الحدود الأخلاقية للتدخل الجيني: النقاش الفلسفي والفقهي حول أخلاقيات التقنية الوراثية
The Ethical Limits of Genetic Intervention: Genetics in Philosophical and Fiqh Discourses
الملخّص
من خلال التقنية البيولوجية المتطورة، أمكن إخضاع الجسد الحي والحياة الإنسانية للتقنية وسطوتها، ما أثار إشكالاتٍ فلسفية وأخلاقية ودينية تتصل بحياة الإنسان، وتعكس رؤيةً محددة له ولطبيعته وحدود التعامل معه أو التصرّف بجسده، من قَبيل: متى تبدأ الحياة؟ وما المعايير التي نحدد على أساسها أنّ الكائن البشري إنسان؟ ومن هو الشخص الذي تَثبت له الحقوق الأخلاقية؟ ولماذا تُعدّ الحياة مقدّسة؟ وما تأثير ذلك في كيفية التعامل مع الكائن البشري في مختلف مراحله؟ وإذا كانت الأسئلة السابقة قد ارتبطت، تاريخيًّا، بمسألة محدّدة هي الإجهاض، فإنّ تطورات التقنية البيولوجية وسّعت من إمكانات العمل التي كانت مألوفة لتشمل عملية الإنجاب والتناسل التي تَحوّلت إلى عملية تقنية مفتوحة على إمكانات عديدة، بعد أن كانت فعلًا أو ممارسةً إنسانية خالصة، وسمحت بنمط جديد من التدخلات التي يصعب التنبؤ بمآلاتها ونهاياتها، الأمر الذي أدى إلى مناقشات وإشكالات متعددة على المستويات الدينية والقانونية والسياسية والفلسفية والأخلاقية والاجتماعية، كما أدى إلى ظهور تعبير "التناسل الليبرالي". يعالج هذا البحث الموقفين الفلسفي والفقهي من التقنية البيولوجية في محاولة لفهم تصورات كل فريق للإمكانات التي تتيحها، وكيف يمكن فهمها وتقدير تأثيراتها؛ وذلك لأنّ أيّ نقاش أو موقف سيتم اتخاذه هو نتيجة أمرين: شكل الوعي بالتقنية وإمكاناتها وحدوده، والتصورات الفلسفية والدينية عن الإنسان وحياته.
Abstract
Assistant professor of Methodology and Ethics at the Research Center for Islamic Legislation and Ethics (CILE), College of Islamic Studies, Hamad Bin Khalifa University in Doha, Qatar.
- التناسل الليبرالي
- التدخل الجيني
- الاستقلالية
- بداية الحياة الإنسانية
- Liberal Eugenics
- Genetic Intervention
The Ethical Limits of Genetic Intervention:
Genetics in Philosophical and Fiqh
Discourses
للتقنية وسطوتها، ما أثار إشكالاتٍ فلسفية وأخلاقية ودينية تتصل بحياة الإنسان، وتعكس رؤيةً
محددة له ولطبيعته وحدود التعامل معه أو التصرّف بجسده، من قَبيل: متى تبدأ الحياة؟ وما
المعايير التي نحدد على أساسها أنّ الكائن البشري إنسان؟ ومن هو الشخص الذي تَثبت له الحقوق الأخ قااية؟ ولماذا تُعدّ الحياة مقدّسة؟ وما تأثير ذلك في كيفية التعامل مع الكائن
البشري في مختلف مراحله؟ وإذا كانت الأسئلة السابقة قد ارتبطت، تاريخيًّا، بمسألة محدّدة
هي الإجهاض، فإنّ تطورات التقنية البيولوجية وسّعت من إمكانات العمل التي كانت مألوفة
لتشمل عملية الإنجاب والتناسل التي تَحوّلت إلى عملية تقنية مفتوحة على إمكانات عديدة،
بعد أن كانت فعلً أو ممارسةً إنسانية خالصة، وسمحت بنمط جديد من التدخلات التي يصعب التنبؤ بمآلاتها ونهاياتها، الأمر الذي أدى إلى مناقشات وإشكالات متعددة على المستويات الدينية والقانونية والسياسية والفلسفية والأخ قااية والاجتماعية، كما أدى إلى ظهور تعبير «التناسل الليبرالي». يعالج هذا البحث الموقفين الفلسفي والفقهي من التقنية البيولوجية في محاولة لفهم تصورات كل فريق للإمكانات التي تتيحها، وكيف يمكن فهمها وتقدير تأثيراتها؛ وذلك لأنّ أيّ نقاش أو موقف سيتم اتخاذه هو نتيجة أمرين: شكل الوعي بالتقنية وإمكاناتها
وحدوده، والتصورات الفلسفية والدينية عن الإنسان وحياته.
الدوحة، قطر.
Abstract: The power of biomedical technology lies not only in treating diseases and relieving pains but in intervening in our bodies at the molecular level in a way that makes us wonder if this amounts to (re–)shaping our very human nature. This raises ethical, philosophical and religious questions related to understanding and identifying our essential humanity and what is ‘uniquely human’ in us, and how far genetic interventions may affect all this. These biomedical developments and their associated philosophical and religious dilemmas shed new light on old questions such as: What makes us distinctively human? Why is human life sacred? When does human life begin? What makes an individual eligible for certain rights? How do the answers to these questions determine the optimal way to deal with human being throughout the various stages of his/her lifespan? All the previous questions have typically pertained to the classical topic of abortion. However, modern biomedical technology has expanded the possibilities for reproduction in an unprecedented way. This new situation has confronted humans with a new and increasing list of options and alternatives, including ‘liberal eugenics’. These developments have made the decision–making process about these issues quite complex because one’s moral world, consisting of basic moral assumptions and convictions, does not always have ready–made and clear–cut answers about these questions. This applies to both the deliberations taking place among of Western philosophers like Habermas and the parallel discussions in the Islamic tradition. This paper will discuss these questions by first examining the moral status of biomedical technology itself and understanding the different perceptions of its potential among philosophers and Muslim jurists. The paper will then discuss the philosophical and jurisprudential perceptions of human beings and human life and the identification of the key ethical dilemmas raised by modern biomedical technology, as epitomized by genetic intervention.
مقدمة
شهد العالم ثلاثة تحولات مهمة؛ أولها نظرية تشارلز داروين (1882–1809) عن التطور التي هدم فيها التصور الذي كان سائدًا عن الصورة الأنثروبولوجية للإنسان ونشأته، وهي الصورة التي شغل فيها الإنسانُ موقعًا استثنائيًا بين الكائنات واكتسب فيها أفضليته وقداسته أيضًا. وتمثَّل
التحول الثاني في اكتشاف حركة الأرض الذي هدم فيه كوبرنيكوس التصور الذي كان سائدًا عن المركزية الجغرافية أو جغرافيا عالمنا. أما التحول الثالث، فيتمثّل في التقنية البيولوجية المتطورة التي تكاد تمثل الابتعاد الثالث للعالم عن مركزه عبر إخضاع الجسد الحي والحياة الإنسانية للتقنية وسطوتها، ولذلك فهي تثير إشكالاتٍ فلسفية وأخلاقية ودينية تتصل بحياة الإنسان، وتعكس رؤيةً محددة له ولطبيعته وحدود التعامل معه أو التصرف بجسده، من قبيل: متى تبدأ الحياة؟ وما المعايير التي نحدد على أساسها أنّ الكائن البشري إنسان؟ ومن هو الشخص الذي تَثبت له الحقوق الأخلاقية؟ ولماذا تُعدّ الحياة مقدسة؟ وما تأثير ذلك في كيفية التعامل مع الكائن البشري في مختلف مراحله؟ ارتبطت الأسئلة السابقة، تاريخيًا، بمسألة محددة هي الإجهاض، ولكنّ تطورات التقنية البيولوجية
وسّعت من إمكانات العمل التي كانت مألوفة لتشمل عملية الإنجاب والتناسل التي تحوَّلت إلى عملية
تقنية مفتوحة على إمكانات عديدة، بعد أن كانت فعلً أو ممارسةً إنسانية خالصة، وسمحت بنمط جديد من التدخلات التي يَصعب التنبؤ بمآلاتها ونهاياتها؛ الأمر الذي أدى إلى مناقشات وإشكالات
متعدّدة على المستويات الدينية والقانونية والسياسية والفلسفية والأخلاقية والاجتماعية، كما أدّى إلى ظهور تعبير «التناسل الليبرالي». ونظرًا إلى التساؤلات السابقة والإمكانات الواسعة التي وفّرتها الثورة التقنية، أصبح موضوع «الهندسة
الوراثية» ينتمي إلى حقل الدراسات العابرة للتخصصات Transdisciplinary، وانخرط فيه المتخصصون في الفلسفة والأخلاق والأخلاقيات الطبية والبيولوجيا واجتماعيات الطب. فمن جهة حقل الأخلاقيات الطبية، تطرح التقنية البيولوجية نقاشًا جدّيًا حول استعمال الهندسة الوراثية والتقنيات
الجينية الحديثة قبل الولادة، وما إذا كان علينا أن نفرض عليها قيودًا أخلاقية للحد من الإمكانات التي تُتيحها، بحيث تكون التقنية تحت سيطرة الإنسان لا العكس. وفي حقل الفلسفة، تثير تطبيقات الهندسة الوراثية الكثير من الإشكالات التي تنتمي إلى حقل الأخلاق التطبيقية والتي ينشغل بها الفلاسفة. ورغم كل هذه التشعبات، يبقى السؤال المركزي الذي تطرحه الهندسة الوراثية هو: ما الذي يجب على الإنسان أن يفعله حتى لا يُفسد حياته؟ أو ما الذي يجب على الإنسان أن يفعله في الزمن الذي قُدِّر له
أن يعيشه؟ أي بالحياة النموذجية المرتبطة بقالب جديرٍ بأن يُحاكى، بتعبير يورغان هابرماس في سياق
معالجته للطبيعة البشرية التي يهددها التدخل الجيني. أما لو استعملنا الصيغة الدينية، فسيكون
(((في النسخة الألمانية، استعمل يورغان هابرماس في العنوان الفرعي لكتابه: مستقبل الطبيعة البشرية عبارة «auf dem weg zu einer liberalen eugenik» «نحو تحسين النسل الليبرالي»، ولكن في الترجمة الإنكليزية للكتاب تمّ الاستغناء عن هذا العنوان
الفرعي.
(2) Jurgen Habermas, The Future of Human Nature (Cambridge: Polity Press, 2003), p. 2.
السؤال بشأن الفعل الصالح والحياة الصالحة التي تتصل بالوظيفة المنوطة بالإنسان على الأرض (خلافة الله) والتي تتضمن مفهومَي التعبّد والإعمار؛ أي إنّنا أمام سؤال فلسفي وديني في آن واحد،
وهو سؤال يتناول «قوة الإلزام» فيما يخص الحياة الشخصية والجمعية، و«عقيدة الحياة» كما يجب على المرء أن يحياها، وهذا التساؤل المركزي والكبير يُحيل إلى الفلسفة الأخلاقية وما بعد الأخلاق Metaethics، والعلاقة بين الأخلاق Moral بوصفها مسألة متعلقة بأخلاقيات الواجب الكونية Deontology Universalistic، وبين الفضائل Ethics بوصفها مسألة متعلقة بالتبريرات الذاتية النقدية
. Critical Self – clarification of Values لقيم المجتمعات أو الأفراد
والسؤال المركزي المطروح هو سؤال ميتافيزيقي، في حين أنّ التوجه السائد في الفلسفة والأخلاق هو علمانيٌّ ليبرالي، وهو ما يَفرض تحدّيًا جديدًا يضاف إلى ما سبق. وفي مواجهة هذا السؤال نجد
اتجاهين رئيسين: الاتجاه الأول: الاتجاه ما بعد الميتافيزيقي Metaphysic Post والذي ينحوه يورغان هابرماس الذي يرى أنه يجب على المجتمعات الليبرالية أن تبحث عن إجابات ما بعد ميتافيزيقية عن الأسئلة الميتافيزيقية حول نهاية الوجود وغاياته. الاتجاه الثاني: الاتجاه الميتافيزيقي الذي تمثّله الرؤى اللاهوتية التي انشغلت ببحث مسألة الهندسة الوراثية وتأثيراتها، وأصدرت أحكامًا عليها وفق تبريرات تنتمي إلى حقل التصورات الدينية الفقهية والكلامية والأخلاقية. وبما أنّ تكنولوجيا البيولوجيا الطبية تثير كلّ هذه التساؤلات والنقاشات، وتُحدث ذلك التأثير، فإنّ معالجتها يجب أن تبدأ برأينا من بحث الموقف من هذه التقنية نفسها، واستيعاب تصورات كلّ فريق للإمكانات التي تتيحها، وكيف يمكن فهمها وتقدير تأثيراتها؛ لأنّ أيّ نقاش أو موقف سيتمّ اتخاذه هو نتيجة ثلاثة أمور: الأول هو شكل الوعي بالتقنية وإمكاناتها وحدوده، والثاني هو التصورات الفلسفية والدينية عن الإنسان وحياته، والثالث أنّ تحديد الإشكالات التي تثيرها التقنية هو نتاج الأمرين السابقين، وبناءً على هذا سنسير في هذا البحث.
أولا: التقنية الوراثية وحدود الوعي بها
التفكير بالتقنية عامةً تفكيرٌ إشكالي، فالموقف منها يتوقف على تحديد ماهيتها. وفي الإجابة عن سؤال
ما هي التقنية؟ ثمة إجابتان؛ ترى الأولى منهما أنّ التقنية وسيلة لتحقيق بعض الغايات، وترى الثانية أنها فعاليةٌ خاصة بالإنسان. والإجابتان متعاضدتان، لأنّ وضع غاياتٍ واستعمال وسائل يُعدّان من أفعال
الإنسان، كما أن صنع أدوات وآلات هو جزءٌ من ماهية التقنية. فهذا التصور عن التقنية بوصفها وسيلةً
وفعاليةً إنسانية هو تصور «أداتي وأنثروبولوجي»، وهو تصور يوجه كلّ الجهد من أجل أن يضع الإنسانَ في علاقة صائبة بالتقنية، تجعله يتحكم فيها ويوجّهها لصالح غايات روحية (أي السيادة عليها)؛ وبهذا
يتمحور النقاش حول «الوسائل» التي هي موضعُ استعمال، و«الغايات» التي هي موضعُ بحث.
أما مارتن هايدغر، فيرى أننا «عندما نعتبر التقنية شيئًا حياديًا، نكون قد استسلمنا لها بأسوأ الأشكال؛ لأنّ
هذا التصور يجعلنا نتغافل عن ماهية التقنية»، التي تحيل، عنده، إلى نمطٍ من أنماط الانكشاف؛ أيّ
شكلٍ من أشكال الحقيقة، فهي تكشف عن هذا الذي لا يُنتج ذاتَه (أي خارج علاقة العلِّية)، وهو ليس بعدُ أمامنا، ويمكن له أن يتشكل في هيئات مختلفة. فالتقنية إنتاج، بمعنى الانكشاف لا بمعنى الصنع، والانكشاف يتّخذ سمةَ الاستفزاز والتحريض لطاقات الطبيعة وللواقع كمخزون قابل للتسخير. وفيما يخص التقنية البيولوجية تحديدًا، يمكن أن نميّز بين رؤيتين؛ نظرة بسيطة أو أداتية تنشغل بسؤال
الوسائل والغايات، وهي النظرة الفقهية التي تحدّد مواقفها وأحكامها بناءً على هذا المنظور، ونظرة
فلسفية مركّبة تسبر أغوار هذه التقنية وتأثيراتها في النوع الإنساني وأبعاده الأخلاقية.
1. الرؤية الفلسفية
تتيح فلسفة أرسطو إمكان التمييز بين ثلاثة مواقف: الموقف النظري الذي يراقب الطبيعة بطريقة غير مصلحية، والموقف التقني الذي يعمل بهدفٍ قَصدُه الإنتاج، فيتدخل في الطبيعة عبر وضع الوسائل واستعمال الأدوات، والموقف العملي الذي يعمل تبعًا لقواعد الحرص على الأعراف. ويضيف هابرماس الموقف الإقراري الذي يعمل بطريقة تواصلية، ويجب أن يتفاهم مع شخص آخر على شيء ما، ولكن العلوم التجريبية مزجت بين الموقف النظري «لمراقب متجرد»، والموقف التقني «لمراقب متدخل» باحث عن تأثيرات تجريبية؛ وبهذا باتت الثورة التي عرفتها الممارسة التقنية الوراثية تصعيدًا من البسيط إلى المركّب، فنقلتنا من توسيع إمكانات العمل المعروفة إلى إيجاد نمط جديد من التدخل الذي لا يقف عند حد؛ أي إنّ التركيز هنا على مبدأ التطور بوصفه مسألةً كليّة لا تقف عند حدٍّ يمكن
أن نرصد لها عدة ملامح بالاستفادة من الحجج التي قدّمها هابرماس. الملمح الأول: إنّ تقدّم التقنية البيولوجية تَجاوز حدود ما هو «علاجي» في التأقلم مع «دينامية الطبيعة الخاصة» للإنسان، إلى البحث فيما هو «احترازي» يتم استبعاده أو الحيلولة دونه، ومن ثمّ تلاشت الحدود التي تفصل بين «التدخل المبرر» (السلبي) و«غير المبرر» (الإيجابي)، والتي كانت تتسم بالوضوح، خصوصًا مع نشوء «النسالة الليبرالية»، التي لا تعترف بالحدود بين التدخلات العلاجية والتدخلات التي هدفها التطوير وتخضع للسوق.
(((انظر: مارتن هايدغر، التقنية، الحقيقة، الوجود، ترجمة محمد سبيلا وعبد الهادي مفتاح (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1995)، ص 44 وما بعدها.
(4) Habermas, pp. 45–46. (5) Ibid., pp. 16–74;
ولأجل رؤية نقدية، انظر:
Karin Christiansen, «The Silencing of Kierkegaard in Habermas’ Critique of Genetic Enhancement,» Medicine, Health Care and Philosophy , vol. 12, no. 2 (May 2009), pp. 147–156.
(((يحيل مفهوم النسالة الليبرالية إلى مسألة تحسين النسل؛ الممارسة التي تعطي الأبوين الحق في اتخاذ قرار التدخل في جينوم الجنين بحسب ما يريانه ملائمًا.
الملمح الثاني: إنّ التقنية تجعل من الإنسان جسدًا، وثمة فرقٌ، بحسب هلموت بلسنر، بين أن يكون
المرء «جسدًا»، وأن يكون «له جسد»؛ فتحويل الإنسان إلى جسدٍ يُلغي الحدود بين الطبيعة (نحن)،
والجهاز العضويّ الذي توجَد فيه الذات، وبهذا تُنشئ التقنية نمطًا جديدًا من العلاقة بالذات غارقًا في
أعماق الحامل العضوي، وتؤثر في كيفية فهم الذات لنفسها، وكيف يتمّ استخدام الذوات في الوضع الجديد بطريقة مستقلة أو بطريقة تحَكمية، وذلك تبعًا للاختيارات الذاتية عبر السوق؛ أي إنّ التقدم
التقني يؤثر في فهمنا لأنفسنا بوصفنا أناسًا مسؤولين عن أفعالنا (الفهم المعياري للنفس). الملمح الثالث: إنّ الإمكانات الجديدة التي تتيحها التقنية هي توسيعٌ لمساحة الحرية، ومن ثم تفرض تحدّيًا حديثًا يواجه الفهم الحديث للحرية، نظرًا إلى تأثيرات هذه الحرية في مستقبل النوع الإنساني،
وهي تأثيرات تفرض بحث «الحدود» التي يجب فرضها على «النسالة» (تحسين النسل) حتى تَحول دون التشوهات الخطيرة. ولكن في الوقت نفسه، يمكن أن تساعدنا هذه الإمكانات على فهم جديد للحرية الأخلاقية؛ بمعنى استقلال كل شخص بامتلاك «سيرته» و«تحَملها» بمسؤولية، أي حق كلّ
مولود جديد بتجهيز وراثي بمعزل عن كل برمجة أو تلاعب مقصود، وحين يكبر يكون بإمكانه أن يُخضع تاريخه الشخصي للحكم النقدي والمراجعة، بناءً على كلام كيرككَورد في امتلاك الفرد لسيرته
الذاتية أو الفهم الأخلاقي للذات. الملمح الرابع: إنّ تطور التقنيات البيولوجية يُظهر حركية تهدد بضياع مسار التوضيح المعياري الذي استقرت عليه الطبيعة البشرية في تركيبتها وعلاقاتها، وهو ما سيؤثر في فهمنا لأنفسنا بوصفنا كائنات ذوات جوهر نوعي، وهذا الجوهر النوعي يتسم بأنه طبيعي ومتميز من غيره، ويتساوى في ظروف تناسله من دون تدخلات أو تحيزات اقتصادية أو ثقافية أو بيولوجية. الملمح الخامس: إنّ التدخلات في علم الوراثة تنقلب بهذا إلى فعلٍ تسَلّط على الذات سيُمكّن أهل
الحاضر من التسلط على أهل المستقبل الذين سيكونون موضوعات، وسيكون الوجهُ الآخر لسلطة اليوم هو العبودية اللاحقة للأحياء تجاه الموتى. الملمح السادس: إنّ البحث الوراثي البيولوجي يتجسّد فيه ربح المستثمر وضغط الحكومات الوطنية
التي تُعلّق نجاحها على هذه التطورات والإنجازات. تؤدّي جميع هذه الاعتبارات إلى رؤيةٍ مركبة للتقنية وتأثيراتها ترى في التدخل الوراثي تَعدّيًا على الأسس الجسدية في العلاقة العفوية بالذات، وعلى الحرية الأخلاقية لشخص آخر؛ فهي تُثير إشكالات ذات طبيعة أخلاقية من جهة، وإشكالات ذات طبيعة أخرى، وهو ما سنعالجه في الأجزاء التالية من هذا البحث.
(((هلموت بلسنر، «الإنسان بوصفه كائنًا حيًّا»، ترجمة مجدي يوسف، مجلة فكر وفن (ألمانيا)، العدد 13 (1969)، ص.10–9
(((لمزيد من التفاصيل، انظر:
George J. Stack, «Kierkegaard: The Self and Ethical Existence,» Ethics , vol. 83, no. 2 (January 1973), pp. 108–125; Paul L. Holmer, «Kierkegaard and Ethical Theory,» Ethics , vol. 63, no. 3, part 1 (April 1953), pp. 157–170.
2. الرؤية الفقهية المعاصرة
فرضت التقنية تحدّيًا مهمًّا على الفقهاء المعاصرين من عدّة أوجه، سواء لجهة التغييرات التي تُحدثها، أم لجهة الإمكانات التي توفّرها، والتي من شأنها أن تساهم في حسم خلافات عويصة في التراث الفقهي (دم الحيض، ورؤية الهلال، والحمل، وإثبات النسب... إلخ)، ولكن بقي فهم التقنية وأبعادها قاصرًا على حدود النظر البسيط والأداتي في الغالب، كما أنّ بعض المحاولات لبحث «أثر التقنية
الحديثة» لم تُفلح في صياغة موقف منهجي وناضج، فاتسمت بالسطحية والتردد في الأخذ بالتقنية في مسائل عديدة، نتيجة غموض الرؤية وضعف المنهج، وجاء الخضوعُ لبعض تأثيراتها من باب «الاضطرار»، على الرغم من الإقرار بأنّ تغير الأحكام قد ينشأ بسبب تقدم الوسائل التقنية. وفيما يخص التقنية الوراثية، فإنّ النظر الفقهي محكومٌ بالموقف العملي باستمرار. فنظر الفقيه يتوجه إلى بحث الوسائل المستعملة، ومناقشة الغايات، والتفريق فيما بينها، بناءً على تصور مُضمر للتقنية
وحدودها من جهة، وبناءً على تمثُّل محدّد للمعنى المقصود للشارع كليًّا كان أم جزئيًّا. والحديث عن «التدخل الجيني» يشمل جميع الأعمال التي يتم إجراؤها على الجينات البشرية من فحص جيني، وهندسة وراثية، وتشخيص، وعلاج، واستنساخ، وأعمال بحثية، ويمكن تصنيفها، في الجملة، إلى ثلاثة أنواع: التشخيص، والعلاج، والتحسين أو التطوير. وإذا كان التدخل ظاهرًا في
حالتَي العلاج والتحسين، فإنّ الغالب على الفحص أو التشخيص أن يكون مقدمةً لمعظم التدخلات، من قبيل التدخل الذي هدفه تشخيص الأمراض الوراثية الموجودة أو المتوقعة، والكشف عن الصفات الوراثية المتوقعة، سواء في الخلايا الجنسية، أم في الجنين لغايات التحسين الوراثي للنسل، ومعرفة تركيب البصمة الوراثية لإثبات الجرائم والنسب، وغير ذلك، والفحص الجيني لإجراء العقود المدنية المختلفة (الزواج، والتأمين، والتوظيف... إلخ)؛ أي إنّ التقنية الوراثية تُحيل إلى شبكة من الإمكانات المتصلة بالتغيرات والتأثيرات، والتي يَصعب أحيانًا الفصل بين بعضها البعض، أو السيطرة على جزء منها من دون ما يترتب عليه؛ أي إنّ المسافة التي تفصل بين الوسائل والعواقب قد تَضيق وتتعقد وتتداخل فيها أطراف عدة لا يعدو صاحب الجين نفسه أن يكون طرفًا من أطراف؛ ولهذا قلنا إنّ المراقب المتجرد اندمج في المراقب المتدخل. ويتجلى النظر الأداتي في فتوى دار الإفتاء المصرية التي ركّزت على الإمكانات العلاجية الكبيرة التي توفرها التقنية الوراثية، وأنّ «قسمًا كبيرًا منها في مصلحة الإنسان وللمحافظة على صحته»، وأنّ
(((مثل: هشام عبد الملك آل الشيخ، أثر التقنية الحديثة في الخلاف الفقهي، تقديم عبد العزيز آل الشيخ وصالح الفوزان (الرياض: مكتبة الرشد،.)2010 (1((انظر: تمام اللودعمي، «التدخل في الجينوم البشري في الشريعة والقانون»، مجلة عالم الفكر، مج 35، العدد 2 (كانون الأول/
ديسمبر 2006)، ص 141؛ تمام اللودعمي، الجينات البشرية وتطبيقاتها: دراسة فقهية مقارنة (هيرندون: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2011)، ص.67–55 ((1(انظر: «الهندسة الوراثية واستخدامها في مجال العلاج»، دار الإفتاء المصرية، 2014/9/9، شوهد في:2018/11/22، في
https://goo.gl/L714Bc
التحفظ يأتي من جهة بعض الأضرار الطارئة، ولكنها لا توضح مفهوم الضرر وأبعاده، كما لا تحدّد مفهوم المصالح وأبعادها، خصوصًا أنه لا يبدو أنّ نظر المفتي لا يتعدّى ثنائية الجسد والمرض. صحيحٌ أنّ مجمع الفقه الإسلامي الدولي قدّم تصورًا أكثر شمولً وتفصيلً، نظرًا إلى أنّه جمع بين
الفقهاء والخبراء في هذا الشأن، ولكنّه لم يغادر النظر البسيط إلى التقنية الوراثية؛ فقد دار القرار حول أمرين: تحديد مفهوم التقنية الوراثية، ومجالات استخدامها. فقراءة الجينوم البشري «جزء من تَعرّف
الإنسان على نفسه واستكناه سنن الله في خلقه؛ ولما كانت وسيلة للتعرف على بعض الأمراض الوراثية أو احتمال الإصابة بها، فهي إضافة قيّمة للعلوم الصحية والطبية في مسعاها للوقاية من الأمراض أو
علاجها، مما يدخل في باب الفروض الكفائية»؛ أي إنّ نظرته هي نظرة تقنية حيادية، وإنّ الحكم فيها تبَعٌ لشكل الاستخدام الذي يشمل: العلاج الجيني، والهندسة الوراثية، والعلاج الوراثي، ولذلك تتكرر
كلمات مثل «استخدام»، و«إجراء»، لتعبّر عن هذه الرؤية العملية التقنية. ويتوجه الخطاب هنا إلى حقل الممارسة (الطبيب الممارِس، والشخص الموضوع)؛ وهي استخدامات مقيّدة بنطاق «المجالات النافعة»، ولا يجوز «استخدام الجينوم استخدامًا ضارًّا»، والنافع هنا يُقصَد به
العلاج والوقاية. ومن الواضح أنه قد غلب على قرار المجمع التصور الإيجابي من خلال تحديد تقنية الجينوم وأبعادها. ويبدو أنّ المجمع قد وقع أسيرًا للنظرة الطبية التقنية للخبراء، والتي تُغَلّب جانب
التقنية بوصفها وسيلة للمعرفة والعلاج على جانب التحكم والسيطرة التي تتيحها، من دون مساءلة للتصور الفلسفي الكلي الذي يحكم هذا التطور والإمكانات التي يَعِد بها. فالاهتمام إنما انشغل باستخداماتها الاستهلاكية فقط، ولذلك نجد في التوصيات التي تَعقب القرار مناشدة الدول الإسلامية «الاهتمام بالهندسة الوراثية بمختلف مجالاتها وتطبيقاتها المعتبرة شرعًا»، و«سنّ التشريعات وإصدار القوانين والأنظمة اللازمة لحماية مواطنيها من اتخاذهم ميدانًا للتجارب»، وأن تتولى الدول «توفير هذه الخدمات لرعاياها المحتاجين إليها». في حين أنّ مجمع مكة يوصي، في ختام قراره، «الأطباء وأصحاب المعامل بتقوى الله واستشعار رقابته والبعد عن الإضرار بالفرد والمجتمع والبيئة». فالنظر الفقهي هنا يسيطر عليه النظر الأداتي، ولهذا يبدو منشغلً بتقييد ممارسة التقنية وضبطها، ويتوجه بذلك إلى الأفراد والأطباء، وبما أنّ المجمع الفقهي الدولي منبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي فإنه يناشد الدول، في حين يكتفي مجمع مكة بمخاطبة الضمير الفردي للأفراد. وقد تَنبّه بعض اللاهوتيين إلى أنّ «التكنولوجيا قوة، وهي قوة غير طبيعية». وتحدّث هابرماس عن
ربح المستثمر وضغط الحكومات باتجاه الإنجاز في موضوع التطور التقني. ولو أضفنا إلى ذلك أنّ
((1(وقد بنى على ندوة سابقة نظمها بالتعاون مع المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بعنوان «الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري» في جدة في شباط/ فبراير.2013 ((1(«قرار رقم: 203 (9/21) بشأن الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري (المجين)»، مجمع الفقه الإسلامي الدولي، الدورة 21، الرياض، 2013/11/22، شوهد في 2018/11/22، في: https://goo.gl/wRu29T ((1(«القرار الأول: بشأن استفادة المسلمين من علم الهندسة الوراثية»، المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة، الدورة 15،.1998/10/31
(15) Paul D. Simmons, Birth and Death: Bioethical Decision Making (London: Westminster press, 1983), p. 211.
العالم الإسلامي مستهلك فحسب، وغير فاعل في مثل هذه التقنيات، سنجد أنّ القرارات الفقهية تجاوبت مع هذه الحالة تحديدًا من دون التفكير خارج حدودها ومساءلة التطور نفسه وأبعاده. وقد يكون السبب هو وظيفة الفقيه نفسه الذي لا ينشغل بكلية التطور ومبدأ الإمكانات، بل ينشغل ببناء مواقف عملية من قضايا محدّدة، ولا يمكن له ذلك من دون الخوض في الوسائل والغايات في ضوء الرؤية المبدئية والتشريعية نصًّا كانت أم قاعدة عامة أو كلية، وربما تفرض التقنية الوراثية والتطورات البيولوجية عامة الانتقال من الفقهي إلى الكلامي، وربط العملي بالأنطولوجي حتى نتجنّب النظر الاستعمالي أو الجزئي بمعزل عن التصورات الكلية.
ثانيًا: التدخلات الجينية وإشكالاتها الأخلاقية
سبق أن أشرنا إلى أنّ التقنية الوراثية تثير إشكالات ذات طبيعة متعددة الأبعاد، ولكننا نريد أن نركّز هنا على الأبعاد الأخلاقية والفقهية؛ ذلك أنّ الإشكالات الأخلاقية تنتمي إلى حقلَي الفلسفة والفقه الإسلامي، كما أنّ المسائل المرتبطة بالتناسل هي من صميم الدين الذي يَعدّ أنّ حفظ النسل أحد مقاصده الكبرى، ويرتبط بنمط عيش الإنسان، وهو ما انشغل به كلٌّ من الفلاسفة وعلماء الدين على السواء.
1. النقاش الفلسفي
يسمح تشخيص ما قبل الزرع بإجراء اختبار وراثي لمصلحة الأهل للكشف التقديري، أو تجاوز خلل الأعضاء والزرع، أو التدخل لإصلاحٍ ما في الجينوم. وإن كان هذا التدخل يتيح لنا إمكانات تبدو إيجابية وعلاجية، فإنه في الوقت نفسه لا يقتصر عليها؛ ولذلك يدور النقاش الفلسفي الذي يقدّمه هابرماس على كلية التطور التقني، وهي مسألةٌ تثير ثلاثة إشكالات رئيسة، أولها أنها تقوّض مفهوم
الاستقلالية وهو ما يهدد أخلاقية الإنسان؛ لأن كل أفعال الإنسان مرتبطة بكونه كائنًا أخلاقيًّا، فإذا
قُوِّضت استقلاليته فمعناهُ أنّ فعاليته قد قُوِّضت. وثانيها أنها ستؤثر في القدرة على فهم الذات – الهوية،
وفهم الذات شرطٌ للانخراط في الثقافة الليبرالية الديمقراطية وفي بناء الأخلاق العلمانية. وثالث الإشكالات يتعلق بالموقف من الطبيعة ما قبل الشخصية life personal – Pre، والكرامة الإنسانية.
أ. الإشكال الأول: الاستقلالية
يُهدّد القرار بتدخّلٍ جيني في صياغة هوية شخص آخر المفهوم الكانطي للاستقلالية التي تقوم على
الحرية والمساواة لكل الأشخاص بوصفها حقوقًا ثابتة لهم بالولادة Rights Birth، كما يهدد أخلاقية الإنسان، الذي يكون مسؤولً عن تصرفاته، بموجب حريته في أن يفعل من دون مؤثر، وهو ما لن يتحقق في الإنسان المبَرمَج الذي تمّ التلاعب في جيناته بموجب إرادة شخص آخر، كما أنّ التدخل
الجيني من شأنه أن يهدد نظرية هابرماس التواصلية Action Communicative التي تسعى لفهم الوجود الإنساني عبر افتراض أنّ الكائنات الإنسانية تدرك نفسها بوصفها أفرادًا كانطية Kantian Individuals تمتلك الحرية والعقل. فالتدخل الجيني حصل عبر تسلُّط على أخلاقية العلاقات
الشخصية وعلى التوجيه الأخلاقي للبشر بوصفهم كائنات تحدّد، من دون تدخّل، مَن هي وماذا تريد
أن تكون؟ ولا ينوب أحدٌ مكانها. فالتدخل في التجهيز الطبيعي لشخص آخر هو رغبةٌ غير قابلة للتبادل، وتنشأ عنها علاقة ما بين شخصية غير معروفة، ويمثل شكلً غريبًا في علاقات الاعتراف المتبادلة
قضائيًا والمؤسَّسة في المجتمعات الحديثة. وهذا التدخل يَحُدّ، بالضرورة، من المساواة؛ أي التوازي
في المسؤولية القائم مبدئيًّا بين أشخاص أحرار متساوين. يتمكن المرء في الأوضاع الطبيعية من أن
يُقيم علاقةً متعقَّلة بسيرورة تشكُّله، وأن ينحت فهمًا لنفسه عبر المراجعة، وأن يحوز نقدًا ذاتيًا عن
تنشئته، وهذا كله لن يكون مطروحًا في حالة التدخل الوراثي. طرحت إليزابيث فينتون إشكالً رأت فيه أنّ هابرماس أفرط في قلقه حين عدّ أنّ التعديل الجيني سيشوّه
العلاقات الإنسانية، وخصوصًا بين الوالد والمولود؛ لأنّ هذه العلاقة تغيب فيها المساواة أصلً، كما
أنّ الأبوين يتمتعان بمشروعية التحكّم في الابن خلال فترة نموه وتطوره، ومن ثمّ فهي علاقة تُخلّ
بالأصل المفترض لدى هابرماس، وهو أنّ «جميع الأشخاص يتلقون الوضعية المعيارية نفسها، وأنّ من واجبهم الاعتراف المتبادَل والمتوازي بالآخر؛ انطلاقًا من مبدأ تبادل العلاقات ما بين الإنسانية». ولكن هابرماس يجيب عن هذا بأنّ ثمة فارقًا بين التبعية الاجتماعية والنسالة الليبرالية؛ ذلك أنّ «القرار غير القابل للانعكاس الذي يتخذه شخص ما بتنظيم جينوم شخص آخر تبعًا لرغباته سيولّد نمطًا جديدًا من العلاقة بين هذين الشخصين»، تخلّ بالفهم الأخلاقي للذات التي تفعل، وتطلق الأحكام بطريقة مستقلة من دون وجود عائق مبدئي يتعارض مع نظام علاقات مساواتيّ بين الأشخاص. فالبرمجة
الوراثية تولّد علاقة غير متوازية، وهي «أبوية من نوع خاص»، لأنّ التبعية السلالية عند الأولاد تجاه الأهل، وإن كانت غير قابلة للانعكاس، فهي تزول مع بلوغ الأولاد سن الرشد، ولا تؤثر في كينونة الأولاد، أو أيٍّ من المحددات النوعية لحياتهم المستقبلية. أما التبعية الوراثية، فهي مركّزة في فعل
وحيد يُنسَب إلى المبرمِج، وتلغي «التبادل المعتاد بين متساوين بالولادة»، وبإمكان الشخص المبرمَج
أن يفسّر نية المبرمِج الأبوية، لكنه لا يستطيع تعديلها ولا العمل على منعها ابتداءً، أي إنّ هذه النية
الأبوية الوراثية تأخذ هنا شكلً عينيًّا عبر برنامج وراثي يثير التأثر من دون ممارسة اجتماعية تقوم على
التواصل.
ب. الإشكال الثاني: الفهم الأخلاقي للذات/ النوع
يتصل التدخل الجيني بنقاش مركزي حول مفهوم «الطبيعة البشرية»، والتأثيرات التي يمكن أن تُحدثها التقنية الوراثية في هذا الخصوص. فالسؤال الأخلاقي «ما الذي يجب عليّ فعله» يرتبط بسؤال أساسي
آخر هو «ما الذي يمكنني فعله». وكلا السؤالين يقودان إلى معرفة النفس، وهو الأساس الذي تُبنى عليه النظريات الأخلاقية منذ سقراط الذي قال: «اعرف نفسك». ويعتقد كيرككَورد أنّ معرفة النفس مطلبٌ
مهمٌّ ليكون الإنسان كائنًا أخلاقيًّا، وقد أولى هو وكانط أهميةً لصوت الذاتَVoice Inner بوصفها
(16) Bernard G. Prusak & Erik Malmqvist, «Back to the Future: Habermas’s ‘The Future of Human Nature’,» The Hastings Center Report , vol. 37, no. 2 (March–April 2007), pp. 4–6. (17) Stack, pp. 108–125.
مصدرًا موثوقًا للمعلومات والتحكّم في الأفعال. فالفهم الأخلاقي للنوع الإنساني يقوم على فهم أنفسنا كمن يكتب، وحده من دون مشاركة، تاريخ حياته، كما يقوم على الاعتراف بأنفسنا أشخاصًا يعملون بطريقة مستقلة. ولكن التقنية الوراثية من شأنها أن تقوّض الثقة بهذا الصوت الداخلي الذي
سيصبح نتاجَ التعديل الجيني الذي يمكن أن يكون من اختيار الأبوين قبل شهر من الولادة. فالتدخلات
الجينية تفرض تحدّيًا على حقل الأخلاق الذي كان قد استقر مع كانط على فكرة الأخلاق الموضوعية، ولكنه منذ بدايات القرن التاسع عشر تحوَّل باتجاه الأخلاق الذاتية، حتى إنّه بات من الصعب أن تصمد
رؤية كيرككَورد النسبية القائمة على أنّه على الرغم من أنّني لا أتشارك مع جيراني القيم نفسها، لكن يمكننا جميعًا أن نكون، على الأقل، صادقين مع أنفسنا (أن نكون أنفسنا). ويوضح هابرماس أنّ «الأخلاق» هي تلك «المسائل التي تُعنى بواقعة العيش معًا مع ملاحظة معايير قويمة». فما تفعله تَقْننَة الطبيعة الإنسانية هو فهم آخر لذواتنا بحيث لم يعد بإمكاننا أن نفهم أنفسنا بوصفنا كائنات حرة سلوكيًّا ومتساوين أخلاقيًّا، نتوجه بواسطة المعايير والحجج. فالتلاعب بشكل
الجينوم، بهدف فكّ رموزه، يزعزع الفوارق بين الذاتي والموضوعي، والجسد النامي ذاتيًّا Grown
Body والشيء المصنّع Made Something، على حين أنّ الجسد هو الوسيط الذي يتجسد فيه الوجود الشخصي؛ وبهذا نستطيع التمييز بين الفاعل والمنفعل، بين الإنتاج والصيرورة، بين العقل والكشف، بين الأفعال التي تُعزى إلى الذات وتلك التي تُعزى إلى الغير. فأيّ تغييرٍ هنا من شأنه أن يُعدّل فهمنا لأنفسنا ويؤثر في الضمير الأخلاقي، ويمسّ شروط النمو الطبيعي التي لا بدّ منها حتى نستطيع فهم
أنفسنا بوصفنا صانعي سيرة حياتنا الشخصية أعضاءً متساوين في الحق بالجماعة الأخلاقية؛ ومن ثمّ
فهو يهدّد الحرية والمساواة الثابتة لكلّ الأشخاص بوصفهما حقوقًا منذ الولادة، وهو شكلٌ من أشكال التسلط على أخلاقية العلاقات الشخصية وعلى التوجيه الأخلاقي للبشر بوصفهم كائنات تعرف من هي وماذا تريد أن تكون؟ أي إنّه يؤدي إلى اضطراب الوضوح الذي بموجبه نوجد نحن بوصفنا جسدًا على ما نحن عليه، ومن هنا سيولَد نمط جديد من العلاقات اللامتوازية. فالتدخل الوراثي سيؤدي إلى «تشييء الجنين»، وسيؤثر في الفهم الأخلاقي الذي اكتسبته البشرية مُجتمعَةً عن نفسها، وستصبح أخلاقيةُ إرادة المرء أن يكون ذاته إمكانًا من بين إمكانات أخرى، كما ستؤثر في السؤال الفلسفي حول الحياة التي يجب أن تُعاش؛ لأنها ستُفرز نقاشًا عامًّا حول الفهم الذي
يجب تكوينه عن أشكال الحياة الثقافية بوصفها أشكالً ثقافيةً، ومن ثمّ ستفقد المعيارية. كما أنّ توسّع أعمال الإنجاب وإضفاء صفة «الطبيعية» عليها سيسهم في تغير النظرة الثقافية إلى الحياة البشرية، ما يؤدي إلى القضاء على حساسيتنا الأخلاقية لصالح حسابات «التكاليف والأرباح»؛ ف «الممارسة النسالية قد تُسبّب ضررًا على وضعية الشخص الآتي بوصفه عضوًا في جماعة كونية مؤلفة من كائنات
أخلاقية»؛ لأنّ النقاش حول استهلاك الأجنة لغاية بحثية أو حول الخلق المشروط للأجنة فيه «انتهاك
(18) Ciaran Guilfoyle, «The Future of Human Nature by Jurgen Habermas,» Philosophy , vol. 79, no. 3 (July 2004), p. 483. (19) Habermas, p. 38.
للحدود الخاصة بالنوع التي نعتبرها جامدة وهو بداية اللايقين المرتبط بهوية الجنس البشري»، وهو السياق الذي تنتظم فيه تمثلاتنا القانونية والأخلاقية. وقد أوردت إليزابيث فينتون انتقادًا في هذا السياق يتمثّل في أنّه لا توجد حدود حاسمة بين ما هو طبيعي ومُصطنع، ومن ثم لا يوجد معايير تُتَّبع في هذا التفريق. ولكن هابرماس قدّم تساؤلات نقدية
جدية حول خطورة غياب هذه الحدود؛ لأنها تُخلّ بأصل الوضوح الأخلاقي المطلوب. ولو أخذنا بكلية التطور المتدحرج هذه، فسيترتب عليها «تشييء» الإنسان وتحويله إلى وسيلة، ولذلك يجب الحديث عن الحق بإرثٍ جيني لا تلاعب فيه، لمنع التدخل أو التحكم في وجودنا الجسدي. يستند النقاش الفلسفي هنا إلى مفهوم الشخص والطبيعة البشرية؛ فالنقاش الألماني والأوروبي يركّز على مفهوم معياري للشخص يتمحور حول المبادئ، ويتبنّى تصورًا ميتافيزيقيًا للطبيعة البشرية، ولذلك
يسعى لإخضاع تطورات التقنية الوراثية المستقبلية للضبط والتقييد. أما النقاش الأميركي، فيسعى لإيجاد طريقة ملائمة لقبول التطورات التقنية، أي إنّه ينطلق من ثقة لا تتزعزع بالعلم والتطور التقني، ويستند إلى إرث ليبرالي – من جون لوك فما بعد – يهتم أساسًا بحماية حرية الاختيار التي يتمتع بها
«الشخص» القانوني. ففي مقاربته للتحديات الجديدة، يركّز النقاش الأميركي على البعد العمودي للعلاقات التي يُقيمها الشريك الاجتماعي مع القوة الاجتماعية المحيطة به، وبناءً على هذا فإن
القرارات هنا متروكةٌ لتقديرات الأهل أنفسهم، أما الإمكانات التقنية فلا تعدو أن تكون توسيعًا لحرية الإنجاب ولحقوق الأهل (الحقوق الفردية الأساسية).
ج. الإشكال الثالث: الطبيعة ما قبل الشخصية
يقوم الإشكال الثالث على سؤال مركزي وهو: هل يتلاءم فعل التدخل (الخَلْق بتَحفّظ) مع الكرامة الإنسانية؟ وهل نملك الحقّ في أن نعرّض الحياة البشرية لغايات الانتقاء والتعديل؟ يدور النظرُ هنا
على مستويين: الأول هو مرحلة ما قبل الجنين، والثاني هو مرحلة الجنين. وفي الحالتين، نحن نتحدث عن الحياة ما قبل الشخصية التي يتمّ الجدل حول وصفها أو تحديد طبيعتها، وما إذا كانت تكتسب
صفة كائن له حقوق أخلاقية أو لا. إنّ الوضع الأخلاقي سواء للجنين أم للبويضة الملقّحة يستند إلى مفهوم مركزي هو قدسية الإنسان التي تتأسس على الخصائص المشتركة التي تعطيه قيمة، وتحديد مفهوم قدسية الإنسان هو الطريق لكل القضايا المرتبطة بالطب والبيولوجيا الطبية. وإذا كان المفهوم الديني منذ القدم يعطي الإنسان مكانة مميزة لأنّه من صنع الله، فإنّ هذه المكانة قد اهتزت مع تطور العلم الذي حرَمه من مركزه المميز. ولكن
كانط، الذي أقام فهمه للإنسان على أساس عقلي خالص بعيدًا من المناهج الإيمانية، اعتبر الإنسان غايةً في ذاته، ووضع مبادئ تحلل سلوكه الأخلاقي على نحو ما يجب أن يكون؛ فأعاد له بذلك وضعه
(20) Ibid., pp. 22–23, 79; Anja J. Karnein, A Theory of Unborn Life: From Abortion to Genetic Manipulation (Oxford: Oxford University Press, 2012), pp. 105–107, 128–134. (21) Habermas, p. 77; Karnein, pp. 93–116.
الطبيعي، ولم يَعُد وسيلة فحسب، لتحقيق أغراض الآخرين. وقد تابعه هيغل في أنّ الأمر المطلق للحق يتمثل في المبدأ القائل: «كن شخصًا واحترم الآخرين بوصفهم أشخاصًا»، ومن هذا الأمر الكانطي استمد هيغل جميع الحقوق السياسية للإنسان (الملكية والحيازة، والتعاقد... إلخ). وإذا كان هذا كله يدور حول الحياة الشخصية، فالإشكال هنا ينشأ حول طبيعة الحياة ما قبل الشخصية. طُرحت عدة أفكار حول معنى قدسية الحياة، منها «تقدير الحياة» على معنى أنّه أينما وجدت حياة، فإنّ التدخل لإيقافها مناقضٌ لقدسيتها، ومنها «نوعية الحياة» بمعنى الحياة التي تستحق أن تُعاش ولكن يبقى تحديد ذلك غامضًا؛ لأنه بناءً على هذا يمكن التضحية بآخرين لحفظ نوعية الحياة، كما يمكن
إجراء تجارب على الأجنّة إذا كان في ذلك محافظة على حياة عموم الناس، ومنها: خاصية «تميُّز
الحياة»، بمعنى أنّ الحياة في ذاتها خاصية مرتبطة بالإنسان وبوجوده، وهي ثابتة له قبل اكتساب أي تجربة. ولكن يبقى الإشكالُ في أنّ هذه القدسية لا تقول لنا ما الذي يجب أن نفعله فيما يخصّ الإنجاب والتخليق، ومنه الإحساس بالحياة. بمعنى أنّ القدسية هنا أمر داخلي، وأنّ مشاعرنا تجاهها يشوبها التقديس والاحترام؛ ومنها أنّ القدسية تَوجُّه عام للحياة، بمعنى أنّه نظرة شاملة تؤثّر في مواقفنا
تجاهها من الناحيتين المعيارية والتطبيقية. فالإنسان من حقه أن يحيا، والحياة يجب ألا تُهدَر من دون سبب جوهري، وهو ما يجعل منها قانونًا أخلاقيًا يسمح بالاستثناء، وفق تبرير منطقي، كما يجعل منها
حكمًا واضحًا ودقيقًا يعتمد على اهتمامنا بأنفسنا وبالآخرين، ويهتم بالاستثناءات كما يهتم بالمبدأ
الأصلي. ولكن يبقى الإشكال المركزي هنا هو تحديد مفهوم الحياة التي تحظى بالقدسية، إن كانت تبدأ بعد مرحلة معينة من الإخصاب، كما اعتقد أرسطو أنّ «الكائن البشري يصبح إنسانًا حين يتحرك حركته الأولى في رحم الأم وحين تشعر الأم بهذه الحركة»، أو تبدأ من لحظة التحام الحيوان المنوي بالبويضة، كما يرى علماء البيولوجيا. لقد حاولتْ النقاشات الأخلاقية أن تجد معيارًا ثابتًا نقيّم من خلاله الكائن
البشري، وطُرحت عدة أفكار كالوعي بالذات الذي يميّزه من باقي الكائنات، ويمكّنه من ممارسة
استقلاليته والاتصال بالآخرين، وكالقدرة على تقييم الحياة وهي إحساس داخلي، وكالمسؤولية عن أفعاله وسلوكه وأنّه قادر على إعطاء تفسير لذلك. ولكنّ كل هذه المعايير لا تساعدنا على تقييم الحياة ما قبل الشخصية، بل إنّها لا تشمل الجنين أيضًا، وبعضها لا يشمل الطفل بعد ولادته. ويبدو أنّ هذا الإشكال دفع تيريزا إغليسياس، وهي فيلسوفة من الروم الكاثوليك، إلى الدفاع عن أنّ الكائن الإنساني هو شخصٌ طوال مراحل نموه، وأنّ الذي يجعلنا أشخاصًا هو نوع الكائنات التي نحن
عليها، ونوع الطبيعة التي نمتلكها. فليس ثمة مرحلةٌ من مراحل وجودنا لا تحمل هذه الهوية الإنسانية،
(2((جورج فيلهلم فريدريش هيغل، أصول فلسفة الحق، ترجمة إمام عبد الفتاح (بيروت: دار التنوير، 2007)، ص 16–14، ص.146 (2((انظر: ناهد البقصمي، الهندسة الوراثية والأخلاق، سلسة عالم المعرفة 174 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1993)، ص.120–111 ((2(المرجع نفسه، ص.137–121
أي إنّ مفهوم الشخص لا يمكن تحديده أو تقييده بمرحلة معينة. وبناءً عليه، فإن الاحترام الواجب
للجنين هو الاحترام نفسه الواجب للشخص من دون فَرق، فلا يُقتل ولا يكون موضوعًا للاستعمال ولا
وسيلةً للاستغلال. ومع أنّ الطبيعة الشخصية لا تَثبت إلا للمولودين، فإنّ أنجا كارنين تحاجج بأنّ التزامنا الأخلاقي تجاه «الشخص» يعني التزامنا الأخلاقي تجاه الجنين النامي الذي سيؤول إلى شخص، أي إنّ احترام الجنين هو احترام لما سيكونُه لاحقًا. صحيحٌ أنّه سيكون من الصعب التفريق بين ما سيتطور
ويصبح شخصًا وما لن يصبح كذلك، ولكن الافتراض ينبني على مبدأ الاحتياط الذي يَفرض علينا معاملة جميع الأجنّة على اعتبار أنهم سيكونون أشخاصًا. وحالما يصبح الكائن الحي شخصًا فهذا يعني أنّ المراحل التي مرّ بها قبل ذلك هي محلُّ اعتبار. ومن الأسباب الإضافية لمنح الأجنّة هذا
الاحترام أنه من الصعب إقرار تراتبية طبقية في مسار الإنسانية؛ أي إنّه يجب علينا أن نحمي الأجنّة وألّ نسبّب لها أيّ ضرر، ومن الضرر إحداثُ أيّ تغيير في المميزات التي تحملها على نحو مؤكد
.Hold in Trust
يقرّ هابرماس أنّه في ظلّ تعدّد رؤى العالم، يصعب أن نعطي الجنين، منذ انطلاقته، «حماية كاملة»
للحياة؛ لأنها تَثبت لأشخاص يتمتعون بحقوق أساسية، ولكنه يرى أنّ الكرامة الإنسانية تَفرض علينا أن نصون الحياة ما قبل الشخصية عن أن تكون خاضعة للمضاربة أو التوسل، ولذلك ثمة فرقٌ بين النقاش بشأن التدخّل الجيني والنقاش حول الإجهاض يتلخّص في البحث «الاستهلاكي» عن الأجنة، وتشخيص ما قبل الزرع؛ فمراقبة الصفة المقصودة أو المرغوبة تجعل الحياة الإنسانية «حياة آلية» تُخلق في شروط معينة وفق ما يلائم تفضيلات طرف ثالث. صحيحٌ أنّ التشخيص يمكن أن يُحذّر من إجهاض
محتمل، ولكنه يوقِع في صراع بين حماية حق الولد الذي سيولَد من جهة، وبين حق الأهل الذين يضعونه في الميزان كما لو كان مِلْكًا. ولكن هذا الصراع ناتج من سماحهم بإجراء اختبار وراثي على الجنين، فهم قد تكيَّفوا مع هذا التناقض منذ البداية. أما النقاش بشأن الحمل غير المرغوب فيه، فهو
نقاشٌ يدور بين حق المرأة في التقرير الذاتي، وبين ضرورة حماية الجنين؛ أي إنّ القرار الحياتي بقطع الحمل ليس له علاقة بهذا الاستعداد للاستخدام الاستهلاكي. وثمة فارق أيضًا بين الإجهاض والحياة ما قبل الشخصية، فالكلام في الإجهاض هو كلام عن حياة جنينية تختلف فيها وجهات النظر بين فريقين؛ يصف الفريق الأول الحياة الإنسانية في هذه الحالة بعبارات حيادية (خالية من الأحكام المسبقة)، كوصف الجنين بأنه «تجَمّع خلايا»، بخلاف «المولود» الذي يشكّل المرحلة الأولى التي يُتَحدَّث فيها عن شخص له كرامة إنسانية. أما الفريق الثاني، فيصف إخصاب الخلايا بأنّه البداية الفعلية لسيرورة متطورة تتمتع بالتفرد وتُنظم نفسها بنفسها، وهو ما يمكن وصفه، بيولوجيًّا، بأنّه نموذج إنساني
أو شخص بالقوة، ومن ثمّ صاحب حقوق أساسية.
(25) Teresa Iglesias, «In Vitro Fertilization: The Major Issues,» Journal of Medical Ethics , vol. 10, no. 1 (1984), pp. 32–37. (26) Karnein, pp. 26–34.
سعى هابرماس لإيجاد المعيار الذي يجعل من الحياة ما قبل الشخصية جديرة بالحماية من خلال القول إنّ عالم الحقوق والواجبات الأخلاقية كامنٌ في تحديد «أساس الأخلاق» الذي يرجع إلى جماعة الكائنات الأخلاقية التي تعطي نفسها قوانينها، وهي جماعة تتعلق بكلّ العلاقات التي تتطلب أن تُنظَّم وفق معايير. فهم يَفرضون على أنفسهم التزامات أخلاقية، وينتظر بعضهم من بعض سلوكًا يتلاءم مع المعيار، بل حتى الحيوانات يمكن لها أن تستفيد من الواجبات الأخلاقية في علاقاتنا بكلّ المخلوقات الحساسة للألم. فالكرامة الإنسانية، بناءً على هذا، هي كرامة مساوية لهذا التوازي في العلاقات، وهي «عدم المساس» الذي لا معنى له إلا في إطار العلاقات بين الأشخاص الذين يعترف بعضهم ببعض في إطار تبادل متوازٍ ومتساو.
2. النقاش الفقهي
انصرفت النقاشات الفقهية المعاصرة بشأن التقنية الوراثية إلى البحث في «استخداماتها» وتحديد المشروع وغير المشروع منها. وقد حصر بعضهم إطار التفكير فيها في ثلاثة أمور: العلاج والتداوي رعايةً لمبدأ حرمة المساس بالنفس والجسم، والمفهوم الشرعي للتزاوج والإنجاب لحفظ النسل والنسب، والمتابعة الرقابية في تطبيق هذه التقنيات. بيد أنّ استخدامات التقنية الوراثية تتصل بعدة مفاهيم مركزية، هي بداية الحياة، وحرمة الجسد، ومنظومة الحقوق: أي حقوق الله، وحقوق العباد، وحفظ النفس، وحفظ النسل. وتتقاطع هذه المفاهيم مع الإشكالات الفلسفية المطروحة سابقًا؛ لأنها تغطي مسائل «التدخل المبرر» (السلبي) و«غير المبرر» (الإيجابي)، و«الحدود» التي يجب فرضها على «النسالة» (تحسين النسل) حتى تَحول دون التشوهات الخطيرة، والتفريق بين ما هو «عيادي/ علاجي» وما هو «احترازي»، وتهتم بأبعاد أخرى في الإنسان يشكّل الجسد أحدها فحسب، كما أنها تتناول حدود التدخّل في الجسد سواء من قِبل الشخص نفسه أم وليه لتجنّب «التسلُّط على الذات»، وهو ما سنبينه فيما يأتي.
أ. بداية الحياة
تحديد بداية الحياة الإنسانية محلُّ اختلاف بين الفقهاء؛ فالنقاشات الفقهية القديمة كانت تدور حول الجنين في مراحله الثلاث: النطفة ثم العلقة ثم المُضغة، ثم يأتي بعد ذلك نَفْخ الروح، ومدةُ كلِّ مرحلة من المراحل الثلاث أربعون يومًا. فالكلام عن النطفة الملقحة خارج الرحم (قبل الانغراس) لم يكن مطروحًا أو مُتصوَّرًا قبل التقنيات الحديثة؛ أي إنّ الكلام بات يدور حول مسألتين: طبيعة البويضة الملقحة، والجنين خصوصًا في مراحله المبكرة. أما البويضة الملقحة، فقد وقع الخلاف فيها تبعًا للخلاف في طبيعتها: هل تُعدّ جنينًا فتأخذ حكمه أو
(27) Habermas, p. 33.
(2((السيد محمود عبد الرحيم مهران، الأحكام الشرعية والقانونية للتدخل في عوامل الوراثة والتكاثر، د.م.: د.ن،.2002
لا؟ الذي ذهب إليه الأكثرون في الندوة التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية أنّه ليس لها حُرمة شرعية من أيّ نوع، ولا احترام لها قبل أن تنغرس في جدار الرحم، لأنّها لا تُسمّى جنينًا؛ فالجنين
من الاجتنان وهو الاستتار، وهو «اسم للولد ما دام في البطن». ومن تتبُّع مسائل الفقه في الأبواب
المختلفة نجد أنّ فقهاء الحنابلة وغيرهم يُرتّبون عددًا من أحكام الجنين على «العُلوق» في الرحم؛ وهو
ما يعني أنّ حساب عُمر الجنين يبدأ من يوم عُلوق النطفة في الرحم، ولهذا نجد أنّ الأكثرين لا يُثبتون حُرمةً لما هو «خارج الرحم». وإذا كانت الحياة المُحتَرمة تبدأ في الرحم، فمعناه – بحسب
توصيات الندوة المشار إليها سابقًا – أنّ إجراء التجارب على البويضات الفائضة قبل التلقيح وبعده جائز، ولكن بقيدين: عدم تغيير فطرة الله، والابتعاد عن استغلال العلم للشر والفساد. وثمة قولٌ ثانٍ يرى أنّ المكان ليس عبرةً في بناء الحكم. ويمكن أن نفهم هذا المعنى من كلام قديم لأبي حامد الغزالي الذي اعتبر أنّ الوجود له مراتب، وأول مراتبه «أن تقع النطفة في الرحم وتختلط بماء المرأة وتستعد لقبول الحياة»، وأوضح حجته بالقول: «وإنما قلنا: مبدأ سبب الوجود من حيث وقوع المني في الرحم لا من حيث الخروج من الإحليل، وكما أنّ النطفة في الفقار لا يتخلق منها الولد، فكذا بعد الخروج من الإحليل؛ ما لم يمتزج بماء المرأة ودمها فهذا هو القياس الجلي». وبناءً عليه، فإنّ العبرة بالنطفة حال امتزاجها بماء المرأة بغضّ النظر عن مكان هذا
الامتزاج الذي يتأثر بتطور الوسائل التقنية وإمكاناتها، وهذا ما يتفق مع علم الأطباء الذي توصّل إلى أنّ الحياة تبدأ منذ التلقيح على نحو متدرج، وأنّ خصائص الكائن الإنساني تكتمل في النطفة الملقحة وكل ما يعقبها هو نمو وتطور. فأصحاب الرأي الأول نظروا إلى مفهوم «الجنين» فحسب، وقصَّروا في مراعاة أحكام أخرى متعلقة بهذه البويضة الملقحة، كحق الزوجين أو أحدهما فيما لو شرعَا في التلقيح ثم تراجع أحدهما عن إتمام
الحمل، وكالخلاف في حكم العَزل؛ فمن منعه يُضفي على الماء «احترامًا» من حيث إنّ على الرجل أن
ينثره في رحم المرأة وألّ يهدره. ومن هذا الباب اشترط فقهاء الشافعية في إثبات نسب الولد أن يكون
((2(«بشأن مصير البييضات الملقحة»، المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الكويت، الندوة الثالثة (21–18 نيسان/ أبريل 1987)؛ عمر سليمان الأشقر، «الاستفادة من الأجنة المُجهضة أو الزائدة عن الحاجة في التجارب العلمية وزراعة الأعضاء»، في: عمر الأشقر
وآخرون، دراسات فقهية في قضايا طبية معاصرة، ج 1 (عمان: دار النفائس، 2001)، ص 310–305. (3((شهاب الدين القليوبي، حاشية قليوبي على شرح جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين، ج 4 (بيروت: دار الفكر، 1998)، ص.160 ((3(وهو ما وجدنا لاحقًا الإشارة إليه في بعض فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية. انظر: منصور بن
يونس البهوتي، دقائق أولي النهى لشرح المنتهى، ج 1 (بيروت: عالم الكتب، 1993)، ص 646؛ المرجع نفسه، ج 2، ص 619؛
الموسوعة الفقهية الكويتية، ج 30 (الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1983)، ص 295؛ «فتاوى اللجنة الدائمة»،
رقم 17576، في: الفتاوى المتعلقة بالطب وأحكام المرضى (القاهرة: أولي النهى للإنتاج الإعلامي،.)2004 ((3(محمد المختار السلامي، «تدخّل الإنسان في الحقيبة الوراثية»، في المناقشات التي وردت خلال الندوة الفقهية الطبية حول
«رؤية إسلامية لبعض المشاكل الصحية» التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، الدار البيضاء (17–14 حزيران/ يونيو 1997)؛
سليمان بن عبد الله أبا الخيل، إسقاط العدد الزائد من الأجنة الملقحة صناعيًّا (الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود، 2010)،
ص.29–28 (3((أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج 2 (بيروت: دار المعرفة، 2004)، ص.51
الماء «محترمًا» حال الإخراج وحال الاستدخال، وذلك لا يكون إلا بخروجه في حالة جماع وفي ظل
الزوجية. وبناءً على هذا، لا يمكن القول إنّ البويضة الملقحة هدر وغير محترمة بأيّ وجه! وأما الجنين، ففيه اختلاف وتفصيل، فالذي يتصل بما نحن فيه أنّ الخلاف بين الفقهاء يدور حول تحديد بداية الحياة ودرجاتها، فقد اتفق جميع الفقهاء على تحريم الإجهاض بعد نفخ الروح في الجنين، ونفخُ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر، ولكنهم اختلفوا في حكم الإجهاض في المراحل الثلاث السابقة على ذلك، فرأى فقهاء المالكية التحريم مطلقًا ولو في مرحلة النطفة، ورأى الحنفية والشافعية جواز الإجهاض قبل نفخ الروح مطلقًا. أما الحنابلة فقد توسّطوا بين التحريم والجواز فقالوا
بالإباحة في مرحلة النطفة، والتحريم في مرحلتَي العلقة والمضغة. وثمة أقوال داخل كل مذهب تتقاطع مع المذهب الآخر، لكنّنا اقتصرنا هنا على بيان المعتمد في كل مذهب. فالحياة الشرعية التي وقع الاتفاق عليها تبدأ بنفخ الروح، فالروح هي ما يجعل من الكائن الحي إنسانًا، ولذلك أجمع الفقهاء على حرمة إجهاض الجنين في هذه المرحلة، ورتّبوا على إجهاضه عددًا من الأحكام الدنيوية والأخروية كالصلاة عليه وتكفينه ودفنه، وأنه يُبعث يوم القيامة وغير ذلك. ولكن هذا
لا يعني استباحة الجنين قبل نفخ الروح، لأنّ ثمة «حياة اعتبارية»؛ فرغم أنّ الجنين قبل نفخ الروح فيه هو كالجمادات، إلا أنّ كثيرًا من الفقهاء حرّموا إجهاضه، لأنّهم رأوا فيه حياةً اعتبارية اختلفوا في
تقدير بدايتها هل تبدأ من «علوق» النطفة في الرحم واستقرارها، أم من «الانعقاد» وبداية تحوّلها إلى
حَمل في مرحلة العلقة؟ فمن رأى أنّها تبدأ بالاستقرار منعَ من الإجهاض مطلقًا، ومن رأى أنها تبدأ
بالانعقاد رأى أنّ النطفة غير محترمة أو هَدْر؛ لأنّ تحوّلها إلى حياة غيرُ مُتيقَّن بعد. فالكلام عن الحياة الاعتبارية مبناه على مبدأ الاحتياط في الدين سواءٌ لجهة الأحكام المترتبة على
الحمل، أم لجهة حياة الجنين نفسه واحترامها. فمن الاحتياط لجهة الأحكام المترتبة عليه أنّ فقهاء الحنابلة لم يُثبتوا للعلقة أحكام الحمل (كالنفاس والعدة وغيرهما)؛ لأنهم لم يروا العلقة حملً حقيقيًا،
وإنْ كانت حياة معتبرة للجنين. ومن الاحتياط لحياة الجنين نفسه أنّ بعض فقهاء الشافعية تحدّث عن «حريم الروح»، أي المدة التي تسبق نفخ الروح، لأجل التحوّط للحياة الحقيقية المتفق عليها
وضمان عدم الجور عليها. ورتّب بعض الفقهاء أحكامًا على المضغة، لأنهم رأوا أنها مظنَّة التخلّق
فيُحكم لها بحكم المضغة المخلّقة. في حين ذهب آخرون إلى التحوّط من زمن النطفة. ومن هنا رأى
(3((انظر: شمس الدين الخطيب الشربيني، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، ج 6 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1994)، ص.516 (3((انظر اختلاف الأقوال في الإجهاض في: الموسوعة الفقهية الكويتية، ج 2، ص 59–57؛ محمد نعيم ياسين، أبحاث فقهية في
قضايا طبية (عمان: دار النفائس،.)2008 ((3(فرّق الحنابلة بين الروح والحياة ولم يروهما متلازمَين؛ فالجنين قبل نفخ الروح فيه حركةُ النمو والاغتذاء كالنبات، ولكن ليس
فيه حركة الحس والإرادة، وعندما تُنفخ فيه الروح تنضم إلى حركة حسه وإرادته حركةُ نموه واغتذائه. فحركة الجنين نوعان: حركة
ذاتية اختيارية تكون بوجود الروح، وحركة عارضة تُسبّبها الأغشية والرطوبات. انظر: محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، التبيان في
أيمان القرآن، تحقيق عبد الله بن سالم البطاطي (مكة: عالم الفوائد، 2008)، ص.509 (3((شهاب الدين الرملي، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، ج 8 (بيروت: دار الفكر، 1984)، ص.442
ابن الجوزي الحنبلي (510 ه 597–ه) تحريم الإجهاض من مرحلة النطفة، لأنّ الحمل «مُترَقٍّ إلى الكمال وسارٍ إلى التمام»؛ فتعمُّد إسقاطه مخالفة لمراد الحكمة الإلهية. ونقل ابن عابدين الحنفي (1198 ه 1252–ه) عن بعض فقهاء المذهب أنه يُكره؛ لأنّ «الماء بعدما وقع في الرحم مآله الحياة، فيكون له حكم الحياة»؛ وهو الأَوجَهُ عند الشافعية، لأنّ «النطفة بعد الاستقرار آيلة إلى التخلّق مهيأة لنفخ الروح». ولكن هذا الاحتياط لا يُلغي الفارق بين الجانب الاعتباري الأخلاقي والجانب الحقوقي. فرغم ثبوت جملة من الأحكام للجنين، فإنه لا يَثبت له «شخصية» إلا بخروجه، أي بأنْ يتحقق وجودُه فعلً بأيّ صيغةٍ كان هذا الخارجُ من الرحم، ما دام فيه صورة إنسان، ومن ثمّ ترتّبت الأحكام على خروجه وعلى
تصوُّره بصورة إنسان ولو خَفِيَّةً.
ب. الآدمية وحُرمة الجسد
القاعدةُ الحاكمة في هذا الخصوص هي أنّ الأنفس مع الأطراف مبنية على الحُرمة، والحَمل بمنزلة طرف من أطراف الأم من جهة اعتماده عليها. ويتصل باعتبار الآدمية عدة مفاهيم لحَظها الفقهاء وبنوا عليها أحكامًا تكليفية، من ذلك مفهوم «الانعقاد»، وهو مبدأ تَحوّل النطفة إلى علقة؛ فالعلقة هي المنيّ ينتقل فيصير دمًا غليظًا متجمدًا، ونجد من تتبُّع نصوص فقهاء الحنابلة وأحكامهم أنهم يعتبرون العلقة أول الأحوال التي يتحقق بها أن الحمل ولدٌ، ولذلك يعلّلون حرمة إسقاط العلقة بأنها «ولدٌ انعقد». وعلّل ابن عثيمين حرمة إجهاض العلقة بأنها «دمٌ والدم مادةُ الحياة ». ومن ذلك أيضًا مفهوم «التخليق» أو «مبدأ خَلْق إنسان» (أي بدايته)، و«الصورة الخفية للآدمي»، ونحو ذلك من العبارات.
(3((أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، أحكام النساء، تحقيق علي المحمدي (بيروت: منشورات الكتب العصرية، 1981)، ص.374 ((3(المرجع نفسه. 4(((محمد أمين بن عابدين، ردّ المحتار على الدر المختار، ج 3 (بيروت: دار الفكر، 1992)، ص.176 4(((نور الدين بن علي الشبراملسي، حاشية على نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي، ج 6 (بيروت: دار الفكر، 1984)،
ص 182؛ عبد الحميد الشرواني، حاشية على تحفة المحتاج في شرح المنهاج لابن حجر الهيتمي، ج 7 (القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، 1983)، ص.186 4(((عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، تحقيق عبد الله محمود، ج 3 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1997)، ص.147 4(((علاء الدين الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج 4 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1986)، ص.94 (((4 إبراهيم بن محمد بن مفلح، المبدع في شرح المقنع، ج 7 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1997)، ص 74؛ عبد الرحمن بن أحمد
بن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحِكَم، تحقيق محمد الأحمدي أبو النور، ج 1 (القاهرة: دار السلام، 2004)، ص 161؛ البهوتي،
ج 3، ص 193؛ مصطفى بن سعد الرحيباني، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى، ج 5 (بيروت: المكتب الإسلامي، 1994)، ص 561؛ المرجع نفسه، ج 1، ص.267 4(((محمد صالح العثيمين، الشرح الممتع على زاد المستقنع، ج 13 (الدمام: دار ابن الجوزي، 2007)، ص.342
فالآدمية أو مبدأ تشكُّلها يستوجب الاحترام، لأنه سارٍ إلى التمام حتى يصبح جسدًا مكتملً ويتهيأ لاستقبال الروح. وبناءً على هذا الاعتبار، يجب التفريق بين «الآدمية» و«الحياة الآدمية»؛ فالحياة الآدمية
تَثبُت بنفخ الروح بحسب المتفق عليه، ولكنّ الآدمية ملازمة لخَلق الإنسان قبل نفخ الروح وبعده، وهي
حاضرة في النقاش بشأن إجهاض الجنين المبكر، وثمّة أحكام تكليفية خاصة بعدم إهدار الآدمية أو
احتقارها وعدم الإتلاف في التعزير (العقوبات المقدَّرة كالحبس وغيره)، وعدم التمثيل بجثث الموتى أو احتقارها، كما أنّها حاضرة في أحكام الرّق التي وُجدت قديمًا، إذ قرّر الفقهاء أنّ «ما كان من خواص
الآدمية في الرقيق لا يَبْطُل بِرقّه»، على الرغم من انعدام حريته، وأنّ «الآدمية في العبد أعلى [قيمة] من
المالية». تُحيل هذه المفاهيم والاعتبارات إلى شكلٍ من أشكال العلاقة بين الجسد والذات التي نوقشت في الجانب الفلسفي سابقًا، وأنّ الجسد الآدمي له اعتبار منذ بداية تشكُّله: الانعقاد ثم التصوّر، وحتى بعد
خروج الروح. وقد جاء في الحديث أنه «حين تخرج روح المؤمن يتلقاها ملَكان يُصعِدانها»، ويقال
لها: «صلى الله عليكِ وعلى جسدٍ كنتِ تَعمُرينه». أما التدخل الجيني في الخلايا الجسمية فهو تدخل في شخص موجود بالفعل وتحدَّدت صفاته الخاصة به واستقرت؛ أي إنّ التدخل واقع في مكونات الجسد الآدمي نفسه، ولذلك يجب أن يتقيد التدخل بناءً على اعتبارات طبيعة هذا التدخّل والباعث عليه، ومآلاته فيما إذا كان سيترتب عليه ضرر
متوقع وهو ما قد يخضع لملابسات كل حالة بعينها.
ج. منظومة الحقوق
مدار الشريعة الإسلامية على منظومة حقوق تتوزع على ثلاثة أنواع: حق الله، وحق العبد، والحق المشترك بين الله والعبد. وفيما يخص الجنين، فتكتنفه حقوق تتوزع على أطراف متعددة بحسب اعتبارات مختلفة تؤثر في بناء الحكم، وهي حق الله، وحق الجنين، وحق الوالدَين، وعلى هذا الأساس سيجري التفصيل. فالجنين ابتداءً هو خلق إلهي، وهو مسألة دينية تفصل بين كون الوالدين وسيلةً في إنجابه، وبين مِلكية
الجنين لله. فتشكُّل الجنين ونموه هما جزء من نظام الخلق ابتداءً وانتهاءً، ولذلك كان الإجهاض
مخالفةً لمراد الحكمة، وجاءت أحاديث في أنّ ثمّة ملَكًا موكَّلً بالنطفة، واختلف الفقهاء في توقيت
تعهُّد الملَك لها بحسب اختلاف الأحاديث. ولكنّ بعضهم انتهى إلى القول إنّ «الملائكة ملازمة ومراعية لحال النطفة في أوقاتها» المختلفة. وذهب بعض متأخري الحنابلة إلى أنّ كتابة الملَك
4(((انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، ج 23، ص 13،.73 4(((مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم (الرياض: بيت الأفكار الدولية، 1998)، رقم.2872 4(((معتز الخطيب، «منظومة الحقوق ومقاصد الشريعة»، مجلة التفاهم (سلطنة عمان)، العدد 39 (2013)، ص 27 وما بعدها. 4(((بدر الدين محمود بن أحمد العيني، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، تحقيق عبد الله عمر، ج 3 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2001)، ص.435
الموكَّل بالرحم لقدَر الجنين تكون في أول الأربعين الثانية. ونظرًا إلى هذا المعنى الديني، فقد تمّ
التفريق بين الإثم المترتب على الإجهاض، وبين الدية والكفارة الواجبة في حال الجناية عليه؛ فالإثم الديني واقع في حال الجناية على العلقة والمضغة غير المُخلَّقة، مع أنّهم لم يُوجبوا الدية والكفارة على الجاني عليهما. والكفارة الواجبة في الجناية على الجنين الذي فيه صورة آدمي هي عقوبة مقدَّرة حقًّا لله، فيها معنى العقوبة الزاجرة، وفيها معنى العبادة؛ لأنها تتأذّى بالصوم، وهي من آثار أنّ الجناية عليه مخالفة لمبدأ الحكمة ومراد الخالق، فوجبت الكفارة حقًّا له. ويمكن للتدخلات الجينية أن تدخل في هذا الإطار، فلا بد من توافر إذن الشارع فيها؛ لأنه تصرُّف في ملكه ونظام الخلق. وفيما يخص الجنين وأهليته للحقوق، فالنظر الفقهي يدور حول تحديد طبيعة الجنين: هل هو نفسٌ
مستقلة أو لا؟ فلو نظرنا إليه من جهة كونه جزءًا من أمه يتغذى بغذائها، فقد حكمنا بعدم استقلاله، ولم
نثبت له ذمة، ولم نوجب له ولا عليه شيئًا. ولو نظرنا إليه من جهة كونه نفسًا مستقلةً بحياة خاصة، فقد حكمنا بثبوت الذمة له، وجعلناه أهلً لوجوب الحقوق له وعليه. ولكن «لمّا لم يُمكن ترجيح إحدى الجهتين على الأخرى من كل وجه، فإنّ الشرع عامله من جهة كونه جزءًا من أمه بعدم أهليته
للوجوب عليه، وعامله من جهة كونه نفسًا مستقلة بحياة خاصة بكونه أهلً للوجوب له، وبهذا لا يكون
للجنين أهليةُ وجوبٍ كاملة، بل أهلية وجوب ناقصة»؛ ولذلك قال فقهاء الحنفية إنه «نفسٌ من وجه دون وجه». فتجب للجنين الحقوق التي لا تحتاج إلى قبول: كثبوت النسب، والإرث، والاستحقاق في الوقف. وبما أنّ الجنين آيلٌ إلى الانفصال والاستقلال، ولا تجب له إلا الحقوق التي لا تحتاج إلى قبول، فإنّ التدخل الجيني الذي يؤثر في تكوينه لا يمكن إيقاعه إلا بإذنٍ منه وهو غير متاح، أو بإذنٍ من وليّه، وهو ما يطرح سؤالً عن حدود ولاية الوالدين في مثل هذه الحالة. وكلام الفقهاء القدامى في
«الولاية على النفس» يتناول التطبيب والتربية؛ فالتدخلات الجينية غير العلاجية لا تدخل في هذا المعنى، كما أنّ تصرفات الوليّ مشروطة بإذن الشارع أيضًا. وفيما يخص حقّ الوالدين، فيَثبت ابتداءً من الحق في الإنجاب، وإنْ وقع الخلاف في: هل هو حق
للزوج أو حق مشترك بين الزوجين معًا؟ ويظهر هذا الخلاف في مسألة إسقاط النطفة بعد وقوعها في الرحم، ومسألة العزل وهو منع النطفة من الوقوع في الرحم. فذهب فقهاء الشافعية إلى أنّ الحق للزوج، وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الولد حق مشترك بين الزوجين.
(5((محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحفة المودود بأحكام المولود، تحقيق محمد علي أبو العباس (القاهرة: مكتبة القرآن، 1988)، ص 173؛ ابن رجب الحنبلي، ج 1، ص.173 (5((عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، تقرير القواعد وتحرير الفوائد، تحقيق مشهور آل سلمان، ج 2 (القاهرة: دار ابن عفان، 1998)، ص.251–225 (5((انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، ج 16، ص.119–118 (5((موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة، المغني، ج 8 (القاهرة: مكتبة القاهرة، 1968)، ص 064؛ ابن مفلح، ج 7، ص 295؛ الكاساني، ج 7، ص.325 ((5(ابن عابدين، ج 3، ص 176–175؛ البهوتي، ج 1، ص 122؛ البهوتي، ج 3، ص 44؛ علي بن سليمان المرداوي، الإنصاف في
معرفة الراجح من الخلاف، صححه وحققه محمد حامد الفقي، ج 1 (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1956)، ص.383
وبناءً على ما سبق، يجب مراعاة حق كل طرف من دون تعَدٍّ، والقاعدةُ الحاكمة في التدخلات الجينية
هي أنه «لا يجوز لأحدٍ أن يتصرف في مِلْك الغير بلا إذنه». وقد أكد قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي حول الجينوم البشري على الجانب الحقوقي، فنصَّ على «ضرورة الحصول على إذنٍ صحيح مُعتَبر شرعًا من الشخص نفسه أو وليه الشرعي لتحليل خريطته الجينية، مع وجوب الحرص على
مصلحة الشخص المعنيّ»، وأنّ «لكل شخص الحق في أن يقرّر ما إذا كان يرغب أو لا يرغب في أن
يُحاط علمًا بنتائج أيّ فحصٍ وراثي أو بعواقبه»، وأنه «يجب أن تحاط بالسرية الكاملة كافة التشخيصات
الجينية المحفوظة أو المعدّة لأغراض البحث أو أيّ غرضٍ آخر»، وأنه «لا يجوز أن يُعرَّض أيّ شخصٍ
لأيّ شكلّ من أشكال التمييز بسبب صفاته الوراثية إذا كان الغرض النيل من حقوقه وحرياته الأساسية
والمساس بكرامته». وقرّر أنّ التدخل الجيني مشروع بغرض العلاج، ووفق شروط هي ألّ يؤدي
هذا النوع من العلاج إلى ضرر أعظم من الموجود، وأن يغلب على الظن أنّ هذا العلاج يحقق مصلحة الشفاء أو تخفيف الآلام، وأن يتعذر وجود البديل، وأن تراعى شروط نقل الأعضاء في المتبرِّع والمتبرَّع
له شرعًا، وأن يُجري العملية متخصصون ذوو خبرة عالية وإتقان وأمانة.
د. حفظ النفس
«حفظ النفس» أحد مقاصد الشريعة الكبرى، وهو من قسم الضروريات بل هو آكدها. وتعبير «حفظ النفس» يتجاوز كثيرًا من الانتقادات الفلسفية الحديثة حول معنى «قدسية الحياة»، فهو يختلف عن
تعبيرات: تقدير الحياة ونوعية الحياة وتميُّز الحياة التي سبقت الإشارة إليها؛ فهو تعبير يحيل إلى قانون
أخلاقي عام اتفقت عليه المِلل، ويتضمن معنى الالتزام العام الدقيق والواضح، ويشمل جنس النفوس: الاعتناء بالذات والغير. وحفظ النفس «يكون بأمرين: أحدهما ما يُقيم أركانها ويُثبت قواعدها، وذلك
مراعاتها من جانب الوجود، والثاني ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقَّع فيها، وذلك مراعاتها من جانب العدم». كما أنّها تشتمل على نظرين: الحفظ من جانب الكلي، والحفظ من جانب الجزئي؛ فالقِصاص، وإن كان فيه إزهاق نفس مفردة، فإنّ فيه حفظ النفس من جهة الكلي، أي إنّ حفظ النفس قانون كلي يراعي الجزئيات، كما أنّه يجمع بين مستويَي المعياري والتطبيقي. وتعبير حفظ النفس
يساعدنا على استيعاب التقنيات الحديثة والهندسة الوراثية، فالتلاعب بالجينات مثلً ليس قتلً، ومن ثمّ، ستكون قاعدة «لا تقتل من دون مبرّر» قاصرة عن استيعاب مثل هذه التطورات، بينما هي مشمولة
بقانون «حفظ النفس» من جانبَي الوجود والعدم، كما أنّه يشمل النفس الحقيقية والنفس الاعتبارية
على ما سبق شرحُه هنا، ومن هنا فقد قصّرت بعض الدراسات المعاصرة في استيفاء هذه المعاني
من «مصالح الإنسان» وأبعادها الأخلاقية.
(5((أحمد الزرقا، شرح القواعد الفقهية، صححه وعلق عليه مصطفى الزرقا (دمشق: دار القلم، 1989)، ص.461 ((5(«قرار رقم: 203 (9/21) بشأن الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري (المجين)»؛ وقريب منه «القرار الأول: بشأن استفادة المسلمين من علم الهندسة الوراثية.» (5((أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق مشهور بن حسن سلمان، ج 2 (القاهرة: دار ابن عفان، 1997)، ص.18 (5((مثل: عبد النور بزا، مصالح الإنسان: مقاربة مقاصدية (هيرندون: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2008).
مفهوم «الحفظ» يساعدنا، إذًا، على تقييم التدخّل الجيني من خلال تحديد ثلاثة أمور، هي: شكل التدخّل وطبيعته، وبواعثه وغاياته، ونتائجه المتوقعة. وهذا سيتم بناءً على دراسة كل حالة بعينها، ومن
هنا وجدنا مجمع الفقه الإسلامي الدولي ومجمع مكة يشترطان «إجراء تقييم سابق ودقيق للأخطار والفوائد المحتملة المرتبطة بهذه الأنشطة»، قبل إجراء أيّ بحث أو معالجة أو تشخيص يتعلق بالجينوم. ومما يدخل في حفظ النفس: العلاجُ الذي بحَثه الفقهاء قديمًا وبات حقًا من حقوق الإنسان بالمفهوم الحديث، وقد وسّع تطوُّر التقنيات البيولوجية من مفهوم الطب ليتجاوز مفهومه التقليدي الذي دار
حول «العلاج» بأصوله الستة التي شرحها ابن قيم الجوزية بقوله: «ملِاك أمر الطبيب: أن يجعل علاجه وتدبيره دائرًا على ستة أركان: حفظ الصحة الموجودة، ورَدّ الصحة المفقودة بحسب الإمكان، وإزالة
العلة أو تقليلها بحسب الإمكان، واحتمال أدنى المفسدتين لإزالة أعظمهما، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمهما، فعلى هذه الأصول الستة مدار العلاج». ولكنّ التطور الهائل في تكنولوجيا المورّثات يبرز ثلاث مسائل: الأولى معالجة جميع الأمراض والعاهات الوراثية طلبًا لمجتمع خالٍ من
الأمراض لا ندري كيف سيكون شكله، والثانية أنّ المرض الوراثي الذي يجب تصحيحه لا يزال يفتقر إلى تحديد دقيق: ما يعتبر مرضًا وما لا، وهل سيختلف بناءً على الأعراف والثقافات؟ والثالثة تحسين
العرق البشري وتطويره، ما يعني أنّ لون الجلد أو العيون أو طول القامة سيخضع للتأثير الثقافي وتفضيلاته، فضلً عن باقي الإمكانات والصفات المرغوبة التي تتصل بالقدرات العقلية والجسدية. لا يمكن توسيع مفهوم العلاج ليشمل كل هذه التطورات، ومن ثمّ تسكينها تحت مفهوم «حفظ النفس»، بل على العكس، يفرض حفظ النفس تقييد الممارسات التدخّلية في حياة الإنسان وجسمه، وخصوصًا أنّ بعض هذه التدخلّات تقتصر على الفرد ومصيره (الخلايا الجسدية)، وبعضها يشمله هو ونسله القادم (الخلايا الجنسية). وقد أجاز مجمع الفقه الإسلامي الدولي العلاج الجيني للخلايا الجسدية، بشروط كما سبق، كما أجاز المسح الوراثي بشرط أن تكون الوسائل مباحة وآمنة، مع الحفاظ على سرية المعلومات. أما ما وراء «العلاج» كالغايات التحسينية (الهندسة) التي تتم غالبًا على الجنين
المبكر، أو قبل التلقيح، فهي خارجةٌ عن حفظ النفس، وهي ألصق بحفظ النسل.
ه. حفظ النسل
حفظُ النسل من الضرورات الخمس التي جاءت الشرائع لحفظها. والخلايا التناسلية تَتْبع الأبضاع، والأصل في الأبضاع التحريم، والتدخل هنا مشروط بحفظ النسب من حيث المبدأ. ولكن يغلب على
((5(«قرار رقم: 203 (9/21) بشأن الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري (المجين)»؛ «القرار الأول: بشأن استفادة المسلمين من علم الهندسة الوراثية.» (6((محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد، ج 4 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1994)، ص 133–132. (6((انظر: موسى الخلف، العصر الجينومي: استراتيجيات المستقبل البشري، سلسلة عالم المعرفة 294 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2003)، ص.85–84
التدخّل العلاجي إدخال عناصر أجنبية تؤدي إلى اختلاط الأنساب؛ ولذلك قرّر مجمع الفقه الإسلامي
الدولي إباحة فحص الخلايا الجنسية لمعرفة الأمراض، ومنع علاجها «في صورته الراهنة»؛ لأنّه لا يُراعى فيه الأحكام الشرعية ويؤدي إلى اختلاط الأنساب وتترتب عليه مخاطر وأضرار. أما التدخل التحسيني في الخلايا الجنسية فهو محلّ إشكال، الذي ذهب إليه مجمع الفقه الإسلامي الدولي ومجمع مكة هو المنع منه؛ لأنه تدخُّل في أصل الإنسان ومنشئه وفيه تغيير للخلقة، وامتهان للكرامة الإنسانية (تصنيع الإنسان وإخضاعه للتجريب)، والعبث بشخصية الإنسان ومسؤوليته الفردية، مع انتفاء الحاجة والضرورة المعتبرة شرعًا. وقد يناقَش هذا التدخّل من جهة مفهوم «تزيين» الجسد الذي تطوَّر إلى جراحات التجميل ثم التحسين الوراثي، ولكن التحسين الوراثي يختلف في أنّه يتناول أصل الإنسان ومنشأه، ويجري فيه الخلاف السابق حول «حرمة» النطفة والجنين المبكر، فمن لم يُثبت لهما استقلالية سيتوسع في التدخلّات العلاجية والتحسينية. وعلة «تغيير خلق الله» التي أشار إليها المجمعان محلّ تأويلات عدة من جهة النصوص: هل تشمل مطلق التغيير الجسمي أو هي خاصة بالتغيير المعنوي (دين الله)؟ كما ورد عن ابن عباس وغيره، وهل التغيير خاص بما بعد الولادة أو يشمل ما قبلها؟ فالتغيير الجسمي (الوشم والنمص والوصل... إلخ) محلّ خلاف بين الفقهاء، تبعًا لاختلافهم في علة النهي عن هذه الممارسات، هل هي تغيير خلق الله أو التدليس أو غير ذلك؟ ومن ثمّ، فإنّ قياس تحسين النسل على التزيين سيسري فيه الخلاف نفسه، إلّ إنْ قلنا إنّ تحسين النسل يفترق عن تزيين الجسد للاعتبارات السابقة: في الزمان والأثر ونوع التدخّل وصاحب القرار في التدخل. ثم إنّ التدخل التحسيني يتصل بمناقشة مرتبة التحسينيات وموقع هذا التدخل منها وما إذا كان سيُخلّ بالضروريات أو الحاجيات من جهة
الجزء (الحالة الخاصة)، أو من جهة الكل (بالنسبة إلى النوع البشري)، فيما لو تدحرج التغيير وانفلت من الضبط، وصار تدخلً في نظام الخلق. الاعتبارات السابقة تجعل النتيجة التي توصل إليها بعض الباحثين محلّ إشكال؛ إذ خلص إلى أنّ الأصل في حكم التدخل التحسيني الإباحة، لعموم النصوص الدالة على طلب القوة في النسل، ولأنّ الأوصاف التي طُبع عليها الإنسان تدخل في دائرة المباح الذي لا يرِد الأمر برفعه ولا بطلبه، ويجب هنا مساءلة مفهوم القوة وطبيعتها ومصدرها، وما إذا كانت تشمل الطاقة التي يطمح إليها اللاعبون الرياضيون مثلً، والتي من شأنها ألّ تنسب إنجازاتهم إلى ذواتهم وإمكاناتهم بل إلى التعديلات التي أجريت عليهم، ولا بدّ من التفريق أيضًا بين الطبائع النامية ذاتيًا والطبائع المصنّعة. فالشاطبي كان
يتحدث عن الأوصاف التي فُطر عليها الإنسان، وأنها لا يرِد بشأنها أمر ولا نهي، ثم إنّ الحديث هنا يتم عن تحكُّم شخص في طبيعة شخص آخر متدرج في مراتب الوجود وسارٍ إلى التمام.
((6(«قرار رقم: 203 (9/21) بشأن الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري (المجين.») ((6(المرجع نفسه؛ «القرار الأول: بشأن استفادة المسلمين من علم الهندسة الوراثية.» ((6(اللودعمي، «التدخل في الجينوم البشري في الشريعة والقانون»، ص.169–168
ومما يتصل بحفظ النسل مما أجازه مجمع الفقه الإسلامي الدولي: الفحص الجيني قبل الزواج بشرط أن تكون الوسيلة مباحة وآمنة، وتشخيصُ البويضة الملقحة قبل زرعها بشرط ضمان عدم خلط العينات،
والفحصُ أثناء الحمل، وإذا ثبت مرض وراثي أجاز إجراء الإجهاض للحامل، بل إنّ المجمع أوجب
الفحص الجيني لحديثي الولادة للتدخّل المبكر في الحالات التي ظهر إمكان علاجها، وكل هذا مما يدخل في التطبيقات الحديثة لمسألة حفظ النسل من الأمراض الوراثية. ومن محصول ما تقدّم يمكننا أن نحدد المداخل التي دار عليها النقاش الفقهي المعاصر فيما يخص التقنية الوراثية، وهي كالآتي: المدخل الأول: المصالح والمفاسد أو المنافع والأضرار الناجمة عن استخدامات هذه التقنية، وأنّه يجب تقييد استعمالها في «المجالات النافعة». ولنا هنا عدة ملاحظات، أولها أنّ النفع ينصرف، أصالةً، إلى الوقاية والعلاج والتحسين، وجلُّ النقاش يدور حول النفع والضرر الجسمي أو المادي، فلا نكاد نجد أثرًا
للاعتبارات المعنوية والتأثيرات التي يمكن لهذه التدخلّات أن تُلحقها بالشخصية الإنسانية من الناحيتين النفسية والعقلية لجهة إدراك الذات وصلتها ووعيها بالجسد، ولجهة مسؤوليتها الأخلاقية الفردية والاجتماعية المترتبة على التدخّل خصوصًا إذا كان تطويريًا أو تحسينيًا؛ وثانيها أنّ المصالح والمفاسد
مراتب، ولا بدّ من ضبطها بناءً على عدة اعتبارات كقياس الباعث على التدخّل ووجه الحاجة إليه،
والجدوى المتوقعة منه، والتفرقة بين الحاجي (لتصحيح تشوّه مثلً)، والتحسيني (لغايات تفضيلية). المدخل الثاني: التداوي والعلاج، وقد شكّل محورَ النظر في مسائل الطب ومجالات تطبيقه، والأصلَ
الذي استندت إليه، ولكن النقاشات الفقهية المعاصرة لا تكاد تتطرق إلى تطور مفهوم الطب والحاجة إلى ضبط مفهوم العلاج ومعاييره، وما إذا كان يخضع لمؤثرات ثقافية، أو أنّه مسألة معيارية. المدخل الثالث: مقاصد الشريعة، وخصوصًا حفظ النفس والنسل، ورعاية الوسائل المستخدمة في
سبيل ذلك بأن تكون مشروعة وآمنة. المدخل الرابع: رعاية المآلات، من خلال اشتراط التقييم المسبق للاستخدام والتدخلّات ولآثارها، سواء الجسدية أم الاجتماعية الخاصة بالتمييز ضده أو الإضرار به في العقود، كالوظيفة والزواج وغير ذلك.
خاتمة
لا يدور النقاش هنا، إجمالً، حول التقنية الوراثية نفسها، بل حول كيفية استخدامها وغاياتها وتأثيراتها. وبناءً عليه، يتحدّد ضمان عدم وقوع ضرر أخلاقي على النسل الإنساني القادم بالموقف الذي سنتخذه
تجاه سلطة التقنية الوراثية وضبط الإمكانات التي توفرها لنا، والقدر الذي يمكن الاتفاق عليه هنا هو تحاشي أمراض لا ريب في خطورتها. وينشغل النقاش الفلسفي بفكرة تطوير معايير مُقنعة تحدّد
الصحة والمرض للوجود الجسدي في إطار علاقة غير آلية، وإقامة حدٍّ فاصل بين «النسل» الذي غاياته علاجية، وبين «النسالة» التي غاياتها تطويرية.
لقد فرضت هذه المسألة الحيوية والراهنة تحدّيًا على نظريات فلسفية كنظرية كانط في الكائن
الأخلاقي، ونظرية هابرماس في الفعل التواصلي؛ فالقضية المطروحة ملحّة وتمسّ مستقبل الأجيال
القادمة، ولذلك دار النقاش المركزي حول الفهم الذاتي الأخلاقي للنوع الإنساني. ولكن التساؤل النقدي الذي يمكن أن يُطرح هنا هو أنّه ليس من الواضح كيف يمكن لأخلاق النوع هذه أن تُولّد
الواجبات الفردية التي يهددها التدخل الجيني. تُحيلنا مناقشة التدخل الجيني إلى الافتراق بين العلم والأخلاق والفقه في النظر إلى المستقبل؛ فالعلم يحاول فهم الواقع الفيزيائي، ولكنه نادرًا ما يهتم بالأسئلة الكبرى حول الوجود نفسه. إذ يسعى العلم للدفع بالتطورات إلى أقصى غاية، وتوسيع دائرة الممكن الذي يتحوّل مع الوقت إلى موجود، ويفسح
المجال مجددًا إلى بروز ممكن آخر، وهكذا. وفي هذا تصعيدٌ من البسيط إلى المركب، وهو ما يتعيّن
على علمَي الأخلاق والفقه أن يتعاطيا مع نتائجه فيما بعد. ولذلك حاول هابرماس أن يدفع بالتفكير
الفلسفي إلى استباق التطورات من جهة التفكير بمبدأ التطور الكلي والتنبؤ بمسار الإمكان، وهو دَفعٌ للتفكير الأخلاقي إلى تخطّي العلم والعمل على تقييد حركته والحد من محاولته الهيمنة والتحكّم في الطبيعة الإنسانية، بدل الاكتفاء بدور ملاحقته وإيجاد حلول ومخارج لما يُوجده بالفعل، وقليلٌ من
الفقهاء المعاصرين من ينشغل بفقه التوقّع عن فقه الواقع وبرعاية المآلات على المستويين الجزئي (الفرد والممارسة المحددة)، والكلي (النوع والطبيعة الإنسانية). يبقى أنّ هذه التقنية الوراثية هي نتاج الحداثة الغربية وتصوراتها عن الإنسان والعالم، وهي تثير كل هذه النقاشات الفلسفية والأخلاقية والفقهية العميقة، والتي يظهر فيما بينها تقاطعات وافتراقات أيضًا؛ فالكلام يدور هنا حول قضايا طالما عُدّت من صميم الدين كالنسل والإنجاب. ولكن التطورات عمّمت
النقاش حولها وجعلته محط اهتمام فروع معرفية مختلفة، ودفعت بالفيلسوف إلى أن يرى نفسه معنيًا
بمناقشة مسائل بيولوجية تطبيقية، وإيجاد مبرّرٍ لمشاركته فيها، ولعدم تركها لعلماء البيولوجيا والهندسة
الوراثية فحسب. كما دفعت الفقيه إلى التعاطي مع هذه القضايا نفسها، على الرغم من أنّ هذه التقنيات ما زالت محدودة الاستخدام في العالم الإسلامي. بيْد أنّ الإرث التشريعي والأخلاقي الكبير الذي
يملكه الفقيه وحدود الوظيفة التي يختص بها يفرضان عليه أن يكون في صُلب هذا النقاش، وألّ ينعزل عن هذه النقاشات الفلسفية والأخلاقية. ومن المفارقة أنّ مفهوم «الاستقلالية» الذي طرحه كانط ودافع عنه فلاسفة آخرون، ونُظر إليه على أنّه «يهدم الفكرة التقليدية التي تعتبر الإنسان من ذرية الله»، يتعرض مع التقنية الوراثية لتحدّيات جدّية، كما أنّها تحملنا على مساءلة مفهوم «الحرية الفردية»؛ لأنّ الإمكانات المتاحة والمتفاقمة توسّع حدود
هذه الحرية، ولذلك وجد هابرماس نفسه مضطرًّا إلى الخوض في هذا النقاش، والدفاع عما أسماه
«تحفُّظًا مبرَّرًا» تجاه التقنية الوراثية. في المقابل، لا يزال عدد من المفاهيم بحاجة إلى بحثٍ وتعمّق أكثر من طرف الفقهاء، كمفهوم
((6(هناك مشاريع عدة في الخليج العربي لمحاولة توطين أبحاث الجينوم واستخدام تقنياته، في كلٍّ من السعودية وقطر والإمارات.
الاستقلالية نفسه. فما زالت النقاشات الإسلامية حوله لم تنضج بعد خصوصًا فيما يتعلق باستقلالية الكائن الإنساني المتدرج نحو التمام، وحدود ولاية الأبوين عليه. كما أنّه من المهم الخروج من النقاش الفقهي العملي والجزئي إلى النقاش الكلامي (علم الكلام)؛ لأنّ التحديات التي تفرضها التقنية الوراثية لا يمكن معالجتها بمعزل عن التصورات حول الوجود وغاياته، وعلاقة الذات بالجسد، وماهية الحياة الإنسانية بوصفها خلقًا إلهيًا والنظرة إلى الجسد في علاقته بالروح، وأخيرًا أثر الإمكانات، التي تَعِد بها
التقنية الوراثية، في مفهوم «الابتلاء» الذي هو مفهوم مركزي في النص القرآني وفي تصورات الخلق والحياة، ودرس العلاقة بين اتساع الإمكان وتقييد الفعل أو بين الممكن والواجب في ظلّ العلاقة بين الجزئي والكلي.
References
المراجع
العربية
أبا الخيل، سليمان بن عبد الله. إسقاط العدد الزائد من الأجنة الملقحة صناعيًّا. الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود،.2010 ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي. أحكام النساء. تحقيق علي المحمدي. بيروت: منشورات الكتب العصرية،.1981 ابن الحجاج، مسلم. صحيح مسلم. الرياض: بيت الأفكار الدولية،.1998 ابن رجب الحنبلي، عبد الرحمن بن أحمد. تقرير القواعد وتحرير الفوائد. تحقيق مشهور آل سلمان. القاهرة: دار ابن عفان،.1998 ________. جامع العلوم والحِكَم. تحقيق محمد الأحمدي أبو النور. القاهرة: دار السلام،.2004 ابن عابدين، محمد أمين. ردّ المحتار على الدر المختار. بيروت: دار الفكر،.1992 ابن قدامة، موفق الدين عبد الله بن أحمد. المغني. القاهرة: مكتبة القاهرة،.1968 ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر. تحفة المودود بأحكام المولود. تحقيق محمد علي أبو العباس. القاهرة: مكتبة القرآن،.1988 ________. زاد المعاد في هدي خير العباد. بيروت: مؤسسة الرسالة،.1994 ________. التبيان في أيمان القرآن. تحقيق عبد الله بن سالم البطاطي. مكة: عالم الفوائد،.2008 ابن مفلح، إبراهيم بن محمد. المبدع في شرح المقنع. بيروت: دار الكتب العلمية،.1997 الأشقر، عمر وآخرون. دراسات فقهية في قضايا طبية معاصرة. عمان: دار النفائس،.2001
آل الشيخ، هشام عبد الملك. أثر التقنية الحديثة في الخلاف الفقهي. تقديم عبد العزيز آل الشيخ وصالح الفوزان. الرياض: مكتبة الرشد،.2010 البخاري، عبد العزيز. كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي. تحقيق عبد الله محمود. بيروت: دار الكتب العلمية،.1997 بزا، عبد النور. مصالح الإنسان: مقاربة مقاصدية. هيرندون: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2008. «بشأن مصير البييضات الملقحة». المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الكويت. الندوة الثالثة (21–18 نيسان/ أبريل 1987). البقصمي، ناهد. الهندسة الوراثية والأخلاق. سلسة عالم المعرفة 174. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1993 بلسنر، هلموت. «الإنسان بوصفه كائنًا حيًّا». ترجمة مجدي يوسف. مجلة فكر وفن (ألمانيا). العدد 13 البهوتي، منصور بن يونس. دقائق أولي النهى لشرح المنتهى. بيروت: عالم الكتب،.1993 الخطيب، معتز. «منظومة الحقوق ومقاصد الشريعة». مجلة التفاهم. (سلطنة عمان). العدد 39
الخلف، موسى. العصر الجينومي: استراتيجيات المستقبل البشري. سلسلة عالم المعرفة.294 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2003 الرحيباني، مصطفى بن سعد. مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى. بيروت: المكتب الإسلامي،
الرملي، شهاب الدين. نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج. بيروت: دار الفكر،.1984 الزرقا، أحمد. شرح القواعد الفقهية. صححه وعلق عليه مصطفى الزرقا. دمشق: دار القلم،.1989 السلامي، محمد المختار. «تدخّل الإنسان في الحقيبة الوراثية». في المناقشات التي وردت خلال الندوة الفقهية الطبية حول «رؤية إسلامية لبعض المشاكل الصحية» التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية. الدار البيضاء (17–14 حزيران/ يونيو.)1997 الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى. الموافقات في أصول الشريعة. تحقيق مشهور بن حسن سلمان. القاهرة: دار ابن عفان،.1997 الشبراملسي، نور الدين بن علي. حاشية على نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي. بيروت: دار الفكر،.1984 الشربيني، شمس الدين الخطيب. مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج. بيروت: دار الكتب العلمية،.1994
الشرواني، عبد الحميد. حاشية على تحفة المحتاج في شرح المنهاج لابن حجر الهيتمي. القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى،.1983 العثيمين، محمد صالح. الشرح الممتع على زاد المستقنع. الدمام: دار ابن الجوزي،.2007 العيني، بدر الدين محمود بن أحمد. عمدة القاري شرح صحيح البخاري. تحقيق عبد الله عمر. بيروت: دار الكتب العلمية،.2001 الغزالي، أبو حامد. إحياء علوم الدين. بيروت: دار المعرفة،.2004 الفتاوى المتعلقة بالطب وأحكام المرضى. القاهرة: أولي النهى للإنتاج الإعلامي،.2004 «القرار الأول: بشأن استفادة المسلمين من علم الهندسة الوراثية». المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة. الدورة.15 1998/10/31. «قرار رقم: 203 (9/21) بشأن الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري (المجين)». مجمع الفقه الإسلامي الدولي. الدورة 21. الرياض. 2013/11/22:. في T 29 wRu / gl. goo:// https القليوبي، شهاب الدين. حاشية قليوبي على شرح جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين. بيروت: دار الفكر،.1998 الكاساني، علاء الدين. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع. بيروت: دار الكتب العلمية،.1986 اللودعمي، تمام. «التدخل في الجينوم البشري في الشريعة والقانون». مجلة عالم الفكر. مج. 35 العدد 2 (كانون الأول/ ديسمبر.)2006 ________. الجينات البشرية وتطبيقاتها: دراسة فقهية مقارنة. هيرندون: المعهد العالمي للفكر الإسلامي،.2011 المرداوي، علي بن سليمان. الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف. صححه وحققه محمد حامد الفقي. بيروت: دار إحياء التراث العربي،.1956 مهران، السيد محمود عبد الرحيم. الأحكام الشرعية والقانونية للتدخل في عوامل الوراثة والتكاثر. د. م.: د.ن.،.2002 الموسوعة الفقهية الكويتية. الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية،.1983 هايدغر، مارتن. التقنية، الحقيقة، الوجود. ترجمة محمد سبيلا وعبد الهادي مفتاح. بيروت: المركز الثقافي العربي،.1995 «الهندسة الوراثية واستخدامها في مجال العلاج». دار الإفتاء المصرية. 2014/9/9:. في. goo:// https
gl / L 714 Bc
هيغل، جورج فيلهلم فريدريش. أصول فلسفة الحق. ترجمة إمام عبد الفتاح. بيروت: دار التنوير، ياسين، محمد نعيم. أبحاث فقهية في قضايا طبية. عمان: دار النفائس،.2008
الأجنبية
Christiansen, Karin. «The Silencing of Kierkegaard in Habermas’ Critique of Genetic Enhancement.» Medicine, Health Care and Philosophy. vol. 12. no. 2 (May 2009). Guilfoyle, Ciaran. «The Future of Human Nature by Jurgen Habermas.» Philosophy. vol. 79. no. 3 (July 2004). Habermas, Jurgen. The Future of Human Nature. Cambridge: Polity Press, 2003. Holmer, Paul L. «Kierkegaard and Ethical Theory.» Ethics. vol. 63. no. 3. part 1 (April
Iglesias, Teresa. «In Vitro Fertilization: The Major Issues.» Journal of Medical Ethics. vol. 10. no. 1 (1984). Karnein, Anja J. A Theory of Unborn Life: From Abortion to Genetic Manipulation. Oxford: Oxford University Press, 2012. Prusak, Bernard G. & Erik Malmqvist. «Back to the Future: Habermas›s ‘The Future of Human Nature’.» The Hastings Center Report. vol. 37. no. 2 (March–April 2007). Simmons, Paul D. Birth and Death: Bioethical Decision Making. London: Westminster press, 1983. Stack, George J. «Kierkegaard: The Self and Ethical Existence.» Ethics. vol. 83. no. 2 (January 1973).