Return to Article Details Marx’s Concept of Freedom

مفهوم ماركس للحرية

Marx’s Concept of Freedom

وسيم أبو فاشة *

Wasim Abu Fasha *

((4(

الملخّص

تسعى هذه الدراسة إلى تحديد مفهوم ماركس عن الحرية، بعلاقته بمفاهيم رئيسة أخرى في فلسفته. يمكن الادعاء أن ماركس، على الرغم من أنه لم يكد يتناول مفهوم الحرية صراحة وعلى نحو مباشر، فإنه لم يغفل المفهوم، بل له أهمية خاصة في أعماله جميعًا. لكن طبيعة فلسفة ماركس التي يمكن وصفها بالمتعالقة، أي إنها مترابطة المفاهيم، تجعل من الممكن تحري المفهوم واصطياده في مواضع عدة من أعماله؛ الأمر الذي يتجلى في علاقة مفهوم الحرية لديه بالطبيعة الإنسانية، وجوهر الأشياء، والاغتراب.

Abstract

Abstract: This article seeks to explore Karl Marx conceptualizing of freedom, in relation to his overall philosophy. Although Marx did not address the concept of freedom explicitly and directly, yet, he did not overlook it; on the contrary, it has special significance within all his works. The interrelated materialist nature of Marx philosophy makes it possible to investigate and capture the concept within many of his works, and in its relation to other fundamental concepts in his philosophy such as species–essence, human nature, and alienation.

الكلمات المفتاحية:
  • الحرية
  • الطبيعة الإنسانية
  • جوهر الأشياء
  • الاغتراب
  • الليبرالية
Keywords:
  • freedom
  • Human Nature
  • Species-Being
  • Alienation
  • Liberalism

وسيم أبو فاشة Wasim Abu Fasha * ((4(

طبيعة فلسفة ماركس التي يمكن وصفها بالمتعالقة، أي إنها مترابطة المفاهيم، تجعل من الممكن تحري المفهوم واصطياده في مواضع عدة من أعماله؛ الأمر الذي يتجلى في عاقة مفهوم الحرية لديه بالطبيعة الإنسانية، وجوهر الأشياء، والاغتراب.

مقدمة

يمثّل عما ماركس؛ مخطوطات 1844 الفلسفية – الاقتصادية، الغروندريسة: أسس نقد و الاقتصاد السياسي (1858)، حقلي التنقيب الرئيسين عن مفهومه للحرية في هذه الدراسة، وذلك من دون إغفال بعض أعماله الأخرى، ك الإيديولوجية الألمانية، الذي لا يخلو، هو الآخر، من

تحديدٍ لطبيعة الإنسان والحرية. ولعل التنقيب هنا يأخذ بعدين: الأول التعالق بين مفهوم الحرية من جهة، ومفاهيم أخرى ضمن قاموس ماركس الفلسفي من جهة أخرى. والثاني أن جزءًا جليل من مفهمة Conceptualization ماركس للحرية، يمر عبر تجسّد المفهوم في الممارسة التاريخية. ولتقصّي مفهوم ماركس حول الحرية، من الضرورة بمكان، أن يُؤطر مفهوم الحرية بداية، ضمن تقاليد

نشأته وتطوره الليبرالي، وخصوصًا كما قدّمه هوبز ولوك وآدم سميث، خاصة أنَّ جزءًا مهمًا من

الحمولة الدلالية التي يتضمنها مفهوم الحرية نابع من تلك الجذور الفلسفية. وبهذا تتم مَفصَلة مفهوم ماركس حول الحرية، على نحو يختلف، كليًا، عن تلك التقاليد. وفق ذلك، يمكن تحريك مفهوم ماركس حول الحرية وجعله معاصرًا، أي برؤية الحرية بوصفها جزءًا

جوهريًّا من النشاط البشري، بل يتضمن الإبداع، ضمن العاقات الاجتماعية المتعينة تاريخيًا. وإن

اعتبرنا أن في ذلك تأويلً يتعسف على ماركس، أو يحمله ما لا يريد، فمن الممكن المحاججة هنا، بأن استمرار الرأسمالية، بل تغولها، أدى، بالضرورة، إلى استاب الحرية. ومن هنا، يمكن ماركس،

المعاصر، أن يمث ل إحدى الأدوات النقدية الرئيسة التي يمكن الاستفادة من مفاعيلها، لفهم العاقاتِ التفاعلية الإنسانية، جنبًا إلى جنب، بعاقة الإنسان بالعالم، وهما اللذان يمثِّان معًا مبتدأ تحقيق

الحرية وغايتها في الوقت ذاته، من دون إغفال أن معاصرة ماركس لنا عملية تأخذ في الحسبان البعد التاريخي، الذي يمثِّل أي تجاوز له تجريدًا نظريًا، قد تكون قيمته العملية في حدودها الدنيا.

أولا: العودة إلى الجذور الليبرالية للحرية

لم يَرُق لماركس المفهوم الليبرالي للحرية، ولذا وضعه والمفاهيم الليبرالية جميعًا على طاولة التشريح

النقدي. وعليه، من الضروري إلقاء نظرة موجزة على المفهوم الليبرالي للحرية، كما نشأ وتطور من خال هوبز ولوك وآدم سميث. فقد قدّم هوبز ولوك مقاربتين مختلفتين للعقد الاجتماعي، لكنهما تتقاطعان عند نقطة البدء ذاتها، أي الفرد. هنا، ينطلق نقد ماركس من أن مفهوم الفرد في التقاليد الليبرالية لا يعدو كونه تجريدًا نظريًا منفصلً عن واقع النشاط الإنساني. ولعل ماركس هنا، لم يركز على نزع تاريخية الحالة الطبيعية برمتها، بمقدار ما وجّه نقده إلى المفهوم المجرد للإنسان، أي ذلك

المفهوم الذي يقدم الإنسان/ الفرد، بمعزل عن مجتمعه ونشاطه داخل هذا المجتمع.

(((حورية توفيق مجاهد، الفكر السياسي من أفلاطون إلى محمد عبده، ط 6 (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 2013)، ص 363،

ولا يتوقف ماركس في نقده النظريات الليبرالية عند هذا الحد، فهو يرى أن مجال آخر من افتراضات العقد الاجتماعي يمثِّل أرضية خصبة للنقد، وهي تركيزها على تفسير دخول الفرد في العاقات الاجتماعية وتبريرها، وشروط تشكيل المجتمع تعاقديًا. مثل هذه التفسيرات تبدو لماركس متداعية؛ فالإنسان/ الفرد كان دائمًا اجتماعيًّا، وحتى فرديته لا يمكن أن تكون إلا على أساس اجتماعي. هذا

من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الوعي يوجد ويتشكل عبر التفاعل مع الآخرين فقط. ووفقًا لذلك، فإن بنيان الحرية الذي تقدّمه نظريات العقد الاجتماعي قائم على أسس فرديته؛ الأمر الذي يدخل الفرد في تنافس وصراع مع الآخرين. استخدم الآباء المؤسسون لليبرالية، كلمة رجل Man للإشارة إلى الإنسان. وهنا، تم الحديث عن الرجل/ الإنسان عمومًا، لتأسيس مفهوم الحرية والحقوق ضمن صيغة العقد الاجتماعي. وضمن هذا التجريد، تم افتراض نوع من الحرية اللصيقة بوجود الإنسان المجرد، يمكن تسميتها بالحرية الأصانية إن جاز التعبير، والتي ما هي إلا حرية فردانية، ينبغي التخلي عنها، بصيغة هوبز، أو عن جزء منها، بصيغة لوك، للدخول في العقد الاجتماعي. وإلى جانب تجريد فكرة الإنسان، يمكننا استخراج بعض المعاني الدالة على الاغتراب لدى مفكري العقد الاجتماعي. نستطيع تعقب ذلك، بدءًا من حديث هوبز عن الحق الطبيعي بأنه حرية الفرد في استخدام قدراته للحفاظ على الذات، أو في اختيار ما يعتبره وسيلة لذلك؛ بمعنى أن الحرية المطلقة أو الحرية الطبيعية لا قيود عليها، وبناءً عليه، فإن للفرد حكمه الخاص على ما يعتبره خيره وفي مصلحته. وبعد نشوء العقد الاجتماعي، أي مغادرة الفرد حالة الطبيعة، تكفّ الحرية عن أن تكون غياب القيود عن حق الفرد في فعل ما يريد، إذ يدخل القانون على الخط، ليصبح في منزلة القيد المعترف به من الفرد، أي مقايضة الحق الطبيعي بالقانون المدني، وما يترتب على ذلك من إخضاع

(2) Karl Marx, Grundrisse: Foundations of The Critique of Political Economy , Martin Nicolaus (trans.) (New York: Penguin Books, 1993), p. 84. (3) Karl Marx, «The German Ideology,» in: Robert C. Tucker (ed.), The Marx–Engels Reader (New York: W.W. Norton & Company, 1978), p. 158.

(((من القضايا الإشكالية في هذا السياق، المصطلحات المستخدمة في كتابات ماركس مثله مثل آخرين من مجايليه أو الذين سبقوه، أي استخدامهم كلمة (رجلMan=)، إذ يمكن فهم الكلمة على مستوى من العمومية، أي باعتباره إشارة إلى الجنس البشري، أو الوجود البشري، أو على مستوى خاص، أي الإنسان/ الفرد. (((يعتمد استخراجنا للبدايات الجنينية لمفهوم الاغتراب هنا على التفسير المادي الذي اعتمده ماركس، بتوظيفه للديالكتيك بطريقة تختلف عن تلك التي استخدمها فويرباخ. للوقوف على الفرق بين الاغتراب في صيغتيه لدى فويرباخ وماركس، انظر: غنار

سكيربك ونلز غيلجي، تاريخ الفكر الغربي من اليونان القديمة إلى القرن العشرين، ترجمة حيدر حاج عيسى (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2001)، ص.673–672 (((توماس هوبز، اللفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة، ترجمة دنيا حرب وبشرى صعب، مراجعة وتقديم رضوان السيد (بيروت: دار الفارابي، 2011)، ص.138 (((المرجع نفسه، ص.176–175

الذات للآخرين؛ الأمر الذي يمكن حمله على مفهوم الاغتراب وعاقته بالحرية الذي تناوله ماركس لاحقًا. ورغم اختاف هوبز ولوك في وصف تفاصيل الحالة الطبيعية، ومن ثم شكل النظام التعاقدي الذي ينشأ عن تخلّي الأفراد عن حقوقهم الطبيعية تلك، كليًا أو جزئيًا، فإنهما يلتقيان في الإطار العام، إذ

يعتبر لوك أن الغرض الأساسي في الحالة الطبيعية هو الحفاظ على الذات وعلى الجنس البشري. وبناء عليه، فإن الحالة الطبيعية تؤمّن للأفراد حقوقًا متساوية في الحفاظ على الذات، جنبًا إلى جنب

مع ما يلزم من إجراءات لذلك، نحو الحق في الحياة، والصحة، والحرية، والملكية. ولعل اهتمام لوك بمسألة الحفاظ على الجنس البشري، أي الذات مع الآخرين (عوضًا عن الذات فحسب كما ركّز هوبز)، منبعه تعقل الفرد، بما يحول، إلى حد ما، دون انتهاكه حقوق الآخرين. وبالمضي قدمًا مع لوك، نجد أنه يرى، ورغم تساوي الأفراد في حقوقهم الطبيعية، فليسوا على قدر

متساوٍ من ممارسة حقوقهم تلك، وبهذا يتجهون إلى إبرام العقد الاجتماعي الذي يتضمن التخلي عن بعض من حقوقهم وحرياتهم، لصالح سلطة سياسية قادرة على إنفاذ ذلك على الجميع. ومن الواضح أن هوبز ولوك في طرحهما للعقد الاجتماعي يلتقيان أيضًا عند التمييز بين الحرية الطبيعية وحرية الإنسان في المجتمع، فهذه الأخيرة تسمح للفرد بفعل ما يريد، إلا ما يحظره القانون الذي سنّته سلطة تشريعية أنشأها التعاقد الاجتماعي. أما الحرية الطبيعية فهي مطلقة بالنسبة إلى هوبز، ومضبوطة بالقانون الطبيعي بالنسبة إلى لوك. من الواضح، وباختاف صيغة التعاقد الاجتماعي لدى هوبز ولوك، أن فكرة التعاقد تلك، نابعة من

واقع عصرهم، فالمسألة لا تنتهي عند حد ما يعتبر تنازل عن حقوقهم الطبيعية جميعها أو بعضها فحسب، بل تحيل إلى رؤية أوسع، تتعلق بالانتقال من العاقة بالأرض التي كانت سائدة في نظام الإقطاع المتداعي، إلى العاقة بالدولة بنظامها الرأسمالي الآخذ بالتشكل، وهو ما يحمل على الاستنتاج أن ما اعتبرناه بداية لاغتراب تم في سياق الخلخلة الحاصلة في البنية الاقتصادية، وما يترتب على ذلك من عاقات جديدة، تختلف في مضامينها عن تلك التي كانت سائدة في الحالة الطبيعية. وبناءً عليه، يمكن الاستنتاج أن المضي قدمًا في رسملة الاقتصاد، سيعمق حالة الاغتراب لتشمل شتى

جوانب الحياة، بدءًا من الاستقالية الذاتية التي لا يمكن من دونها تخيل اشتغال الرأسمالية. فالنظام

الرأسمالي، وفق ذلك، يتطلّب أمرين: امتاك العامل قوة عمله من جهة، وحيازة الرأسمالي وسائل

(8) Philip Pettit, «Liberty and Leviathan,» Politics, Philosophy & Economics , vol. 4, no. 1 (2005), p. 136.

(((جون لوك، الحكومة المدنية، ترجمة محمود شوقي الكيال (القاهرة: الدار القومية للطباعة والنشر، [د. ت.])، ص.16–15 (((1 وهنا يبرز أحد أهم التباينات بين الفرد عند هوبز ولوك، فرغم أنه يمثّل نقطة الانطاق، وأنه يتميز بالرشد والعقانية، فإن تفسير

كلٍ منهما يختلف عن الآخر؛ فلدى هوبز تنصرف إمكانيات هذا الفرد لتحقيق مصالحه، في حين يعتبر لوك أن هناك توازنًا تفرضه عقانية الفرد بين حرياته وحريات الآخرين. انظر: مجاهد، ص.383 (((1 لوك، ص.112–110

الإنتاج. ضمن هذا التقسيم، تتحدد العاقة بين قوة العمل من جهة، وقيمة التبادل من جهة أخرى. وستنعكس تلك العاقة على مفهوم الحرية، بمعنى أن للطرفين إرادة حرة، فيما يمتلكون (قوة العمل، مقابل وسائل الإنتاج). وبخاف مفكري العقد الاجتماعي، فإن ماركس لا يربط العاقة هنا، أو مفهومه لاغتراب الناجم عنها، بالحقوق الطبيعية، بل بالطبيعة البشرية، التي سيأتي الحديث عنها في موضع لاحق. من الواضح، كما تقدّم، أن لمفهوم الحرية مكانة بارزة في الفلسفة السياسية، فضل عن الفحوى الاقتصاد–سياسية فيه. ولعل آدم سميث واحد من أهم من أكسبوا مفهوم الحرية – الليبرالية ذلك الزخم الاقتصادي، إذ وَط ن المفهوم ببراعة في فلسفته الاقتصادية. ويمكن هنا، البدء بمفهوم سميث

السالب عن الحرية، الذي يعني أساسًا نفي الضوابط والقيود، التي لا داعي لها، عن خيارات الأفراد

وأفعالهم. كما أن واحدًا من أهم محددات الحرية، كما يفهمها سميث، يمثِّل شرط ا مسبقًا للأداء

السوقي السليم، وليس شيئًا ينبغي تحقيقه كما يرى ماركس. ووفقًا لذلك، فما يعتبره سميث شروط ا للحرية الكاملة تتحقق عبر التوازن غير القصدي للخيارات الذاتية للأفراد، والتي تتمخض العدالة عنها في نهاية المطاف (للدقة، فإن مفهوم سميث للعدالة يتعلق بالعدالة التوزيعية.) بحسب سميث، هناك مفهومان للحرية؛ الحرية الطبيعية والحرية الكاملة. الحرية الطبيعية هي حرية موجبة، تقوم على قدرة الفرد على تقرير مصيره، بينما الحرية الكاملة سالبة تتعلق بغياب القيود على الحرية. على أن استخدام سميث لهذا التمييز ليس واضحًا، إذ كثيرًا ما يستخدم المفهومين على

التبادل. لكن ما يمكن التقاطه من سميث أن الحرية الموجبة تركز على شروط الحرية التي من خالها يمكن للحرية السالبة أن تخرج إلى حيز الممارسة. ويحدد سميث تلك الشروط بعدم وجود حواجز أمام دخول السوق أو الخروج منه، ووجود عدد كبير من المزودين والمشترين، وأخيرًا حرية الوصول

إلى المعلومات، حيث تضمن تلك الشروط تبادل العاقات من دون إكراه. وهنا ناحظ المضمون الاقتصادي الصرف للحرية بحسب سميث. يعتبر سميث أن الحرية والمصلحة الشخصية لا تقودان إلى الفوضى بالضرورة، بل في استطاعتهما تحقيق النظام والانسجام، وهنا يعود سميث إلى استدعاء المضامين الاقتصادية للحرية التي تتحقق من خال آليات السوق المفتوح، التي تضمن التوازن بين المصالح الذاتية للأفراد، ويتم ذلك بطبيعة الحال، من دون تدخل من الدولة. ومن الافت لانتباه هنا أن سميث يرى أن الحرية المتحققة داخل السوق، لا تشترط القصدية من جهة، كما أنها تقوم على اعتبارات أخاقية أكثر منها عقلية من جهة أخرى، وهذا ما تتم ترجمته من خال أن تحقيق الأفراد لمصالحهم الشخصية يتضمن ضرورة

(12) Marx, Grundrisse , p. 515.

(((1 لمزيد من التمييز بين الحرية السالبة والحرية الموجبة، انظر:

Isaiah Berlin, «Two Concepts of Liberty,» in: Isaiah Berlin, Four Essays on Liberty (Oxford: Oxford University Press, 1971), pp. 118–172.

(((1 إيمون باتلر، آدم سميث: مقدمة موجزة، ترجمة علي الحارس (القاهرة: مؤسسة هندواي للتعليم والثقافة، 2014)، ص.14–13

خير المجتمع. وهذا يقتضي مرة أخرى، تأكيد أن طرح ماركس يتناقض مع ذلك كليًا، فالحرية، بالنسبة

إليه، سعي عقاني وقصدي. والسؤال هنا، هل ترتبط اعتبارات سميث الأخاقية، بالطبيعة البشرية؟ ربما تتضح الإجابة من خال تحديد لما تتضمنه المصلحة في مفهوم سميث التي تقوم على الذاتية والعدالة، فضل عن الطبيعة الكلية التي تظهر لديه تحت اسم اليد الخفية. وبناءً عليه، فمن الواضح أن العدالة هي مقوم الذاتية، بما يفضي إلى الخير العام، في حين ستنتهي اليد الخفية إلى توجيه الطبيعة البشرية إلى وضع أفضل، كون ذلك جزءًا من ميلها الطبيعي. وبما أن العدالة هي شرط تحقيق الحرية، فإن أي قوانين تنتهك الحرية الطبيعية ستمثّل قيودًا على الحرية (هنا يتضح تركيزه على الحرية السالبة المتعلقة بغياب القيود.) ولاستدلال على اعتبارات سميث الأخاقية، يرى أن ملكية الفرد الناجمة عن عمله هي أساس كل ملكية أخرى، لذا تتسم بالحصانة، فلكل فرد الحق في توجيه قدراته بما يعزز ملكيته، ما دام لم يترتب على ذلك أذى لغيره. وهنا ينفي سميث أن تكون تلك العملية نتيجة خيارات عقلية، بل هي حصيلة خيارات ذاتية تنصرف لصالح المجتمع، ويعبّر بوضوح عن ذلك بالقول بعدم كفاية الحكمة والمعرفة

للإشراف على نشاطات الأفراد تلك. تلكم العملية، ليست نتاج الخيارات العقانية للأفراد، ولا هي، في المقابل، نتيجة تدخل الدولة، وإنما هي عملية ممنوحة لنا من الله. ومن هنا، فإن سميث يقدّم صورة عن اليد الخفية، تكاد تتجاوز قدرتنا على الإدراك، وهنا تمامًا، نلمح كيف أن الحرية بمفهومها الموجب (القدرة على الفعل، لا انتفاء القيود كما تطرح الحرية السالبة)، تخبو إلى حد بعيد، ما دام الجزء العقاني فيها ليس على قدر من الأهمية بفعل اليد الخفية تلك. ينطلق نقد ماركس لمفهوم الحرية الليبرالي، على نحو أساسي، من قيامه وارتباطه بصورة أو مفهوم عن فرد معزول، مُنْبتّ الصلة بغيره من الأفراد. ولذا، فإن مثل هذا البناء المفهومي يقدم مفهومًا مجردًا

عن الحرية، انطاقًا من مفهوم مجرد عن الإنسان/ الفرد، وليس انطاقًا من الفرد الاجتماعي داخل تاريخه وثقافته وأشراط معيشته. ومن ثمَّ، فإن صيغة الحرية الفردية، كما الحقوق الفردية، جاءتا على

درجة من التجريد السكوني، الذي ينحّي ديناميات العاقات المميزة للطبيعة الإنسانية جانبًا. بناءً على

هذا، إن اقتاع الإنسان/ الفرد من طبيعته البشرية، ينتهي بسبب اعتبار عاقته بغيره شيئًا خارجيًا لا

أصيل.ً فيه

(((1 المرجع نفسه، ص.91–90 (((1 المرجع نفسه، ص.69 (((1 كارل ماركس، حول المسألة اليهودية، ترجمة نائلة الصالحي (كولونيا: منشوارت الجمل، 2003)، ص.40

إن الحرية وفق الفهم الليبرالي تنصبّ أكثر ما يكون على المعنى السلبي للحرية، إذ يوضع الفرد

مقابل المجتمع الذي يحد من حريته الأصلية. وإذ ا، فإن الإنسان، كما يقدمه ماركس، المنخرط في مجتمع اجتماعي – سياسي، لن يكون فردًا معزول عن سياقه العام وعاقته بالآخرين، وهذا يجعله في انسجام مع طبيعته البشرية التي تمثّل أحد المامح الأساسية في تحديد مفهوم ماركس للحرية.

ثانيًا: مفهوم الحرية في «مخطوطات عام 1844 الفلسفية - الاقتصادية»: جوهر الأشياء والاغتراب

يرتبط مفهوم ماركس حول الحرية الإنسانية بتحديده الطبيعة البشرية، كما هو الحال بمفهومه عن الحرية، ولذا أكد في أعماله مرارًا تكريس مفهومٍ عن الإنسان خارج التقليد الذي يقدّمه على درجة من

التجريد، ومن خال ذلك يصرّ على مفهومٍ للإنسان مُدْغم بالطبيعة التاريخية، وبطبيعة التاريخ،

بحسب تعبيره، الأمر الذي نلتقطه بوضوح في نقده لفيورباخ الذي بنى مفهومه على الإنسان المجرد لا الإنسان الواقعي، إذ يعتبر أن ذلك أفضى إلى تقديم فهم نظري مُتَخارج عن الإنسان في تفاعاته

وسياقاته الاجتماعية والمعيشية، التي جعلته على ما هو عليه. وبناءً عليه، فإن أي فهم للحرية ينبثق من

هذا التصور التجريدي سيفضي إلى نتيجة مفادها إمكان تحقيق الحرية عبر إحداث تغييرات فكرية، وخاصة على مستوى الوعي الذاتي. بالنسبة إلى ماركس، إن ما يُميز الإنسان من الحيوان هو نشاطه الواعي. فالحيوانات جميعها تقوم

بتلبية احتياجات بقائها. والاختاف الجوهري، هنا، مع الإنسان، في الطريقة التي يلبّي بها البشر

احتياجاتهم؛ ففي الوقت الذي تتصل فيه الحيوانات مباشرة باحتياجاتها، فإن لدى البشر ما يمكن تسميته عاقات «توسط» Mediation باحتياجاتهم التي، أي عاقة التوسط، تخلقها عاقات البشر بالآخرين من جهة، وتنويع احتياجاتهم والمفاضلة بينها من جهة أخرى، الأمر الذي يتم من خال قدرتهم على العمل. بهذه الطريقة، يقدم ماركس رؤيته القائمة على استقراء تجريبي للتاريخ، لا على التأمل التجريدي، فما يجعل البشر مختلفين، هو ميلهم إلى العمل والإنتاج والإبداع. غير أن فهم ماركس للنشاط البشري يتجاوز استخدام الذكاء العملي لتلبية احتياجات البقاء، إذ ينطوي نشاط الإنسان أيضًا على ما يمكن اعتباره مكونًا روحيًا، لا بالمعنى الديني بل بالمعنى الإنساني،

فالإنسان يستطيع الإنتاج فقط عندما يكون حرًا من الحاجة المادية. ويتضح المعنى الذي قصده

ماركس بمتابعة نصوصه، إذ يعتبر أن للبشر عاقة فريدة بالطبيعة، فإنتاجهم أشياء من الطبيعة لا يقتصر على إشباع متطلباتهم المادية أو حاجاتهم إلى البقاء، بل تمتد أيضًا إلى الإنتاج الجمالي الذي من

(18) Marx, «The German Ideology,» pp. 170–171. (19) Karl Marx, Economic and Philosophic Manuscripts of 1844 , Martin Milligan (trans.), (Amherst, MA; New York: Prometheus Books, 1988), p. 76.

خاله يعيد الإنسان تكرار ذاته، أو لعله قصد إعادة خلقها، سواء في عالم الواقع أو في الوعي، كي يتأمل نفسه في عالم خلقه هو. وبناءً عليه، فالنشاط الإنساني، بحسب ماركس، داخلي وخارجي، وهو منسجم مع تكوينه الطبيعي

والروحي، وهو ما يمنح الطبيعة الإنسانية تميزها الخاق؛ فطبيعة نوع ما إنما هي طبيعة النشاط الذي يؤديه أو نوعه. ومن هنا، فإن مفهوم ماركس للحرية يتضمن قدرة الإنسان على تحقيق ذاته بإدراك نفسه في الوجود، عبر نوعي النشاط آنفي الذكر. هذا النوع من الوجود، ليس معطى جاهزًا بمقدار ما هو صيرورة تشكل وخلق. من الواضح أن ماركس اعتبر العاقة بالآخرين هي أساس تمييز الإنسان من غيره من الأشياء، أي إن طبيعته البشرية، أولً وقبل كل شيء، تتحدَّد في العاقة بالأشياء، في الطبيعة والجماعة، ومن هنا، وانسجامًا مع طبيعته، فإن تحقيق الإنسان حريته، أيضًا، ليس فرديًا. وتأكيدًا على ما ذهب إليه، يبدأ من

أكثر المستويات بساطة، أي إنتاج الحياة، سواء ما تعلق منها بوسائل العيش أو الإنجاب، يرى أنها نتاج تعاون العديد من الأفراد. وينسحب التحليل ذاته على الحرية التي لا يمكن أن تتحقق إلا داخل مجتمع، أي مع الآخرين. لكن الأمر ليس على هذه الدرجة من السهولة، فليس داخل أي مجتمع ممكن تحقيق الحرية، إذ لا بد أن تتحقق العاقات والتفاعات المفضية إلى الحرية بين أفراد حقيقيين غير مغتربين. والسؤال الآن، كيف لماركس أن يدّعي أن الحرية لم تتحقق بعد، كون المجتمع الحقيقي لم يتشكل بعد؟ أليس في ذلك قدر من التجريد الذهني الذي حاول الإفات منه عند تناوله الحرية بحسب العقد الاجتماعي والاقتصاد الرأسمالي؟ هذه الإشكالية يحلها ماركس عبر رؤيته التطور التاريخي، أي إنه يحاول غرس إشكاليته في التاريخ لا خارجه، بغضّ النظر عن مدى نجاحه في ذلك. أما كيف يُؤرْخِن ماركس الطبيعة البشرية، فذلك باعتبار النشاط الإنتاجي الذي يمارسه الإنسان تفاعليًا

مع الآخرين في جوهره، إذ يقول: «إن الافتراض الأساسي الذي نبدأ منه، ليس تعسفيًا أو دوغمائيًا، بل

مقدمة حقيقية حول أفراد حقيقيين ونشاطاتهم داخل الظروف المادية التي يعيشون فيها، سواء تلك الموجودة بالفعل أو التي ينتجها نشاطهم. وهذه الافتراضات يمكن التحقق منها بطريقة تجريبية بحتة». يصوغ ماركس افتراضه الأول للوجود الإنساني في التاريخ على أساس أن كل إنسان ينبغي أن يكون في وضع يمكنه من صناعة التاريخ. وهذا ما يتحقق في المستوى الأول، عبر إنتاج الوسائل المائمة

(20) Ibid., p. 77. (21) Marx, «The German Ideology,» p. 157. (22) Ibid., p. 197. (23) Ibid., p. 149.

لتلبية الاحتياجات الأساسية للحياة كالغذاء والمأوى. وبتحقيق ذلك، تنتج احتياجات جديدة. وحتى ما يعتبر إنتاجًا للحياة، كالإنجاب، يعتبر ضمن هذه الاعتبارات فعل اجتماعيًّا، كونه لا يتم من

دون تعاون الأفراد، كما أشير إليه سابقًا، ووفق هذا الافتراض يبدأ الوعي بالتشكل، لكنه تشك ل مثقل بالشروط المادية، والعاقات الضرورية لذلك، حتى بأبسط أشكال الوعي الذي حملته اللغة منذ تفتّق البشرية الأولى؛ فاللغة أيضًا موجودة عمليًا ضمن التواصل والتفاعل الإنسانيين، لا في الفرد المعزول

خارج تلك الأطر. ولسنا هنا بصدد تفصيل ماركس للتطور التاريخي، الذي يتمخّض عن التغيير في عاقات الإنتاج ووسائله، لكن المهم أنّ تقسيم الطبقات يعتمد على تقسيم العمل، أي على مكان الفرد/ الأفراد من النمط الإنتاجي السائد في حقبة تاريخية معينة، وهو ما يميز تشك ل الوعي أيضًا؛ بمعنى أن الشروط والعاقات المادية، التي باتت وفق ماركس، شروط إنتاج وعاقات بين طبقات اجتماعية، ستحدد الوعي، أو بالحد الأدنى ستسهم في صياغته من خال تلك العاقات الواقعية، وهو ما عبّر عنه

ماركس بوضوح بأن الوجود مَنوط بالإنتاج الاجتماعي، بما في ذلك الوعي واللغة. مع الأخذ في

الاعتبار أن جدلية العاقة بين البناءين التحتي والفوقي تتجاوز ذلك الفهم الميكانيكي المبسط، إذ بمقدار ما تصوغ العاقات الاجتماعية بنية الوعي، فإن هذا الوعي، أيضًا، يسهم في تشكيل البنى الاجتماعية. وضمن جدلية العاقة هذه، ستأخذ الأيديولوجيا معانيها المتعددة، سواء فيما قدّمه ماركس، أو لدى مفكرين آخرين قاربوا المفهوم من زواياه المختلفة. إن شبكة ماركس المفاهيمية، تجعل من غير اليسير القبض على أي من المفاهيم التي يقدّمها من دون الوقوف على نقاط التقاطع التي تخلقها شبكته تلك. ومن هنا، فإن مفهوم ماركس عن طبيعة الأشياء والحرية على حد سواء، يمكن تلمّسهما من خال مفهومه عن الاغتراب وغياب الحرية. وبطبيعة

الحال، فإن مفهوم ماركس عن الاغتراب جاء ضمن اقتصاده السياسي، لتحليل اغتراب العامل عن إنتاجه، في ظل الاقتصاد الرأسمالي القائم على العمل المأجور والقيمة التبادلية. ويحدد ماركس عدة أبعاد لاغتراب تترابط فيما بينها لتناظر في الوقت نفسه جوانب الطبيعة الإنسانية المختلفة. أحد أبعاد الاغتراب هو اغتراب العامل عن منتجه، إذ إنه لا يملك ما ينتج. وإضافة إلى ذلك، فإن عمله ذاته فيه قدر من الاغتراب، إذ إن عمل العامل ليس موجّهًا إلى إشباع حاجته، بل يستخدم وسيلة

لذلك، بمعنى أن العمل هنا يُنظر إليه بوصفه سلعة تُشترى بالمال، ثم بالمال يشبع العامل احتياجاته

من السلع الأخرى. هنا يصبح عمل العامل غريبًا عنه، وكذلك يغترب العامل عن غيره من العمال، فهو

لم يعد يراهم ذواتًا جديرة بالتعامل التعاوني، بل يدخل معهم في حالة من التنافس. ولا يتوقف اغتراب العامل عند اغترابه عن منتجه أو عمله أو العمال الآخرين، إذ يصل إلى درجة الاغتراب عن ذاته،

(24) Marx, «The German Ideology,» p. 156. (25) Marx, Economic and Philosophic , p. 105. (26) Ibid., p. 79.

وذلك باستخدام نشاطات حياته وتفاعاته التي تمثِّل جوهر طبيعته لتصبح وسائل وجوده وبقائه. هكذا، يذوب عالم المرء الذي يفترض أنه خلقه بنفسه. فضمن عالم آخذ بالتضاؤل، لا يعود العامل (وقد يصح أن يقال: الإنسان) قادرًا على التفكير في وجوده في الوجود. ليس هذا فحسب، بل يتباعد

تدريجيًا عن كل ما يتعلق بحياته الروحية؛ وبهذا يكون الاغتراب معبرًا صريحًا عن غياب الحرية. في مخطوطاته، يتناول ماركس المعطيات الاجتماعية من خال مفهومه عن جوهر الأشياء والطبيعة البشرية. وهو يؤكد، على نحو قاطع، العاقة بين جوهر الأشياء والوجود المادي لها. لكن المهم هنا، كيف يحلل ماركس تلك العاقة، فهي إن اتخذت شكلها الطبيعي، فإن الإنسان، بوصفه كائنًا واعيًا،

يُفترض أن تكون حياته موضوعًا له، لكن الحالة التي وصل إليها بعمله المغترب انتهت بأن يكرس

نشاطه الحياتي، المنبثق من جوهر وجوده وطبيعته، ليكون وسيلة لوجوده المادي فحسب. ولكي تتضح التقاطعات بين الأبعاد المختلفة، يؤكد ماركس أن الاغتراب عن الطبيعة يفضي إلى اغتراب عن الآخرين؛ فطبيعة الإنسان واحدة، سواء مع ذاته أو مع الآخرين. وهذا ما يعني أن كل بعد من أبعاد الاغتراب يتضمن الأبعاد الأخرى أو يفضي إليها، أي تتداخل دوائر الاغتراب بعضها في بعض، وهذا ما ينبغي إدراكه تمامًا لاسترداد العالم الحقيقي المختطف من الاغتراب، وللدقة، من

العوامل المفضية إليه. وإن كان ماركس قد اعتبر أن الاغتراب نقيض طبيعة الإنسان وحريته، إلا أنه يبقى من الأهمية بمكان هنا، أنه رَدّ الاغتراب في مخطوطاته إلى عاقات الإنتاج – العمل، لا إلى

الملكية الخاصة. كذلك، من المهم أيضًا أن نلحظ مع ماركس أن الاغتراب لا ينجم عن قوى موضوعية خارج الفعل الإنساني، بل إن قوى الهيمنة التي تُحدث الحالة الاغترابية وتمنع من تحقيق الحرية هي نتاج الاختال في العاقات الإنسانية، التي يردّها ماركس إلى عاقات العمل الرأسمالية. وهنا، فإن مشاطرة ماركس نظرته إلى العمل المأجور وعاقته بالاغتراب ستفضي إلى نتيجة مفادها أن الزيادة في الأجور فحسب، أو حتى ما يمكن اعتباره أجرًا أكثر إنصافًا كما يقترح بعض الاقتصاديين

الليبراليين، لن يفضي إلى تجاوز حالة الاغتراب. فالعمل المأجور كيفما نظرنا إليه ليس إلا حرية الفرد في تفتيت ذاته والإمعان في اغترابها، تبعًا لآليات الإنتاج المفروضة عليه. لكن الحرية هنا تمارس دورًا

إيهاميًّا، وكأن الفرد في اختياره عدد ساعات عمله، مثل، يحقق ما يحتاجه من حرية، لكن ذلك، في

الواقع، لن ينتهي به إلا إلى حالة اغترابية، فتصحيح جزء من اختالات العمل المأجور لا يعني تصحيحًا كليًا للعاقات التي يفرضها.

(27) Ibid., pp. 71–76. (28) Ibid., p. 76. (29) Ibid., p. 80. (30) Ibid., p. 73. (31) Marx, Grundrisse , p. 123

يكرس ماركس جزءًا مهمًا من مساهمة في نقد الاقتصاد السياسيلاستكشاف دور التبادل ورأس المال

في حالة الاغتراب التي هي في جوهرها اغتراب عن الحرية كذلك. ومع ذلك، فإنه يتناول في المخطوطاتأيضًا الارتباطات الأساسية بين الاغتراب والنظام المالي القائم. ومن الواضح أن كتابات ماركس المبكرة تلك انطلقت على نحو أساسي من الطبيعة الإنسانية، وعاقتها بالنظام الاقتصادي.

ثالثًا: مفهوم الحرية في كتاب مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي

مثَّل موضوعا الاغتراب وغياب الحرية، بالنسبة إلى ماركس، جزءًا من مشاغله الفلسفية الرئيسة، سواء

في أعماله المبكرة أو المتأخرة. كما أن تحلياته لرأس المال تبوح بالاختال الذي تحدثه الآليات الاقتصادية في الطبيعة الإنسانية عمومًا. تقدّم المخطوطات الاقتصادية والفلسفية تشخيصًا مهمًا

للطبيعة البشرية والاغتراب، اللذين يؤطران لديه مُشْكل غياب الحرية. في حين يمضي لاحقًا، وعبر

مساهمة في نقد الاقتصاد السياسيفي استنطاق الآليات الاقتصادية الرأسمالية، وخاصة فائض القيمة وعاقتها بالاغتراب. وذلك مع اختاف طريقة تناوله قضية الاغتراب بين العملين، لكن ذلك قد لا يحمل على تغيير في اهتماماته، أو قطيعة في شبكته المفهومية، بمقدار ما يمكن اعتبار ذلك تنقات محسوبة بين المفاهيم، وزوايا طرقها، بحسب غايات الطرح ونقاط تركيزه المتباينة في كل عمل من أعماله. يعتبر ماركس أن الظروف الموضوعية للعمل، بوصفها إحدى لحظات النشاط الاجتماعي، تصبح أشد قوة واستقالية مقابل العمل المكرس للمعيشة الذاتية. تأكيده هذا جاء للتمييز بين ما يعتبر تشيؤًا، وما يدخل في الاغتراب لديه؛ إذ تنتمي تلك الظروف الموضوعية المتغولة على الفرد إلى رأس المال، لا إليه هو. هنا تبدأ مفهمة ماركس للتشيؤ والاغتراب والتمييز بينهما. يناقش ماركس التمييز بين المفهومين ضمن محورين، يتعلق الأول بالطبيعة الأنطولوجية للوجود

الإنساني، والثاني بالظروف التاريخية التي شيّأت هذا الوجود وصول إلى اغترابه. هنا لا يمكن إغفال

أن نقاش ماركس يرتبط بمفهومه عن الطبيعة الإنسانية التي لا تنفصل لديه عن جوهر الطبيعة والأشياء، وأن التغيير في تلك الطبيعة مردّه إلى أن الإنسان موجود في التاريخ لا خارجه. وبناءً عليه، يخضع

للأشراط والسياقات المختلفة فيه. ومن ثمَّ، فإن واحدة من أهم دعائم التمييز هنا تتعلق ببنية العمليات

والنشاطات التي يقوم بها الإنسان، فتبادلية العاقة والتأثير مع الطبيعة تفضي إلى التشيؤ، لا إلى الاغتراب. وحالما أدخلنا عملية التشيؤ تلك في التاريخ، وفي النظام الرأسمالي، فلن تستمر بمضمونها السابق، إذ ستتحول إلى استاب ينتهي باغتراب العامل والرأسمالي، لا بوصفها حالة شعورية مفترضة، بل بوصفها ظاهرة حقيقية، تتضمن ما يسميه تحويلً وانقابًا. ويتم ذلك، من خال عاقات البشر

(32) Ibid., p. 831.

بالعالم وبعضهم ببعض، والتي تتحول في النظام الرأسمالي إلى اختال في طبيعة الأشياء، نظرًا إلى

شروط الإنتاج المفروضة من النظام، على كل ما فيه. المهم في مفهوم ماركس هنا، أنه ما دام تم تناول موضوع الاغتراب على أنه معطى في التاريخ، فإن المسألة تتجاوز حدود التعريف الأنطولوجي لوجودنا. بل تصبح المهمة الأشدّ إلحاحًا النبش عن وجودنا ضمن العاقات التاريخية. وهذا ما يمكن تلمّسه من نقد ماركس لاقتصاديين البرجوازيين،

الذين انتهوا في تحلياتهم إلى تأبيد المرحلة الرأسمالية، وكأنها معطى أنطولوجي، ما حجب عنهم رؤية الرأسمالية، وما تمخّض عنها من اغتراب، بوصفهما جزءًا من التطور التاريخي لا خارجه. يقدّم ماركس نقدًا صارمًا لتحليل آدم سميث للعمل، ووقت الفراغ، ولا سيما نزعته للفصل الحدي

بينهما، إذ يعتبر سميث أن عمل الفرد ساعة، يعني، بالضرورة، تخلّيه عن ساعة من الفراغ والحرية والسعادة، هنا يقف ماركس على الضد من ذلك، فالإنسان، بطبيعته، يحتاج إلى العمل، بل إنه على استعداد لتنحية فراغه جانبًا من أجل ذلك. ويتدرج نقد ماركس لسميث بطريقة تفصح عن معنى الحرية لدى ماركس، التي تتبلور على أنها فعل في التاريخ، ربما فقط من خال وعي هذا الأخير على أساس فاعلية الإنسان فيه. فسميث، وفق ما يحلل ماركس، يطرح صيغته الاقتصادية، برؤية إستاتيكية للتاريخ، تكاد تطمس فاعلية الإنسان/ الفرد فيه، مقابل ما يمكن اعتباره حريات فردية. في المقابل، إن إدراك الإنسان دوره وفاعليته من خال نشاطه الاجتماعي، وخاصة العمل، يعد لبنات مفهوم الحرية لدى ماركس. لكن ماركس، في الوقت ذاته، ينفي أن يكون العمل المشكل للحرية، ذلك الذي يحدث في ظروف العبودية أو الرق أو العمل المأجور بطبيعة الحال. فهو يتحدث عما يعتبره عمل جذابًا، يتيح للإنسان/ الفرد تحقيق ذاته، لا على أساس المتعة والتسلية، بل ذلك هو العمل «المتحرر»، الذي يتحقق فقط عندما يكون ذا طبيعة اجتماعية، وأن يحقق ذاته في المنتوج. تدشن الخصائص التي يضفيها ماركس على العمل انفصاله الكامل عن خصائص العمل الرأسمالية التي يطرحها سميث. ففي الوقت الذي يربط سميث العمل نفسيًا بالمتعة أو الاستياء الذي قد يتضمنه، فإن ماركس يضفي

أبعادًا جديدة؛ أولها عاقة العمل بالآخرين، وثانيها عاقة العامل بما ينتج وبقدراته، وهو ما يجعل العمل إيجابيًا في البعد الأول، وإبداعيًا في بعده الثاني. وهنا نكاد نلمح ذلك الترابط بين خصائص

العمل، وتصور ماركس عن الحرية.

(((3 أنطوني جدنز، الرأسمالية والنظرية الاجتماعية الحديثة: تحليل كتابات ماركس ودركهايم وماكس فيبر، ترجمة أديب شيش (دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، [د. ت.])، ص.55–47

(34) Marx, Grundrisse , p. 611. (35) Ibid., p. 612. (36) Ibid., p. 614.

يرى ماركس أن مفكري الديمقراطية الليبرالية ينطلقون من أن الحرية الحقيقية تنجم عن التحرر السياسي. ويعتقد أن مردّ خطأ ادّعائهم هنا إلى اعتبار الاشتراكية تحقيقًا لقيم المجتمع البرجوازي،

الذي مثّلته الثورة الفرنسية. لكن ماركس لا ينكر أن الحريات الليبرالية تمثِّل تقدّمًا في مسار الحرية،

التي تنشدها المجتمعات، لكنه يميز بينها وبين ما يعتبره حريةً حقيقيةً، فضل عن أن الحريات الليبرالية ليست كافية. فصحيح أن القوانين تضمن للمرء الحق في القيام بأشياء معينة، ولكنه على أرض الواقع يفتقد القدرة على القيام بها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الحرية، التي لا قيمة فعلية لها إن لم تتوافر القدرة، التي تتعكز على الثروة والقوة، على ممارستها. وهنا يجوز التساؤل: إن كان الأفراد في الديمقراطية الليبرالية لا يتمتعون بالحرية الحقيقية ولا المساواة، فلماذا لا تحدث الثورة لديهم؟ وما الذي جعلهم يعتقدون أنهم أحرار ومتساوون فعليًّا؟ يجيب ماركس

عن ذلك بأن منظومة الحرية في الديمقراطيات الليبرالية خلطت بين حرية الإنسان، وتلك التي تخص حرية التبادل في السوق، ومن ثمَّ، فإن إيهامية الحرية تلك، ليست على مستوى الأفراد فحسب،

فالاشتراكيون الطوباويون (تلك الطوباوية تحول دون فهم العمليات التاريخية، ومن ثمَّ تسقط في

حبائل الفهم المثالي للمجتمع البرجوازي) يعتبرون أن التبادل إن تم وفق قواعد مناسبة، فمن شأنه أن يكون نظامًا جيدًا للحرية والمساواة، وأن ما تم من تشويه في التبادلية تلك مرده إلى رأس المال. وبناء

عليه، فإن الحرية في الديمقراطية الليبرالية ليست إلا أيديولوجيا مجردة، تتشابك بطبيعتها مع بنى

الاقتصاد الرأسمالي وآلياته المختلفة، هذا أولً. ثانيًا، إن مسألة لماذا لم يعِ الأفراد في ظل تلكم النظم أنهم يفتقدون إلى الحرية؟ فينبغي وضعها في

سياقها التاريخي، لمزيد من الفهم. يعتبر ماركس هنا أنه في الإمكان العودة إلى تتبّع أصل النموذج

الديمقراطي الليبرالي من نهاية العبودية، وصولً إلى ظهور العامل الحر. فهذا العامل، بالطبع، سيبدو حرًا، لو قورن مثل بأقنان الأرض، لكن هل سيبقى كذلك عندما يتعلق الأمر بتطور أنظمة العمل

وصولً إلى العمل المأجور في النظام الرأسمالي؟ ولو نظرنا في أعمال ماركس برمّتها لوجدناه يحلل

ذلك كاشفًا عن أن ما نعتبره عملً حرًا لا يعدو كونه القدرة على العمل فحسب، التي تتجلى في حرية

العامل في بيع نشاطه ومنتجاته، وصول إلى عزل نفسه واغترابها عن كل محيطها. وضمن النسق التحليلي نفسه لماركس، فإن المساواة، ضمن الديمقراطيات الليبرالية، ليست إلا الغطاء الذي يحول دون رؤية غياب المساواة المتأصلة في التبادل الرأسمالي. ولمزيد من الضوء على كيفية اشتغال إيهامية الحرية والمساواة، لا بد من التعريج على بعض المفاهيم الأساسية التي يستخدمها ماركس في تحليله لاقتصاد الرأسمالي، والتي تتعالق فيما بينها، ومع كل من الطبيعة الإنسانية والاغتراب والحرية. فكما لاحظنا سابقًا، فإن مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي ينفذ إلى مفهوم الاغتراب. ورغم أن ماركس قد تناول المفهوم في أعمال سابقة له، فإنه هنا يضفي لغة

(37) Ibid., p. 248. (38) Ibid., pp. 507–509.

الاقتصاد السياسي عليه، حيث نجد أن مفهوم الاغتراب هنا يدخل في معترك من المفاهيم الاقتصادية الصرف، نحو الإنتاج والمال والقيمة والسعر، التي تمكن ماركس من التملك النقدي لمجال أطروحته حول الاغتراب بما هو حالة تاريخية، لا أنطولوجية. وفي سياق نقده للنظريات الاقتصادية الرأسمالية، يتساءل ماركس: هل يمكن للتغيرات في التبادل أن تُحدث ثورة في العاقات الإنتاجية والتوزيعية؟ وقبل ذلك، هل يمكن أن يتم تعديل النظام التبادلي من دون تغيير العاقات الاجتماعية والإنتاجية القائمة؟ قد لا تكون إجابات ماركس هنا على قدر من الاختصار، فهو يضع قُراءَه في خضمّ تحليات مطولة ومتشابكة لمفاهيم نحو السلعة ووقت العمل،

وقيمة التبادل والمال. لكنه يبدأ إجابته بفكرته الأساسية، قبل أن يحاجج في صحتها، إذ يعتبر أن إمكان تحقيق التغير غير ممكن ما بقيت عاقات الإنتاج، بما تحمله من تناقضات، قائمة. الأمر الذي يؤكده، أيضًا، من خال نظرته إلى الاغتراب والعمل، إذ يعتبر أن بعض أشكال العمل المأجور قد تعدّل بعض الاختالات في عمل مأجور آخر، لكن أي تعديات هنا لا يمكن لها أن تبلغ مستوى إزالة عاقة الاستغال التي تتعلق بالعمل المأجور ذاته. ويستمر ماركس في التعبير عن الفكرة ذاتها؛ أي ضرورة اجتثاث البنية القائمة من خال مزيد من الأمثلة حول آليات النظام الرأسمالي المختلفة، حيث ينتقل إلى القيمة التبادلية، التي يعزو ماركس أزمات الأسعار إليها، معتبرًا أنها، هي الأخرى، حصيلة المعالجة السطحية لاقتصاديين الرأسماليين

لمعنى القيمة ومتضمناتها المختلفة، ولا سيما قيمة العمل. وفي إطار نقده لاقتصاد الرأسمالي، يطور ماركس مفهومه عن قيمة التبادل، ومفاده أن السلع، على نحو طبيعي، ليست خاضعة للمبادلة، كونها تختلف في طبيعتها والاحتياجات التي تسدها، وكذلك لا يمكن مبادلة سلعة بذاتها. ووفقًا لذلك، لا بد من وجود أساس للمقارنة، أي التعبير عن السلع بقيم للتبادل، يقارن بعضها ببعضها الآخر. هنا يبحث ماركس عما قد يكون مشتركًا بين سلعة وأخرى، بغرض اشتقاق وحدة المقارنة (والتقييم) تلك، هنا يجد ضالته بوقت العمل ونوعيته. ونعود إلى تأكيد أن مفهوم الاغتراب، في عاقته بالحرية، الذي سكّه ماركس وموْضَعه في الاقتصاد السياسي،

يتقاطع مع كل مفهوم اقتصادي يتناوله ماركس، كون الاغتراب يتم من خال المشاركة في كل النشاطات الاقتصادية التي يناقشها هنا. وبالعودة إلى تحديد قيمة التبادل، يسهب ماركس في شرح

موجبات تجسيد قيمة التبادل المجردة ذهنيًا، إلى قيمة مادية مجسدة في التبادل الواقعي، وصول إلى

المال بوصفه وحدة فعلية للتبادل. لكنه لا يكف عن معالجة مختلف الإشكالات المتأصلة في طبيعة الاقتصاد الرأسمالي، أو حتى تلك التي يمكن أن تثيرها مفهمته لاقتصاد السياسي عمومًا. لذا فإن وصوله إلى اعتبار المال وحدة فعلية

(39) Ibid., p. 123. (40) Ibid., p. 134. (41) Ibid., pp. 142–143.

للتبادل، لن يمر لديه من دون أشكلة جديدة، قوامها التناقضات في النظام المالي والعاقات التي ينسجها. إذ يعتبر أن هناك وجودًا للسلعة بوصفها منتجًا وقيمةً للتبادل، يحمل في طياته عاقة تناقضية.

وهذا ما يقود بالضرورة إلى العاقة الثانية التي تحول دون حدوث التكافؤ التبادلي، بمعنى الفرق بين قيمة السلعة المالية شراءً وبيعًا، فضل عن نمط التبادل الصرفي الذي يتم من دون سلع، والذي

عمليًا ينتهي بالمال نفسه ليكون سلعة، إضافة إلى كونه يمثّل قيمة التبادل للسلع الأخرى. وبعيدًا

عن الخوض في تفاصيل الاقتصاد السياسي لماركس، فإن المهم أن القيمة التبادلية تنتهي لديه، لتكون تعبيرًا اجتماعيًا للسلعة، كونها نتاج العمل. فالحاجة إلى التبادل توازي، بالضرورة، التزايد في الإنتاج

الذي يمكن رصد أحد أهم تعابيره في تقسيم العمل. يعتبر ماركس العمل المغترب عاقةً اجتماعية، فارتباط الأفراد في مجتمع لا يتم دائمًا على نحو

مباشر، فقيمة التبادل تقفز هنا لتصبح أحد أشكال الروابط بين الأفراد في المجتمعات الرأسمالية؛ فطبيعة أي نشاط في تلك المجتمعات، ولا سيما الإنتاجية منها، لا تفضي إلى اغتراب بين الأفراد أنفسهم، بل بحكم عاقات الهيمنة السائدة بينهم. وعلى هذا النحو، يمكن أن نفهم تلك السلسلة من

التحويات والتجسيدات للعاقات الاقتصادية، التي تمثِّل شرط ا لوجود الإنسان في التاريخ، وهي بلغة بسيطة تبادل بين العمالة والمال والسلع المطلوبة لتلبية الاحتياجات. وما نلحظه في هذه السلسلة أن العاقة الاجتماعية انتهت لتكون عاقة بين أشياء ثاثة: عمالة، مال، سلعة. ضمن هذه التحويات، نستطيع فهم اعتبارات ماركس أن أي تعديات في النظام الاقتصادي القائم لن تمثِّل تغييرًا جوهريًا في عاقات الإنتاج والعاقات الاجتماعية المتمخضة عنها، ومفتاح تلك

الاعتبارات هو «المال». فالمال يمثل تجسيدًا للروابط الاجتماعية، الأمر الذي يظهر بجاء في اعتبار المال ضمانًا موضوعيًا للعاقات بين الناس. وبناءً عليه، فإن هذه الأخيرة (عاقات الناس) ثوت في

الرابطة الموضوعية (المال) تلك، وهو ما يعبّر عنه ماركس بالقول: «المال هو القدرة المغتربة

للبشر». المهم هنا أن ماركس في كل تحلياته، يلتفت إلى تاريخية تلك الرابطة الموضوعية، كما بلورها تطور المجتمع البرجوازي في ظل الرأسمالية. الآن وبعد إطالة سريعة على نقد ماركس لاقتصاد الرأسمالي، يمكن العودة إلى مسألة رئيسة أثيرت فيما قبل، وهي كيف تنشأ إيهامية الحرية والمساواة في المجتمعات الديمقراطية الليبرالية؟ من الواضح، بحسب التحليل السابق، أن عاقات التبادل حتى في أبسط مستوياتها تنسج خيوط الوهم تلك، وتنظمها تباعًا. فالأفراد في عاقاتهم التبادلية متساوون بمعنيين: بقدرتهم على التبادل (أي

كمبادلين لا في جوهر طبيعتهم وعاقة بعضهم ببعض) من جهة، وكذلك في الأشياء التي تخضع لتبادلاتهم من جهة أخرى، هذا يضاف إلى أن كل تلك التبادلات تمارس بحرية من دون إكراه.

(42) Ibid., p. 147. (43) Ibid., p. 151. (44) Marx, Economic and Philosophic , p. 138. (45) Marx, Grundrisse , p. 241.

وهذه جميعها تمثِّل أساس ما يسمى حرية السوق التي يتم دمجها بالحريات الديمقراطية، لمزيد من ترسيخ الوهم. وبناء على هذا، يعتبر ماركس أن المجتمع البرجوازي الحالي في سياساته الاقتصادية لا يبارح السطح، في حين أن العمليات الفعلية تقر بعيدًا لتختفي فيها الحرية والمساواة الظاهرتان. وهنا، من السهل أن نلتقط أن ماركس يتحدث عن التقسيم الطبقي الذي تم تجاوزه في النمط التبادلي الرأسمالي، بل أكثر من ذلك؛ فما يعتبر عمل حرًا ليس إلا تسليعًا للعامل، الذي يصبح هو ذاته قيمة

تبادلية، وأجره مقابل حصوله على المال، فاحتياجاته لاحقًا. ومن جهة أخرى، إن افتراض المساواة يتجاوز طبيعة رأس المال الذي يتعارض جوهريًا مع العمل، الأمر الذي يترجم بأبسط المستويات في

اختال التبادل بين الرأسمالي والعامل. يصوغ ماركس نتيجة ذلك كله، بقوله إن الحرية والاستقالية هي للمال لا للإنسان في الرأسمالية. لكن حتى ما يمكن اعتباره حرية للمال هو نتاج عاقة مختلة البنية التي تتضمن فائض القيمة التي يحصل عليها الرأسمالي، من الفرق بين العمل والعائد على العمل. فالرأسمالي يدفع للعامل الأجر الذي يبقيه عاملً فقط. أما الصياغة المعاكسة لتكون الاغتراب هنا، فقوامها أمران؛ كل فائض عمل (عن العائد عليه)، إضافة إلى بيع العامل عمله بقيمة محددة مسبقًا. وبناءً عليه، فإن قوة العمل وإبداعه

ينصرفان إلى الرأسمالي، لا إلى العامل نفسه، ويعبّر ماركس عن ذلك بالقول إن كل تقدّم في الحضارة،

أو بكلمات أخرى، في قوى الإنتاج الاجتماعي، لا يضيف إلى العامل بل إلى رأس المال، ومن هنا، فهو يعظم القوة المسيطرة، ويزيد من القوة الإنتاجية لرأس المال. هنا، يقودنا ماركس إلى استنتاج مفاده أن تزايد القوة الإنتاجية في النظام الرأسمالي ليس موجهًا، على

نحو أساسي، إلى تحقيق الاحتياجات البشرية، بل موجه إلى مراكمة رأس المال. ومن ثمَّ، فإن ما

يتحقق هنا، بالفعل، ليس وجود الإنسان، الذي ستسحقه فواعل الاغتراب، وإن حقق ظاهريًا مستوى

معيشيًا أفضل، بل سيصبّ التحقق في صالح رأس المال. مع ضرورة الانتباه هنا إلى ماحظة ماركس

حول نزعة الرسملة العالمية، التي تتجه نحو امتصاص أعلى قدر من الفوائض، عبر تحقيق أعلى ربح بعمالة أقل أجرًا.

رابعًا: العودة إلى جوهر الأشياء: مقاربة ماركس فينومينولوجيًا

بالنسبة إلى ماركس، إن رأس المال ومجمل العاقات التي تدور في فلكه هي عاقات اجتماعية في جوهرها، لكن الرأسمالية تتعمد إخفاء ذلك لترويج «أيديولوجيا» الحرية والمساواة من جهة، ولتقديم أي أوضاع تواجه البروليتاريا، بأنها طبيعية لا نتاج الممارسات الإنسانية والاختال في توزيع القوة والثروة، بما معناه الحيلولة دون تشك ل وعي بالظلم والاستغال ضمن النظام القائم. لكن المهم هنا

(46) Ibid., p. 247. (47) Ibid., p. 345. (48) Ibid., p. 398

أن وعي اجتماعية تلك العاقات الاقتصادية هو أساس وضعها في التاريخ، لا أكثر ولا أقل، بمعنى إخراجها مما يمكن أن يجعلها حتميات أو قوانين طبيعية لا يمكن تغييرها أو مواجهتها. وبناءً عليه،

فإن الحرية المتوهمة التي تروّجها الرأسمالية، يمكن أن تتبدد لصالح مفهوم آخر عن الحرية، يتطلب

شروطًا تاريخية مغايرة. ورغم كل النقد المكثف الذي وجّهه ماركس إلى الرأسمالية والمجتمع البرجوازي، فإنه لم ينته إلى

حكم قيمي بأن الرأسمالية شريرة أو ظالمة، ولم يكن ذلك مبتغاه، بل على العكس تمامًا، فقد اعتبر

الرأسمالية واقعًا تاريخيًا طبيعيًا وضروريًا لتحقيق الحرية «الحقيقية»، وذلك مشروط بتطور الإنتاج

الرأسمالي ذاته لمستوى تصل فيه القوى الإنتاجية إلى التحكم في الطبيعة، الوضع الذي يصل فيه

الإنسان إلى ما يمكن اعتباره تحررًا من الندرة، والذي يمكن اعتباره شرط ا مسبقًا لحرية الإنسان

الحقيقية. وذلك باعتبار أن مثل هذا التحرر سيحرر الناس من العمل لتلبية احتياجاتهم الأساسية فحسب، إلى إتاحة المجال لهم لانخراط في نشاطات واعية حرة لتحقيق الذات، وذلك كله لم يكن متاحًا من دون المرور بحقبة الإنتاج والتراكم الرأسمالي. في الحصيلة، إن تطور الرأسمالية وتعمق

أزماتها وتناقضاتها، سينتهي، بالضرورة، إلى تجاوزها ثوريًا. إن استرداد الإنسان للحرية

«الحقيقية»، يتطلب عبور الممر الإجباري للرأسمالية، وصول إلى الثورة عليها، بما يعيد ترتيب

عاقات العمل والإنتاج والقوة والسلطة، وفق ما يحرر الإنسان من تبعيته لحاجاته الأساسية أول، ومن خضوعه لعاقات الاقتصاد – السلطة ثانيًا، بما يوجه نشاطه نحو الخلق والإبداع. لكن الشروط التاريخية التي يتصورها ماركس لثورة عالمية تطيح بالرأسمالية وتستعيد حرية الإنسان لم تتحقق، وقد لا تكون متاحة لعوامل عدة، ربما أهمها أن الرأسمالية طورت من دينامياتها الداخلية للحيلولة دون انفجار تناقضاتها الداخلية، وهذا ما يجعل جزءًا من تحليل ماركس في حاجة إلى

مراجعة نقدية، تحيله إلى معاصر للتغييرات والمعطيات التاريخية. لكن السؤال هنا، هل ترك ماركس ما يمكن العودة إليه لإعادة تأويله والاستفادة منه؟ بالعودة إلى ماركس نفسه، فإن جزءًا من تحليله للتجربة الإنسانية يقف على لبنتَي الطبيعة الإنسانية

(جوهر الأشياء) والاغتراب، اللتين غرسهما في التاريخ. ولنا هنا أن نستدعي فينومينولوجيا ميرلوبونتي، التي أسسها على فكرة العودة إلى الأشياء ذاتها، إذ اعتبر أن الظواهر الإنسانية ممكنة فقط، كون الإنسان ليس شيئًا أو حيوانًا، فهو، أي الإنسان، يمتلك القدرة على الانخراط في عالم

(((4 كارل ماركس وفريدريك إنجلز، البيان الشيوعي: في أول ترجمة غير مزورة، ترجمة عفيف الأخضر (كولونيا: منشورات الجمل، 2014)، ص.100 (((5 المرجع نفسه، ص.129 (((5 يركز ميرلوبونتي في فينومينولوجيته على كسر التقابلية التناقضية بين الفلسفتين المثالية والمادية، الأولى التي تهتم بالكائن والحقيقة ولا تنفذ إلى العالم من خال تأماتها، والثانية التي تركز على العالم، من دون أن تولي الكائن وحقيقته الاهتمام الازم. وبناءً عليه، يقترح بديله الذي يتحرك بين حدَّي الحقيقة والعالم، والذات والموضوع من دون الانحياز إلى أحدهما، انظر: موريس

ميرلوبونتي، المرئي واللامرئي، ترجمة سعاد محمد خضر، مراجعة نيقولا داغر (بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1987)، ص.51–50

الأشياء والآخرين، وبهذا يستمد وجوده المميز. وربما كان مفهوم الاغتراب مفتاحيًا بهذا الصدد،

باعتباره انصرف غائيًا لاسترداد الطبيعة الإنسانية. وقد لاحظنا كيف جهد ماركس لتحليل الاغتراب

واستزراعه في الاقتصاد السياسي، في سعيه لنقد المجتمع البرجوازي، والرأسمالية عمومًا، لكي يؤكد

أن تحليله ليس مستمدًا من تصورات طوباوية، بل من واقع تاريخي متعين. ومن هنا، لا ينكر ماركس تغرض تحليله وغائيته، لكن المهم أن تنقى تلك الغائية من الانغاق على ذاتها، بمعنى بقائها ضمن عصر ماركس، فهي بدرجة أساسية مستقاة من التحليل العائقي للبشر وسياقاتهم، وإن ركّز ماركس على البشر والإنتاج. هذه العائقية تمثِّل، بدرجة ما، دعامة أي حوار لعصرنة فكر ماركس، وجعله قادرًا على صياغة أسئلتنا بطريقة صحيحة، إن لم نستطع استمداد بعض

الإجابات عن واقعنا منها. ومرة أخرى مع ميرلوبونتي الذي يحاور «ماركسية» ماركس بإعادة موضعة الإنسان ليصبح جزءًا واعيًا

من حركة الزمن/ التاريخ. هنا، تكتسي المفاهيم حلةً جديدة، يحضر فيها الإنسان في تفاعاته الذاتية ومع الآخرين، بطريقة تفصح المفاهيم فيها عن ذاتها بأكثر من طريقة. وضمن هذا النسق، لا تصبح الحرية سوى معرفة كيف يدرك المرء وجوده ونشاطاته وتعالقاته الخارجية بالعالم والأشياء والمؤسسات. وفي الحصيلة، يمكن اعتبار الحرية عملية تدرجية لحيازة المرء لنفسه. لكن كيف يمكن فهم التنافذ بين ما قدّمه ماركس حول الطبيعة الإنسانية «في التاريخ»، وتنضيد ميرلوبونتي للحرية ضمن نسقه الفينومينولوجي؟ بتتبّع ماركس، نقف عند مسألة الوعي الطبقي التي

تمثِّل شرطًا مسبقًا للتغيير، لكنه لم يقل كثيرًا عن كيفية تبلور هذا الوعي، وهل لهذا الوعي عاقة بهوية

طبقية، بمعنى أن إدراك العامل لذاته كبروليتاريا يمثِّل الحاضن لوعيه البروليتاري. هنا تسعفنا مقاربة ميرلوبونتي، إذ يعتبر أنه من غير الكافي أن يدرك العامل أو البرجوازي، على حد سواء، أنهما كذلك، بل المهم أن تتشكل هويتهما بما هما عليه، من خال مشروع وجودي ضمني يتعلق برؤيتنا للعالم وعاقتنا بالآخرين فيه. يبدو أن واحدة من القضايا التي تنقص تحليل ماركس للطبيعة الإنسانية أنه لم يأخذ في الحسبان مختلف التعقيدات التي تكتنف وجوده في العالم، وخاصة ما يتعلق بالوعي الإنساني. وهنا نستعيد المثال نفسه؛ فأن يعي العامل بنفسه أنه عامل، أو أن يدرك عاقته ودوره في المشروع الثوري، ليست مسألة اختيار واعٍ صرف، ولا هي أيضًا مسألة سببية أو ميكانيكية. فما عساها أن تكون؟ يجيب

(52) Maurice  Merleau – Ponty , Sense and Non–Sense , Hubert L. Dreyfus & Patricia Allen (trans.), (Evanston, IL: Northwestern University Press, 1964(, p. 128.

(((5 جدنز، ص.55–47

(54) Merleau–Ponty, p. 129.

(((5 ميرلوبونتي، ص.83

(56) Maurice  Merleau – Ponty , Phenomenology of Perception , Colin Smith (trans.), 2 nd ed. (New York: Routledge, 2002), p. 520.

ميرلوبونتي بأن ذلك نتاج عمليات جزيئية، تنضج من خال الوجود ضمن الأشياء، قبل أن تعبّر عن

نفسها في الوعي وتتعالق بالأهداف الموضوعية. بمعنى أن تتم بلورة ما هو كامن في الوجود، قبل أن يظهر على أنه وعي، أو فعل في الواقع. وهنا، ينبغي التساؤل عما يحيل الوعي الكامن ذاك إلى وعي تاريخي، وما الذي يدفع الفرد إلى إدراك ذاته ضمن طبقة أو مشروع يحمله. ربما الإجابة عن ذلك هي في فهم اجتماعية الإنسان بوصفها جزءًا

من وجوده لا بوصفها عاقة مفروضة عليه، فالفرد في المجتمع ليس شيئًا في صندوق، بل هما، أي الفرد ومجتمعه، متواشجان في وجودهما وعاقاتهما، أي لا يمكن اعتبار الفرد جزءًا من المجتمع

لمجرد وجوده فيه، بل بما هو عليه فيه. إن الدخول في عالم «الفرد» هو رحلة في حياته الاجتماعية والتاريخية والثقافية وتجاربه فيها، الأمر الذي يستدعي مفهوم ميرلوبونتي عن «الوضع» الذي يتعالق مع مفهوم ماركس عن الوجود الإنساني الحسي، والذي أسّس عليه ماركس نقده لنزعة الفصل بين الطبيعة والتاريخ من جهة، وبينهما معًا،

والإنسان من جهة أخرى؛ فوجود الإنسان في الطبيعة والتاريخ كان مازمًا لوجوده، ولكن بأشكال

مختلفة في كل عصر. ولذلك نظر ماركس إلى البين–ذاتية على أنها أساس للتاريخ، الذي تحقق عبر الإنتاج البشري، ومن دون ذلك لما كان ممكنًا لماركس استدعاء كل تحلياته الاقتصادية. المهم هنا تلك الفرادة التي تميز بها تحليل ماركس، الذي لم يتعامل مع المادة والوعي منفصلين، بل جهد لتأكيد جدلية العاقة بينهما. وهو ما يفضي إلى فهم العالم «الحسي» في عاقته بالنشاطات الحسية للأفراد الذين يشكلونه. وهو ما أكده أيضًا ميرلوبونتي، أي عدم إمكان اختزال جوهر الإنسان بالوعي، بما يجتثه من وجوده الفعال المتمثل بعاقته بالأشياء. والآن، هل يمكن رصف تعريف محدد للحرية عند ماركس؟ يجيب ميرلوبونتي بأن مفهوم ماركس

للحرية لا ينفصل عن تحديده للوجود الإنساني، الذي هو وجود لم يعان أو يحس من هو، وبلغة فينومينولوجية، منغمس في العالم، هو ذلك الوجود المرتبط بالوضع الطبيعي والاجتماعي، لكنه مفتوح في الوقت ذاته على نشاطات الإنسان المتجه إلى الاستقالية والحرية. وذلك، بالضبط، ما يحيل الضرورة إلى حرية. إن الاستناد إلى الماركسية الفينومينولوجية هنا، يخدم بطريقة ما تفسير أن يكون الإنسان عائقيًا، أي ارتباط الإنسان بالعالم، في الوقت ذاته الذي يبحث فيه عن حريته فيه. ومع

ذلك، لا يبدو أن المفهوم، الذي يقدّمه ماركس على درجة من الوضوح، لكن أهم ما فيه أنه يحمل

(57) Ibid., p. 518. (58) Merleau–Ponty, Sense and Non–Sense , p. 129. (59) Ibid., p. 134 (60) Marx, «The German Ideology,» p. 170. (61) Ibid., p. 130. (62) Merleau–Ponty, Sense and Non–Sense , p. 134.

مضامين تتجه إلى تغيير عاقات السيطرة السائدة، التي لا يمكن معها أن تكون الحرية، وضمن أي تعريف، فعلية.

خاتمة

من الواضح أن مفهمة ماركس للحرية تختلف عن التقليد الليبرالي الذي ينطلق من الفرد، فالحرية بحسب ماركس لا يمكن أن تنفصل عن العاقات والنشاط البشري، كما يتجليان في الممارسة التاريخية الحقيقية، بدل من اشتقاق مفهوم الحرية انطاقًا من تصور تجريدي لكائن بشري معزول، أو محض وجود فردي، يصطلح عليه اسم الفرد. فبالنسبة إلى ماركس، فإن الوعي والوعي الذاتي ليسا إلا نتيجة نشاط اجتماعي. وبناءً عليه، وجّه ماركس نقده إلى نظريات العقد الاجتماعي، التي تحاول تفسير دخول الكائن/ الفرد في العاقات الاجتماعية التي أسّست لتكوين المجتمعات، فبالنسبة إلى ماركس فإن تلك التفسيرات تتضمن قدرًا من التضليل، بتصويرها لحرية فردية ممعنة في التجريد، بل تكاد تحمل مضامين التنافس والصراع، على نحو لا انفصام في عراه عن وجودها ذاته، وكأن حرية الآخر/ الآخرين في حالة من تعدي بعضها على بعض. ومن هنا، إن نظريات العقد الاجتماعي أسست لما يعتبره حريات مجردة، اشتقت في الأصل من كائن إنساني، على قدر عال من التجريد (بانفصاله عن كل من الآخرين وحتى الطبيعة)، الذي يتخارج عن السياق الواقعي للوجود الإنساني، الذي هو في طبيعته اجتماعي، يحمل أنساقًا ثقافية، ضمن معطيات تاريخية معينة. وبناء عليه، فإن هذه الحرية وفق التقاليد الليبرالية تقدّم تصورًا إستاتيكيًا للحرية، تنزع عنها ديناميات التفاعل الاجتماعي التي هي أساس الوجود الإنساني. ولتأسيس انفصاله عن التقليد الليبرالي لمفهوم الحرية، يعود إلى نقطة البدء ذاتها المتعلقة بطبيعة الوجود الإنساني التي تتحدد من خال تفاعلٍ اجتماعي واعٍ في ظروف وأشراط تاريخية محددة. وفي هذا الإطار تتعين حرية الإنسان، من دون إغفال ما قد يعترضها من تحديات، هي ذاتها نتاج تفاعاته كالاغتراب، الناجم في المقام الأول عن عاقات الإنتاج السائدة، والذي يتجلى، أي الاغتراب، بنوع من تكرار الذات نشاطًا ووعيًا، أي يسقط الإنسان وفق ذلك في شرك أعدّه بنفسه. من هذه النقطة الأخيرة تحديدًا، يبدأ مفهوم ماركس حول الحرية بالتبلور، وكأنه يريد القول إن الحرية لا تنفصل عما يعتبره نضالً لانعتاق والتحرر من ذلك الشرَك، المذكور آنفًا، الذي يمثِّل قيدًا على الخلق والإبداع.

فالحرية ليست وفق ما يراه ماركس معطى جاهزًا، أو مقولةً جاهزة، بل هي صيرورة تتشك ل داخل المجتمع لا خارجه.

المراجع

العربية

والثقافة،.2014

فيبر. ترجمة أديب شيش. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، [د. ت.].

حاج عيسى. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2001

[د. ت.].

كولونيا: منشورات الجمل،.2014

الأنجلو المصرية،.2013

الشؤون الثقافية العامة،.1987

مراجعة وتقديم رضوان السيد. بيروت: دار الفارابي،.2011

الأجنبية

References

باتلر، إيمون. آدم سميث: مقدمة موجزة. ترجمة علي الحارس. القاهرة: مؤسسة هندواي للتعليم

جدنز، أنطوني. الرأسمالية والنظرية الاجتماعية الحديثة: تحليل كتابات ماركس ودركهايم وماكس

سكيربك، غنار ونلز غيلجي. تاريخ الفكر الغربي من اليونان القديمة إلى القرن العشرين. ترجمة حيدر

لوك، جون. الحكومة المدنية. ترجمة محمود شوقي الكيال. القاهرة: الدار القومية للطباعة والنشر،

ماركس، كارل. حول المسألة اليهودية. ترجمة نائلة الصالحي. كولونيا: منشوارت الجمل،.2003 ماركس، كارل وفريدريك إنجلز. البيان الشيوعي: في أول ترجمة غير مزورة. ترجمة عفيف الأخضر.

مجاهد، حورية توفيق. الفكر السياسي من أفلاطون إلى محمد عبده. ط 6. القاهرة: مكتبة

ميرلوبونتي، موريس. المرئي واللامرئي. ترجمة سعاد محمد خضر. مراجعة نيقولا داغر. بغداد: دار

هوبز، توماس. اللفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة. ترجمة دنيا حرب وبشرى صعب.

Berlin, Isaiah. Four Essays on Liberty. Oxford: Oxford University Press, 1971. Marx, Karl. Economic and Philosophic Manuscripts of 1844. Martin Milligan (trans.). Amherst, MA; New York: Prometheus Books, 1988. ________. Grundrisse: Foundations of The Critique of Political Economy. Martin Nicolaus (trans.). New York: Penguin Books, 1993. Merleau–Ponty, Maurice. Sense and Non–Sense. Hubert L. Dreyfus & Patricia Allen (trans.). Evanston, IL: Northwestern University Press, 1964.

________. Phenomenology of Perception. Colin Smith (trans.). 2 nd ed. New York:

Pettit, Philip. «Liberty and Leviathan.» Politics, Philosophy & Economics. vol. 4, no. 1

Tucker, Robert C. (ed.). The Marx–Engels Reader. New York: W.W. Norton &

Routledge, 2002.

Company, 1978.