المعطّلات الثقافية: محاولة في بناء المفهوم
Cultural Blocks
الملخّص
تتنزّل هذه الورقة البحثيّة ضمن ما أسمّيه بـ "الحداثات التطبيقية". وتقترح مفهومًا إجرائيًا جديدًا وسمناه بـ "المعطّلات الثقافية" الذي نسعى من خلاله إلى تفسير بعض مظاهر التردد والتعثّر التي حكمت مسارات العقلنة والنهوض والتحديث في الوطن العربي وفهمها. وقد اعتمدنا في ذلك منهجًا تخاصصيًا مركّبًا واستفدنا من آخر مجلوبات علوم الدماغ مطبّقة على المعرفة والوجدان.
Abstract
** Professor at the University of Gabes, Higher Institute of Languages, Department of Education Sciences of Tunis, specialist in Educational Psychology.
- حداثات تطبيقية
- معطّلات ثقافية
- التفاعل المعرفي
- Cultural Blockages
- Cognitive
- Ontological Interaction
- Applied Modernisms
محاولة في بناء المفهوم
An Attempt to Build the Concept
المعطّلات الثقافية: جينيالوجيا التكوّن
إنّ الجينيالوجيا بما هي منهج حفري نقدي، وبما هي حركة دائبة من الظاهرة إلى أصلها ومن الأصل إلى الظاهرة، لهي قادرة على مساعدتنا على النفاذ إلى الشروط العميقة المشك لة للعوائق الثقافية التي حالت دون انتشار التفلسف في الفضاء العربي على نحو يؤكّد أهمية العقل كما
تنصّ على ذلك النصوص المرجعية المؤسسة للثقافة العربية. فالموقف من الفلسفة والتفلسف هو موقف تاريخي، أي إنّه تكوَّن وتبلور ضمن سياقات تاريخية محدّدة. ولا شكّ في أنّ لحظة البداية كانت حاسمةً إلى حدٍّ كبير، بل لعلّنا لا نزال نعيش ارتداداتها إلى اليوم. ثمّة على الأقلّ ثلاثة عوامل أساسية نحسب أنّه كان لها عميق الأثر في كيفية تقبّل المسلمين لأوّل مرّة الفلسفة في القرن الثاني للهجرة. أمّا العامل الأوّل فإنّنا نرجعه إلى مصدرها اليوناني، بمعنى أنّها كانت مادّةً ثقافيةً وافدةً على الحضارة الإسلامية من قوم «غير مشاركين لنا في الملّة»، وما اقترن بذلك من ارتياب وتشكيك في مدى شرعية التعامل المعرفي والقيمي مع غير المسلمين بخاصّة أنّ الفلسفة اليونانية كانت تمثّل نسقًا من الأفكار والنظريات والرؤى والقيم والمواقف حول الإنسان والكون والآلهة والخير والشرّ. أمّا العامل الثاني فإنّنا نرجعه إلى اسم الفلسفة ذاته لأنّنا نعتقد أنّ تسمية الفلسفة «فلسفة» لم تخل من تأثيرات نفسية وجدانية ثقيلة. لذلك نرى أنّه لو تمّت تسمية الفلسفة منذ بدايتها «حكمة» مثلً لكان لذلك أثرٌ نفسي إيجابي مساعد على تقبّلها واستدماجها ضمن الثقافة العربية الإسلامية منذ بداية ترجمتها. أمّا العامل الثالث فإنّنا نعزوه إلى السجالات الفكرية والكلامية والصراعات السياسية والأيديولوجية التي كانت تدور بين الفرق والملل. لنتذكّر هنا المعتزلة والمأمون في صراعهم ضدّ أنصار الهرمسية والغنوص والباطنية ولنتذكّر ذلك الحوار بين النقل والعقل، بين الأشاعرة والاعتزال وبين التشيّع والتسنّن، فربما نظفر في ذلك بأصل عميق لبعض مظاهر الازدواج في الشخصية العربيّة التي ما زالت تلازمها إلى اليوم. إذا سلّمنا بأنّ العائق الثقافي هو نتاج ترسّبي تكوّن على امتداد حقب التاريخ الإس مااي، فهذا يعني أنّ هناك من الحوادث التاريخية الوازنة ما ترك بصماتٍ عميقةً في كيفية تقبّل الفلسفة بوصفها تعبيرًا ثقافيًا جديدًا يسعى إلى التموضع ضمن الثقافة السائدة بما تقوم عليه من قرآن وحديث وفقه ونحوٍ وشعر وكلام. وفي الحقيقة، لقد سبق للجابري أن تحدّث عن مشكلة بداية تشكّل العقل العربيّ، وعن حادثة «تنصيب العقل» في الثقافة العربيّة؛ ففي كتابه «تكوين العقل العربيّ»، طرح الجابري سؤالً جذريًا وهو: كيف تمّ تنصيب العقل الكوني في الثقافة العربيّة الإسلاميّة لأوّل مرّة؟ وأكّد أنّ هذا التنصيب لم يكن فعلً معرفيًا ثقافيًا محضًا، بل جاء ضمن مناخ عامّ تميّز بالصراع الأيديولوجي والسياسي بين المأمون الخليفة العبّاسي والشيعة الباطنية خصوم دولته. وقد اعتمد المأمون في مواجهة خصومه إستراتيجية ذكية تقوم على توظيف الموروث القديم. فإذا كانت الشيعة قد لجأت إلى الغنوص وإلى «العقل المستقيل» لتأكيد استمرارية الوحي في أئمّتهم وتأكيد أحقيتهم في الإمامة والقيادة الدينية والسياسية، فإنّ المأمون قد استنجد ب «العقل الكوني اليوناني» ليعزّز به جانب المعقول الديني العربي كما قرّره العقل المعتزلي وكرّسه الواقع السياسي1.
في هذا الإطار، أكّد الجابري أيضًا أنّ هذا التنصيب، ومنذ لحظاته التأسيسية الأولى، قد ظلّ محكومًا بالصراع بين «البيان» و«العرفان»2. ولا شكّ في أنّ عملية التنصيب هذه من حيث مشهديتها وكيفيتها وأطوارها وملابساتها والمشاعر التي حفّت بها والذكريات الجمعية التي نسجت حولها، كانت محدّدةً لمستقبل الفلسفة في الثقافة العربية الإسلامية ليس على المستوى المعرفي فقط وإنّما على المستوى المشاعري والوجداني أيضًا. ومن المرجّح أن يكون السياق الوجداني الحافّ بهذه العملية قد تحدّد أساسًا بالخوف من الوقوع في الزندقة وتحريف العقيدة والمروق عن الدين. تميّز المناخ الثقافي العامّ الذي صاحب تنصيب الفلسفة في المجتمع العربي إذًا، بكثرة السجالات والمعارك السياسية والأيديولوجية. فقد أنشأ الخليفة المهدي «ديوان الزنادقة» لتتبّعهم ومطاردتهم. وارتبط اسم الزنادقة أولً بالمانوية ثم اتّسع ليشمل كلّ المتشكّكين في العقيدة. وقد بلغت الحملة ضدّهم أوجها عام 66 1 ه حيث نكّل بهم المهدي تنكيلً. من جهته، كان واصل بن عطاء مؤسّس فرقة المعتزلة قد ألّف رسالةً في «الردّ على الزنادقة». وهو ما قام به غيره من المتكلّمين والفقهاء للردّ عليهم. في المقابل، وضمن هذا السجال الفكري والأيديولوجي، يمكن أن نعدّ رسائل إخوان الصفا ردّة فعل الشيعة الإسماعيلية ضدّ إستراتيجية المأمون الثقافية. بالعودة إلى اللحظة الكنديّة (نسبةً إلى أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي 85/1 ه 805 م - 256 ه/ 873 م) على وجه الدقة، نلاحظ أنّ الكندي كان منخرطًا في الصراع الأيديولوجي الدائر آنذاك، وأنّه كان منحازًا إلى العقل على حساب الهرمسية والغنوص المانوي والعرفان الشيعي واستقالة العقل. يتّضح ذلك من خلال عدد كبير من مؤلّفاته مثل «الردّ على المانوية والمثنوية»، و«كتاب التنبيه على خدع الكيميائيين»، وكتاب «في إبطال دعوى من يدّعي صنعة الذهب والفضة»، وكتاب «الحث على تعلّم الفلسفة»، و«رسالة في الاحتراس من خدع السفسطائيين»، وغيرها. فهو عندما يقول: «وينبغي لنا ألّ نستحي من استحسان الحقّ واقتناء الحقّ من أين أتى، وإن أتى من الأجناس القاصية عنّا والأمم المتباينة، فإنّه لا شيء أولى بطلب الحقّ من الحقّ»3، إنّما يقول ذلك دفعًا للمشاعر السلبية التي تقترن عادةً بكلّ ما نعدّه دخيً وواردًا ممّن لا يشاركنا في الدين وفي الملّة. أمّا حين يحاول فضح الذين يهاجمون الفلسفة باسم الدين خدمةً لمصالح سياسية، فيصفهم بكونهم «من أهل الغربة عن الحقّ وإن تتوّجوا بتيجان الحقّ من غير استحقاق»4، وأنّهم إنّما يعادون الفلسفة ويهاجمون أهلها «ذبًّا عن كراسيهم المزوّرة التي نصّبوها من غير استحقاق بل للترؤس والتجارة بالدين وهم عدماء الدين، لأنّ من تجر بشيء باعه، ومن باع شيئًا لم يكن له». هكذا كانت اللحظة الكندية في مسار تنصيب الفلسفة في الثقافة العربية لحظةً حاسمةً ومحمّلةً بالانطباعات والصور والمواقف والاتجاهات ومحدّدةً لما سيأتي بعدها. فارتداداتها ما زالت حاضرةً
إلى اليوم من خلال المواقف ذاتها تقريبًا؛ موقف يؤمن بأصالتها وبشرعية تموضعها في الثقافة العربية، وموقف يعدّها دخيلةً وعسيرة الهضم والاستدماج ضمن النسيج الثقافي والقيمي السائد. لقد حاول الجابري إذًا الوقوف عند الأوضاع والملابسات التي رافقت عملية نقل العلوم اليونانية إلى اللغة العربية، ليس لفهم دوافع تلك العملية آنذاك فحسب، وإنّما «لتتبّع معارج التطور الذي سيعرفه العقل العربي ذاته»5. وانتهى إلى أنّ عملية تنصيب العقل في الثقافة العربية الإسلامية لم تكن بالأمر الهيّن لأنّ الثقافة السائدة يتقاسمها نظامان معرفيان لكلٍّ منهما ارتباطاته الأيديولوجية والسياسية: البيان والعرفان. لهذا السبب سيكون النظام البرهاني في الثقافة العربية الإسلامية محكومًا منذ بدايته وعلى امتداد تطوّره بردّة الفعل هذه، أي بالصراع بين «البيان» و«العرفان»6. لا شك في أنّ البحث في نظم المعرفة التي تشكّلت من خلالها الثقافة العربية الإسلامية هو بحث في أساسيات المعرفة وحفر في شروط قيامها في الآن ذاته. إلا أنّ ما يهمّنا من استحضار هذا السياق الثقافي الذي اقترن بحادثة تنصيب العقل في الثقافة العربية الإسلامية هو بالضبط ما يلي: لم تكن هذه المعارك والسجالات الكبرى تجري ضمن فراغ وجداني بقدر ما كانت تغذّي المشاعر والأحاسيس والأهواء والميولات وتتغذّى منها في الوقت ذاته؛ أي إنّ المواقف والاتجاهات والصور والتمثلّات ذات العلاقة بالفلسفة كانت وما زالت ميدانًا للتفاعل الجدلي بين المكوّنات المعرفية والمكوّنات الوجدانية. كانت الشكوك والمواقف السلبية المستهدفة للفلسفة منذ البداية مقترنةً أوثق الاقتران برهانات دينية وأيديولوجية وسياسية واضحة. لا تزال ارتداداتها وامتداداتها مستمرةً ومتواصلةً وفاعلةً في التصوّرات والاتجاهات كما في المواقف والسلوكيات. ومن هنا، فإنّ فهم أزمة الفلسفة اليوم يمرّ ضرورةً عبر فهم الأزمة المؤسسة لها منذ لحظة تنصيبها الأولى.
المعطّلات الثقافية: البنية والمكوّنات
إذا صحّ أنّ مفهوم العائق الثقافي هو حاصل مسار تاريخي ترسّبي، أي نتاج سلسلة من الحوادث التي مرّت بها الثقافة العربية عبر مسار تكوّنها وتطوّرها، فإنّ هذا البعد الحدثي والتاريخي للعوائق الثقافية لا يلغي إمكانية إرجاعها إلى بنية مؤسسة وناظمة. فعدّ الفلسفة كفرًا أو ممارسةً خطيرةً توشك أن توقع المؤمن في الشكّ أو عدّها مهددًا لصفاء العقيدة، تشترك في كونها عوائق من طبيعة ثقافية. ونعني بها جنسًا من المعرفة النفس - اجتماعية تتداخل في تشكيلها عناصر واعية وأخرى لا واعية.
وتتقاطع في مستواها الأبعاد الفردية مع الأبعاد الاجتماعية. يجعلنا كل ذلك نفترض وجود تشابه بين بنية التمثلّات الاجتماعية (كما تبلورت من خلال أعمال أبريك، 2003، 2011، وفريقه ضمن مدرسة مرسيليا) وبنية العوائق الثقافية. أي إنّنا نستطيع أن نميّز في العائق الثقافي بين نواة صلبة أو مركزية من جهة وعناصر جانبية، تخومية وأطرافية من جهة ثانية. وتبعًا لهذا التقسيم البنيوي فإنّ النواة الصلبة تتكوّن من العناصر الأكثر ثباتًا والأشدّ مقاومةً للتغيّر. أما العناصر التخومية فهي تمتاز بقدرٍ أكبر من المرونة والقابلية للتغيّر. هذا ما يرشّحها إلى أن تقوم بأدوار على غاية من الأهمية. فهي من ناحية تربطنا بالعالم الخارجي ومن ناحية أخرى تحدّد هذا الارتباط وتتفاعل معه تقبّلً ورفضًا. ومن ثمة تعدّ المدخل الرئيس لتغيير البنية العميقة للعائق الثقافي. أي إنّ محاولة تجاوز العوائق الثقافية لا تتحقّق بالكشف عنها أو الوعي بها. بل إنّ هذا التجاوز ما لم يمسّ العناصر المركزية من العائق، فإنّه يظل سطحيًا. ومن ثمة قابلية عودته متى توافرت الأسباب. ومثلما يسهل النفاذ إلى المكونات المعرفية من التمثلات الاجتماعية ويسهل حسمها معرفيًا ومنطقيًا بالتقبل أو بالرفض، فكذلك شأن المكونات المعرفية من العوائق الثقافية. إلا أنّ هذا الأمر يبدو غير ممكن في مستوى المكوّنات الوجدانية من هذه العوائق. وهو ما يؤكّد خطورتها وشدّة وقعها على المواقف والممارسات.
المعطّلات الثقافية: آليّات الاشتغال
بحكم طابعها المركّب والمتعدّد المكوّنات، فإنّ فهم آليات اشتغال المعوّقات الثقافية يمرّ ضرورة عبر فهم آليات اشتغال العناصر المكوّنة لها وفهم الع قااات والتفاع ت الممكنة بينها. ونعني بها على وجه الدقّة علاقة المكوّن المعرفي بالمكوّن الوجداني وعلاقة المكوّن الواعي بالمكوّن اللاواعي وعلاقة المكوّن الفردي بالمكوّن الجماعي.
1 - في العلاقة بين الذاكرة الجماعية واللاوعي الجمعي
في كتابه حول الوعي والدماغ يؤكد دي لاكور7 أنّه مهما كان مستوى النشاط الذهني، فإنّ الوعي واللاوعي في تفاعلٍ مستمرّ ودائم. لذلك نقدّر ما لفرضية «اللاوعي الجماعي» من أهمية إجرائية في فهم حالات عدم التطابق بين السلوك والتّمثّل وبين الاتجاه والممارسة؛ فربما يصرّح البعض بموقفه المنتصر للفلسفة وللتفلسف وبانخراطه المبدئي في التفكير العقلاني، ولكنه على مستوى الممارسة والاتجاه ربما يتورّط، من حيث لا يعي، في إتيان عكس ذلك تمامًا. يمكن لفرضية المعارف الضمنية بصفة عامّة، ولفرضية اللاوعي الجمعي بخاصة أن تمثّل مفاتيح إجرائية لتفسير جزء من هذه الظاهرة. ثمّة معالجة لا واعية للمعلومة وللذاكرة وللصور وللتمثلّات ول تااجاهات. هذا ما يؤكده أيضًا آخر الإضافات في مجال علوم المعرفة ضمن الحقل الخاص بالمعارف الضمنية La cognition implicite مثلما تشهد بذلك مثلً أعمال ديدييه كوربيه Didier Courbet وغيره.
وفي الحقيقة لقد سبق لمحمد عابد الجابري في كتابه المذكور أن استعمل هذا المفهوم لتحليل جوانب من الإشكاليات التي يطرحها العقل العربي. فهو قد انطلق من فكرة «النظام المعرفي» épistémè كما تبلور مع ميشيل فوكو، أي من النظام المعرفي بوصفه جملةً من المفاهيم والمبادئ والإجراءات التي تعطي للمعرفة في فترة تاريخية ما بنيتها اللاشعورية، ثم ما هي إلى حدٍ ما بين مفهومي «النظام المعرفي» و«البنية ال شعورية». ما يهمّنا في هذا المقام هو بالأساس السؤال التالي: إذا سلّمنا مع التحليل النفسي بشدّة الت زاام بين ال شعور والانفعالات وسلّمنا مع علوم المعرفة بأنّ الانفعالات والمشاعر هي في جانبها الغالب نتاج واعٍ لعمليات لا واعية8، فأيّ دور للجوانب الوجدانية من البنية اللاشعورية ضمن هذا النظام المعرفي؟ ضمن كتابه الكلمات والأشياء وفي إطار بنائه مفهوم «الإبستيمي» المذكور سابقًا، افترض فوكو وجود «سيرورات لاشعورية تتحكّم بنظام ثقافة ما»9. أما ليفي ستروس10 فقد تناول في كتابه الأنثروبولوجيا البنيوية مفهوم البينية ال شعورية بوصفه مبدأً تفسيريًا. ورأى أنّ للذهن البشري نزوعًا إلى فرض قوالب واحدة ومشتركة على المحتويات التي يعالجها كما لو أنّ هناك طبيعة لاشعورية للظاهرة الجماعية وشروطًا لا واعية للحياة الاجتماعية والثقافية. ومن جهتنا، فإننا نميل إلى ما ذهب إليه جورج طرابيشي من أنّ مفهوم ال شعور لا يخصّ الثقافات البدائية والشفاهية دون المكتوبة والعالمة وأنّ مجالات تطبيقه لا تقف عند حدود الأنثروبولوجيا والأتنولوجيا، بل يمكن أن تمتدّ لتشمل المجال الإبستيمولوجي أيضًا. ولا نعتقد أنّ الفصل المنهجي الحادّ الذي أقامه الجابري بين الأنثروبولوجي والأتنولوجي من جهة والعلمي والإبستيمولوجي من جهة أخرى له ما يبرّره في ظلّ براديغم التفكير المركّ ب والمقاربات التخاصصية التي تستظل دراستنا بظلّها. خ صة الأمر، فإنّنا نعتقد أنّ مفهوم «البنية ال شعورية» لا يخصّ الثقافات الشفاهية دون العالمة. كما لا يخصّ العرفان والبرهان والبيان دون الوجدان. بل إنّ هذا المجال الأخير لهو الأقرب إليه من البقية بخاصّة من وجهة نظر التحليل النفسي. ولكن تبقى أهمية مقاربة الجابري وزيعور كامنةً في استدعائهما مفهوم «اللاشعور المعرفي» لفهم أبعاد أساسية من بنية العقل العربي وبعض آليات اشتغاله. ثمّة إذًا «لاشعور معرفي» خاص بالثقافة العربية. وإنّ اعتماد هذه الفرضية لاستجلاء المسكوت عنه في علاقة الثقافة العربية بالفلسفة وبالتفلسف، ضرورة إجرائية منهجية مؤكدة. ضمن هذا السياق، ومثلما يفترض الجابري وجود نظم معرفية مؤسسة للثقافة العربية، نفترض بدورنا وجود نظم وجدانية مؤسسة للتمثلّات وللتصوّرات الاجتماعية حول الفلسفة والعقل، وأنّ هذه البنى ال واااعية تمارس تسلّطًا وإكراهًا دائمَين على الثقافة.
2 - من الذاكرة الجمعية إلى الذاكرة الوجدانية
إنّ صورة الفلسفة كما يتمّ بناؤها في عقولنا هي، في جزء منها، حاصل ذاكرتنا وذكرياتنا وتذكّرنا. وتمثّل التصورات الاجتماعية في حدّ ذاتها ضربًا من ضروب الذاكرة الجماعية، تعبّر عنها وتعمل على إخراجها إلى السطح. وهو ما يدفعنا إلى التساؤل عن مدى تأثير ما ترسّب من ذكريات جماعية حول الفلسفة بالتمثلّات الحالية حولها، والبحث عن طبيعة المخزون الذاكري الذي كان قد ترسّب في الثقافة العربيّة حول الفلسفة، ومحاولة فهم الكيفية التي تتكوّن وفقها المعارف والذاكرات والتمثلات الجماعية ذات العلاقة بصورة الفلسفة. وإذا افترضنا أنّ هذا المخزون الذاكري ليس معرفيًا فحسب وإنّما هو وجداني أيضًا، فما عسى يكون أبرز الحوادث التاريخية والثقافية (مثل حرق كتب ابن رشد، وتجربة الغزالي الشكية، وقتل الحجّاج، وتهافت الفلاسفة، وتهافت التهافت، ومغامرة الماركسية في المجتمع العربي، ومصطفى محمود وروجيه غارودي في رحلتهما من «الكفر إلى الإيمان»، وغيرها) الذي تكوّنت في سياقه هذه الذاكرة؟ وكيف لها أن تستقرّ صورًا نمطيةً؟ ومتى تنشط؟ وكيف يقع تفعيلها فتغدو مؤثّرًا حاسمًا في المواقف والسلوكيات والممارسات؟ ثمّة علاقة متينة بين الثقافة عامّةً والمعطّلات الثقافية بخاصّة، بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية. وإذا كان رسوخ التمثّل واندماجه ضمن منظومة الثقافة لا يتمّ إلا على أرضية المكتسبات والمعارف السابقة، فإنّ فهم آليات المعوقات الثقافية يمرّ ضرورةً عبر فهم العلاقة بين الثقافة والذاكرة، أي عبر فهم البناء الاجتماعي للمعارف وللذكريات. هذا ما أثبته نيكولا روسيو وكريستين بوناردي11 حين أكّدا أنّ التمثلّات الاجتماعية إنّما تتبلور في جزء منها على الأقلّ، انط قااًا من المعارف والخبرات السابقة للأفراد وللجماعات. وهو ما يبرهن على أهمية الدور الذي يمكن أن تقوم به الذاكرة في هذا البناء، إذ يختلف تأثير التمثلّات والصور والاتجاهات السلبية تجاه مادة الفلسفة بحسب نوعية تدخّل الذاكرة، أي تبعًا لمكتسباتنا الثقافية السابقة وإستراتيجياتنا التذكرية. ولكن ما هي محدّدات الذاكرة؟ وكيف تؤثّر في التمثلّات؟ وممّا تتشكّل؟ ومن يشكّلها؟ وكيف يقع تشكيلها؟ كيف يتمّ المرور من تنوّع الذاكرات الفردية وتعدّدها إلى الذاكرة الجماعية؟ ثم كيف يتمّ الرجوع بالذاكرة الجماعية إلى الذاكرات الفردية؟ وفي كلمة: ما هي الشروط الاجتماعية والنفسية والوجدانية التي نفكّر في الماضي في إطارها؟ إنّ مفهوم التمثلات الاجتماعية بوجه عام، وما استحال منها إلى عوائق ثقافية بوجه خاصّ، مفهوم علائقي متشابك، يتعذّر المسك بآليات اشتغاله بمعزل عن شبكة الع قااات التي تربطه بالمؤثّرات الواعية واللاواعية، بالذاكرة وبالخيال، بالوجدان وبالعقل. فمقاربة التمثلّات الاجتماعية والثقافية لا تتمّ إلا بتوسّط الذاكرة الجماعية والوجدان الجماعي. كما أنّ فهم العلاقة بين التمثلّات الاجتماعية والذاكرة الجماعية لا يتمّ إلا بتوسّط التطبيقات والاستخدامات الاجتماعية للذاكرة. فبغضّ النظر عن مواقفنا من الفلسفة واتجاهاتنا نحوها، فإنّ الثقافة العالمة تزخر بكثير من الصور والرموز الفلسفية
كتلك التي يمكن أن توحي بها ذكرى الكندي والفرق الك مااية ومحنة المعتزلة وفلسفة ابن سينا والفارابي وابن الراوندي والرازي وإخوان الصّفا والغزالي وابن رشد وابن خلدون، وترجمة العرب الفلسفة اليونانية متمثّلة بالخصوص في أرسطو وأف طون، وإشكاليات العقل والنقل والحكمة والشريعة والمنقذ من الضلال، ونقد ابن تيمية المنطق اليوناني، وقتل الحلّج ومحمود طه، وتكفير نصر حامد أبي زيد وحسن حنفي. ولكنّ هذه الثقافة العالمة، وإن مثّلت رافدًا من الروافد المغذّية للتمثّت وللصور والاتجاهات حول الفلسفة، فإنّها لا تقوم بذلك إلا بعد إخضاعها لمقتضيات السياق وإكراهاته؛ أي إلّ وهي تخضع لعمليات التصنيف والتبويب والتحوير والتأويل والانتقاء والتفضيل والاستبعاد. وهذا ما يفسّر الاختلاف في المواقف من التراث ومن الثقافة داخل الجماعة ذاتها. فالتحليل الجينيالوجي والتكويني للتمثلّات الاجتماعية، يكشف عن توتّرٍ حادّ تقوم عليه هذه التمثلات بين الثبات والاستمرارية، بين النماذج الأصلية الأولية والوضعيات المتغيرة أو الاستجابات المتجددة للحاضر، بين الاتصال والقطيعة، بين البنية والحدث. ضمن هذا التوتّر وهذه السيرورة، يتنزّل «الماضي» بوصفه عنصرًا مكوّنًا ومتدخًّ فاعً في بلورة سيرورات التمثّت الاجتماعية السائدة ودينامياتها. من خلال مفهوم الرّسوّ أو الرّسوخ ancrage، بيّن مسكوفيتشي كيف يتشكّل التفكير الحالي انطلاقًا من المقولات السابقة التي ترسبت واستقرت ضمن منظومتنا المعتقدية والتمثلية. فمقاومة «الغريب» ومواجهة «الجديد» بصفة عامّة تتغذّيان عادةً من سلطة الماضي وهيمنة نماذجه المترسّخة. كما تندرج التمثلّات الاجتماعية بحسب مسكوفيتشي بالضرورة ضمن أطر التفكير الموجودة. وهذه الأطر بدورها منغرسة في القيم والتقاليد والرؤى السائدة. كما تتكوّن، في جزء منها، من خ لاا تفاعلها مع رواسب الماضي والتاريخ والذاكرة ومخزوناتها12. وهو ما يدفعنا إلى أن نأخذ، في محاولة فهمها، في الحسبان الثيمات thêmata والأفكار المرجعية المؤسسة idées sources والنماذج الأصلية archétypes اللاواعية والقوالب الأولية التي تقبع في أعماقنا والتي منها تنبثق كل الصور. فلكل ثقافة نماذجها الأصلية و«أركتيباتها» التأسيسية ذات العلاقة الوثيقة ب «الشخصية الأساسية» أو «الشخصية القاعدية» و«الأطر الثقافية» أو «الأنماط الثقافية». في هذا السياق، علينا أن نقرّ بوجود صعوبة حقيقية في ضبط مضمون الأطر الثقافية المرجعية العامّة المحدّدة لقطاع الفلسفة وتحديده. وبناءً عليه، نتساءل: من أين نبدأ؟ هل من الأطر الثقافية القائمة؟ أم من الأطر التأسيسية القابعة في أعماق لاوعينا الجمعي؟ وهذه الأطر المرجعية، هل بقيت هي نفسها من دون أن تتغيّر؟ وإن تغيرت، ما هو مسار تغيّرها وتطوّرها؟ في هذا الإطار يمكن أن نعدّ اللحظة الكنديّة لحظةً تأسيسيةً حاسمةً ما زالت تلقي بظلالها إلى اليوم. لقد اقترنت الفلسفة لحظتها بمعانٍسلبية بخاصة من جهة مصدرها المتوجّس منه الذي يُعدّ دخيً على الملّة وربما مناقضًا لكتابها المقدّس. فالخوف من الكفر والتكفير ظلّ هاجسًا حاضرًا على الدوام. إنّه الخط الذي لا يمكن تجاوزه وإلا كانت العواقب وخيمةً. يشرّع كل ذلك لنا الافتراض أنّ الانهمام بالفلسفة والاشتغال بها داخل السياق العربي ظلّ
متاخمًا للحدائق المحرّمة على الوعي ومقترنًا بالتخوم الخطرة ومحكومًا بعقدة الشرعية والمشروعية. لتعميق التحليل في ضوء هذه الفرضية، علينا أن نعود إلى مفهوم الذاكرة نفسه، بحيث تعني الذاكرة في الآن نفسه الحافظة والذكريات المحفوظة، أي الآلية والمضمون. وهي من وجهة نظر علوم المعرفة، نظام لمعالجة المعلومات يقوم على ث ث مراحل، وهي الترميز والاحتفاظ والتذكّ ر13. حريّ بنا هنا التمييز بين معنى الذاكرة الاجتماعي والأنثروبولوجي من جهة، ومعناها النفسي والعرفاني من جهة أخرى. أمّا من جهة الأنثروبولوجيا، فإنّ هولباك14 يرى أنّ الذاكرة الجماعية هي أحد الأبعاد الأربعة المشكلة للهوية الجماعية، وأنّ وحدة الجماعة وانسجامها إنّما يستمدّان من تشارك أفرادها وتقاسمهم الذاكرة نفسها. ومع ذلك فإنّ بعد الذاكرة الثقافي هذا في حاجة إلى المراجعة والتوسيع في ضوء نتائج علوم المعرفة الأخيرة بخاصة من جهة تأكيدها أهمية المكوّنات الوجدانية في تشكّل الذاكرة واشتغالها وتأثيرها في التفكير والسلوك. وهذا بالذات ما جعل البعض يتحدّث عن «ذاكرة انفعالية»15. ولا نعني بالذاكرة الانفعالية هنا حالاتٍ وجدانيةً مقترنةً بمواقف ماضية ومصحوبة بانفعالات إيجابية أو سلبية مثل الشعور بالحزن أو الخوف إزاء مثير معيّن يذكّرنا بخبر مؤلم من الماضي، وإنّما الذاكرة الانفعالية أو الوجدانية كما نستعملها في هذا البحث، لا تتعلّق بما ترسّب في الذاكرة الفردية والجماعية من مضامين ومعانٍسلبية تجاه الفلسفة والفلاسفة والتفلسف فحسب، وإنّما هي بالدرجة الأولى البنيات الوجدانية والآليات والديناميات المنتجة لذلك؛ أي كيف يساهم السياق الوجداني والمناخ الانفعالي السلبي في تثبيت الصور والاتجاهات المعادية أو المعطّلة لتدريس الفلسفة. علينا أن نذكّر هنا مرّةً أخرى بما للتفاعل المعرفي - الوجداني من أهمية قصوى في اشتغال العوائق الثقافية. سنتّخذ من مفهوم الذاكرة إذًا إطارًا للتحليل وللتأويل وأداةً له في الوقت ذاته. وإنّ تحليل الأسس النظرية لمفاهيم الذاكرة والتمثلّات وفحصها هما اللذان يتيحان لنا دراسة المسارات المتدخّلة فيها. يمكن عدّ الذاكرة الفردية قدرةً بشريةً على التفعيل الجزئي أو الكلّي لحوادث الماضي على نحوٍ صائب أو مخطئ16. وهي تشتغل انطلاقًا من سجلّين أحدهما مؤقّت أو عابر (الذاكرة القصيرة المدى) والآخر دائم وطويل المدى (الذاكرة الطويلة المدى). تنظّم الذاكرة الطويلة المدى التمثلّات الذهنية التي تكوّن الذاكرة الدلالية أو الرمزية. وهي لذلك ذات أهمية اجتماعية وازنة. تفرز الذاكرة الشخصية بصفة دائمة خطاطات متراتبة ومتضمّن بعضها لبعض، وتوجّه استباقاتنا وانتظاراتنا. فهي لا تعيد تفعيل تجارب الماضي فحسب، بل تلتقط الجديد وتساهم في استدماجه. كما يمكن عدّ الذكرى الشخصية
إعادة خلق للماضي من أجل حاجات الحاضر واستشرافًا للمستقبل. كما أنّ الذاكرة الفردية ليست بمعزل عن تأثيرات السياق الخارجي، والاجتماعي، ومعاييره17. إنّ للاجتماعي وزنًا كبيرًا وتأثيرًا في عمليات خزن المعلومات. من جهة أخرى، وإذا سلّمنا مع هولباك18 بأننا «نتكلّم ذكرياتنا قبل ذكرها» وبأنّ «اللغة هي المكان الذي يفكّر فيه الناس على نحو جماعي ومشترك»19 وبأنّنا نلج الذاكرة عبر اللغة، فلا شكّ في أنّ لكلمة «فلسفة» وطأةً مختلفةً عن كلمة «حكمة». ومثلما أسلفنا، فإنّنا نحسب أنّه لو سمّيت الفلسفة منذ الاحتكاك الأوّل بالإرث اليوناني «حكمة» عوضًا عن «فلسفة»، لكان تقبّلها الوجداني في الثقافة العربية تقبّلً مختلفًا عمّا عرفناه. يؤكد كل ذلك أهمية الدور الذي تقوم به اللغة في مستوى التمثلّات الاجتماعية كما في مستوى الذاكرة الجماعية معرفةً ووجدانًا. في الحالتين، هناك اعتماد على اللغة الطبيعية المتداولة يوميًا لا على اللغة الرمزية والتعاقدية للعلم. فليست اللغة أداةً محايدةً بل هي بنية إنشائية ونظام توليدي للرموز والدلالات. إلى جانب الموضعة، تقوم الذاكرة أيضًا بدور مهم في عملية التفيئة والتصنيف catégorisation التي تقوم عليها عملية الرسوّ والرسوخ الاجتماعي ancrage بخاصة من خ لاا مقارنة المعلومات الجديدة بالمقولات الموجودة والمألوفة؛ فمبدأ التفيئة والتبويب أو التصنيف ليس مبدأً ذاتيًا فحسب بل يخضع للدلالات العامّة للثقافة ولقيم المجتمع؛ فالفرد في المجتمع يصنّف ما حوله وفقًا لنسق المقولات ومبادئ التبويب المشتركة بين أفراد المجموعة20. ولكل ثقافة قوالبها ومبادئها ونماذجها الأولية المستمدّة من الأيديولوجيا والأطر الإبستيمية للمعارف الجماعية والأحكام المسبقة والأفكار النمطية والاتجاهات والاعتقادات. فما يقبع وراء التمثلّات الاجتماعية إذًا هو «الثيمات» أو الأفكار الأولية والنماذج الأصلية والأطر الإبستيمية والأخطوطات Les schémas والنظم الأيديولوجية العامّة. للتمثلّات الاجتماعية كما للذاكرة الجماعية دور أساسي في نحت هويّة الجماعة؛ فمن خلال علاقته بالهويّة، يقوم الانتماء الاجتماعي بدور مهمّ في مستوى التمثلّات الاجتماعية والذاكرة الجماعية. فقد أثبتت جودلي وجود علاقة بين الهويّة والطريقة التي تبني بها جماعة ما تمثلّاتها الاجتماعية. فهي تبني هذه الهوية من خلال المعاني والقيم التي تعطيها لتمثلّاتها الاجتماعية. وإذا كان الإسلام مقوّمًا أساسيًا من مقوّمات هوية العربي الثقافية، فإنّ موقفه من الفلسفة سيتحدّد ضرورةً وفي جزء كبير منه بمقوّمات هذه الهويّة. لذلك ظلّت ثنائية الح لاا والحرام إحدى أهمّ المقولات التصنيفية الحاكمة للمواقف والاتجاهات نحو الفلسفة والفلاسفة والتفلسف. إنّ أهمّ ما أضافه هولباك في مستوى مفهوم الذاكرة الجماعية إذًا هو تجاوز الانغ ق على الفردية الذي وسم المقاربة النفسية كما تبلورت مع برقسون ومحاولة ربطها بنظرية دوركايم في التمثلّات الجماعية. أمّا من ناحيتنا، فإنّ أهمّ ما يمكن أن
نضيفه إليها في هذا البحث هو مكوّناتها الوجدانية. لكن ما علاقة الذاكرة بالوجدان؟ وهل يمكن أصلً أن نتحدّث عن ذاكرة وجدانية؟ يمكن أن تتحدّد الاتجاهات الحاليّة نحو الفلسفة في جزء مهم منها انط قااًا من الذاكرة الجماعية التي تكوّنت عبر التفاعل الطويل الذي عاشته الثقافة العربية الإس مااية على امتدادها التاريخي مع هذا الجنس من المعرفة الذي عُدّ وافدًا ودخيً. ولا شكّ في أنّ ثمّة محطّاتٍ دالّةً وحاسمةً في تكوّن المخزون الذاكري والوجداني تجاه الفلسفة كاللحظة الكندية مثلما سبق بيان ذلك. إنّ الذاكرة الجماعية هي حصيلة سيرورات عرفانية ووجدانية فردية وجماعية، واعية ولا واعية في الوقت ذاته. وهي لذلك موضوع تخاصصي (متداخل الاختصاصات) بامتياز. لكن هل الفلسفة موضوع ذاكرة جماعية؟ وبأيّ معنى تكون كذلك؟ لا تمثّل الفلسفة في ذاتها حدثًا اجتماعيًا. ولذلك لا يمكن أن تكتسب بعدها الاجتماعي إلّ من خلال ارتباطها بمسائل وممارسات اجتماعية أخرى، مثل الامتحانات الوطنية والمعتقد الديني. إنّ ارتباط الفلسفة بالذاكرة الجماعية يمرّ، كما بينّا ذلك، عبر ارتباطها ببعض الشخصيات والرموز الفلسفية التاريخية مثل ابن رشد، وسقراط. وهذا الارتباط هو في الحقيقة ارتباط برموز الفلسفة لا بالفلسفة في حدّ ذاتها. وهو ارتباط بالصور النمطية حول هؤلاء بخاصّة من جهة علاقتهم بالواقع وبالحياة (مثاليون) أو علاقتهم بالدين (زنادقة، وكفّار)، أو علاقتهم بالغرب (منسلبون، ومغتربون)؛ فصورة ابن رشد مثلً عادةً ما تحضر في وعينا الجمعي ووجداننا المعاصر وفقًا لنمطين أساسيين: إما وفقًا لصورة المحنة والتكفير أي صورة الفيلسوف الممتحن والمتّهم بالزندقة الذي أحرقت كتبه، أو وفقًا لصورة الفيلسوف الحكيم (الملك، أو الوزير) الذي له شأن كبير في إدارة الشأن العام. وذلك تبعًا للسياق السياسي والثقافي والاجتماعي السائد وما يسمح به من مساحات للتداول الفكري الحرّ. كما تختلف هذه الصورة بحسب نوعية الانتماء والتموقع الاجتماعي والأيديولوجي؛ فابن رشد يمكن أن يتشكّل رمزًا للعقلانية عند هؤلاء ويرتدّ إلى زنديق عند أولئك في الآن ذاته. يرى أبريك21 أنّ التمثّت الاجتماعية تنشأ نتيجةً لسيرورات تملّك الوقائع ومحاولة إعادة بنائها واستدماجها ضمن المنظومات الرمزية القائمة؛ أي من خلال انغراس الجديد ضمن الموجود أصلً. فمن خلال إعادة بناء الماضي يبدو النشاط التذكّري عمليةً مركّبةً غير منحصرة في فعل العقل فحسب، بل بات من المؤكّد اليوم الاعتراف بما للعواطف والانفعالات من دور مهم في سيرورات الحفظ والتذكّر والانتقاء؛ فعملية التذكّر لا تتمّ ضمن فراغ انفعالي وجداني، بل للانفعالات دور مهمّ في عمل الذاكرة حفظًا واسترجاعًا، خزنًا وتذكّرًا. وتجمع الدراسات المعاصرة22 على أهميّة دور الانفعال في الذاكرة سواء أتعلّق الأمر بالتذكّر الشعوري أم بالتذكّر اللاشعوري؛ فعندما يكون المرء تحت سيطرة الانفعال، فإنّ قدرته على الاحتفاظ بالذكريات وتسلسل الحوادث تتعزّز. ها هنا بالضبط يمكن أن
نظفر بعناصر علمية أساسية لتفسير استمرار حضور بعض الصور الذاكرية السلبية القديمة تجاه الفلسفة إلى اليوم، وفهمه. فنحن عادةً أكثر نسيانًا للحوادث المحايدة وجدانيًا، أمّا الحوادث المحمّلة والمشحونة انفعاليًا فهي أقلّ تأثّرًا بالنسيان. وهنا علينا التذكير بأنّ تأثير السياقات الوجدانية والانفعالية في سيرورات الذاكرة انتقاءً وترميزًا، خزنًا واستحضارًا، فيها ما هو خاضع للمراقبة والوعي، وفيها ما هو ضمني آلي متجاوز للوعي، ويمثّل تعزيز القدرة على تخزين الذكريات إحدى الآليات التي يؤثّر من خلالها الانفعال في عمل الذاكرة الضمنية والواعية23.
3 - التفاعل المعرفي - الوجداني
إذا سلّمنا مع جولمان بأنّ «الأفكار في العقل لا ترتبط بمحتواها فقط، وإنّما بالحالة النفسية أيضًا»، فأيّ مكان للوجدان في تمثّلنا للفلسفة؟ الوجدان مبحث من مباحث الفلسفة لطالما اقترن بالجسد وبالانفعالات ممثّ بذلك مقاب ونقيضًا للعقل24. وقد ظلّت العاطفة لزمن طويل مستبعدةً من الخطاب الرسمي للفلسفة القائم على هيمنة اللوغوس والعقل والحساب. فكأنّما الوجدان والعاطفة اليوم يثأران لهذا الاستبعاد؛ أي إنّ الفلسفة لم تؤت من قبل العقل والبرهان (فمعاركها في هذا المجال كانت تكسبها في أغلب الحالات أو هكذا يبدو عادةً) بقدر ما وقع النيل منها من جهة العاطفة والوجدان والانطباع والانفعال. فنحن نعتقد أنّ المعوقات الأساسية اليوم، إنما تستمدّ قوّتها من الوجدان لا من البرهان. فالجميع يتشبّث بالعقل وبالبرهان ولا يستطيع ردّهما. ومشكلة الفلسفة ليست الاقتناع البرهاني بقدر ما تكمن في الإقناع الوجداني. ولا يمكن أن يفلح البرهان إذا عطّله الوجدان ولم يساوقه ويؤيّده. كثيرًا ما ارتبط ذكر الفلسفة إذًا بالعقل والمنطق والبرهان. ولكنّنا نحسب أنّ ربطها بالوجدان والانفعال قد بات يمثّل ضرورةً، بخاصّة إذا علمنا من شدّة وطأة الانطباعات الوجدانية السلبية تجاه الفلسفة ما علمنا، حتّى باتت تمثّل أعتى العقبات التّي تحول دونها. فهذه الانفعالات والحالات الوجدانية السلبية تجاه الفلسفة، وعلى الرغم من أنّ نواتها الصلبة واهية (انطباع، وخوف، وحكم مسبق)، فهي شديدة التأثير. إذًا لا يمكن أن نختزل الحالة الوجدانية في شحنتها البيولوجية بل علينا ربطها بامتداداتها الثقافية والتاريخية. وهذا بالضبط ما يبرّر ربطها بالتمثلّات الاجتماعية والذاكرة الوجدانية والعوائق الثقافية. على الرغم من نجاحاتها المتواترة، فإنّ علوم المعرفة قد تجاهلت الجوانب الوجدانية ولم تهتمّ بها إلّ في مرحلة أخيرة. وربما يعود هذا إلى سيطرة البراديغم العقلاني الذي طالما أعطى الأولوية للعقل والوعي على حساب اللاوعي والوجدان. وربما يعود أيضًا إلى غياب الأطر المنهجية المساعدة على مقاربة هذه الظواهر.
ثمّة تفاعل جدلي حقيقي بين الوجداني والثقافي، بين الذاكرة الجماعية واللاوعي الجمعي من جهة، والمكوّنات الوجدانية للتمثلّت الثقافية والاجتماعية من جهة أخرى. لذلك راهنت هذه الدراسة على عدّ الوجدان والعاطفة من أهم العوامل المؤثّرة في المعرفة؛ فليست التمثلّات والتصورات الاجتماعية والاتجاهات والمواقف محض ظواهر معرفية، بل هي مركّب يتداخل في مستواه المعرفي بالوجداني. ولكن ما هي الع قااات الممكنة بين آليّات المعالجة المعرفية للتمثّت الاجتماعية ل تااجاهات بأساسها الوجداني؟ وأيّ دور للعاطفة وللوجدان في هذه العمليات المعرفية؟ وكيف نفهم هذا التداخل والتفاعل المعرفي -الوجداني مطبّقًا على مدى تقبّل المجتمع العربيّ للفلسفة؟ هل يمكن أن نظفر في هذا التفاعل بما به نستطيع أن نفهم ونفسّر آليّات اشتغال المعطّلات الثقافية والأحكام المسبقة التي تحول دون نشر التفكير الفلسفي على الوجه المطلوب؟ لتبيّن ذلك، علينا أن نتتبّع هذه الع قااة في الاتجاهين معًا: أي من التمثّت الثقافية إلى الجوانب الوجدانية ومن الجوانب الوجدانية إلى التمثلّات الثقافية. فالمكوّنات المعرفية للتمثلّات الاجتماعية تؤثّر في الجوانب الوجدانية منها. والمكوّنات الوجدانية بدورها تؤثّر في الجوانب المعرفية من هذه التمثلّات. على العكس من الحالة العاطفية، فإنّ الشعور أدوم وأطول امتدادًا في الزمن. أمّ ا من جهة عدد الانفعالات الوجدانية، فإنّنا يمكن أن نميّز بين انفعالات أساسية مثل الفرح والخوف والغضب والحزن والمفاجأة والكره، وهي تعدّ انفعالاتٍ فطريةً أوليةً، وهي نفسها في كل الثقافات الإنسانية25، وانفعالات ثانوية، وهي مختلطة ومركّبة مثل الحبّ (مركّب من الفرح والقبول) أو الكره (مركّب من الغضب والاحتقار). ولا تعدّ هذه الانفعالات الثانوية كلّيةً. وهي أكثر تبعيةً للثقافة منها إلى العوامل البيولوجية؛ أي إنّ التمثلّات الذهنية والثقافية تقوم فيها بدور بارز. وهذا مهم بالنسبة إلى فهم كيفية تكوّن مشاعر الحبّ والكره تجاه الفلسفة واشتغالها. فهي مواقف وجدانية غير فطرية ولا تعدّ استجاباتٍ بيولوجيةً وإنّما هي إلى الثقافة والاكتساب أقرب؛ أي إنّ مشاعر الحبّ والكره تجاه مادّة الفلسفة هي في جوهرها مواقف واستجابات ثقافية مكتسبة، ومن هنا فهي قابلة للمراجعة والتعديل. من حيث بعدها البيولوجي إذًا، تعدّ وظيفة الانفعالات الثانوية تكيّفيةً أساسًا. إلّ أنّ هذا التكيّف عند الإنسان لا يقف في حدوده البيولوجية وإنّما يصبح ضربًا من التكيّف النفسي والاجتماعي والثقافي. لئن تمحورت التصوّرات القديمة لوظيفة الانفعالات حول جملةٍ من الأدوار السلبية مثل عدّها عناصر إرباك وفوضى، فإنّ التصوّرات الحديثة تميل إلى عدّ الأدوار الإيجابية للانفعالات القائمة أساسًا على
التكيّف والتأقلم مع المحيط وعلى الدافعية؛ فالانفعالات تقوم بدور أساسي في ربط الكائن ببيئته. وعلاقة الربط هذه، هي بالنسبة إلى شيرر26، قائمة أساسًا على المعنى الذي يعطيه الفاعل لسياق فعله منظورًا إليه من زاوية حاجاته وانتظاراته. سواء سلّمنا بأنّ الوجدان يحدّد المعرفة27، أو أنّ المعرفة تحدّد الوجدان28، ففي الحالتين هناك علاقة تأثير متبادل بينهما. إلّ أنّ ما يلائم بحثنا الراهن هو الفرضية الثانية القاضية بأنّ التأويل المعرفي الذي يعطيه الفاعلون لمعطيات السياق هو الذي يحدّد طبيعة الانفعال. في هذا الإطار وقع اقتراح عدّة نظريات لتحديد العوامل الحاسمة المتدخّلة في بناء التأويل المعرفي للسياق. تعدّ نظرية التأويل المعرفي للانفعالات أهمّ الافتراضات في فهم التفاعل الوجداني - المعرفي وتفسيره. وهي من ثمّة أقربها إلى خصوصية بحثنا. تعود نظرية التأويل المعرفي للانفعالات في أصلها إلى ماغدا أرنولد وريشار لازاريس، فهما أوّل من استعمل مفهوم appraisal الذي يعني التأويل والتمثّل المعرفي الذي يعطيه الفاعل للسياق وللحدث. وهذا المفهوم هو افتراض في تفسير الطريقة التي تولد بها الانفعالات وتبرير لاختلافها من تجربة إلى أخرى؛ أي كيف للحدث نفسه أن يولّد فينا مشاعر مختلفة. وربما يدفعنا هذا إلى استنتاج أنّ المشكل الفعلي ليس كامنًا في الفلسفة في حدّ ذاتها، بقدر ما هو مشكل في التأويل والنظرة والتصوّر. ومن دون أن نسقط في ضربٍ من الدور الفارغ، يمكن أن نعدّ أهمية تأثير المعارف والأفكار والتأويل والتمثّل في المشاعر والعواطف والأحاسيس، وأهمية هذه الأخيرة في اشتغال الأولى. بهذا المعنى تصبح العلاقة بين المعارف والعواطف ع قااةً سببيةً؛ أي إنّ السياق المادي والنفسي والوجداني والمعرفي في تداخل وتأثير متبادل. فليست المؤثّرات الوجدانية عوامل تسريع أو تعطيل للنموّ المعرفي فقط، بل هي عناصر مشكّلة للمعرفي. كذلك المعرفي في ع قااته بالوجداني. فكأنّما بياجي قد بقي حبيس النظرة القديمة وكذلك حال تلاميذه مثل الجابري. كثيرًا ما تكشف المواقف المعادية والمحاربة للفلسفة عن نفسها في شكل نفور وتذمّر ضدّ كل محاولات التأمّل والتنظير والتجريد. وعلينا أن نتعامل مع هذه الاتجاهات والتصوّرات تجاه الفلسفة بوصفها مواقف مركّبة؛ أي إنّها ليست مكوّناتٍ معرفيةً فقط بل يتداخل في مستواها الثقافي بالاجتماعي، بالنفسي، وبالتربوي. ولذلك يمكن أن نجد تفسيرًا لبعض الصعوبات الحائلة دون انتشار الفلسفة في مستوى الأسباب الواعية وغير الواعية. وهنا علينا أن نعدّهما في تداخلهما وأن نقرّ صعوبة الفصل
القطعي بينهما. إذ لو كانت هذه المقاومة معرفيةً فقط لتيسّر تجاوزها. ولكنّنا نرى أنّها وجدانية نفسية بالأساس، وبناءً عليه، يصعب تغييرها بالسرعة والوسائل والحيل ذاتها التي نغيّر من خلالها الأفكار والأحكام المنطقية والآراء. إنّ الشكوك والتهم الموجّهة ضدّ الفلسفة عادةً ما تكون مشحونةً عاطفيًا ووجدانيًا؛ والمثال على ذلك هو هذه الاتهامات: «معرفة خطيرة»، و«مقلقة»، و«عامل فوضى»، و«مصدر إلحاد»، و«مظهر تبعية»، و«جنون» و«مادّة دراسية صعبة ومعقّدة وسبب في السقوط في الامتحان». كما يمكن لرفض الفلسفة ولاستهدافها بالتذمّر والاحتراس أن يأخذا شكلً غير مباشر؛ كأن نعترض على الغرب، أو على التحديث وعلى العقلانية والتنوير، ثم نرفض الفلسفة بوصفها مداخل لذلك. من خلال حوار أجرته معه مجلة La Recherche، وفي إطار تمييزه بين الانفعالات والمشاعر، تمكّن أنطونيو دامازيو29 من تأكيد حقيقتين على غاية من الأهمية المعرفية والمنهجية، هما: الارتباط العضوي بين المشاعر والمعارف أو الأفكار. وهذا من شأنه أن يعطي المسوّغات النظرية لربط الوجدان بالثقافة وبالذاكرة الجماعية. الارتباط العضوي بين المشاعر والخبرات الضمنية implicites والميكانيزمات الآلية automatiques. ويسوّغ هذا بدوره ربط المشاعر باللاوعي الفردي والجماعي. ضمن السياق نفسه ومن خ لاا أشهر كتاباته30 ما انفكّ أنطونيو دامازيو يؤكد استحالة كنه حقيقة الوعي بمعزل عن العواطف والأحاسيس والمشاعر والجسد لأنّ الكائن البشري ليس عضويةً حيّةً أو عقلً محضًا ولا هو فكر من دون دماغ. في هذا السياق بيّن أرنولد وشيرر31 أنّ الحالة الوجدانية عادةً ما تكون محكومةً بالتقييم والتأويل الذي يعطيه الفاعل للوضعية التي يتحرّك في إطارها. وبناءً عليه، فإنّ المواقف والاتجاهات والتمثلّات التي يبنيها الناس حول مسألة الفلسفة والفلاسفة هي بالضرورة حاصل تفاعل خبراتهم المعرفية والوجدانية في شأنها. في نهاية الأمر نخلص إلى أنّ الشعور والعاطفة والحالات الوجدانية ليست استجاباتٍ ميكانيكيةً وبيولوجيةً محضة أمام المثير، وإنّما بينهما وساطة التأويل والفهم والتقييم، وساطة الثقافة والتربية والتنشئة الاجتماعية والتاريخ. وهذا وجه بارز من وجوه التفاعل الوجداني - المعرفي إزاء الفلسفة.
فليس المثير في حدّ ذاته محدّدًا لنوعية الاستجابة الوجدانية والانفعالية، وإنّما للدلالة وللمعاني التي يعطيها الفاعل لذلك المثير الدور الحاسم. وإن تمّ ذلك على نحوٍ لا واعٍ.
مفهوم المعطّلات الثقافية
نعني بالمعطّلات الثقافية أو العوائق الثقافية جملةً من التصوّرات والاتجاهات التي تحول دون تحقّق التنمية والنهوض. إنّها الثقافة وقد استحالت إلى عائق ومانع ومعطّل دون التحديث والتنوير. من جهة اللسان، يمكن للعائق الثقافي أن يُفهم على أنّه: «ما يحول دون» أو «ما يمثل حاجزًا دون». وفي الحالتين هناك إحالة إما إلى ضرب من الحاجز الذي يمنعنا من بلوغ الهدف وإما إلى عامل تعطيل يحول دون تقدّم المسار. وأمّ ا اصط حًا، فنعني بالمعوّقات الثقافية جملةً من التصورات والاتجاهات والاستعدادات الوجدانية السلبية والأنماط السلوكية التي تسير في اتّجاهمضادّ لتحديث المجتمع ونهوضه. وما يجدر أن ننبّه إليه هنا هو أنّ هذه المعوقات غالبًا ما توجّه سلوكنا على نحوٍ غير مباشر ودون أن يكون لنا، ضرورةً، وعيٌ كافٍ بها. وهذا من شأنه أن يشرّع لنا الحديث عن نوع من ال وااعي الثقافي الذي يقف وراء سلوكاتنا اليومية. وإذا كان التحليل النفسي الفرويدي قد اختزل ال وااعي في جملة المحتويات البيولوجية والغريزية المكبوتة أي التي منعت من العبور إلى نظام ما قبل الشعور، فإنّ يونغ قد أكّد أنّ ال وااعي لا يتكوّن من مواد شخصية فحسب، وإنّما كذلك من عوامل جماعية على شكل موروثات وصور أولية ونماذج بدئية Archetypes فاللّوعي له تمظهرات وأنماط وجود أخرى وهو لا ينحصر في المحتويات البيولوجية المكبوتة وإنّما يتكوّن أيضًا من كل المواد النفسية التي لم تبلغ من القوّة ما يسمح لها بعبور عتبة الوعي، «لقد أطلقت إذًا فرضية أنّ ال وااعي يحتوي في طبقاته العميقة، على مواد جماعية حيّة وفاعلة نسبيًا، وهكذا كنت مقادًا إلى التحدّث عن لاوعي جماعي»32. فال وااعي إذًا لا يعود في نشأته إلى صراعات وتناقضات رغبية وبيولوجية في مستوى شخصية الفرد فحسب، وإنّما كذلك إلى صراعات مادية تجد أساسها العميق في المجتمع والثقافة والتاريخ. هناك مؤثّرات انفعالية لا واعية (ال وااعي المعرفي) لا تستمدّ جذورها فقط من الشحنات البيولوجية المكبوتة وإنّما للثقافة والاكتساب نصيب مهمّ فيها33. ولكن متى تتحوّل الثقافة عائقًا؟ يمكن للثقافة أن تتورّط في القيام بجملة من الأدوار السلبية بخاصّة حين تأخذ شكلً أيديولوجيًا مغلقًا ولا تواكب مستجدّات العصر العلمية والمعرفية، وعندما لا تكون سندًا ودافعًا وأرضيةً م ئاامةً للفكر العق نااي والنقدي، كأن تتلبّس بمواقف رافضة ومشاعر معادية للفلسفة. وبالنسبة إلى السياق العربي الإس مااي، فإنّ الحديث عن العوائق الثقافية عادةً ما يقترن
بالحديث عن «ثقافة نقل لا عقل»، «ثقافة نصّ وأجوبة جاهزة أكثر منها ثقافة سؤال وبحث»، «ثقافة التكفير بدل التفكير» وثقافة الاتّباع بدل الإبداع. في كتابه «تكوين العقل العلمي»، حدّد غاستون بش راا العائق الإبستيمولوجي على أنّه مجموعة من التمثّت التي تمنع من طرح الأسئلة العلمية الحقيقية. فكلّ علم يبنى على أنقاض بداهات الحسّ المشترك وذلك بعد تصفية الحساب مع جملة من العوائق التي تعطّل بلورته. وما دام العقل هو الذي يتخيّل تفسيراتٍ ل شأأياء ويتصوّرها، فالعائق هو بالنسبة إلى بش راا يوجد داخل فعل المعرفة نفسه، وداخل الأعماق ال واااعية للعقل. أمّ ا على مستوى الحلول، فقد اقترح خطّةً رباعيةً: - - إجراء عملية تطهّر فكري ووجداني. - - إعادة بناء العقل. - - رفض كل الحجج المستمدّة من السلطة. - - المحافظة على روح الاندهاش والحيرة. وعلى غرار بش راا، يمكن إذًا أن نتحدّث عن «عائق ثقافي» وعن «قطيعة ثقافية». لكن بأيّ معنى؟ فإذا كان العائق الإبستيمولوجي متعلّقًا بالمعرفة العلمية، فإنّ العائق الثقافي بدوره، يتعلّق بكل الثقافة ويمكن أن نجد له تطبيقاتٍ شتّى. لا شكّ في أنّ بين العائق الإبستيمولوجي والعائق الثقافي عناصر وخصائص مشتركة. فكلاهما يقوم بدور المعطّل. وبالقطع معه تتحقّق نقلة وتطوّر. وأيضًا من حيث المكوّنات، تتظافر في تكوّنهما الجوانب الوجدانية والنفسية مع الجوانب المعرفية. تكاد تكون علاقة العوائق الإبستيمولوجية بالعوائق الثقافية علاقة الجزء بالكلّ. فالثّقافة هي الفضاء والوسط الذي تتكوّن في إطاره العوائق، ثقافيةً كانت أم إبستيمولوجية. من جهة أخرى، فإنّ العائق الإبستيمولوجي يهمّ أساسًا المعرفة العلمية، بينما يهمّ العائق الثقافي كلّ المعارف والممارسات؛ فربما يتعلّق بممارسة فنية ما، بأدب ما، بفكرة ما. ويمكن أن نستنتج أنّ العوائق الإبستيمولوجية حالة من حالات العوائق الثقافية. وك هااما يمثّل عائقًا ذهنيًا فكريًا؛ أي إنّه يسكن داخل الفكر وفي أعماق اللاوعي الثقافي. ومثلما أسلفنا، فإنّنا نستطيع أن نظفر عند بش راا بما يؤكّد وجود جوانب نفسية ووجدانية في هذه العوائق إلى جانب المكوّنات المعرفية. فليست العوائق الثقافية محض مضامين معرفية (آراء، وأفكار، واعتقادات، وتصوّرات، وأحكام، وصور) وإنّما هي أيضًا حالات وجدانية وانطباعات واتجاهات وميول. تتغيّر العوائق الثقافية بحسب الزمان والمكان. فهي تختلف من بلد إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى. فإذا كانت الثقافة الاسته كااية والقيم البراغماتية من أهمّ العوائق الثقافية في المجتمعات الغربية، فإنّ ثنائية الح لاا والحرام تمثّل أهمّها في المجتمعات العربية. فالعوائق الثقافية تنطبع بتحولّات
الزمن والتاريخ. بل إنّنا يمكن أن نتحدّث عن جيل جديد أو مظهر جديد من العوائق الثقافية ومعانٍ مستجدّة للخرافة. إنّها الثقافة التقنوية والعلموية التي لا ترى من وجاهة للمعرفة وللحقيقة إلا متى ارتبطت بالنجاعة والمردودية الآنية السريعة فستبعد بذلك المعرفة المجردة التي تبحث في المثل العليا والمعاني المطلقة والغايات القصوى للوجود البشري. إنّها الثقافة وقد أنكرت غاياتها القصوى وارتدّت إلى تابع للنظام الرأسمالي النفعي الاستهلاكي. إجمالً، وبصيغة أكثر إجرائية، يمكن أن نكثّف خصائص المعطّلات الثقافية في النقاط التالية: تتكوّن من عناصر واعية وأخرى غير واعية. - - تُعدّ من أهمّ مؤثرات السلوك اللاواعية. تتّخذ طابعًا اجتماعيًا مشتركًا، منه تستمدّ قوّتها. تتضمّن جوانب معرفية وأخرى وجدانية وهي، فيما بينها، في تفاعل مستمر.ّ تتمظهر من خلال تصوّرات واتجاهات وتتجسّد في مواقف سلبية وسلوكيات. عادةً ما تأخذ شكلً ضمنيًا لا واعيًا وهي لذلك تتطلّب تشخيصًا واستخراجًا. تتغيّر وتتحوّل بحسب السياقات والتطورات التاريخية. تبدي ممانعةً ومقاومةً عنيدةً أمام محاولات النقد والتجاوز. وهو ما يتطلّب توظيفًا خاصًّا لمفهوم «الصراع المعرفي - الوجداني - الاجتماعي» أداة إجرائيّة مساعدة في فهم التفاعلات الوجدانية المعرفية وتفسيرها في مستوى الاتجاهات والتصوّرات الاجتماعية بخاصّة من جهة علاقتها بالتغيّر وما ينجرّ عنها من مقاومة. وبما هي مفهوم إجرائي تساعد على تفسير الجوانب الوجدانية والانفعالية للاتجاهات والتصوّرات الاجتماعية وفهمها بخاصة من حيث علاقتها بالتغيّر وما يقترن به من ممانعة ومقاومة. لذلك يمثّل تجاوزها شرطًا ضروريًا للبناء الحقيقي معرفةً وسلوكًا.
خاتمة
من خلال ما تقدّم ننتهي إلى تأكيد وجود عوائق ثقافية معطّلة مسارات التحديث والتنوير والنهوض في مجتمعنا العربي. وهذه المعطّلات الثقافية بنى مركّبة لا تمارس نفوذها من خلال الأفكار والآراء والأحكام والمضامين المعرفية فقط، وإنّما بخاصة من خلال الشحنات الوجدانية والمناخ العاطفي والأحاسيس والانطباعات العامّة الحافّة بها. وبما أنّ هذا المفهوم علائقي ومركّب، فإنّ مفاهيم السياق والذاكرة واللاوعي والوجدان قد مثّلت المساحات الأساسية التي حاولنا أن نبلور حقيقته من خلالها. وقد اعتمدت إستراتيجيتنا في مفهمة المعطّلات الثقافية خطواتٍ ثلاثًا: الانطلاق من دلالة سائدة: سعينا في هذا المستوى الأول من المفهمة إلى الاستفادة من فكرة العائق الإبستيمولوجي كما طبّقه بشلار على المعرفة العلمية، وكذلك من فرضية التصوّرات -العوائق
كما يستعمل في مجال البيداغوجيا والتعلّمية. ثمّ تولينا نقد العائق الإبستيمولوجي ورسم حدوده بخاصّة من جهة عدم حسبانه المكوّنات الوجدانية واقتصاره على المكوّن المعرفي واختصاصه بمعرفة قطاعية بعينها دون القدرة على استيعاب كلّ المعارف. تخيّر المرجعيات النظرية الملائمة: وفي هذا الإطار حاولنا أن نستفيد في تجذيره نظريًا مما يقدّمه التحليل النفسي وما تقترحه علوم المعرفة وبخاصّة علوم الوجدان. التثبّت في القيمة الإجرائية لهذا المفهوم: كان ذلك من خلال امتحان قدرته على تفسير جانب من أزمة الفلسفة داخل سياقها الثقافي العربي. هكذا يتبيّن لنا أنّ مفهوم التمثّت الاجتماعية، مثلما اعتمدته التنظيرات الاجتماعية على امتداد القرن العشرين، يظل قابً لمضاعفة مستطاعه الإجرائي وطاقته التفسيرية، وذلك بالاستفادة من آخر مجلوبات علوم المعرفة بوجه عامّ وعلوم الوجدان على وجه الخصوص. وقد حاولنا في هذه الدراسة أن نبرهن على ذلك من خ لاا بناء مفهوم «المعطّت الثقافية» الذي يبسط سلطانه على التصوّرات والسلوكات اعتمادًا على التفاعل الجدلي داخله بين المكوّنات الوجدانية والمكوّنات المعرفية. وإذا كانت الحرية في جوهرها مسارًا تحرّريًا تاريخيًا أي وعيًا بالضرورات الموضوعية المتحكّمة في الفعل وتفطّنًا للمعطّت التي تحول دون انط قااته، فإنّ تشخيص هذه المعطّت يظلّ الشرط الأول للتحرّر منها. وإنّنا لنجد في ذلك مدخً أساسيًا ل نااتقال بالحداثة في المجتمعات العربية من مستوى الشعار المجرّد إلى مستوى الحداثات التطبيقية المتعيّنة. References
المراجع
العربية
الجابري، محمد عابد. تكوين العقل العربي. ط 2. بيروت: دار الطليعة،.1985
جولمان، دانييل. الذكاء العاطفي. ترجمة ليلى الجبالي. سلسلة عالم المعرفة. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2000
ريان، محمد هشام. مهارات التفكير وسرعة البديهة. الأردن: مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع،.2004 زيعور، علي. التحليل النفسي للذات العربية، أنماطها السلوكية والأسطورية. ط.4 بيروت: دار الطليعة،.1987
طرابيشي، جورج. نقد العقل العربي. بيروت: دار الساقي،.1998
طه، محمد. الذكاء الإنساني، اتجاهات معاصرة وقضايا نقدية. سلسلة عالم المعرفة. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2006
عبد الله، محمد قاسم. «سيكولوجية الذاكرة قضايا واتجاهات حديثة». سلسلة عالم المعرفة. العدد 290. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، نيسان/ أبريل.2003
فوكو، ميشيل. الكلمات والأشياء. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1990
لودو، جوزيف. «الانفعال والذاكرة وارتباطهما بالدماغ». مجلة العلوم الأمريكية. مج 21 (كانون الثاني/ يناير.)1996
ليفي ستروس، كلود. الأنثروبولوجيا البنيوية. ترجمة مصطفى صالح. دمشق: منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي،.1977
الأجنبية