العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التعدد اللغوي وحوارية الخطاب في الرواية عند باختين التجليات والدلالة

التعدد اللغوي وحوارية الخطاب في الرواية عند باختين التجليات والدلالة

Polyphony and Dialogism of Discourse in the Novel According to Bakhtin: Manifestations and Significance

رشيد ودجى

RACHID OUDIJA

الملخّص

لا تعرف الرواية سلطة لغة واحدة، تؤول مباشرة وبطريقة بسيطة إلى "الروائي"، بل تعدد اللغات المرتبط بتعدد الشخوص الروائية وتصادم وجهات نظرها حول العالم. ففي هذا الإطار، إن مستويات التعدد اللغوي، لا تظهر فاعليته وإجرائيته في لغة الرواية، إلا إذا صيغ بطريقة حوارية، أي بوساطة نقل ملفوظات الآخرين، وإعادة إنتاج اللغات السائدة في المجتمع. وينعكس ذلك على أسلوب الرواية: فعندما تنقل الرواية كلام الشخوص الروائية، أو تتخللها أجناس تعبيرية، فإنها تمكن الروائي من إنجاز سرد ثنائي الصوت، يخلص الرواية من السرد الأحادي الصوت والنبرة. لذلك يمكننا الذهاب إلى أن تنوع اللغات وتعدد الأساليب في الرواية، لا يصبح تعددًا لغويًا، بالمعنى الباختيني، إلا إذا شخّص تشخيصًا حواريًا.

Abstract

Abstract: The novel does not know the authority of a single language, which is directly and simply translated into the «novelist», but the multilingualism associated with the multiplicity of narrative characters and the clash of views around the world. In this context, the levels of linguistic pluralism do not appear to be effective and procedural in the language of the novel, unless they are phrased in a conversational manner, i.e. by conveying the voices of others and reproducing the dominant languages of society. What is reflected in the style of the novel: When the novel moves the words of narrative characters, or interspersed with expressive species, it enables the novelist to complete the narration of the sound, which concludes the narrative of the monologue narration voice and tone. So we can go to the diversity of languages and the multiplicity of methods in the novel, does not become a linguistic pluralism – in the sense Bakhtinian – Unless it is diagnosed in a dialogical manner.

الكلمات المفتاحية:
  • التعدد
  • الحوارية
  • الرواية
  • الخطاب
  • التهجين
  • التنضيد
  • المتخللة
Keywords:
  • Pluralism
  • dialogue
  • narrative
  • discourse
  • hybridization
  • articulation
  • introspection

تمهيد

نظر ميخائيل باختين1Bakhtine Mikhail إلى اللغة باعتبارها مرصدًا للتحولات الاجتماعية إلى جانب اهتمامه بالبعد الجمالي فيها، وقد شكل مفهوم الحوارية Dialogisme أو التعدد اللغوي Polyphonie بؤرة نظرته إلى الرواية؛ إذ إن هذه الحوارية هي التي تتيح التقاط أيديولوجيات الرواية، انطاقًا من لغات متلفظيها، ومن ثم اعتبر اللغة مدخل أساسيًا لدراسة مختلف متغيرات الواقع الاجتماعي، وذلك عن طريق ربط الدليل بالأيديولوجيا. يقول في هذا الإطار: «إن كل ما هو أيديولوجي دليل، ولا وجود للأيديولوجيا من دون أدلة»2؛ لأن اللغة تستطيع أن تعبر تعبيرًا دقيقًا عن الصراعات الاجتماعية، وتنعكس عليها مختلف التحولات التي يمر بها المجتمع، «إنها نمط العاقة الاجتماعية الأكثر نقاء والأكثر وضوحًا، إن ما تمثله الكلمة في دقة دلالتها، وما تمثله بصفتها ظاهرة أيديولوجية، يجب أن يعطينا أسبابًا كي نضع الكلمة في المستوى الأول لدراسة الأيديولوجيا»3، وبناء على ذلك فإن الرواية، بحسب باختين تكون ملتقى لمجموعة من اللغات الاجتماعية المتصارعة فيما بينها، يتمظهر ذلك في التعدد اللغوي الذي تزخر به. إن أهمية التنوع اللغوي تتجسد في تحرير النص الأدبي من سلطة اللغة الواحدة، وكذا من نير الرؤية الواحدة. إضافة إلى ذلك، فهو يفسح مجال محاورة اللغات بعضها بعضًا، من جهة، وتحطيم صورة النموذج من جهة أخرى. وبناء عليه، تكون الرواية ظاهرة متعددة الأسلوب واللسان والصوت، فتطرح على المحلل مهمة اكتشاف الوحدات الأسلوبية الامتجانسة التي تتمظهر في أشكال لسانية مختلفة وخاضعة لقواعد لسانية متعددة في الآن ذاته4. لذا تمثل الرواية «التنوع الاجتماعي للغات، وأحيانًا للغات والأصوات الفردية، تنوعًا منظمًا أدبيًا. وتقضي المسلمات الضرورية بأن تقسم اللغة القومية إلى لهجات اجتماعية، وتلفّظ متصنع عند جماعة ما، ورطانات مهنية، ولغات للأجناس التعبيرية، وطرائق كام بحسب الأجيال، والأعمار، والمدارس، والسلطات، والنوادي، والموضات العابرة، وإلى لغات للأيام (بل للساعات) الاجتماعية والسياسية (كل يوم له شعاره، وقاموسه، ونبراته»)5. إن الرواية تشيد موضوعها، إذ ا، اعتمادًا على تعدد اللغات والأساليب والأصوات؛ فهي تستقبل داخل بنائها عناصر ووحدات غير متجانسة، إذ تحتوي على لغات للمهن وللأجناس التعبيرية وللفئات

  1. (1929)، علم الجمال ونظرية الرواية.)1965(
  2. Mikhaïl Bakhtine (N. V. Volochinov), Le Marxisme et la philosophie du langage: Essai d’application de la méthode sociologique en linguistique , Traduit du russe et présenté par Marina Yaguello, Préface de Roman Jakobson, Collection Le Sens commun (Paris: Éditions de Minuit, 1977), p. 44.
  3. Ibid., p. 30.
  4. ميخائيل باختين، الخطاب الروائي، ترجمة محمد برادة (الرباط: دار الأمان، 1987)، ص.32
  5. المرجع نفسه، ص.33

الاجتماعية، وغير ذلك، وهي عناصر تتداخل فيما بينها فتشكل نسقًا أدبيًا منسجمًا. وطبقًا لذلك، يظهر بأن بنية الرواية تتسم بالتعدد، غير أن هذا التعدد لا يؤدي إلى تفكيك النسق السردي، بل هو صيغة جديدة في الكتابة الأدبية تنتقد الصياغة الاختزالية، وتفصح عن الطبيعة التركيبية الحوارية للخطاب الروائي، وتعرب عن لغته المتنوعة. وجبت الإشارة هنا إلى أن باختين عمل على تشييد رؤية خاصة للغة الروائية؛ رؤية مدعومة بمنظورين: الأول لساني، والثاني اجتماعي. لهذا، وبناء على رؤية زمنية، يُعدّ باختين من رواد التيار السوسيونصي؛ لأنه عمل على تخليص النص الأدبي عامة، والروائي خاصة، من قبضة السوسيولوجيا الميكانيكية. من هنا، فاللغة في الرواية لا تعكس الواقع الاجتماعي وفق رؤية ميكانيكية، بل تقدم تصورًا عن هذا الواقع؛ حيث تصبح اللغة وسيطًا يقدم من خاله المبدع تصوره للحياة الاجتماعية. خارج أي نزعة تفضيلية، وتجاوزًا لأي نظرة مرتبطة بالسيرورة التاريخية للجنس الروائي، تبقى الرواية جنسًا أدبيًا متمردًا على سلطة اللغة الوحيدة. وانفتاح الرواية على التعدد اللغوي، باختاف أشكاله وتنوع صيغه، ارتبط بتصور ميخائيل باختين للغة الرواية. من هنا نتساءل: ما أشكال التعدد اللغوي وتجلياته في النص الروائي؟ وما عاقة ذلك بمفهوم الحوارية في الرواية؟ يمكن أن نحصر، مبدئيًا ونظريًا، هذه الأشكال المتصلة بإدخال التعدد اللغوي في النص الروائي فيما يلي: • أقوال الشخوص الروائية. • الأجناس المتخللة. • التشخيص الروائي للغة. • تنضيد اللغة.

أولا: أقوال الشخوص الروائية

يتم إدراج التعدد اللغوي في جسم الرواية عبر خطابات الشخوص؛ فهي تترجم خطابات الآخرين داخل لغة أجنبية بالنسبة إلى الكاتب. إن الروائي يعمد إلى عرض أقوال الشخوص مع الحفاظ على لغاتهم الخاصة، التي يقبعون خلفها، حيث تتم المقابلة بينهم في إطار حواري من دون تدخل من المبدع الذي يشرع في التأثر بهم لبقائه خارج لغاتهم الخاصة، التي يقبع خلفها، حيث تتم المقابلة بينهم في إطار حواري من دون أن يتدخل المبدع الذي يشرع في التأثر بهم لبقائه خارج لغاتهم. ويمكن الكاتب أن يلتقي شخوصه في المناطق المحيطة بهم، ففي هذه المناطق «تهيمن أشكال البنيات الهجينة الأكثر تنوعًا ودائمًا تكون تقريبًا في صيغة حوار، وداخلها ينتشر الحوار بين الكاتب وشخوصه، وهو ليس حوارًا دراميًا متمفصل إلى ردود، بل أنه حوار خاص بالرواية، منجز داخل بنيات

لها مظهر مونولوجي»6. إن تنوع لغات مجتمع ما يتجسد في العمل الروائي عبر خطابات الشخوص التي تساهم في خلق تنضيد تراتبي للغة وتنسيب الوعي اللساني. فالشخوص الروائية المتوفرة على درجات مختلفة من الاستقال الأدبي والدلالي وعلى منظور خاص، تستطيع بفعل أقوالها وتدخاتها في مسار السرد عن طريق الحوار أن تكسر نيات الكاتب، وأن تعتبر أقوالها وملفوظاتها بالنسبة إليه، إلى حد ما، لغة ثانية. وتمارس أقوال الشخوص الروائية تأثيرها في خطاب الكاتب، فترصعه بكلمات غيرية، وتنضده تراتبيًا، وبذلك تدخل إليه التعدد اللغوي. غير أن ما ناحظه على باختين من خال حديثه عن شكل «أقوال الشخوص»، بصفتها عنصرًا من عناصر التعدد اللغوي، أنه يحصر هذا الشكل في صيغة الحوار المباشر بين الشخوص الروائية.

ثانيًا: الأجناس المتخللة

لما كانت الرواية جنسًا تعبيريًا مفتوحًا، فقد استقبلت داخل بنائها أشكال تعبيرية متباينة، سواء أكانت أدبية أم غير أدبية؛ حيث تستوعب في نسيجها أشعارًا وقصصًا ومقاطع كوميدية، وغير ذلك. إن هذه العملية لا تؤدي إلى انصهار تلك الأجناس داخل النسيج الروائي، بل تحرص على الاحتفاظ باستقالها؛ إذ تدرج لغاتها الخاصة ضمن الكيان الروائي، ومن ثم، تنوع لغته. إضافة إلى ذلك، فإن الرواية تتفاعل مع أنواع غير أدبية كالنصوص الفلسفية والعلمية والدينية؛ لهذا كثيرًا ما نجد أنها تتجاوز الحد الخاص بالآداب لتستحيل تارة إلى عظة أخاقية، وطورًا إلى مؤلف فلسفي، ويغلب عليها أحيانًا الطابع السياسي المكشوف7. وهكذا يظهر أن الرواية لا تتحدث بوساطة لغة واحدة، بل من خال لغات متعددة. يظهر تأثير تلك الأجناس المتخللة على أسلوب الرواية، في كونها تدخل إلى الرواية حاملة معها لغاتها الخاصة ووسائلها الأسلوبية المتميزة؛ الشيء الذي يوسع من النسيج الأسلوبي للرواية ويعمق تنوع وحوار لغاتها. من هذه الزاوية الحوارية، تكتسي لغات الأجناس خارج الأدبية داخل الرواية أهمية بالغة، إلى درجة أن إدخالها إلى النص الروائي يسترعي الانتباه ليس فقط في تاريخ الرواية، وإنما في تاريخ اللغة الأدبية بعامة. وعلى مستوى الدلالة، تعمد تلك الأجناس المتخللة إلى كسر نيات الكاتب والحد من سلطته، باستقطاب لغات جديدة إلى الرواية. إذ ينظر إلى هذه اللغات الجديدة، قبل كل شيء على أنها وجهات نظر حاملة مضامين فكرية، تسعف الرواية على تعديد منظوراتها ورؤاها للعالم. ومن وجهة نظر تاريخية، فإن الرواية نشأت في ملتقى الأجناس الأدبية، واعتمدت على آلية التفاعل واستعارة النصوص لتشكيل قالبها الفني، وهذه الخاصية ستازم الرواية طيلة مغامرتها الطويلة.

  1. المرجع نفسه، ص.73
  2. ميخائيل باختين، الملحمة والرواية، ترجمة جمال شحيد (بيروت: معهد الإنماء العربي، 1986)، ص.58

إن دور تلك الأجناس المتخللة كبير جدًا، إلى درجة أن الرواية يمكن أن تظهر كأنها مجردة من إمكاناتها في التشخيص الأدبي للواقع، وفي حاجة دائمًا إلى «مساعدة» تلك الأجناس، ما دامت الرواية على حد تعبير ميان كونديرا: «تملك ملكة استثنائية على الاستيعاب: ففي حين أن الشعر والفلسفة لا يقدران على استيعاب الرواية، تقدر الرواية على استيعاب الشعر والفلسفة دون أن تفقد شيئًا من هويتها التي تتميز على وجه الدقة بنزعتها نحو ضم كل الأنواع، وبقدرتها على هضم كل المعارف الفلسفية والعلمية»8. وتجدر الإشارة، إلى أن «تنوع اللغات ليس تنوعًا في الأصوات والعامات، ولكنه تنوع في الرؤى للعالم»9. وقد أفصح عن ذلك باختين حين اعتبر أن لغات التعدد اللساني هي بمنزلة وجهات نظر نوعية حول العالم، أي بوصفها خطابات أيديولوجية. غير أن حديثه عن الخطاب ظل مجردًا، بحيث لم يكشف عن كيفية تحققه على المستوى الدلالي والتركيبي. نستحضر في هذا السياق، محاولة بيير زيما؛ لكونها عملت على تجاوز هذه الثغرة. لقد استبدل الناقد مفهوم الملفوظ الذي استخدمه باختين بمفهوم لهجة الجماعة Sociolecte، والتي يراد بها لغة أيديولوجية تعبر على المستويات المعجمية والدلالية والتركيبية عن مصالح جماعة محددة، وهي تخضع للتطور تبعًا للصراعات القائمة بين الجماعات الاجتماعية. ذلك أن المجتمع يتكون من جماعات متناقضة، لكل جماعة لغتها الخاصة بها التي تعبر عن مصالحها؛ إذ تعمل على تشكيلها انطاقًا من عملية تصنيفية تحدد من خالها اختياراتها الدلالية، لهذا «يمكن وصفها على ثاثة مستويات مكملة لبعضها البعض، حيث إن لها بعدًا معجميًا وبعدًا دلاليًا وبعدًا تركيبيًا أو سرديًا. وبوصفها بنية سردية فإن لهجة الجماعة تتخذ شكل خطاب (تجسيد خطابي). وهي لديها بُعد لفظي حيث إنها تتكون من كلمات ذات دلالة تسمح بالتعرف على المستوى الإمبريقي على لهجة الجماعة الليبرالية، المسيحية، الماركسية أو الفاشية. وهكذا فإن كلمات مثل فرد، حرية، استقال أو مسؤولية تميز لهجة جماعة ليبرالية أو ليبرالية – جديدة»10، أي إن لكل جماعة لغتها الخاصة بها، التي تعبر من خالها عن رؤيتها الخاصة للعالم. إلى جانب ما سبق ذكره، نستطيع أن نشير إلى أن باختين قد حاول أن يتجاوز التحليات السوسيولوجية الكاسيكية عن طريق مامسة النص الروائي من خال مستواه اللغوي، حيث وقف عند مفهوم التعدد اللغوي باعتباره يمثل أحد المفاهيم الأساسية المشكلة للخطاب الروائي؛ الشيء الذي أدى به إلى اقتراحه مفهومًا ضروريًّا لإضاءة هذا الخطاب. معنى ذلك، أنه اتخذ من اللغة مدخل ضروريًا لقراءة الخطاب الروائي.

  1. ميان كونديرا، «فن الرواية»، ترجمة بدر الدين عرودكي، مجلة العرب والفكر العالمي، العدد 12 (1991)، ص.31
  2. Adam Schaff, Langage et connaissance , Collection Points Essais (Paris: Seuil, 1974(, p. 33.
  3. بيير زيما، النقد الاجتماعي: نحو علم اجتماع النص الأدبي، ترجمة عايدة لطفي، مراجعة أمينة رشيد وسيد البحراوي (القاهرة؛ باريس: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، 1991)، ص.192

ثالثًا: التشخيص الروائي للغة

تُعدّ الحوارية من أهم المفاهيم التي أدرجها ميخائيل باختين ضمن حقل النقد الروائي، بوصفها تمثل مفهومًا مركزيًا في الخطاب عامة، والخطاب الروائي خاصة. وقد استنبط هذا المفهوم من خال دراسته لأعمال دوستويفسكي Dostoievski حيث تتجسد العاقة الحوارية بين الأبطال؛ ذلك «أن الخطاب الذي يكونه البطل حول نفسه يتكون من الخطابات التي يكونها الآخرون حوله: إنه يتكلم ويفكر من خال الآخر. ومن هنا تتداخل أصوات متناقضة وأحكام ووجهات نظر متنوعة على فم واحد»11. من هنا يكون الخطاب ذاتيًا وجماعيًا في الوقت نفسه، فهو يتشكل داخل الحوار الذي يقام بين المتكلمين حول موضوع محدد يكون فيه هذا الأخير نقطة تقاطع بين المتكلم والمتلقي والسياق. فالخطاب من هذا المنظور «يولد داخل الحوار مثلما تولد إجابته الحيوية، ويتكون داخل فعل حواري متبادل مع كلمة الآخر بداخل الموضوع، فالخطاب يفهم موضوعه بفضل الحوار»12. الشيء الذي ينفي وجود خطاب خالص غير خاضع لتأثير الخطابات السابقة والاحقة، لأن الخطاب ينبثق من رحم الخطاب السابق، كما أنه يشكل أرضية يبني عليها الخطاب الاحق. ومن ثم يكون متضمنًا الردود على خطابات سابقة، ويستبق أجوبة لم تصدر بعد، فهو، إذ ا، حلقة ضمن سلسلة التواصل اللفظي. وبناء عليه، «إن الخطاب المكتوب إنما بشكل من الأشكال جزء لا يتجزأ من نقاش أيديولوجي يمتد على نطاق واسع جدًا: إنه يرد على شيء ما، ويفند، ويؤكد، ويستبق الأجوبة والاعتراضات المحتملة، ويبحث عن سند»13. وتبعًا لذلك ينتفي مفهوم الكاتب؛ لأن المبدع لا ينطلق من فراغ، بل يستند إلى الكتابات السابقة من أجل إنتاج كتابة جديدة. وهو الأمر الذي عملت جوليا كريستيفا على تطويره؛ حيث اعتبرت المبدع بمنزلة نص آخر، نظرًا إلى كون المخاطب الذي يتوجه إليه الكاتب هو الكاتب نفسه كقارئ لنص آخر. ومن ثم تصبح البنية الحوارية هي العاقة بين النصوص، عاقة بين النص السابق والنص الاحق؛ ما يفضي إلى إنتاج بنية تنطوي على ازدواج قيمي14. هكذا يظهر أن الخطاب ينشأ خال العاقة التفاعلية بين أفراد المجتمع. لئن كان يصدر عن شخص، فهو في الوقت ذاته يوجه إلى شخص آخر؛ أي إن الخطاب يتسم بطابعه التكويني المزدوج، لذا فإن كل متكلم هو في الآن ذاته مستمع والعكس صحيح. وتجب الإشارة في هذا الصدد إلى أن المخاطب لا يمثل ذلك الآخر الخارجي الذي يوجه إليه الخطاب فحسب، ولكنه يشكل جزءًا من مقتضيات الأسلوب، فهو يدرج ضمن تركيبته الداخلية؛ لأن المتكلم ينسج خطابه استنادًا إلى الخلفية الإدراكية

  1. جيرار جينيت [وآخرون]، نظرية السرد: من وجهة النظر إلى التبئير، ترجمة ناجي مصطفى (الدار البيضاء: منشورات الحوار الأكاديمي والجامعي، 1989)، ص.111
  2. باختين، الخطاب الروائي، ص.46
  3. ميخائيل باختين، الماركسية وفلسفة اللغة، ترجمة محمد البكري ويمنى العيد (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1986)، ص.36
  4. Julia Kristeva, Sèméiotikè: Recherches pour une sémanalyse , Collection Tel Quel (Paris: Le Seuil, 1969), p. 170.

لمخاطبه، حيث يعمل على إدراج الطريقة التي ينبغي أن يفهم بها المتلقي ضمن الصياغة الداخلية للخطاب، لذا يشيد هذا الأخير فوق أرض أجنبية، ومن خال الخلفية الإدراكية لمحاوره15. وبناء عليه، يشير باختين إلى أن الخطاب ينشأ في منطقة الحدود بين المتكلم والمخاطب، أي إن بنية الخطاب هي ذات طبيعة تكوينية تتوفر على ازدواج قيمي. ومن ثم، فإن المخاطب يدرج ضمن البنية التركيبية للخطاب، ذلك أن «الاختيار البسيط لنعت أو استعارة هو فعل تثميني موجه في اتجاهين: نحو المستمع ونحو البطل. فالمستمع والبطل يساهمان باستمرار في ظاهرة الخلق التي لا تتوقف لحظة عن أن تصبح ظاهرة للحوار الحي بينهما»16. كل هذا يؤكد ضرورة استحضار المتلقي أثناء عملية تشكيل الخطاب. إن الحوارية، إذ ا، خاصية تميز جميع الخطابات، غير أنها تتجلى بوضوح في الشكل الروائي، وفي هذا الإطار تعلن كريستيفا أن «الرواية هي النوع الوحيد الذي يتوفر على كلمات ذات ازدواج قيمي، وتلك تعد الخاصية المميزة لبنيتها»17. غير أن هذا القول لا يعني نفي الحوارية عن الخطاب الشعري، وإنما يمكن الاعتماد على تعدد الأصوات في الشعر، ولكنه لا يمتلك القدرة على التشخيص كما هو الأمر في الجنس الروائي الذي يمنح الأصوات فرصة التعبير المستقل. معنى ذلك أن البناء التركيبي للخطاب الروائي يفسح مجالً لتحقق الحوارية على نحو قوي قياسًا على ما يمكن أن يحدث في الخطاب الشعري. ولما كان الخطاب الروائي هو الخطاب المفضل عند باختين، فقد خصص جزءًا كبيرًا من أبحاثه لدراسة بنائه الداخلي؛ حيث انتهى إلى القول إن بعض عناصر النسيج الروائي ترتبط بصلة قربى بخطابات قديمة كان لها الفضل في إرساء الأسس الأولى لتشكل الجنس الروائي، ما يبرز وجود عاقة حوارية بين الخطاب الروائي والخطابات السابقة. والجدير بالإشارة هنا، أن الرؤية الباختينية الحوارية قد وجدت امتداداتها وتطورها، من خال وجهة نظر جوليا كريستيفا التي تشير إلى أن كل نص هو بمنزلة تحويل وامتصاص لنصوص أخرى بحيث يقع تفاعل بين النصوص عوض الذوات، ومن ثم تقترح مفهوم التناص بدل من مفهوم التذاوت، إذ تقول: «كل نص يبنى مثل فسيفساء من الاستشهادات، فكل نص هو عبارة عن امتصاص وتحويل نص آخر. لذا يوضع مفهوم التناص L’intertextualité بدل مفهوم التذاوت intersubjectivité ’ L. وتقرأ اللغة الشعرية على الأقل بكيفية مزدوجة»18.

  1. باختين، الخطاب الروائي، ص.48
  2. Tzvetan Todorov, Mikhaïl Bakhtine: Le principe dialogique, Suivi de: Ecrits du Cercle de Bakhtine (Paris: Le Seuil, 1981), p. 201.
  3. Kristeva, Sèméiotikè: Recherches pour une sémanalyse, p. 155.
  4. Ibid., p. 146.

إن النص الأدبي يتشكل عبر تفاعل نصوص متعددة، غير أن هذا التفاعل لا يغفل التعالقات الاجتماعية والتاريخية، لذا تحدثت كريستيفا عما يسمى الأيديولوجيم Ideologéme19. وهو «يمثل هذه الوظيفة التناصية التي يمكن أن نقرأها مجسدة في مستويات مختلفة لبنية كل نص، والتي فيه مانحة إياه ترابطاته التاريخية والاجتماعية [...] إن قبول النص باعتباره أيديولوجيما يحدد المنهج ذاته السيميولوجية تدرس النص بوصفه تناصًا، وتنظر إليه في نصوص المجتمع والتاريخ»20. وقارئ هذا النص لن يجد صعوبة في اكتشاف تأثر كريستيفا بالتصور الباختيني، فهي تنظر إلى النص الأدبي باعتباره نقطة تقاطع خطابات متعددة أو مجال التقاء نصوص مختلفة، بحسب تعبيرها، إذ يعمل النص الأدبي على امتصاص نصوص سابقة أو معاصرة وكذا نصوص خارج أدبية. وتبعًا لذلك، فهي ترى أنه يجب ألّ يتم الاقتصار على البحث داخل بنية العمل الأدبي فحسب، بل يجب الكشف عن كيفية «تبنينه»؟ من خال عاقته التناصية مع نصوص أخرى. ذلك أن النص الأدبي يتحدد – انطاقًا من وجهة نظر الناقدة – من خال محورين: «محور أفقي (الذات – المتلقي) ومحور عمودي (النص – السياق»)21. ويلتقي هذان المحوران من أجل كشف حدث رئيس يتمثل في كون الكلمة (النص) هي مجال لتقاطع كلمات أخرى (نصوص أخرى) حيث نقرأ على الأقل كلمة أخرى (نصًا»)22. أي إنه داخل الكلمة تلتقي قيم متعددة، ومن ثمّ خطابات متباينة؛ إذ نجد خطاب المتكلم وخطاب المتلقي، وكذا السياق كلها عناصر تتداخل فيما بينها في إطار عاقة حوارية. ولئن كان باختين يرى أن النص الأدبي هو امتصاص لنصوص أخرى، فإنه لا يعتبره مجرد إعادة إنتاج لشيء يسبقه في الوجود، بل يفصح عن قيمة جديدة ومتفردة. ذلك أن الخطاب من وجهة نظره لا يعد انعكاسًا بسيطًا يعيد إنتاج ما هو موجود سابقًا، وإنما هو قيمة مضافة، وإن كان ينهض في سيرورة تشكله على أشياء معطاة: (اللغة، والظاهرة الماحظة في الواقع، والإحساس المعيش، والشخص المتكلم ذاته الذي ينتمي في رؤيته للواقع)، إن المعطى يتحول إلى مبدع23، فالعناصر الخارج نصية عندما تدخل إلى النص الأدبي تكتسب معنى مغايرًا. وبخصوص العاقة الحوارية بين خطاب وآخر، يعلن باختين أنها تصنف في اتجاهين مختلفين: أحدهما يعمل على المحافظة على حدود واضحة بين الخطابين، وينطبق ذلك على الخطاب السلطوي الذي يفرض نفسه على المتكلم، ويلزمه به كما هو، من دون تضمينه داخل سياق معين. ويندر استعمال مثل هذا النموذج في الخطاب الروائي. وثانيهما يسعى إلى إذابة الحدود الفاصلة بين الخطاب المشخَص والخطاب المشخِص؛ ما يفضي إلى تشكيل صورة للغة، ذلك أن الخطاب

  1. الأيديولوجيم: يحيل على العاقات الداخلية التي تربط النص الأدبي بنصوص أدبية أخرى، وبالحقل الثقافي والاجتماعي.
  2. Julia Kristeva, Le Texte du Roman: Approche sémiologique d’une structure discursive transformationnelle , Series Approaches to Semiotics [AS] 6 (Paris: De Gruyter Mouton, 1970), p. 12.
  3. Kristeva, Sèméiotikè: Recherches pour une sémanalyse , p. 145.
  4. Ibid., p. 145.
  5. Mikhaïl Bakhtine, Esthétique de la création verbale , Alfreda Aucouturier (trad.), Préface de Tzvetan Todorov, Collection Bibliothèque des Idées (Paris: Gallimard, 1984), p. 329.

المروي يمتزج مع السياق السردي إلى درجة يصعب خالها فصل أحدهما عن الآخر. إن هذه الصياغة الحوارية الداخلية تؤدي إلى تشكيل صورة للغة، لأنه في غياب الحوار الداخلي لا يتم الحصول على هذه الصورة. لذا «يجب أن تكون صورة اللغة في الفن الأدبي من حيث جوهرها، هجينًا لسانيًا (قصديًا)، ويحتم أن يوجد إلزاميًا وعيان لسانيان: الوعي المشخص، والوعي الذي يشخص، وهما معًا ينتميان إلى نسق لغة مختلف. ذلك لو لم يكن هناك ذلك الوعي الثاني المشخص، تلك الإرادة الثانية للتشخيص، لشهدنا لا صورة للغة، بل مجرد عينة من لغة الآخرين، صادقة، أو مزيفة»24. إن التشخيص الأدبي للغة يشير إلى أن الخطاب الأدبي هو خطاب على خطاب، وعملية التنضيد هذه تتم عبر تشخيص يجمع بين الخطاب المشخَص والخطاب المشخِص ضمن سياق سردي. وتجب الإشارة إلى أن تضمين خطاب الآخر داخل سياق معين يؤدي إلى تغيير مدلوله؛ لأن «كام خطاب الآخر داخل سياق ما، مهما بلغ نقله من الدقة، فإنه يتعرض دائمًا لبعض التعديات في المعنى، فالسياق الذي يشمل كام الآخر، يوجد خلفية حوارية يمكن لتأثيرها أن يكون على درجة كبيرة من الأهمية»25. تأخذ هذه العاقة الحوارية بين الخطابات ثاثة تمظهرات داخل الخطاب الروائي، وهي كالآتي: • التهجين. • تعالق اللغات القائم على الحوار. • الحوارات الخالصة. من خال ما سبق، سنقف عند كل مفهوم على حدة، لنرى أشكال تجلياته وطرائق اشتغاله، ونكتشف أبعاده السوسيولوجية.

1. التهجين

يترابط في هذا النوع الخطاب المشخَص مع الخطاب المشخِص داخل ملفوظ واحد، حيث ينشأ حوار داخلي بين صوتين لسانيين. إن التهجين L’hybridation يعود إلى صاحب ملفوظ واحد، وذلك تبعًا لعناصره التركيبية، لكنه في الوقت نفسه يشهد تفاعلً بين ملفوظين وأسلوبين ولغتين، أي إنه يمثل منظورين دلاليين واجتماعيين26. معنى ذلك، أنه يجري تجاور بين وعيين اجتماعيين مفصولين بحقبة زمنية أو بفاصل اجتماعي، وهو تجاور يرمز إلى الطابع النسبي الذي يتسم به كل وعي. ويجب تمييز الهجنة الأدبية من الهجنة التاريخية؛ لأن الأولى تكون قصدية، ويتجاور داخلها وعيان لسانيان حيث ينسجان عاقة

  1. باختين، الخطاب الروائي، ص.108
  2. المرجع نفسه، ص.95
  3. المرجع نفسه، ص.66

حوارية تشكل صورة للغة، خافًا للهجنة التاريخية التي تتصف بانصهار أشكال الوعي داخلها، ذلك «أنه في هجنة تاريخية عضوية لا تمتزج فقط لغتان، وإنما وجهتا نظر اجتماعيتان – لسانيتان (وأيضًا عضويتان)، غير أنه هنا، يكون مزيجًا سميك ا ومعتمًا، وليس تجاورًا وتعارضًا واعيين، ومع ذلك، من الضروري التدقيق بأن هذا المزيج السميك، المعتم، لوجهات النظر اللسانية حول العالم هو منتج بعمق، تاريخيًا داخل الهجنات العضوية: أنه ينطوي على رؤيات جديدة للعالم، وعلى أشكال داخلية جديدة لوعي لفظي للعالم»27. وإذا كان التهجين لا يخلو من طابع أدبي وفني مقصود، فإن الروائي «وهو يلجأ إلى التهجين قصد تنويع أسلوبه الروائي، توجهه مقصدية فكرية وجمالية، وبذلك يكون التهجين عامة ملغية لبراءة مزعومة تربط الروائي باللغة»28. إن التهجين، إذًا، هو مزج بين لغتين اجتماعيتين داخل ملفوظ واحد، والتقاء وعيين لغويين مفصولين، داخل ساحة ذلك الملفوظ، ويلزم أن يكون التهجين قصديًا.

2. تعالق اللغات القائم على الحوار

يلتقي هذا الشكل المجسد للحوار الداخلي بين اللغات مع التهجين، من حيث صياغتهما الحوارية تلك التي تجري داخلها إضاءة لغة من جانب لغة أخرى. غير أنه في تعالق اللغات القائم على الحوار تقدم إحدى اللغات من خال وعي الأخرى؛ لأنهما لا يجتمعان في ملفوظ واحد. إن النموذج الأكثر تمثيلً لهذا الشكل يتجلى في الأسلبة stylisation La؛ إذ يعمل المؤسلب على إضاءة اللغة موضوع الأسلبة من دون القيام بوضعها إلى جانب لغته الخاصة، فهو «لا يتحدث عن موضوعه إلا من خال تلك اللغة التي سيؤسلبها والتي هي أجنبية بالنسبة إليه، لكن هذه اللغة الأخيرة هي نفسها مقدمة على ضوء الوعي اللساني المعاصر للمؤسلب»29. ويشترط باختين في الأسلبة أن يوجد «إلزاميًا، وعيان لسانيان مفردان: وعي من يشخص (الوعي اللساني للمؤسلب) ووعي من هو موضوع للتشخيص والأسلبة»30. هكذا، يظهر أن المؤلف يستعمل خطاب الآخر ويوجهه لتحقيق مقصده، أي إن العاقة الحوارية بين الخطابين تتسم بطابع انفعالي؛ لأن المؤلف يجرد الكلمة الغيرية من دلالتها ويضمنها موقفه الإدراكي، فيرغمها بذلك على خدمة أهدافه الجديدة31. ويختلف هنا تقليد الأساليب عن المحاكاة من حيث

  1. المرجع نفسه، ص.109
  2. محمد بوعزة، «التعدد اللغوي: أشكاله وصيغه»، مجلة البيان، العدد 318 (كانون الثاني/ يناير 1997)، ص.8
  3. باختين، الخطاب الروائي، ص.110
  4. المرجع نفسه، ص.110
  5. ميخائيل باختين، شعرية دوستويفسكي، ترجمة جميل نصيف التكريتي، مراجعة حياة شرارة (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر؛ بغداد: دار الشؤون الثقافية العامّة، 1986)، ص.288

أن هذه الأخيرة تقوم بعملية انصهار كلي بين الأصوات، وتنزع إلى الاقتران بالكلمة الغيرية كأنها شيء واحد. ويشير باختين إلى أن المؤسلب يستطيع أن يدرج لغته المعاصرة في عملية الأسلبة، غير أن الأمر في هذه الحالة لن يتعلق بالأسلبة، وإنما بشكل آخر من الإضاءة المتبادلة بين اللغات، وهو ما يسميه بالتنويع، حيث «تصبح اللغة حقيقية وفعلية في التلفظ فقط، ولكنها تقدم بتسليط ضوء لغة أخرى عليها. وهذه اللغة الأخرى غير مدركة وتبقى خارج التلفظ»32. أي إن مادة اللغة الأجنبية، لغة تراثية مثلً، حاضرة في الملفوظ من زاوية اللغة المعاصرة، سواء فيما يتعلق بمادتها اللغوية أو حمولتها الفكرية. ولكي نقف على هذا الفرق الجوهري الدقيق بين الأسلبة المباشرة والتنويع، نأخذ هذين المثالين: • الأسلبة: لغة تراثية مقدمة في ضوء لغة عصرية، لكن الطابع الغالب على الملفوظ هو لغة التراث من حيث معجمها وحمولتها الفكرية، بينما تظل اللغة المعاصرة تعمل في الخفاء بشكل مضمر. إلا أننا نستشف تأثيراتها من السياق، ونلتقط بذلك الانتقادات الساخرة المضمنة في الملفوظ. • التنويع: لغة تراثية مقدمة في ضوء لغة عصرية، لكن الطابع الغالب على الملفوظ هو اللغة المعاصرة من حيث مادتها اللغوية وحمولتها الفكرية. إذ يتم انتقاد لغة التراث، بلغة معاصرة مجسدة وحاضرة في الملفوظ. «إن التنويع يدخل بحرية مادة للغة ‘الأجنبية’ في التيمات المعاصرة ويجمع العالم المؤسلب بعالم الوعي المعاصر، ويضع موضع الاختبار اللغة المؤسلبة وذلك بإدراجها ضمن مواقف جديدة ومحالة بالنسبة لها»33. ويتحدث باختين عن شكل ثالث من أشكال الإضاءة المتبادلة بين اللغات ذات الصيغة الحوارية الداخلية، وهو الباروديا parodie La، ففيها «نجد المؤلف شأنه في تقليد الأساليب، يتحدث بوساطة كلمة الآخرين، ولكنه بعكس ما يفعله في تقليد الأساليب يدخل في هذه الكلمة اتجاهًا دلاليًا يتعارض تمامًا مع النزعة الغيرية. إن الصوت الثاني الذي استقر في الكلمة الغيرية يتصادم بضراوة مع سيد الدار الأصلي ويجبره على خدمة أهداف تتعارض مع الأهداف الأصلية تمامًا، الكلمة تتحول إلى ساحة لصراع صوتين اثنين»34. بعبارة أخرى إن «نوايا اللغة المشخصة لا تتوافق مطلقًا مع نوايا اللغة المشخصة»، أي تعمل اللغة الأولى على مقاومتها وفضحها وتحطيمها، بيد أنه ليس تحطيمًا سطحيًا أو بسيط ا، ما دام «عليها أن

  1. تزفيتان تودوروف، ميخائيل باختين: المبدأ الحواري، ترجمة فخري صالح، ط 2 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر؛ عمان: دار الفارس للنشر والتوزيع، 1996) ص.130
  2. باختين، الخطاب الروائي، ص 34،.111
  3. باختين، شعرية دوستويفسكي، ص.282

تعيد خلق لغة بارودية وكأنها كل جوهري مالك لمنطقه الداخلي وكاشف لعالم فريد مرتبط ارتباطًا وثيقًا باللغة التي بوشرت عليها»35.

3. الحوارات الخالصة

إن الحوار «من خال صفائه وبساطته هو الشكل التقليدي للتبادل اللفظي»36. وهذا النوع من الحوارية يتسم بالفاعلية لكونه يظل خارج خطاب المؤلف، فهو لا يدمجه في إطار سياق الخاص كما هو شأن التهجين والأسلبة، بل يمكث خارج سياق المؤلف، ما يفسح له مجال الفعل والتأثير. من منطلق السرديات، فالحوار الخالص يوازي الحوار «الذي يتخلل سيرورة الحكي، سواء أكان في شكل حوارات مباشرة بين الشخوص الروائية، أم مونولوج ذاتي»37. وتبدو أهمية هذه الحوارات الخالصة purs dialogues Les عند باختين كون حواريتها مندمجة في الحوارية العامة للرواية. وعلى غرار الشكلين السابقين، فإن الحوارات الخالصة لا تخلو من دلالات اجتماعية أبرزها: • الصراع الفكري بين عدة قوى. • تفاعل أنماط وعي مختلفة خارجيًا وداخليًا. • تفاعل فكري يعكس اختاف الرؤى تجاه الحياة. فالحوارات الخالصة، تفرز تفاعل اجتماعيًا بين قوى يختلف ملفوظها الروائي، خاصة أن هذا الصنف الحواري «هو أيضًا تعبير عن تصارع أنماط الوعي، والرؤى للعالم»38. فيغدو الحوار الخالص فضاء حواريًا، تتحول فيه اللغة إلى أداة للتواصل الاجتماعي والإنتاج الفكري؛ على أساس «أنها الخزان الأيديولوجي الأصيل والأداة التعبيرية الكاشفة التي تبرز إلى مستوى الظاهر ما كان مستترًا في أعماق النفس أو العالم من حول الإنسان»39. تلك هي أهم الأفكار التي تناولها باختين في حديثه عن مفهوم الحوارية، وهي الأفكار نفسها التي اعتمدت عليها كريستيفا في أبحاثها تحت اسم «التناص.»

رابعًا: تنضيد اللغة

من وجهة نظر تصنيفية، يقول باختين: «إلى جانب التنضيد للغة إلى أجناس، ينضاف تنضيد آخر يختلط بالأول تارة ليتطابق معه، وطورًا يبتعد عنه، وهو التنضيد المهني للغة»40. يتضح أن التعدد في اللغة داخل النص الروائي، يتخذ شكلين عبر مستويين من التنضيد:

  1. باختين، الخطاب الروائي، ص.111
  2. Bakhtine, Esthétique de la Création Verbale , p. 278.
  3. بوعزة، التعدد اللغوي، ص.10
  4. حميد لحميداني، أسلوبية الرواية: مدخل نظري (الدار البيضاء: منشورات دراسات سال، 1989)، ص.91
  5. عبد السام أقلمون، النص الروائي والتراث السردي (الدار البيضاء: الأحمدية للنشر، 2000)، ص.30
  6. باختين، الخطاب الروائي، ص.52

• الأول أجناسي؛ يضم جملة من الأجناس التعبيرية المتنوعة، «سواء كانت أدبية (قصص، أشعار، قصائد، مقاطع كوميدية) أو خارج أدبية (دراسات عن السلوك، نصوص باغية وعلمية، ودينية »)...41. ومن الواضح أن هذه الأجناس بدخولها إلى الرواية، تفقد صفة كونها أنواعًا أدبية مغلقة، إنها تخضع لمحاكاة ساخرة، وتكف عن أن تكون ما كانت عليه قبل أن تدخل إلى الرواية. غير أن هذه الأجناس من جانب آخر أساسي، تحافظ عند دخولها إلى الرواية على مرونتها الدلالية ونسقها الأسلوبي، كما أنها تؤثر أسلوبيًا في لغة الرواية. فالأمر، إذًا، لا يتعلق بلغة، وإنما بحوار لغات. • والثاني مهني، تمثله «بالمعنى الواسع: لغة المحامي، والطبيب، والتاجر، والسياسي، والمعلم »...42، ويمكن أن نوسع هذا المفهوم، ونقول إن التنضيد المهني للغة، يشمل كل أشكال التقاط اللغات واللهجات والرطانات التي تتفاعل في رحم المجتمع وتتناسل مولدة صورًا للغات.

خلاصة

هكذا نكون قد عرضنا أهم الأشكال التي تنظم التعدد اللغوي داخل الرواية وهي: • أقوال الشخوص. • الأجناس المتخللة. • صورة اللغة وتشمل التهجين وتعالق اللغات حواريًا، والحوارات الخالصة. • تنضيد اللغة. وتتميز هذه الأشكال بتنوعها ومرونتها، من هنا «لا تظهر فعالية التعدد اللغوي وإجرائيته في لغة الرواية، إلا إذا صيغ بطريقة حوارية، أي بواسطة نقل ملفوظات الآخرين، وإعادة إنتاج اللغات السائدة في المجتمع»43. لذلك ينبني التعدد اللغوي على اختاف في المواقف الأيديولوجية، وتعدد الرؤى للعالم، وتنوع الدلالات الاجتماعية. بعبارة أخرى، إن التعدد اللغوي حينما ينتقل إلى الرواية يكسبها بعدًا حواريًا لا يخلو من دلالات اجتماعية؛ لأنه يحررها من السرد الأحادي، فتتنوع زوايا النظر، وتختلف، وتتعدد أشكال الحقيقة. يقدم لنا باختين تصورًا منسجمًا ومتكاملً لظاهرة التعدد اللغوي والحوارية، لكن بعض المفاهيم والتصورات يحتاج إلى مزيد من النقاش والتساؤل.

  1. المرجع نفسه، ص.78
  2. المرجع نفسه، ص.52
  3. محمد بوعزة، «الحوارية الروائية»، مجلة البيان، العدد 304 (تشرين الثاني/ نوفمبر 1995)، ص.6

References

المراجع

العربية

أقلمون، عبد السام. النص الروائي والتراث السردي. الدار البيضاء: الأحمدية للنشر،.2000

باختين، ميخائيل. الماركسية وفلسفة اللغة. ترجمة محمد البكري ويمنى العيد. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.1986

._______ الملحمة والرواية. ترجمة جمال شحيد. بيروت: معهد الإنماء العربي،.1986

._______ شعرية دوستويفسكي. ترجمة جميل نصيف التكريتي. مراجعة حياة شرارة. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر؛ بغداد: دار الشؤون الثقافية العامّة،.1986

._______ الخطاب الروائي. ترجمة محمد برادة. الرباط: دار الأمان،.1987

بوعزة، محمد. «الحوارية الروائية.» مجلة البيان. العدد 304 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)1995

_______. «التعدد اللغوي: أشكاله وصيغه.» مجلة البيان. العدد 318 (كانون الثاني/ يناير.)1997 تودوروف، تزفيتان. ميخائيل باختين: المبدأ الحواري. ترجمة فخري صالح. ط 2. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر؛ عمان: دار الفارس للنشر والتوزيع،.1996

جينيت، جيرار [وآخرون.] نظرية السرد: من وجهة النظر إلى التبئير. ترجمة ناجي مصطفى. الدار البيضاء: منشورات الحوار الأكاديمي والجامعي،.1989

زيما، بيير. النقد الاجتماعي: نحو علم اجتماع النص الأدبي. ترجمة عايدة لطفي. مراجعة أمينة رشيد وسيد البحراوي. القاهرة؛ باريس: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع،.1991

كونديرا، ميان. «فن الرواية». ترجمة بدر الدين عرودكي. مجلة العرب والفكر العالمي. العدد 12 لحميداني، حميد. أسلوبية الرواية: مدخل نظري. الدار البيضاء: منشورات دراسات سال،.1989

الأجنبية

Bakhtine, Mikhaïl (N. V. Volochinov). Le Marxisme et la philosophie du langage:

Essai d’application de la méthode sociologique en linguistique. Traduit du russe et

présenté par Marina Yaguello. Préface de Roman Jakobson. Collection Le Sens

commun. Paris: Éditions de Minuit, 1977.

________. Esthétique de la création verbale. Alfreda Aucouturier (trad.). Préface

de Tzvetan Todorov. Collection Bibliothèque des Idées. Paris: Gallimard, 1984.

Kristeva, Julia. Sèméiotikè: Recherches pour une sémanalyse. Collection Tel Quel.

Paris: Le Seuil, 1969.

________. Le Texte du Roman: Approche sémiologique d’une structure discursive

transformationnelle. Series Approaches to Semiotics [AS] 6. Paris: De Gruyter Mouton,

Schaff, Adam. Langage et connaissance. Collection Points Essais. Paris: Le Seuil,

Todorov, Tzvetan. Mikhaïl Bakhtine: Le principe dialogique, Suivi de: Ecrits du Cercle

de Bakhtine. Paris: Le Seuil, 1981.