مراجعة كتاب
Book Review Politische Theologie , By Carl Schmitt (In Arabic Translation)
الملخّص
لقد كان تفكير شميت منصبا حول إعادة بلورة مفهوم جديد للسيادة يقطع مع التصور الليبرالي الذي يجعل القانون هو السلطة المطلقة التي تتعالى على الدولة، ونحو تصور سياسي-لاهوتي للسيادة يربطها بقدرة الحاكم الشخصية على التقرير في حالة الاستثناء. لم يعد القانون العقلاني المجرد هو صاحب القرار؛ بل صار يحتكره الدكتاتور السيادي، الذي يشرع القانون الذي يعبر عن كاريزميته وليس عن معيار متعالي.
Abstract
Professor and doctoral researsher of philosophy and public affairs, Hassan II University, Casablanca, Morocco.
- اللاهوت السياسي
- كارل شميت
- هانس كلسن
- Politische Theologie
- Carl Schmitt
- Theologie
عنوان الكتاب: اللاهوت السياسي. المؤلف: كارل شميت. ترجمة: رانية الساحلي وياسر الصاروط. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات: 192 صفحة.
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
مقدمة
صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ضمن سلسلة «ترجمان» كتاب اللاهوت السياسي للعامة وفقيه القانون الألماني كارل شميت (–1888)19851، وقد ترجمه من اللسان الألماني إلى اللسان العربي رانية الساحلي وياسر الصاروط. يقع الكتاب في 192 صفحة من القطع الوسط، في سبعة فصول موزعة على قسمين (كتابين) وخاتمة. يسعى الكتاب الأول «أربعة فصول عن مفهوم الحكم» إلى الإجابة عن إشكالية الكتاب الرئيسة، وهي مسألة «السيادة» بتعريفها في عاقتها بالقرار السياسي كإعان لحالة الاستثناء، وليس قرارًا قانونيًا فحسب؛ لهذا يظل شكلها مبهمًا عند المفكرين بين اعتبارها مشكلة قانونية ترتبط بكيفية تجسيد القانون على أرض الواقع في عاقته بالسيادة الشخصية أو السيادة المجردة، أو اعتبارها مشكلة سياسية تتعلق بقرار سياسي يعلن عن حالة الطوارئ/ الاستثناء. انطاقًا من فلسفة دي ميستر Maistre De ودونوسو كورتيس Cortés Donoso، اللذين جاءت فلسفتهما رفضًا للثورة الفرنسية والدعوة إلى العودة إلى السلطة المطلقة. بينما ينصرف الكتاب الثاني (وهو الجزء الثاني من الكتاب الذي ألفه سنة 1969)، وهو عن «أسطورة إنهاء كل لاهوت سياسي»، عبر فصوله الثاثة، إلى نقد الدعوة إلى الفصل بين الاهوت والسياسي، انطاقًا من عرض الأطروحة التي تدافع عن «الدنْونة »2/ sécularité la ضرورة لإقامة نظام دولة الحق الليبرالية، وهي الأطروحة التي بدأت مع عصر الأنوار في نقده الدين وسلطة الكنيسة ويمثلها في الكتاب إريك بيترسون Peterson Eric الذي يعلن نهاية كل لاهوت سياسي، مقابل دفاعه عن فكرة الأصل الاهوتي لكل المفاهيم السياسية، ومن ثمّ ضرورة العودة إلى مفاهيم «الخطيئة» و«الشر» و«الخير» و«الإله المطلق» و«الشيطان» و«المعجزة» لفهم الممارسة السياسية الحقيقية. ليختم الكتاب مسألة الشرعية الحديثة التي تستند إلى المرجعية القانونية المعيار، والتي ترى في القانون المجرد السلطة المطلقة التي يجب أن تحكم بوصفها وقاية ضد قيام سلطة شخصية مطلقة.
سياق التأليف
لا يشذ هذا الكتاب عن الجدال السياسي والقانوني الذي دار بين كارل شميت وهانس كلسن، حول مسألة الشرعية والمشروعية، وهو عنوان كتاب لشميت، خصص له كذلك كتابًا آخرَ
بعنوان «النماذج الثاثة للفكر القانوني»، وحول طبيعة القرار السياسي في عاقته بمسألة السيادة، التي خصص لها كارل شميت كتابًا بعنوان «الدكتاتورية»، وتطرق إليها في عاقتها بنظام السلطة المطلقة، وهو النقاش الذي يصب في بؤرة واحدة، وهي مسألة الأساس القانوني والسياسي للدولة الحديثة. فشميت يدافع عن دولة سياسية– سيادية قوية تنهل من فكرة «المشروعية الكاريزمية» التي دافع عنها ماكس فيبر، وتجعل الدولة تدور في فلك الزعيم (الفوهرر) الذي يملك حق التقرير، من دون الاستناد إلى مصدر آخر للقرار غير ذاك الذي تفرضه حالة الاستثناء. فإذا كان كلسن وكل من يدافع عن الليبرالية السياسية أو النظام البرلماني يسعون لبناء سلطة مقيدة بالقرار المجرد الذي يوجد سابقًا على الحاكم (ومن ثمّ تصبح السيادة للقانون وليس للشخص الحاكم)، ومقيدة كذلك بفكرة «الحقوق الأساسية»، لتصير الدولة ضمانة لها لا غير، فإن شميت يبني تصورًا يتعارض مع أطروحة الشرعية القانونية أو الوضعية القانونية التي تحوّل الدولة إلى جهاز لتطبيق القانون وحماية حقوق الإنسان العالمية. إن شرعية «دولة شميت» ذاتية لا تمتحها من مصدر خارجي؛ ذلك أنه لا يؤمن بنموذج واحد للدولة أو للديمقراطية التي تشترط الوحدة الكاملة للشعب. إن لكل شعب وجوده السياسي الخاص وديمقراطيته التي تتماشى مع ثقافته وتاريخه، ومن ثم، على كل دولة أن تدافع عن سيادتها في وجه «الأيديولوجيا الليبرالية» التي تسعى لتأسيس فكرة «الدولة العالمية» ومن ثمّ «النموذج الواحد» الذي يخضع للديمقراطية البرلمانية والتعددية السياسية، في مقابل دولة القرار السياسي المركزي التي ظل شميت يدافع عنها عبر مجموع مؤلفاته.
من السياسة المعلمنة إلى اللاهوت السياسي
لقد كان قطب رحى فكر شميت هاجس الدولة القوية، تعبيرًا من المثقفين الألمان بعد انهيار جمهورية فايمر Weimar، عن رغبتهم في أن يكون للشعب الألماني دولة توحده، وتستطيع أن تواجه خطر العدو السياسي. لم يشذّ شميت عن ذلك الهاجس؛ فبحث عن تكوين نظرية سياسية – قانونية تعيد بناء تصور جديد للدولة. وينطلق هاجس بناء نظرية دولة قوية من «التنقيب» عن مفاهيم تمنح النظرية نسقها، وتنقلها من نظرية إلى واقع سياسي حي. ولن يكون في وسع شميت غير الخروج من السياسة لإعادة بنائها من جديد. وسيكون المصدر الذي ستمتح منه نظرية شميت السياسية مفاهيمها ومبادئها هو الاهوت؛ ليس تصريحًا منه بحالة من «الردة» عن سيرورة الدنونة التي شهدتها المجتمعات الحديثة؛ بل تفكيرًا في جذور المفاهيم السياسية واستعادة قوتها بعد أن جردتها الليبرالية من حدتها السياسية، بوصف «مفاهيم النظرية الحديثة للدولة كلها ذات الدلالة هي مفاهيم لاهوتية معلمنة» (ص. 49). ما يعني أن الاهوت السياسي ما كان ردة فعل فحسب تجاه الدنونة ورفض الاستقال السياسي عن الثيولوجي، بل هو في عمقه «استذكار» لأصل المفاهيم السياسية بعد أن جُردت من قوتها السياسية مع الليبرالية التي تميل إلى نزع الطابع الجدالي والعدواني عن السياسة. والحال أن دور الاهوت السياسي يكمن في التذكير بمضمون السياسة الاهوتي، لا في استعادة نموذج الحكم الديني أو إحياء «الجمهوريات المسيحية» بديلً من الدولة الليبرالية.
لقد استثمر كارل شميت العديد من المفاهيم المأخوذة من الاهوت المسيحي مثل مفاهيم «الإله القدير» و«الخطيئة» و«الصراع بين الخير والشر» و«الخاص» والمعجزة» وإدخالها إلى الحقل السياسي، لمواجهة فكرة «أنسنة» الفعل السياسي وإزالة الطابع العنيف والعدواني عنه، بإدخال مفاهيم «التعددية» و«الحوار» و«الاختاف» و«الحرية»؛ لتحل محل «العنف» و«الصراع» و«العدوان»، بوصفها مفاهيم تتأصل في فكرة «الشر» و«الخطيئة» التي تتجذر في طبيعة الإنسان. ومعنى هذا أن إرجاع السياسي إلى الصراع والعداء والعنف يقتضي البحث عما يدعم هذه الفكرة من خال اعتبار الإنسان خطّاءً pécheur Un، يميل إلى الشر بطبعه، وهو ما يبرر المعيار السياسي «صديق وعدو» الذي يقتضي إعادة إدخال مفهوم الشر في الفعل السياسي. ومن ثم، فإن إثبات السياسي يقتضي إدخال هذا التصور الخطر عن الإنسان (الشر) إلى السياسة، ما يعني الارتباط بالأخاق؛ وذلك لأن: «إثبات السياسي في نهاية المطاف ليس شيئًا آخر غير إثبات الأخاق»3 بربط الفعل السياسي بمفاهيم «الشر» و«الخطيئة» و«الخاص». فيصبح الصراع بين الخير والشر مرادفًا للصراع بين الحرب والسلم، ويأخذ التقابل الديني بين «الله» و«الشيطان» صيغة سياسية في التقابل بين «العدو» و«الصديق».
لاهوت سياسي لشرعنة حالة الاستثناء
الحق أن المفهوم الرئيس في لاهوت شميت السياسي هو مفهوم «حالة الاستثناء»، من حيث هو مفهوم يؤسس لحلقة مفاهيمية مغلقة تتكون من «السيادة» و«الدكتاتورية» و«القرار»، كمدخل لفهم طبيعة دولة «ما بعد فايمر»4. وتتحدد هذه الحالة بوصفها نفيًا للوضعية السياسية القائمة، ومن ثم، تعليقًا للدستور القديم وإلغاء العمل به نحو وضعية جديدة توسم بسيادة دكتاتورية سيادية وليس بسيادة الدستور القديم، تتجاوز حالة عدم الاستقرار داخل الوجود السياسي للشعب. بيد أن الاستثناء لا يمثل الفوضى والاضطراب؛ بل عملية انتقالية فحسب، من كيان سياسي هش نحو نموذج سياسي قوي عبر سيادة قرار الزعيم مكان القانون المجرد؛ ذلك أنها ترتبط بحق يملكه الدكتاتور باسم ضرورة الحفاظ على وجود الشعب السياسي، وتمثل «الضرورة» هنا قانونًا أسمى يمنح رئيس الدولة مشروعية سياسية. يقول كارل شميت: «ولأن الاستثناء يختلف عن الفوضوية والبلبلة، سوف يبقى النظام بالمعنى التشريعي حتى لو لم يستمر بشكله العادي» (ص. 28)، حتى لو أدى إعانها إلى قيام نظام السلطات الكاملة الذي يلغي السلطات جميعًا لمصلحة سلطة واحدة هي سلطة الدكتاتور السيادي الاستثنائية. وقد حملت شميت جملة من الأسباب على النظر في حالة الاستثناء؛ كان أولها ما اتصل أساسًا بوضعها: بين أن تكون وضعية قانونية
خالصة أو حالة سياسية أو حالة قانونية– سياسية توجد على حدود ما هو قانوني وما هو سياسي5. فالقانون العام لم يستطع أن يجد لها صيغة قانونية أو يبني نظرية قانونية كاملة يحولها من تأويل قانوني طارئ فحسب، إلى قانون صريح داخل الدستور بمبرر أنها تحمل الدكتاتورية في جوهرها وتلغي المبادئ القانونية التي تخضع لها السلطة السياسية؛ خصوصًا ما تعلق بفصل السلطات؛ ذلك لأن وجود دكتاتورية سيادية يعني وجود سلطات الدولة جميعًا (السلطات الكاملة) في يد ممثل السيادة العليا. لذا تتماهى وضعيتها القانونية مع طبيعتها السياسية التي تجعلها قرارًا سياسيًا استثنائيًا يحتاج إلى اجتهاد شخصي لكاريزمية سياسية، ويظل مستقلً عن كل معيار أو قاعدة قانونية. وتدعم حالة الاستثناء تصور شميت للسياسة التي تنتقل من مجال ساكن خاضع إلى قوانين ثابتة وتوجهه فكرة الغائية (غاية السياسة ضمان الحقوق الأساسية) إلى كيفيةٍ للفعل، وطريقة للوجود، تشتد وتضعف بحسب درجة العداء والصداقة؛ وبناءً عليه، فإن حالة الاستثناء لا يمكن أن تفهم من منظور السياسة مجالً خاضعًا لقوانين ثابتة؛ بل تدرك حينما نعتبرها فعلً سياسيًا يعبّر عن قدرة خاصة على الفعل والتقرير والتدخل والمواجهة والتحالف. فالسياسة بما هي مجال محكوم بمعايير وقوانين ثابتة لا يسمح بإدراك الضرورة التي تقتضي إلغاء هذه المعايير والقوانين أو تعطيلها، لكن ارتباطها بالفعل المتحرك وبالوقائع المتغيرة يمنح الزعيم السياسي مساحة أكبر للتصرف واتخاذ القرار انطاقًا من كفاءته الذاتية. ويرتبط الحامل الثاني على التفكير في حالة الاستثناء بالحاجة إلى نظرية قانونية تتجاوز مشكل غياب تفكير قانوني حقيقي في هذه الحالة (ص. 29)؛ وإذًا، إدخالها ضمن القانون. ولعل هذا الغياب القانوني لنظرية قانونية لحالة الاستثناء هو ما حمل شميت على العودة إلى الاهوت وإلى فكرة «المعجزة» التي تجعل الله قادرًا على أن يفعل بإرادته المطلقة لكي يكوّن نظرية سياسية عنها6. لقد غابت مسألة «حالة الاستثناء» عن الكتابات القانونية قبل القرنين التاسع عشر والعشرين، واعتبرت غير ذات قيمة مقارنةً بالتفكير في دولة الحق؛ باعتبار ذاك التعارض الحاصل بينهما. فقد نُظر إلى حالة الاستثناء في ارتباطها بالدكتاتورية على أنها إلغاءٌ لوجود دولة الحق؛ لأن الاستثناء يعني تعطيل القانون الذي يحكم عمل السلطة ويحل محله قانون «السلطات الكاملة» بما هي سلطات استثنائية يمتلكها رئيس الدولة، وتجعله قادرًا على اتخاذ تدابير استثنائية، من بينها إلغاء الحقوق الأساسية أو تعطيل بعضها كقاعدة لعمل دولة الحق. من هنا نفهم أن غياب نظرية قانونية تتعلق بحالة الاستثناء لا يعدّ سهوًا عنها، وإنما فعلً «مقصودًا» مرده إلى استحالة الجمع بين نقيضين: دولة الحق ودولة السلطات الكاملة. لقد ظل التفكير في
حالة الاستثناء تفكيرًا استثنائيًا7. لكن حين تصبح حالة الاستثناء معيارًا، كما هي الحال في الدولة النازية لا استثناءً عابرًا فحسب، فإن بناء نظرية قانونية حول هذه الظاهرة السياسية يصير جزءًا لا يتجزأ من نظرية دولة الحق نفسها. وحتى لا يصير عمل شميت دفاعًا عن حالة الاستثناء معيارًا لا عمليةً انتقالية، تبرز قيمة نقده للشرعية القانونية التي ترى أن عمل الدولة يقتصر على تطبيق القانون والحفاظ على الحقوق الأساسية للأفراد، ما يجعل إدخال فكرة «الاستثناء» و«تعطيل القانون» و«السلطات الكاملة» داخل نظرية دولة الحق مستحيلً. لكن عندما تصبح ممارسة السلطة على أساس مشروعية سياسية ترتبط بمن يمثل سيادة الدولة، فإن حالة الاستثناء لا تصير تنافيًا مع الدولة بل جزءًا من النظام وقرارًا سياديًا لصاحب المشروعية السياسية لا يلغي هذه المشروعية وإنما يمارسها ويجسدها على أرض الواقع. ولا يرتبط الحامل الثالث بالرغبة في الدفاع عن الدولة القوية بوصفها الأطروحة التي تنتظم داخلها أطروحات شميت الأخرى؛ إذ تظهر قدرتها على مواجهة ما يهدد بقاءها السياسي، مثلما تظهر قدرتها على اتخاذ القرار؛ لهذا السبب «يمكن الاستثناء أن يكون أهم من القاعدة» (ص. 13)؛ إذ بواسطته تتجلى خاصية الدولة الحقيقية في امتاكها حق الحياة والموت الذي يرتبط بحالة الحرب أو حالة الاستثناء؛ إذ هي ليست معايير قانونية ثابتة فحسب، بل هي قرارٌ سياسي متحرك يتفاعل مع المتغير داخل الفضاء السياسي الداخلي والدولي حينما تكون الحاجة المستمرة إلى تدخل قوة سياسية استثنائية قياسًا على قدرة الخلق لدى الله التي تقرر في حالة الاستثناء. ما كان التفكير في حالة الاستثناء غير مقدمة للعودة إلى التصور السياسي، ذاك، للدولة بربط وجودها وسيادتها بامتاك قرار سياسي متحرر من الخضوع المطلق إلى القوانين والمعايير المستقلة بذاتها. فالقرار السياسي يجد نفسه – لكي يعود إلى مجاله السياسي – أمام وضعية قانونية تقيده بمعايير صورية ثابتة، وتمتح من مرجعيات سياسية وقانونية وفلسفية لأفكار «فصل السلطات» و«مبدأ الحقوق الأساسية» و«الفردانية» التي تحيط بالقرار، فتمنع ظهور إمكاناته القادرة على تجاوز ما هو ثابت إلى تأسيس وضع سياسي قارّ. وقد مثلت هذه الوضعية القانونية التي تُخضع السياسي للقانوني فتجعله مجالً ساكنًا وفق معيارية كلسن التي تفهم الوجود بوصفه أفعالً خاضعة لمعايير وقوانين، قياسًا بالخطاطات الرياضية في الطبيعة التي تلخص قوانينها، أما على المستوى البشري أو الاجتماعي فهي المعايير normes les بوصفها تعبر عمّا «يجب أن يكون أو يحدث»8؛ أي تنظر إلى الوجود من جهة «ما يجب أن يكون» Sollen لا «ما هو كائن» أو «ما يوجد» Sein. إن عودة القرار إلى أصله (ونقصد المجال السياسي، بوصفه مجال تمييز بين الصديق والعدو) يجعل من الممكن المماهاة بين «القرار» و«الدولة» و«الشعب». فالاستناد إلى تعريف شميت للدولة بما هي نمط وجود شعب، أو وضعية
سياسية لجماعة بشرية ترتبط بسلطة تقرر في حالة الاستثناء، يعني أن من يقرر هنا ليس القوانين بل الدولة من حيث هي التي تشرعن حق التشريع، مجسدًا في صاحب السيادة souverain le الذي يمثل سيادة الدولة العليا. فالمرجعية التي يستند إليها القرار هي الدولة، وحدها، من حيث هي وحدة الشعب السياسية، ومشروعيته هي حماية هويته التي تمنحه كيانًا متعينًا في الوجود وسيادة سياسية في عاقته بشعوب أخرى. كما أن ارتباط القرار بالدولة يجعله سياديًا؛ إذ ليس هناك سلطة عليا يمكنها ويحق لها مراقبة القرار أو مراجعته غير الدولة وحدها؛ لأنه يظل قرارًا محايثًا لها (ص. 65)
مشكلة السيادة
يتبدى من قراءة مجموع مؤلفات شميت أنه لم يفرد لمفهوم «السيادة» حيزًا كبيرًا في كتاباته كذاك الذي خصصه لمفهوم «الدولة» أو «الدستور» أو «الدكتاتورية» أو «حالة الاستثناء»، إلى حد أنه لم يعرّف «السيادة» مفهومًا قائمًا بذاته، بل ربطها بالقرار السياسي أو بالدكتاتورية السيادية أو بحالة الاستثناء، حيث يصبح ممثل السيادة هو من يقرر حالة الاستثناء (ص. 23). وفي الحصيلة، يرتبط التفكير في السيادة بالتفكير في الحالة التي يظهر فيها القرار السيادي؛ أي حالة الاستثناء9. ومرد هذا إلى أن ربط شميت السيادة بمسألة حالة الاستثناء يفسر بأن حالة الاستثناء صيغت صوغًا كاملً وواضحًا في عاقتها بمفهوم «الدكتاتور صاحب السيادة»10. بناء عليه، تكون السيادة هي السلطة المطلقة التي تملكها السلطة المؤسسة باعتبارها سلطة الشعب التي يمثلها الفوهرر. من هنا يظهر الترابط الحاصل بين سلطة ممثل الشعب المطلقة (الدكتاتور) والسيادة، إذ لا نجد أي تمييز بينهما في المؤلفات التي أفردها شميت لهذا المفهوم، ككتاب «الدكتاتورية» وكتاب اللاهوت السياسي. فالدكتاتور هو هذا الشخص الذي يمثل سيادة الدولة بامتاكه السلطات جميعًا، الأمر الذي يجعله غير مقيد بقاعدة قانونية تراقب قراره؛ وليس التفكير في السيادة، إذًا، تفكيرًا في جوهر الدولة؛ أي في وجودها السياسي واستمرارية سلطتها؛ لأن الدولة لن تكون غير التحقق المادي والمؤسساتي للسيادة أو من يحتكر ممارستها، مشكلة النظام القانوني والسياسي الوحيد الذي لا يقبل مبدأ متعاليًا عنه. لهذا نفهم الانتقال من المعيار إلى القرار، إذ يظل المعيار سابقًا ومتعاليًا عن الدولة التي تفقد سيادتها لمصلحة الحق أو القانون، بينما يظل القرار السياسي محايثًا للدولة لا وجودًا متحققًا قبلها. والحال أنه من غير الممكن القول إن للسيادة معنى سياسيًا يرتبط بالقوانين أو المعايير الوضعية المتعالية عن الأشخاص؛ بل معنى يرتبط بوجود سلطة سياسية قوية يمكن أن تقرر في حالة الاستثناء – كتجلٍّ لسيادتها – هي سلطة الفوهرر الذي ليس بنظام محايد، وإنما هو نظام سياسي لا وجود لشيء خارجه يملك حق حماية الوحدة الداخلية في عاقتها بالخارج، ويمنع من ظهور أعداء داخليين يمهدون الطريق لحرب أهلية تمزق الدولة. لن يكون ممكنًا أن يتحقق هذا إلا بتجاوز مبدأ الحياد الذي يسم الدولة الليبرالية التي ترى في المجتمع مجالً للعاقات غير الدولتية التي لا يحق للسلطة أن تتدخل فيه
باسم حرية الأفراد واستقالية المجتمع عن الدولة. فالنظام الذي يمنع من قيام صراع داخلي هو الذي نجده حاضرًا في الدولة والمجتمع معًا، ويفرض قراره على الكل ويخضع له؛ لأنه ممثل السيادة العليا للدولة. فالدولة القوية هي «دولة محايثة» لا تعترف بوجود داخلي مستقل عنها وسابق لها.
خاتمة
لقد كان تفكير شميت منصبًا على إعادة بلورة مفهوم جديد للسيادة يقطع مع التصور الليبرالي الذي يجعل القانون السلطة المطلقة التي تتعالى على الدولة، نحو تصور سياسي–لاهوتي للسيادة يربطها بقدرة الحاكم الشخصية على التقرير في حالة الاستثناء. لم يعد القانون العقاني المجرد هو صاحب القرار؛ بل صار يحتكره الدكتاتور السيادي الذي يشرع القانون الذي يعبر عن كاريزميته وليس عن معيار متعالٍ. إن ترجمة هذا الكتاب تدخل في إطار الدعوة إلى الانفتاح على نماذج فكرية جدية و«يسد ثغرة في مكتبة المراجع السياسية العربية» (ص. 15). فالفلسفة السياسية المعاصرة لم تأخذ حقها في الترجمة شأن الفلسفة السياسية الكاسيكية أو الحديثة. ونقيم حكمنا هذا على ما نقله المترجمون العرب لأعمال شميت إلى اللغة العربية قياسًا بكتب أفاطون وأرسطو والقديس أوغسطين وهوبس وسبينوزا وروسو وهيغل المترجمة إلى العربية، والأعمال التي خصصت لدراسة فلسفتهم. فإلى حدود اليوم، لم يترجم لكارل شميت غير ثاثة أعمال: أزمة البرلمانات11ومفهوم السياسي12، والاهوت السياسي13، بينما لم ينتج الاعتناء بفكر شميت دراسةً غير مقالة14 وفصل من كتاب15 وترجمة مقالة عن الاهوت والسياسة16. قد نجد لهذا «الإدبار» بعض المبررات الموضوعية، فقد ظل الاعتقاد إلى وقت طويل أن الحاجة إلى الدفاع عن ممارسة سياسية مبنية على العقل، حاملً على الاهتمام بأفاطون وأرسطو. ويثوي وراء الاهتمام الذي حفلت به كتابات فاسفة العقد الاجتماعي أو الكتابات السياسية لهيغل دفاعٌ عن الدولة الحديثة؛ دولة التعاقد الاجتماعي بوصفها مصدرًا لكل سلطة سياسية مشروعة. إن مطلب «تأسيس الممارسة السياسية على أسس عقانية» كان أكثر من الحاجة إلى شميت أو الفلسفة السياسية المعاصرة، لكننا نعتقد أن اختيار ترجمة كارل شميت تنبيه للدراسات العربية إلى نماذج جديدة، وتقديم فكره إلى القارئ والباحث العربيَين لمنح البحث في الفلسفة والفكر السياسي شيئًا جديدًا. فلم يعد مبررًا اليوم استمرار الباحثين العرب في التشرنق داخل نماذج معينة، كُتب فيها باستفاضة كبيرة بمبرر الحاجة الاجتماعية والسياسية إلى «ممارسة سياسية عقانية».
References
المراجع
العربية
أغامبين، جورجو. حالة الاستثناء، الإنسان الحرام (2/1). ترجمة ناصر إسماعيل. تقديم جوليانا سكوتو. تصدير ساري حنفي. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.2015
دريموس، أندريه. «الاهوت السياسي لكارل شميت». ترجمة أحمد الصادقي. ألباب. العدد).2016(8 شميت، كارل. أزمة البرلمانات. ترجمة فاضل جتكر. أربيل/ بيروت: معهد دراسات عراقية، 2008. ________. اللاهوت السياسي. ترجمة رانية الساحلي وياسر الصاروط. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018
________. مفهوم السياسي. ترجمة سومر المير محمود. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.2018 محمد، بوبكر. «المعيار والاستثناء في الفكر الفلسفي السياسي المعاصر». الأزمنة الحديثة. العدد 14 ولد أباه، السيد. الدين والسياسة والأخلاق، مباحث فلسفية في السياقين الإسلامي والغربي. بيروت: جداول للنشر والترجمة والتوزيع،.2014
الأجنبية