جدلية التعالي والمحايثة في الفلسفة الحديثة:نقد اسبينوزا للأصول الأرسطية والأسس الديكارتية للتعالي الإلهي.
The Dialectic of Transcendence and Immanence in Modern Philosophy: Spinoza’s Critique of Aristotelian Origin and Cartesian Principles of Divine Transcendence
الملخّص
مدار القول في هذا المقال حول القضية الإشكالية :"جدلية التعالي والمحايثة في الفلسفة الحديثة" انطلاقا من مقاربةٍ مقارنةٍ للتصور اللاهوتي المسيحي للإله وخلفيته الأرسطية، والفلسفة الديكارتية ومرجعيتها العلمية، والنسق السبينوزي وأساسه الإيتيقي. كما يروم المقال إبراز الرهانات الموجهة لكل تصور والمتمثلة في الذود عن الدين بالنسبة للاهوت المسيحي. وإبعاد الإله عن الطبيعة لجعلها قابلة للتفسير العلمي بالنسبة لديكارت، وتعقيل الإله منطقيا بالنسبة لسبينوزا .
Abstract
Abstract: The article tackles the problematic «dialectic of transcendence and immanence in modern philosophy», based on a comparative approach between the Christian theological perception and its Aristotelian background; Cartesian philosophy and its modern scientific reference; and Spinoza's Ethics. The article highlights the stakes for the different conceptions: defence of religion (for Christianity); separating God from nature in order to make belief more scientifically comprehensible (for Descartes); and rationalizing theism (for Spinoza).
- الإله
- التعالي
- المحايثة
- الإيتيقا
- الطبيعة
- الفلسفة
- اللاهوت
- God
- Transcendence
- Immanence
- Ethics
- Nature
- Philosophy
- Theology
The Dialectic of Transcendence and
Immanence in Modern Philosophy: Spinoza’s Critique of Aristotelian Origin and
Cartesian Principles of Divine Transcendence
الحديثة»، انطاقًا من مقارَبةٍ مقارِنةٍ للتصور الاهوتي المسيحي لإله وخلفيته الأرسطية،
والفلسفة الديكارتية ومرجعيتها العلمية، والنسق السبينوزي وأساسه الإيتيقي. وتروم الدراسة إبراز الرهانات الموجهة إلى كل تصور، والمتمثلة في الذود عن الدين بالنسبة إلى الاهوت المسيحي، وإبعاد الإله عن الطبيعة لجعلها قابلة للتفسير العلمي بالنسبة إلى ديكارت، وتعقيل الإله منطقيًا بالنسبة إلى سبينوزا.
البيضاء، المغرب.
Professor of Philosophy, and researcher at the center of «philosophy and public affairs». Hassan II University – Casablanca. Morocco.
مقدمة
وُلدت فكرة الإله تاريخيًا في العالم القديم، مُشكّلة بذلك الإطار الذهني للثقافة الإنسانية؛
إذ لا تكاد تخلو ثقافة من تصورات لكائن متفرد حائز الكمال، ولا يقتصر الأمر على الأديان التوحيدية، بل يتعداه إلى الأشكال الروحية السابقة للتوحيد التي صاغت تصوّرها لمبدأ مثالي مفسر
لمستغلقات الوجود. تميزت الثقافات التوحيدية القديمة بإنتاج شروط إمكان صوغ ما صار عليه عالم اليوم، وتتمثل هذه الشروط في فكرة التوحيد مع الأديان الإبراهيمية، والنظام الديمقراطي مع المدينة اليونانية، والرأسمالية مع التجارة الميركانتيلية. إن المبدأ الموجّه لهذه الشروط هو فرض نموذج وحيد مهيمن في الدين
والسياسة والاقتصاد، واعتبار باقي النماذج انحرافًا من الواجب تقويمه. يرتكز هذا النموذج على تصور مبدأ متعالٍ مفارق وبعيد عن العالم. تحصر الدراسة حيّز اشتغالها في مجالين: الفلسفة والاهوت، وتحاول تقديم مقارنة تحليلية لقضية
التعالي والمحايثة من خال نماذج ثاثة: الاهوت المسيحي، وفلسفة ديكارت، وإيتيقا سبينوزا. كما تنتظم محاورها وفق الأسئلة الآتية: كيف عالجت الفلسفة قضية الإله المتعالي؟ بأي معنى دافع الاهوت المسيحي عن فكرة التعالي، ووفق أي رهانات؟ ما الذي دفع ديكارت إلى الاحتفاظ بمسلّمة التعالي الإلهي؟ وما الذي جعل سبينوزا يرفضها ويُقرّ بالمحايثة؟
أولا: التعالي الإلهي
1. اللاهوت المسيحي
أكدت أبرز الدراسات المتخصصة بفلسفة العصور الوسطى أن الاهوت المسيحي استقى مفاهيمه وآلياته المنطقية من الفلسفة اليونانية في صيغته الأفاطونية – الأرسطية التي مهّدت للفكر الديني وهيّأت له أرضية الاشتغال. تجلّى ذلك، خصوصًا، في تصوّر أفاطون للوجود وماهيته وترسيخه مبدأ
الثنائيات: النفس/الجسد، والمثال/الفكرة، والعالم المفارق/العالم المحسوس. وفي المنطق الأرسطي المبني أساسًا على العلل الأربع: العلّة المادية والعلّة الصُورية والعلّة الغائية والعلّة الفاعلة. استثمر الاهوت المسيحي بعضًا من تصوّرات الفلسفة اليونانية، وحوَّر لغتها بما ينسجم ومقتضيات
البنية الذهنية التوحيدية؛ إذ أبدع مفكرو الكنيسة لاهوتًا، يُخرس، من جهة، تعدد أصوات آلهة الإغريق؛
ويُعلي، من جهة أخرى، صوت المنطق الأرسطي المبني على مقولات الفاعل والجوهر والغاية
والعناية.
(((نقصد بالعالم القديم ثقافات الشرق القديم التي شهدت ولادة الأديان التوحيدية والفلسفة اليونانية والرأسمالية التجارية. (((سنعتمد بهذا الخصوص الدراسة المهمة لأتين جلسون، روح الفلسفة المسيحية: في العصر الوسيط، ترجمة وتعليق إمام عبد الفتاح إمام، ط 3 (القاهرة: مكتبة مدبولي،.)1997 (((أرسطو، الفيزياء–السماع الطبيعي، ترجمة عبد القادر قنيني (بيروت: إفريقيا الشرق، 9981)، ص.50
ربط الاهوت المسيحي الوجود بنظام العلل الأرسطي من خال تأكيد مُسلّمة مفادها أن الموجودات
كلها تفترض بالضرورة موجِدها، ولا يمكن أن توجد من دون علّة؛ فسمى هذه العلّة الفاعلة الإله الذي تنهض الموجودات دليلً على وجوده انطاقًا من التازم المنطقي بين العلّة والمعلول، على اعتبار أن الموجودات لا يمكن أن تكون علّة نفسها، فهي بحاجة إلى علّة خارجية تمنحها الوجود. لكن وجه الضعف في هذا الاستدلال يكمن في الإحراج المنطقي الذي يمكن بسطه على الشكل الآتي: – إذا كان كل موجود بحاجة إلى علّة كي يوجد؛ والإله هو هذه العلّة؛ فمن أوجد الإله؟ – كيف يمكن لكائن أن يكون علّة ذاته؟ مع تقدم العلم أن كل حديث عن العلّة يفترض بالضرورة حديثًا عن الفعل، ومن ثمّ فكي يتحقق الفعل يجب أن تسبقه علّته. – إذا كان الإله موجودًا قبلً فا حاجة له إلى علّة، وإذا كان غير موجود؛ فكيف يمكن أن يكون علّة ذاته وهو عدم؟ يصادر الاهوت على مسلّمات غير بينة بنفسها للخروج من هذه المفارقات، حين يقدم الإله بوصفه علّة أولى حرة، وأكد ضرورة الفصل بين العلّة والمعلول، أي تعالي العلّة وتمايزها من المعلولات، ثم ترسيخ عبثية البحث الانهائي عن علل لانهائية. ومن ثمَّ قال بالعلّة الأولى التي تشهد لنفسها
بنفسها وتنهض دليلً على مبدأ الغاية من حيث هو مبدأ غير قابل للنقاش. ووظّف بذلك خلفيات المنطق الأرسطي وعطّل الميتافيزيقا اليونانية المُشكَّلَةِ بفكرة تعدد الآلهة وصراعاتها، التي لم تجد
أدنى مفارقة في وجود آلهة متعددة، بل اعتبرت ذلك إغناءً للتجربة الدينية والإنسانية على حد سواء،
في حين رفض الاهوت التوحيدي تعدد الإلهة، لذلك عمل على تجميع صفات الآلهة الأسطورية
في كائن واحد باعتباره مبدأ للوجود، ثابتًا، ومنفلتًا من الزمن، وقائمًا في لحظة طولها الأبد، وهو
الضامن لاستمرار العالم. ينطلق القديس أوغسطين من الذات الإنسانية محاولً إثبات وجود الله وفق تراتبية لاهوتية يكون بموجبها الإله متعاليًا. نقرأ له في هذا المعنى: «أما الآن وقد تعهدت لي، يا إفوديوس بأنني لو برهنت
لك على أن ثمة كائنًا أسمى من أنفسنا الناطقة، فسوف تسلّم بأنه هو الله، ما دام ليس هناك من هو أسمى منه فقبلتُ هذا، ثم قلت لك حسبي أن أبرهن على أن ثمة وجودًا لكائن أسمى من عقولنا. ذلك لأنه لو صح أن ثمة كائنًا أسمى من الحقيقة يكون هذا الكائن هو الله، وأما لو لم يصح ذلك، تكون الحقيقة عينها هي الله. وعليه فإنه في كلتا الحالتين لن يكون بمقدورك أن تنكر أن الله موجود». يؤوّل الباحث جاريث ب. ماثيوز هذا المقطع من جهة اعتباره تأكيدَ انخراط تصور القديس أوغسطين
لإله في مُسلّمة التعالي التي لا يمكن لعالم لاهوت أن يخرج عنها. كتب في هذا السياق: «إن الهدف
الذي يصبو إليه أوغسطين بفكرته عن سلّم الكائنات قد لا يظهر [...] منذ الوهلة الأولى، لكنه في
(((المرجع نفسه، ص.68 (((جاريث ب. ماثيوز، أوغسطين، ترجمة أيمن فؤاد زهري (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 0132)، ص.147
الحقيقة لم يكن شيئًا آخر سوى النظر إلى الله بحسبانه الكائن الأعلى الذي يعتلي قمة هذا السلم ولا يعلوه شيء على الإطاق». إذا كان القديس أوغسطين قد وضع الاهوت في تراتبية صارمة للوجود يعتلي الإله قمة هرمها، بوصفه علّة الموجودات وعلّة نفسه، وقدم تصوّرًا ملتبسًا لله من حيث كونه غير قابل للفهم والإحاطة
بحجة لا تناهي الذات الإلهية قياسًا على الذات الإنسانية، فإن نقولاس الكوزاني Nicolas de Cues
(64–140114) وظف الرياضيات بوصفها ممارسة تجريدية تحرر الذهن من المحسوسات للوصول إلى الإله المتعالي. عبر عن ذلك كاتبًا: «إذا كنّا نريد أن نصل إلى الحد الأقصى المطلق عن طريق
المتناهي، فينبغي لنا أن ندرس الأشكال المتناهية الرياضية [...] ثم علينا بعد ذلك أن نعزو إليها الكمالات المقابلة للأشكال الامتناهية، وعلينا أخيرًا بطريق أكثر سموًّا أن نعزو كمالات الأشكال
الامتناهية إلى الامتناهي في حدِّ ذاته، وهذا أمر لا يمكن التعبير عنه بأي شكل. عندما نتحسس طريقنا في الظام، سوف ينير لنا جهلنا الطريق بصورة غير مفهومة ليمكّننا من تكوين مفهوم أكثر صحة وصدقًا عن المطلق». لا تخفى الخلفية الأفاطونية في ما قدمه داكوستا، سواء على المستوى المنهجي أم في رهاناته؛ فمنهجيًا
يتضح أن الجدل الصاعد يتحقق بالممارسة الرياضية لتطهير الذهن من أردان عالم المحسوسات، وتمرينه على تعقُّل المجردات باعتبارها مثُلً في عالم مفارق «حقيقي»، أما الرهان، فيتجلّى في الوصول إلى المطلق، أي الإله بمسالك ليست تجري مجرى الدلائل العقلية، إنما تتحقق بالإيمان المطلق الذي وصفه داكوستا بالصحة والصدق. يُطرح إشكال اليقين والوضوح على نظرية الجهل الحكيم التي تحتاج إلى أساس عقلي متين يقيها
أمواج الشك والارتياب في عصر تقرر فيه أن الحقيقة ليست كذلك إلا إذا أخضعت للشك الجذري، خصوصًا بعد الثورة الكوبرنيكية التي جعلت من الطبيعة المرجع العلمي الجوهري في اختبار الحقائق، لكن النظر إلى الطبيعة، بحسب الاهوت المسيحي، يتجاوز البعد الفيزيقي المحكوم بقوانين رياضية إلى التأمل في ما وراء الظواهر الطبيعية بهدف الوصول إلى حقيقة الصانع. أما الانكباب على دراسة الطبيعة موضوعيًا، فربما يمثّل نقطة بداية إسقاط القداسة عن «الحقائق»، وتوجيه النظر الإنساني نحو
الأرض وقضاياها. انتبه فاسفة العصور الوسطى المسيحيون للبعد العلمي الصارم لنظام الطبيعة الذي يصعب على التفسيرات الاهوتية الصمود أمامه، واعتبروا أن «فكرة الطبيعة هي بالضرورة فكرة معادية للمسيحية أو هي ضد المسيحية»، ويمكن قراءة هذا الرفض باعتباره مبررًا لإبعاد الطبيعة عن العقل الوضعي والاكتفاء بتأمّلها لتمجيد خالقها وتقديسه. لذلك انصبّت الاجتهادات الاهوتية على فكرة جوهرية تقول إن كل ما
(((المرجع نفسه، ص.146 (((جيمس كولينز، الله في الفلسفة الحديثة، ترجمة فؤاد كامل (القاهرة: مكتبة غريب، 9731)، ص.14 (((جلسون، ص.416
يقع في الطبيعة، سواء كان تعبيرًا عن نظام متناغم أم إفصاحًا عن مصادفة عبثية، ليس إلا برهانًا على التدبير
الإلهي للطبيعة، وعلى العناية بها التي لا يمكن إدراكها خارج مُسلّمة التعالي الإلهي.
2. الفلسفة الحديثة
لم تنفلت الفلسفة الحديثة من معالجة قضية الإله، سواء اعتقادًا أم انتقادًا. ومردّ ذلك إلى التشابكات المفاهيمية للنسق الثقافي الغربي الذي تعود منابعه إلى الفلسفة اليونانية، وتبلوت في الاهوت المسيحي وتجسّدت في الفلسفة الديكارتية. وهو ما فرض تفكيكًا لهذه الشبكة المفاهيمية انسجامًا
ورهانات الحداثة المتمثلة أساسًا في نسف المسلّمات الاهوتية بنقد النظرة الأرسطية إلى العالم. بناء عليه، تواجه كل محاولة للتفكير في قضية الإله في الفلسفة الحديثة مجموعة من الأسئلة، يمكن بسطها كالآتي: ما الذي دفع فاسفة الحداثة للتفكير في موضوعة الإله؟ هل يتعلق الأمر بإكراهات دينية مرتبطة بالكنيسة وسلطانها؟ أم هل أن مردَّ ذلك مآرب تتعلق بضرورة تفكيك البنية السلطوية الاهوتية عبر نقدها وكشف مضمراتها السياسية؟ أم هل أن الإله كان بحاجة إلى نفَسٍ فلسفي يُخلّصه من بِرَك اليقين الاهوتي الآسنة؟ هل قارب فاسفة الحداثة موضوعة الإله بخلفيات لاهوتية وآليات
سكولائية؟ كيف فكّروا في إشكال التعالي الإلهي؟ هل يمكن اعتبار تصوراتهم امتدادًا لاهوتيًا لتصوّر
مفكري الكنيسة، بالنظر إلى توظيفهم مفاهيم مثل الاتناهي والتعالي والإرادة؟ أم هل أنهم طوّعوا الإله
لغايات واعتبارات تنسجم ورهاناتهم الفكرية؟ يمكن رد أسباب انهمام الفلسفة الحديثة بموضوعة الإله إلى اعتبارات عدة: أولها نفوذ سلطان الكنيسة وضرورة أخذ اعتباراته في الحسبان، وثانيها متطلّبات الزمن الفلسفي للحداثة، خصوصًا بعد عجز الاهوت عن مجاراة قوة الاكتشافات العلمية للثورة الكوبرنيكية؛ إذ انتزع العلمُ الطبيعة من الدين وصيّرها كتابًا مفتوحًا وقابلً للتفسير دونما حاجة إلى قوى مفارقة. وهكذا فَقدَ الاهوت أبرز مجالات
اشتغاله، بالنظر إلى كون الطبيعة هي الفضاء الذي تشتغل فيه المسلّمات الاهوتية لابتداع براهين على وجود قوة مفارقة خارقة تراقب العالم من عَلٍ. وثالثها الطموح الفلسفي المشروع المتمثل في التحرر من سلطة الإله وفتح آفاق جديدة للتفكير في قضايا الإنسان بالإنسان، وخلق صيغ للحياة مغايرة للنسق الاهوتي في الأخاق والسياسة والاجتماع. يفضي التدقيق في الاعتبارات الثاثة لسبب اهتمام الفلسفة الحديثة بموضوعة الإله إلى استخاص نتيجة مفادها أن وراء تلك الاعتبارات سببين رئيسين: الأولسجالي متمثل في الصراع ضد الكنيسة. والثانيعلمي معرفي محدد في ضرورة فسح المجال للعلم الحديث لغزو الطبيعة واكتشاف قوانينها بعيدًا من التفسيرات الاهوتية. ويتضح أنها مسوّغات خارج الفلسفة ترتبط بالشرط التاريخي والسياسي
لزمن الحداثة. لكن يبدو أن سبب انشغال الفلسفة الحديثة بفكرة الإله أعمق مما ذكر آنفًا؛ إذ يرتبط بما يمنحه الاشتغال على موضوعة الإله للفلسفة من قدرة على إبداع المفاهيم. يقول جيل دولوز (–1925
9951) في هذا المعنى: «تقدم موضوعة الإله إمكانات هائلة لتحرير طاقة الفلسفة الإبداعية»؛ ولتوضيح ذلك قابل بين تناول الفن التشكيلي ومعالجة الفلسفة لفكرة الإله، حيث وظّف الأول (الفن) فكرة الإله لتحرير الصور والأشكال والخطوط والألوان بقصد التعبير عن المصموت عنه في الاهوت. أما الثانية (الفلسفة) فوجدت في فكرة الإله مطيّة لتفجير طاقاتها المفاهيمية والإفصاح
عن مصموتها والكشف عن مفارقات الدين وتناقضاته من دون أن يثير ذلك شكوكًا، ما لم يكن الاشتغال عميقًا وقويًا كما كان الشأن في النص السبينوزي الإيتيقا. أحدث سبينوزا تحولً فلسفيًا عميقًا في كتابه النووي الإيتيقا، عبر نقد جذري لمسلّمة التعالي
الإلهي والإقرار بالمحايثة باعتبارها الشرط الأنطولوجي الحديث لفهم الإله. وذلك في تمايز جلي من نظرائه، خصوصًا ديكارت، وهذا ما يفرض إبراز التمايزات المنهجية بين النسق السبينوزي وفلسفة ديكارت. تقدم فلسفة ديكارت نفسها باعتبارها قطيعة مع التراث الفلسفي اليوناني، غير أن النصوص تبرهن خاف ذلك؛ إذ لم يقطع ديكارت مع العقل الاهوتي، ويتجلّى ذلك في مفهوم الإله الذي فرضت الثورة الغاليلية إعادة النظر في ماهيته ووظيفته؛ إذ انبرى ديكارت لذلك عندما أحدث تغييرًا في الهرم
الأنطولوجي؛ بوضع الإنسان في قمته، بوصفه ذاتًا مفكرة ومنتجة للمعرفة وقادرة على فهم الطبيعة والتحكم فيها. وأبعد الإله عنها الذي صار خارج العالم؛ أي علّة متعالية لا ترمز للطبيعة، أما دوره فينحصر في ضمان المعرفة المنتجة من الإنسان. وظّف ديكارت الصفات الاهوتية لله كي يُعطّله؛ فإذا كان الإله كائنًا كاملً ولامتناهيًا ومطلقًا، فإنه في
غنى عن الفعل، بل يستحيل عليه، لأن الفعل لا يصدر عن الكائن الكامل، بل هو صفة الكائن الناقص؛ أي الإنسان. صحيح أن الإله خلق العالم، لكن عملية الخلق هذه تمت مرة واحدة ولا يمكن لإنسان إدراكها، كل ما بوسعه هو مباشرة الطبيعة وغزوها بما أودعه الإله فيه من أفكار فطرية. يتضمن التصور الديكارتي في ثناياه بذورًا لاهوتية، تتجلّى في تأكيده كون الإله فكرة غير قابلة للفهم، حيث يمكن تصوّره، لكن لا يمكن فهمه؛ لأنه يتجاوز العقل الإنساني بالنظر إلى كونه ذاتًا
متعالية تتموضع خارج العالم، خلقت الحقائق والأشياء بإرادة حرة مطلقة، ومن ثمَّ فهي الضامن
(9) Gilles Deleuze, «Cours sur Spinoza de 1978 à 1981,» accessed on 29/4/2018, at: https://bit.ly/2jeaGuQ
1(((ركّزنا على كتاب الإيتيقا دون كتاب الرسالة الموجزة في الله وفي الإنسان وسعادته، وذلك بحكم ظروف كتابة هذه الدراسة. ينظر المقدمة التي خصّها جال الدين سعيد لترجمته وكتب فيها شارحًا الفرق بين كتاب الإيتيقا والرسالة الموجزة: «وهذا فضلً عن
أن التشابه بين الرسالة والإيتيقا لا يترك مجالً للشك في قرابتهما بوصفهما تعبيرين مختلفين لنفس المفكر، غير أن أحدهما يفوق
الآخر نضجًا وعمقًا واكتمالً. لكن ما من شك أيضًا أن النص الأصلي للرسالة لم يبق بمأمن تام من التحريف، فزيدت بعض الجمل
وفُقدت بعض المقاطع». ينظر: باروخ سبينوزا، رسالة في إصاح العقل: رسالة موجزة، ترجمة جال الدين سعيد، مراجعة صالح مصباح (تونس: دار سيناترا، المركز الوطني للترجمة، 0102)، ص 69.
(11) René Descartes, Discours de la méthode suivi de la dioptrique , Frédéric de Buzon (trad), (Paris: Edition Gallimard, 1991), pp. 107–111.
(((1 من ضمن هذه الأفكار الفطرية فكرة كائن كامل لامتناه.
لها من خارج مطلق. ولمّا كان ذلك كذلك، فيمكن افتراض أن كان بإمكان هذه الحقائق أن
تكون على غير ما هي عليه؛ أي إنها ليست تشهد لنفسها ماهويًا، بل تحتاج إلى ضامن خارجي منفصل عنها. يتبدى الإله في الفلسفة الديكارتية لامتناهيًا ومتعاليًا، لا يمكن تحصيل فهم عقاني لذاته ولا لصفاته؛
لأن طبيعته تندُّ عن الفهم البشري. لكن يمكن إثبات وجوده، وذلك بالانطاق من الذات المتناهية وإخضاعها للشك في مستوييه المنهجي والجذري؛ فالشك المنهجي يحرر العقل من سلطة الحواس والمعتقدات ويقوده إلى البحث عن الحقيقة في العلوم، والشك الجذري يؤسس اليقين الميتافيزيقي لقضايا الإله والنفس والجسد. والنتيجة التي ترتبط بذلك هي أن الطريق إلى الإله لم تعد مرتبطةً، كما كان الأمر مع داكوستا، بالسير في ظام الجهل الحكيم، بل صارت مقترنة بتفكير منهجي أساسه الشك لهدم الأفكار الزائفة، وإعادة بناء الحقيقة على قاعدتي البداهة والوضوح العقليين، كما تُنبنى عليه مفارقات غير قابلة للحسم إلا بشرط هدم البناء من أساسه. وأولىهذه المفارقات اعتبار الإله فكرة تتجاوز حدود العقل الإنساني، ومن ثمّ لا يمكن فهمه على اعتبار أن الفكرة الواضحة هي الفكرة الحاضرة أمام العقل،
والإله لغز غير قابل لاستحضار بسبب بعده عن العالم والإنسان. من ثمَّ تطرح المفارقة الثانية متمثلة في وظيفة الإله المتعالي والمتواري عن العالم، التي حددها ديكارت في ضمان الحقائق العقلية بتقديم تعلّة الشيطان الماكر والإله المخادع، والإله كامل لا يجوز عليه الخداع، وبناء عليه فهو الضامن المتعالي لكل الحقائق. أما المفارقة الثالثة، فترتبط بماهية الحقائق التي اعتبرها ديكارت حقائق ماهوية افتراضية مرتبطة بالإرادة والقدرة الإلهيتين، أي إنها لا تقوَّم بذاتها وتشهد
لنفسها، وإنما تتقوَّمُ بالمشيئة الإلهية الغامضة. يتضح إذًا أن فكرة التعالي شكلت الأس المشترك بين التفكير الاهوتي والتفكير الفلسفي في موضوعة الإله؛ مع تسجيل تباينات بين كل تصور بحسب رهاناته؛ فالاهوت المسيحي دافع عن التعالي الإلهي انسجامًا مع التراتبية الدينية التي يكون الإله بموجبها بعيدًا من العالم ومتعاليًا عنه،
وغير قابل للمعرفة، لترسيخ سلطانه في النفوس من جهة، وتأكيد الحاجة إلى وسطائه من جهة أخرى. أما الفلسفة، فوظّفت فكرة التعالي الإلهي لمآرب أغلبها عقدي، متمثلة في ضرورة تقبّل
العالم كما هو بوصفه أفضل العوالم الممكنة الذي لا يجوز الشك في كماله، والتذمر من غرابته والتمرد على عبثيته. وبعضها معرفي مع ديكارت الذي حاول استغال مسلّمة التعالي لإبعاد الإله عن العالم، وإعادة تأسيس ميتافيزيقا للعلم الحديث يتحرر فيها الإله من مقولات المشيئة والقدرة، ويُنظر إليه باعتباره مهندسًا لعالمٍ مُنظّم فيزيائيًا. يبدو في نهاية التحليل أن كل قول بالتعالي يخدم في الأساس التفكير الاهوتي، ويفقر طاقة الفلسفة، ويرسخ قيم الخضوع، ويقوي بنية الاستبداد. كتب دولوز في هذا المعنى: «يوجد الدين كلما كان هناك
(13) Descartes, Discours de la méthode , p. 109.
تعالٍ، كائن عمودي ودولة إمبريالية في السماء أو على الأرض؛ أما الفلسفة فتوجد حيث توجد محايثة حتى لو استخدمت حلبة للصراع والمنافسة».
ثانيًا: المحايثة
1. النسق السبينوزي وطرائق الإدراك
تفرض كل قراءة، تستهدف فهم النسق السبينوزي، الانطاق من تصوره لطرائق الفهم، ويحددها سبينوزا في ثاث: – الرأي: تتشكل فيه الأفكار عبر النظام الشفوي المبني على سلطة الخطيب المفوّه وسلطان الكام
المتوارث، في مقابل سلبية المتلقي المستمع القابل للتصديق والتسليم والطاعة العمياء للمتكلم، بسبب تعطيل ملكات النقد والفحص والسؤال. – العلل: تتشكل فيها الأفكار انطاقًا من ربط العلّة بالمعلول أو استنتاج نتائج من أمر عام. يعتبر هذا النمط من الإدراك أسمى من الرأي، غير أنه يبقى عاجزًا عن إدراك حقيقة الأشياء في ذاتها على اعتبار أنه بحاجة إلى وساطة تمكّنه من الفهم. – الماهية: إدراك حقيقي لماهية الأشياء وكنهها با وسائط. تتحقق فيه المعرفة المتطابقة مع موضوعها. ولا يمكن لهذه المعرفة أن تتحقق إلا بالانطاق من الفكرة الكاملة الواضحة والمطلقة التي في ضوئها يسير العقل مكتشفًا الحقيقة ونقائضها في الآن عينه. يفرض هذا النمط من الفهم اشتغالً محايثًا على ماهية الأشياء من دون إحالات خارجية كما هو الشأن في الرياضيات «التي تُعنى، ليس بالغايات، وإنما بماهيات الأشكال وخصائصها، والتي أشاعت أمام الآدميين معيارًا آخر للحقيقة».
2. في الفرق بين إله ديكارت وإله سبينوزا
يتقاطع النسق السبينوزي مع المنهج الديكارتي في كونهما يسلّمان بأن الامتناهي شرط أساسي لتحقق المتناهي، من دونه لا يمكن للأشياء أن توجد ولا أن تفهم. غير أن الفلسفتين تتمايزان في تصورهما لله؛ فإذا كان ديكارت يعتبر الإله فكرة أولى، فإن اكتشافها يتم بعد إخضاع الذات لاختبار الشك المنهجي، ويترتب على ذلك مفارقات: أولاها أن الإله فكرة تتجاوز الفهم، حيث يمكن تصوره ولا يمكن فهمه. وثانيتها أن الإله مبدأ متعالٍ وليس مفهومًا قابلً للتعريف والضبط.
وثالثتها أن الإله متعالٍ ومطلق الحرية وغير خاضع لضرورات منطقية. ورابعتها أن الإله خالق
(((1 جيل دولوز وفيليكس غتاري، ماهي الفلسفة؟ ترجمة ومراجعة وتقديم مطاع صفدي (بيروت/ الدار البيضاء: مركز الإنماء القومي/ المركز الثقافي العربي، 9971)، ص.62 1(((باروخ سبينوزا، علم الأخاق، ترجمة جال الدين سعيد، مراجعة جورج كتورة (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 0092)، ص.74
لحقائق ماهوية وافتراضية كان في الإمكان أن تكون على غير ما هي عليها. وخامستها أن الإله منفصل عن العالم. تأسيسًا على ذلك؛ يمنع التصور الديكارتي كل تواصل بين الإله والإنسان، ويحصر التفكير في الإنسان
وحده، ويُصيّر الذات مركزًا مغلقًا وبعيدًا من الكائن المطلق. وهذا ما انشغلت إيتيقا سبينوزا بنقده عبر
الحرص الدقيق على قضية التعريف باعتبارها نقطة ارتكاز محورية تجعل الفهم ممكنًا، وتقود العقل إلى بناء تصور واضح للحقيقة دونما إحالات خارجية، أي بالاشتغال المحايث على الماهيات. لذلك بدأ كتاب الإيتيقا من التعريفات الدقيقة وأولها تعريف علّة ذاته. نقرأ في التعريف الأول: «أعني بعلّة ذاته ما تنطوي ماهيته على وجوده، وبعبارة أخرى ما لا يمكن لطبيعته أن تتصوّر إلا موجودة»، بمعنى
أنها – أي علّة ذاته – تتضمن ماهيتها وجودَها، وهذا ما يجعلها فكرة كاملة وتامة وواضحة، ومن ثمَّ يصير التساؤل عن صدقها المنطقي غير ذي جدوى، كما أن محاولة إثبات وجودها طعن في ماهيتها. تكمن أهمية تأكيد تعريف «علّة ذاته» في كونه وسيلة للبرهنة على معقولية الجوهر الفريد المكتفي بذاته – أي الإله – من حيث هو علّة ذاته وعلّة كل شيء؛ إذ إن طبيعة الجوهر تفترض بالضرورة المنطقية ألا يكون مخلوقًا بحكم اكتفائه بذاته وإلا لاستحال إلى غيره، والجوهر فريد لا غير له. بتعبير آخر لا يمكن القول بتعدد الجواهر لأن ذلك يعني وجودًا متعددًا، ومن ثمّ سيكون كل جوهر بحاجة إلى جوهر آخر كي يوجد، وهذا محال بحكم طبيعة الجوهر وماهيته الكاملة والمطلقة التي تنفي عنه النقص والحاجة. هذا إضافة إلى أن ذلك طعن منطقي في ضرورة وجود علّة أولى لا علّة قبلها تدفعها للفعل، وتيه في سلسلة من العلل التي تكون بموجبها كل علّة بحاجة إلى علّة أخرى، وهكذا يمر الأمر إلى غير نهاية، ما يسمح لاهوت بترسيخ ضرورة وجود قوة متعالية تتلبس أسماءَ شتى؛ فهي المحرك
الذي لا يتحرك بلغة أرسطو، وهي الإله بلسان الدين، وهي مأوى الجهل في إيتيقا سبينوزا. حرص سبينوزا على الدقة في التعريف لسد الطريق على منابع الخلط والالتباس اللذين وقع فيهما ديكارت حين فصل بين الشيء وخصائصه. وفي هذا يقرأ مارسيال غيرو (1976–1891) هذا التعريف، بوصفه نقدًا ضمنيًا للتصور الديكارتي لإله الذي تُفصل فيه الماهية عن الوجود، أو خصائص الشيء
عن الشيء ذاته. إن فصل الإله عن ماهيته وتعريفه بخصائصه سيقود إلى القول إن الإله يتقوّم بقدرته
دون ماهيته، مع ما يترتب على ذلك من ترسيخ لمقولة القدرة الإلهية المنفلتة من كل ضبط عقاني. يعيد ألكييه فكرة «علّة ذاته» إلى ديكارت الذي حاول عقلنتها بتأكيد أن الإله هو علّة ذاته، في اختاف جذري مع السكولائيين، خصوصًا القديس توما الأكويني؛ بمسوّغ منطقي مفاده أن اعتبار كائن علّة
ذاته يفترض أنه موجود قبل أن يوجد. أما سبينوزا، فنظر إلى الأمر من زاوية هندسية رياضية تكون بموجبها العلّة الأولى لازمانية وغير معنية بتأكيد الوجود لأنه متضمن في ماهيتها. ومن ثم يتأسس البرهان القبلي الأنطولوجي على وجود الإله.
(1((المرجع نفسه، ص.31
(17) Martial Guéroult , Spinoza: Dieu (Éthique, 1), (Paris: Aubier–Montaigne, 1968), p. 40.
3. البرهان القبلي
إذا كان من الضروري تقديم براهين على وجود الإله، فمن المنطقي أن تنسجم هذه البراهين وماهية الإله، لذلك أكد سبينوزا البرهان القبلي على وجود الإله من حيث هو واجب الوجود؛ بمعنى إن الإله من حيث هو جوهر فريد لامتناهٍ لا يمكن إلا أن يوجد. فكل ماهية كان هذا شأنها وتتضمن تضمنًا مازمًا وجودها لا تحتاج إلى برهان بعدي لإثباتها، بل قد تصير البراهين البعدية حشوًا لغويًا وخُلفًا منطقيًا. كتب سبينوزا مؤكدًا: «يمكننا إثبات وجود الإله ببرهان قبلي وبرهان بعدي، بل لعل البرهان
القبلي هو الأجدى، لأن الأشياء التي نثبتها بصورة بعدية إنما يكون إثباتها بعلتها الخارجية، وفي هذا عيب واضح، لأنها لا تتجلى بذاتها وإنما بأسباب خارجية». ياحظ سبينوزا على فلسفة ديكارت أنها «تبتعد عن معرفة العلّة الأولى لجميع الأشياء»، وهذا مرد «الخطأ الكبير» الذي أضلّ أبا الحداثة، وجعله ينطلق من الذات ويتوسل الشك سبيلً للحقيقة، ثم يرمي الإله خارج العالم ليبحث له عن براهين خارجية تشهد له. تكمن جدة النسق السبينوزي في تجاوزه ثغرات المنهج الديكارتي، بتأكيد معقولية العلّة الأولى واعتبارها شرطًا أساسيًا لفهم الجوهر من حيث هو «ما يوجد في ذاته ويتصور بذاته: أي ما لا يتوقف
بناء تصوره على تصور شيء آخر». يربط هادي رزق في هذا السياق بين التعريف الأول والتعريف الثالث لتوضيح أن رهان الإيتيقا من توظيف «علّة ذاته» رهان أنطولوجي، وقرينته على ذلك أن سبينوزا حرص على تأكيد أن الماهية تنطوي على الوجود، وأن الجوهر يتصور بذاته. وهذا ما يمنح إمكان فهمه منطقيًا عبر المعرفة الحدسية. رفض سبينوزا المصادرة الديكارتية القائلة بامتناع معرفة الإله، مؤكدًا أن الإله فكرة قابلة للفهم منطقيًا
وأنطولوجيًا، وأنه علّة أولى محايثة للعالم تخضع لضرورة ماهيتها الأزلية التي تتجسد في قوانين
الطبيعة الثابتة من حيث هي تعبير عن القدرة الإلهية. كما راهن على ردم الهوّة الأنطولوجية بين الوجود
المطلق والموجود، أي بين الإله والعالم عبر مفهوم العلّة المحايثة وربطها بمفاهيم الاتناهي والجوهر والصفات والأحوال. لم يكن ممكنًا لسبينوزا التفكير في موضوعة الإله خارج السياق الحديث الذي وضع ديكارت أسسه، غير أن إدراج النسق السبينوزي ضمن التقليد الديكارتي مؤشر على معرفة سطحية بالفلسفة الديكارتية ودليل جهل مطبق بالنسق السبينوزي. صحيح أن سبينوزا بدأ ديكارتيًا أول أمره بعد أن تلقى دروسًا في
1(((باروخ سبينوزا، رسالة في إصاح العقل، رسالة موجزة ترجمة جال الدين سعيد، مراجعة صالح مصباح (تونس: المركز الوطني للترجمة، 0102)، ص.81–80 1(((باروخ سبينوزا، مبادئ فلسفة ديكارت، أفكار ميتافيزيقية، مراسات، ترجمة جال الدين سعيد، مراجعة صالح مصباح (تونس: المركز الوطني للترجمة، 0152)، ص.200 2(((سبينوزا، علم الأخاق، ص.31
(21) Hadi Rizk , Comprendre Spinoza (Paris: Armand Colin, 2006), p. 24.
الديكارتية، غير أنه قتل أبا الحداثة بعد توظيفه؛ إذ دفع بفلسفة الأستاذ إلى حدودها القصوى لإبراز مصموتها، ونعني به الاهوت الذي هادنه ديكارت، بل خدمه فلسفيًا. أما فلسفة سبينوزا فهي أجرأ تعبير
عن ماهية الفلسفة باعتبارها بحثًا عن الحقيقة ومقاومة للأغاليط الاهوتية. تبنّى سبينوزا تصور ديكارت لعاقة الجوهر بالأحوال، غير أنه حدد هذه العاقة في معناها الأنطولوجي من حيث هي إلهام روحي للعلّة المحايثة؛ بمعنى إن الجوهر ليس متعاليًا عن صفاته وأحوالها، بل
ثمة عاقة أفقية محايثة ينظمها قانون التفاعل الأزلي. اتخذت عاقة العلّة المحايثة بالجوهر والصفات والأحوال في بداية كتاب الإيتيقا صورة عاقة داخلية بين مفاهيم صورية تتطابق فيها الماهية بالوجود، ثم انتهت إلى عاقة أنطولوجية وجودية، حيث صارت العلّة ماهية. وهذا ما استعاره سبينوزا من ديكارت؛ إذ ربط ماهويًا بين العلّة والماهية والقدرة. كما أن مفهوم الصفة احتفظ بالمعنى الديكارتي، بوصفه مانح المعقولية للجوهر، ولم يضف سبينوزا إلا بُعدًا
جديدًا هو أن الصفة علّة أيضًا. وبناء عليه، صارت الصفة ضرورة ومبدأ داخليًا للبرهنة وآليةَ تفسير وجود
الأحوال، ولم تعد مكتفية بذاتها ومنغلقة عليها. تبدأ القطيعة الكبرى بين ديكارت وسبينوزا بخصوص قضية التعالي الإلهي من القضية الثامنة عشرة التي تقول: «الله علّة محايثة Immanens) Causa (لا متعدية للأشياء جميعًا»، حيث استبعد سبينوزا مسلّمة التعالي الإلهي، ومسوغه في ذلك هو أن كل محاولة لتفسير الوجود ينبغي لها أن تكون داخلية وليست خارجية؛ إذ إن كل ما يوجد لا يمكن تفسيره إلا بما يوجد، أي بالطبيعة الطابعة والطبيعة المطبوعة بحكم عاقتهما المحايثة التي يتم فيها التفاعل بين ما يتحقق وعلّة تحققه. بمعنى إن الطبيعة المطبوعة تجلٍ للطبيعة الطابعة. وتأسيسًا على ذلك؛ لا يمكن بحسب سبينوزا فهم الوجود من زاوية نظام العلل الديكارتي، بل يتحقق الفهم السليم عبر نظام الأشياء. مع التشديد على أن نظام الأشياء السبينوزي ليس نظامًا تراتبيًا قيميًا تأتي
فيه الطبيعة بعد الإله، إنما الطبيعة هي الإله natura sive Deus. يترتب على الضبط الإيتيقي لمفاهيم العلّة والجوهر والصفة والأحوال تعطيل الأسئلة الزائفة، مثل: «هل الإله موجود؟ لا لكونه سؤالً فاقدًا للمعنى، بل لأن سؤالً هذا شأنه يماثل السؤال: هل كل ما يوجد موجود؟ إن تأكيد وجود الإله ببراهين والدفاع عنه بدلائل لا يعدو كونه جهلً تامًا بطبيعة الإله ومعنى الوجود». كما يترتب عليه فهم الامتناهي الكامل من دون البحث خارج طبيعته عن دلائل لإثبات وجوده وعن علّة لتفسير ماهيته.
(22) Pierre Lachiéze–Rey, Les Origines Cartésiennes du Dieu de Spinoza , 2 ème ed. (Paris: Librairie Philosophique J. Vrin, 1950), p. 14.
(((2 سبينوزا، علم الأخاق، ص.54
(24) Ferdinand Alquié , Leçons sur Spinoza , Collection La Petite Vermillon (no. 207), (Paris: La Table Ronde, 2003), p. 24. (25) Richard Masson, The God of Spinoza: A Philosophical Study (Cambridge: University of Cambridge, 1997), p. 250.
إن اعتبار الإله علّة ذاته، وهو كائن لامتناه بإطاق وجوهر فريد بامتياز، له صفات لامتناهية تعبّر عنها
الأحوال المتناهية، كفيل بحل المفارقة الديكارتية التي تؤكد انفات الإله من الفهم. ذلك أن الإله فكرة واضحة بذاتها ولا تحتاج إلى دليل بعدي، بحكم اكتفائها بالدليل القبلي الأنطولوجي. بخاف ديكارت الذي برهن في التأمل الثالث على وجود الإله ببرهان بعدي، وأرجأ الدليل القبلي إلى التأمل السادس، بوصفه تتويجًا لرحلة الشك التي خاضتها الذات لتصل في النهاية إلى حقيقة وجود الإله. فرض انطاق سبينوزا من الحقيقة الأولى «الإله» إياء الدليل القبلي الأنطولوجي أهمية قصوى؛ متوسلًالرياضيات باعتبارها قادرة على منح المعقولية للماهيات التي يتضمن تعريفها وجودها، ولم يَتِه في شعاب الشك. إن تأكيد ديكارت أن الإنسان وحده الكائن المفكر، اضطره إلى إعمال الشك قصد تمييز الأفكار الحقيقية من الزائفة، وأجبر على البحث عن ضمانة خارجية له. لقد حصر الذات في داخل مغلق، وسلّم بوجود خارج مطلق، معبرًا عن وفاء لإرث الفلسفي الأرسطي والاهوتي الذي ادعى تجاوزه وهدمه. تحررت إيتيقا سبينوزا من أحابيل الاهوت حين ضربت صفحًا عن مركزية الذات الإنسانية، وجعلت
الحقيقة الأولى نقطة انطاقها متخلصة من الشك والحاجة إلى الضمانات الخارجية، قرينتها في ذلك أن الإله فكرة بسيطة وقابلة للفهم، وليست لغزًا مستغلقًا على الذهن في اختاف جذري مع التصور
الديكارتي، الذي اعتبر الفكرة الواضحة هي الفكرة الحاضرة أمام الذهن، وبما أن الإله مستعصٍ على الحضور ومتمنع عن المثول، فإنه منفلت من الفهم. أوّلت بعض القراءات فلسفة سبينوزا واعتبرته فيلسوفًا متدينًا نشوانًا بالمحبة الإلهية؛ بمبرر انطاقه
في كتابه النووي الإيتيقا من الإله، غير أن القراءة الجادة والحذرة توضح أن سبينوزا لم ينطلق من الإله، بل أرجأ الحديث عنه إلى حدود التعريف السادس. ونقرأ هذا الإرجاء بوصفه خطة نسقية، هدفها أولً عقلنة الإله بسد ثغرات المنهج الديكارتي وتصويب أخطائه وتجاوز مسلماته. وثانيًا تفكيك المقولات الاهوتية بلغتها، وذلك بتوظيف القاموس الاهوتي وتطهيره من دلالته ومنحها تماسكًا منطقيًا داخليًا
لمفاهيم علّة ذاته والجوهر والصفات والأحوال. بدأت الإيتيقا بتعريف علّة ذاته، مُبعدة إياها عن الحقل الدلالي السكولائي، بالنظر إلى المفارقات
التي تطرحها؛ إذ كيف يمكن لكائن أن يكون علّة ذاته؟ مع تقدم العلم أن كل حديث عن العلّة يفترض بالضرورة المنطقية حديثًا عن الفعل، وكي يتحقق الفعل يجب أن تسبقه علّته. بتعبير آخر: إذا كان الإله علّة ذاته وكان موجودًا قبلً فهو غني عن العلّة. أما إذا لم يكن موجودًا فكيف يمكن أن يكون علّة ذاته وهو في حالة عدم؟ أبدع الاهوت مخرجًا لهذه المفارقة بتوظيف المفهوم الأرسطي المحرك الأول
الثابت وأسبغه على الإله.
2(((نمثل لذلك بكتاب لهارون جوديت بعنوان، حب الله في فلسفة سبينوزا، ترجمة خليل أحمد خليل، مراجعة مفيد أبو مراد (بيروت: دار الفكر اللبناني،.)1998 2(((سبينوزا، علم الأخاق، ص.31
وظّف سبينوزا علّة ذاته بمعنى رياضي هندسي لا تنفصل فيه العلّة عن المعلول بحكم عاقة التازم بينهما. أما الاهوت، فيفصل بين العلّة والمعلول لإثبات التباعد بين العلّة/الإله والمعلول/العالم والإنسان. أبعدت الإيتيقا علّة ذاته عن الاهوت؛ كي توضح أن علّة ذاته فكرة معقولة دلاليًا وبرهانيًا. لأن المحايثة
بين الماهية والوجود هي ما يمنح المعقولية لعلّة ذاته، ومن ثمَّ لا معنى للبحث عن براهين خارجية
للعلّة الأولى. كما لا يستقيم إضافة صفة الوجود إليها، لأن الوجود ليس صفة، بل هو متضمن للماهية. وهذا ما يفسر عدم اهتمام سبينوزا بالبراهين البعدية الدالة على وجود الإله. إن الانشغال بإثبات وجود الإله مؤشر على هَمٍّ لاهوتي خارج رهان الإيتيقا، وقرينة ذلك أن منطق عرض النسق السبينوزي اهتم أساسًا بالتعريفات والدلائل الأنطولوجية القبلية أكثر من الانصراف إلى
البراهين البعدية. يبدو أن سبينوزا لم يسعَ لإثبات وجود الإله ولا لنفيه، بل عمل على تعريفه لغويًا، وتحديده منطقيًا
قصد موضعته أنطولوجيًا. إن القضية في عمقها ليست لاهوتية، بل معرفية نسقية، حيث لا أهمية لإثبات
وجود الإله لترسيخ الإيمان به أو دحض وجوده لتسفيه المعتقد الديني، إنما الأهم هو معرفة الإله. إن الإلحاد والإيمان مقولتان فارغتان من المعنى في نسق الإيتيقا؛ بحكم انطوائهما على كسل معرفي يُعطّل ملكات السؤال والتفكير، ويجعل المؤمن والملحد يعتقدان امتاك معرفة قطعية نهائية ستفضي
حتمًا إلى انغاق ذاتي دغمائي تَمجُّهُ الإيتيقا. يمكن إعادة ترتيب التعاريف الستة الأولى في الباب الأول من الإيتيقا، وفق ما يلي: إذا كان الإلهكائنًا لامتناهيًا مطلقًا، أي « جوهرًا فريدًا يتضمن عددًا لا محدودًا من الصفاتالتي تعبّر كل واحدة منها عن
ماهية أزلية لامتناهية»، فهو علّة ذاتهمن حيث إن ماهيته تتضمن وجوده ولا يمكن لطبيعته أن تتصور إلا موجودة. الإله إذًا كائن واجب الوجود، لا يمكن إلا أن يوجد، وهو علّة العالم، ولا يمكن للعالم أن يكون إلا ما هو عليه. إن مسوغات سبينوزا التي دفعته إلى الانطاق من الإله تعود إلى مبدأ وحيد، وهو أنه لا يمكن الاستدلال إلا من الوجود/الإله، وليس من الموجود/الإنسان. وهكذا تمكن سبينوزا من ربط مفاهيم علّة ذاته بالجوهر الفريد على نحو يسمح بقراءتها من زوايا مختلفة؛ فإذا تعلق الأمر بالدين سيتبدّى الإله حائزًا خصائص الجوهر، وإذا تأملنا فلسفيًا فسيكون الإله متصالحًا مع صفة الكمال التي تمنع عنه
الفعل، وإذا حللناه علميًا فسنجد الطبيعة الأزلية منسجمة مع نواميسها الثابتة. تُحقق إذًا الوحدة السبينوزية اكتفاءً معرفيًا وأنطولوجيًا لمقولة الإله؛ فالرياضيات منحت لعلّة ذاته
انسجامها الداخلي، والجوهر مكَّن الطبيعة من استعادة قيمتها بعد أن صيّرها ديكارت عاقات
ميكانيكية جافة، وأعاد الإله الدين إلى حدوده. كتب ألكييه: «إذا بحثت عن الإله رياضيًا أو
(2((المرجع نفسه، ص.31
فيزيائيًا أو دينيًا، فستجد كائنًا واحدًا لا غير، ومن هذا الكائن فحسب يجب الانطاق لفهم كل
شيء».
4. نقد إله الأديان التوحيدية
يمكن قراءة الباب الأول من الإيتيقا بوصفه تطهيرًا نقديًا لإله الأديان التوحيدية بالنظر إلى كون سبينوزا
لم يوظف عبارات لاهوتية مثل الخلق والإرادة الإلهية والقدرة المطلقة، وأقصى المفردات كلها المرتبطة بالوعي الديكارتي، ولم يحتفظ إلا بما يتطابق مع العقل الموضوعي الرياضي. تأسيسًا عليه، ستصير معاني الحرية والقدرة مغايرة للتصور الدارج في تاريخ الفلسفة؛ إذ تعتبر الإيتيقا
الإلهَ علّة حرة لأنه يتصرف بمقتضى ماهيته وليس وفق هواه. والدليل على ذلك أن ما صدر عنه تحكمه قوانين أزلية لم ولن تتغير. بتعبير آخر لا يتصرف الإله في الطبيعة كأنها فضاء يعبّر فيه عن قدرة لا رادع
لها. لذلك رفض سبينوزا تصور ليبنتز لأحسن العوالم الممكنة، ورفض فكرة الخير الإلهي، كما رفض فكرة إله غير راضٍ عن العالم والإنسان. وانتقد التصور الديكارتي لأنه يضرب في عمق وحدة الإله؛ إذ لو كان الإله خالقَ العالم بإرادة حرة وليس بالضرورة، لاستتبع ذلك أنه كان في الإمكان أن يخلقه على غير ما هو عليه، وكان في الإمكان افتراض أن الإله أيضًا غير ما هو الآن. تحقق إذًا أنه لا وجود لحرية إلهية مطلقة خارج الضرورة الأنطولوجية التي تسري في الوجود التي يكون بموجبها الإله جوهرًا فريدًا، له صفات لامتناهية تعبّر عنها الأحوال المتناهية. وتنهض هذه المحددات
على كمال الجوهر ووحدته وحيازته جميع الصفات، بما فيها صفتا الفكر والامتداد، وإذا تم الاعتراض على أن الإله امتداد، فسيبدو الأمر وكأن الإله فاقد صفة ما، ومن ثمّ سيكون متناهيًا، وغير قادر على
خلق الامتداد من حيث هو صفة جوهرية له، أي إن الإله محدود، وهذا محال. لا يدرك الامتداد في إيتيقا سبينوزا بوصفه قابلً للقياس والقسمة والانشطار، ولا يفهم حسيًا، بل يتذهن
رياضيًا باعتباره صفة لامتناهية للجوهر. من هنا ضرورة ترييض الفكر والطبيعة معًا، لذلك ربط سبينوزا
صفة الامتداد بالإله انسجامًا وتصوره النسقي بين الجوهر والصفات؛ فالامتداد كما هي حال الفكر صفتان لامتناهيتان للجوهر الفريد، وليس يطعن ذلك في ماهية هذا الجوهر. إذا كان جلُّ فاسفة الحداثة قد انطلق من فكرة الإله الامتناهي الكامل، فإنهم رفعوا عنه صفة الامتداد بخاف سبينوزا الذي أجازها، كما أجازوا الإرادة الحرة ونقضها سبينوزا. ونردّ سبب هذا الاختاف إلى طبيعة الرهانات الموجهة لتصوراتهم؛ فرهان ديكارت كان رهانًا علميًا متمثلً في ضرورة إفراغ
الطبيعة لفسح الطريق أمام العلم الحديث، في حين كان رهان سبينوزا رهانًا نقديًا تحرريًا امتلك الجرأة الفلسفية الضرورية ليسمي الأشياء بماهيتها. ترتبط فكرة علّة ذاته بواحدية الجوهر، بالنظر إلى أن تعدد الجواهر محال، لأنه سيفضي منطقيًا إلى تيه
(29) Alquié, p. 77.
في سلسلة من التناقضات، تبدأ بتساوي الجواهر في حيازة الكمالات، وتنتهي بانشطار الوجود إلى ثنائيات ميتافيزيقية مثل الجوهر الروحي الإلهي والجوهر الحسّي الإنساني. راهنت الإيتيقا على واقعية الجوهر؛ إذ لا تعتبره مقولة منطقية مجردة، بل تؤكد واقعيته. إنه الوجود الحي الذي يدركه الإنسان عبر النمط الثالث من الفهم. إن الجوهر من هذا المنظور موجود بحكم تعريفه ويستتبع ذلك بالضرورة النسقية أنه أزلي، وهذا ما تشهد به صفة الامتداد المجسّدة في نواميس الطبيعة التي كانت وما زالت وستظل تجري وفق سُنَّة ضرورية لن تعرف تبديلً. تقود التعاريف الدقيقة في الكتاب الأول من الإيتيقا إلى اعتبار الوجود واحدًا وليس متعددًا واقعيًا
وليس مجردًا أزليًا وليس متناهيًا. وذلك من دون تحديدٍ لفكرة الجوهر؛ على اعتبار أن كل تحديد نفي،
أي إن تحديد فكرة علّة ذاته سيفضي حتمًا إلى تحديد الجوهر بوصفه خاضعًا للديمومة، وأنه قبل الديمومة لم يكن ثمة جوهر، ومن ثمّ لم يكن حقيقيًا. وهذا تناقض صارخ وخُلف منطقي سيؤدي حتمًا
إلى القول إن الوجود يوجد خارج الموجود، وهكذا ننزع عن الجوهر جوهريته. تقدم الإيتيقا عبر النمط الثالث من الفهم مناعة رياضية ضد التناقضات؛ إذ بمجرد ما يتصور الذهن الجوهر بوصفه علّة ذاته، فسيكون من التناقض حدُّه في توصيفات خارجه، وفي ذلك نقد عميق للتحديدات الاهوتية لله من حيث هو جوهر متعالٍ عن العالم ويعبّر عن ذاته بصفات خارجه. حرصت الإيتيقا على تأكيد تفرد الجوهر انسجامًا ورهاناتها الأنطولوجية المتمثلة في نقد مقولة التعالي الإلهي من جهة، ومقولة تعدد الجواهر من جهة أخرى؛ إذ إن القول بتعدد الجواهر سيقود حتمًا إلى ضرورة التفاضل بينها، ومن ثمّ التسليم بالتراتبية الاهوتية التي يكون بموجبها الجوهر الإلهي أسمى الجواهر والجوهر الإنساني أدناها. إذا كانت الجواهر متعددة؛ فهذا يعني بالضرورة أن جوهرًا ما أنتجه جوهر غيره، وهذا دليل نقص،
والجوهر كامل بالتعريف، إضافة إلى كون ذلك طعن في ماهية الجوهر من حيث هو علّة ذاته، بالنظر إلى أن التسليم بكون جوهر ما أنتج جوهرًا آخر دليل حاجة الجوهر المخلوق إلى علّة كي يوجد،
وسيمر الأمر إلى غير نهاية؛ ما يسمح للحل الاهوتي بإمكان التأصيل لقوة متعالية. دافعت إيتيقا سبينوزا عن معقولية واحدية الجوهر؛ بتأكيد أنه يتضمن صفات وأحوال مازمة له منطقيًا
وأنطولوجيًا لسد الطريق على القول بخارج مطلق. يقول برانشفيك في هذا السياق: «إذا كان ذلك
كذلك؛ أي إذا كان الجوهر وحدة متكاملة، فمن البدهي ألا نستخرج منه غيره، فهذا مُحال». يجد الربط النسقي بين علّة ذاته والجوهر والصفات مسوغه في كون الإيتيقا أعادت تأسيس أنطولوجيا الوجود بصورة تنأى بها عن المنطق الأرسطي ومقولاته، وعن الاهوت التوحيدي ومسلّماته، وعن الفلسفة الديكارتية وبداهاتها. وذلك بالنظر إلى كون المنطق الأرسطي رسّخ مقولة المُحرك الثابث،
ووظّفها الاهوت لفرض مسلّمة التعالي الإلهي التي استثمرها ديكارت كضمانة للحقيقة.
(30) Léon Brunschvicg, Spinoza et ses contemporains (Paris: P.U.F., 1971), p. 39.
تمايزت الإيتيقا السبينوزية من الأنساق الفلسفية الحديثة بتأكيدها الارتباط الماهوي بين الإله من حيث هو جوهر، وصفاته «الفكر والامتداد»؛ فإذا كان مقبولًاعتبار الفكر صفة إلهية، فإن إلحاق صفة الامتداد لإله كانت سابقة غير مستساغة في تاريخ الفلسفة. لذلك رُفضت بشدة واعتُبرت حجة إضافية
على سبينوزا وسببًا في تكفيره. لم تتحوط الإيتيقا في اعتبار الامتداد صفة إلهية، ودليلها على ذلك هو أن الامتداد صفة واحدة لامتناهية في نوعها، وغير قابلة للتجزيء، ومتفردة. يؤكد سبينوزا ذلك: «المادة هي هي في كل مكان». لكن الذي يجعلها مرفوضة لاهوتيًا هو طريقة إدراك الاهوت للصفات؛ إذ إن النظر إلى الامتداد من زاوية
غير زاوية المعرفة الحدسية الرياضية سيسقط الذهن في الخيال والهذيان، وسيبدو الامتداد أجزاءَ
متناهية ومتعددة يمكن تركيبها بعد تفريعها. إن التأمل الإيتيقي في الطبيعة سيفضي لا محالة إلى الوقوف على ماهية الامتداد من حيث هو صفة لامتناهية وفريدة. يؤكد برانشفيك ذلك كاتبًا: «بكلمة
واحدة؛ المعرفة الحدسية المباشرة تفهم الامتداد في ماهيته وتربطه في الآن عينه بالجوهر، أن الامتداد الفكري صفة للجوهر». منح هذا التأكيد على صفة الامتداد إمكان بلورة الفكرة النووية في نسق الإيتيقا، وهي: sive Deus natura «الإله هو الطبيعة من حيث هي طبيعة فاعلة، أو بتعبير أدق من حيث هي تتصرف وفق قوتها الذاتية، إنها الفعل الكوني وكل شيء بدرجات ما، تعبير عن القوة الإلهية. وكل شيء يساهم في هذه الفاعلية». إن الربط النسقي بين الإله والطبيعة شرط حاسم لإدراك الإله في الوجود، وضرورة لفهم الطبيعة في أبدع صورها، وبالضد من ذلك يؤدي الجهل التام بماهية الإله من جهة، وبقوانين الطبيعة من جهة أخرى، إلى القول بإرادة إلهية حرة، وبالاعتقاد الأعمى في المعجزات والخوارق. ليست الإرادة الإلهية قدرة اعتباطية عمياء؛ لأن ذلك طعن منطقي في ماهية الإله من حيث هو جوهر كامل لا حاجة إليه بالفعل، ومن ثمّ فالنظر إليه بوصفه مريدًا وفاعلً سيفضي إلى القول بنقصانه. لذلك
ترد الإيتيقا سبب القول بالإرادة الإلهية الحرة إلى إسقاطات إنسانية لقدرات غير متحققة لإنسان على الإله. والحال أن الإله جوهر فريد والإنسان حال من أحوال صفات الجوهر، بمعنى أن الإنسان ليس إلهًا ناقصًا، والإله ليس إنسانًا كاملً. يترتب على اعتبار الإله علّة ذاته نتائج تصب في غاية إيتيقية، تتمثل في نقد مقولات الخلق والحرية والإرادة الإلهية التي يعتبرها سبينوزا تصورات خاطئة، مردّها فساد المنطلقات المنهجية في فهم الإله؛ إذ إن الانطاق من الذات الإنسانية لمعرفة ماهية الإله هو الطريق الملكية نحو الخطأ. وذلك على اعتبار الذات الإنسانية بمعناها الديكارتي لا يمكن أن تكون مبتدأ البحث عن الحقيقة بحكم أنها حال
(((3 سبينوزا، علم الأخاق، ص.49
(32) Brunschvicg, p. 42. (33) Ibid., p. 50.
عارضة للجوهر، أي الإله؛ ومن ثمّ لا يمكن للعرَض أن يضيء الجوهر – من دون أن يعني ذلك أفضلية
قيمية للجوهر على العرَض – في المقابل يضمن الانطاق من الجوهر معرفة يقينية تمنح تسلسلً
محايثًا لتشكل الأفكار من دون إخضاعها للشك. بيدَ أن الانطاق من الإله لا يعني ردّةً نحو الاهوت بقدر ما يؤشر على مشروع نقدي يتم فيه تطهير الإله من الإسقاطات الذاتية التي يفتقدها الإنسان، ويسعى لها في الآن عينه. يتبدى الإله في إيتيقا سبينوزا باعتباره علّة ذاته، وهو بذلك علّة حرة لأنه يتصرف وفق طبيعته المتعينة ضرورة. كما أنه علّة الموجودات من حيث كونها صدرت عنه، ولا يمكن أن توجد نفسها، ولا يمكن أن تكون بصورة أخرى. وبناء عليه، ينتظم تصور سبينوزا للحرية من جهة اعتبارها خضوع الكائن لماهيته الأزلية والثابتة. نقرأ لسبينوزا في هذا التعريف: «يقال عن شيء أنه حر عندما يوجد بضرورة طبيعته وحدها ويحدد فعله بذاته وحدها». والإله علّة حرة، ليس لأنه يتصرف وفق مشيئة مطلقة لا ضابط لها، بل هو حر؛ لأنه موافق لماهيته وطبيعته، أي إنه جوهر فريد ولامتناهٍ وأزلي. وكل قول بحرية مطلقة سيسقط الإله في تناقضات منطقية لا تستقيم وماهيته. تستند مقولتا الحرية والإرادة الإلهيتان إلى فكرة الخلق من عدم كما بلورها الاهوت، التي يكون بموجبها الإله خالقًا للعالم بإرادة حرة؛ حيث تتحدد مسلّمة الخلق في الأديان التوحيدية من خال لحظة متميزة فارقة حدث فيها الخلق، لحظة فريدة بدأ معها الزمن أو قطيعة فجائية في مجرى الزمن فتحت الطريق أمام تشكل العالم. وبناء عليه، الخلق خصيصة إلهية لم يشاركه فيها أحد؛ إذ إن عملية الخلق لو تمت بفعل خالقين متعددين، فسيكون العالم غير مكتمل. ولو تطلّب الأمر تقسيم عملية الخلق بين آلهة متعددة، فلن يكون العالم كاملً ومنظمًا. ارتكز الاهوت التوحيدي على هذه المسلَّمة لتسفيه التعدد وتأكيد التوحيد، بخاف الميتافيزيقا اليونانية التي لم تبلور تصورًا لاهوتيًا لإله؛ إذ إن الآلهة اليونانية لا تخضع للمفهمة بالنظر إلى
انفاتها من الآليات المنطقية بحكم السبق الزمني لها على الفلسفة، وبالنظر إلى طبيعتها الأسطورية التي تعكس رؤية الثقافة اليونانية للعالم من حيث هو فضاء للتعدد وللصراع الإنساني في بعده التراجيدي، صراع يؤنسن الآلهة ويؤلّه الإنسان في عاقة تناغم لم يفسدها التعدد؛ على الرغم من محاولات الفاسفة الطبيعيين الأول للبحث عن أصل وحيد لكل شيء، الذي كان في الإمكان أن يؤسس لفكرة الإله الواحد. يقول جيلسون في هذا المعنى: «يمكن القول إن الفاسفة الإغريق الأول كانوا قادرين من دون وساطة الأنبياء والوحي على بلورة لاهوت طبيعي، لكنهم لم يفعلوا خوفًا من فقدان آلهتهم». ترتبط مُسلّمة الخلق بفكرة التوحيد، ويستتبع ذلك بالضرورة نظرًا لاهوتيًا يؤوّل الوجود تأويلً قيميًا تصير
(((3 سبينوزا، علم الأخاق، ص.32
(35) Étienne Gilson, Dieu et La Philosophie , Préface de Rémi Brague (Paris: Association Petrus a Stella pétrus a Stella, 2013), p. 12.
فيه الغاية من الخلق هي تأكيد عظمة الخالق. لكن فلسفة سبينوزا فلسفة وجود وليست فلسفة قيم، ودليل ذلك أن سبينوزا وجّه التفكير وجهة أنطولوجية بآليات رياضية لتأزيم المفارقات الاهوتية، وإبراز حدود المنهج الديكارتي وفتح إمكانات التفكير في الوجود عبر الوجود ذاته. غير أن ذلك ممتنع من دون فحص دقيق لمُسلّمة الخلق التوحيدية التي تطرح مفارقة يمكن صوغها كما يلي: إذا كان الإله حرًا ومريدًا، فإن خلقه العالم دليل على فعل إرادي وراءه رغبة ما؛ تؤشر على نقص
ما؛ والإله كامل. وإذا كان الإله قادرًا على خلق العالم بصورة أخرى مغايرة، فيستتبع ذلك بالضرورة تغييرًا في طبيعتهما، أي الإله والعالم. من الازم التمييز الدقيق بين ما لله وما لإنسان، أي التمييز بين ماهية الإله وخصائص الإنسان لحل هذه المفارقة. بتعبير سبينوزي من الضروري التمييز بين الطبيعة الطابعة والطبيعة المطبوعة؛ «فالطبيعة الطابعة هي ما يكون في ذاته ومتصورًا بذاته»، أي الإله باعتباره جوهرًا فريدًا علّته في ذاته. أما
«الطبيعة المطبوعة كل ما ينتج عن وجوب الطبيعة الإلهية [...] كل أحوال صفات الإله»، أي مجموع الأحوال من أبسطها إلى أعقدها، وتضم الموجودات العينية مثل النبات والإنسان وجميع أجزاء الوجود. تحقق إذًا أن التمييز بين ماهية الإله وخصائص الإنسان تأكيد إضافي على كون الإله علّة أولى محايثة، وتثبيت لإنسان من حيث هو حال ضمن أحوال تعبّر بها الصفات عن الجوهر، لكن ذلك لا يعني
انفصال الإنسان عن الإله؛ إذ إن كل انفصال يتضمن مسافة تسمح بالتعالي وتكون بموجبه السماء لله والأرض لخليفته الإنسان، وتنظمهما التراتبية الهرمية الاهوتية، كما يستتبع ذلك القول بالقدرة والإرادة الإلهيتين، والقضاء والقدر. يمكن قراءة الباب الأول من كتاب الإيتيقا باعتباره نقدًا للقدرة والإرادة والحرية والغاية والعناية الإلهية بالنظر إلى مآلاتها الأنطولوجية والسياسية. ويرجع سبينوزا تهافت هذه التصورات إلى فكرة التجسيم التي يسقط بموجبها الإنسان نقائصه على كائن مطلق القدرة يفعل ما يشاء، ولا تحدّه ضرورة، وإلى الجهل التام بنظام الطبيعة. لذلك فكك سبينوزا منطقيًا كل تجسيم يجعل الإله إنسانًا كاملً والإنسان إلهًا ناقصًا،
نافيًا أن «يتصرف الإله بإرادة حرة»؛ لأن الإرادة تحتاج في تحققها إلى علّة تشير بدورها إلى رغبة الفعل
الدال كذلك على نقص وعوز، والإله كامل لا يسري عليه النقص. أما القدرة فا تعدو كونها ماهية الإله.
(3((لهذا السبب ارتأينا توظيف لفظة «إيتيقا» لبعد دلالتها عن المعنى القيمي وبالنظر إلى أن ترجمتها بلفظة «الأخاق» يناقض رهانات النسق السبينوزي، ونستند في ذلك إلى التحديد المعجمي الذي قدّمه أندريه لالاند: éthique أخاق، (علم) l.ethica.d.ethik:
العلم العملي، وموضوعه سلوك الناس أو حتى الكائنات الحية عمومًا، بصرف النظر عن الأحكام التقويمية التي يطلقها الناس على
هذا السلوك. نقترح أن يسمى هذا العلم éthographie أو éthologie. ينظر: موسوعة لالاند الفلسفية، معجم مصطلحات الفلسفة
النقدية والتقنية، تعريب خليل أحمد خليل (بيروت: عويدات للنشر، 0082)، ص.371 3(((سبينوزا، علم الأخاق، ص 11.7 (3((المرجع نفسه. (3((المرجع نفسه.
إن رفض سبينوزا لإرادة والقدرة الإلهيتين مردّه إلى تعارضهما المنطقي مع تعريف الإله من حيث هو جوهر فريد لا يتصرف إلا وفق ضرورة ماهيته، أي إن القول بالإرادة والقدرة الإلهيتين يفضي قطعًا إلى القول بالحرية الإلهية المطلقة، والحال أن الإله علّة حرة لأنه يخضع لماهيته وليس لأنه يفعل ما يشاء، إنه «يتصرف بقوانين طبيعته وحدها ولا يخضع لأي قهر». لا تتحدد الحرية الإلهية، بحسب سبينوزا، في القدرة الامحدودة على إتيان الأفعال أو الامتناع عنها، بل «تتمثل الحرية الحقيقية فقط في كون العلّة الأولى، دون أن تكون مرغمة أو مجبرة من طرف أي شيء آخر، وبفضل كمالها وحده، تنتج كل كمال». وهذا ينطبق على الإله الذي لا يخضع إلا إلى ماهيته وحدها، بمعنى أن الإله ليس حرًا يفعل ما يشاء وقتما شاء، بل هو محدد بضرورة كماله
ولاتناهيه، ومن ثمَّ يمتنع أن ننسب لله ما لا ينطبق على ماهيته. ثمة ضرورة للفصل بين الإرادة والحرية لتتحقق ماهية الإله من حيث هو جوهر كامل، لذلك «لا يمكن أن تسمى الإرادة علّة حرة، وإنما علّة ضرورية فحسب». ولما كان ذلك كذلك، فالإله علّة حرة لا لكونه مريدًا لأفعاله، وإنما هو كذلك لأنه خاضع إلى ماهيته الضرورية، ولأن كل ما يصدر عنه محدد أزليًا بنظام محايث وثابت لا يتغير، تجسّده نواميس الطبيعة التي لا ولن تعرف تبديلً، ولا يمكن فهمها
إلا من منظور المحايثة السبينوزية. تقتضي الإيتيقا السبينوزية وحدة كلية بين الطبيعة والإله؛ فالطبيعة والإله جوهر واحد لامتناهٍ بشكل مطلق وغير قابل للتجزيء. وهو العلّة الأولى للوجود، من دونه لا يمكن أن توجد الأشياء، وخارجه لا يمكن تصوّرها، إنه علّة كل شيء. ولهذا الجوهر الامتناهي الفريد صفات لانهائية، تتمثل في صفتي
«الامتداد» و«الفكر»، وتتمظهر في الإنسان بوصفه جسمًا وفكرًا. لكن الإنسان ليس جوهرًا، وذلك بحكم أنه لم يوجِد ذاته، بل احتاج إلى علّة مغايرة لماهيته صدر
عنها وجوده؛ أي الإله، ومن ثمّ فإن الطبيعة لا تحتمل وجود جوهرين، وإلا لكان في الإمكان أن تنتج الجواهر جواهر أخرى، ومن ثمَّ سنتوه في التسلسل الانهائي للعلل، وسنعود القهقرى إلى التصور
الأرسطي الذي بات يلفظ آخر أنفاسه في الفلسفة الحديثة عمومًا، وفي إيتيقا سبينوزا خصوصًا. يترتب على هذا التصور السبينوزي إعادة تنظيم البناء الأنطولوجي الديكارتي، وذلك بالانطاق من الإله، بوصفه حقيقة أزلية تحمل علّتها في ذاتها، ولا تحتاج إلى منهج للوصول إليها، بل هي من البدهيات الواضحة وضوحًا عقليًا؛ أي إنها تحمل عامة ذاتها. كما يترتب عليه إقصاء البعد الإرادي للذات الإلهية؛ ذلك أن الإله جوهر فريد، كما أسلفنا، ومحايث للطبيعة، لا يفعل إلا وفق قوانين طبيعته المتعينة ضرورة؛ بمعنى آخر إن الإله محكوم بقوانين ماهيته
(4((المرجع نفسه، ص.51 (((4 سبينوزا، رسالة في إصاح العقل، ص.102 (((4 سبينوزا، علم الأخاق، ص.65
ولا يمكنه خرقها، ومن ثمّ لا يمكن الحديث عن علّة خارجه أو داخله تدفعه إلى الفعل الذي هو محال بحكم تازم الفعل والنقصان، والإله كامل كما اتضح قبلً، وإلا لن يكون جوهرًا، وهذا نقيض ماهيته التي سمّاها سبينوزا «الطبيعة الطابعة» naturante nature La، كما أسلفنا، التي يكون بموجبها الجوهر الفريد، أي الإله موجودًا لذاته وفي ذاته، ويعبّر عن ماهيته الانهائية والأزلية بصفتي الامتداد والفكر؛ باعتبار «الفكر والامتداد صفتين من صفات الإله»؛ أي إن الإله شيء مفكر وممتد في الآن عينه. يمكن توضيح ذلك عبر أبرز أحوال الجوهر ونعني بها الإنسان؛ فالإنسان حال تعبّر عن صفات الجوهر الامتناهية، ولما كان الإنسان نفسًا وجسدًا يتفاعان وينفعان على نحو محايث؛ فالإله باعتباره جوهرًا فريدًا يعبّر عن صفتي الامتداد والفكر عبر الإنسان، بتعبير آخر، النفس البشرية جزء من الفكر الإلهي، وأفكارها كلها ما هي إلا أحوال تعبّر عن طبيعة الإله المفكرة، أي إن الإله يفكر عبر الإنسان. وبالمثل يعتبر الجسد جزءًا من الامتداد الإلهي. لذلك لا يدرك الإنسان من صفات الإله الامتناهية إلا صفتي الامتداد والفكر. اعتبر تعريف سبينوزا لله باعتباره شيئًا ممتدًا سابقة في تاريخ الفلسفة، ولن نتطرق إلى الاعتراضات الرافضة هذا التعريف، بقدر ما سنقتفي قرائنه وحججه الكفيلة بدحضها. وأولها أن الإله جوهر كامل يتضمن الصفات كلها، بما فيها الامتداد الذي يتمايز تحديده في إيتيقا سبينوزا عن تحديده الاهوتي؛ فالامتداد في الاهوت جوهر قابل للتجزيء والانفعال، وهذا خُلف لأن الامتداد ليس جوهرًا بالنظر إلى كونه لا يتجزأ ولا ينفعل، إنما ذلك يسري على الأحوال، بل هو صفة لامتناهية وأزلية وثابتة، تتجسّد في الطبيعة وقوانينها. وبناء عليه، لا يمكن فهم الامتداد انطاقًا من إسقاط خصائص الإنسان على الإله؛ إذ إن ذلك سيؤدي حتمًا إلى تمثل الامتداد على نحو حسي جسماني، ونسب الجسمية إلى الله، في حين أن الامتداد صفة لامتناهية تعبّر عن الإله، ولا يمكن أن توجد من دونه من حيث هو علته المحايثة، ولا يتجزأ ولا يتبعّض، كما لا ينفعل لأنه فاعل. مرد الاعتراضات على تعريف الإله، باعتباره شيئًا ممتدًا، إلى فهم خاطئ للجوهر الممتد، مؤلفًا من أجزاء قابلة لانفعال والقياس. وهذا يعكس نواتج الإدراك الغامض الذي يتمثل الأشياء على غير حقيقتها؛ فالنظر إلى الامتداد باعتباره جسمًا يتجزأ ويتبعّض صادر عن النمط الأول من الإدراك، الذي يرى الامتداد كما تقدمه التجربة الحسية الساذجة، في حين يدرك الذهن، عبر النمط الثالث من المعرفة، الامتداد من حيث طبيعته الأزلية الامتناهية دونما حاجة إلى تمثيل حسي. تنهض أزلية المادة وثباتها دليلً على كون الامتداد صفة أزلية لامتناهية وثابتة، ولا يطعن ذلك في الذات الإلهية إذا ما وُسمت بالامتداد، بل يؤشر في رفض أفاطوني ولاهوتي للمادة بسبب أصلها الأرضي
(((4 المرجع نفسه، ص.84–83
الوضيع، لذلك يتساءل سبينوزا: «لماذا لا تليق المادة بالطبيعة الإلهية؟»، مستنكرًا النظرة الأخاقية
إلى كل ما هو أرضي مادي الذي تنظمه قوانين علمية لا تُضمر قيمًا أخاقية.
خاتمة
تأسيسًا على ما تقدم، يتضح أن التقويض السبينوزي لفكرة التعالي الإلهي تحقق عبر مداخل رئيسة:
أولها العودة إلى الأصول الأرسطية لاهوت المسيحي وتفكيكها. وثانيها الإقرار بالمحايثة المطلقة لأجزاء الوجود كلها، وثالثها نقد الفلسفة الديكارتية المبنية على نظام العلل، ومفاده الانطاق من الذات وإثبات وجودها، فوجود الإله، ثم وجود العالم، واستبداله بنظام الأشياء الذي ينطلق من الإله باعتباره الفكرة الأكثر كمالً، فالطبيعة بوصفها جوهرًا، ثم الإنسان من حيث هو حال تُعبّر عن
صفات الجوهر. ورابعها الحرص على التعريف الدقيق للمفاهيم، والفهم العميق لعاقاتها المنطقية لسد الطريق على كل تناقض. وخامسها إعمال المنطق الرياضي الهندسي بوصفه طريقة كفيلة بإدراك ماهية الحقائق؛ ذلك أن الرياضيات تبحث في ماهية الأشياء، ولا تهتم بالغايات، ولا تحيل إلى أي شيء خارجي مفارق، لذلك ستظل الحقيقة متوارية ما لم تصير الرياضيات نموذجًا للتفكير الواضح
والمتميز. وسادسها هدم نظرية التناغم والتناسق الكوزمولوجي للعالم. كتب سبينوزا: «أفقد التناغم الناس عقولهم لدرجة اعتقدوا فيها أن الإله أيضًا يستحسن التناغم، بل هناك العديد من الفاسفة الذين اعتقدوا في الحركة المتناغمة للكواكب والأجرام». عبّرت هذه المداخل عن رهان سبينوزا الذي جعل فلسفته مشروعًا نقديًا للأنساق الاهوتية التي قالت
بالتعالي الإلهي والمدافعة عن إله خارج الطبيعة ومستعصٍ على الفهم، وقادر على الفعل الحر المنفلت
من الضرورات المنطقية والأنطولوجية كلها، ولم يكن تحقيق هذا الرهان ممكنًا من دون التوجه رأسًا
إلى أسس التفكير الاهوتي، وبداهات الفلسفة العقانية الديكارتية، وهي «الوعي» و«الأخاق» و«الأهواء الحزينة»، من جهة اعتبارها آليات تشتغل لتشويه الفكر وتسميم الجسد وتدجين الحياة؛ فالوعي كما تشكل في الفلسفة العقانية الديكارتية صادرَ الفكر حيويته وجعله خاصية مجردة تتصل بالنفس وحدها من حيث هي جوهر فريد قادر على بناء حقيقة ذاته، وتشكيل معرفة تدّعي الموضوعية بالطبيعة، بعيدًا عن الجسد وانفعالاته، بل بالتحكم فيه وكبح قواه. وهي بذلك، أي النفس، تحاكي الله في سموّه وجوهرانيته. والحال أن إيتيقا سبينوزا تعتبر النفس والجسد شيئًا واحدًا، وأن الوعي لا يصدر
عن تفكير منهجي واضح ومتميز، إنما يعكس فحسب أوهام الذات حول نفسها. والأحق بالاهتمام هو الفكر من حيث هو صفة غير متناهية تشمل الوجود في كليته وليست حكرًا على الإنسان. أما الأخاق، فتشتغل سلطويًا على إصدار أوامر متعالية تُؤطّرُ الفعل الإنساني وتحدد له حقيقة
الخير والشر، بالنظر إلى كون الإنسان، بحسب الأخاق الدينية، كائنًا خطَّاءً بالطبيعة، وبحكم
(((4 سبينوزا، علم الأخاق، ص.50 (4((المرجع نفسه، ص 74. (4((المرجع نفسه.
أن الخطيئة مازمة له، فمن واجبه الخضوع باستمرار إلى طقوس أخاقية حتى يتطهر من أدران «الحياة»، ويتخلص من طبيعته الأرضية. أما إيتيقا سبينوزا، فانشغلت بإفراغ الطبيعة من الإسقاطات الأخاقية لقيمتي «الخير» و«الشر»، وتنسيبها بربطها بالمحرك الفعلي للفعل البشري متمثلً بالرغبة في حفظ الحياة. تحالفت أخاق الحزن على الإنسان لتدجينه، وجعله كائنًا فارغًا من المعنى وعبدًا يسهل التحكم فيه سياسيًا، حيث كشفت إيتيقا سبينوزا الوشائج العميقة والمتشابكة بين التعالي الإلهي والاستبداد
السياسي والأخاقيات الدينية الحزينة؛ إذ إن شيوع الأهواء الحزينة بين الناس يجعلهم يُعرضون عن الحياة، ويقدّسون الموت؛ وفي المقابل تترسّخ سلطة الاستبداد كلما ارتفع منسوب الخوف من إله
جبّار متعالٍ. نخلص في النهاية إلى أن النقد السبينوزي للتعالي الإلهي كان رهانًا سياسيًا في عمقه؛ إذ فعّل سبينوزا
مقولات الإيتيقا في تصوراته السياسية المثبتة في كتابيه: رسالة في الاهوت والسياسة ورسالة في السلطة السياسية، من جهة اعتبارهما بيانًا حارقًا لضرورة الفصل بين الدين والسلطة السياسية لدحض نظرية التفويض الإلهي، ووضع مبادئ الدولة الديمقراطية الحديثة على أسس عقانية.
ثبت المفاهيم
عربي - فرنسي
إرادة Volonté أزل Etérnité التعالي Transcendance جوهر Substance حال Mode صفة Attribut ضرورة Nécessité علّة ذاته soi de Cause علّة محايثة immanente Cause ماهية Essence المحايثة Immanence مصادرة Postulat
References
المراجع
العربية
أرسطو. الفيزياء السماع – الطبيعي. ترجمة عبد القادر قنيني. بيروت: إفريقيا الشرق، 998.1 جوديت، هارون. حب الله في فلسفة سبينوزا. ترجمة خليل أحمد خليل. مراجعة مفيد أبو مراد. بيروت: دار الفكر اللبناني، 998.1 جيلسون، اتين. روح الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط. ترجمة وتعليق إمام عبد الفتاح إمام. ط.3 القاهرة: مكتبة مدبولي،.1997 دولوز، جيل وفيليكس غتاري. ماهي الفلسفة؟. ترجمة ومراجعة وتقديم مطاع صفدي وفريق مركز الإنماء القومي. بيروت/ الدار البيضاء: مركز الإنماء القومي/ المركز الثقافي العربي،.1997 سبينوزا، باروخ. رسالة في إصاح العقل: رسالة موجزة. ترجمة جال الدين سعيد. تونس: المركز الوطني للترجمة، 010.2 _______. علم الأخاق. ترجمة جال الدين سعيد. مراجعة جورج كتورة. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 009.2 _______. مبادئ فلسفة ديكارت، أفكار ميتافيزيقية، مراسات. ترجمة جال الدين سعيد. مراجعة صالح مصباح. تونس: المركز الوطني للترجمة، 015.2 كولينز، جيمس. الله في الفلسفة الحديثة. ترجمة فؤاد كامل. القاهرة: مكتبة غريب،.1973
الأجنبية
Alquié, Ferdinand. Leçons sur Spinoza. Paris: édition la table ronde, 2003. Brunschvicg, Léon. Spinoza et ses contemporains. Paris: P.U.F., 1971. Deleuze, Gilles. «Cours sur Spinoza de 1978 à 1981,» accessed on 29/4/2018, at: http: https://bit.ly/2jeaGuQ Descartes, René. Méditations métaphysiques (présentation et trad.) de Michelle Beyssade. Collection Les classiques de la philosophie. Paris: librairie générale françaises 1990. _______. Discours de la méthode suivi de la dioptrique (trad) de Frédéric de Buzon. Paris: Edition Gallimard, 1991. Gilson, Étienne. Dieu et La Philosophie. Préface de Rémi Brague. Paris: Association Petrus a Stella, 2013.
Guéroult, Martial. Spinoza: Dieu (Ethique I). Paris: éditions aubier – Montaigne 1968. Lachiéze–rey, Pierre. Les origines cartésiennes du dieu de Spinoza. 2 ème ed. Paris: Librairie Philosophique J. Vrin, 1950. Masson, Richard. The God of Spinoza. Cambridge: University of Cambridge, 1997. Rizk, Hadi. Comprendre Spinoza. Paris: édition Armand colin, 2006.