العودة إلى تفاصيل المؤلَّف حنة أرندت ونقد التصور الفلسفي للحرية

حنة أرندت ونقد التصور الفلسفي للحرية

Hannah Arendt and the Critique of The Philosophical Conception of Freedom

المصطفى الشادلي *

Mustapha Chadli *

الملخّص

يناقش هذا المقال موضوع "الحرية" بين الفلسفة والسياسة، انطلاقا من أن "التصور الفلسفي للحرية" لم يتجاوز حدود المجال الميتافيزيقي الذي يرجعها إلى حرية التفكير. فتصير بذلك مجرد شعور داخلي؛ بينما يرتبط "التصور السياسي للحرية" بالفعل وبالكلام وبالعالم الذي يوجد فيه الناس، أي بفضاء عمومي تتجلى فيه كلمات وأفعال الناس. فالحرية السياسية هي التي تمنع من قيام أنظمة العنف التوتاليتاري التي تنجح في التحكم في الناس من خلال القضاء على الحرية السياسية مجسدة في حرية الكلام والحوار والتداول العمومي، والتي تمكّن الناس من ربط علاقات سياسية أساسها المساواة واحترام الآخر المختلف.

Abstract

Abstract: This article explores the concept of «freedom» across the disciplines of philosophy and political science, based on two premises. Firstly, the philosophical concept of «freedom» has not transcended the boundaries of the metaphysical domain, which is attributed to the freedom of thought and thus becomes an inner feeling. Secondly «political freedom» is already linked to speech and the world in which people exist, in which people’s words and actions are manifested. It is political freedom that, through freedom of belief and expression, prevents violent totalitarian regimes from controlling and dominating people by eliminating all free action that enables people to build political relations based on of equality and mutual respect.

الكلمات المفتاحية:
  • الحرية الفلسفية
  • الحرية السياسية
  • الفضاء العمومي
  • المساواة
Keywords:
  • Philosophical freedom
  • Political freedom
  • Public space
  • Equality
  • Pluralism
  • Thought
  • Action
  • Human

Hannah Arendt and the Critique of The

Philosophical Conception of Freedom

التفكير، فتصبح بذلك مجرد شعور داخلي، بينما يرتبط «التصور السياسي للحرية» بالفعل والكام والعالم الذي يوجد فيه الناس؛ أي بفضاء عمومي تتجلى فيه كلمات الناس وأفعالهم. فالحرية السياسية هي التي تمنع من قيام أنظمة العنف التوتاليتاري التي تنجح في التحكم بالناس من خال القضاء على الحرية السياسية مجسّدة في حرية الكام والحوار والتداول

العمومي. وهذه الحرية تمكّن الناس من ربط عاقات سياسية أساسها المساواة واحترام الآخر المختلف.

مقدمة

نسعى في هذه الدراسة إلى تحليل العاقة المتوترة بين «الحرية الفلسفية» و«الحرية السياسية»، من خال النقد الذي وجهته المفكرة الألمانية حنة أرندت Hannah Arendt 1) 975–1906(للحرية، كما تجسّدت على امتداد تاريخ الفلسفة، وذلك من خال المقابلة بين الفهم الفلسفي للحرية (الكنه الشبيه) والفهم السياسي لها (الكنه الحقيقي)، للوصول إلى الرهان الذي راهنت عليه أرندت؛ وهو نقد التماهي بين العنف والسياسة. لعل الانطاق من «أنثربولوجيا» أرندت، متمثلة في فهم الإنسان بعيدًا عن التصورات الفلسفية التي أرجعته إلى العقل أو الشعور أو اللغة، يجعلنا ندرك مقدمات، أو مداخل، ل «مشروع» أرندت السياسي الذي توضحت هواجسه الأولى من خال تحليل النظام الشمولي (التوتاليتارية)؛ وذلك من أجل إدراك خطره على الإنسان، متمثلً في الشر الجذري، وتدميره لتجربة الوجود المشترك. وتقوم هذه الأنثربولوجيا، أساسًا، على التمييز بين «الإنسان الصانع» و«الشغِّيل» و«الفاعل»، ليس لغاية التمييز فحسب، بل لتحديد «ماهيته» أيضًا من خال الممارسة، لا من خال المفاهيم المجردة التي تبعد الإنسان عن الواقع. وأدركت أرندت هذا التمييز من خال نقدها الفلسفة السياسية الكاسيكية التي جعلت السياسة نظريات مجردة، وليست فعلً وممارسة. وأفضى ذلك بأرندت إلى فهم الإنسان من خال الفعل والممارسة اللذين تجسدا داخل فضاء عمومي. والحال أن أهمية هذا التمييز بين مقولات الوضع البشري تُدرك عبر فصلها بين ما هو عمومي وما هو خصوصي؛ بين السياسة والمجتمع كنقطة انطاق في الدفاع عن «السياسة بالسياسة»، حيث يسمح التمييز بين هذين المجالين بإدراك الفضاء الذي تتجسد في داخله الحرية السياسية التي تعتبر شرط الحديث عن السياسة مفصولً عما هو اجتماعي (عالم الضرورة). دافعت أنثربولوجيا أرندت عن الإنسان الفاعل/ السياسي الذي يتجسد فعله في داخل فضاء للبروز والظهور في عاقة بالآخر يُنقذ كل وضع بشري من أن يدمر بالعزلة التي تعتبر شرط تحقق كل هيمنة وسيطرة. وستتحول هذه الأنثربولوجيا إلى مدخل مهم لفهم ما هو سياسي عند أرندت، من خال فهم أن جوهر الإنسان الحقيقي هو الفعل، ومن ثمَّ التفكير في السياسة فعلً للحرية وشروط تحققها وممارستها، التي ستكون في نهاية المطاف الفضاء العمومي بوصفه الغاية من وراء عملها الموسوم باسم وضع الإنسان الحديث، خصوصًا إذا أدركنا أن تحليل أزمة الأزمنة الحديثة يرتبط باختفاء هذا المجال. لعلنا نرى في مشروع أرندت السياسي انتقالً من التفكير في سؤال الوجود الذي اختفى وراء الموجود، نحو التفكير في السياسة من أجل استذكارها، بعد أن توارت وراء التصورات الأداتية التي أبعدتها عن كينونتها الحقيقية. وهنا يتبين أن تركيز أرندت على فصل الفعل عن النشاطات الأخرى للحياة الناشطة هو في حدِّ ذاته فصل للسياسة عن الاقتصاد والمجتمع، بعد أن توضّح أنها صارت ترادف مجموع المؤسسات التي تضمن السلم والأمن الاجتماعيين وتنظيم المجال الاقتصادي، ومن ثم

فإن استذكار السياسة يكون بالتفكير فيها، من حيث هي كذلك، بإعادة النظر في المفاهيم السياسية (مثل مفاهيم الحرية)، وإرجاعها إلى مجال نشأتها: مجال الممارسة السياسية والفضاء العمومي، أو المفاهيم (السلطة والمساواة) التي خرجت عن مضامينها الحقيقية عبر تاريخ استعمالها وصارت تفيد ما لا تعني. الحق أن التفكير في السياسة، من حيث هي كذلك، يكون بمواجهتها بنفيها الذي هو العنف من خال مستويين: العنف الذي تحمله الأنظمة الشمولية، والعنف الذي يحمله التأويل الأداتي للسياسة، لكن من الخطأ الفصل بينهما؛ ذلك أن عدم إدراك جوهرها الحقيقي المرتبط بتجربة العيش المشترك (الفضاء العمومي)، بوصفها السلطة الحقيقية، وربطها (السلطة = السياسة) بسبب التحكم والإخضاع (التصور الأداتي)، كان مقدمة أولى لظهور هذه الأنظمة التي حوّلت السياسة من مجال لتجسّد الفعل

الجماعي الحر عبر الحوار، إلى مجال لممارسة الترهيب والتخويف والهيمنة تجاه الأفراد وعزلهم. إن استعمالنا مفهوم «الحرية الفلسفية» مرادفٌ للتأويل الذي منحته الفلسفة منذ أفاطون إلى اليوم للحرية، باعتبارها مجرد قدرة على الاختيار بين إمكانين أو أكثر، ولا تتجاوز حدود حرية التفكير والتأمل، أو حرية الإرادة، ومن ثم فهي حرية مفصولة عن الجماعة وعن الفعل المشترك، وليست مجسّدة عبر الحوار والتداول العموميين، بل تتحقق عبر التفكير أو الاختيار الحر المنعزل عن الفضاء

العمومي. كتبت أرندت نصّها عن الحرية بعيدًا عن الخطابات الفلسفية؛ لأن الحاجة التي أملت كتابته كانت حاجة سياسية تعبّر عن ضرورة فهم الخطر الذي يهدد الشرط السياسي للوضع البشري أكثر من التفكير

في مفهوم فلسفي. وسيحيل التفكير في «الحرية» – ليس باعتباره مفهومًا بل ممارسةً – على شرطهما المتمثلين في «المساواة» و«التعددية»، بوصف الفعل السياسي الحر ليس ممكنًا إلا بوجود تعددية (اختاف وليس تباينًا عدديًا) لأفراد متساوين في حق الانخراط داخل الفضاء السياسي، وممارسة حق

المشاركة في تسيير شؤونه. لا يمكن أن نفكر في «السياسة»، إذًا، إلا من خال مفاهيم الحرية والفضاء العمومي والمساواة والتعددية، من حيث هي «مداميك» كل تجربة سياسية حقيقية.

من التصور الفلسفي للحرية إلى التصور السياسي

لم يكن تفكير أرندت في «الحرية» جزءًا من عمل فلسفي تقليدي ينظر إليها (الحرية) بوصفها مفهومًا

فلسفيًا بامتياز، بل هو تفكير فيها بوصفها «القضية التي تشكل في حقيقة الأمر وجود السياسة ذاته»،

والحامل على التفكير فيها. ومن ثمّ، يرتبط طرح مسألة «الحرية» بالتفكير في جوهر «السياسة»، من حيث هي فعل حر. بهذا المعنى تجاوزت أرندت التفكير في مسألة «الحرية» فلسفيًا من خال مقولات

الإرادة والاختيار والسببية. وكلها مفاهيم طغت على تاريخ الحرية، وحجبت الكنْه الحقيقي لها، لتضع مكانها مفاهيم ترتبط بالفعل والنقاش والعمومية والممارسة. وهو خطأ ارتكبته الفلسفة عندما أخرجت

(((حنة أرندت، في الثورة، ترجمة عطا عبد الوهاب (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 0082)، ص.13

الحرية من مجال تداولها الحقيقي الذي بدأ مع اليونان (مجال المدينة؛ الحياة العامة) وأدخلتها إلى مجال غريب عنها (حياة الروح؛ الإرادة). ومرد هذا الفهم الخاطئ المتعلق بالحرية هو أن «اللغة التي نستعملها للحديث عن السياسة تكوّنت، قبلً، من خال تقليدنا الاسياسي (التأملي)» الذي ساد بعد تجربة المدينة – الدولة Polis، وجعل من الحرية مشكلة فلسفية تناقَش بعيدًا عن مكان ظهورها الذي هو مجال الفعل (الساحة العمومية). تقول أرندت: «عند الحديث عن مشكلة الحرية يجب أن نضع نصب أعيننا (سواء علمنا ذلك أم لم نعلم) موضوع السياسة باعتبار الإنسان مخلوقًا وُهِب موهبة العمل»؛ وذلك حتى نستطيع أن ندرك الحرية بالحرية، والسياسة بالسياسة.

1. التصور الفلسفي للحرية

تعود أرندت في تعاملها مع المفاهيم إلى تشكل الظهور البدئي للمفهوم لإزالة المعاني كلها التي صار يحملها المفهوم؛ حتى تترك له الفرصة كي ينكشف بالحرية كلها. وبناءً عليه، فإن فهم كنه «الحرية»، أو حقيقتها، هو في جوهره عمل يهدم ما يعرقل انكشاف هذا الكنْه. ولعل الحاجب الذي يخفي المضمون السياسي للحرية هو الفهم الميتافيزيقي لها الذي يربطها بإرادة الذات أو بحرية الاختيار libre Le arbitre. والحق أننا نجد – مع أرندت – في مونتسكيو قدرة على إدراك التمييز بين الحرية الفلسفية والحرية السياسية؛ إذ يعرّف «الحرية الفلسفية» بأنها «تقوم على ممارسة الإنسان إرادته أو على الرأي الذي يكون الإنسان عليه حين ممارسة إرادته على الأقل»؛ فتتحول الحرية بهذا المعنى إلى مجرد اختيار تقوم به الذات أو شعور داخلي بقدرتها على أن تختار بين أفعال عدة من دون إكراه داخلي لتصير منفصلة عن الممارسة أو الفعل. هي، إذًا، مجرد حرية ميتافيزيقية تُسجَن داخل الذات بعيدًا عن التفاعل مع الآخرين وتختزل الحرية في عبارة «أنا أريد، إذًا أنا حر». ويعني هذا أن حرية الفرد ترتبط فحسب بسيادته على أفعاله التي تخضع لإرادته وحدها. والحال أن انعطافة الحرية نحو تماهيها مع الإرادة ستبدأ مع القديس أوغسطين Augustin Saint الذي قال إنّ «حرية الإرادة تستمد جميع مادتها من قدرة داخلية للتأكيد أو الرفض»؛ أي تختزل في الأنا ذاته même – moi Je. من هذا التعريف تصير حرية الفرد نابعة من باعث داخلي يُعبّر من خاله عما يريد هو، كما تصبح قدرة على تحكم كل ذات بأفعالها عبر إرجاعها إلى الإرادة الداخلية لهذه الذات التي تستطيع أن تُثْبت أو تنفي من دون أن تكون خاضعة لغير سلطانها. هذا الشعور هو ما يجعل من الحرية شأنًا خارج العالم، وخارج تجربة العيش المشترك، ومنفصلة عن الفضاء السياسي.

(2) Dana Richard Villa, Arendt et Heidegger: Le destin de la politique , Christophe David & David Munnich (trans.), (Paris: Payot, 2008), p. 218.

(((حنة أرندت، بين الماضي والمستقبل: ستة بحوث في الفكر السياسي، ترجمة بشناق عبد الرحمن، مراجعة إبراهيم زكريا (بيروت: جداول للنشر والتوزيع، 0142)، ص.204 (((شارل مونتسكيو، روح الشرائع، ترجمة عادل زعيتر، ج 1 (القاهرة: كلمات عربية للترجمة والنشر، 0122)، ص.443 (((حنة أرندت، حياة العقل، الجزء الثاني: الإرادة، ترجمة نادرة السنوسي (وهران/ بيروت: ابن النديم للنشر والتوزيع/ دار الروافد الثقافية، 0172)، ص.107

تخرج الحرية من الفضاء العمومي، من الفعل، من البدء، من الحوار والنقاش السياسي، كي تُسجن في داخل الإرادة، وفي داخل سلطة الذات على أفعالها. فهي حرية غير سياسية؛ لأن مقولة «الإرادة» لا تنتمي إلى السياسة – من منظور أرندت – حيث تعزل الذات عن الآخر؛ لكون القدرة على النفي والإثبات ليست في حاجة إلى تفاعل مع الآخرين، مثلما أنها ليست في حاجة إلى الانفتاح على العالم، إنها حرية لا تخرج من دائرة الخصوصي بوصفها عالمَ ماقبل السياسة. ستصبح هذه الإرادة مع توما الأكويني d’Aquin Thomas Saint في خدمة الأخاق من خال أن غاية كل فعل «أريد» هي الخير؛ يسبق فعل الإرادة معرفة الاختيار الذاتي حتى تستطيع (الإرادة) أن تُدرك الخير من الشر، ومن ثمَّ تختار الخير غايةً لهذه الإرادة. يقول القديس توما الأكويني: «يجب أولً أن تكون هناك معرفة بالخاتمة [...] ثم المناقشة التي تخص الوسائل وأخيرًا الرغبة فيهما»، أمّا الشر

ف  « ليس مبدأً، بل ذهول محض » للخير. يصبح العقل والإرادة ملكَتين في خدمة الخير بوصفه غاية

كونية؛ على الرغم من أن توما الأكويني يعطي العقل أولويةً على الإرادة، انطاقًا من أن كل فعل إرادة يسبقه وعي بالهدف وبالوسائل التي تحققه، ومن دونه تظل عمياء في اختياراتها وغير قادرة على إدراك غايتها الكونية المتمثلة في الخير، وهكذا تصبح هذه الإرادة خاضعة للعقل وتابعة له. يُعيد دانس سكوت Scot Duns ترتيب العاقة بين العقل والإرادة بما يجعل الإرادة ذات أولوية عليه،

خافًا للقديس توما الأكويني؛ إذ يصبح العقل مجرد أداة تخدم هذه الإرادة؛ بمعنى أنْ «يصبح العقل بدوره مجرد موهبة خادمة»، تحدد موضوع الاختيار. وخارج هذه الوظيفة التي يقوم بها العقل (الفكر) لا مجال للحديث عن أهمية له. وعلى الرغم من الاختاف في تحديد العاقة بين العقل والإرادة بين أوغسطين وتوما الأكويني ودانس سكوت، لم يتجاوز فهم «الحرية» حدود الاختيار بين ممكنات عدة تُثبَت واحدة وتُنفى أخرى. إن الناظر، بالإجمال لا بالتفصيل، إلى التقليد المسيحي في فهمه لمسألة الحرية، لَواجد أنها صارت مجرد ملكة عقلية متعلقة بالإرادة بوصفها قدرة على الاختيار والنفي؛ ومن ثمَّ فهي حرية متيافيزيقية متعالية عن الواقع أو عالم السياسة، لأنها مجرد شعور داخلي بقدرة الذات على أن تختار وتُسيطر على اختياراتها. ويحجب الفهم الميتافيزيقي للحرية معناها الحقيقي ويسجنها في ظلمة الخصوصي (عالم الذات الداخلي)، ويقتلع جذورها من حياة الناس العامة، من منشئها الأصلي، من بدئها الأعظم الذي هو السياسة. استمرت – بحسب أرندت – «غربة» الحرية عن مجالها الحقيقي (السياسة) في الفترة الحديثة، كأنها تبحث عبر تاريخ استعمالها عن الرجوع إلى منشئها وولادتها، من دون أن تجد عند المحدثين ما يُسعفها كي تتطابق مع أصلها الذي هو السياسة. والحال أن شأن تماهي الحرية مع الإرادة في

(((المرجع نفسه، ص.140 (((المرجع نفسه. (((المرجع نفسه، ص.150

الفكر المسيحي مع ممثليه – القديس أوغسطين وتوما الأكويني ودانس سكوت – لا يختلف عن شأن غيره من الفاسفة المحدثين، خصوصًا إذا أدركنا أن الإرادة ستأخذ اهتمامًا «لا نكاد» نجد له نظيرًا في الفترة الحديثة التي عرفت «تأليهًا» لفكرة التقدم التي وسمت الحداثة مع حدثها المفصلي: الأنوار. اعتقد الفاسفة المحدثون أن البشرية ذاهبة من دون توقف نحو التقدم الذي يمثل بالنسبة إليها «خاصًا» salut Un، حيث تتجاوز كل ما كان يسبب لها «الألم» (الفقر والأمراض والاستبداد) نحو «قابليتها لاكتمال» perfectibilité La، وتكون البشرية، هنا، مدفوعة بإرادتها نحو خاصها وتحررها من كل ما يعرقل تقدّمها، بوصف هذه الإرادة قوة لامرئية نجدها في «اليد الخفية» لآدم سميث، وفي «مكر الطبيعة» لكانط، أو في «شراك العقل» مع هيغل. وتختفي هذه الإرادة وراء الرغبة الجامحة في التقدم الذي انتقل من مجال العلوم إلى مجال الشؤون البشرية كي «يصير برنامج الجنس البشري» المدفوع با توقف نحو اكتماله؛ لأن الزمن الحديث مفتوح دائمًا على المستقبل الذي يتوقعه الفكر. وهنا تتحالف الإرادة مع الفكر من جديد؛ لأن ما يدركه الفكر، أو يرسمه، تستطيع الإرادة أن تُنجزه. أضحت الإرادة في داخل هذا السياق التاريخي والفكري قطبَ الرحى الذي تدور في فلكه المفاهيم الأخرى كلها، لكنها لم تتجاوز حدود المفهوم الفلسفي أو الفكرة التأملية؛ فابتعدت بذلك عن السياسة لأنها لم تعُد ممارسة واقعية مجسّدة في «أستطيع»، بل مجرد «مفهوم مشخص»، لكنها ستفرغ من كل محتوى مع نيتشه؛ ذلك أنها لم تعُد تختار غير ذاتها؛ أي إرادة قوة من أجل القوة عينها، لا تبحث عن شيء غير نموّ إرادتها من دون توقف. أمام هذا التراث الفلسفي – الفلسفة المسيحية والفلسفة الحديثة – ولإدراك الماهية الحقيقية للأشياء، ينبغي الاستعاضة عن التصور الفلسفي للحرية كي تدرك الحرية بالحرية؛ أي إن علينا أن نضع تصور الفاسفة جانبًا كي نضع ناظرنا على الفاعلين، فمن خالهم نستطيع أن ندرك أن الحرية لا توجد بمعزل عن الفعل والممارسة. وبعيدًا عن حياة المدينة ليست الحرية إلا وجودًا بالقوة. والحال أن «الحرية بالقوة ليست إلا اسمًا».

(((هي عند فردريك ويلهم شلنج (854–17751) الوجود الأصلي. 1(((يقدّم نيكولا دي كوندورسيه، أحد أعام التنوير، رصدًا لتطور الفكر البشري نحو اكتمال البشرية في كتابه: مخطط إجمالي

لجدول تاريخي لتقدم الفكر البشري الذي كتبه في الفترة، انظر 794–1793:1

Nicolas de Condorcet, Esquisse d’un Tableau Historique des Progrès de l’esprit Humain (Michigan: University of Michigan Library Publisher, 2009). (11) Ibid., p. 180. (12) Ibid. (13) Ibid., p. 225. (14) Etienne Tassin, Le Trésor perdu: Hannah Arendt, L’intelligence de L’action Politique (Paris: Payot, 1999), p. 282.

2. التصور السياسي للحرية

أدركت أرندت أن فهم «الحرية» غير ممكن إلا بالعودة إلى اليونان والرومان، بوصفهم هم الذين فهموا الحرية جيدًا من حيث إن «معنى السياسة هو الحرية»، وخارجها لا يمكن أن نتحدث عن «الحرية» إلا بوصفها شعورًا، لا واقعًا أو فعلً وممارسة. والحق أن فهمها «الحرية» هو فهم مرتبط بفهم «السياسة» من خال مفاهيم تتعلق ب «الفضاء العمومي» و«السلطة» و«المدينة» و«النقاش» و«التعددية» و«المساواة»، وهي كلها مفاهيم تتشابك فيما بينها وتدور في فلك واحد؛ هو «الفعل» L’action. وتنقلنا شبكة المفاهيم هذه من الحديث عن الحرية في داخل إطار مقولات عقلية (الإرادة والوعي والسببية) إلى الحديث عنها باعتبارها فعلً يُنجز في داخل فضاء عمومي، من خال النقاش والحوار بين أفراد متساوين، من حيث إن لكل واحد الحق في أن يُعبّر عن رأيه؛ أي إن «الإنسان لن يكون حرًا

إلا إذا امتلك مكانًا أو دارًا في هذه الدنيا». تتعلق الحرية بالرأي أكثر مما ترتبط بالإرادة، وهذا ما

نلفيه في تعريف مونتسكيو للحرية السياسية، حيث قال: «تقوم الحرية السياسية على السامة أو على الرأي الذي يكون لدى الإنسان حول سامته على الأقل». وحينما تكون الحرية فعلً يتجسّد من

خال الحوار والكام، لا مجرد شعور داخلي للذات بالقدرة على الإثبات والنفي، فإن مكان تحققها هو الساحة العمومية أو الفضاء العام، حيث يتعذر وجود «الحرية إلا في الفضاء الوسيط الخاص بالسياسة». من ثمَّ لا يمكن أن نتكلم على أحرار من دون أن تكون لهم القدرة على الظهور العلني أمام الجميع وأمام رؤى مختلفة؛ إذ تصبح الشجاعة هنا هي القدرة على التعبير العلني عن الأفكار وتقبّل أحكام الآخرين التي تشكل جزءًا من الحرية بوصفها فعلً. ورفع كانط – فيلسوف السياسة

بامتياز عند أرندت – شعار «الجرأة» و«الشجاعة» في استعمال العقل Aude Sapere كحالة يخرج فيها الإنسان من قصوره إلى رشده. ويقتضي هذا الاستعمال الشجاع للعقل فضاءً عموميًا بوصفه فضاءً

لحرية الفكر، بعيدًا عن رقابة أي سلطة (اجتماعية أو سياسية أو دينية أو فكرية)؛ أي إن «الاستعمال العمومي للعقل ينبغي أن يكون دائمًا حرًا». والاستعمال العلني للعقل هو استخدامه أمام مجموع

العموم. إن فهم الحرية باعتبارها تجربةً سياسيةً هو عود إلى الوراء نحو تجربة اليونان والرومان السياسية ونحو تجربة المدينة – الدولة Polis وتجربة الجمهورية publica Res، حيث تجسّدت معالم تجربة فريدة

تمثلت في قدرتهم على إيجاد نقاش عمومي حر متعلق بشؤونهم العامة، بعيدًا عن العنف أو الإكراه.

1(((حنة أرندت، ما السياسة؟ ترجمة وتحقيق زهير الخويلدي وسلمى بالحاج مبروك (الرباط/ الجزائر/ بيروت: دار الأمان/ منشورات الاختاف/ منشورات ضفاف، 0152)، ص.26 1(((أرندت، بين الماضي والمستقبل، ص 2.07–206 1(((مونتسكيو، روح الشرائع، ص.443 1(((أرندت، ما السياسة؟ ص.8 1(((إمانويل كانط، ثاثة نصوص: تأمات في التربية ما هي الأنوار؟ ما التوجه في التفكير؟ تعريب وتعليق محمود بن جماعة (صفاقس: دار محمد علي للنشر، 0052)، ص.88 (2((المرجع نفسه.

هذه التجربة التي عبّرت عنها الساحة العمومية جعلت من هؤلاء – بالنسبة إلى أرندت – بدءًا أعظم،

لا يمكن أن نفهم معه حقيقة «الحرية» أو السياسة إلا بالعودة إليهم؛ لأن «الحرية في زمن الإغريق والرومان القدماء، كانت مفهومًا سياسيًا صرفًا». بهذا المعنى، كي نفهم الحرية بالمعنى السياسي،

«يجب أن ننصت للتجربة اليونانية للفضاء السياسي والتجربة الرومانية للتأسيس». هي حرية القدماء التي ارتبطت عندهم بقدرة كل فرد على الفعل، على البدء، على التأسيس، على إيجاد شيء جديد في هذا العالم، انطاقًا من أن الفعل Agir المشتق من Agere يعني حرّك شيئًا، و Gerere بوصفه تدويم

شيء وجعله مستمرًا؛ وهي كلها صفات تُطلق على كل مواطن حر يقدر على إنجاز شيء جديد في

الوجود، عبر قدرته على الفعل والكام والحوار والتفاعل مع الآخرين. أما الحرية عند الرومان، فمرادفة لفعل التأسيس الذي بنى روما كبدء لتاريخ الدولة الرومانية، والنموذج الذي ينقاد به الفعل السياسي في المجتمع الروماني. الحق أن هذا الفهم للحرية يتعارض مع كل من ينظر إليها باعتبارها قدرة على الاختيار أو استقالية ذاتية؛ بل إن الحرية «تتكوّن من المشاركة الفاعلة والدائمة في السلطة الجماعية»؛ أي قدرة الفرد

على التأثير في الحياة العامة فاعلً لا مريدًا، حيث لم يكن الاهتمام بالحياة الخاصة لأنها ليست جزءًا

من حياة السياسة، فما يهم هو أن يكون «الفرد سيدًا في الشؤون العامة». إن حرية القدماء هي حرية سياسية لا ملكة عقلية أو شعورًا داخليًا، وتتجسد في ميدان الحياة السياسية، بوصفها الحياة الحقيقية

التي يمارسها فيها الإنسان، الحرية كفعل بعد أن يتحرر من حاجاته العضوية. أنشِئت المدينة – الدولة من أجل أن تكون مكانًا لممارسة الفعل السياسي الذي هو في جوهره فعل حر، بعيدًا عن عالم الفرد الخاص – عالم الأسرة؛ عالم الاحرية – بوصف المدينة مكانًا جديدًا فُتح أمام الفرد الفاعل لا أمام النوع الحيواني zoé la. لهذا كان اليونان يعتبرون التحرر من الضرورة البيولوجية أول فضيلة تمكّن الإنسان من أن يدرك ماهيته الحقيقية، من حيث هو «حيوان سياسي» يرتبط ب «الحيوان الناطق»، انطاقًا من أن اللغة تمنح الفرصة للمواطن بأن «يتجلى» و«يظهر»؛ لأنه يخرج من ظلمات الخصوصي نحو عالم المدينة، ويستطيع أن يتفاعل مع الآخرين من خال اللغة (الكام). هي كلها عناصر اجتمعت لتشكل التجربة اليونانية الفريدة: المدينة واللغة والحرية. فالانتقال من خطاب شفوي إلى خطاب عقاني مُنظّم بقواعد، تازَم مع تأسيس المدينة وبداية الانشغال بالسياسة، حيث الحاجة إلى طريقة جديدة للخطاب قائمة على الحوار العقاني وعلى الإنصات إلى الآخر، بعيدًا عن عاقة الهيمنة والسعي لفرض الرأي على الآخر. ومنحت هذه الأداة مكانًا أرحب لليوناني للخروج من عالمه الخاص والارتباط بعاقات مع الآخرين أساسها المساواة. كما كانت اللغة عاملً أساسيًا في

(((2 أرندت، بين الماضي والمستقبل، ص.219

(22) Carole Widmaier , Fin de la Philosophie Politique? Hannah Arendt Contre Strauss (Paris: CNRS Editions, 2012), p. 198. (23) Christian Trottmann , Faire, agir, contempler: Contrepoint à la condition de l’homme moderne de Hannah Arendt (Paris: Sens & Tonka, 2008), p. 501. (24) Ibid., p. 496.

بناء تعددية حقيقية على المشهد السياسي لأثينا؛ لأن الحوار يفتح الفرد على خطابات أخرى، على رؤى مختلفة تمنح أفكاره واقعية تعرض على أحكام الغير؛ ومن ثم أمام مجال للكونية، انطاقًا من أن أفكاره لم تعد ملكًا خاصًا له، بل أصبحت مشتركًا جماعيًا. وجعلت اللغة والمدينة اليوناني مواطنًا

فاعلً يستطيع أن يشارك برأيه في تدبير شؤونها العامة، وأن يعلن عن مواقفه تجاه قضاياه السياسية، كما جعلته يدرك أهمية أن يكون حرًا، أن يكون مواطنًا، أن يكون حيوانًا سياسيًا، وليس مجرد نوع في داخل

حلقة ثابتة تبدأ بالإنتاج وتنتهي بالاستهاك للبقاء. يستطيع الفرد، الآن، أن يتحرر من الضرورة، وأن يبدع ويخلق ويفعل شيئًا جديدًا، وأن ينقش فعله في داخل الساحة العمومية كي يصير كاملً، بعد أن كان محرومًا من الآخرين ومن الانفتاح على العالم. نستطيع أن نقول إن تجربة المدينة – الدولة «مثّلت

الإنسان إجمالً في بُعدِه السياسي». لا نستطيع أن ندرك الحرية ما لم ندرك منشأها وتجلّيها الأول الذي هو المدينة – الجمهورية من حيث هي فعل يتجسد بوساطة الحوار والنقاش والتداول والاستعمال العلني للفكر الذي يأخذ طابعًا سياسيًا

في داخل هذه التجربة؛ لأنه ليس مجرد حوار داخلي بين الذات ونفسها، وإنما الفكر بوصفه حوارًا مع أنا آخر؛ مشاهدًا أو حكمًا jugement Un، بل حتى اللغة تأخذ معنى سياسيًا من خال أنها حوار أو

نقاش عمومي. تبرز لنا تجربة المدينة أن الحرية ليست غاية السياسة مثلما فهم فاسفة العقد الاجتماعي الذين نظروا إلى الدولة من حيث هي مؤسسة سياسية، وهي مجرد وسيلة تضمن للأفراد الحرية؛ حرية التعبير والتفكير وحرية التنقل والتدين. ومن «الخطأ» اعتبار الحرية شيئًا خارج السياسة، ومجرد هدف تسعى إلى تحقيقه وليس كنه السياسة ومضمونها؛ بمعنى أن السياسة صارت أداة والحرية غاية لتدمر وحدة السياسة والحرية التي خلقها اليونان والرومان، وتصير كلتاهما جوهرًا متمايزًا. ويعود مردّ هذا

الخطأ إلى عدم إدراك الحد الفاصل بين الغاية والمعنى. فالأولى توجد خارج الشيء منفصلة عنه وتنتهي بمجرد تحققها، أما المعنى فمحايث للشيء، وهما يشكان جوهرًا واحدًا. فهذا جان جاك

روسو Jean–Jacques Rousseau 778–1712(1) يضع في مؤلفه في العقد الاجتماعيحرية المواطن عامة على النظام الأفضل والأصلح، أما سبينوزا، فيرى أنّ الحرية «هي الغاية الحقيقية من قيام الدولة». والحال أن المشترك هو الذي جعل الحرية غاية – معيارًا، نستطيع أن ندرك من خالها النظام الأفضل لإنسان؛ أي النظام الذي ستُحقق فيه حقوق الفرد. وهي حرية توجد بعديةً، لا في داخل السياسة، بل منفصلة عنها، بينما الحرية كما تجسّدت في أثينا هي فعل سياسي يمارس داخل الفضاء العمومي؛ بمعنى أنّ الحرية والسياسة الشيء عينه، بل «من دونها [الحرية] لا معنى للحياة السياسية

(25) Trottmann, p. 25.

2(((جان جاك روسو، العقد الاجتماعي أو مبادئ الحقوق السياسية، ترجمة عادل زعيتر، ط 2 (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 9951)، ص.137 2(((باروخ سبينوزا، رسالة في الاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم حسن حنفي، مراجعة فؤاد زكريا (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 0052)، ص.437

كحياة سياسية»؛ لأن «السبب المبرر للسياسة هو الحرية ». يتأكد هذا من خال تجربة اليونانيين الذين يرتبط عندهم الوجود السياسي بأن يكون الفرد حرًا من خال تحرره من الضرورة التي تمثلها حياة الأسرة، حيث يُترك المجال الخاص للعبيد الذي يقومون بالأعمال اليدوية؛ كالفاحة والرعي والسخرة، في حين يهتم السادة بالشأن العام (الحكم والنظر في شؤونهم السياسية). فالفصل بين ما هو سياسي وما هو اجتماعي تمييز بين حدود الضرورة ومجال الحتمية، لهذا كان «إشباع الحاجات الجزئية لا يوجد في دائرة الحرية، بل تحال تمامًا إلى طبقة العبيد». وبتحرر الفرد من هاجس الحفاظ على النوع، يدرك بعده أو كنْهه الحقيقي؛ من حيث هو إنسان سياسي politicus Homo، وُهِب قدرة على الفعل والكام بوصفه «حيوانًا عاقلً وناطقًا» ekon logon Zoon، ليصير الإنسان «كائنًا حيًا سياسيًا عاقلً ناطقًا». وأدرك الإغريق أن الدخول إلى المدينة كمجال سياسي رهين تحقيق الاكتفاء الذاتي وإشباع حاجات الجسد؛ فجعلوا هذا عملً يقوم به العبيد بوصفهم كائنات محرومة من اللوغوس logon Aneu؛ أي غير قادرة على أن تمارس السياسة، لأنها لم تحرر من عبودية الضرورة. إن التحرر الأول هو انعتاق من مجال قبل – سياسي، حيث إنها حرية غير سياسية، لكنها شرط رئيس لحرية سياسية تمارس عبر الحوار، عبر الكام الحر القائم على الإنصات وقبول الآخر والنظر إليه بوصفه نظيرًا – شبيهًا؛ لأن الكام parole La في إطار المجال الاجتماعي ليس فعل مساواة Isegoria، بل أمر وإكراه مصدره سلطة السيد على العبيد، في حين أن السلطة داخل «الأغورا» موجودة في كل مكان، عند كل شخص يتكلم، كحق مشترك وليس امتيازًا اجتماعيًا. وهكذا، فإن النشاط الأهم بالنسبة إلى الكائن الحر هو الانتقال من الفعل إلى الكام، من النشاط الحر إلى الكام الحر. تتجسد الحرية، باعتبارها تجربة سياسية، في الفعل والكام من حيث إن الفعل والكام شيء واحد داخل «الأغورا»، لأن الكلمات العظيمة هي فعل عظيم يعبّر عن «معجزة» داخل الوجود بوصفه قدرة على إيجاد شيء جديد؛ ذلك أنّ «معجزة الحرية تتمثل في سلطة البداية، والتي بدورها تتمثل في الواقع أن كل إنسان بفعل ولادته، قدم إلى عالم يسبقه في الوجود وينتهي بعده، وتوجد فيه بداية جديدة». يتجلى هذا التماهي بين الفعل والحرية من خال اشتغال أرندت بالاشتقاق اللغوي والعودة بالكلمات إلى أصلها للبحث في إحالتها على فعل الحرية. هكذا نجد أن Agir تعني Archein؛ أي «بدأ» و«قاد»، أمّا Agere فتفيد فعل تحريك شيء، مثلما تعني الممارسة Prattein «نقل»، ومعنى الذهاب إلى أبعد

2(((أرندت، بين الماضي والمستقبل، ص.204 (2((المرجع نفسه. 3(((هيغل، أصول فلسفة الحق، ترجمة وتقديم وتعليق إمام عبد الفتاح إمام، ج 2 (بيروت: دار التنوير، 0102)، ص.272

(31) Myriam Revault d’Allonnes, Le dépérissement de la politique: Généalogie d’un lieu commun (Paris: Aubier, 1999), p. 35.

(((3 أرندت، ما السياسة؟ ص.45 (((3 المرجع نفسه، ص.31

نقطة وإكمال شيء ما. ويمارس الفعل السياسي في داخل فضاء عمومي بحضور الآخر؛ لأنه يستحيل الحديث عن فعل سياسي في العزلة قياسًا على الشغل والعمل. لهذا كان تأسيس المدينة أو الجمهورية إجابة عن الحاجة إلى مسرح تتجسد فيه أفعال المواطنين (كلماتهم ونقاشاتهم وآراؤهم وأحكامهم وقراراتهم). إن «البوليس يجب أن يؤسس لضمان بقاء الأفعال الضخمة والكلمات الإنسانية الكبرى»، بوصف الفضاء العمومي الواقعَ الحقيقيَّ؛ لأنه يُخرِج الأفكار من خصوصيتها كي يمنحها

شهادة الكونية، ويفتحها على رؤى أخرى تجعله يكتشفها من جديد في أحكام المشاهد بوصفه جزءًا

من الفعل، وتصبح مشتركًا بين جميع المواطنين؛ إذ «ليس هناك عالم واقعي غير العالم المشترك»؛ ليس العالم بوصفه أشياءَ أو موادَ أو ظواهرَ طبيعية، بل بوصفه عاقات وشبكةً من الروابط التي يخلقها

الفعل بين الناس، حيث لا يحتاج إلى الإكراه أو العنف، بل إنّ وسيلته هي الحوار القائم على تعددية الأفراد المتساوين. فالعالم الحقيقي عند أرندت هو عالم الفعل والممارسة والحركة، انطاقًا من أنّ «حرية الحركة هي أيضًا الشرط الضروري للفعل»؛ الحركة ليست نشاطًا فيزيائيًا، بل هي قصدٌ أو

توجهٌ نحو الآخر، نحو المختلف، بتوسل اللغة والكام الحر. ويعني هذا أن الحرية تفهم وجودًا في العالم ووجودًا مع الآخرين. والحق أنه يظهر، هنا، حضور مارتن هايدغر من خال فهم الوجود الأصيل والحقيقي من حيث هو «انفتاح على الوجود»، والحرية كتجلٍّ لهذا الوجود من دون إكراه. نفهم من هذا أن الحرية انكشاف وظهور للوجود، وهي عند أرندت تجلٍّ لل «مَنْ؟» Le qui?، عبر فعله وكلماته وقراراته، بوصفها «فعاليات الحرية». لقد انتقلت أرندت إلى الحرية كنمط لوجود الإنسان؛ ليس الوجود الخاص، بل الوجود السياسي الذي يجعل من الحرية «ظاهرة دنيوية Mondaine، تبرز في الفعل الجماعي»، في تفاعل مع الآخرين؛ أي إن «هذا المفهوم مؤسس أنطولوجيًا بجعله منفتحًا

على الفضاء السياسي» الذي ينقذ الفرد من عزلة الحرية الداخلية، حرية الاختيار، فحتى في ارتباطها بالإرادة كقدرة على النفي والإثبات، فإن «السلطة العليا للفرد المعزول ضعيفة وعاجزة، أو بمعنى آخر لا سلطة لها». والحق أن «العجز»، أو الأجدر «هشاشة الفعل البشري»، لَهُو الحامل على تأسيس فضاء سياسي – عمومي يخلّد فعل الإنسان وينقله من عدم استمرارية الحياة البيولوجية التي تتوقف بفناء النوع، إلى ثبات ودوام للحياة السياسية التي تفتح الفرد على خلود أفعاله؛ حيث تصبح جزءًا من

ذاكرة جماعية هي «المدينة».

(34) Anne Amiel, Le vocabulaire de Hannah Arendt, collection dirigée par Jean–Pierre Zarader (Paris: Ellipses, 2007), p. 8.

3(((أرندت، ما السياسة؟ ص.45

(36) Michel Dias, Hannah Arendt: Culture et politique (Paris: L’Harmattan, 2006), p. 29. (37) Hannah Arendt, Vies politiques, Barbara Cassin & Patrick Lévy (trans.), (Paris: Tel Gallimard, 2006), p. 17.

3(((أرندت، في الثورة، ص.345

(39) Villa , p. 219. (40) Antonia Grunenberg, Hannah Arendt et martin Heidegger, histoire d’un amour, Cédric Cohen Skalli (trans.), (Paris: Payot, 2009), p. 402.

(((4 أرندت، ما السياسة؟ ص.87

3. الثورة بوصفها تأسيسًا للحرية السياسية

أدرِجت قراءة أرندت لظاهرة «الثورة» ضمن هذا السياق الذي يحاول الإنصات إلى الماضي وإعادةُ استذكار مفاهيمه التي اختفت معانيها. ويتمثل هذا السياق في القطع مع كل تقليد فلسفي للحرية يقتلع جذورها من واقعها الحقيقي الذي هو السياسة. بمعنى من المعاني، تخضع قراءة أرندت لظاهرة «الثورة» لهاجس التفكير في السياسة بالسياسة؛ أي إرجاع الثورة إلى مجالها الحقيقي الذي هو السياسة. تأسيسًا على هذه المقدمة، فإنّ فهم الثورة لتجربة سياسية يقتضي إدراكها تأسيسًا للحرية، وليس إجابة

عن أسئلة غير سياسية (الهاجس الاجتماعي والحصول على السلطة). يجب أن تكون الغاية من كل ثورة هي الحرية السياسية وتأسيس فضاء للحرية وللفعل؛ لهذا فإنّ كلمة «ثورة» لا تنطبق إلا على الثورات التي يكون هدفها الحرية. والحال أن أرندت تجد في الثورة الأميركية مثالً تقيس عليه تعريفها للثورة بأنها «بدء جديد» لا يتوسل العنف؛ لأنه يحوّلها من تأسيس حر إلى حرب يكون هدفها

امتاك السلطة أو أجهزة الدولة. تنحرف الثورة، عند أرندت، عن مسارها الصحيح وتتخلّى عن مطالبها الحقيقية حينما تُدرك نفسها أنها مجرد أداة لتحقيق المطالب الاجتماعية وتحرير الطبقات الفقيرة من الظلم الاجتماعي، وإعادة توزيع ثروات المجتمع، فيدرَك تحرير الأفراد من الحاجة (الفقر) حريةً، في حين أن الجمع بين متناقضين: الحرية والضرورة غير ممكن. فالتحرر الأول ليس إلا مدخلً للحرية، لكنه لن يكون بهذا المعنى، أمّا الحرية فهي التي تجسد في الميدان السياسي – حرية الرأي والنقاش والتداول – الفعل. ومن الخطأ الاعتقاد أن الحاجة هي التي تدفع الناس إلى الثورة؛ لأن الفقر ليس دافعًا وحاملً على التمرد بسبب كونه لا يضع نصب عينيه تحقيق الحرية التي تشكل له «ترفًا» لا مطلبًا؛ لهذا أدرك اليونان أن

ظهور الفرد الحر (المواطن) لن يكون إلا بالحسم مع كل ما يأتي مما هو اجتماعي. وتقوي أرندت فكرتها، هذه، المتعلقة بأن المسار الحقيقي للثورة محكوم بهاجس الحرية السياسية وبتأسيس فضاء لممارستها، بما قاله جورج واشنطن: «فتحت الثورة الأميركية عيون كل الأمم الأوروبية تقريبًا، وإنّ

روح الحرية المتساوية تظهر منتشرة في كل مكان». هو امتياز حصّلته الثورة الأميركية في عيون حنة أرندت؛ لأنها لم تنصرف إلى تحقيق سعادة الفقراء وإنقاذهم من البؤس الاجتماعي، بل «ظل مسار الثورة الأميركية ملتزمًا بتأسيس الحرية وإقامة مؤسسات دائمة»، عبر التحرر من الاستبداد السياسي الذي يمنع إقامة مؤسسات سياسية تضمن للأفراد أن يمارسوا حريتهم السياسية (القول؛ الفعل)؛ وليس

(((4 أرندت، في الثورة، ص.38 (((4 المرجع نفسه، ص.92–91 (((4 تعبِّر أرندت عن إعجابها بانشداد المجتمع الأميركي إلى الحرية، قائلة: «هناك، حقًا، شيء مثل الحرية، وكثير من الناس يشعر

أنه لا يمكن العيش من دون حرية»، انظر:

Lettre d’Hannah Arendt à Karl Jaspers, le 29 janvier 1946 in: Hannah Arendt & Karl Jaspers,  La philosophie n’est pas tout à fait innocente, Éliane Kaufholz–Messmer (trans.), (Paris: Payot, 2008), Lettres choisis et présentées par Jean–Luc Fidel, p. 186. (45) Ibid., p. 138.

التحرر من شقاء الحاجة. كل ثورة تفقد بوصلتها المتمثلة في تأسيس فضاء للحرية السياسية تفقد معنى الثورة؛ لأنه «ما من شيء قد عفا عنه الزمن أكثر من محاولة تحرير البشرية من الفقر بوسيلة سياسية؛ فهذا أكثر عبثًا وأكثر خطرًا». هكذا انحرفت الثورة عن جادّة الحرية بوصفها معجزة أو تأسيسًا جديدًا

في داخل العالم الذي يرتبط بقدرة الأفراد على أن يخلقوا شيئًا جديدًا بكل حرية. ليس الخطر، حصرًا، في أن تخرج الثورة عن مسارها الحقيقي، بل حينما تتحول من بدء جديد مؤسس

لنظام للحرية إلى عنف وقوة وحرب، تبرر من خال السعي إلى تخليص المجتمع من شقائه بالدماء. نفهم من هذا أن قراءة أرندت للثورة في جوهرها نقدٌ لماركس الذي لم يضع الحرية غاية كل ثورة، بل ربط نجاح الثورة بتحقق المطالب الاجتماعية للبروليتاريا عبر دكتاتوريتها التي تمكّنها من السيطرة على أجهزة الدولة، بوصفها مجرد مؤسسة لحماية مصالح الطبقة البرجوازية؛ ومن ثم إرجاع السلطة إلى طبقة العمال بما يضمن تحقق مجتمع من دون طبقات. لقد تماهت الثورة، هنا، مع العنف لأنها بقيت محكومة بهاجس الضرورة، وهو الاستغال الاجتماعي الذي يتعرض له العمال. وفي مقابل هذا الفهم، كانت الثورة الأميركية ترى في قيام الجمهورية تأسيسًا للحرية وليس «بفعل ضرورة تاريخية، ولا

بفعل تطور عضوي، بل جاءت بفعلٍ متعمد ألا وهو تأسيس الحرية». أدركت أرندت في عملها أن المفاهيم تتعرض ل «سوء فهم» ينتج من غياب وعي حقيقي بتاريخ المفهوم، لهذا كانت تركز على أن الفهم هو إزالة سوء الفهم. ومن سوء الفهم أن نخلط بين ما هو خصوصي وما هو عمومي، أن نخلط بين ما هو اجتماعي وما هو سياسي، بين الضرورة والحرية، حيث من غير الممكن أن ندخل مفاهيم حقلها المجال الخصوصي إلى المجال العمومي أو العكس؛ إذ إن الثورة بما هي فعل حر ليست «خاصًا» للبشرية من مشكاتها وحاجاتها الاجتماعية، بل هي سعي نحو تأسيس دساتير ودول تتحقق فيها الحرية السياسية؛ عبر الحوار والتداول العموميين. فالاعتقاد أن هدف الثورة هو تخليص المجتمع من أوضاعه الاجتماعية المزرية، يُفقد الثورة نفسها معناها السياسي

المتمثل في تأسيس فضاء سياسي حر. لهذا فإن «الحرية ستتحاشى أولئك الذين يميلون إلى العيش من أجل رغباتهم»، وستتحاشى أرندت أن تحمل كلمة الثورة على الباحثين عن السعادة الاجتماعية والتحرر من الفقر والظلم الاجتماعيين؛ لأن الثوار بالمعنى الحقيقي للكلمة هم أولئك الذين يتحررون من العبودية والعنف وينشدون تأسيس فضاء سياسي كي يمارسوا حريتهم السياسية.

خلاصة

قد يبدو تصور أرندت للسياسة ضربًا من المثالية لا يصيب في فهمه لها لأنه يُغيّب الواقع، وهو

تصوّر ندرك السياسة من خاله؛ باعتبارها ممارسة للسلطة تسعى إلى إخضاع المجتمع والسيطرة

على أفراده. إنّ هذا الحكم يرتفع حينما نُدرك أن أرندت كتبت وفق سياق زمني نضج فيه فكرها،

4(((أرندت، في الثورة، ص.157 (4((المرجع نفسه، ص.317 (4((المرجع نفسه، ص.197

وبهاجس وجودي نَظم هذا الفكر. نقصد هنا بهذا السياق والهاجس تجربة الحكم الشمولي مع قيام نظام هتلر في عام 9331، هذه التجربة التي رأت فيها أرندت أكبر تهديد يتعرض له وجود الإنسان وشرطه الذي هو الحرية؛ إذ حوَّل السياسة من مكان للحوار والنقاش والمساواة بين الناس

وتحقيق التعددية السياسية والفكرية إلى ميدان للعنف والترهيب والتخويف، وتحويل السلطة من قدرة على الفعل والكام الحُرَّين إلى وسيلة للقمع والهيمنة والسيطرة والتحكم. والحال أن تحليل

أرندت العميق لهذا الحكم، كما عرضته في ثاثيتها أصول التوتاليتارية، يُدرَك ككتابة عن السياسة

بتعارض مع هذه التجربة في السلطة التي دمّرت جذور السياسة الممتدة نحو تجربة أثينا وروما،

وجعلت منها ترهيبًا وتخويفًا يسعى إلى تدمير شرط وجود الإنسان المتمثل في الحرية عبر القضاء

على كل تجربة للوجود المشترك، كما يؤسس لها الفضاء العمومي، باعتباره المجال الوحيد الذي يستطيع فيه الفاعل ممارسة حريته، كونها قدرة على المشاركة في ممارسة السلطة، وتداولً عموميًا

في شؤون «المدينة»، لا قدرة على الاختيار بين ممكنات وأخرى، أو شعورًا داخليًا بسلطة الذات

على اختياراتها، كما سقط في ذلك الفهم الفلسفي. أمام هذا النظام التوتاليتاري الذي يقوم على أيديولوجية «سمو العرق» بوصفها مطلقة، ومن ثم القضاء على الأعراق الأخرى، وعلى الترهيب والتخويف والقضاء على الرافضين والمتمردين لأفكاره، ولا يتوقف إلا حين يقضي على كل فضاء سياسي حر ويشتت الناس ويعزل بعضهم عن بعضهم الآخر، ويدب الخوف في نفوسهم، حيث يصيرون غير قادرين على الكام أو الاحتجاج أو التمرد، من جهة أنه نظام لا يملك غاية محددة غير الترهيب والتخويف للقضاء على الحرية السياسية؛ لأنه لا يحكم الناس بغير القوة والعنف، رأت أرندت أن مواجهة هذه التجربة الجديدة في الحكم، بوصفها تجربةً، غير سياسية، وذلك لأنها تتوسل وسائل غير سياسية متمثلة في العنف والهيمنة والسيطرة المطلقتين، تقتضي إعادة التفكير في السياسة بالإنصات إلى الماضي؛ ليس حنينًا، بل كبحث عن «إجابة»، عن هذا الهاجس الوجودي قبل السياسي. والحق أن المقاومة تكمن في إعادة بناء تجربة سياسية قائمة على الحرية بوصفها ممارسة وليس شعورًا؛ بوصفها فعلً سياسيًا يقوم على المشاركة الجماعية، ويجعل

من السلطة خاصية للجماعة التي تجرى في داخل فضاء عمومي يستطيع فيه الفاعلون السياسيون أن يقتسموا أفكارهم، وأن ينظروا في القرارات المتعلقة بالشأن العام. وحين تصبح السياسة فعلً للحرية (السلطة) الممارسة في داخل فضاء للتجلي والظهور، فإنها تستعيض عن العنف بأدوات أخرى للتحقق، تكون هي الحوار والنقاش والتداول، حيث تحل اللغة محل القوة والإكراه؛ مثلما تُبنى العاقات السياسية بين الفاعلين، وفق هذه الأداة، على أساس أفقي، متجسدة في «أمارس السلطة مع» مكان «أمارس السلطة على». ولعل بناء السلطة داخل العاقات السياسية بين الفاعلين، وليس جعلها فعل مؤسسات أو اختصاص فئة ما، هو في حد ذاته إدراك للجماعية في الفعل التي تشكل مناعة ضد كل تسلط أو شمولية في الحكم. نعني بهذا أن السلطة حينما تصبح فعلً تقاسميًا بين الأفراد، فإننا ندرك قدرة الفرد على مواجهة كل رغبة في الهيمنة والسيطرة يميل إليها النظام

(4((الإمبريالية، معاداة السامية، النظام التوتاليتاري.

السياسي الذي لا ينفذ أمره إلا حينما يجرد الفرد من بعده الجماعي، ويحتكر السلطة بجعلها قدرة على الإخضاع والتحكم عبر القوة والكذب الأيديولوجي، وليس قدرة على المشاركة في اتخاذ القرارات السياسية. هكذا تتشابك مفاهيم «الحرية» و«السلطة» و«الفضاء العمومي»؛ كي تقدم وجودًا سياسيًا حقيقيًا يُدرِك

من خاله الفرد قدرته على التعبير عن رأيه، وعلى ربط عاقات بين الأفراد، أساسها الحوار والنقاش والانفتاح على أحكام الآخرين ورؤاهم الخاصة حتى لا تسقط السلطة (الفعل السياسي) في الإطاقية، وتصبح متماهية مع العنف والقوة، لهذا فهمتها أرندت في سياقها السياسي الذي استُعمِلت فيه؛ أي بوصفها فعلً حرًا لا يمارس إلا مع آخر في داخل فضاء عمومي تبنيه اللغة عبر تداول جماعي لشؤون

الوجود المشترك. إنّ السلطة L’autorité باعتبارها فعلً حرًا؛ هي حوار ونقاش بين الناس على أساس احترام الاختاف.

فأرندت لا تفهم السلطة بدءًا ونموًا وزيادة كمجرد تأويل ذاتي؛ وإنما تعود إلى الاشتقاق اللغوي للكلمة

كي تُبرز هذا المعنى. وميز الرومان بين السلطة L’auctoritas التي جاءت من فعل Augere وتعني Augmente أي النمو والزيادة، والحكم بمعناه pouvoir Le المشتق من potestas La؛ لأن السلطة نوع من الزيادة أو الحفاظ على الماضي، لضمان الاستمرارية التي تنقذ الفعل البشري من هشاشته وتضمن خلوده. لم تكن إحالة أرندت إلى اللحظة الرومانية في فهمها السلطة غير دعوة إلى إعادة إحياء استعمال السلطة؛ بمعنى بدء واستمرارية يتحققان عن طريق المشاركة والتداول كما كان يفعل الشيوخ sénats Les في تدبير الشأن السياسي لروما؛ حيث ليس هناك مكان للعنف أو التحكم، أو للعاقة العمودية القائمة على التحكم والخضوع، بل تجد السلطة مركّزة عند الجميع. داخل هذا التعريف، نجد أن السلطة عبارة عن رأي عمومي يقدّمه كل شخص بخصوص شأن روما العام. فا توجد السلطة إلا عبر قدرة كل شخص على الحوار والكام، وعلى أن يربط بهذا الفعل عاقة مع آخر، ومن ثم تحمل السلطة في جوهرها شرط التعددية والمساواة؛ لأن السلطة نفسها حينما تخرج من دائرة الإخضاع والتحكم تصبح ممارسة مشتركة بين نظراء لهم الحق نفسه في أن يعبّروا عن رأيهم في

الشؤون السياسية لمجتمعهم، حتى يصلوا في النهاية إلى قرار مشترك يحمل رؤية كل فاعل وحكمه. فالتعددية، هنا، ممكنة فحسب بين السواسية الذين يملكون القدرة على الفعل (السلطة)؛ إذ يستحيل أن نفعل أو نُمارس السلطة ما لم يكن هناك آخر يكمّل هذا الفعل. وهنا تبرز قدرة الفعل خافًا لطبيعة الشغل والعمل على إيجاد عاقات وربط صات أساسها الحوار، ومن ثم جعل الفاعل منفتحًا على

رؤى أخرى وأحكام مختلفة تعطي فعلَه طابعَ الكونية، وتخلّده في داخل الفضاء السياسي، حيث ينتقل من مجرد فكرة داخلية أو قصد باطني إلى موضع نقاش وتداول. ناحظ هذا من خال تجربة أرندت السياسية متمثلة في إصرارها على الدخول في سجالات داخل الجامعة، أو من خال الكتابات الصحافية، أو حتى من خال بعض ما جاء في كتبها الذي أجابت به عن قضايا عامة، حيث عبّرت عن

السياسة بالمعنى الذي أدركته من قراءتها لتجربة أثينا السياسية؛ أي مشاركة من خال الرأي في كل ما يتعلق بشؤون الحياة المشتركة، إيمانًا بأن الفعل هو أن «تقول ما وقع»؛ لأن الحقيقة/ الصدق هي

شرط أن يكون هناك حوار، ومن ثمّ لا ينفصل قول الحقيقة عن رهان تأسيس فضاء عمومي لاستحالة الحديث عن بناء وضعية مشتركة ما لم نكن قادرين على الثقة بالآخرين. هكذا، تُخلّص أرندت السياسة مما علق بها من تصورات تحجب كنهها وماهيتها: العنف والكذب والأداتية. وهي بفعلها هذا تُبرز المعنى الحقيقي للحرية؛ أي بوصفها فعلً سياسيًا يقوم على الكام

والحوار، ذلك أن العنف يحجب حقيقتها عن البروز عبر تأويل خاطئ لها يرجعها إلى مجرد مؤسسات تحكم أو سلطة تخضع وتسيطر؛ أي نفوذ Pouvoir، أو هي في مجملها عالم رجال السياسة والصراعات بين الأفراد والجماعات حول تملُّك سلطة الدولة. بهذا الفهم – حيث يصبح تاريخ السياسة تاريخَ نسيان لها – يحرم الإنسان من بُعده الجماعي الذي يجعله يغتني بما يؤسسه من شبكة عاقات بين الآخرين، كما يدرك كونية أفكاره وقراراته التي تصبح تداولً ونقاشًا عموميًا، ويخرج من عزلة ما هو

خصوصي. وأدرك اليونان أهمية العمومي؛ لذا كان تأسيس أثينا، المتمركزة حول الأغورا، استجابة لحاجة الأثيني إلى الظهور والبروز أمام الجميع، واستجابة لرغبته في تخليد أفعاله عبر فعل السلطة؛ إذ يدرك أنه مواطن فاعل يشارك في حياته السياسية بما تسمح له به اللغة، خصوصًا أن الأثيني يرى أنّ لغته جديرة بأن تكون وسيلة لممارسة السياسة. تريد أرندت أن تجعل من السياسة فعلً يوميًا وممارسة جماعية وتعبيرًا عن الحرية والمشاركة في

السلطة، حتى تصبح السياسة نفسها شأنًا ينشغل به الفرد؛ مثلما ينشغل بالسعي إلى تحقيق حاجاته الاجتماعية والاقتصادية. والحال أن إنزال السياسة نحو جعلها هاجسًا يوميًا يمارسه جميع الناس

يقتضي إعادة استذكار لأصلها؛ وهو الحرية.

References

المراجع

العربية

أرندت، حنة. بين الماضي والمستقبل: ستة بحوث في الفكر السياسي. ترجمة بشناق عبد الرحمن. مراجعة إبراهيم زكريا. بيروت: جداول للنشر والتوزيع، 014.2. حياة العقل، الجزء الثاني: الإرادة. ترجمة نادرة السنوسي. وهران/ بيروت: ابن النديم للنشر والتوزيع/ دار الروافد الثقافية، 017.2. في الثورة. ترجمة عطا عبد الوهاب. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2008. ما السياسة؟ ترجمة وتحقيق زهير الخويلدي وسلمى بالحاج مبروك. الرباط/ الجزائر/ بيروت: دار الأمان/ منشورات الاختاف/ منشورات ضفاف،.2015 روسو، جان جاك. العقد الاجتماعي أو مبادئ الحقوق السياسية. ترجمة عادل زعيتر. ط.2 بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 995.1

سبينوزا، باروخ. رسالة في الاهوت والسياسة. ترجمة وتقديم حسن حنفي. مراجعة فؤاد زكريا. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 005.2 كانط، إمانويل. ثاثة نصوص: تأمات في التربية ما هي الأنوار؟ ما التوجه في التفكير؟ تعريب وتعليق محمود بن جماعة. صفاقس: دار محمد علي للنشر،.2005 مونتسكيو، شارل. روح الشرائع. ترجمة عادل زعيتر. القاهرة: كلمات عربية للترجمة والنشر،.2012 هيغل، فريدريك. أصول فلسفة الحق. ترجمة وتقديم وتعليق إمام عبد الفتاح إمام. بيروت: دار التنوير،

الأجنبية

Amiel, Anne. Le vocabulaire de Hannah Arendt, collection dirigée par Jean–Pierre Zarader. Paris: Ellipses, 2007. Arendt, Hannah. Vies politiques, Barbara Cassin & Patrick Lévy (trans.). Paris: Tel Gallimard, 2006. Arendt, Hannah & Karl Jaspers.  La philosophie n’est pas tout à fait innocente, Éliane Kaufholz–Messmer (trans.). Paris: Payot, 2008. De Condorcet, Nicolas. Esquisse d’un Tableau Historique des Progrès de l’esprit Humain. Michigan: University of Michigan Library Publisher, 2009. Dias, Michel. Hannah Arendt: Culture et politique. Paris: L’Harmattan, 2006. Grunenberg, Antonia. Hannah Arendt et martin Heidegger, histoire d’un amour, Cédric Cohen Skalli (trans.). Paris: Payot, 2009. Revault d’Allonnes, Myriam. Le dépérissement de la politique: Généalogie d’un lieu commun. Paris: Aubier, 1999. Tassin, Etienne. Le Trésor perdu: Hannah Arendt, L’intelligence de L’action Politique. Paris: Payot, 1999. Trottmann , Christian. Faire, agir, contempler: Contrepoint à la condition de l’homme moderne de Hannah Arendt. Paris: Sens & Tonka, 2008. Villa, Dana Richard. Arendt et Heidegger: le destin de la politique. Christophe David & David Munnich (trans). Paris: Payot, 2008. Widmaier , Carole. Fin de la Philosophie Politique? Hannah Arendt Contre Strauss. Paris: CNRS Editions, 2012.