العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تعقيب محمد نعيم ياسين على دراسة فوزان سامي الكريع

تعقيب محمد نعيم ياسين على دراسة فوزان سامي الكريع

«Genomics from an Islamic Perspective: Difficult Questions» Second Response

محمد نعيم ياسين

Mohammed Naeem Yassin

الملخّص

موضوع هذا التعقيب هو البحث في إجابات عن تساؤلات أظهرتها كشوف جديدة حول أهم محتويات الخلية الإنسانية، وهو الجينوم. وقد استخرجها فوزان الكريع من خلال أبحاثه وخبرته في هذا المجال، ومعرفته بثقافة المجتمعات الإسلامية. وجملة المطلوب فيها بيان أحكام الشرع لطائفة من الممارسات التي اشتمل عليها بعض تلك الكشوف، أو الآثار والنتائج المترتبة عليها.

Abstract

This comment aims to consider answers to questions raised by new discoveries regarding the importance of the contents of human cells, i.e. the genome, raised by Dr. Fowzan Sami Alkuraya on the basis of his own research and experience as well as his knowledge of the culture of Islamic societies. All that it seeks to do is clarify the provisions of the Shari'a on certain practices pertaining to these discoveries or their ramifications. This research consists of twenty questions that might be considered in all of the new inventions that have not yet been dealt with by any jurisprudential text. The answers to most of these questions are based on general Sharia, and are arrived at by reference to maqasid. Dr. Alkuraya's work also includes a collection of questions concerning genetic practices relating to human foetuses.

الكلمات المفتاحية:
  • علم الجينوم
  • أصول الفقه
  • الفحص الجيني
  • القرآن
  • السنة
Keywords:
  • Genomics
  • Islamic Societies
  • Sharia Maqasid
  • Human Foetuses

«Genomics from an Islamic Perspective:

Difficult Questions» Second Response

Professor of Islamic Sharia, The World Islamic Science and Education University (WISE), Jordan.

مقدمة

موضوع هذا التعقيب هو البحث في إجابات عن تساؤلات أظهرتها كشوف جديدة حول أهم محتويات الخلية الإنسانية، وهو الجينوم. وقد استخرجها فوزان الكريع من خلال أبحاثه وخبرته في هذا المجال، ومعرفته بثقافة المجتمعات الإسلامية. وجملة المطلوب فيها بيان أحكام الشرع لطائفة من الممارسات التي اشتمل عليها بعض تلك الكشوف، أو الآثار والنتائج المترتبة عليها. وقد اشتمل هذا البحث على عشرين سؤالً، يمكن احتسابها في الجملة من الحوادث الجديدة التي لم يتناولها نصّ شرعي بصفة مباشرة. وترجع إجابات أكثرها إلى قواعد في الشريعة عامة، وأصول في

الاستنباط مرجعيتها مقاصد الشريعة العامة. كما احتوى بحث الكريع على مجموعة من الأسئلة بشأن الممارسات الجينية ذات العلاقة بالأجنّة البشرية. ولما كانت أكثر الأسئلة الواردة في البحث لم تُفصّل فروضُها، وتحتاج إلى بيان أمور كثيرة لم تذكر،

وتتعلق بالممارسة المسؤولة عنها، فإنا نرى أن أفضل منهج للتعقيب على هذا البحث هو بيان الطريق التي يستحسن اتباعها للوصول إلى إجابات تعبّر ولو بغلبة ظن عن الأحكام الشرعية، وذلك مع عرض

طائفةٍ منها على سبيل التطبيق والتمثيل. ومن هذا المنطلق، نرى أنّ الإجابات عن هذه الأسئلة تتوقف على بيان القول الراجح في قضيتين: الأولى يقتضيها كونُ هذه التساؤلات حول قضايا مستجدّة، وليس فيها نصوص مباشرة، وأنّ طريقة معرفة حكم الشرع في أمثالها هي النظر في مصالح الممارسات الجينية ومفاسدها. ولا ينبغي لنا الاكتفاء بالقول المجمل في هذا الموضوع الذي مفاده أن ما كان مصلحة راجحة كان فعله واجبًا أو جائزًا، وإلا فهو غير جائز؛ فإنه، مع صحته، ينقصه بيان كيفية تفعيله

ببيان كيفية وزن المصالح والمفاسد لمعرفة الراجح منها، وتحديد الحكم الشرعي بناء عليه. فالقضية الأولى إذًا هي كيفية تفعيل ميزان المصالح والمفاسد. وأما القضية الثانية التي لا مناص من حسم القول فيها، فهي مدى حصانة الجنين في الممارسات الجينية، وأصلها الحاكم هو مدى مشروعية إجهاض الجنين. وفيما يأتي نقدّم رأينا في كل قضية؛ عسى أن يقدم إجابات عن تساؤلات البحث وغيرها.

القضية الأولى: الكيفية الشرعية لوزن المصالح والمفاسد في النوازل

نلخص القول في هذه القضية بما يأتي: – عقدة هذه القضية هي التوصل إلى محصلة الموازنة بين المصالح والمفاسد المترتبة على فعل الممارسة وتركها. – إن محصلات أقدار المصالح والمفاسد تحتاج إلى قياس كل مصلحة وكل مفسدة تكون في الممارسة الجينية، وفي تركها.

(((من المراجع المفيدة في هذا الموضوع رسالة الدكتوراه: محمد همام ملحم، تأصيل فقه الأولويات، طبعة خاصّة بوزارة الأوقاف

والشؤون الإسلامية بدولة قطر (عمّان: دار العلوم للنشر والتوزيع،.)2007

– يحتاج القياس أو الوزن إلى ميزان يُنصب، ويحتاج الميزان إلى أوزان أو معايير تقاس بها قيم المصالح والمفاسد. – يقع استخراج المعايير الشرعية على عاتق علماء الشريعة. ومصادرهم في ذلك هي مقاصد الشريعة وقواعد الفقه الإسلامي الكلية. وفيما يأتي نذكر نماذج من المعايير الشرعية المستنبطة من القواعد الكلية: – وجود المصلحة أو المفسدة، وعدمه. – أهمية المصلحة وخطورة المفسدة (ثلاثة مستويات: ضرورات، وحاجات، وتحسينيات). – خصوص المصلحة أو المفسدة وعمومها. – كون المصلحة أو المفسدة واقعة أو متوقفة. – مدى يقينية المصالح والمفاسد (خمسة مستويات: يقين، غلبة ظن، ظن، شك، توهم). – وجود بديل أو عدمه. – وجود تعسف في استعمال الحق أو عدمه. – دوام المصلحة والمفسدة وعدمه.

(((عبد الملك بن عبد الله الجويني، البرهان في أصول الفقه، ج 2 (الدوحة: دار إحياء التراث القطري، 1979923)، ص وما بعدها؛

إبراهيم بن موسى بن محمد الشاطبي، الموافقات، ج 1 (بيروت: دار المعرفة، 1997)، ص 70؛ أبو حامد محمد بن محمد الغزالي،

المستصفى (بيروت: نشر دار الكتب العلمية، 1983)، ص.176 (((المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، وفي مجلة الأحكام العدلية «يختار الضرر الخاص لدفع الضرر العام»، انظر:

علي حيدر، درر الحكام في شرح مجلة الأحكام، تعريب فهمي الحسيني، ج 2 (بيروت: دار الجيل، 1991)، ص 673،.674 (((الأصل أنّ المصلحة أو المفسدة الواقعة أثقل في ميزان المصالح من المتوقعة، إلا إذا كانت هذه الأخيرة مقطوعًا بها؛ ومع ذلك

فإن المتوقع من المصالح والمفاسد له اعتباره، ولكن الكلام هنا في تحديد الأوزان، انظر في هذا الموضوع: الشاطبي، ج 1، ص

161؛ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، قواعد الأحكام، ج 1 (القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية)، ص 107 وتقسيمًا؛ وانظر تفصيلً

في هذا الموضوع: ملحم، ص 295،.296 (((انظر معاني هذه المصطلحات: الشريف علي بن محمد الجرجاني، كتاب التعريفات (بيروت: نشر دار الكتب العلمية، 1995)، ص 128، 144، 259، وقد عبّر عن الذي قصدناه بالتوهم بالوهميات، وفسرها بأنها القضايا الكاذبة ص 255؛ «المادة 74: لا عبرة

للتوهم» مجلة الأحكام العدلية، وانظر شرحها عند أحمد بن الشيخ محمد الزرقا، شرح القواعد الفقهية (دمشق: دار القلم، 1989)، ص.363 (((وأصل منع التعسف في استعمال الحق حديث «لا ضرر ولا ضرار»، وهو في: مالك بن أنس الأصبحي، الموطأ، تحقيق محمد مصطفى الأعظمي، ج 2 (أبوظبي: مؤسسة آل نهيان، 2004)، ص 745، «كتاب الأقضية»، وغيره، وهو حديث حسن، ومما قيل في معناه ما يدل على منع التعسف في استعمال الحق، من ذلك قول الخشني: «الضرر الذي لك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة،

والضرار الذي ليس لك فيه منفعة، وعلى جارك فيه المضرة»، انظر: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، التمهيد لما فيالموطأ

من المعاني والأسانيد، ج 20 (الرباط: وزارة الأوقاف المغربية، 1995)، ص 158. من القواعد القريبة لهذا المعنى قولهم «تصرف

الإنسان في خالص حقه إنما يصح إذا لم يتضرر به الجار»، انظر: علي أحمد الندوي، جمهرة القواعد الفقهية في المعاملات المالية، ج 3 (الرياض: شركة الراجحي المصرفية للاستثمار، 2000)، ص.1203 (((ملحم، ص.375

– إمكان تقييم المصالح والمفاسد. – مدى انتشار الفساد في المؤسسات والمجتمع. هذه بعض الاعتبارات المؤثرة في تقدير قيم المفاسد والمصالح. ومن الممكن أن يُعثر بالبحث على معايير أخرى تستوحى من المنطق أو الواقع أو القواعد الشرعية، وتساعد في زيادة صدقية عملية وزن المصالح والمفاسد. وفي الفقه الإسلامي عشرات من القواعد الفقهية موضوعها المصالح والمفاسد، ويمكن اعتبارها المصدر الأساسي لاستثمار معايير القياس التي تقاس بها تلك المصالح وتلك المفاسد. ومن الجدير بالذكر أن عملية الوزن يجب أن يقوم بها فريق من أهل الاختصاص العلمي، وفريق من علماء الشرع؛ بحيث يستحضر الفريق الأول ما يقدّره من المصالح والمفاسد الواقعة والمتوقعة، ومدى يقينيتها. ويبيّن علماءُ الشريعة المعايير الملائمة لكل حالة، بالنظر إلى معطيات الفريق الأول. ثم

تستخرج محصلة الوزن بحضور الفريقين. كما ينبغي لنا ملاحظة أن المعايير الشرعية المستخدمة في القياس لا يجب استعمالها جميعًا في كل حالة، وإنما تقاس كل حالة بما يلائمها من تلك المعايير؛ ففي بعض الحالات لا حاجة إلى استعمال سوى معيار واحد، كمعيار الضرورة؛ فإنها إذا وجدت ولم تقابلها ضرورة على الطرف الآخر، وجب العمل بها دون غيرها. وقد يغني استعمال معيار الوجود والعدم عن استعمال المعايير الأخرى كلها؛ كما لو كانت الحالة خالية من أي مصلحة، أو من أي مفسدة؛ فإن هذا الفرض يُستبعد فيه أي حاجة إلى النظر إلى أي معيار آخر. وقد تستدعي حاجة الحالة استعمال بعض المعايير وليس جميعها؛ وهذا يؤشر إلى أن الوزن يجب أن يختلف من حالة إلى أخرى، ويقرر ذلك الفريقان ويحددان الاعتبارات الشرعية التي يجب تحكيمها في تلك الحالة. ويمكن أن يُعدّ الفريقان برنامجًا يشتمل على تصنيف أنواع الحالات والممارسات وما تستدعيه من المعايير التي يجب عرضها عليها.

تطبيقات من تساؤلات البحث على القضية الأولى (قياس المصالح والمفاسد)

لا بد من الإشارة، قبل ذكر طائفة من أسئلة البحث التي لا تجد جوابها إلا بوزن مصالح موضوعها ومفاسده، إلى أن كثيرًا منها مجملٌ، ويحتاج إلى بيان مفردات المصالح ومفردات المفاسد في كل حالة

تناولتها كل مسألة. وبعضها يمكن إعطاء جوابه بصورة إجمالية، وتعليقه على بيان ما يجب تفصيله للوصول إلى النتيجة النهائية.

(((في إطار تقسيم الباحث تعقيبه إلى قضيتين رئيستين، لا يشترط الترتيب في الأسئلة المختارة المراد التعقيب عليها من موضوعات دراسة فوزان الكريع. (المحرر)

أ. السؤال الأول من الموضوع الأول «الأمراض الأحادية الجين»

ومطلوبه حكم إطلْاع المرضى على نتائج ثانوية للتحليل تشير إلى استعدادٍ للإصابة بمرض خطير، هذا السؤال فيه إجمال شديد، ولا يمكن للعالم الشرعي أن يجيب عنه جوابًا قابلً للتطبيق إلا بعد أن يزوده

أهل الاختصاص بمعلومات تمكّنه من إجراء الموازنة بين مصالح إطلْاع المرضى ومفاسده، ومصالح الإخفاء عنهم ومفاسده، كل ذلك من الناحية الصحية، كما في الأسئلة التالية: هل توجد مصلحة في إطلْاعهم؟ يعني: هل يوجد احتمال له وزن طبي بوقايتهم من تلك الأمراض؟ وهل نسبة استعدادهم للإصابة بهذه الأمراض معتبرة طبيًا، أم يمكن التغاضي عنها؟ وهل مفسدة الإخفاء متعيَّنة أم يمكن أن

يوجد بديل منها، كما لو أمكن إعطاؤهم العلاج الواقي من المرض من دون إطلْاعهم؟ وما المصلحة التي يحققها إخفاء تلك النتائج عن المرضى: هل يحفظ لهم ركنًا من أركان دينهم من الضياع، أم يجنّبهم من مرض نفسي خطير، أم هو أمر تحسيني فحسب؟ وهل يمكن جبر الضرر الواقع على المرضى من جرّاء إطلْاعهم على النتائج؟ يقع عبء الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها على كاهل الأطباء

وأهل الاختصاص من علماء الجينوم. ولا ينبغي لعالم شريعة أن يفتي في السؤال المطروح وأمثاله بجواب قطعي حتى يحصل على الإجابة عن كل سؤال يكشف عن المصالح والمفاسد الطبية التي تترتب على الإطلْاع وعلى الإخفاء.

ب. السؤال الثاني من الموضوع الأول «الأمراض الأحادية الجين»

مطلوب هذا السؤال هو تحديد المعلومات التي يحق للوالدين الحصول عليها عند خضوع الأطفال للتحليل الجيني. التكليف الشرعي الملقى على عاتق الآباء والأمهات تجاه أولادهم تلخّصه الآية الكريمة ﴿قُلْ إِصْلَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ (البقرة: 220)، وهذا النصّ الكريم يمكن أن يكون مصدرًا لتحديد

المعلومات التي يجب إطلْاع الآباء عليها من نتائج التحليل؛ وذلك بأن تكون معِينة لهم على تحقيق الصلاح لأبنائهم وبناتهم، سواء أكان صلاحًا مادّيًا أم معنويًا. وهو أمر يلتقي مع قضية وزن المصالح

والمفاسد التي تقدّم بيانها؛ وبناء عليه، فإنه إذا كانت المعلومة مما يساعد الأبوين على إصلاح أبدان أطفالهم، أو على اختيار الأسلوب الأحسن في معاملتهم وتربيتهم، أو الأصلح لهم في اختيار أزواجهم في المستقبل، فهذا وأمثاله لا يجوز إخفاؤه عن الوليّ السّوي. وكذلك أي معلومة تساعد الآباء على

تنمية قدرةٍ من قدرات أبنائهم أو تحدّ من تدهورها أو تثبطهم عن اتجاه سلوكي يضرهم أو يضرّ ذرّيتهم

في المستقبل؛ فلو أظهر التحليل مثلً وجود جينات طافرة ستكون سببًا من أسباب الهوس الإجرامي،

وجب إبلاغ الأبوين، ونصحهم بأحسن الطرق إلى تهذيبهم لتخفيف ذلك الدافع الجيني إلى الحد المقبول في الحياة الاجتماعية وفي شرع الله.

ج. السؤال الثالث من الموضوع الأول «الأمراض الأحادية الجين»

ومطلوب هذا السؤال حكم إبلاغ الأقارب لطفل عن طفرة أسرية ظهرت عنده بالتحليل الجيني، على الرغم من تعارض ذلك مع حق الطفل ووالديه في الخصوصية؛ فللإنسان حق الاحتفاظ بأسرار نفسه وأسرار أولاده، وللأقارب بل المجتمع الحق في الحماية من الأمراض. فإن كانت الأمراض أو الطفرات

الجينية الأسرية مما يهدد مصلحة ضرورية أو حاجية للأقارب أو المجتمع، فإنّ الخصوصية منفردةً أمر

تحسيني؛ إذ لا يترتب على فقدانها حرج في مرتبة الحرج في فقدان الضروريات والحاجيات. فإذا كان ذلك التهديد للأقارب من حيث احتمال حدوثه فيهم مؤكدًا أو يحوز على نسبة معتبرة عند أهل الفن في الظنّ، وكان الإبلاغ يفتح للأقارب بابًا للتوقي من النتائج الضارة المحتملة لتلك الطفرة، كان إبلاغهم واجبًا. وأما إذا كانت الطفرة مما يتسبب في خلل بدني بسيط أو لا تتسبب في خلل أصلً، فإن حق الطفل

ووالديه أولى بالرعاية من حق الأقارب في التوقي من ضرر بسيط. وأصل ذلك هو تدنّي قيمة المصالح التي يعتبر التمسك بها تعسفًا في استعمال الحق؛ ويؤيد ذلك قاعدة فقهية هي «تصرف الإنسان في خالص حقه إنما يصح إذا لم يتضررْ به غيره»؛ والمقصود الضرر الذي يربو على مصلحة الحق.

د. السؤال الرابع من الموضوع الثاني «التشخيص قبل الولادة»

نص السؤال أنه إذا كشف تحليل الجينوم للأم أو جنينها عن أورام لدى الأم من غير قصد، وكان لها فرصة للتدخل المبكر لعلاج الأورام، فهل يجوز إخراج نتيجة للتحليل لم تكن مستهدفة في الأصل؟ ليس في هذا السؤال أي مشكلة أو تحدٍّ أخلاقي؛ لأن صاحبة الخصوصية هي التي سيكشف لها عن عيب في بدنها، والمتضرر من الإخفاء هو عين المستفيد من الكشف؛ وفي رؤيتنا الشرعية أن الحكم هنا هو الوجوب وليس الجواز فحسب؛ لأن القاعدة الفقهية الكبرى المتفق عليها، وهي قاعدة «الضرر يُزال»، تقتضي وجوب إزالة الضرر، وتكمّلها مجموعة من القواعد التي توجب ارتكاب أهون الشرين،

وقل أهون الضررين، ولا شك في أن ضرر الأورام في المثال أعظم من ضرر كشف نتيجة في التحليل لم تكن مقصودة. ونرى بناءً على هذه القواعد وأمثالها أنه يحرم على الطبيب أو المحلل الجيني أن

يخفي ذلك عن الأم ما دام في ذلك تضييع فرصة الشفاء على إنسان مريض، وهذا ما جاء افتراضًا في السؤال. وأما إذا كانت فرضية الشفاء منعدمة، فيحتمل جواز الإبلاغ ويحتمل عدمه، ونرى أن يكون القرار تبعًا لكل حالة على حدة؛ بحيث ينظر إلى حالة الشخص، ومدى درجة الانهيار النفسي عنده، وغير ذلك. فمن تحلّى بالدرجة العليا من تلك المؤهلات، ربما يرجّح جانب الجواز. وأما من كان

ضعيف النفس، ونفسه قريبة الانفلات من عقالها، وأقرب إلى الاندفاع نحو اليأس والاكتئاب، ولم يكن له همة في عمل الخير ومساعدة الناس، فلا يرى إعلامه بحاله.

ه. السؤال الثاني من الموضوع الثالث «التشخيص الوراثي السابق للانغراس»

يتعلق مطلوب هذا السؤال بأولويات السياسة الشرعية الصحية. والأصل في السياسة الشرعية أن أولوية الإنفاق العام تتبع الحاجة والأهمية؛ فإن كانت ميزانية الدولة تتسع لحاجات الناس وجب تمويلها جميعًا، وإلا فيقدّم من كانت حاجته أكبر، أو من قضيت حاجته كليًا أو جزئيًا. ومن كان عنده ولد سَويّ

الصحة أو أكثر، لا يجوز تقديمه على من لم يكن له ولد سَويّ. وعلى أي حال، فإن السياسة الشرعية

مبناها على الموازنة بين الحاجات والضرورات، وتقديم من يؤشر الميزان، الذي اقترحناه سابقًا، على شدة حاجته أو الضرر الواقع عليه؛ وهذا لا يقتصر على هذه المسألة، بل على كل ممارسة من ممارسات الدولة على مجتمعها.

و. السؤال الأول من الموضوع الرابع «علم جينوم السرطان»

ويقترب جواب هذا السؤال مما ذكرناه سابقًا؛ فإن دعم الدولة لعمليات التحديد النمطي الجينومي والعلاج يجب أن يبنى على حجم الحاجة، مع ملاحظة تساوي الناس في الإسلام في عصمة أبدانهم، وأنه لا يقدّم شخص على آخر إلا بناء على مقتضى تلك العصمة، ولا يقدّم مواطن على مقيم، ولا شريف على وضيع، ولا حتى عاقل على مجنون، في عصمة الأبدان.

القضية الثانية: الأعذار المبيحة للإجهاض

معظم الأسئلة التي وردت في البحث حول الأجنّة يمكن الإجابة عنها، إذا استقر النظر على ترجيح رأي فقهي محدد حول مدى حصانة الجنين من الممارسات الطبية والتدخلات الجينية؛ ولا شك في أن العلم بهذا الأمر مرتبط بالقول الراجح في الأعذار المبيحة لإسقاط الجنين. وفيما يلي ملخصٌ لأقوال الفقهاء في هذا الموضوع، وبيان للقول الراجح عندنا من تلك الآراء. – لا خلاف بين الفقهاء على تحريم التصرف في الجنين الذي بلغ من العمر أربعة أشهر ونُفخت فيه الروح الآدمية بما يؤذيه؛ لأنه بنفخ الروح فيه يصير نفسًا آدمية؛ والآدمي لا يجوز شرعًا قتله أو إيذاؤه بغير سبب، ولا يتصور وجود سبب يبيح ذلك في حق الجنين. ولم نجد فيما وقعت عليه أيدينا من مصنفات فقهية ما يشير إلى أدنى خلاف في هذه المسألة. – اتفق علماء الإسلام من فقهاء ومحدّثين ومفسرين على أن وقت نفخ الروح يكون بعد مرور مئة وعشرين يومًا من تكوّن الجنين؛ قال القرطبي: «لم يختلف العلماء أن نفخ الروح في الجنين يكون بعد

مائة وعشرين يومًا؛ وذلك تمام أربعة أشهر ودخوله في الخامس، كما بيناهُ بالأحاديث. وعليه يُعوَّلُ فيما يحتاج إليه من الأحكام». وقد نقل الإجماع على هذا الأمر طائفة من وجوه العلماء مثل ابن عابدين والنووي والأبي في شرحه على صحيح مسلم وابن رجب الحنبلي وابن حجر العسقلاني، وكثير من شراح الحديث. – اختلف الفقهاء في حكم إجهاض الجنين قبل نفخ الروح على عدة أقوال أهمها:

(((محمد أمين بن عابدين، حاشية رد المحتار على الدر المختار، ج 1، ط 2 (القاهرة: دار الطباعة المصرية، 1966)، ص 602،

وطبعة دار الطباعة المصرية 1272 ه؛ أحمد الدردير ومحمد عرفة الدسوقي ومحمد عليش، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي، ج 2

(القاهرة: طبعة عيسى الحلبي، [د.ت.])، ص 267؛ أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج 2 (القاهرة: مطبعة

الحلبي، 1939)، ص 53؛ أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم (بيروت: دار المعرفة، 1987)، ص.46 (1((أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 12 (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1965)، ص.8 ((1(ابن عابدين، ج 1، ص 302؛ يحيى بن شرف النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، ج 7 (بيروت: دار إحياء التراث العربي،

1972)، ص 75؛ ابن رجب الحنبلي، ص 46، 9 4؛ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج 11

(بيروت: دار المعرفة، 1959)، ص 20 4؛ محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، الروح (بيروت: دار الكتب العلمية، 1982)، ص 237؛

محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، التبيان في أقسام القرآن (بيروت: دار المعرفة، 1981)، ص 337؛ محمد بن أبي بكر بن قيم

الجوزية، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (بيروت: دار المعرفة، 1978)، ص.22

• إباحة الإجهاض باتفاق الوالدين في أي وقت قبل نفخ الروح. وهو قول معظم فقهاء الحنفية، وجمهور فقهاء الشافعية (وهو المعتمد عندهم)، وابن عقيل من الحنابلة. • تحريم الإجهاض في جميع مراحل الجنين قبل نفخ الروح، وهو قول معظم فقهاء المالكية، وبعض فقهاء الحنفية، والغزالي من فقهاء الشافعية، وابن الجوزي من فقهاء الحنابلة. وصرّح بعض هؤلاء أن

التحريم مقيّد بعدم وجود العذر، وإلا أُبيح الإجهاض. • إباحة الإجهاض في مرحلة النطفة ومرحلة العلقة (أي في الأيام الثمانين الأولى من عمر الجنين)، وتحريمه في مرحلة المضغة (أي في الأيام الأربعين السابقة لنفخ الروح؛ وهذا قول بعض الشافعية. • إباحة الإجهاض في مرحلة النطفة (أي في الأيام الأربعين الأولى)، وتحريمه في مرحلتي العلقة والمضغة. وهو قول معظم فقهاء الحنابلة واللخمي من فقهاء المالكية. والذي يظهر أن أصحاب هذا القول الرابع ربطوا التحريم بالتخلّق، وليس بنفخ الروح؛ إذ كانوا يظنون أن الجنين لا ينعقد قبل مرحلة النطفة. وأما القول الأول والثالث فمستندهم أن الجنين قبل نفخ الروح لا يكون آدميًا، وأن النفخ

يكون بعد مئة وعشرين يومًا. وأصحاب القول الثالث الذين حرموه في الأربعين الثالثة، فقد جعلوا هذه المرحلة حريمًا لنفخ الروح فيها احتياطًا. وأما القائلون بالتحريم في كل المراحل، فحجتهم أن الجنين قبل نفخ الروح مخلوق يحتمل أن يصير آدميًّا، فيحرم إتلافه، كما يحرم إتلاف كل شيء نافع. والراجح عندنا أنّ الأصل هو تحريم إسقاط الجنين قبل نفخ الروح بدءًا من علوقه في الرحم مع تفصيل في رتب التحريم، وهو ما ذهب إليه أبو حامد الغزالي. فرأي الغزالي هو تحريم الإجهاض في جميع مراحل تطور الجنين، ولكنه يرى أن علة التحريم بعد نفخ الروح هي إزهاق الروح (القتل)؛ فلا يجوز ذلك عنده وعند العلماء كافة لأي عذر. ويرى أن علة التحريم قبل نفخ الروح هي إتلاف مخلوق نافع قد يصبح إنسانًا بإذن الله تعالى. ثم يرى الغزالي أنّ

(1((كمال الدين محمد بن عبد الواحد بن الهمام، شرح فتح القدير، ج 2 (بيروت: دار صادر، 1315 ه)، ص 954؛ شهاب الدين

أحمد بن أحمد بن سلامة القليوبي، حاشية القليوبي على شرح المحلي على منهاج الطالبين، ج 3 (القاهرة: طبعة عيسى الحلبي،

1955)، ص 159؛ شمس الدين الرملي، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (القاهرة: مطبعة الباني الحلبي، 1967)؛ علاء الدين

أبو الحسن علي المرداوي، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، ج 1، تحقيق محمد حامد الفقي (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1980)، ص.386 (1((محمد بن أحمد بن محمد عليش، فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، ج 1 (القاهرة: طبعة مصطفى

الحلبي، 1958)، ص 399؛ الدردير والدسوقي وعليش، ج 2، ص 267؛ الغزالي، إحياء علوم الدين، ج 2، ص 73؛ المرداوي، ج 1، ص 386. (1((سليمان بن محمد بن عمر البيجيرمي، تحفة الحبيب على شرح الخطيب (بيروت: دار الفكر،.)1981 ((1(عليش، ج 1، ص 399؛ المرداوي، ج 1، ص.368 (1((ابن رجب الحنبلي، ص.46 ((1(ابن عابدين، ج 1، ص.302 ((1(البيجيرمي. (1((الغزالي، إحياء علوم الدين، ج 2، ص.53

مستوى التحريم قبل نفخ الروح يتصاعد بالتدريج اعتبارًا من العلوق. والحقيقة أنّ هذا الرأي في تدرج التحريم يُنير طريقًا أمام الذين يضعون القوانين المنظمة للتدخل الطبي في الجنين، من حيث تحديد الأعذار المجيزة، وتوزيعها على الفترة الواقعة قبل نفخ الروح بأربعين يومًا، أو في الأسابيع

الاثني عشر الأولى من عمر الجنين؛ بحيث يكون أخطر هذه الأعذار مبيحًا في أي أسبوع من تلك

الأسابيع، وما دونه في الخطورة يكون مبيحًا في الأسابيع الأحد عشر الأولى، والنوع التالي من الأعذار

يبيح التدخلات الطبية في الأسابيع العشرة الأولى، ولا يبيحها فيما بعدها، وهكذا. وهذا يقتضي من أهل الاختصاص أن يقوموا بتحديد الأعذار التي كشفت عنها الخبرات والتجارب، وتحديد مستوى خطورتها، وتوزيعها على الأسابيع الاثني عشر الأولى من عمر الجنين. ثم تُجعل في قوانين يلزَم بها أصحاب العلاقة. وإذا رأى أهل الاختصاص اختصار مجموعات الأعذار في اثنتين أو ثلاث أو أربع أو ست، بسبب صعوبة تجزئة الأعذار إلى مجاميع صغيرة، فهذا أمر مقبول في الشرع (بحسب رأينا)؛ دفعًا للحرج أحيانًا، وتحقيقًا للعدالة أحيانًا. والحقيقة أن حصانة الجنين قبل نفخ الروح تخضع للأعذار عند الفقهاء كافة، سواء من قال منهم بالتحريم ومن لم يقل (من باب أولى). ولكنّ المانعين اختلفوا في الأعذار المبيحة. وقد يكون الاقتراح الذي ذكرناه سابقًا فيه توفيق بين الجميع؛ إذ إن حقيقته هي جعل الأعذار موزعة على مراتب الحرمة. وهذا الاقتراح يمكن تطبيقه على جميع أنواع التعامل مع الجنين. وتكملة الاقتراح أن الأعذار المبيحة يجب أن تتصاعد في جواز الإجهاض للأعذار، وأن الأعذار المبيحة يجب أن تتصاعد في قوتها أيضًا بحسب تصاعد الحرمة، وأن تعتبر المستويات الثلاثة المعروفة: الضرورات والحاجيات والتحسينيات، بحيث إذا كان العذر من الضرورات جاز التصرف بالجنين بما تقتضيه الضرورة، وتقدر كل ضرورة بقدرها. ثم تصنف الحاجيات بحسب أهميتها، وكذلك التحسينيات، وتوزع على الأسابيع. وإنما قيّدنا الجواز بالثمانين يومًا الأولى من عمر الجنين أخذًا بقول بعض العلماء بأنّ مرحلة المضغة

يجب أن تكون حريمًا لنفخ الروح احتياطًا؛ ولقربها من استقبال الروح، وازدياد غلبة الظن بذلك مع

تقدم العلوم ذات العلاقة.

تطبيقات من تساؤلات البحث على القضية الثانية (حَصانة الجنين)

أ. السؤال الأول من الموضوع الثاني «التشخيص قبل الولادة»

ومطلوبه تحديد الشرعية الإسلامية للإجهاض الطبي بسبب الأمراض الجينية. ويلاحظ هذا المطلوب بوضوح في الرأي الذي ترجّح عندنا في مدى حصانة الجنين قبل نفخ الروح، وهو رأي الإمام الغزالي

((2(المرجع نفسه. ((2(عليش، ج 1، ص.399 ((2(قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات»، وقاعدة «الضرورات تقدر بقدرها» متفق عليهما، وإليهما تستند طائفة من الأحكام. انظر: الندوي، ج 2، ص.765

مع بعض التوضيح والتقييد؛ وهو إباحة إسقاط الجنين بالأعذار. فإن كان المرض الجيني مميتًا، جاز إسقاطه، وكذلك الأمراض الجينية الخطيرة التي تُفقد الإنسان قدرات مهمة تنغص حياة صاحبها، وقد تنغص على أهله وعلى المجتمع، فإن ذلك كله يُعدّ من مشتملات الضروريات. أما الأمراض التي لا

تصل إلى تهديد الضرورات، ولا ذلك الحد من الخطورة فيجوز الإسقاط بسببها في الأسابيع الأولى.

ب. السؤال الثاني من الموضوع الثاني «التشخيص قبل الولادة»

هذا السؤال عن حكم إنهاء الحمل بسبب جنس الجنين لا أكثر، ما يعني عدم رغبة الزوجين في جنس الجنين؛ وهذا عذر ساقط في اعتبار الشرع، ولا يبيح إسقاط الجنين، لأن المصلحة المطلوبة في هذا التصرف هي عدم الرغبة في الجنين الأنثى أو الذكر فحسب، وليس فيه أي مصلحة معتبرة في الشرع، وإنما هي شهوة نفس لا يترتب على عدم تحققها أي ضرر بمصالح الإنسان، وأكثر ما يقال فيها إنها من مكملات التحسينيات، وقد تكون موهومة. وإتلاف جنين منعقد يحتمل أن يصبح إنسانًا ذا روح إنسانية مع حياته الخلوية الموجودة أثقل في الميزان من تلك المصلحة؛ فهو إتلاف لمخلوق حي، وإن لم تنفخ فيه الروح، فلا ترتكب هذه المعصية لتحقيق أمر أقل من التحسيني. وأما هذه الممارسة بعد نفخ الروح فهي من أكبر الكبائر؛ لما تقدم أنها تعتبر قتلً لآدمي معصوم الدم. ومن الجدير بالذكر أن الرغبات والشهوات النفسية لم يعتبرها علماء كبار من الحاجات ولا الضرورات ما دامت لا يترتب على عدم تلبيتها أي ضرر يصيب البدن. وخير من عبّر عن هذا الأمر إمام الحرمين

الجويني، إذ يقول: «لسنا نعني بالحاجة تشوف الناس إلى الطعام وتشوقهم إليه؛ فربّ مشتهٍ لشيء لا

يضره الانكفاف عنه؛ فلا معتبر للتشهي والتشوف؛ فالمرعي إذن رفع الضراء واستمرار الناس على ما يقيم قواهم».

ج. السؤال الثالث من الموضوع الثاني «التشخيص قبل الولادة»

ويشتمل هذا السؤال على استفهام عام عن حق الجنين في الاستقلالية. وجواب هذا السؤال يمكن اشتقاقه من بعض القياسات العامة التي اعتمد الفقهاء عليها في أكثر أحكام الجنين. فأما الجنين بعد نفخ الروح فقد أثبت الفقهاء له أهلية وجوب ناقصة، بمعنى أنه يكون أهلً لثبوت الحقوق له فحسب؛ وهذا يقتضي أن يكون له حق في الخصوصية. وبحجب المعلومات الخاصة بكيانه الشخصي عن سائر البشر، إلا من كان يتضرر بهذا الحجب، كمن يُظنّ انتقال المرض إليهم أو

إلى ذريتهم، وكان من الممكن تدارك ذلك. وكذلك من كان مسؤولً في الشرع والقانون عن إصلاح أحواله البدنية والنفسية، وتربيته وحسن التعامل معه، كوالدين، فلا يجب حجب المعلومات عن هذين الصنفين؛ أما الأول فلا اعتبار الخصوصية يؤدي إلى ضرر أشد لذوي العلاقة، والثاني لتمكينه من القيام بواجباته الشرعية تجاه أطفاله.

(2((عبد الملك بن عبد الله الجويني، غياث الأمم في التياث الظلم (الدوحة: وزارة الشؤون الدينية، 1979)، ص.481 (2((وزارة الأوقاف الكويتية، الموسوعة الفقهية، ج 7، ط 2 (الكويت: وزارة الأوقاف الكويتية، 1986)، ص.155

وأما الجنين قبل نفخ الروح فإن مقتضى ما ذكره الفقهاء من أنه لا يكون آدميًّا في هذه المرحلة، وإنما

هو مخلوق يحتمل أن يصير كذلك بإذن الله تعالى، وقد أباح بعضهم إسقاطه بغير عذر، وبعضهم اشترط العذر، كما فصلناه سابقًا. وهذا يقتضي أن الجنين قبل نفخ الروح ليس له حق الاستقلالية، أو أنه تبع لأمه في استقلاليته. وقد يؤكد هذا القياس أن الفقهاء لم يعتبروا الجنين في هذه المرحلة نفسًا آدميّة، وإنما اعتبروه جزءًا من أمّه. وعلى الرغم من مقتضى هذه القياسات، فإنا نرى أن الجنين في مرحلة ما قبل نفخ الروح كالتي بعدها له من الاستقلالية ما يحصنه من اطلّاع الناس على أسرار بدنه؛ لأنه سائرٌ في طريقٍ يوصله إلى نفخ الروح. ويكفي احتمال هذا الأمر فحسب لإثبات الحقوق له؛ فإن وُلد بعد نفخ الروح فيه كانت حقوقه محفوظة، ومنها أسرار بدنه. ويقوّي هذا الوضع ما صار إليه الطب من القدرة على الكشف على الجنين ومتابعة تطوره في بطن أمه في كل لحظة، والعناية به، حتى يصل إلى مرحلة الإنسانية بنفخ الروح فيه؛ وهذا يُولّدُ غلبة الظن بمصير الجنين إلى نفخ الروح. فهذا ملحظٌ أقوى من القياس العام يستمد قوته من علوم الطب والحياة. ولكن لا بد من ملاحظة أن استقلالية الجنين في جميع مراحله لا تصمد أمام الضرورات والحاجات التي تقتضيها مصلحة الجنين نفسه بتمكين من كلّفهُ الشرعُ بالعناية به وحمايته وتربيته، وهم الوالدان، ولا الضرورات والحاجات التي تقتضي إخبار من يُتوقع أن يصاب بالضرر بما كُشف من أحوال الجنين الجينيّة، وهو في هذا كبقية الناس، والشرط وجود الضرورة وعدم وجود البدائل، وعدم التسبب في

الضرر للجنين في بدنه.

د. السؤال الأول من الموضوع الثالث «التشخيص الوراثي السابق للانغراس»

هل يحق للزوجين اختيار نوع البييضات الملقحة التي يتمّ نقلها؟ إذا أخُِذَ هذا السؤال بعيدًا عن البيان الموجود أعلاه، وكان السؤال عن أكثر من بيضة مخصبة لزوجين، فإن مقتضى ما رجّحنا من جواز التخلص من جنين قبل نفخ الروح لعذر طبيّ يقيني، فإن للزوجين أن يتخلصا من البييضات الملقحة

المصابة، واختيار بيضة غير مصابة، بل ربما كان هذا التصرف واجبًا؛ لما فيه من دفعٍ لضرر محتمل

بفعل أقل ضررًا أو لا ضرر فيه.

ه. السؤال الرابع من الموضوع الثالث «التشخيص الوراثي السابق للانغراس»

البيان الذي استتبع هذا السؤال يفيد أن شيئًا من مكونات بيضة امرأة أجنبية عن الزوج والزوجة يوضع في بيضة الزوجة الملقحة من ماء زوجها بدلً من مثيله، فيساعد البييضة الملقحة بطريقة شرعية على استبعاد أمراض كان سيصاب بها الجنين إذا لم تُستبعد من بيضة الأم مكونات ليوضع بدلً منها مكونات بيضة بديلة لا علاقة لها بالأم وليس لها مساهمة بيولوجية وليس فيها برامج وراثية، كما هو مصرح به في البحث، ويقتصرُ دورها على مساعدة مقدرات البييضة الأصيلة على تأدية وظائفها على نحو

سليم. ويتوقف جواب هذا السؤال على التيقن من الأثر الوراثي للجزء الدخيل على بيضة الأم؛ فإن لم يكن له أي أثر في الوضع الوراثي للجينات الموجودة أصلً في بيضة الأم، وكان دوره كما قيل، وأن كيفية المساعدة التي يقوم بها هذا الحمض المتقدري لا تغير شيئًا في مورثات خلية الأم، وإنما تحميها من الاختلالات فحسب، فالقول بالجواز الشرعي محتمل، ويمكن أن يكون شبيهًا بالتبرع بالدم، وهو أقل مفسدة من التبرع برحم لامرأة ليس لها رحم بقصد الإنجاب، الذي أجازه بعض الباحثين المعاصرين، ولم نقل بجوازه لأن مفاسده تربو على مصالحه. والأمر في مسألتنا يتوقف على وصول أهل الاختصاص إلى قولٍ فصلٍ في كيفية المساعدة التي يقوم بها ما يسمى «نسبة الحمض النووي المتقدري».

References

المراجع

ابن الهمام، كمال الدين محمد بن عبد الواحد. شرح فتح القدير. بيروت: طبعة دار صادر،.1897 الأصبحي، مالك بن أنس. الموطأ. تحقيق محمد مصطفى الأعظمي. أبوظبي: مؤسسة آل نهيان،

ابن عابدين، محمد أمين. حاشية رد المحتار على الدر المختار. ط 2. القاهرة: دار الطباعة المصرية،

ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله بن محمد. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد. الرباط: وزارة الأوقاف المغربية،.1995 ابن عبد السلام، عز الدين عبد العزيز. قواعد الأحكام. القاهرة: مكتبة الكليات الأزهريّة،.1991 ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر بن أيوب. شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل. بيروت: دار المعرفة،.1978 ________. التبيان في أقسام القرآن. بيروت: دار المعرفة،.1981 ________. الروح. بيروت: دار الكتب العلمية،.1982 الدردير، أحمد ومحمد عرفة الدسوقي ومحمد عليش. الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي. القاهرة: طبعة عيسى الحلبي، [د.ت.]. البيجيرمي، سليمان بن محمد بن عمر. تحفة الحبيب على شرح الخطيب. بيروت: دار الفكر،.1981 الجرجاني، الشريف علي بن محمد. كتاب التعريفات. بيروت: نشر دار الكتب العلميّة،.1995

((2(وصفت عبارة الباحث هذه المعلومة بأنها صارت أمرًا معروفًا. ولكن عندما جرى نقاش حول الموضوع في ندوة «الأخلاق

الإسلامية وسؤال الجينوم»، التي نظمها مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق في 5–3 نيسان/ أبريل 2017 بالدوحة، أفادنا صاحب البحث أنه لا يوجد جزمٌ بأن الحمض النووي المساعد (المتقدري) لا يسهم بيولوجيًا في البييضة المستقبلة.

الجويني، عبد الملك بن عبد الله. البرهان في أصول الفقه. الدوحة: دار إحياء التراث القطري، 1979. ________. غياث الأمم في التياث الظلم. الدوحة: وزارة الشؤون الدينية،.1979 الحنبلي، أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب. جامع العلوم والحكم. بيروت: دار المعرفة،

حيدر، علي. درر الحكام في شرح مجلة الأحكام. تعريب فهمي الحسيني. بيروت: دار الجيل،.1991 الرملي، شمس الدين. نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج. القاهرة: مطبعة البابي الحلبي،.1967 الزرقا، أحمد بن الشيخ محمد. شرح القواعد الفقهية. دمشق: دار القلم،.1989 الشاطبي، إبراهيم بن موسى بن محمد. الموافقات. بيروت: دار المعرفة،.1997 العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر. فتح الباري شرح صحيح البخاري. بيروت: دار المعرفة، 1959. عليش، محمد بن أحمد بن محمد. فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك. القاهرة: مطبعة مصطفى البابي الحلبي،.1958 الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. إحياء علوم الدين. القاهرة: مطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1939. ________. المستصفى من علم الأصول. بيروت: دار الكتب العلمية،.1983 القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد. الجامع لأحكام القرآن. بيروت: دار إحياء التراث العربي،

القليوبي، شهاب الدين أحمد بن أحمد بن سلامة. حاشية القليوبي على شرح المحلي على المنهاج. القاهرة: طبعة عيسى الحلبي،.1955 ملحم، محمد همام. تأصيل فقه الأولويات. طبعة خاصّة بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر. عمّان: دار العلوم للنشر والتوزيع،.2007 المرداوي، علاء الدين أبو الحسن علي. الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف. تحقيق محمد حامد الفقي. بيروت: دار إحياء التراث العربي، ‏1980. الندوي، علي. جمهرة القواعد الفقهية في المعاملات المالية. الرياض: شركة الراجحي المصرفية للاستثمار،.2000 النووي، يحيى بن شرف. صحيح مسلم بشرح النووي. بيروت: دار إحياء التراث العربي،.1972 وزارة الأوقاف الكويتية. الموسوعة الفقهية. ط 2. الكويت: وزارة الأوقاف الكويتية،.1983