العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التمثيل والتأويل: بين ضرورة الإخفاء وواجب التبيين الدلالي لدى ابن ميمون

التمثيل والتأويل: بين ضرورة الإخفاء وواجب التبيين الدلالي لدى ابن ميمون

Allegories and Interpretation Between the Need of Hiding the Truth Signification and the Duty of its Elucidation According to Maimonides

محمد المصباحي

Mohamed el-Misbahi

الملخّص

تتناول هذه الدراسة موقف ابن ميمون من دلالة إخفاء "كتب النبوة" الحقيقة عن الجمهور بالتمثيل والترميز، وتنبيه أهل الحكمة كي ينهضوا للكشف عنها. ولا سبيل للخروج من هذا القلق الدلالي بين ظاهر النص الديني وباطنه، والذي عبر عنه ابن ميمون بالحيرة، إلا بإدراك باطن النص الديني عن طريق العقل. لكنه أضاف طريقا ثالثا، بالإضافة إلى طريق الفحص الدلالي لأسماء اللغة، وطريق النظر العقل في الموجودات الطبيعية، لإدراك الحقيقة الدينية والحقيقة الطبيعية، هو طريق الكشف الصوفي لتحقيق الوحدة مع مبدإ الوجود. وقد مكّنته مرونته الدلالية من الجمع بين الكوسمولوجيا الأرسطية، وعرضية الوجود الميتافيزيقية (ابن سينا)، وبين علم الكلام والتصوف.

Abstract

Abstract: This study examines the position of Ibn Maimoun (Maimonides) on the significance of the concealment of the truth from the masses in «books of prophecy» by using allegory and symbolism, as well as how he alerts people of wisdom to the process of concealment. It discusses the conclusion that there is no way to escape the semantic tension between the exoteric and esoteric aspects of religious texts, which Ibn Maimoun expressed as perplexing. It finds that the only way out of this tension is through a rational understanding of the esoteric content of the religious text, this paper is based on the main Maimonides's book in the Arab library, Dalalat Al-hairin.

الكلمات المفتاحية:
  • التمثيل
  • الاستعارة
  • الحقيقة
  • الدلالة
  • البرهان
  • الإخفاء
Keywords:
  • Esoteric Interpretation
  • Allegory
  • Ibn Maimoun

بين ضرورة الإخفاء وواجب التبيين الدلالي لدى ابن ميمون

Allegories and Interpretation

Between the Need of Hiding the Truth Signification and the Duty of its Elucidation, According to Maimonides

مخلص: تتناول هذه الدراسة موقف ابن ميمون من دلالة إخفاء «كتب النبوة» للحقيقة عن الجمهور بالتمثيل والترميز، وتنبيه أهل الحكمة كي ينهضوا للكشف عنها. ولا سبيل للخروج من هذا القلق الدلالي بين ظاهر النص الديني وباطنه، والذي عبر عنه ابن ميمون بالحيرة، إلا بإدراك باطن النص الديني عن طريق العقل، وتستند هذه الدراسة في مصدرها إلى كتاب دلالة الحائرين لابن ميمون الذي يشكّل الكتاب الرئيس لابن ميمون في المكتبة العربية.

«... حتى إن الذي أراد أن يعلّم دون تمثيل وال إلغاز، جاء في كالمه من اإلغماض واإليجاز ما ناب عن التمثيل واإللغاز، كأن العلماء والحكماء منقادون نحو هذا الغرض باإلرادة اإللهية كما تقودهم أحوالهم الطبيعية.» ابن ميمون، دلالة الحائرين، ص.9 «إن األمر كما يقوله تامسطيوس، قال ليس الوجود تابعًا لآلراء، بل اآلراء الصحيحة تابعة للوجود» ابن ميمون، دلالة الحائرين، ص.182 «فيلزم ضرورة أن يعتبر هذا الموجود على ما هو عليه، وتتخذ المقدمات ممّا يشاهد من طبيعته» ابن ميمون، دلالة الحائرين، ص.185 «إن معرفة الوحي انطالقًا من مبادئ العقل النظري مستحيلة.»... فيخته، مقالة في نقد الوحي

لن ندخل في تفصيلات معنى عنوان كتاب ابن ميمون الرئيسي، دلالة الحائرين، الذي هو مصدر موضوعنا هذا، وإنما حسبنا أن نشير إلى أن العنوان يفي بالغرضين الأساسيين لمشروعه الفكري؛ فهو أولً كتاب في حكمة تنويع الدلالة وبيان معنى الضرورة البيداغوجية والعقدية في إخفاء الدلالة الحقيقية عن الجمهور بالتمثيل والترميز والإلغاز والحكي، سواء في كتب النبوة أو في كتب العلوم والفلسفة. وهو ثانيًا كتاب في منهجية تبديد الحيرة، أو الض لاا الدلالي بين معاني الأسماء المقولة باشتراك الاسم، والأسماء المستعارة، والأسماء المقولة بتشكيك، والأسماء المقولة بتواطؤ في الاسم والمعنى معًا، والأسماء المشتقة. بعبارة أخرى، يسعى الكتاب إمّا بالدعوة إلى البقاء في حيّز التمثيل والتشبيه واتّباع ظاهر النقل والعمل به بالنسبة إلى الجمهور، وإمّا بالخروج من حقل الاستعارة والتمثيل بإعمال العقل للبحث عن باطن النص الديني، بالنسبة إلى أهل الحيرة من الخواص لتبديد ضلالهم الدلالي. ومعنى هذا أن الشعور بالتقابل بين ظاهر التمثيل والوعي بالإشكالات الدلالية ليس متاحًا لجميع الناس، وإنما هو نعمة يختص بها المؤمنون من أهل العلم، إذ «على قدر عقل كل ذي عقل تكون العناية به»1.

استراتيجية الإخفاء الدلالي في مواجهة واجب التصريح بالحق

واضح أن صاحب كتاب دلالة الحائرينيعترف بأن أقوال الشريعة، لكونها تعرض حقائقها الجليلة في قوالب تمثيلية ومجازية وحكائية بسيطة، تُحْدث الحيرة الدلالية والالتباس المعرفي، الأمر الذي يفضي في نهاية الأمر إلى ضلال عقدي وانشقاق مذهبي. لكنه يبرر لجوء الشريعة إلى المخاطبة بهذه الأمور الغامضة بسببين هما: « عظم الأمر وج لااته، وكونقدرتنا مقصّره عن إدراك أعظم الأمور على ما هو

  1. أبو عمران موسى بن عبيد الله بن ميمون، دلالة الحائرين، تحقيق حسين آتاي (بيروت: مكتبة الثقافة الدينية، [د. ت.])، ص.723

عليه، خوطبنا بالأمور الغامضة»2. معنى هذا أن الغاية من إخفاء المعاني الحقيقية عن الجمهور هي إحداث تمييز دلالييُفضي في النهاية إلى تمييز بشري، يتم بموجبه دفع الجمهور إلى حمل «الأسماء المشتركة» والأمور المبهمة على ظاهرها، في مقابل حث الفلاسفة على الذهاب وراء ظاهرها للكشف عن باطنها الحقيقي عبر منهج التأويل العقلي، وهو ما عبّر عنه بقوله: «أن يحملها [الأمثال] الجمهور على معنى على قدر فهمهم وضعف تصورهم، ويحملها ‹ الكامل ›، الذي قد عَلِم، على معنى آخر »3. يتعلق الأمر، إذ ا، بمذهب يدافع فيه ابن ميمون عن ازدواجية الدلالة لا عنازدواجية الحق، لأن الحق العلمي لا يدركه إلا أهل التأويل بالعقل، هذا العقل الذي «يَعتبر هذا الموجود على ما هو عليه، ويتخذ المقدمات ممّا يشاهد من طبيعته»4. أمّا ظاهر الكتب النبوية، فيصل إليه الجمهور عن طريق الخيالالذي لا يدرك الموجودات على ما هي عليه، وإنما كما تتراءى له على شكل أمثال وتشبيهات. لكن إذا كان منهج الإخفاء الدلالي يقوم بدور تورية الحق عن الجمهور، فإنه يقوم بدور تنبيه ذوي الفطرة الفائقة إلى وجود الحق، لحثّهم على كشف المعنى الخفي المتواري خلف الأمثال عن طريق استعمالهم العقل. بهذا النوع من الفصل الدلالي والخطابي، نعتقد أنه لم يقم بالخطوة الحاسمة التي أنجزها ابن رشد، والمتمثّلة في إعلانه صراحة أن ظاهر التمثيل الذي يدركه الخيال هو أيضًا حق، وأن هذا «الحق التمثيلي» لا يُضاد «الحق الماهوي» الذي يُجلّيه العقل بأساليبه الاستدلالية. وإذا كان السبب الرئيسي لتوجيه الخطاب للجمهور على شكل أمثال وقصص هو ضعف قدراتهم العقلية التي لا تتجاوز حدود الخيال، فقد استخلص ابن ميمون من ذلك أن «لا مدخل لذكرهم في هذه المقالة»5، لأنهم من « الذين لم يروا ضوء كذا][يومًا قط، بل هم في ليلتهم يخبطون، وهم الذي قيل فيهم: ‹إنهم لا يعلمون ولا يفهمون، سيكونون في الظلمة›، وخَفِي عنهم الحق جملة مع شدة ظهوره، كما قيل فيهم: ‹إنهم لا يرون النور الذي يلمع في السماء›، وهم جمهور العامة »6. بل أكثر من ذلك، لم يكن مخاط به في مقالة دلالة الحائرينأولئك النُّظار من أهل الك ماا الذين وقفوا في منتصف طريق الحق، والذين اكتفوا هم أيضًا باستعمال الخيال في صوغ مقدماتهم7،

  1. المصدر نفسه، ص.10
  2. المصدر نفسه، ص.10
  3. المصدر نفسه، ص.185
  4. المصدر نفسه، ص.8
  5. المصدر نفسه، ص.8
  6. كثيرًا ما انتقد المتكلمين لسببين على الأقل، أولهما أنهم «في مواضع كثيرة يتبعون الخيال، ويسمونه عقً »، انظر: المصدر نفسه، ص 182؛ وثانيهما أن «... دلائل المتكلمين فمأخوذة من مقدمات مخالفة لطبيعة الوجود المشاهدة، حتى أنهم يلتجئون لإثبات أن لا طبيعة لشيء بوجه» (المصدر نفسه، ص 185). ويذهب إلى درجة وصف ما يؤوّلونه بالهذيان: «... لتكليفك تأويل أمور لا تأويل لها، ولا وُضعت لتتأول، فتحصل من ذلك التكلف على مثل هذا الهذيان العظيم الذي يهذيه ويؤلف فيه أكثر فرق العالم في زماننا هذا، لكونهم يريد كل منهم أن يوجد معاني ما لأقاويل لم يقصد بها قائلها شيئًا مما يريدونه هم، بل يكون أبدًا غرضك في أكثر الأمثال معرفة الجملة المقصود معرفتها...»، (المصدر نفسه، ص 16)؛ ويعمم ولاءه للفلسفة على جميع الأندلسيين من أهل ملته قائلً«: أمّا الأندلسيون من أهل ملتنا، كلهم يتمسكون بأقاويل الفلاسفة ويميلون لآرائهم ما تناقض قاعدة شريعة ولا تجدهم بوجه يسلكون في شيء مسالك المتكلمين. فلذلك يذهبون في أشياء كثيرة نحو مذهبنا في هذه المقالة في تلك الأمور النزرة الموجودة لمتأخريهم» (المصدر نفسه، ص.)180

وإنما كان مخاطَبه في مقالته «أهلُ البرهان» الذين ذهبوا إلى آخر الطريق، أولئك المتدينون الكاملون أخلاقيًا، الذين ارتاضوا العلوم العقلية بشيء من التوسع، فوجدوا فرقًا كبيرًا بين دلالات أسماء كتب النبوة وكتب الفلسفة، فوقعوا في ضلال معرفي وحيرة دلالية.

دور الأسماء في إخفاء الدلالة

كثيرًا ما يشير ابن ميمون إلى مسؤولية «الأسماء المشتركة» في إخفاء الحق وإحداث الض لاا الدلالي، إلا أنه لا يجعل هذه الأسماء تحتكر وحدها فعل التضليل الدلالي، بل تشترك معها في هذه المهمة ث ثااة أسماء أخرى يستعرضها في هذا النص: «هذه المقالة غرضها الأول تبيين معاني أسماء جاءت في كتب النبوة: من تلك الأسماء أسماء مشتركة، فحمَلها الجهال على بعض المعاني التي يقال عليها ذلك الاسم المشترك؛ ومنها مستعارة، فحملوها أيضًا على المعنى الأول الذي استعيرت منه؛ ومنها مشكّكة، فتارة يظن بها أنها تقال بتواطؤ، وتارة يظن بها أنها مشتركة »8. لا شك أن «الأسماء المقولة بتواطؤ» لا تثير أي التباس دلالي أو معرفي طالما أن ظاهرها كباطنها، ف تتعدد دلالتها ولا تختلف عندما تقال على أشياء كثيرة؛ بينما «الأسماء المشككة»، التي لها دلالات مختلفة ومتناسبة بالقياس إلى دلالة واحدة مركزية تنسب إليها بنسب تختلف بالتقدم والتأخر أو بالشدة والضعف، تثير شيئًا غير قليل من الالتباس الدلالي، لأن دلالتها تقف في منتصف الطريق بين الأسماء المشتركة والأسماء المتواطئة، ممّا يجعل دلالاتها تجمع بين الوحدة والتعدد؛ أمّا «الأسماء المستعارة»، فهي التي تُنقَل دلالتها الظاهرة إلى دلالة باطنة على أن يكون بينهما تشابه أو نسبة. هذا الاخت ف في فهم دلالات الأسماء الث ثااة هو السبب في اخت ف الخواص من الناس في مذاهبهم وفي وقوعهم في الحيرة. من هنا جاء الغرض الثاني من كتاب دلالة الحائرين، الذي هو تبديد الضلال والحيرة التي تثيرها الأمثال التي تضربها الكتب السماوية، والناتج من ترددها بين معاني الظاهر ومعاني الباطن، وبين النقل والعقل: «وتضمنت هذه المقالة غرضًا ثانيًا، وهو تبيينأمثال خفية جدًا جاءت في كتب الأنبياء، ولم يصدح بأنها مثُل، بل يبدو للجاهل والذاهل أنها على ظاهرها ولا باطن فيها. فإذا تأملها ‹العالم بالحقيقة› وحملها على ظاهرها، حدثت له أيضا حيرة شديدة. فإذا بيّنا له ذلك المَثل، أو نبهناهعلى كونه مثَلً، اهتدى وتخلص من تلك الحيرة، ولذلك سميت هذه المقالة دلالة الحائرين »9؛ «فدلالة الحائرين»، وهي الدلالة العلمية، غير دلالة غير الحائرين (الجمهور)، وهي دلالة التمثيل. وتقسيم دلالة الأسماء الدينية بين الجمهور و«العلماء بالحقيقة»، كل بحسب طاقته المعرفية، يدل على الحكمة الإلهية. وإذا كان الغرض الثاني من تأليف الكتاب هو رفع الحيرة، فإن ابن ميمون لا يدّعي أنه قادر على رفع جميع الإشكالات التي تثيرها كتب النبوة، وإنما يرنو إلى

  1. المصدر نفسه، ص.5
  2. المصدر نفسه، ص.6

رفع أعظمها: «ولست أقول إن هذه المقالة دافعة لكل إشكال لمن فهمها، بل أقول إنها دافعة لأكثر المشكلات وأعظمها»10. وكما مر بنا، لم يكن لجوء كتب النبوّة إلى ضرب الأمثال، واستعمال الألغاز والرموز للتعبير عن «الأمور الغامضة»، عبثًا أو من باب المتعة الأدبية، وإنما كان نتيجة عجز مزدوج: عجز فكرنا عن إدراك «الأمور العظيمة»، وعجز لغتنا عن التعبير عنها11. وبالفعل، كانت مسألة عجز قدرة اللغة البشرية على التعبير عن الحقيقة الإلهية يؤرق ابن ميمون كثيرًا، وكان يرجع إليها المرة تلو الأخرى، كلما تعلق الأمر بوصف الذات الإلهية12؛ فحتى صفات الوجود والوحدة والخلود مثل لا تفي بالتعبير عن تعالي الذات الإلهية ووحدانيتها، لأن هذه المحمولات تعبّر عن علاقات وإضافات وصفات مشتقة تُضفي التعدد والحركة عليها، وهذا ما كان يأباه ابن ميمون. ليس تقصير قدرة الفكر على إدراك الأمور الجليلة (الغيبية) صفة عامة لجميع الناس، وإنما هو صفة يختص بها الجمهور، لهذا توجهت الكتب النبوية إليه بخطاب التمثيل. أمّا الخاصة من العلماء، فربما تواجههم مشكلة من نوع آخر، وهي عدم التعرف إلى المَثل على أنه مثَل. من أجل هذا، كان على صاحب هذا الكتاب أن «ينبّه» العلماء إلى أن ما تتكلم عليه كتب النبوة هو مجرد تمثيل، وأنه ينبغي لهم رفع الغشاوة عن الأمثال والقصص، والكشف عن الحقائق التي تخفيها الأسماء المشتركة أو المستعارة في باطنها. الجمهور لا يُحرَم نعمة الاطلاع على الحقيقة الدينية فحسب، بل يُحرم كذلك حتى المعرفة الطبيعية؛ إذ يُمنع على العلماء التصريح بما توصلوا إليه من كشوفات علمية للجمهور «لأنها أمور بينها وبين العلم الإلهيارتباط عظيم، وهي أسرار من أسرار العلم الإلهي »13، وهو ما يعني أن عملية إخفاء الحقيقة بالتمثيل ليست حكرًا على الكتب الدينية، بل يقوم بها حتى العلماء أنفسهم: «واعلم أن الأمور الطبيعية أيضًا لا يمكن التصريح بتعليم بعض مبادئها على ما هي عليه، وقد علمتَ قولهم عليهم السلام ‹ولا تعطي قصة الخلق لاثنين [معًا]›. ولو بيّن أحدٌ تلك الأمور كلها في كتاب، لكان قد فسر لآلاف من الناس. ولذلك جاءت تلك المعاني أيضًا في كتب النبوة بأمثال. وتكلم [وا] فيها أيضًا

  1. المصدر نفسه، ص.6
  2. عن كون الظاهر مفيدًا لصلاح أحوال الاجتماعات الإنسانية، والباطنمفيدًا جدًا في اعتقادات الحق، يقول: «وهكذا هي أمثال الأنبياء عليهم السلام: ظواهرها حكمة مفيدة في أشياء كثيرة، من جملتها صلاح أحوال الاجتماعات الإنسانية كما يبدو من ظواهر الأمثال وما أشبه ذلك من الأقاويل، وباطنها حكمة مفيدة جدًا في اعتقادات الحق على حقيقته» (المصدر نفسه، ص 13). ويضيف فوائد أخرى غير الفائدة الدلالية: «إعلم أن كل قصص تجده مذكورًا في التوراة، فهو لفائدة ضرورية في الشريعة، إمّا لتصحيح رأي هو قاعدة من قواعد الشريعة، أو لإصلاح عمل من الأعمال حتى لا يقع تظالم وعدوان» (المصدر نفسه، ص.)708
  3. عن عدم ملاءمة اللغة للتعبير عن حقائق ما بعد الطبيعة، نجده مثل يقول: «ولا تعتبر هذه المعاني الدقيقة التي يكاد تفوت الأذهان بالألفاظ المعتادة التي هي أكبر سبب في التخليط، لأن تضيق بنا العبارة جدًا جدًا في كل لغة حتى لا نتصور ذلك المعنى إلا بتسامح في العبارة، فما رمنا الدلالة على كون الإله لا كثيرًا، لم يقدر القائل يقول: إلا واحدًا، وإن كان الواحد والكثير من فصول الكم» (المصدر نفسه، ص.)135
  4. المصدر نفسه، ص.7

الحكماء عليهم السلام بألغاز وأمثالاقتفاءً لأثر الكتب »14، وهذا ما جعل ابن ميمون يرفع اللجوء إلى التمثيل لإخفاء الحقيقة إلى مستوى الضرورة الإلهية الشاملة لجميع المشتغلين بالعلم: « حتى أن الذي أراد أن يُعلّم دون تمثيل ولا إلغاز جاء في كلامه من الإغماض والإيجاز ما ناب عن التمثيل والإلغاز، كأن العلماء والحكماء منقادون نحو هذا الغرض بالإرادة الإلهية كما تقودهم أحوالهم الطبيعية »15. وللحكماء طرق شتّى لاستعمال «منهج التعمية» الدلالية لإخفاء المعنى أو تبديد الدلالة في أمثال مختلفة بالنوع والجنس، حتى لا يستطيع أن يدركها إلا ذوو الحكمة والعلم. ويستعرض ابن ميمون أربعة من أساليب التعمية الدلالية قائً: «ولذلك لما قصد كل حكيم إلهي رباني ذو [ذي] حقيقة لتعليم شيء من هذا الفن، لم يتكلم فيه إلا بالأمثال والألغاز. وكثّروا الأمثال وجعلوها مختلفة بالنوع، بل بالجنس. 1[] وجعلوا أكثرها يكون الغرض المقصود تفهيمه في أولالمثل، أو في وسطه، أو في آخره، إذا لم يوجد مثال يطابق الأمر المقصود من أوله إلى آخره؛ 2[] وجعل المعنىالذي يقصد إعلامه لمن يعلمه، وإن كان هو معنى واحدًا بعينه مُفرَّقًا في أمثال كثيرة متباعدة؛ 3[] وأغمض من هذا كون المثل الواحد بعينه مثلً لمعانٍ شتى، يطابق أول المثل معنى، ويطابق آخره معنى آخر. 4[] وقد يكون كله مثلً لمعنيين متقاربينمن نوع ذلك العلم »16. هذه التمويهات كلها هي من أجل الحيلولة دون وصول الجمهور إلى حقائق الشريعة والطبيعة. ومع ذلك، شعر ابن ميمون بالحرج إزاء إذاعته تلك الحقائق في كتاب موجَّه إلى الجمهور والعلماء على السواء، هو دلالة الحائرين. لذلك نجده يقدم اعتذارًا عن إخراجه كتابه هذا للناس: «والله تعالى يعلم أني لم أزل أستهيب كثيرًا جدًا وضع الأشياء التي أريد وضعها في هذه المقالة، لأنها أمور مستورة لم يوضع فيها قط كتاب في الملة... فكيف أبتدِع أنا بدعة وأضع فيها؟ »17. وهنا نجده يبحث عن غطاء عقدي لتبرير إقدامه على نشره «الأمور المستورة» في كتاب موجّه إلى الناس كافة، مستندًا في ذلك إلى مقدمتين ترجعان إلى الكتب النبوية: «لكني اعتمدت على مقدمتين: الواحدة قولهم في نظير هذا المعنى ‹لقد حان للرب أن يعمل إلخ›، والثانية قولهم ‹فليكن كل عملك لوجه الله›. فعلى هاتين المقدمتين اعتمدت فيما وضعت في بعض فصول هذه المقالة»18. وقد اضطره إلى ذلك واجب التصريح بالحق للعلماء ولو لم يوجد منهم إلا واحد: «وبالجملة، فإني الرجل الذي إذا انحصر به الأمر وضاق به المجال، ولا أجد حيلة في إفادة حق تبرهن إلا بأن يوافق ذلكفاضلً واحدًا، ولا يوافق

  1. المصدر نفسه. (الحذف الذي وضع بين المعقوفين من عندي.)
  2. المصدر نفسه، ص.9
  3. المصدر نفسه.
  4. المصدر نفسه، ص 18؛ وهذا الاعتذار نجده عند أكثر من فيلسوف، وأشهرهم ابن رشد الذي اعتذر في فصل المقال قائلً: «ولولا شهرة ذلك عند الناس وشهرة هذه المسائل التي ذكرناها لما استجزنا أن نكتب في ذلك حرفًا ولا أن نعتذر في ذلك لأهل التأويل بعذر، لأن شأن هذه المسائل أن تذكر في كتب البرهان»، انظر: أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد، فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة و الحكمة من الإتصال، أو، وجوب النظر العقلي وحدود التأويل (الدين والمجتمع)، مع مدخل ومقدمة تحليلية لمحمد عابد الجابري، سلسلة التراث الفلسفي العربي. مؤلفات ابن رشد؛ 1 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997)، ص.114
  5. ابن ميمون، دلالة الحائرين، ص.18

عشرة آلاف جاهل، فإني أوثر قوله لنفسه، ولا أبالي بذم ذلك الخلق الكثير وأدّعي تخليص ذلك الفاضل ممّا تنشب فيه وأدل حيرته حتى يكمل ويستريح»19. ومع ذلك، نلفيه حريصًا على أن يوصي بأن لا تُشرح مقالته هذه «وأنا أحلف بالله تعالى لكل من قرأ مقالتي هذه أن لا يشرح منها ولا كلمة واحدة، ولا يبين لغيره منها إلا ما هو بيّن مشروح في كلام من تقدمني من علماء شريعتنا المشاهير »20. نفهم من هذا الاعتذار وهذه الوصية أن الرجل كان موزعًا بين ضرورة الإخفاء، إخفاء الحق العلمي على الجمهور، وواجب التصريح به للعلماء. نفهم من هذا أن الكتاب ليس كتابًا في الشريعة ولا في الفلسفة، وإنما هو بحث في المسافة التي توجد بينهما، أو هو نظر في التوفيق بين العقل والنقل بالنسبة إلى «المؤمن المتفلسف» حتى لا يتيه بين ما يَأمُر به الوحي وما يأمر به العقل: «... إذ ليس غرض هذه المقالة كلها، وكل ما هو من نمطها، هو علم الشريعة على الحقيقة، بل غرض هذه المقالة تنبيهرجل ديِّن قد اتضع21 في نفسه، وحصل في اعتقاده صحة شريعتنا، وهو كاملفي دينه وخلُقه، ونظَر في علوم الف سفة وعَلِ م معانيها، وجذبه العقل الإنسانيوقاده ليَحُله في محله، وعاقَتْه ظواهر الشريعة، وما لم يزل يفهمه أو يُفهَّم إياه من معاني تلك الأسماء المشتركة أو المستعارة أو المشككة، فبقي في حيرة ودهشة: إمّا أن ينقاد مع عقله ويطرح ما عَلِمه من تلك الأسماء، فيظن أنه اطرح قواعد الشريعة، أو يبقى مع ما فهمه منها ولا ينجذب مع عقله، فيكون قد استدبر عقله وأعرض عنه. ويرى مع ذلك أنه قد جلب عليه أذية وفسادًا في دينه، ويبقى مع تلك الاعتقادات الخيالية، وهو منها على وجل ووخامة، فلا يزال في ألم قلب، وحيرة شديدة »22. يتضح من جديد أن المخاطَب الحقيقي لكتاب دلالة الحائرين ينبغي أن يكون مزدوج المرجعية، يجمع بين الشريعة والفلسفة: «أمّا هذه المقالة، فكلامي فيها مع مَن تفلسفكما ذكرت، وعَلِم علومًا حقيقية، وهومعتقد للأمور الشرعية حائر في معانيها التي حيرت فيها الأسماء المشكلة [المشتركة] والأمثال »23، وهذا يعني أن ازدواجية المخاطَب تنطوي على ازدواجية الإيمان، إذ بجانب العبادة النصية، هناك العبادة العقلية، وهي «إعمال الفكرة في الله وحده بعد حصول العلم به... [و] هي العبادة الخاصة بالمدركين للحقائق»24.

  1. المصدر نفسه.
  2. ويضيف: «أمّا ما يفهم منها مما لم يقله غيري من مشاهيرنا، فلا يبينه لغيره ولا يتهافت للرد، لأنه قد يكون ما فهمه من كلامي خ ف ما أردته فيضرني جزاء لإرادتي نفعه... بل يتأملها كل من سقطت إلى يده، فان شفت له غليلً ولو في أمر ما من جملة ما يشكل فيشكر الله ويقنع بما فهم، وان لم يجد فيها شيئًا ينفعه بوجه فيحسبها كأنها ما أ لفت، وإن ظهر له فيها فساد ما بحسب ظنونه فيتأوله فيحكم بالإبراء ولو بأبعد تأويل، كما فرض علينا في حق جمهورنا، فكيف في حق علمائنا وحملة شريعتنا المجتهدين في إفادتنا الحق حسب إدراكهم»، المصدر نفسه، ص.17
  3. اتضع، وضُع: صار ذليلً؛ اتضع أمام السلطة تذلل وخضع وخشع.
  4. المصدر نفسه، ص.6-5
  5. المصدر نفسه، ص.11
  6. المصدر نفسه، ص 717؛ عن العبادة العقلية، انظر ص 718 - 721، وهذه العبادة ترد عنده في مقابل العبادة بالخيال، أي بالأمثال والألغاز والقصص، وهي عبادة بالتقليد لا بالتفكير.

وبسبب ازدواجية المخاطَب، ربما يتهيأ للمرء أن هذا الكتاب يشبه كتب ابن رشد الثلاثة في وظائفها الثلاث: فقد كان غرض فصل المقالإخراج الخواص من أهل البرهان من حيرة الدلالة إزاء الأسماء والأمثال معًا نحو يقين الحقيقة؛ وكان هدف كتاب الكشف عن مناهج الأدلة الرد على المتكلمين الذين استدبروا العقل، وأمُّوا قِبلة الخيال والتأويل المجازي25، في حين كانت مهمة كتاب تهافت التهافتالرد على «المتكلمين» الذين خلطوا جنس القول الفلسفي بجنس القول الكلامي، والبرهان بالجدل، والأسماء المتواطئة بالأسماء المشككة والأسماء المشتركة. لكن ابن ميمون بقي على مستوى كتاب تهافت الفلاسفة للغزالي، أي إن مسعاه يدخل تحت طائلة المهمة النقدية، خصوصًا أنه- أي ابن ميمون - لم يتبع نصيحة ابن رشد عندما أذاع تأويلات الخواص على الجمهور: «ونحن إنما رُمنا أن نبين معاني التأوي ت وظواهر النبوة للجمهور، ورأينا أيضًا أن تلك التأوي ت إن نظرها جاهل من جمهور الربانيينفلا يصعب عليه منها شيء، إذ لا يستبعد الجاهل الغبي العَريّ عن معرفة طبيعة الوجود الممتنعات، وأن نظرها كاملفاضل ف يخلو من أحد أمرين: إمّا أن يحملها على ظاهرها فيكون قد أساء الظنة بالقائل واستجهله، وليس في ذلك هدّ لقواعد الاعتقاد؛ وإمّا أن يجعل لها باطنًا فقد تخلص وأحسن الظِّنة بالقائل، تبين له باطن ذلك القول أو لم يتبين »26.

من التعدد الدلالي إلى التعدد المذهبي

جرت عادة معظم المتكلمين والف سفة أن يقدموا حلولً ل شإإكالات المطروحة تنحاز إلى دلالة واحدة ل سم، الأمر الذي يؤدي في غالب الأحيان إلى السقوط في المحالات التي لا حل لها إلا بالانشقاق عن الشريعة أو التحول عن جادة الفلسفة نحو الكلام أو التصوف؛ (1) فمثل، بالنسبة إلى مسألة طبيعة الذات الإلهية، هناك من كان يدافع عن وحدتها البسيطة والمطلقة التي لا تقبل الصفات استنادًا إلى نصوص دينية، وهناك من كان يرى أنها وحدة واحدة مركّبة من ذات وصفات بناء على النصوص الدينية نفسها27. (2) وبالنسبة إلى مسألة علاقة الله بالوجود، كان هناك من يرى أنها علاقة خلقمن عدم (المتكلمون)28، وهناك من يذهب إلى أنها علاقة فيضمن الذات الإلهية (الفارابي وابن سينا)، وهناك من يبرهن على أن العالم هو نتيجةشوق وتحريكمن الإمكان إلى الفعل (ابن رشد.) (3) الانقسام نفسه في الدلالة والمذهب نسجله بصدد مسألة علاقة الواحد بالوجود، فهناك من يراها

  1. عن انتقاده المتكلمين: «وأما دلائل المتكلمين، فمأخوذة من مقدمات مخالفة لطبيعة الوجود المشاهدة، حتى إنهم يلتجئون لإثبات أن لا طبيعة لشيء بوجه» (المصدر نفسه، ص.)185
  2. المصدر نفسه، ص.11-10
  3. أحيانًا نجد ابن ميمون نفسه ينحاز إلى الاشتراك في الاسم، يقول مثل: «فقد بان لمن يفهم معنى التشابه أنه تعالى إنما يقال عليه وعلى كل ما سواه موجود باشتراك محض، وكذلك إنما يطلق العلم والقدرة والإرادة والحياة عليه تعالى، وعلى كل ذي علم وقدرة وإرادة وحياة بالاشتراك المحض الذي لا تشابه معنى بينهما أص» (المصدر نفسه، ص 134)؛ كما يقول: « وكما ذاته مباينة لذاتنا... كذلك فعله إليه مباينة لنسبة فعلنا إلينا أيضًا» (المصدر نفسه، ص 236)؛ عن الوجود باشتراك محض، انظر: المصدر نفسه، ص 1، 52،.125
  4. يحرص على الجمع بين كونه توراتيًا وفيلسوفًا وينأى بنفسه عن المتكلمين: «لأن الدليل الذي يستدل به بعض المتكلمين على حدث العالم، وهو أقوى دلائلهم الذي لا يستقر لهم حتى أبطلوا طبيعة الوجود كله، وخالفوا كل ما بيّنه الفلاسفة، فاني أصل لمثل ذلك الدليل ولا أخالف طبيعة الموجود ولا ألتجئ لمكابرة المحسوسات» (المصدر نفسه، ص.)185

علاقة ذاتية، وهناك من يراها ذات طبيعة عرضية وإضافية، وهناك من يراها على شكل علاقة مساوقَة ومرادَفة. (4) كما انقسم الرأي بين النُّظار حول مسألة خلود النفس: هل هو خلود لذاتها بمعزل عن الجسم الحالّة فيه، أم هو خلود للنفس بمعية الجسم؟ وهل هو خلود نوعي أو فردي؟ (5) كما انقسم الرأي حول اسم الله: هل له اسم واحد يدل على ذاته ولا اشتقاق فيه من فعل أو اسم آخر، أم له أسماء كثيرة مشتقة تعبّر عن ازدواجية في ذاته بين الذات والصفات، وهي الأسماء التي تتعلق بفعله لا بذاته، والتي يطبعها الاشتراك الاسمي مع صفات البشر؟ وهل تدل الأسماء المشتقة التي تُستعمل في وصف الذات الإلهية على تعدد فيها، أم أنها تحيل فقط إلى كماله أو كمالاته29؟ حينما يجري تبنِّي أي حل من حلول هذه الإشكالات، والحكم على الحلول الأخرى بكونها خاطئة، يصبح هذا الحل في نظر ابن ميمون فاقدًا أي نصيب من الحقيقة؛ فمث عندما ينحاز المتكلم أو الصوفي إلى إحدى الأطروحات الث ث المتصلة بأصل الوجود (الخلق من عدم، أو الفيض، أو التحريك)، وينكر الباقي، فإنه سيكون قد أغفل جوانب أساسية من الحقيقة، وأهمل بالتالي قطاعًا واسعًا من الجمهور الذي يعتقد بها، ممّا سيجعله يفقد الإجماع على موقفه، وهذا ليس من شأن المفكر الذي يريد التأسيس ويصبح «سلطة» مرجعية تجلب حولها إجماع أهل الملة. وهذا ما حدا بابن ميمون إلى أن يراعي الفكر الكلامي والفلسفي والصوفي في الوقت نفسه، أي أن يتخذ موقف التنويع الدلالي بالنسبة إلى الموضوع أو الإشكال الواحد. فمثً، حينما يتصادم أهل الفلسفة حيال مشكل ما، كمسألة وجود العالم، التي كان التنافس فيها شديدًا بين أصحاب الخلق (التوراة)30 وأصحاب الفيض (الفارابي وابن سينا)، وأصحاب المحرك الأول (المشّائية وابن رشد)، فإن هذا التصادم غالبًا ما كان بسبب استعمال دلالة واحدة بالنسبة إلى اسم أو مفهوم، والبحث في ما بعد عن مقدرة هذه الدلالة على وصف حقيقة الشيء المدروس بالنسبة إلى منظومة مرجعية ما، في حين يبحث الخصم عن الانعكاسات السلبية لهذه الدلالة المستعملة على هدم حقيقة الشيء المدروس المنتمي إلى تلك المنظومة، وهو ما يدفعه إلى البحث عن دلالة جديدة لذلك الشيء المدروس، وهذا الحل يستدعي بدوره من الطرف الأول النقد ذاته. وهكذا يستمر النقاش من دون أن يتقدم، بل يسقط في جدالات عقيمة، أو في مواقف أيديولوجية يكفّر بعضها البعض الآخر. بعبارة أخرى، إن البقاء في إطار الدلالة الواحدة، أي في إطار «المعنى المقول بتواطؤ» بالنسبة إلى ألفاظ الخلق والفيض والتحريك والزمان، لن يمك ن هؤلاء المتصارعين من الخروج من مأزقهم بحل وسط يجمعون عليه، الأمر الذي سيجعلهم يسقطون في محذور التراشق بالتّهم والانقسام المذهبي. والأمر عينه بالنسبة إلى مسألة الذات والصفات؛ إذ لم يكن من الممكن إقامة مصالحة بين فريقين بسبب تعصبهم للدلالة نفسها: الفريق النصِّي أو الحَرْفي الذي يدافع عن الدلالات الحرفية للأوصاف

  1. عن إشكالية الاسم المشتق، انظر: المصدر نفسه، ص 151-149 و 160-158؛ عن تنزيهه الله عن الكثرة والوحدة معًا يقول: «فكما يستحيل عليه عرَض الكثرة كذلك يستحيل عليه عرَض الوحدة، أعني ليست الوحدة معنى زائدًا على ذاته، بل هو واحد لا بوحدة» (المصدر نفسه، ص.)135
  2. عن حدوث العالَم يقول: «لما كانت قاعدة الشريعة أن العالَم محدث» (المصدر نفسه، ص.)708

الجسمية والبشرية للذات الإلهية التي أتت بها الكتب السماوية، كيلا يمس بقدسية النص الديني، والفريق المؤوِّل الذي يستعمل العقل لإخراج آيات الوحي من معناها الحرفي إلى معنى عقلي، لغاية تنزيه الإله عن كل ما يمس تعاليه ويجعل صفاته وأفعاله شبيهة بالصفات والأفعال البشرية والطبيعية31. وفي الحقيقة، ينطلق الطرفان ك هااما معًا من الموقف نفسه من الدلالة، وهو اعتبار أن للفظ المعنى الواحد نفسه بالنسبة إلى مختلف الكائنات والمراتب الوجودية المتباينة، أي موقف المواطأة في الاسم؛ فبالنسبة إلى الذات الإلهية، وعلى الرغم من أن المشبِّه والمعطِّل معا يريدان الوصول إلى الغاية نفسها، وهي إثبات العقيدة عينها، عقيدة وحدة الله، فإن حل كل واحد منهما في رأي الآخر يؤدي إلى مُحال، ومن ثم إلى مخالفة إمّا العقيدة وإمّا العقل؛ فالقول بالتشبيه الوفي لنصوص الوحي يؤدي إلى التكثير، ومن ثم إلى نفي الألوهية في نهاية الأمر، في المقابل، يُفضي القول بالوحدة إلى التعطيل وإفراغ الذات الإلهية من كل دلالة إيجابية، وهو ما يؤُول إلى تعطيلها ونفيها في آخر المطاف أيضًا. الأمر ذاته ينطبق على مسألة حدوث العالم أو بدايته الزمنية، إذ إنها تعود في حقيقة الأمر إلى الاختلاف في الدلالة؛ فالفرقاء الثلاثة (أصحاب الخلق وأصحاب الفيض وأصحاب الحركة) يتفقون في القول ببداية للعالم، وفي أن الله هو الذي خلقه، لكنهم يختلفون في الكيفية الذي يدافعون بها عن أفضل صورة للألوهية تحفظ لها وحدتها من الكثرة والتغير، فينتهي بهم الأمر إلى ثلاث أطروحات مختلفة، لكل واحدة منها مثالب في رأي صاحب الأطروحة المضادة. وهذا العجز المتبادل عن قبول التنوع الدلالي هو السر في نشوء المدارس، وتشعُّب المذاهب، وانقسام الشريعة وتبدُّدها في فِرق لا نهاية لها. أمام هذا المأزق، لم ينغلق ابن ميمون في التأويلية لأنه واع بحدودها32، ولا في الظاهرية لأنه مدرك تقصير تفكيرها، وإنما سيتبنى مسلك تنويع المعاني: فهو في الوقت الذي سيتبنّى موقف الحرفية، سيعمل على تعديل مستوياتها، أي نقلها إلى مستوى آخر هو مستوى الألوهية. هكذا، ستقال اللفظة ذاتها، كالوجود والقدرة والإرادة مث، على الإنسان وعلى الإله، أي على مستويين أنطولوجيين متقابلين، لكن ليس بالمعنى نفسه، وإنما بدلالتين متقابلتين. وهكذا يكون ابن ميمون قد عاد إلى «الاشتراك في الاسم» ليعيد الاعتبار إليه واستعماله في إثبات الأطروحة ونقيضها معًا، أي إثبات الموقف الحرفي والموقف التأويلي للنصوص النبوية وإن بجهتين مختلفتين. فتمك ن بذلك من الخروج من المأزق المذهبي الذي تزج فيه النظرة الأحادية للدلالة، التي أدت مثل ببارميند إلى

  1. وابن ميمون نفسه يتبنّى موقف أهل التأويل: «فلا يستبعد في حق الله عز وجل أن تكون هذه الأفعال المختلفة صادرة عن ذات واحدة بسيطة، لا تكثير فيها ولا معنى زائد أصلً، وتكون كل صفة موجودة في كتب الإله تعالى هي صفة فعله لا صفة ذاته، أو دالة على كمال مطلق لا أن ثم ذاتًا مركّبة من معان مختلفة» (المصدر نفسه، ص.)124
  2. عن حدود التأويل يقول: «فافْهم هذا عني جدًا، فهو أصل كبير عظيم في ما أريد تبيينه، فإذا وجدتني في فصل من فصل هذه المقالة قد بيّنت معنى مَثل من الأمثالونبهتك على الجملة الممثولة ما هي، لا تطلب كل جزئيات المعاني التي جاءت في ذلك المثل، وتريد أن تجد لها مطابقة فيالشيء الممثول، لأن هذا يخرجك لأحد أمرين: إمّا ليحيدك عن الغرض المقصود بالمَثل، أو لتكليفك تأويل أمور لا تأويل لها، ولا وُضعت لتتأول...» (المصدر نفسه، ص.)16

السقوط في محالات امتناع التعدد والحركة وحتى الك ماا بصدد الوجود، وبالصوفية إلى محالات الحلول والاتحاد، وبالذرية الفلسفية والكلامية إلى نفي الوحدة والنظام والسببية بين الظواهر والأشياء. بفضل حل التنوع الدلالي، أمكن احترام منطوق النص الديني، ومقتضيات المنطق الفلسفي معًا؛ فقد سمح استخدام مفهوم «الاشتراك في الاسم» بفصل مستوى الوجود عن مستوى الموجود، ومستوى الألوهية عن مستوى البشرية، ومنع قياس أحدهما على الآخر، معطيًا بذلك المشروعية للنص الديني وللفكر الفلسفي معًا، وبالتالي إنهاء التيه الدلالي. وبتوفير أداة «الاشتراك في الاسم»، واحترام الحيّز الخاص للخطابين الديني والفلسفي وتحقيق استقلال الفضاء الدلالي للشريعة عن الفضاء الدلالي للعقل، أمكن الكلام عن تجاوز الأقوال المتعارضة بينهما، وفسح المجال للتعايش والتطور المتبادل. لكن إذا كان الانفتاح الدلالي يرضي الفريقين، النصي والتأويلي، فإنه يضفي على هذا الحل نوعًا من التوفيقية. وبهذه الجهة، لا يمكن اعتباره حلً جدليًا يتجاوز الموقفين المتعارضين نحو موقف جديد، لأنه أكد حق الطرفين في الوجود. وقد مكّنه موقفه الدلالي المركّب من بناء عقيدة كلامية فيها كثير من التوراة وشيء من الفلسفة ومن علم الكلام والتصوف33، كما مك نه من التعبير عن روح حقبتين فلسفيتين متقابلتين، الحقبة اليونانية والحقبة العربية؛ ذلك أن موقف التنوع الدلالي سمح له بتأسيس موقف ميتافيزيقي متوازن ضمن له الاستمرارية والحصول على مكانة السلطة المرجعية التي اعتبرها المؤرخون نقطة انطلاق جديدة بالنسبة إلى الفكر النظري اليهودي؛ إذ على الرغم من بعض الانتقادات التي وُجِّهت إليه من جانب الفلسفة تارة ومن جانب علم الكلام والتصوف تارة أخرى، فإنه ظل يمثّل السلطة المرجعية الذي التف حولها الفكر اليهودي اللاحق عليه. بهذا الاعتبار يمكن تشبيه موقف وموقع ابن ميمون بموقف وموقع أبي حامد الغزالي الذي انطلق من الوحي ليؤسس موقفًا جامعًا بين التصوف والفلسفة وعلم الكلام، فحاز بذلك لقبَ حجة الإسلام؛ كما أن موقف ابن ميمون كان شبيهًا بموقف ابن سينا الذي عقد مصالحة بين الفلسفة وعلم الكلام عبر التصوف، وبموقفَيْ ابن باجة وابن طفيل اللذين ناضلا من أجل فلسفة «الإنسان المتوحد الكامل»، وابن رشد الذي انتصر لوحدة الحق، وتوما الإكويني الذي استبطن الإشكالات الأرسطية داخل العقيدة المسيحية. ولم يكن استخدام «الاشتراك في الاسم» لديه حائ دون انفتاح الخطاب الفلسفي على الخطاب الديني، وانفتاح خطاب الوحي والأمر على خطاب العقل والاستدلال، أو مانعًا لأن يكون للشريعة مدخل في علم الطبيعة، وخاصة في علم التدبير: «ولذلك أقول إن الشريعة، وإن لم تكن طبيعية، فلها

  1. وكثيرًا ما بدا لنا كتاب دلالة الحائرينوكأنه يندرج تحت جنس علم الكلام لا داخل جنس الفلسفة، وممّا يدل على ذلك قوله: «... مع تبين عبادة مُدرِك الحقائق الخصيصة به، بعد إدراكه أي شيء هو وإرشاده لحصول تلك العبادة التي هي الغاية الإنسانية» (المصدر نفسه، ص 714)؛ كما ذكر «والغاية... أن كمال الإنسان الذي به يفتخر حقيقة هو من حصل له إدراكه تعالى حسب طاقته، وعرف عنايته بمخلوقاته في إيجادها، وتدبيرها كيف هو، وكانت سيرة ذلك الشخص بعد ذلك الإدراك يقصد بها دائمًا إحسانًا وعدالة وحكمًا تشبّهًا بأفعاله تعالى» (المصدر نفسه، ص.)740

مدخل في الأمر الطبيعي، فكان من حكمة الإله في بقاء هذا النوع، لما شاء وجوده، أن جعَل في طبيعته أن يكون لأشخاصه قوة تدبير »34. وينبغي ألا نغضّ الطرف عن أن تبنِّي موقف التنوع الدلالي ترك بعض الانعكاسات السلبية على التنوع المذهبي لابن ميمون، تجلت في جملة من الصعوبات إن لم تكن بعض التناقضات؛ فقد حفلت مقالته بالمبادئ والعقائد والمناهج والمواقف ذات المشارب والولاءات المختلفة، بل والمتناقضة أحيانًا؛ إذ كان ابن ميمون أرسطيًا على صعيد المنطق والكوزمولوجيا (للطبيعة سببية وأفعال خاصة بها)، وسينيويًا على صعيد الأنطولوجيا (عرضية الوجود والواحد على الماهية)، ورشديًا على صعيد امتلاك الأشياء ماهياتٍ وأفعالً داخلية خاصة بها، وعلى مستوى اتصال الشريعة والفلسفة وتواطؤهما في الحق، وباجويًا على صعيد دعوته إلى ما يشبه «الإنسان المتوحد»، وأشعريًا على صعيد علم الك ماا (الخلق من عدم ومبدأ الكسب على صعيد الأفعال)، وتوراتيًا على صعيد العقيدة35. لقد ارتحل بين مدارس متعددة وآفاق شتى، تارة يأخذ عنهم وأخرى ينتقدهم. ولعل ارتحاله هذا هو سبب حيرته، خصوصًا أنه لم يكن يسعى إلى التخلص من انتماءاته المتعددة، فهو لا يرى غضاضة في أن يكون متكلمًا بمعتقداته (الدفاع عن ملّة اليهود، الإيمان بعقيدة الخلق من عدم)، وبمنهجه (الدفاع عن التأويل)، وفيلسوفًا بأدواته (المنطق والعلم واللغة الفلسفية)، وبنقطة انطلاقه (سعيه لتطابق فكره مع العالم وليس العكس)، ومتصوفًا بدعوته إلى الانفعال بالمحبة وإن أدت إلى الفناء. بعبارة أخرى، كان ابن ميمون من أنصار الاتصالعلى المستوى الكوزمولوجي، ومن دعاة الانفصالبين مستوى الوجود الضروري والوجود الممكن، ومن مؤيدي الظاهر بالنسبة إلى الجمهور، ومن المدافعين عن الباطن بالنسبة إلى علماء الطبيعة... إلخ، والخلفية النظرية التي تضمن هذا الجمع القلق بين التقابلات هي ثنائية الحقيقة. هنا، لا نملك إلا أن نقارنه بابن رشد الذي أبى إلا أن يظل منسجمًا مع نفسه ووفيًا لمبدأ الوحدة؛ فقد كانت عقيدته في ذاتية الوجود للماهية على المستوى الميتافيزيقي، تتماشى مع قوله بامتلاك الأشياء أفعالَها وماهياتها الذاتية على المستوى الطبيعي.

الأفق الصوفي لفكر ابن ميمون

قدّم ابن ميمون نفسه في مقالة دلالة الحائرين«مرشدًا» في متاهة الدلالات، لكن فقط للكاملين من العلماء لإنقاذهم من الحيرة والتيه. لكن يبدو أن المهمة لم تكن سهلة؛ إذ يشير المَثل الذي ضربه في خاتمة كتاب دلالة الحائرين (مثَل القاصدين الستة لقصر السلطان) إلى أن السالك إلى الذات العالية لا بد له من المرور عبر مفازات عويصة، وأخصها بالذكر نفي مرتبة العلم المنطقي والطبيعي للانتقال إلى تجربة ما بعد طبيعية، ونفي هذه التجربة الميتافيزيقية للانتقال إلى نفي الذات العاقلة تمامًا لتذوق

  1. المصدر نفسه، ص.415
  2. عن جبرية أو أشعرية ابن ميمون، نقرأ، مثل: «وبهذه الجهة ينسب كل فعل في الوجود لله، ولو فعله مَن فعَله من الفاعلين القريبين، كما سنبين، فهو السبب الأبعد من جهة ككونه فاعلً» (المصدر نفسه، ص 172)؛ ويقول: «وإنما الغرض هنا كونه تعالى فاعلً لجزئيات الأفعال الواقعة في العالم كما هو فاعل العالم بأسره» (المصدر نفسه، ص.)171

تجربة الوجدان في التجربة الصوفية36. ولا يمكن أن يتحقق مسعى السلب إلا بالامت ءاا: فالنقلة إلى مرتبة ما بعد الطبيعة تشترط الإحاطة الشاملة بالعلم الطبيعي، وإلغاء علم ما بعد الطبيعة مشروط بالوصول إلى أعلى درجاته37. وبهذا الاعتبار يمكن قراءة مشروع ابن ميمون باعتباره رحلة بطلها ابن ميمون نفسه، الأمر الذي يجعلنا نذهب إلى أن كتاب دلالة الحائرينلم يكن موجَّهًا إلى غيره بقدر ما هو موجَّه إلى نفسه بالذات لإخراجها من الحيرة. بهذا الاعتبار، لا يمكن النظر إلى الحيرة بوصفها تعبيرًا عن وضع أو موقف سلبي تتوقف الذات بموجبه عن التقدم في السير، أو تعبّر عن عجز عن اختيار الطريق الذي ينبغي أن تسير فيه، بل بوصفها تجربة فعالة للتخلص من الحيثيات المذهبية ونفي المكتسبات المعرفية، طمعًا في تحقيق لحظة الدهشة والانبهار بعظمة المشاهدة التي يتساوى فيها الحق والباطل، الخير والشر، الوجود والعدم. إنها تجربة التخلي عن الرغبة في المعرفة لممارسة شوق الاتصال. لم يكن ابن ميمون يريد من وراء كتابه أن ينقد الحائرين بإخراجهم من حيرتهم وقيادتهم إلى بر الأمان والاطمئنان، بل كان يريد عكس ذلك: أن يقود الراغبين في الرحلة، المشتاقين إلى الاتصال والتجربة الخارقة، إلى مزيد من الحيرة. إن دلالة الحائرينهو كتاب في الرحلة، ولذلك انتهى كما انتهى ابن طفيل إلى التصوف38، وبهذا يكون قد أكمل دورته الدلالية وعاد إلى تبنّي موقف التمثيل، الذي هو أداة الإخفاء والتستر الذي هو سر التصوف39.

خاتمة

أفضت مرونة ابن ميمون الدلالية في البداية إلى انفتاح مذهبي على المدارس كلها، فاستعمل الألفاظ الفلسفية في معان متعددة وفي مقاصد متباينة ليستوعب المذاهب كلها ويحيط بها؛ فهو في الكوزمولوجيا أرسطي، وفي الميتافيزيقا سينوي، وفي الع قااة بين الشريعة والحكمة رشدي، وفي العقيدة توراتي. بهذا يكون قد استطاع أن يجمع بين العقل والوحي، بين الفلسفة وعلم الكلام، بين الفقه والتصوف. هل نفهم من هذا الجمع بين الدلالات والمذاهب أن ابن ميمون كان يريد تبديد المعاني في المذاهب المختلفة، باعتبارها قصصًا بشرية تؤوّل قصص الوحي وتفسرها، أم أنه كان يريد أن يقول لنا إن تبديد حيرة المتحير لا تكون إلا بالعلم الطبيعي، لأن مقدماته هي التي ترشدنا إلى وجود الذات الإلهية وإلى تحديد صفاتها وأفعالها؟ مهما تكن الإجابة، فقد حرص ابن ميمون على أن يحتفظ للتنزيل وللكتب

  1. انظر: المصدر نفسه، ص 716 -.724
  2. عن تراتب العلوم يقول: «ولا يحصل ذلك العلم الإلهي إلا بعد العلم الطبيعي، إذ العلم الطبيعي متاخم للعلم الإلهي ومتقدم له بزمان التعليم» (المصدر نفسه، ص 9 –.)10
  3. انظر: المصدر نفسه، ص 716 - 724.
  4. يقول عن الإخفاء: «وهكذا، كل قصة تخفي عنك علة ذكرها لها سبب وكيد» (المصدر نفسه، ص 714)؛ ويقول أيضًا «... إذ غرضي أن تكون الحقائق تلوح منها، ثم تخفى حتى لا يقاوم الغرض الإلهي الذي لا يمكن مقاومته، الذي جعل الحقائق الخصيصة بإدراكه خفية عن جمهور الناس». المصدر نفسه، ص 7 وانظر المصدر نفسه، ص.6

النبوية الشارحة له بدور حاسم في عملية الإرشاد والتدليل والدلالة على وجود الله. لكن إذا كان العلم الطبيعي يرشدنا إلى وجود الإله عن طريق مقدمات علمية، أي عن طريق معرفة طبيعة الموجودات الحسية الممكنة، وهي طريق نظرية العلم التي تتقاطع على ساحتها نظريتا الحد والبرهان، فإن الكتب النبوية ترشد إلى وجود الله عن طريق نظرية الدلالة، أو قُل عن طريق فحص طبيعة اللغة الآدمية، لا عن طريق فحص الموجود الطبيعي، كأن النظر في الأسماء الآدمية وتمييز أنواع دلالاتها هو الطريق الدلالي لمعرفة طبيعة الوجود الإلهي. غير أن ابن ميمون فتح طريقًا آخر لمعرفة من نوع آخر للوجود الإلهي، معرفة لا تنتمي لا إلى منظومة العلوم الطبيعية، ولا إلى منظومة العلوم الدينية، وهي المعرفة الصوفية التي هي أدخل في باب تجربة الشوق منها في باب المعرفة، علمًا بأن الإرشاد الذي كان يمارسه ابن ميمون كان يقوم على مبدأ كل بحسب درجة فطرته وإحاطته. References

المصادر والمراجع

ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد. فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة و الحكمة من الإتصال، أو، وجوب النظر العقلي وحدود التأويل (الدين والمجتمع.) مع مدخل ومقدمة تحليلية لمحمد عابد الجابري. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،1997. (سلسلة التراث الفلسفي العربي. مؤلفات ابن رشد؛ 1)

ابن ميمون، أبو عمران موسى بن عبيد الله. دلالة الحائرين. تحقيق حسين آتاي. بيروت: مكتبة الثقافة الدينية، [د. ت.].