًا للدعاية
الحربية، لدرجة اتسمت معها كتابات القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين بالتهور والاندفاع.
وجاءت في هذا الصدد محاولة القس بيتر دوفينيربال الرامية إلى مهاجمة المسلمين ولوم المسيحيين على
مهادنتهم، وقام بحثّ المسيحيين على تبنّي العنف ضد المسلمين، كما قام بحركة نشيطة لترجمة القرآن إلى
اللغة اللاتينية. وفي متصف القرن الثاني عشر، ستصدر أربع ترجمات للقرآن ومقدمة بقلم القس بيتر،
(((أحمد سمايلوفتش، فلسفة الاستشراق وأثرها في الأدب العربي المعاصر (القاهرة: دار الفكر العربي، 1999)، ص.23-21
(((عمر الطيبي، «المجتمع المغربي في الاستشراق،» المستقبل العربي، السنة 18، العدد 195 (أيار/ مايو 1995)، ص.86
(((محمد فتح الله الزيادي، ظاهرة انتشار الإسلام وموقف بعض المستشرقين منها (طرابلس، ليبيا: المؤسسة العامة للنشر، [د.
ت.])، ص -55 56.
(((سمايلوفتش، ص.23
(((الزيادي، ص.56
(((لطفي بن ميلاد، «الاستشراق في فكر هشام جعيط،» المستقبل العربي، السنة 33، العدد 376 (حزيران/ يونيو 2010)، ص 15 (((زاهر عواض الألمعي، مع المفسرين والمستشرقين في زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش: دراسة تحليلية،
ط 2 (القاهرة: مطبعة عيسى البابي، 1976)، ص.23
(1((عبد الجليل شلبي، الإسلام والمستشرقون (القاهرة: دار الشعب، 1977[])، ص.27
(1((عبد الجليل شلبي، صور استشراقية، الكتاب الأول، ص.26-25
الذي كتب أيضًا ترجمة لحياة النبي ولتاريخ الخلفاء حتى اليزيد ومقتل الحسين. ويشار إلى أن أول ترجمة
للقرآن ستظهر سنة 1143 قبل حدوث واقعة ايديساس في كانون الأول/ ديسمبر من السنة نفسها، وقد
نُسبت هذه الترجمة إلى الأب بطرس (1092 - 1157).
يرى إدوارد سعيد، وهو أحد أهم منتقدي خطاب الاستشراق، أن «المصطلح» كفعل إبستيمي ظل
غائمً ونسبيًا لكونه يتضمن موقفًا تنفيذيًا للاستعمار الأوروبي في القرن التاسع عشر وأوائل القرن
العشرين. وحتى إن لم يعد كما كان، فإنه ظل حاضرًا في الجامعات والأكاديميات الغربية خزانًا للذهنيات
وللأطروحات المذهبية عن الشرق والشرقي. إن هذا الإنشاء الذي ارتبط بفترة الحداثة في أوروبا
سيتعمق كثيرًا في مرحلة ما بعد الحداثة، بحيث سيقدم العالم الإلكتروني تعزيزًا للنماذج المُنمطة التي ينمط
بها الغرب الشرق؛ فقد دفع التلفزيون والأفلام المعلومات إلى قوالب أكثر سوية ونمذجة في ما يتعلق
بالشرق طبعًا. وبحسب إدوارد سعيد، هناك ثلاثة أشياء جعلت أبسط التصورات عن الشرق مُسيسة إلى
حد بعيد، وهي: تاريخ التحيز الشعبي ضد العرب والإسلام في الغرب؛ الصراع بين العرب والصهيونية؛
غياب أي فرصة للتوحد الهوياتي الغربي/العربي الإسلامي. فالشرق الأدنى موحَّد بسياسات القوى
العظمى لأنه يضم اليهود المحبين للسلام والعرب الأشرار الإرهابيين!.
التصور العام ومقاربة الدراسة
نسجل من خلال ما سبق ملاحظتين أساسيتين نستعملهما كقاعدة لإطلاق فرضيتين من أجل التحقق منهما
خلال هذه الدراسة؛ فالاستشراق انطلق من خلفيات فكرية ساهمت في صوغها جملة من التمثلّات عن
الشرق، بما فيها اختلاق الشرق نفسه، وهذه الخلفيات الفكرية استمرت حاضرة بقوة وبصيغ جديدة في
القوالب الأكاديمية لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. كما إن الالتقاء الأزلي المتفاعل بين السلطة بذراعيها
الاقتصادي والسياسي والمعرفة تحكم في المشاريع الأكاديمية الضخمة التي سيتم الحديث عنها من خلال
هذا البحث والتي تترجم الالتقاء والترابط الجدلي السالف الذكر.
لم يركز أغلب الدراسات النقدية التي تناولت الاستشراق تركيزًا كبيرًا على امتداداته الأكاديمية، وما تترجمه
تلك الامتدادات من أجندات سياسية يخفي وراءه مصالح اقتصادية ضخمة للدول التي أدارت ما صار
يُعرف بدراسة المناطق واحتضنته ودعمته ووجَّهته. لذلك سنتّبع في هذه الدراسة مقاربة متعددة المستويات
تربط الأساس الأيديولوجي (الأفكار) الذي يشمل الوعي الذي نسجته كتابات الاستشراق ومترتباته،
والمستوى السياسي (الأجندات والمخططات) المرتبط بأشكال التعاطي المعاصر مع الجغرافيات المصطنعة
بعد الحرب العالمية الثانية، والمستوى الاقتصادي (المصالح) المرتبط بما تمثّله مصالح الاحتكارات المالية
والصناعية الضخمة التي هي غالبًا من يملك أكبر قدر من النفوذ على صانع السياسة في العالم المدروس.
كما أن الفريد عندنا في هذه الدراسة هو أننا نقوم بالربط بين ما يتعلق بالاستشراق والتصورات التي
نسجها حول «الشرق» وبين الدور الذي قام به الفكر الاستراتيجي في القرن العشرين، بحيث إن هذا
الأخير سيساهم في التمهيد للتطورات التي سيعرفها حقل الاستشراق ويُدث الالتقاء بعد الحرب العالمية
((1(المصدر نفسه، ص.27
(1((يوهان فوك، تاريخ حركة الإستشراق: الدراسات العربية والإسلامية في أوروبا حتى بداية القرن العشرين، ترجمة عمر لطفي
العالم، ط 2 (بنغازي، ليبيا: دار الكتب الوطنية، [د. ت.])، ص.17
(1((إدوارد سعيد، الاستشراق: المعرفة، السلطة، الانشاء، نقله إلى العربية كمال أبو ديب (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية،
، ص 1981.37)
((1(المصدر نفسه، ص.59
الثانية بين خلاصات ما وصل إليه الفكر الاستراتيجي في إعادة صوغه للجغرافيا (ظهور مفهوم الشرق
الأوسط) وبين ما تمخضت عنه أزمة الاستشراق، وسيفصح عن شكل أكاديمي احتضنته الرؤية الأميركية
الجيوسياسية والثقافية للمنطقة، كل ذلك في ذروة الصعود الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية.
أما بخصوص تعاملنا مع الأحداث والكتابات بصدد الموضوع، فلم نتبنّ منطقًا زمنيًا متتاليًا وإنما حاولنا
أن ندرس السياقات الموضوعية للأفكار وأبعادها الجيوبوليتيكية، بحيث إن الأهمية الواقعية العملية
(الجيوبولوتيكية) للأفكار هي ما تمنحها قدرة على العيش مدة أطول، والقابلية لإخضاعها للدرس
والتحليل والتفسير بغية الاستفادة منها.
مميزات المدرسة الأنغلو- أميركية في الاستشراق
ارتبطت هذه المدرسة بالواقع الاستعماري القوي الذي فرضته بريطانيا والولايات المتحدة على دول
الشرق، ثم الشرق الأوسط بعد ذلك. ويشار إلى أن الاستعمار العسكري الذي يسمّى تقليديًا، والاستعمار
الثقافي الذي يسمّى جديدًا، يخدمان كلاهما الأجندة نفسها، ويرتبطان بظهور المجتمعات الصناعية في
أوروبا و أميركا على حد سواء.
التجربة البريطانية
لعل ما ميّز الاستشراق البريطاني من الاستشراق الفرنسي هو العلاقة القوية والمعقدة التي كانت بين
بريطانيا والشرق؛ فبعد انسحاب الفرنسيين من مصر سنة 1801 وقعت مصر تحت حكم الضابط العثماني
من أصل ألباني محمد علي، الذي عمد إلى إحداث هيكلة جديدة للاقتصاد المصري، إلا أن ذلك أتى
بنتائج عكسية بحيث إن سياسة الزيادة في إنتاج القطن ستربطه بالاقتصاد العالمي المتحمور حول أوروبا،
وهو الأمر الذي طالما تفاداه محمد علي. كما أن فتح قناة السويس سنة 1869 سيعزز حضور مصر في
الاستراتيجيات الاقتصادية البريطانية آنذاك. تلا ذلك تراكم الديون البريطانية على مصر، فهذا الأمر
وجده بعض خلفاء محمد علي وسيلة لإنقاذ مصر من أزماتها، وانتهى ذلك بالتدخل البريطاني في مصر ثم
احتلالها سنة 1882، ولم تعمد إلى تقزيم سيطرتها المطلقة على مصر إلا سنة 1922 ثم سنة 1936، ولم
تسحب آخر جندي لها إلا سنة 1956 وفقًا لمعاهدة الجلاء التي أبرمها جمال عبد الناصر مع بريطانيا، ثم
عادت بعد أشهر لتهاجم مع فرنسا وإسرائيل مصر بعد تأميم قناة السويس.
في هذه الفترة، وخصوصًا بعد أن قام جمال عبد الناصر بتأميم القناة، أحست بريطانيا بأن قوتها تهاوت
وهبطت، فكان الرد بالعدوان الثلاثي. وفي هذا السياق امتعضت الولايات المتحدة من رغبة بريطانيا
وفرنسا الجامحة في الاحتفاظ بسيطرتهما على مستعمراتهما القديمة، فتدخّل الرئيس الأميركي أيزنهاور لحمل
هاتين القوتين على التراجع. لعل هذا المدخل سيكون مناسبة لتبيان الدور الذي قامت به بريطانيا في
المنطقة، وما ورثته عنها الولايات المتحدة من قوة، وما انعكس على طبيعة الاستشراق الأنغلو- أميركي
برمّته، ولا سيما بريطانيا التي كانت موجودة في الشرق بأكمله، بما في ذلك منطقة الخليج، وكان الاستشراق
بالنسبة إليها امتدادًا لمنطق الإمبريالية.
(1((طيب تيزيني، من التراث إلى الثورة: حول نظرية مقترحة في التراث العرب، ط 2 (بيروت: دار ابن خلدون، 1978)، ج 1، ص 193.
(1((زكاري لوكمان، تاريخ الاستشراق وسياساته: الصراع على تفسير الشرق الأوسط، ترجمة شريف يونس (القاهرة: دار الشروق،
2007)، ص.137-136
(1((حسن مصدق، أبعاد الصراع الفرنسي الأمريكي حول المغرب والشرق الأوسط وإفريقيا، دفاتر وجهة نظر؛ 8 (الرباط: دفاتر
وجهة نظر، 2005)، ص.153-152
(1((أندرو إدجار وبيتر سيدجويك، موسوعة النظرية الثقافية: المفاهيم والمصطلحات الأساسية، ترجمة محمد الجوهري وهناء
الجوهري (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2009)، ص.44-43
كان رفائيل بيتاي يرى أن جميع الإهانات التي يرمي الدارسون العرب بها التجربة الاستشراقية تفسر
أن هناك كبرياء عربية تقبع خلفها، على أساس اعتقادهم أن المستشرقين هم عملاء لوزارات خارجية
بلدانهم يرومون تزوير تاريخ العرب وتشويهه عن قصد. إن هذه المقولة تبيّ بجلاء أن هناك ارتباطًا
بين فرضيات الاستشراق عامة والأنظمة الغربية خاصة، وصنّاع القرار السياسي عمومًا لا يبلورون
سياساتهم من فراغ، بل بناء على معطيات وقراءات، أكانت دقيقة أم مغلوطة، عن مناطق بذاتها وعن
لغاتها وعاداتها وثقافتها.
لعل بعضهم اعترف بدعم مؤسسات بلده الرسمية للدراسات الاستشراقية، وفي هذا الصدد يقول
رودي بارث: «ونحن جميعًا المتمتعين بهذه النظم، نعترف شاكرين بأن المجتمع ممثَّلً في الحكومات
والمجالس النيابية يضع تحت تصرفنا الإمكانيات اللازمة لإجراء بحوث الاستشراق وللحفاظ على
نشاطنا التعليمي». وقد جاء في المذكرة التي رفعها جمع من العلماء سنة 1639 إلى المسؤولين في جامعة
كمبريدج والتي طلبوا فيها إنشاء كرسي للدراسات العربية والإسلامية ما يلي: «يضع المركز نصب عينيه
خدمة مصالح الملك والدولة، وذلك بالعمل من أجل ازدهار تجارتنا مع الأقطار الشرقية، وتوسيع حدود
الكنيسة ونشر الدين المسيحي بين الذين لا يزالون في ظلمات الجهالة».
هذه المقابلات تؤكد أنه كان للاستشراق البريطاني خلفية سياسية، أو أن من مجالات هذه المدرسة الانشغال
بهموم السياسة، وتقديم معطيات علمية لصانع القرار في الإمبراطورية، وهي الخاصية التي تعوّد عليها
الغرب منذ مدة طويلة، والتي تتجلى في إصغاء صانع السياسة إلى العلم ومسايرة مقولاته وخلاصاته، وإن
كان بعض المثقفين العرب لا يرى في الاستشراق عملية سياسية أو استعمارية وإنما هو تعبير عن مجال معرفي
إبستيمي، أفرزه الغرب في مرحلة معيّنة من مراحل تطوره. لكن ذلك يهدمه ما يرد في بعض المؤلفات
من أمثلة تؤكد أن المستشرقين كثيرًا ما قدموا أبحاثهم إلى ساستهم؛ فمثلً نجد أن المستشرق الإنكليزي
إدوارد لين سيأتي إلى مصر سنة 1825 للاطلاع على اللغة العربية، ثم سيعود إليها في ما بعد ليقوم بدراسة
حياة الناس في القاهرة دراسة مباشرة. وفعلً عكف لين على تلك الدراسة فدرج سكان القاهرة على
تلقيبه بمنصور أفندي، وتوَّج اعتكافه هذا بإصدار كتاب بعنوان أخلاق وعادات المصريين المعاصرة سنة
1836، وهو الكتاب الذي عرف في إبانه إقبالً مُهولً على قراءته في إنكلترا وألمانيا وأميركا، واستُثمر في
أثناء التحضير لغزو مصر واحتلالها.
كان النهج الذي اختطه رجال الإمبراطورية البريطانية متمحورًا حول أهمية دراسة حياة وثقافة
البلدان الواقعة تحت نفوذها الاستعماري. وإبان انعقاد المؤتمر الأول للاستشراق في سنة 1873، كان
رجال الإمبراطورية في بريطانيا يضعون نصب أعينهم الأهمية السياسية للمعرفة، على أساس أنها أحد
مكونات القوة والهيمنة؛ فعلى الرغم من كون الاستشراق سياسيًا في جوهره، بحيث إنه تنامى ظاهريًا
في إطار الاهتمامات اللغوية والرحلات داخل المؤسسة الأكاديمية الغربية التي اقترن تأسيسها ببدايات
النزوع التوسعي لبلدانها، فإنه مُساير وموازٍ لنزعة علمية وفكرية تختزنها إرادات ذاتية كما هي الحال
بالنسبة إلى جون ويستليك في كتابه فصول في مبادئ القانون الدولي.
(2((محمد جاسم الموسوعي، الاستشراق في الفكر العربي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993)، ص.27
((2(الزيادي، ص.85-84
(2((عبد المتعال محمد الجبري، الاستشراق... وجه للاستعمار الفكري: دراسة في تاريخ الاستشراق وأهدافه وأساليبه الخفية في
الغزو الفكري للإسلام (القاهرة: مكتبة وهبة، 1995)، ص.126
((2(المصدر نفسه، ص.133
((2(الموسوعي، ص.31-29
لا شك في أن الاستشراق والسياسة كان أحدهما في خدمة الآخر، لكن المهم أن «الصدام بين الحضارتين
الغربية والشرقية» لم يكن سلبيًا وإنما إيجابيًا ويتصل بالتعرف إلى الحضارتين واستهداف المعرفة المنتجة
المفيدة التي لا يطعن فيها مطلقًا أن بعض روادها كان في خدمة الحرب والاستعمار والتجارة والسياسة.
وفي السياق نفسه، يشار إلى أن ايفلين بارنج (1917-1841) الذي لُقّب بايرل كرومر كان قنصلً عامًا
وممثّلً لإنكلترا في مصر حينما كانت محمية بريطانية، فكان حاكمً فعليًا لمصر، وبعد تقاعده نشر كتابًا بعنوان
مصر الحديثة قدّم فيه رواية تفصيلية للأحداث التي جرت في مصر في ثلاثة عقود، وقام بإجراء تقييم
للاحتلال البريطاني.
يذهب بعض دارسي الاستشراق البريطاني إلى أن هذه المدرسة تمتاز بكونها أكثر المدارس موضوعية
وحصافة وجدية وصبرًا في الحصول على النتائج، وما ذلك إلا نظرًا إلى مصالحها التي كانت أضخم
من مصالح فرنسا في الشرق. وقد كان عند الرحالة البريطانيين في القرن العشرين هاجس يتجسّد في
تمثّلهم للعلاقة السياسية التي يجب أن تكون بين بريطانيا والمنطقة الواقعة بين الهند، التي هي حقيقة ثابتة
بالنسبة إليهم، وشرق المتوسط (الليفانت)، وحتى المتأدبون منهم، مثل دزرائيلي تانكرد، لم تغب هذه
الرؤية عن أعمالهم.
لقد كانت نيات المستشرقين الإنكليز مزدوجة المنحى؛ فحينما نتحدث عن مستشرقين إمبرياليين، أمثال
لورنس وإدوارد هنري بالمر وهوغارت وغروتوديل وبيرتن، نلحظ أن هؤلاء استخدموا الإقامة في الشرق
للملاحظة العلمية من دون التضحية بالذات الفردية من أجل ذلك، وفي منحى ثان لتحقيق نظرة أوروبية
- بريطانية، عبر تحقيق معرفة كتلك التي يتحصلها المرء في الشرق ولا تتاح له إلا لأنه أوروبي، بمعنى أن
هؤلاء المستشرقين حاولوا أن يكونوا أوروبيين في الشرق يرون الشرق كمجال تحكمه أوروبا.
التجربة الأميركية
تعود أزمة الاستشراق إلى أسباب عدة، منها ما يتصل بطبيعة الموضوع (الشرق) الذي لم يعد بعيدًا عن
الدارسين الأوروبيين بعد الحرب العالمية الثانية، وهم الذين باتوا في غير حاجة إلى علمهم الكلاسيكي
لفهمه، ولم يعد أيضًا خاضعًا للاستعمار الأوروبي (عسكريًا على الأقل). علاوة على ذلك، لا وجود
لشرق جغرافي فعلي، إذ إنه ارتبط بالوعي الغربي الأورو- أميركي فقط، وحتى الإسلام الذي يربطه
الغربيون بالشرق ليس سوى واحد من الأديان الشرقية كالمسيحية التي يتبناها الغرب نفسه. كما أن مدنًا
ارتبطت بكاملها بالشرق هي في واقع الأمر أوروبية من الناحية الجغرافية الحقة، كالقسطنطينية مثلً.
لذلك، ولجملة أسباب أخرى، يذهب الكثير من دارسي الاستشراق إلى أن الاستشراق انتهى، وذلك
بالانعطاف نحو الدراسات الميدانية، على الرغم من استمرار جوهره في هذه التكوينات العلمية
25 ((2(عبد الكريم غلاب، «عرض تمهيدي،» في: المغرب في الدراسات الاستشراقية: وقائع الندوة (مراكش، المغرب: الأكاديمية
المغربية، 1993)، ص 19. ويشار أيضًا إلى أن الكثيرين من دارسي الاستشراق العرب، مثل مالك ابن نبي، أدركوا أهميته من حيث
إنه حرك العرب نحو دراسة تراثهم.
((2(لوكمان، ص.165
((2(سمايلوفتش، ص.223
((2(سعيد، ص.203
((2(المصدر نفسه، ص.204
((3(المصدر نفسه، ص.208
(3((يانوش دانيتسكي، « الاستشراق بين الشرق والغرب،» ترجمة عدنان مبارك، الاستشراق، العدد 1 (كانون الثاني/ يناير 1987)،
ص.51
(3((خليل سمعان، «الاستشراق والمستشرقون،» اللسان العربي، العدد 20 (1983)، ص 191.
الجديدة، فتزايُد المصالح الأميركية في المنطقة وتولّ مستشرق مثل هاملتون جب في الخمسينيات إدارة
معهد هارفرد لدراسة الشرق الأوسط هما ما جعلا الانكفاء يحصل في الحقل، ويُعَدّ ذلك بمنزلة
تعميد لنوع من الدراسات أكثر تخصصًا في معاهد دراسات الشرق الأوسط التي انتشرت في الحياة
الأكاديمية الأميركية.
لقد خرج الشكل الجديد المسمّى دراسة المناطقفي الولايات المتحدة الأميركية من رحم الأزمة التي عاشها
الاستشراق، والتي تبيّ ملامحَها بشكل كبير- من دون أن تُفصّل شيئًا عن المولود الجديد - مقالة أنور عبد
الملك الذائعة الصيت، والتي ظهرت سنة 1963. هذه الأزمة أفضت بالدارسين الأميركيين إلى تبنّي نماذج
معرفية تماشت مع انبعاث حركة قومية عربية قوية تنضاف إلى تحولات ما بعد الحرب العالمية الثانية.
أخذت كلمة الاستشراق تختفي من الأوساط العلمية والأكاديمية الأميركية، لتحل محلها كلمات أخرى
أكثر دلالة على التخصص العلمي. وفي المؤتمر الدولي التاسع والعشرين للاستشراق، وصل المؤتمرون إلى
ضرورة التخلي عن مفهوم الاستشراق انسجامًا مع التغيرات الدولية وتطور نضال الشعوب الشرقية،
بحيث سيطلَق على مؤتمرهم التالي اسم «مؤتمر العلوم الإنسانية في آسيا وأفريقيا الشمالية»، وأصبح
الاستشراق متشعبًا في تخصصات متباينة كالتاريخ والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والاقتصاد والسياسة
وعلم الاجتماع المقارن والتنمية.
أصبحت المدرسة الأميركية رائدة في هذه الدراسات بعد الحرب العالمية الثانية، حيث سيصبح المسلم
شخصية رئيسية في المخيال الأميركي الذي انتعش بناء على أسلوب أنغلو - أميركي جديد متخصص اهتم
بالعلوم الاجتماعية، وعمل على تقطيع الاستشراق التقليدي إلى أجزاء جديدة تخدم المذهبيات القديمة.
وأصبح العربي حاضرًا في الحياة الأكاديمية الأميركية وفي عالم الأعمال، بما يعكس تشخصنًا جديدًا للقوى
في المنطقة، لم يعد لفرنسا وبريطانيا موقع الصدارة خلاله كقوى في السياسة الدولية. وقامت الإمبراطورية
الأميركية بدعم التكاثر في التخصصات الفرعية، وأصبح عندهم خبراء إقليميون يدّعون المعرفة والخبرة
المناطقية التي توضع في خدمة الحكومات ودوائر الأعمال على حد سواء.
إن المساهمة الحقيقية للمدرسة الأميركية في تاريخ الاستشراق يتجلى في تحول الاستشراق من فرع فقه
لغوي إلى معرفة تجريبية حقة ومفيدة، ومن إدراك غائم للشرق إلى تخصص في العلوم الاجتماعية، بحيث
رغب المستشرقون عن تعلم لغات الشرق إلى الظهور بمظهر علماء الاجتماع الميدانيين الذين يُطبقون
معارفهم بشأن الشرق وعلى الشرق. وقد حدث هذا التحول عندما وجدت الولايات المتحدة نفسها في
الموقع الذي كانت بريطانيا وفرنسا قد أخلتاه منذ عهد قريب، وعرف الأميركيون كتّاب دراسات متقطعة
للشرق بشكل معزول مثل سلفيل ومارك توين.
تُعتبر المدرسة الأميركية في الاستشراق امتدادًا عضويًا للمدرسة البريطانية. وقد تأصلت جذورها من
باحثين إنكليز ولبنانيين هاجروا إلى أميركا، وهم من رسم للأميركيين الذين شغفوا بالدراسات العربية
((3(سنأتي إلى الحديث بخصوص مصطلح الشرق الأوسط وسياقات ظهوره واستخداماته، بل وتحوله إلى اصطلاح على منطقة
تمت تسمية كل الدراسات التي كانت منصبّة عليها باسمها تارة، وباسم دراسات المناطق في غالب الأحيان.
((3(الموسوعي، ص.37-36
((3(المصدر نفسه، ص.48-45
(3((نصر محمد عارف، نظريات التنمية السياسية المعاصرة: دراسة نقدية مقارنة في ضوء المنظور الحضاري الإسلامي (القاهرة:
دار القارئ العربي، 1981[])، ص.135
((3(سعيد، ص.285
((3(المصدر نفسه، ص.290
الإسلامية - منهج البحث وأساليبه. اهتمت هذه المدرسة بالشرق كله، ولا سيما ما يهُم التقلبات السياسية
والتصورات الأيديولوجية والخصائص الفنية والثروات الحضارية والإحصاءات السكانية وما شاكلها
من موضوعات.
انبنى الاستشراق الأميركي على مناخ ثقافي تأثر بالثقافة الشرقية، فضلً عن سعي الفلسفة الأميركية
إلى تحرير نفسها من ماضيها الأوروبي ومن ثم حاجتها إلى تحويل أنظارها نحو تراث غير أوروبي.
ويذهب بعض الباحثين إلى أن جذور الاستشراق الأميركي تعود إلى ما تصوره الأميركيون في ما يتعلق
بإله المسلمين ودينهم، من دون إغفال مساهمة الرحالة والمهاجرين المضطهَدين دينيًا في أثناء هجرتهم
إلى أميركا، ودورهم في ترسيخ تلك الصورة، وخصوصًا بعد استقلال الولايات المتحدة واستحالتها إلى
مملكة رمزية لله انعكس جل تصورات الأميركيين داخلها على الإساءة إلى إله المسلمين ونبيهم العربي.
ولمّا حدث التحول في الفكر الاستراتيجي الغربي بسبب ظهور نزعة إلى تقسيم الشرق نفسه إلى مناطق
جديدة، كمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأقسام من آسيا، وبدا أن استعمالها يكاد يصير دارجًا وجاريًا
في الاستعمالين الأكاديمي والإعلامي، سواء منه الغربي أو العربي في ما بعد، حينها أعرب برنارد لويس عن
دهشته الكبيرة واستغرابه من استخدام هذا المفهوم في العالم العربي، ولا سيما أنه أصبح مقبولً بشكل غريب
عن تعاطي أبناء المنطقة مع مفهوم الشرق الذي سبقه كثيرًا. علاوة على أنه ظل مفهومًا مهتزًا وقابلً
لإعادة الإنتاج بصيغ مختلفة منذ نشأته وإلى اليوم، كما سنبين ذلك في المحور الموالي. هكذا يتضح أن دخول
حقل الاستشراق في طور الأزمة ومخاض التحول من مناهجه وموضوعاته القديمة، بل وصراعه من أجل
تبييض ماضيه الذي يزعج على الأقل أهل المنطقة المدروسة، كل ذلك أسباب حدت بكبار المستشرقين إلى
البحث عن ملاذات جديدة، فهل ستوفرها لهم طرائق التفكير الجديدة التي اهتدى إليها الفكر الاستراتيجي
والتي كانت وليدة الاستراتيجيات الأميركية في «الشرق» في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية؟
تأثير الفكر الاستراتيجي والجيو-استراتيجيا الأنغلو - أميركية
منذ مطلع القرن العشرين أصبح علماء الشرق في الغرب يجدون في مفهوم الشرق دلالة غائمة وغامضة،
فظهر مصطلح جديد هو الشرق الأوسط، وظهرت مصطلحات أخرى محايثة له كالشرق الأدنى
والشرق الأقصى. وارتبط ظهور الشرق الأوسط بالكابتن في البحرية الأميركية ألفرد ثاير ماهان (-1840
1914)، وهو ما جعل المصطلح يظهر في الفكر الاستراتيجي الأنغلو- أميركي، وذلك سنة 1902 في
إطار نظرية ماهان بشأن تأثير القوة البحرية في التاريخ. كتب ماهان مقالته في مجلة National Review
البريطانية تحت عنوان: «الخليج الفارسي والعلاقات الدولية»، وكانت الفكرة الأساسية في أطروحته
هي أن بريطانيا إذا أرادت السيطرة على الهند يجب أن تسيطر على الطريق المؤدية إلى الخليج. وكان بذلك
يلفت اهتمام بريطانيا إلى أهمية الخليج، محذرًا من أن تبلغه روسيا، وبالتالي قطع طريق الإمبراطورية إليه.
وعندما صك ماهان هذا المصطلح كان يستحضر ما كتبه عن شرق آسيا إبان الحرب اليابانية - الصينية،
((3(سمايلوفتش، ص.224
(4((جي جي كلارك، التنوير الآتي من الشرق: اللقاء بين الفكر الآسيوي والفكر الغربي، ترجمة شوقي جلال، عالم المعرفة؛ 346
(الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2007.185)، ص
(4((غسان غصن، «الاستشراق الأمريكي،» شؤون الأوسط، العدد 105 (2002)، ص.93-92
(4((احمد سليم البرصان، «تطور مفهوم الشرق الأوسط والتفكير الاستراتيجي الغرب،» مجلة جامعة الشارقة، السنة 3، العدد 3
(تشرين الأول/ أكتوبر 2006)، ص.140
((4(نتجاوز في هذا الصدد عن إغفال التدقيق الواجب في التفرقة بين دلالة كلمتي: «مصطلح» و«مفهوم».
وفرض بريطانيا والولايات المتحدة على الصين سياسة الباب المفتوح، ومن هنا ارتبط في ذهن ماهان الشرق
الأوسط بالشرق الأقصى، في الوقت الذي كان مفهوم الشرق الأدنى لا يتجاوز تركة الدولة العثمانية في
البلقان.
كان من شأن تبنّي هذا المصطلح وبالتالي النظرية البحرية التي أنتجها في الولايات المتحدة في ما بعد، أن
يمكّن من السيطرة على الفليبين وهاواي وكوبا وبورتوريكو والكاريبي، وبالتالي على أميركا الوسطى.
ولم يكن مصطلح الشرق الأوسط يدل على منطقة بعينها فقط، أو يدل على منطقة تتقاسم شعوبها اللغة
والدين والثقافة، بل كان حصيلة صوغ توجهات سياسية، فبات متغيرًا وليس ثابتًا، وهو ما جعل استيعابه
يحقق مكاسب للقوى الاستعمارية في أماكن اخرى من العالم.
كان من دواعي نحت المصطلح أيضًا رغبة ماهان في شد انتباه بريطانيا تجاه الخطر الألماني في المنطقة؛ إذ
كان هناك مشروع ألماني يستهدف إنشاء خط للسكك الحديد يربط برلين ببغداد. وقد استُخدم أيضًا
للدلالة على المنطقة التي يقع مركزها في الخليج العربي (/الفارسي)، ولا تنطبق عليها عبارة الشرق الأدنى
أو الأقصى، فالأول تركز حول الدولة العثمانية، والثاني حول الصين، في حين يقع الشرق الأوسط في ما
بينهما. وبحسب جورج لينستووسكي، تمتد هذه المنطقة من مصر غربًا إلى بلاد الأفغان شرقًا، أما معهد
الشرق الأوسط في واشنطن فيعتبرها واقعة بين المغرب وإندونيسيا. ويذهب المعهد البريطاني للعلاقات
الدولية إلى أن الشرق الأوسط يضم كلًّ من إيران وتركيا وشبه الجزيرة العربية ومنطقة الهلال الخصيب
وقبرص.
ثمة مقولة مغلوط فيها تقول إن فكرة الشرق الأوسط تعود إلى فترة الحرب العالمية الثانية التي شهدت مع
مطلع الأربعينيات إنشاء بريطانيا مركز تموين الشرق الأوسط في القاهرة. وأعلنت بريطانيا وقتئذ تشكيل
قيادة عسكرية في القاهرة سمّيت مركز قيادة الشرق الأوسط التي شملت صلاحياتها المنطقة الممتدة من
ليبيا غربًا إلى بغداد والبصرة شرقًا. و أنشأت الولايات المتحدة مركز إدارة القوات الأميركية في الشرق
الأوسط مباشرة بعد الغارة الجوية اليابانية الشهيرة على القاعدة البحرية الأميركية بيرل هاربر. فالمصطلح،
كما أشرنا سابقًا، ظهر مع ماهان، والتقطه رئيس المكتب الخارجي في صحيفة التايمز البريطانية شيرول
الذي كتب حوالى عشرين مقالة عن مسألة الشرق الأوسط، وأشار إلى فضل ماهان في ابتكار المصطلح،
إلا أن إليه (أي شيرول) يعود الفضل في نشر المصطلح في الأدبيات الاستراتيجية الغربية بأكملها. لكن
لابد من الإشارة إلى أن توماس إدوارد جوردن كان قد أشار إلى الشرق الأوسط في سنة 1900، أي قبل
ماهان بسنتين، وهو ضابط خدم في الهند أربعة عقود دفاعًا عن المصالح البريطانية.
عمومًا ليست مسألة تنازع نحت المصطلح من حيث الأسبقية مهمة بقدر أهمية الأغراض التي استُخدم
((4(البرصان، ص.145
((4(لوكمان، ص.170
(4((عماد الدين شاهين، «الشرق الأوسط في الرؤى الأكاديمية الغربية وفي دراسة العلاقات الدولية، » في: دورة المنهاجية الإسلامية
في العلوم الاجتماعية- حقل العلوم السياسية نموذجًا (-7/29 /2 /8 2000)، إعداد وإشراف نادية محمود مصطفى، سيف الدين
عبد الفتاح، المنهجية الإسلامية؛ 18 (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، 2002)، ص 118.
((4(في إطار التنافس الأوروبي على المستعمرات الآسيوية والأفريقية والذي انتهى بتقسيم سايكس- بيكو وتحميل الخسائر للدول
التي انهزمت في الحرب العالمية الأولى، وتحديدًا الإمبراطورية العثمانية وألمانيا.
(4((ممدوح محمود منصور، الصراع الأمريكي - السوفيتي في الشرق الأوسط (القاهرة: مكتبة مدبولي، [د. ت.])، ص.40
(4((أحمد عارف ارحيّل الكفارنه، «الآثار السياسية في النظام الإقليمي العربي في ضوء احتلال العراق،» مجلة جامعة دمشق للعلوم
الاقتصادية والقانونية، السنة 25، العدد 2 (2009)، ص.622
((5(البرصان، ص.146
لها ولامتداداتها الأكاديمية والاستراتيجية. وكان هذا الغموض بشأن زمن ظهور المصطلح وخلفياته قد
لف بعض الكتابات الغربية نفسها؛ فمثلا كتب المستشرق والعالِ الأنثروبولوجي الأميركي كارلتون كون
في كتابه الصادر سنة 1951 بعنوان القافلة، قصة الشرق الأوسط، وفيه يؤكد أن المصطلح ظهر أول
مرة خلال الحرب العالمية الثانية، واستُخدم آنذاك في تحديد المنطقة العسكرية التابعة للقيادة العسكرية
البريطانية في القاهرة.
كان وراء صك المصطلح، أو استعماله على الأقل، رغبة بريطانية جامحة في الاستعاضة عن مصطلح الشرق
الأدنى الذي أطلقته فرنسا منذ نهاية القرن التاسع عشر، وذلك للتطابق مع وجهات النظر الاستراتيجية
البريطانية في المنطقة من خلال فترة ما بعد سايكس- بيكو التي قسمت سورية والعراق بين فرنسا
وإنكلترا، ووضعت لفلسطين نظامًا دوليًا خاصًا بها منح بريطانيا بشكل أساسي حق الانتداب فيها عمليًا،
والسيطرة تاليًا على الطرق البرية والبحرية للدفاع عن الهند في الخطط البريطانية.
شهدت نهاية القرن شيوع مصطلحات أخرى متفرعة عن الشرق الأوسط، مثل الشرق الأوسط الجديد
والشرق الأوسط الكبير، والنظام الشرق الأوسطي، والسوق الشرق الأوسطية، والثقافة الشرق
الأوسطية. وسيجد المصطلح قبولً في الأوساط الثقافية العربية والإسلامية إلى الحد الذي تبنّى عنده
بعض المنابر الإعلامية والأكاديمية المصطلح على الرغم من طابعه الاستعماري، كجريدة الشرق الأوسط
ومركز دراسات الشرق الأوسط في إيران، ومراكز الدراسات الشرق الأوسطية في لبنان ومصر وبلدان
شرق أوسطية أخرى.
في سنة 1911 سيقوم اللورد كيرزون، حاكم الهند آنذاك، باستخدام العبارة للإشارة إلى مناطق تركيا
والخليج العربي وإيران في آسيا باعتبارها تمثّل الطريق إلى الهند، وبعد ذلك سيقترح مارك سايكس على
مجلس الوزراء البريطاني إنشاء المكتب الإسلامي في المنطقة لجمع المعلومات عنها. واتُّفق على إنشاء مكتب
في القاهرة سمّي المكتب العربي، وهو يقوم بجمع المعلومات الاستخباراتية عن المنطقة، وجرى إلحاقه
بالمخابرات البريطانية في السودان، وذلك في الفترة -1916 1918. واهتمت بريطانيا في النصف
الأول من القرن العشرين بنشر الإذاعات البريطانية في الشرق الأوسط، لجلب المعلومات الاستخباراتية
والتعتيم على الجمهور في المنطقة.
في الفترة الممتدة بين الحربين، ارتبط مصطلح الشرق الأوسط بالجانب العسكري في الإمبراطورية
البريطانية في المنطقة العربية، فأُطلق على القواعد العسكرية البريطانية لما بين النهرين اسم قيادة الشرق
الأوسط، واستقر في أثناء الحرب العالمية الثانية ليشمل القيادات البرية والجوية تحت مسمى «قواعد
الشرق الأوسط». وقد أثر المصطلح في العلاقة بالسياسات التي كانت تقف وراءه- في إثر في ما
سمّي الأنظمة الإقليمية، فأصبح في إمكاننا الحديث عن نظام إقليمي شرق أوسطي، على الرغم من
الإشكالات الجغرافية والسياسية التي أصبح استعمال المصطلح يطرحها في الأدبيات العربية نفسها،
ناهيك بالإشكالات التي تلُف استخدام مصطلحات أخرى أكثر أصالة كمصطلح الوطن العربي،
(5((كارلتون كون، القافلة: قصة الشرق الأوسط، ترجمة برهان دجاني؛ مراجعة إحسان عباس (بيروت: دار الثقافة، 1959.10)، ص
(5((عبد الفتاح إبراهيم، على طريق الهند، ط 2 (بغداد: منشورات الأهالي، 1935)، ص.326
((5(البرصان، ص.140
((5(منصور، ص.39
((5(البرصان، ص.148
(5((دوغلاس بويد، «إذاعة الشرق الأدنى صوت بريطانيا،» حوليات القدس، السنة 5، العدد 5 (ربيع 2007)، ص.86-85
((5(البرصان، ص.150
(5((فواز جرجس، النظام الاقليمي العربي والقوى الكبرى: دراسة في العلاقات العربية -العربية والعربية- الدولية (بيروت: مركز
وهي في الغالب تعابير مفعمة بالحس القومي والوطني، وتستمد بريقها من فترة تصاعد المد القومي
الناصري المرتبط باستراتيجيا الوحدة القومية العربية المشروطة بالاستقلال الوطني، بما يعني أنها تعابير
تحمل في طياتها ممانعة لكل ما هو استعماري، أكان في الاستشراق أم في الفكر الاستراتيجي الأنغلو-
أميركي على وجه التحديد.
هيّأ مصطلح الشرق الأوسط الأرضية لتمرير سياسات بريطانية وأميركية في المنطقة، وساعد في مقام ثان
على ظهور نظام إقليمي فرعي في شكل منطقة قابلة للدراسة والاستغلال بجميع أشكاله، العلمي منها
والاقتصادي والمالي، كظهور مؤسسة بنك الشرق الأوسط البريطاني مثلً، ومؤسسات البحث الشرق
الأوسطية، كما سيُفصَّل لاحقًا. ولم تستقر دلالة الشرق الأوسط على ما رسمته الاستراتيجيات البريطانية
في المنطقة، بل عرفت تحولات وتطورات على صعيد ما يعكسه من علاقات كان لكل من الولايات المتحدة
وإسرائيل الدور المحوري فيها، وسنعرض للحديث عن مفهومي الشرق الأوسط الجديد والشرق
الأوسط الكبير، لكن لا بد قبل ذلك من إلقاء نظرة على علاقات الولايات المتحدة المعقدة والمتشابكة
بشكل يجعل إسرائيل بوصلتها في سياساتها تلك.
لم تهتم الولايات المتحدة بالمنطقة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بل تجسّد اهتمامها كلها في
مؤسسات التبشير المسيحية التي تطورت إلى مؤسسات أكاديمية، كالجامعة الأميركية في كل من القاهرة
وبيروت. لكن بعد الحرب العالمية الثانية، ستشهد المنطقة أحداثًا عدة يُعتبر أهمها انطلاقة حركات التحرر
في عدد من الأقطار، وأيضًا ابتداء الحرب الفلسطينية التي انتهت بالاستيطان اليهودي وإعلان قيام إسرائيل
سنة 1948. في هذه الأثناء، ستنتقل عملية احتضان إسرائيل من بريطانيا إلى الولايات المتحدة، وذك
لجملة أسباب يرجع أهمها إلى تراجع بريطانيا وتقدم الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، ويرجع
أيضًا إلى كون اليهود كانوا قد قاموا برص الأرضية المؤسسية اللازمة لذلك في الولايات المتحدة. ولم
يكن منطلق الاهتمام الأميركي في هذه المرحلة بالذات مواجهة التهديدات المحتملة لمنابع النفط فقط، وإنما
أيضًا مواجهة خطر التحدي السوفياتي على الصعيد الاستراتيجي في فترة الحرب الباردة.
على الرغم من أن أهمية صناعة النفط في الولايات المتحدة كانت أكبر من أهميتها في أي دولة أخرى،
فإن الدراسات المتعلقة بشؤون الطاقة منذ أواخر التسعينيات تشير إلى أن المنظومة الاقتصادية العالمية تتجه
صوب الاستغناء تدريجيًا عن النفط لمصلحة مصادر طاقة أخرى أقل تأثيرًا في البيئة، علاوة على تقنيات
استخراج النفط الجديدة التي ستجعل الولايات المتحدة في أفق سنة 2020 في غنى عن نفط الخليج، الأمر
دراسات الوحدة العربية، 1997)، ص 25 وما بعدها.
(5((فريد هاليداي، الصراع السياسي في شبه الجزيرة العربية، تعريب وتقديم محمد الرميحي (بيروت: دار الساقي، 2008)، ص.214
(6((أحمد عبد الرحيم مصطفى، الولايات المتحدة والمشرق العربي، عالم المعرفة؛ 4 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون
والآداب، 1978)، ص.6-5
(6((أخبار الشرق الأوسط في الصحافة العالمية: دراسة قام بها معهد الصحافة الدولي بمدينة زيورخ، سويسرا، ترجمة عبد اللطيف
حمزة ووليم الميري (القاهرة: دار الفكر العربي، 1961[])، ص.4
(6((عبد المالك خلف التميمي، الاستيطان الأجنبي في الوطن العربي: المغرب العربي، فلسطين، الخليج العربي: دراسة تاريخية
مقارنة، عالم المعرفة؛ 71 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1983)، ص.91
(6((حسين آغا، أحمد سامح الخالدي وقاسم جعفر، الوجود العسكري الغربي في الشرق الأوسط، سلسلة الدراسات الاستراتيجية؛
9 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1982[])، ص.2
(6((محمد الرميحي، النفط والعلاقات الدولية: وجهة نظر عربية، عالم المعرفة؛ 52 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون
والآداب، 1982)، ص.29
((6(في إطار ما نصت عليه اتفاقية كيوتو بشأن كون الانبعاثات الرئيسية المخلة بالتوازن البيئي قادمة من دول الغرب الأوروبي
الصناعي والولايات المتحدة بشكل أساسي.
الذي سيعني انقلابًا في الاستراتيجيات الأميركية وطبيعة النظام الدولي.
أدى الدعم الأميركي لإسرائيل إلى حماية الولايات المتحدة من الخطر الشيوعي في الشرق الأوسط، وحماية
إمدادات النفط إلى أن انتهت حرب الخليج الثانية، وأصبحت أساطيل الولايات المتحدة تملأ الموانئ
الخليجية. وكانت إسرائيل مستودعًا أميركيًا للأسلحة إلى أن أصبح في إمكان الأميركيين أن يخزنوا في
مصر والسعودية، علمً أن الولايات المتحدة ستبادر إلى تأسيس حلف شمال الأطلسي في تلك الفترة
على أساس استراتيجي يتمثّل في مواجهة السوفيات، وليس على أساس إقليمي، لذلك ضم الحلف دولً
لا تجمعها جغرافيا قارية واحدة. كانت مصر تؤدي دورًا محوريًا في الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ فقد اتجه محمد نجيب
بقيادة الضباط الأحرار نحو إطاحة الملكية في سنة 1952، وحشد المصريين وراء طموح إنهاء الاحتلال
البريطاني الذي كان وقتئذ قد استمر زهاء سبعين سنة. وفي هذه الأثناء أعربت الخارجية الأميركية عن
قلقها من التطورات في مصر، واحتمال انعكاس هذه التطورات على الصراع المصري - البريطاني، وقد قال
جيفرسون كافري، السفير الأميركي في مصر سنة 1952، بضرورة توجيه الخارجية الأميركية نحو مواجهة
الحكومة البريطانية التي تسيء فهم طبيعة الوضع في مصر؛ فقد كان الصراع الدائر حول مصر في تلك
الفترة يعكس صراعًا فرنسيًا - بريطانيًا من جهة وصراعًا بريطانيًا - أميركيًا من جهة ثانية، إلا أن وصول
جمال عبد الناصر إلى السلطة سنة 1954 وتأميم قناة السويس وبناء السد العالي في ما بعد، سيسفر ذلك كله
عن موجة استقلال وطني بقيادة ناصرية وانتقال مصري صوب المعسكر السوفياتي. في تلك الفترة وما بعدها، إبان ذروة الصعود الأميركي، أصبحت الولايات المتحدة تعمل على تجنيد
كل إمكاناتها في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما بعد حرب 1973 ونجاح الثورة الإسلامية في إيران
واندحار المشروع السوفياتي في أفغانستان. ولا غرابة في اهتمامها بالمعلومات الاستخباراتية عن الشرق
الأوسط وقياداته، إذ كانت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) الأميركية تهتم، في شخص رئيسها
ستانسفيلد، بالاطلاع على خبايا الحكومات في المنطقة، وأهمها حكومة مصر بعد السادات. كما قامت
الوكالة بتزويده بمعلومات وتحذيرات من خطر الانقلابات والاغتيالات، ناهيك بحضور قرارات
الولايات المتحدة بقوة في المنطقة، منها مثلً قرار وقف العمليات العسكرية في 27 شباط/فبراير 1991
إبان الغزو العراقي للكويت. في هذا السياق، وبالضبط في سنة 1991 وبعد نهاية حرب الخليج الثانية، سيظهر مصطلح جديد من صنع
أميركي - إسرائيلي هو «الشرق الأوسط الجديد»، ليعبّ عن مرحلة جديدة للسلام العربي - الإسرائيلي،
((6(يتحدث معظم المصادر الإخبارية والتقارير عن هذا المحتوى.
(6((منير الحمش، السلام المدان: الشرق الاوسط الجديد من اسرائيل «الكبرى» الى اسرائيل «العظمى»، ط 2 (القاهرة: مكتبة
مدبولي، 1997)، ص.316-315
(6((محمد عزيز شكري، الأحلاف والتكتلات في السياسة الدولية، عالم المعرفة؛ 7 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون
والآداب، 1978)، ص.34-33
(6((فاروق جويدة، من يكتب تاريخ ثورة يوليو؟ (القاهرة: دار غريب، 2000)، ص.255
(7((ظاهر محمد الحسناوي، الرؤية الأمريكية للصراع المصري - البريطاني: من حريق القاهرة حتى قيام الثورة، دراسات استراتيجية؛
26 (أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 1999)، ص.44-43
(7((بوب وودوارد، الهدف الشرق الأوسط!: الحروب السرية للمخابرات المركزية الأمريكية، دراسة وتحقيق سامي الرزاز
(القاهرة: سينا للنشر، 1990)، ص.17
(7((حسن نافعة، «ردود الفعل الدولية إزاء الغزو،» في: الغزو العراقي للكويت: المقدمات، الوقائع وردود الفعل، التداعيات: ندوة
بحثية، عالم المعرفة؛ 195, (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب 1995)، ص.464
ومحاولة دمج إسرائيل في المنطقة من خلال اتفاقيات سلام وتعاون اقتصادي. وقد روّج شمعون بيرس
في حكومة شارون اليمينية المتطرفة هذا المصطلح في كتاب له يحمل عنوان الشرق الأوسط الجديد، ليؤكد
ضرورة بناء سوق شرق أوسطية اقتصادية على أسس ليبرالية. وباتت قضية الشرق الأوسط الجديد
تُفهم من خلال مجموعات الدول المؤلفة من الساحة العراقية - الإيرانية، والساحة اللبنانية - السورية،
والساحة الفلسطينية - الإسرائيلية، وتتداخل معها ثلاث قضايا حساسة تتمثّل في الانتشار النووي
والتمذهب وتحدي الإصلاح السياسي، وهي أمور تحدد مجتمعة معالم الشرق الأوسط الجديد. سيظهر بعد ذلك، وبالتحديد في سنة 1995، مصطلح آخر هو « الشرق الأوسط الكبير » بمساهمة من
الولايات المتحدة واستراتيجياتها في المنطقة، وذلك في التقرير الاستراتيجي السنوي الصادر عن مركز
الدراسات الاستراتيجية القومية التابع لوزارة الدفاع الأميركية؛ إذ خصص فصلً للشرق الأوسط الكبير
من المغرب حتى الحدود الصينية ليشمل المغرب العربي. وأعاد بوش الابن استخدام المصطلح في سنة
2004 خلال اجتماعات قمة مجموعة الثماني. وذهب البعض إلى حد اعتبار هذه المرحلة قرنًا أميركيًا
جديدًا، بحيث أصبح لمصطلح الشرق الأوسط الكبير فيه حضور غير معزول عن الاستراتيجيات الكبرى
في المنطقة، وعن العلاقة بأحداث ما بعد 11 أيلول/ سبتمبر 2001. وهناك الكثير من المحللين
والمتتبعين يعتبر غزو أفغانستان ثم العراق ثم الدخول على خط الانتفاضات الشعبية لسنة 2011 كلها
محطات ترسم معالم الشرق الأوسط الكبير الذي تريده الولايات المتحدة وحلفها عبر إغراق المنطقة في
الفوضى والاقتتال الطائفي، بهدف التقسيم ثم السيطرة على مقدرات المنطقة، وقطع الطريق على القوى
الآسيوية الصاعدة. من إضافات مصطلح الشرق الأوسط الكبير وضْع تركيا، التي هي عضو في الناتو، خارج الشرق الأوسط
وإدخال إيران وأفغانستان إليه، كما يؤكد ذلك كلٌّ من جيفري كامب وروبرت هركابي. وهكذا
يتضح أن مصطلح الشرق الأوسط ومتفرعاته يعكسان طبيعة علاقات المصالح المعقدة بين أميركا وإسرائيل؛
إذ يساهم اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة في رسم السياسات الأميركية تجاه المنطقة، كما تساهم شركات
صناعة الأسلحة الأميركية في ذلك، لأن اللوبي يهدف إلى حماية وجود إسرائيل قوية، بينما تهدف الشركات
المذكورة إلى ضمان سوق لبيع الأسلحة، وهي إسرائيل بشكل رئيسي. وضمن مشروع الشرق الأوسط
الكبير وفق الصيغة الأميركية جاء برنامج ايزنستات الاقتصادي الوجه إلى شمال أفريقيا سنة 1999، وكان
يهدف إلى تحويل المنطقة إلى سوق مفتوحة تبرر الولايات المتحدة وجودها بمشروعها لنشر الديمقراطية في
العالم العربي، لتنتهي تسمية المنطقة في سنة 2004 إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (تُ تصر ب MENA). منذ دخول الألفية الثالثة، بدأت قضيتا العراق وفلسطين تبرزان بشكل قوي في السياسة الخارجية
الأميركية تجاه المنطقة؛ فقد تدخلت الولايات المتحدة سنة 2002 في قضية الدولة الفلسطينية لتهيّئ
((7(البرصان، ص.155-154
((7(مارينا أوتاواي [وآخرون]، «الشرق الأوسط الجديد،» (تقرير، مركز كارنيغي للشرق الأوسط)، ص 5، على الموقع الإلكتروني:
<www.carnegieendowment.org/pubs>
(7((أحمد سليم البرصان [وآخرون]، «مبادرة الشرق الأوسط الكبير،» المتابع الاستراتيجي (كانون الثاني/ يناير 2000)، ص.20
((7(عماد الدين شاهين، «الشرق الأوسط الكبير...أصداء الرؤى الغربية،» (أمتي في العالم، مركز الحضارة للدراسات السياسية،
القاهرة، [د. ت.])، ص.214
((7(البرصان، ص.157
(7((عبد الله صالح، « من يرسم السياسة الأمريكية في المنطقة العربية،» المتابع الاستراتيجي، العدد 16، القسم 3 (حزيران/ يونيو
2008)، ص.8
(7((حسن مصدق، وثائق ويكيليكس وأسرار ربيع الثورات العربية (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012)، ص.69
الظروف لاحتلال العراق. ونظرًا إلى كون النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي أهم مظهر من مظاهر
مشكلة الشرق الأوسط، أُعلنت ضمن تصريح أميركي سنة 2003 خارطة الطريق لحل النزاع، وأُطلعت
السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية عليها. وجرى في هذه السنة أيضًا احتلال العراق عبر غزو
أطلسي عسكري. وبحسب البعض، تكون الولايات المتحدة بتنفيذها هذا الغزو قد لبّت نداءً للمستشرق
الأنغلو- أميركي برنارد لويس مفاده أنه يجب على الولايات المتحدة أن تغزو الشرق الأوسط لوضع
بذور الديمقراطية في داخله. إلا أن مثل هذه القراءات تكون في بعض الأحيان مشبعة بأطروحات
المؤامرة، وإن كان ذلك لا ينفي حقيقة وجود المؤامرة، لكن القاعدة هي الارتباط الوثيق بين صنع القرار
الاستراتيجي الأنغلو- أميركي وإنتاج المعرفة.
يمكن أن نخلُص بكل اطمئنان إلى أن هدف أميركا الجوهري في الشرق الأوسط كان ولا يزال حماية
أمن إسرائيل للسماح بتدفق الإمدادات النفطية بسهولة، وأيضًا لضمان سهولة التنقل من البحر الأبيض
المتوسط إلى المحيط الهندي. هذا الهدف المحوري كان ولا يزال متاح التحقق إلى حد بعيد. لكن هذا
الحلف الذي تقوده الولايات المتحدة يواجه تحديات تضع مصالحه على المحك أمام صعود قوى جديدة
من قلب آسيا وأميركا اللاتينية وجنوب أفريقيا، وهو بالتالي حلف مرغَم على تغيير أولوياته التي جند لها
كل شيء بدءًا بالفكر والمعرفة وانتهاء بالتدخلات العسكرية ومواكبة الاحتجاجات الشعبية ورسملتها.
لكن ما يهمنا هو الدفق الذي حصل نحو دراسات المناطق، بدءًا من تحول المستشرقين - في إثر أزمة
الاستشراق - والخبراء والمفكرين الاستراتيجيين، وانتهاء ببلورة حقل أكاديمي مواكب للاستراتيجيات
الأميركية في المنطقة، فما هي طبيعة تلك الدراسات ونماذجها؟
صعود دراسات المناطق
اتضح الآن أن هناك ارتباطًا جدليًا بين المستوى الاستراتيجي والإرث الاستشراقي في العالم الأنغلو-
أميركي نجم عنه ميلاد اصطلاحات جغرافية حملها الفكر الاستراتيجي إلى مصانع القرارات الاستراتيجية
الحاسمة، وهوما أسفر بدوره عن ميلاد مناطق فرعية ذات بُعد استراتيجي أهمها الشرق الأوسط، وتاليًا
تقسيم الجغرافيا الآسيوية والأفريقية من أجل رسم السياسات؛ تلك السياسات التي تتصل في عمقها
بمصالح الاحتكارات الاقتصادية الضخمة للغاز والنفط وغيرهما وذراعها الفكري والأكاديمي هي ما
تخرج من مراكز الدراسات المناطقية التي تشهد اتحادًا استثنائيًا بين خبراء الاستراتيجيا ومفكريها وبين
المستشرقين الأنغلو- أميركيين الذين أغرتهم هذه التشكيلات الجديدة.
تبرز أهمية هذا الاتحاد مع ما قام به المستشرق هاملتون جب من خلال دوره التدشيني لهذا الشكل الجديد
في المعرفة الاستشراقية؛ فبعد الحرب العالمية الثانية ألقى جب، بوصفه مدير مركز دراسات الشرق الأوسط
في جامعة هارفرد، محاضرة بعنوان «الدراسات الإقليمية، إعادة تقويم»، وأشار إلى أن الشرق مهم جدًا
إلى حد أنه يجب ألا يتُرك للمستشرقين. وكانت دعوة صريحة إلى تكوين الطلبة في ميادين المال والأعمال
والقيام بدراسات عابرة للميادين، فلم يعد البحث بحاجة إلى المستشرق التقليدي الذي يطبق على الشرق
(8((ماهر عابد، «الدولة الفلسطينية بين أمريكا وإسرائيل،» القدس العربي،.2011/5/30
(8((ماهر ملندي، «خارطة الطريق: بين النص والتطبيق،» مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، السنة 25، العدد 2
(2009)، ص.392
(8((إسلام ديلي، «مخطط برنارد لويس لوضع بذور الديمقراطية العربية يتم اختباره في العراق،» دراسات إستراتيجية (مركز
الكاشف للمتابعة والدراسات الإستراتيجية، تشرين الثاني/ نوفمبر 2005)، ص.9-8
(8((فلينت ليفيريث وتامارا ويتس، السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط خلال الفترة الثانية لإدارة بوش، تعليق منار الشوربجي،
ترجمات؛ 14 (القاهرة: المركز الدولي للدراسات المستقبلية والاستراتيجية، 2006)، ص.18
معلومات تقادم بها العهد، وأصبح من الواجب الانطلاق نحو الدراسات الإقليمية.
نال الشرق الأوسط حصة الأسد من الدراسات التي تجري في بريطانيا تحت مسمى الدراسات الشرق
الأوسطية. ولعل الكم الهائل من المنابر العلمية والأكاديمية التي تعنى بشؤون هذه المنطقة على جميع
الصُّعُد لا يزال حصره البلدان الواقعة ضمن المنطقة محل جدال؛ فمجلة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
التي تصدر سنويًا في لندن حددت الشرق الأوسط بأنه يمثّل كلًّ من تركيا وإيران وقبرص ومنطقة الهلال
الخصيب وإسرائيل وشبه الجزيرة العربية ومصر والسودان وليبيا وأفغانستان وتونس والمغرب والجزائر،
علمً بأن تونس والمغرب الجزائر يجمعها مسمّى شمال أفريقيا. وذهب المعهد الملكي للعلاقات الدولية في
بريطانيا إلى أن الشرق الأوسط يضم كلًّ من إيران وتركيا وشبه الجزيرة العربية ومنطقة الهلال الخصيب
والسودان وقبرص. يعود إلى هذا المعهد الفضل في إجراء أهم الدراسات عن سلوكيات الدول الاستعمارية الغربية في الشرق
الأوسط في ثلاثينيات القرن العشرين، منها دراسة شملت الفترة الممتدة بين سنة 1800 وسنة إجراء
الدراسة، وكانت جزءًا من مخطط أكاديمي لدراسة التاريخ الإسلامي. وتكمن أهمية هذا الاشتغال في ما
سيفضي إليه من تثبيت دعائم نسق معرفي جديد سمّي دراسة المناطق في بريطانيا، وهذه الدراسات المناطقية
عنيت في البداية بموضوعات محددة توزعت حول دراسة العائلات والبوادي والتصنيع وحركة التجارة
والمدن والجيش والتدبير الإداري والدين والثقافة والفن والرق والأقليات الدينية في العالم الإسلامي،
ويعزى إلى هاملتون جب الدور المهم في القيام بهذه الدراسات. في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية، تعززت هذه الدراسات بأخرى في الميادين الاقتصادية والتاريخية
التي لا تقل أهمية عن سابقاتها، والفضل في إنجازها يعود إلى باحثين بريطانيين من أصول عربية مثل
ألبرت حوراني وشارل عيسوي الذي أجرى بحثًا مهمًّ في شأن التطور الاقتصادي في الشرق الأوسط
في الفترة 1815 - 1914، بشقيه العام والخاص، وقام في دراسته بتشخيص الداء الاقتصادي الذي لا
يرجع في نظره إلى الاستعمار وإنما إلى القوى المتعارضة قبل الاستعمار وبعده، إذ أدت هيمنة الاقتصاد
الأجنبي إلى تنامي الشعور بالخذلان في المنطقة، إضافة إلى الزيادة السكانية، ولم تخفف من حدة الأزمات
الاقتصادية المطبقة في الشرق الأوسط الاكتشافات النفطية والمساعدات الخارجية الضخمة. يقسم تيم نيبلوك الدراسات الأكاديمية البريطانية المتعلقة بالشرق الأوسط إلى مرحلتين، تمتد الأولى
من الخمسينيات إلى السبعينيات، وتنقسم إلى دراسات عامة تميزت بسيطرة الرؤية التاريخية وتفاوت
قدرات الباحثين في التحليل، ومن أهمها دراسة هولت عن تاريخ السودان المعاصر، ومانسفيلد عن
((8(سعيد، ص.130
((8(نحن نركز على الشرق الأوسط نظرًا إلى كونه جغرافيا اعتبارية من الناحية الاستراتيجية بالنسبة إلى القوى الغربية التي تقودها
الولايات المتحدة، ونظرًا إلى كونه أيضًا يجمع بين دول تقع في آسيا وأفريقيا من الناحية القارية، فهو نظام إقليمي استثنائي يعتبر محور
الدراسات المناطقية في العالم الأنغلو- أميركي.
((8(منصور، ص.41
(87) Timothy Mitchell, «The Middle East in the Past and Future of Social Science,» (Gaga Books, Berkeley, 2003), p. 4.
((8(المصدر نفسه، ص.5
((8(شارل عيسوي وآخرون، «التطور الاقتصادي في الشرق الأوسط،» في: ألبرت حوراني، فيليب خوري وماري ويلسون،
مشرفون، الشرق الأوسط الحديث، ترجمة أسعد صقر 4 ج (دمشق: نشر دار طلاس، 1996)، ج 2: التحولات في المجتمع
والاقتصاد، 1918-1789، ص.32
مصر الناصرية، وتنضاف إليها أيضًا دراسة باتريك سيل عن الصراع على سورية وقد عنونها ب
الأسد: الصراع على الشرق الأوسط، وقد صدرت باللغة العربية في كتاب ضخم يضم 842 صفحة من
القطع المتوسط. وضمت هذه المرحلة أيضًا دراسات متخصصة جمعت أكاديميين من التاريخ المعاصر
والجغرافيا والأنثروبولوجيا، وشكّل باحثو أكسفورد نواة هذه الدراسات التي تميزت بمحدودية قيمتها
نظرًا إلى غياب رؤية فكرية ذات قاعدة شاملة الاتجاهات، إذ لم تساعد هذه الدراسات على فهم الجوانب
الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للشرق الأوسط. وتمتد المرحلة الثانية من منتصف السبعينيات وتمتاز
بسيادة الاتجاه التكاملي بين التخصصات. وقد تم التركيز خلالها على دراسة الاقتصاد السياسي ووضعية
الدولة والأيديولوجيا والأشكال الاجتماعية، علمً أن محور هذه الدراسات هو وضعية الدولة. برز في هذا الحقل أربعة اتجاهات رئيسية تتناول النظرية العامة للاقتصاد السياسي في الشرق الأوسط،
ودراسات دول الشرق الأوسط، وتحليل دور الطبقات والجماعات والتفاعلات الاقتصادية الداخلية
والخارجية، ودراسات حول البيروقراطية ودورها الدولتي والاجتماعي، ودراسات حول الاقتصاد
وجماعات الضغط. وظهرت دراسات أخرى اهتمت بمصادر الثروة وأشكال الترتيب الاجتماعي. في سنة 1958 أشرف جيمس بيرسون على إعداد عمل سمّي الكشاف الإسلاميتحت رعاية مدرسة
الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، ولا يزال هذا العمل ساري الصدور حتى اليوم، ولكن
أصبحت رعايته قائمة في وحدة البحث البيبليوغرافي الإسلامي لمكتبة جامعة كمبريدج، ويتولى إعداده
والإشراف على صدوره الدكتور جيفري روبر بمساعدة من هيزر بليني. ويحصر آخر إصداراته المجمعة
في قرص مدمج يحوي حوالى 202.051 مادة علمية ما بين مقالة وكتاب وبحث مقدم إلى مؤتمر أو ندوة
علمية خلال الفترة 1906 - 1997، والموضوع الرئيسي لهذه المادة يتعلق باهتمام البلدان الغربية بالمشرق
العربي. ويوضح الجدول التالي نِسب التوزيع اللغوي للإنتاج الفكري بشأن الشرق الأوسط، وهو
الإنتاج الذي تحتل فيه الإنكليزية موقع الصدارة. يتضح من الجدول أن أعلى نسب الإنتاج الفكري في ما يتعلق باللغات الواردة في الجدول هي نسبة اللغة
الإنكليزية، إذ تصل إلى حوالى 58.33 في المئة، وهي نسبة عالية جدًا إذا قورنت بنِسب باقي اللغات،
وهي تعكس الاهتمام الأكاديمي الذي كانت توليه بريطانيا، والولايات المتحدة في ما بعد، لدول الشرق
الأوسط. وتهتم جامعة أكسفورد (التي أُسست في بريطانيا سنة 1167)بتدريس أهم مقرراتها في كلية
الدراسات الشرقية، ومركز دراسات الشرق الأوسط، فهي تمنح درجة البكالوريوس في هذا الفرع من
الدراسات، ويتمحور أهم موضوعات التدريس في الموضوع المذكور في قسم الدراسات العليا حول
الدراسات الشرقية ثم الدراسات الشرق الأوسطية في القرن العشرين. وتحتوي الجامعة على مركز خاص
بالدراسات الشرق الأوسطية أسسه المستشرق البريطاني آرثر أربري سنة 1920، ويقع مقره في كلية
الدراسات الشرقية التي تتوفر على مكتبة غنية بالدوريات والكتب والتقارير الرسمية والأنشطة المرئية
والمسموعة والصحف والمجلات المتعلقة موضوعاتها بالشرق. ينضاف إلى ذلك كله أرشيف ضخم
((9(شاهين، «الشرق الأوسط في الرؤى الأكاديمية الغربية،» ص.121-120
(9((باتريك سيل، الأسد: الصراع على الشرق الأوسط، ط 10 (بيروت: شركة المطبوعات للنشر والتوزيع،.)2007
((9(شاهين، «الشرق الأوسط في الرؤى الأكاديمية الغربية،» ص.122-121
(9((هاشم فرحات، دول الشرق الأوسط في الإنتاج الفكري الأجنبي (دراسة ببليومترية) (الرياض: جامعة الملك سعود، قسم العلوم
والمكتبات والمعلومات، [د. ت.])، ص 3.4
((9(المصدر نفسه، ص.17
عشر والعشرين، إضافة إلى أدب الشرق الأوسط والتاريخ العثماني.
| كلي | الإيطالية | اإلإسبانية | اإلروسية | الألمانية | الفرنسية | الإنكليزية | اإللغة | |
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
| 245 | 5 | 0 | 1 | 20 | 20 | 199 | ع | الأردن |
| 99.9 | 2 | 0 | 0.4 | 8.2 | 8.2 | 81.2 | % | |
| 523 | 2 | 1 | 64 | 70 | 105 | 281 | ع | إيران |
| 100 | 0.4 | 0.2 | 12.2 | 1304 | 20.1 | 53.7 | % | |
| 600 | 21 | 2 | 61 | 116 | 107 | 293 | ع | تركيا |
| 99.9 | 3.5 | 0.3 | 10.2 | 19.3 | 17.8 | 84.8 | % | |
| 340 | 11 | 1 | 7 | 23 | 21 | 277 | ع | الخليج |
| 99.9 | 3.2 | 0.3 | 2.1 | 6.8 | 6.2 | 81.5 | % | |
| 301 | 3 | 2 | 4 | 36 | 111 | 145 | ع | سورية |
| 99.9 | 1.0 | 0.7 | 1.3 | 12.0 | 36.9 | 48.2 | % | |
| 304 | 0 | 2 | 5 | 35 | 52 | 210 | ع | العراق |
| 99.9 | 0 | 0.7 | 1.6 | 11.5 | 17.1 | 69.1 | % | |
| 342 | 3 | 3 | 0 | 47 | 37 | 252 | ع | فلسطين |
| 99.9 | 0.9 | 0.9 | 0 | 13.7 | 10.8 | 73.7 | % | |
| 251 | 7 | 2 | 3 | 7 | 113 | 119 | ع | لبنان |
| 100 | 2.8 | 0.8 | 1.2 | 2.8 | 45 | 47.4 | % | |
| 600 | 6 | 5 | 6 | 40 | 274 | 269 | ع | مصر |
| 100 | 1 | 0.8 | 1 | 6.7 | 45.7 | 44.8 | % | |
جائزة نايف بن عبدالعزيز آل سعود العالمية للسنة النبوية والدراسات الإسلامية المعاصرة، 2006)، ص 234.239
من الوثائق والصور التي أحضرها برترام توماس من رحلته إلى شبه الجزيرة العربية في الثلاثينيات
من القرن العشرين. وتهتم هذه الجامعة في مقرراتها بمحاور مهمة مثل الدراسات الشرق الأوسطية
والإسلامية، ودراسات جنوب آسيا، والشرق الأوسط الحديث، والتاريخ السياسي للشرق الأوسط،
ودراسة الشخصيات البارزة في السياسة المعاصرة، والشرق الأوسط وشمال أفريقيا في القرنين التاسع
(9((محمد وقيع الله احمد، الإسلام في المناهج الغربية المعاصرة: عرض ونقد، شرف المكان والمكانة (المدينة المنورة: إصدارات
ع 2045
| 3506 | 58 | 18 | 151 | 384 | 840 | 2045 | ع | كملي |
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
| 99.9 | 1.7 | 0.51 | 3.31 | 11.24 | 23.96 | 58.33 | % | |
| - | 1.65 | 0.52 | 3.34 | 10.47 | 23.10 | 60.95 | المعدل العام | |
المعدل العام 60.95 23.10 10.47 3.34 0.52 1.65
من بين أبرز أساتذة دراسة المناطق الذين عُرفوا في بريطانيا نجد فريد هاليداي، أستاذ العلاقات الدولية
في مدرسة لندن للاقتصاديات، الذي اشتهرت أهم كتاباته بدراسة المناطق بشكل عام ودراسة الشرق
الأوسط بشكل خاص، واشتهر بميله إلى الوضوح المنهجي، فهو لا ينسى مقولة الإيمان المطلق بالنجاعة
العلمية للعلوم الاجتماعية والإنسانية، وينطلق من مبادئ معيارية تحليلية، وبالقدر الذي ينطلق فيه من
الخصوصية، يرفض إطلاقيتها في العلاقة مع المجتمعات المدروسة. ومن بين الدراسات المهمة التي
وضعها هاليداي: «شبه الجزيرة العربية دون سلاطين» (1974) و«إيران الدكتاتورية والتنمية» (1978)
و«الثورة والسياسة الخارجية في حالة اليمن الجنوبي خلال عامي 1967 و»1987 (1990)، إضافة إلى
كتابه المهم المعنون ب الصراع السياسي في شبه الجزيرة العربية، والذي صدرت طبعته العربية سنة.2002 بالنسبة إلى التجربة الأميركية، يُذكر أن أغلب الجامعات الأميركية في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية
لم تهتم بدراسة منطقة معينة بذاتها، كما هو الشأن بالنسبة إلى العديد من المستشرقين الذين لم يهتموا أيضًا
بدراسة التطورات المعاصرة في الشرق الأوسط. ويعزى الاهتمام بالمناطق ودراستها في الولايات المتحدة
بعد الحرب العالمية الثانية إلى سياق التطورات الأكاديمية التي صاحبت أحداث بيرل هاربر سنة 1941،
وهو ما جعل علماء الفيزياء المهتمين بتطوير القنبلة الذرية وعلماء العلاقات الدولية هم الأكاديميين
الذين تأثروا بتلك الأحداث دون غيرهم، من دون أن نغفل أن العداوة لليابان وللاتحاد السوفياتي
جعلت المتخصصين بالأدب الياباني والأدب الروسي متخصصين بدراسة مناطق العدو، وينطبق الأمر
نفسه بالنسبة إلى الباحثين في شؤون شمال أفريقيا والشرق الأوسط الذين أصبحوا خبراء بتدبير مناطق
وساحات المعارك. هكذا انطلقت دراسة المناطق في الولايات المتحدة في كنف الحرب العالمية الثانية، وتطورت في ظل الحرب
الباردة، وبالضبط حينما بدأت الولايات المتحدة تتصرف كقوة عالمية لها ارتباطات مصلحية في كل أنحاء
الأرض، فصورت دراسة المناطق نفسها كأسلوب جديد ينتظم ضمنه البحث العلمي. وكان الباحثون
في إطار هذا الحقل يرون أنه بدل أن يقوم الفصل التام بين الباحثين في إطار علومهم، يجب عليهم أن
يقوموا بوضع مقاربات تجمع حقولهم في ما سيتعلق بدراسة منطقة معينة، والقيام بإنتاج معرفة مفيدة
متصلة بالسياسة. وجرى التركيز على أن هذا الحقل الجديد يقوم على العلوم الاجتماعية، بدل الاستشراق
التقليدي الذي يعتبر المجتمعات والثقافات المدروسة بنى ساكنة. كان لمجلس بحوث العلوم الاجتماعية دور كبير في إرساء هذه الدراسات، إذ أُسست لجنة بحوث مناطق
العالم سنة 1946 بهدف تحديد المناطق الأجنبية الأكثر أهمية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، من أجل دراستها
(9((فريد هاليداي، الإسلام وخرافة المواجهة: الدين والسياسة في الشرق الأوسط، ترجمة محمد مستجير (القاهرة: مكتبة مدبولي،
1997)، ص.224-223
((9(المصدر نفسه، ص.5
((9(لوكمان، ص.207-206
((9(المصدر نفسه، ص.209
أكاديميًا في الجامعات الأميركية على أساس العلوم الاجتماعية. وستتطور هذه اللجنة لتشمل باقي العلوم
الإنسانية بعد أن تحصل على تمويل من مؤسسة فورد، وكان هاملتون جب من بين أعضائها. بعد ذلك
ستندفع الجامعات الأميركية إلى تشجيع هذه الدراسات وتوسيع مراكز الدراسات الشرق الأوسطية في
كلٍّ من جامعات كولومبيا وبرينستون وهارفرد التي قامت بتزويد طاقمها الأكاديمي بباحثين من خلفيات
عربية، كالمؤرخ اللبناني فيليب حتي الذي أسس برنامج الدراسات الشرق الأوسطية في برينستون،
واستمر في هذه الجامعة حتى تقاعده سنة 1954. وقد تولى هذا الباحث دراسة موضوعات ذات
صلة بالعالم العربي، بدعم من اللجنة العربية الإسلامية للمجلس الأميركي للدراسات الاجتماعية،
كما اشتهر بدراسة عن تاريخ العرب. في الفترة الممتدة بين خمسينيات القرن المنصرم وستينياته، صعدت دراسة الشرق الأوسط بفعل اهتمام
نخبة من المدرسين والطلبة بضرورة الحفاظ على سلطة الولايات المتحدة في المنطقة، وكذلك بفضل كثرة
البرامج والمؤسسات الحاصلة على الدعم من مؤسسات وقفية أولً، ثم الحكومات الفدرالية في ما بعد.
وفي نهاية الستينيات سيعرف المجال تزايدًا مهولً في درجات الدكتوراه الممنوحة في مجال الدراسات الشرق
الأوسطية بباقي فروعها المهمة، مجسدة في العلوم السياسية والأنثربولوجيا. وقد شاب هذه الدراسات في
الولايات المتحدة بعض العيوب، وأهمها افتقارها المستمر إلى وجود رابطة تجمع شتاتها، لكن جرى في سنة
1946 افتتاح معهد الشرق الأوسط في واشنطن ليشرع في إصدار مجلته الفصلية المعنونة ب مجلة الشرق
الأوسط، وكان اهتمامها يراهن على السياسة المعاصرة والعلاقات الدولية، خصوصًا في ظل تزايد الاهتمام
الأميركي بالمنطقة، كما أسلفنا القول، لكن لم تعمد إلى البحث الأكاديمي كما نفهمه من دراسة المناطق.
ويشار إلى أن الرابطة الأميركية لدراسة المناطق كانت قد أنشئت في الخمسينيات ثم توقفت في الستينيات،
ليتم بعدها تأسيس رابطة دراسات الشرق الأوسط (MESA) سنة 1966 بتمويل من مؤسسة فورد.
عقدت تلك الرابطة مؤتمرها الافتتاحي سنة 1967، للشروع في إصدار المجلة البحثية الفصلية الخاصة
بالرابطة والمسمّة المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط، وسرعان ما ستتوسع هذه الرابطة لتضم أكبر
منظمة في مجال دراسة المناطق في فرعها الشرق الأوسطي. كما أشرنا آنفًا، يُعزى الفضل الأكبر لتطور هذه الدراسات إلى الأحداث التي عرفتها المنطقة، إضافة إلى
الاهتمامات الفكرية؛ إذ اهتم الدارسون الأميركيون في هذه الفترة بدراسة التوراة والسامية، ولم يكن هناك
باحثون على صلة بالشرق الأوسط سوى جيمس هنري بريستد المتخصص بالدراسات المصرية، وهو
الذي كان قبل ذلك (سنة 1919) قد قام بتأسيس معهد شيكاغو. لقد تطعمت المدرسة الأميركية في
الدراسات المناطقية بهجرة رواد الاستشراق الأوروبي إلى أميركا أمثال جب من بريطانيا وفون غرونباوم
من النمسا وفرانز روزنتال من ألمانيا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، على أن هذه الدراسات دخلت
طور المهنية بعد تأسيس رابطة الشرق الأوسط، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
((10(المصدر نفسه، ص.210
((10(المصدر نفسه، ص.213
(10((شوقي أبو خليل، موضوعية فيليب حتي في كتابه تاريخ العرب المطول (دمشق: منشورات دار الفكر، 1985)، ص.14
(103) Mitchell, p. 3.
(10((يقصد: فيليب حتي، أدورد جرجي وجبرائيل جبور، تاريخ العرب (مطول)، 3 ج (بيروت: دار الكشاف،.)1953-1949
((10(لوكمان، ص 214 و.216
(106) Mitchell, p. 3.
((10(المصدر نفسه، ص.10-6
اجتازت هذه التجربة أربع مراحل تأثرت فيها بنظريات حقل العلوم السياسية وباهتمامات السياسة
الأميركية وأهدافها الاستراتيجية التي اتجهت في الأساس إلى احتواء المد السوفياتي، وضمان تدفق النفط،
وأمن إسرائيل والمحافظة على الأنظمة الموالية لها. وقد أثّرت هذه الاستراتيجيا في دراسة المناطق في أميركا.
هذه المراحل هي: المرحلة الأولى: امتدت من بداية الخمسينيات حتى نهاية الستينيات، واهتمت بموضوعات تتعلق بالحداثة
والديمقراطية والليبرالية، في سعي نحو فهم طبيعة مجتمعات دول العالم الثالث والعوامل المؤثرة في
العملية السياسية، من أجل إقناع الدول المستقلة حديثًا بتبني نظرية الحداثة كبديل من الماركسية. وقد
غلبت على هذه المرحلة التفسيرات الثقافية عوض التحليلات، وهو ما يوضح تأثر دراسة المناطق بالإرث
الاستشراقي، وإن كانت ترى في العسكريتاريا فرصة للتنوير السياسي.
المرحلة الثانية: بدأت من السبعينيات واستمرت حتى أوائل الثمانينيات، وكانت تعنى بموضوع المشاركة
السياسية. وتأثرت فيها الدراسات بالأحداث التي عرفتها المنطقة، كالثورة الإيرانية واغتيال السادات
الذي كان قد عمد إلى طرد الخبراء السوفيات، والاحتلال الإسرائيلي للبنان، وهي الأحداث التي أبانت
عن خطأ نظرية الحداثة، وهو ما جعل الاهتمام ينصبّ على محاولة فهم الإسلام السياسي، ومحاولة تفسيره
سياسيًا ونفسيًا وثقافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا. وقد غلبت على هذه المرحلة التحليلات الصحافية في إطار
ما سمّته أندرسون «مراقبة الملالي».
المرحلة الثالثة: ابتدأت من الثمانينيات حتى التسعينيات، وتميزت بالعودة إلى دراسة الدولة وعلاقتها
بالمجتمع المدني، وكيفية صنع السياسات العامة، ودور الدولة كمنظم لعملية التحول الاقتصادي والسياسي
والاجتماعي في المجتمع. ومن بين هذه الدراسات الأعمال التي قام كل من جياكومو لوتشياني بشأن «الأمة
والدولة والاندماج في العالم العربي» في أربعة مجلدات ضخمة، وفؤاد خوري بشأن «القبيلة والدولة في
البحرين»، وإيليا زريق بشأن «الاعتبارات النظرية للدراسة اجتماعية الدول العربية»، وجبرائيل بن دور
بشأن «الدولة في تبنّي سياسة الانفتاح الاقتصادي»، إلا أن جل هذه الدراسات غابت فيها الدراسات
المقارنة بين النظم الاقتصادية والسياسية في المنطقة.
المرحلة الرابعة: ابتدأت من التسعينيات، وعادت دراسة المناطق فيها إلى تناول موضوعات تتعلق بالمجتمع
المدني والديمقراطية والليبرالية، وحاولت بعث الأمل في إحراز الديمقراطية وإيجاد توازن بين سلطة
الدولة والقوى الاجتماعية. وشملت هذه الدراسات الإنتاجات التي قدمها ريتشارد نورتن عن المجتمع
المدني في الشرق الأوسط في مجلدين، وريكس براينن وبهجت قرني وبول نوبل بخصوص عملية التحرر
السياسي والتحول الديمقراطي في العالم العربي. وقد فشلت محاولات هذه الدراسات في فهم طبيعة السلطة
والمجتمع في هذه الدول، نظرًا إلى غموض المفاهيم والمصطلحات المستعملة في الدراسة، والتي تتجسد في
عدم تحديد ماهية الديمقراطية والمشاركة السياسية والعلاقة بينهما في المجتمعات الشرق الأوسطية.
لعل السمة المميزة لدراسة المناطق كما تبلورت في الولايات المتحدة هي اعتمادها الشديد على البحث
المؤسسي لا على الجهود الفردية كما هي الحال بالنسبة إلى العالم العربي؛ فالبحث المؤسسي المدعوم رسميًا
والمرتبط بسياسة الدولة العامة، وتحديدًا بالسياسة الخارجية، جعل عدد مؤسسات البحث المناطقية تصل
((10(شاهين، «الشرق الأوسط في الرؤى الأكاديمية الغربية،» ص.124
((10(المصدر نفسه، ص.125
((11(المصدر نفسه، ص 126.127-
((11(المصدر نفسه، ص.128-127
((11(المصدر نفسه، ص.129-128
إلى حوالى 4015 مؤسسة، بحسب الإحصاءات المقدمة من طرف مؤسسة بروكينغ. وتكمن أهميتها
في التقارير والأبحاث التي تمد بها صانعي السياسة؛ فاستراتيجيات التدخل في الشرق الأوسط، كالحرب
على أفغانستان والعراق، كانت موجودة على رفوف هذه المؤسسات والمراكز قبل تنفيذها بسنوات،
وأشهر هذه المؤسسات في الولايات المتحدة التي تعنى بدراسة المناطق: مؤسسة بروكينغ؛ مؤسسة
هيرتياج؛ المؤسسة الأميركية للسياسات العامة التي أُسست سنة 1942؛ مؤسسة هوفر للدراسات
الحربية المؤسسة سنة 1919؛ معهد كاتو الذي أُسس سنة 1977؛ مؤسسة كارنيغي؛ مركز نيكسون
الذي أُسس سنة 1994؛ مركز وودرو ويلسون للأبحاث الذي أُسس سنة 1968؛ مركز جورج تاون
للدراسات الاستراتيجية والدولية الذي أُسس سنة 1962؛ معهد هودس الذي أُسس سنة 1961؛ معهد
الدراسات السياسية الذي أُسس سنة.1963
يضاف إلى ذلك معهد السياسة المستقبلية، ومعهد السياسة العالمية، ومركز التحليل البحري، ومركز
التحاليل الدفاعية، ومؤسسة راند، ومؤسسات أخرى. منذ التسعينيات، بدأت هذه الدراسات تزداد باطراد في كبريات المعاهد والمراكز. وفي هذا الصدد تشير آنا
بيتريدج، رئيسة جمعية الشرق الأوسط في شمال أميركا، إلى أن نسبة الدراسات بشأن منطقة الشرق الأوسط
زادت باعتبار الباحثين المتخصصين بالأديان حوالى 8 في المئة بعد سنة 1996. وعلى الرغم من ذلك،
لم تسلم هذه الجهود من النقد على أساس استمرار الماضي الاستشراقوي في إنتاج هذه المؤسسات، ولا
سيما من طرف الباحثين العرب والنقاد، فهؤلاء يعيبون على جميع أولئك الباحثين الارتباط الوثيق بسياسة
الأمن القومي الأميركي، أمثال كناداف سافران، الخبير في الجيش الإسرائيلي والأستاذ في هارفرد، وليونارد
بيندر، الأستاذ في جامعة شيكاغو وعضو وكالة CIA، علاوة على كلٍّ من كارلتون كون وهالبرن اللذين
ارتبطا بوكالة CIA، وارتبطا في الوقت نفسه برابطة دراسة الشرق الأوسط وبالجامعات الأميركية المهتمة
بدراسة المناطق على المستوى السياسي بالدرجة الأولى. هذه الوقائع كانت من بين انتقادات أخرى وجِّهت
إلى هذا الحقل برمّته، من جذوره الاستشراقية إلى مظاهره الأكاديمية الراهنة. هكذا بات جليًا أن دراسات المناطق ولدت في الولايات المتحدة كامتداد للتحولات التي عرفتها الدوائر
الثلاث التالية: دائرة حقل الاستشراق المأزوم؛ دائرة تحولات الفكر الاستراتيجي والاستراتيجيات
الأميركية؛ دائرة الحياة الأكاديمية للعلوم الاجتماعية. فالالتقاء بين نواتج تلك الدوائر هو ما ولّد حقلً
أكاديميًا بينيًا ملتزمًا بسياسات الدولة التي ولد في كنفها اتجاه منطقة بعينها، لكن توسعًا في نطاق عمل
الحقل المناطقي سيحدث ليشمل دراسات أفريقية وآسيوية وأوروبية، وحتى أميركية، في بلدان أخرى،
كما ستتسع دائرة الاهتمام بدراسات المناطق لتضم باحثين من بلدان أخرى، وهذا موضوع بحث آخر.
(11((مصدق، وثائق ويكيليكس، ص.140
((11(المصدر نفسه، ص.132
((11(للمزيد من الاطلاع، انظر: المصدر نفسه، ص.166-142
((11(برانون ويلر، حلقة دراسية علمية عن إدماج الدراسات الإسلامية في المنهاج الدراسي للعلوم الفلسفية والإنسانية 7-6 مارس
1998،» إسلامية المعرفة، السنة 4، العدد 14 (خريف 1998)، ص 233.234
(117) Mitchell, p. 11.
خاتمة
بات واضحًا أن الأمم لا تقوى ولا تجد لها مكانًا مرموقًا في التاريخ إلا إذا استوعبت المعادلة التي يقف على
طرفيها كلٌّ من المعرفة والقوة؛ إذ إن اتحاد هذين العنصرين فقط هو الكفيل بأن يصنع أمة متمكنة في
الأرض. لا شك أن ما يُعرف بالغرب قد استوعب هذا الدرس بعد أن عاش قرونًا من الزمن ضعيفًا أمام
شرق اكتسح عليه الجغرافيا وجثم على صدره يحصي عليه أنفاسه. لذلك اتجه أبناؤه منذ القرن الحادي عشر
إلى اقتحام كل سبيل يمكّنهم من فهم هذا العالم الذي زاحمهم في أرضهم، واتجهوا بشغف لمعرفة خباياه
وأسراره ولغاته وماضيه وأديانه، وتساءلوا كيف تمكن من أن ينطلق من خيام الجزيرة العربية بدعوة دينية
ليصل إليهم بجيوش جرارة. كانت النتيجة أن سار التاريخ وفق منحيين متعاكسين: منحى بلغت معه حضارة الشرق ذروتها وشرعت
في النكوص على عقبيها، ومنحى دشنت فيه أوروبا الغربية نهضتها على العلم والمعرفة بالآخر وبالذات،
وانطلقت من جديد لترد الصاع صاعين؛ صراع قال عنه الكثيرون إنه صراع حضارات وصراع صيرورة
هدامة بين ثقافتين، وحاولوا تغليفه باستيهامات جغرافية لم تكن في الواقع يومًا. فإذا كان الشرق
الأوسط وما رادفه وتاخمه من مصطلحات مجرد اصطناعات لغايات معيّنة أصبحت دارجة ولا غنى
عن استخدامها، يمكن القول، وبكل ثقة، إن مفاهيم من قبيل الشرق والغرب والشمال والجنوب هي
الأخرى اصطناعات لا مفر من استخدامها بحيث فرضها على الإنسانية واقع المركزية الأوروبية في
وقت سابق، وفرضها قبل ذلك إرغام الإنسان على أن يتخذ له موقعًا في المكان والزمان، يتصرف ويتمثّل
العالم على أساسه. ربما سيكون ضروريًا اختتام هذا البحث على نحو تأملي لإعادة النقاش إلى جوهره الفلسفي،
والربط بين أطراف القضية الكبرى التي تنضوي هذه الدراسة إليها؛ قضية العلاقة الأزلية بين القوة
والمعرفة، فلولا تلك العلاقة الجدلية بين المعرفة الاستشراقية الأنغلو- أميركية وبين سياسات بريطانيا
والولايات المتحدة في الشرق، بحيث توجه السياسة المعرفة وتخدم المعرفة السياسة، لما وجدنا أمامنا
ما بات يُعرف بدراسة المناطق. وعلى الصعيد الإجرائي شكّلت ولادة فكر استراتيجي عملي صلة
الوصل بين ذينك الرقمين في المعادلة، فأنجب هذا الفكر نظامًا إقليميًا فرعيًا من النظام الدولي العام
بشكل سهّل عمل المستشرقين وعبّد أمامهم الطريق لإقامة مراكز البحث وبيوت الخبرة وشعب
البحث الجامعي، بتناغم تام مع الاستراتيجيات التي توضع بتفاهمات غالبًا بين أصحاب المصالح
ومحترفي السياسة. هذه التقاليد في البحث المناطقي ستدفع الكثير من البلدان إلى انتهاج النهج نفسه، فتتناسل تلك المراكز
والمؤسسات المناطقية في العالم في روسيا وفرنسا والصين وإيران وجنوب أفريقيا وإسرائيل وبلدان أخرى
(11((بخصوص هذه الإشكالية، أ ثيرت ملاحظة من طرف الكثيرين تعليقًا على رؤية إدوارد سعيد نفسه للاستشراق كتشكيل خطابي
ارتبط بالقوة وولّد إنشاء خطابيًا عبر اتحاد المعرفة بالقوة. وتلك الملاحظة كانت تتعلق بكون الاستشراق ظهر أيضًا في بلدان لم
تكن دولها استعمارية أو لها مصالح استعمارية في الشرق. وقد رد سعيد على تلك الملاحظة وغيرها في كتيب أسماه: تعقيبات على
الاستشراق. أما بخصوص وجهة نظر الباحث بشأن الملاحظة نفسها، فإن المسألة ترتبط بسياق طغى ودفع إلى انتشار الظاهرة خارج
مسبباتها على النحو الذي لم يتعلق فقط بظهور الاستشراق ببلدان غير استعمارية وإنما امتد نسق الفكر الاستشراقي إلى بلدان الشرق
نفسه، وهذا موضوع بحثآخر.