Return to Article Details Locke and The Question of Identity: From Theological Polemic to Practical Debate

سؤال الهوية عند جون لوك: من الجدال اللاهوتي إلى النقاش العملي

Locke and The Question of Identity: From Theological Polemic to Practical Debate

محمد منادي إدريسي

Mohamed Mounadi drissi

الملخّص

لم يتناول القدماء والوسيطيون مسألة الهوية والاختلاف إلا في سياقات منطقية (جنس الـمُعَرَّف وفصله النوعي)، أو طبيعية (المادة بما هي مبدأ تفرُّد الأشخاص داخل النوع الواحد)، أو لاهوتية (وحدة الجوهر وكثرة الأشخاص أو الأقانيم في المسيحية). لا مكان في هذه السياقات كلها للحديث عن الهوية الشخصية لكل إنسان على حدة. فهوية الـمُعرَّف هي هوية النوع وليس الفرد، والهوية الفردية هوية جسمانية، وليست شخصية، وهوية الجوهر الإلهي لا تتعارض وتعدد الأشخاص. تتمثل أصالة جون لوك الفلسفية فيما يخص هذه المسألة في نقله إشكالية الهوية من إطار الجدال اللاهوتي إلى سياق النقاش العملي. لقد صنع سياقًا مختلفًا يحتضن الهوية الشخصية، فحررها بذلك من الذوبان التام في النوع، ومن الارتهان للتركيب المادي، ومن التبعية للجوهر، فأصبحت معه مرتبطة بالوعي، وصارت هي قلعة المسؤولية الأخلاقية والقانونية.

Abstract

Abstract: The question of identity and diversity has been approached by ancient and medieval philosophers via Logic (definiendum’s genus proximum and differentia specifica), or Physics (matter as the principle of individuation within the same species), or Theology (the unity of essence and multiplicity of persons or hypostases in Christianity). There is no place in these contexts for any discussion of the personal identity of each and every person alone. The identity of the definiendum is the same as that of the species’; not the individual’s, the individual identity is physical; not personal, and the identity of the divine essence does not contradict the multiplicity of persons. In this respect, the philosophical authenticity of John Locke lies in his transformation of the issue of identity from the theological polemic to the context of practical debate. He created a different context that embraces the individual identity, liberating it thereby from being totally cancelled out in species, indebted to material composition, and from dependence on the essence. With Locke, personal identity has become both dependent on consciousness and the center of legal and moral responsibility.

الكلمات المفتاحية:
  • الهوية
  • الاختلاف
  • الجوهر
  • الإنسان
  • الوعي
  • الذاكرة
  • الشخص
  • المسؤولية
Keywords:
  • Identity
  • Difference
  • Essence
  • Human
  • Consciousness
  • Memory
  • Person
  • Responsibility

المُعرَّف وفصله النوعي)، أو طبيعية (المادة بما هي مبدأ تفرُّد الأشخاص داخل النوع الواحد)، أو

لاهوتية (وحدة الجوهر وكثرة الأشخاص أو الأقانيم في المسيحية). لا مكان في هذه السياقات

كلها للحديث عن الهوية الشخصية لكل إنسان على حدة. فهوية المُعرَّف هي هوية النوع وليس

الفرد، والهوية الفردية هوية جسمانية، وليست شخصية، وهوية الجوهر الإلهي لا تتعارض وتعدد

الأشخاص. تتمثل أصالة جون لوك الفلسفية فيما يخص هذه المسألة في نقله إشكالية الهوية

من إطار الجدال اللاهوتي إلى سياق النقاش العملي. لقد صنع سياقًا مختلفًا يحتضن الهوية

الشخصية، فحررها بذلك من الذوبان التام في النوع، ومن الارتهان للتركيب المادي، ومن التبعية

للجوهر، فأصبحت معه مرتبطة بالوعي، وصارت هي قلعة المسؤولية الأخلاقية والقانونية.

مقدمة

لا تُذكر الهوية Identity إلا مقترنةً بالاختلاف Difference، فهما مفهومان متلازمان، ومتقابلان على سبيل التضاد. إنهما متلازمان، لأن الحديث عن أحدهما يستلزم الآخر ويستدعيه ضمنيًّا

أو صراحة؛ إذ إنّ التمييز بين شيئين يعني، في الوقت نفسه، أن لكل منهما هوية تختلف عن هوية الآخر، كما أن بيان أن شيئين متماهيين ومتماثلين تماثلً تامًّا يعني أنه لا اختلاف بينهما. عند الحديث عن الهوية نوظف عادةً عبارات أو كلمات من قبيل: تماثل تام، وتطابق، ونفس، وعين، وهو هو، وذات، وغير ذلك. وعند الحديث عن الاختلاف نستخدم كلمات من بينها: تباين، وتمايز، وفرق، وليس، وغير، وآخر، وغيرها. أما التضاد بينهما، فيبرز بوضوح في تعريفهما: ف «الهوية»، بالمعنى العام، هي صفة لما يبقى هو هو رغم مرور الزمن، أو لما هو متماثل تماثلً تامًّا مع شيء آخر. فهي

ليست مجرد تشابه، ذلك أنّ الأشياء مهما بلغت درجة تشابهها يختلف بعضها عن بعض في صفة أو أكثر، كما ينص على ذلك مبدأ اللامتمايزات عند غوتفريد وليام لايبنتز Leibniz Wilhelm Gottfried (716–1646.)1 وحتى يتماهى شيئان، لا بد أن يكونا غير متمايزين، أو قل: لا بد من أن تكون إمكانية التمييز بينهما معدومة. والهوية قد تكون عددية، وهي تدل على الشيء من جهة ما هو واحد، أي من جهة كونه هو هو، وقد تكون كيفية، وهي صفة لموضوعين إن كانا – رغم اختلافهما في الزمان والمكان – متشابهين في الخصائص تشابهًا تامًّا، كما أنها قد تكون منطقية، وهي تدل على علاقة التساوي أو

التكافؤ الرياضي، أو على التعريف الذي يكافئ المعرَّف مثل قولنا: «الإنسان: حيوان ناطق». أما «الاختلاف»، فيدل على علاقة تغاير بين طرفين أو أطراف عديدة، سواء أكانت موضوعات أو أفرادًا أو أحاسيس أو أفكارًا. وهذا التغاير قد يكون عدديًّا لا نوعيًّا، كاختلاف رجل عن رجل، وإن اشتركا في

النوع (الإنسان) وقد يكون كيفيًّا، كاختلاف الرجل عن المرأة. وللاختلاف معنى خاص مهم، يتمثل في

الطابع المميز لكل كائن عمّا عداه. وهو بهذا المعنى خاصية مباطنة تحدد فرادة هذا الكائن وأصالته،

وهذا المعنى هو الذي ركز عليه فلاسفة الاختلاف المعاصرون. عُولجت مسألة الهوية والاختلاف من زوايا متعددة، أنطولوجية ومنطقية ومعرفية وسيكولوجية، وهي اليوم تمثل حجر الزاوية في النقاشات السياسية والاجتماعية والأنثروبولوجية. تناول الفيلسوف الإنكليزي جون لوك Locke John (704–1632.)1 هذه المسألة في إطار تحليل مستفيض لبنية الذهن Mind ومنطق العمليات الذهنية، أي في إطار ما سمي لاحقًا «نظرية المعرفة». وقد بسط لوك هذا التحليل في كتابه المهم رسالة في الفهم البشري. إنّ لمفهومَي الهوية والاختلاف، بحسب لوك، أهمية

بالغة في هذا السياق؛ فمن دونهما، لن تكون هناك معرفة ولا استدلال ولا خيال، ولن يكون التمييز بين الأفكار، عمومًا، ممكنًا، فهما أول إجراء يقوم به الذهن عندما يشرع في الإدراك، ويحصل على

(1) J.P. Ginisti, "Identité," in: Encyclopédie philosophique universelle , publié sous la direction d’André Jacob, volume II: Les notions philosophiques , volume dirigé par Sylvain Auroux, Tome 1 (Paris: PUF, 1990), pp. 1210–1211. (2) R. Burger, "différence," in: Encyclopédie philosophique universelle , pp. 656–657.

ملاحظة: لم أستقصِ جميع معاني كلمتَي «الهوية» و«الاختلاف» الواردتين في الموسوعة، بل ركزتُ على المعاني الفلسفية فقط.

الإحساسات والأفكار. إن القدرة على التمييز وإدراك الفروق مساوقةٌ لجميع عمليات الذهن، ومن خلالها يدرك الذهن أن كل فكرة مطابقة لنفسها، وأنها ليست أخرى. يؤصل لوك هذين المفهومين ويبين منشأهما وطبيعتهما: إنهما علاقتان تتكونان في الذهن عند مقارنة فكرة بأخرى أو إحساس بآخر، وهما نسبيان ولا ينطبقان على جميع الأشياء (جواهر روحية، أجسام، كائنات عضوية، الإنسان، الشخص، وغير ذلك) بالمعنى نفسه. وأصعب ما في الأمر هو تحديد الهوية الشخصية. ولذلك يتوقف لوك عندها طويلً، ويقدم بصددها رؤية يعدّها بعض الدارسين مَأثُرة له تجعله يستحق لقب «الرائد»، أو «المبتكر»، أو «المؤسس». سيتم تناول تلك المسائل بالتفصيل وفق الترتيب الآتي:.1 موقع مقالة « الهوية والاختلاف » من كتاب رسالة في الفهم البشري، وصلة الوصل بين تأصيل لوك لمبدأ الهوية ونقده مذهب الأفكار الفطرية. 2. هوية الجواهر..3 هوية الإنسان، وهوية الشخص، وهذه هي المسألة الوحيدة التي ما تزال حية في أوساط الفكر الأنكلوساكسوني..4 أصالة منظور لوك وقيمته.

أولا: سياق التناول وإعادة التأصيل

خصص لوك الفصل السابع والعشرين من الكتاب الثاني من مؤلفه الأساسي رسالة في الفهم البشري لتحليل مفهومي «الهوية والاختلاف». لم يكن هذا الفصل موجودًا في الطبعة الأولى من كتابه (9016)، بل إنه قد أضافه (إلى جانب فصول أخرى) في الطبعة الثانية (9416)؛ وذلك لمواجهة اعتراضات اللاهوتيين الذين أبدوا خشيتهم من انحلال جوهرية النفس التي هي أساس جميع الأدلة على خلودها، ولتقديم حجج موجهة لحل مشكل الهوية الشخصية. دشن لوك في «الرسالة» مبحث «نظرية المعرفة» الذي توسع بعده على يد فلاسفة آخرين من قبيل إيتيان بانوت دو كوندياك Condillac de Bonnot Étienne (780–17141)، ودافيد هيوم Hume David (776–17111)، وجورج بيركلي (1685–1753 Berkeley George)، وإيمانويل كانط Emmanuel Kant (804–1724.)1 لقد كان لوك من أوائل الذين انتبهوا إلى أن منطلق التفلسف الصحيح ليس هو الأنطولوجيا، ولا الفيزياء (معرفة ما هو كائن)، ولا الفيزيولوجيا، أي المعرفة المتعلقة بحواسنا، بل هو الإبستيمولوجيا، أي المعرفة المتعلقة بقدراتنا المعرفية. فقبل أن نشرع في معرفة الأشياء،

(3) Étienne Balibar, "Introduction: Le traité lockien de l’identité," in: Jhon Locke, Identité et différence: L’invention de la conscience , Étienne Balibar (trad.) (Paris: Editions du Seuil, 1998), pp. 10, 66. (4) Yves Michaud, Locke (Paris: Bordas, 1986), p. 75.

علينا أن نهتم بدراسة ما به نعرف، أي ملكات المعرفة. وبعبارة أخرى؛ بدلً من أن ننظر في الأشياء التي نود معرفتها، علينا أن نُصوّب النظر نحو الفهم الذي يعرفها. إن هدف «الرسالة» هو «القيام ببحوث تتعلق بأصل المعرفة البشرية ويقينها ومداها، وفي الوقت نفسه بأسس ودرجات الاعتقاد والرأي والتصديق». تكمن فائدة هذا التحديد المسبق لقدرتنا المعرفية في أنه يصرفنا عن البحوث التي تتجاوز قدراتنا وتوقعنا في الحيرة: «إن كان هذا البحث في طبيعة فهمنا يتيح اكتشاف قدراته (المدى الذي يصل إليه، وما هو مهيَّأ له، والحالات التي لا يصلح لها)، فإنني أظن أن هذا البحث قد يكون مفيدًا؛ إذ سيُمكِّن من ضبط الذهن المضطرب للإنسان، فيكون أكثر احتراسًا عندما يعالج أمورًا تتخطى إدراكه، ويتوقف عندما يصل إلى مأزق، ويكتفي بجهل مريح فيما يخص الأمور التي يبين الفحص أنها خارج متناول قدراته. وعندئذ قد نكون أقل استعجالً، بذريعة معرفة شاملة، فنثير مشكلات ونقلق أنفسنا وغيرنا بمجادلات حول موضوعات ليس فهمنا كفؤًا لتناولها، موضوعات لا يستطيع أن يدركها ذهننا بوضوح وتميز، أو ليس لدينا عنها أي تصور على الإطلاق». خصص لوك الجزء الأكبر من الكتاب الأول من رسالته لنقد مذهب الأفكار الفطرية. ويقدم لوك الدعوى الأساسية لمناصري هذا المذهب من دون أن يسميهم قائلً: «يبدو من الثابت، في نظر البعض، أنه توجد في الفهم مبادئ فطرية، أو معانٍ أولية أو مشتركة، أو بصمات يُزعم أنها منقوشة في الذهن البشري، وقد تلقتها النفس منذ بداية وجودها، وحملتها معها إلى العالم في الوقت نفسه الذي حلت فيه». ومن بين هذه المبادئ التي تعتبر فطرية، مبدأ الهوية القائل: «ما من شيء إلا وهو هو دائمًا»، ومبدأ عدم التناقض القائل: «من المستحيل فيما يخص الشيء نفسه أن يكون وأن لا يكون في الوقت نفسه». يبين لوك أن مثل هذه المبادئ ليست مفطورة في الوعي، وليست كونية، محتجًا بما يأتي: • إنّ إجماع الناس على صحة هذه المبادئ – حتى لو صحّ – لا يقوم دليلً على أنها مفطورة في النفس، ولو قُدم تفسير آخر لاتفاق الجنس البشري على صدق هذه المبادئ – من دون اعتماد على القول بفطريتها – لأضحى هذا الافتراض نَفْلً لا داعي له. • للأطفال والبلهاء والهمج عقول، ولكنهم لا يعرفون هذه المبادئ، ولو كانت مركوزة أو مفطورة في أذهانهم لأدركوها، وهذا دليل على أنها ليست كونية.

(5) John Locke, Essai sur l’entendement humain , I, 1, § 2, Livres I et II, J.M. Veinne (trad.) (Paris: Vrin, 2001), p. 58. (6) Ibid., I, 1, § 4, p. 60. (7) Ibid., I, 2, § 1, p. 65. (8) "Tout ce qui est, est", "Il est impossible pour la même chose d’être et de ne pas être" in: Ibid., I, 2, § 4, p. 67. (9) Ibid., I, 2, § 3, pp. 66–67. (10) Ibid., I, 2, § 5, pp. 67–68.

• قد يقال: إن الحقائق الفطرية مطبوعة في النفس من دون أن تدركها أو تفهمها. غير أن هذا القول متناقض؛ فكون شيء ما مطبوعًا في الذهن يعني أن الذهن يدركه ويفهمه. ومن التناقض أن نقول إن قضية ما توجد في الذهن، ولكن الذهن لا يعيها ولا يتصورها. وإثبات عكس ذلك يعني القول إن الذهن يفكر، من دون أن يدرك أنه يفكر، فهذا غير معقول كعدم معقولية القول بأن الجسم ممتد، ولكن ليس له أجزاء. ينتهي نقد لوك إلى إثبات خطأ الفكرة القائلة بأن بعض الأفكار تدين بكونيتها إلى أنها مفطورة في ذهن الإنسان. إن كلية بعض المبادئ النظرية (ومنها مبدأ الهوية) ليست معطاة، بل يتم بناؤها في الوعي، وما هو كوني Universal ليس هو المنطوقات أو القضايا المعبرة عن الهوية أو عدم التناقض، بل هو عدم تناقض الذهن itself with mind the of contradiction – non The، أي تماهي الذهن أو تطابقه مع نفسه itself with mind the of identity The. ذلك أن تجربة كل فرد، بحسب لوك، تشهد على أن الذهن لا يمكن أن يفكر من دون أن يعرف أنه يفكر، أو أن يفكر ولا يفكر في الآن نفسه، وهذا هو الوعي Consciousness. فالوعي يصاحب الفكر دائمًا وأبدًا؛ فما إن يدرك الفكر أنه يفكر حتى يشرع

في التعرف إلى نفسه، وإلى أحواله وعملياته. سيثبت لوك في الفقرة 9§ من المقالة أن هوية الشخص البشري تقوم على الوعي، وما كان للوعي أن يضمن هوية الشخص لو لم يكن يتضمن في ذاته مبدأ الهوية. لا يعني هذا الأمر أن هذا المبدأ قضية مغروسة فيه فطريًّا، بل هو ميزة أصيلة للوعي تتمثل في تماهيه مع ذاته؛ نتيجةً لكونه قادرًا على الانعكاس على نفسه، وبهذا يتخلى لوك عن افتراض الفطرية، ولا يحتفظ من الإرث الديكارتي إلا بالفكرة التي تنص على أن الفكر حاضر حضورًا مباشرًا بالنسبة إلى ذاته، وأنه ينعكس على ذاته. بعد إثبات أن الوعي خاصية ملازمة لكل فعل يقوم به الذهن؛ إذ هو بالتعريف «إدراك الإنسان لما يجري في ذهنه الخاص»، يأتي الحديث في الكتاب الثاني عن بنية الذهن، أي بيان من أين تأتي مواد كل تفكير (وهي الأفكار) وتحليل العمليات الذهنية. يقدم لوك، بعد إبطاله مذهب «فطرية الأفكار»، فرضية جديدة لتفسير مصدر الأفكار ومنشئها مفادها أن الذهن البشري يشبه صفحة بيضاء لم يُخَطّ عليها أيّ حرف، وخالية من أي فكرة. والسؤال الذي يفرض نفسه عندئذ هو: من أين يتزود الذهن البشري بالأفكار؟ ثم من أين يستمد المُعدات التي تشكل مواد العقل والمعرفة؟ والجواب يُجْمله لوك في كلمة واحدة: إنه يستمد ذلك كله «من التجربة؛ إذ عليها تتأسس معرفتنا بكاملها، وتجد فيها ينبوعها في آخر المطاف. ذلك أن الملاحظة، سواء انصرفت إلى

(11) Ibid., I, 2, § 5, pp. 67–69.

(1((أستعمل كلمة «ذهن» مقابل كلمة Mind، وكلمة «روح» مقابل كلمة Spirit.

(13) Balibar, p. 75. (14) Ibid., p. 72. (15) Locke, Essai sur l’entendement humain , II, 1, § 19, p. 180.

الموضوعات المحسوسة الخارجية، أو إلى عمليات الذهن الداخلية التي ندركها ونتفكر فيها، هي التي تزود الفهم بمادة التفكير كلها. هذان هما مصدرَا المعرفة اللذان منهما تنبجس كل الأفكار التي لدينا،

أو التي يمكن أن نحصل عليها على نحو طبيعي». للأفكار، إذًا، منبعان فقط: إنها تأتي إما من الإحساس Sensation، أي الإدراك الحسي لخصائص موضوعات العالم الخارجي، وإما من ارتداد الذهن إلى ذاته، أي تفكّر الذهن في عملياته وأفعاله المخصوصة Reflection. يقول لوك: «إن حواسنا تتجه نحو موضوعات محسوسة فردية، فتُدخل إلى الذهن الكثير من الإدراكات الحسية المتمايزة عن الأشياء، تبعًا للطرق التي بها تتأثر بتلك الموضوعات [...] وبما أن هذا المنبع المهم لمعظم الأفكار التي لدينا، يتوقف كلّه على حواسنا، وبواسطتها ينتقل إلى الفهم، فإنني أسميه الإحساس [...] والمصدر الآخر، الذي منه تستمد التجربة ما به تزود الفهم بالأفكار، هو الإدراك الداخلي لعمليات الذهن نفسه إبان انشغاله بالأفكار المكتسبة. وبما أنني سميت المنبع الأول بالإحساس، فسأسمي هذا بالتفكر». إن الأفكار، إذًا، هي مواد كل تفكير. وأصلها جميعًا هو التجربة التي هي إما خارجية (الإحساس)، وإما داخلية (التفكر)، وهذه الأفكار تنقسم بحسب لوك إلى نوعين: • أفكار بسيطة يتلقاها الذهن على نحو سالب ولا ينتجها، وهو لا يستطيع أن يغيرها أو يلغيها أو يستبدل غيرها بها؛ إذ «ليس في قدرة الابتكار التي لا يكبحها لجام، أو الفهم الأكثر يقظة، أيًّا تكن

سرعة تفكيره أو خصوبتها، أن يخترع في الذهن فكرة بسيطة واحدة جديدة، لم تأتِ من الطرق التي ذكرناها، كما أن قوة الفهم ليست قادرة على تحطيم الأفكار الحاضرة». • أفكار مركبة، يكوّنها الذهن باستخدام الأفكار البسيطة موادَّ له، وذلك بالجمع بينها في تركيبة واحدة،

أو الفصل بينها عبر التجريد، أو بمقارنتها بعضها ببعض من دون توحيدها في فكرة واحدة. وبهذه المقارنة يكوّن الذهن أفكاره عن العلاقات، ومنها فكرتَا الهوية والاختلاف. تنتمي الأفكار الخاصة بالعلاقات relations of Ideas، إذًا، إلى فئة الأفكار المركبة، فهي لا تنشأ إلا من خلال مقارنة فكرة، بسيطة كانت أو مركبة، بفكرة أخرى. والعلاقات التي ينشئها الذهن إنما هي علاقات بين أفكار، لا بين أشياء. ولأن الهوية والاختلاف علاقتان، فإنهما أيضًا ينطبقان على أفكار، وليس على أشياء. إنّ الهوية والاختلاف علاقتان يقيمهما الذهن بين أفكار بسيطة كانت أو مركبة، بل هما كما يقول لوك: «أول عمل يقوم به الذهن عندما يحصل على الأفكار والإحساسات، فيعرف ما بينها من اختلاف، وأن

(16) Ibid., II, 1, § 2, p. 164. (17) Ibid., II, 1, § 3–4, pp. 164–165. (18) Ibid., II, 2, § 2, p. 188. (19) Ibid., II, 12, § 1, pp. 265–266. (20) Locke, Identité et différence , pp. 199–200.

كل واحد منها هو هو وليس آخر، ومن دونهما لن توجد معرفة ولا استدلال ولا خيال ولا تمييز بين الأفكار بصفة عامة». تجدر الإشارة إلى أن عنوان مقالة لوك هو الهوية والاختلاف، غير أن تحليلاته انصبّت أساسًا على

مشكلة الهوية، ولم يتناول الاختلاف تناولً مباشرًا. لا ينطبق مفهوم الهوية بالشاكلة نفسها على جميع المجالات، أو لنقل إنه ليس مفهومًا متواطئًا Unequivocal. يؤكد لوك هذا المبدأ في فقرات عديدة من مقالة الهوية والاختلاف: فهو يقول في الفقرة 3§ إن هوية كتلة مادية تختلف عن هوية جسم حي، ويؤكد في الفقرة 7§ أن وحدة الجوهر لا تحدد الهوية في جميع الحالات، وأن الهوية أنواع لا يمكن اختزالها جميعًا إلى وحدة الجوهر. إن الهوية بحسب لوك تختلف باختلاف الأفكار التي تدل عليها الأسماء؛ فكلمات «الجوهر» و«الإنسان» و«الشخص» تدل على أفكار مختلفة، ومن ثم فإن هوية كل واحد منها يختلف عن هوية الآخر. وكل غموض أو صعوبة يواجهاننا عند معالجة مشكل الهوية، إنما يأتيان من سوء استعمال الأسماء؛ إذ إنّ الغموض في هذه الحالة لا يعود إلى الأشياء نفسها، بل إلى الاستعمال اللغوي.

ثانيًا: هوية الجواهر

بشأن هوية الجواهر Identity of Substances، يتحدث لوك في بداية الفقرة 1§ عن ميزة صورية للهوية تتمثل في أن إجراء المقارنات، ومن ثم تحديد الفروق، يتوقفان على إمكانية النظر إلى الأشياء الموجودة نفسها على أنها متماهية مع نفسها، وعلى إمكانية اعتبار الشيء المتماهي مع نفسه شيئًا لا يختلف عن نفسه. وبعد ذلك يُدخل على هذه الميزة الصورية تخصيصًا هو الزمن؛ فالموجودات تتمايز من جهة الزمن الذي فيه تكون والموضع الذي تشغله. الهوية والاختلاف، إذًا، مفهومان نسبيان، وللزمان هنا أهمية تفوق أهمية المكان: لأن هوية المكان أو اختلافه لا تثير أيّ مشكلة بهذا الخصوص؛ إذ لا يمكن أن يشغل شيئان مختلفان مكانًا واحدًا إن كانا من «النوع نفسه»، وإن شغلا مكانين مختلفين فهما بالضرورة متمايزان. يقول لوك: «من المستحيل أن يوجد شيئان من النوع نفسه في الوقت نفسه في المكان نفسه، أو أن يوجد الشيء الواحد نفسه في أماكن مختلفة». إنّ فكرتنا عن الجوهر، بحسب لوك، فكرة غامضة، ولذلك يجب استعمالها استعمالً نقديًا وحذِرًا. والجوهر، في نظره، إما جسماني وإما روحاني. والأول ما هو إلا فكرة عن شيء مجهول نفترض وجوده وراء الصفات الحسية للجسم (الامتداد، الصلابة، الحركة، وغيرها). إنه حامل الأعراض، أي هو ما يربطها ويجعلها متماسكة. أما الثاني، فهو كذلك مجرد افتراض شيء غير مادي، حامل لعمليات

((2(أورده إتيان باليبار في: 192. p., Ibid.

(22) Ibid., p. 143. (23) Ibid., p. 181. (24) Ibid., p. 135.

التفكير والإرادة، وهو نوعان: جوهر روحاني متناهٍ (=النفس)، وجوهر روحاني لا متناهٍ (=الله). وفي هذه الحالات الثلاث يبقى الجوهر مجهولً ولا يمكننا معرفته. هذه الجواهر الثلاثة: الله والروح المتناهي والجسم، لا يستبعد الواحد منها الآخرين من شغل المكان نفسه. فالله حالٌّ في كل مكان، والنفس تتحد بالجسم في المكان نفسه، غير أن كل واحد منها «لا بد أن يستبعد بالضرورة من المكان نفسه كل جوهر آخر من النوع نفسه الخاص به، وإلا لما كان لمفهومَي الهوية والاختلاف أي معنى، ولما كان التمييز بين الجواهر ممكنًا».

1. هوية الجواهر الروحانية

لا تثير هوية الجوهر الروحاني اللامتناهي (الإله) أي إشكال؛ إذ ليس لهذا الجوهر بداية في الزمان، كما أنه لا يتموضع في أيّ مكان، إنه أزلي وحاضر في كل مكان. إن مشكل الهوية لا يطرح إلا بالنسبة إلى الجواهر المتناهية، روحانية كانت أو مادية، فهي التي قد تتغير تركيبتها أو عملها أو شكلها مع مرور الزمان. للأرواح Spirits أو العقول المتناهية intelligences Finite بداية محددة في الزمان، وموضع محدد في المكان، وهوية كل واحد منها تظل محددة ببداية وجوده في الزمان والمكان، كلما استمر في الوجود.

2. هوية الجواهر المادية

تتوقف هوية الأجسام على احتفاظها بالتركيبة المادية ذاتها، ذلك أن «كل جزيء من المادة of Particle matter يظل هو عينه، ما لم تضف إليه مادة أو تنتزع منه». هناك فارق كبير بين الأجسام المادية والأجسام العضوية الحية، وهذا الفارق هو ما يجعل هوية الأولى تختلف عن هوية الثانية. فما يحدد هوية الأجسام المادية هو التركيبة المادية، أي إنّ الجسم، بسيطًا كان أو مركبًا، إذا احتفظ بالتركيبة ذاتها، فإنه يبقى هو عينه ما دام موجودًا، فمثلً: «إذا انضافت ذرتان أو

أكثر إحداهما إلى الأخرى، فكونتا كتلة واحدة هي نفسها، فإن هذه الكتلة ستبقى هي هي، كيفما كانت الكيفية التي اتحدت بها هذه الذرات [...] أما إذا انتزعت إحدى الذرات من هذا المزيج، أو أضيفت إليه ذرة جديدة، فإن الكتلة لن تبقى هي عينها، والجسم المكون منها لن يكون هو عينه». أما هوية المخلوقات الحية creatures Living، فلا تتوقف على كتلة مكونة من جزيئات المادة نفسها، وذلك لأن التغير قد يشمل أجزاءً مهمة منها، زيادةً أو نقصانًا، ومع ذلك لا تتغير هويتها. ففي حالتَي

شجرة الصنوبر التي كانت نبتة، ثم صارت فيما بعد شجرة باسقة، والفرس الذي كان مهرًا صغيرًا ثم

صار كبيرًا، لا تبقى الكتلة هي نفسها، بل تتغير، فتنضاف إليها عناصر جديدة أو تنقص منها، ولكن

(25) Ibid., pp. 135–137. (26) Ibid., p. 135. (27) Ibid., p. 139.

الصنوبرة تبقى هي عينها، والفرس يظل هو عينه، وذلك لأن كتلة المادة في هاتين الحالتين ليست مجرد تجمع أو ركام من جزيئات المادة، بل إن هذه الجزيئات تنتظم انتظامًا عضويًا Organization لتكوّن جسمًا واحدًا متماسكًا تسري فيه حياة مشتركة واحدة. واشتراك الأجزاء المادية في حياة واحدة بعينها، وحفاظها على هذا التنظيم العضوي، هو ما يضفي عليها صورة نوعية أو هوية فردية Individual identity، بمعنى «أن هذا التنظيم العضوي المخصوص يظل في كل لحظة حاضرًا في هذا التجمع

المتحد من المادة، وهو كامن في هذا التجمع المخصوص المختلف عن كل ما عداه، وهو من يُكوِّن هذه الحياة الفردية». من المؤكد أن أجزاء مادية تنقص من هذا المجموع، وأخرى تنضاف إليه في تعاقب مستمر، ولكن هوية النبتة أو الحيوان لا يمسها تغير من جرّاء ذلك، ما دامت الأجزاء الجديدة

تتحد اتحادًا وثيقًا بهذا التنظيم العضوي القادر على نقل تلك الحياة المشتركة نفسها إلى جميع الأجزاء التي اتحدت به. إن التفرّد يقوم على عدم تغير العضوية الحية، أي دوام الجسم حيًّا، والتنظيم العضوي

هو ما يضمن للكائن الحي استمرار صورته النوعية وبقاءها رغم مرور الزمان وتغير المكان. خلاصة القول إن هوية الكائن الحي تقوم على استمرار حياة واحدة بعينها، حياة تحلّ في كل جزيئات المادة التي تتحد بجسم الحيوان، وليس على بقاء الكتلة المادية نفسها: «إن هوية الحيوان تبقى محفوظة، رغم تغير الجواهر المادية، ورغم تغير الأجسام الجزئية»، لأنها تُحفظ في هوية الحياة، وليس في هوية الجوهر.

ثالثًا: هوية الإنسان

لا تختلف هوية الإنسان Man of Identity باعتباره فردًا بشريًّا معينًا Human Individual، كآدم وسقراط وبولس وإسماعيل وبيلاطس، عن هوية الحيوان؛ ففي الحالتين معًا تقوم هذه الهوية على «جسم مُتعَضٍّ، قادر على أداء وظيفته، ويواصل الحياة بفضل تنظيم عضوي واحد، فيه تتدفق بالتعاقب جزيئات المادة ويعوض بعضها بعضًا، وهي جزيئات تتحد اتحادًا حيًّا بالجسم المُتَعضي نفسه».

ولو كان الأمر غير ذلك، أي لو كانت هوية النفس وحدها هي التي تشكل هوية الإنسان وفرادته، لَلزم عن ذلك نتيجة غريبة، ذلك أنه «لما لم يكن هناك في طبيعة المادة ما يحول دون أن يتحد الروح الفردي نفسه بأجسام مختلفة، فإنه لا شيء سيحول دون أن يكون هؤلاء الناس [آدم وسقراط وبولس وإسماعيل وبيلاطس... إلخ] الذين عاشوا في عصور مختلفة، وكانت لهم طبائع مختلفة، إنسانًا واحدًا بعينه». وهذا ما يقود إلى السقوط في دعوى القائلين بتناسخ الأرواح. إن النفس وحدها لا تكفي لتشكيل إنسان واحد بعينه، اللهم إلا في نظر من ربطوا ماهية الإنسان بأكملها

(28) Ibid. (29) Ibid., p. 141. (30) Ibid., p. 155. (31) Ibid., p. 141. (32) Ibid., p. 143.

بالنفس، لأننا قد نتصور بسهولة أن شخصًا عند المبعث هو عينه، وإن كان في جسد تختلف هيئته وبنيته وأجزاؤه عما كان عليه في الحياة الدنيا، كما يمكن أن نتصور بسهولة أيضًا أنه لو حصل أن دخلت نَفْسُ أميرٍ في جسد إسكافي حاملة معها الوعي بالحياة الماضية للأمير، فسيكون الإسكافي والأمير شخصًا واحدًا بعينه، ولكن ليس الإنسان نفسه. إن الجوهر اللامادي لا يكفي وحده لتشكيل الإنسان عينه، لأن الجسد يدخل أيضًا في تركيب الإنسان وتكوينه، «والنفس بجميع أفكارها الأميرية لن تشكل إنسانًا آخر؛ إذ سيظل الإسكافي في عين الجميع الإسكافي نفسه». إنّ الفكرة التي يدل عليها اسم «الإنسان» عبارة عن حيوان ذي صورة Form محددة. وكل من يمتلك هيئة الإنسان وبنيته يسمى إنسانًا حتى لو لَمْ يُظهر من العقل أكثر مما يُظهره ببغاء، كما أن الببغاء حتى لو تحدث واستدل وتفلسف سيسمى ببغاء، وكل ما يمكن أن يقال عنهما هو أن الأول إنسان بليد معدوم العقل، وأن الثاني ببغاء ذكي وعاقل. يوجه لوك هنا نقدًا للتعريف الأرسطي الذي يختزل الإنسان في فكرة كائن عاقل: إن «الجسد عينه، المكون من أجزاء مادية متعاقبة لا تتجدد بكاملها دفعة واحدة، يدخل في تكوين الإنسان نفسه، مثله مثل الروح اللامادي».

رابعًا: الهوية الشخصية

تختلف هوية الإنسان بوصفه شخصًا Person عن هويته باعتباره فردًا Individual. فالهوية الفردية تقوم – كما أسلفت القول – على الاحتفاظ بالصورة النوعية واستمرار الحياة عينها، حتى لو تغيرت الكتلة المادية. أما الهوية الشخصية Identity Personal، فتقوم كما سنرى على استمرارية الوعي في الزمان، وهذه الاستمرارية هي التي تسمى بالذاكرة. تدل كلمة الشخص على «كائن مفكر وعاقل Intelligent يمتلك القدرة على التعقل والتفكر Reflection، وعلى النظر إلى ذاته باعتباره هو هو، أي باعتباره الشيء المفكر نفسه في أوقات وأمكنة مختلفة. هذه القدرة على التعقل والتفكر، باعتبارها انعكاسًا للفكر على ذاته، هي ما يجعل الشخص يدرك أنه هو هو عينه، رغم مرور الزمان وتغير المكان، وهذا هو ما يسميه لوك ب «الوعي».

(33) Ibid., p. 163. (34) Ibid., p. 161.

تختلف هوية الإنسان اختلافًا جذريًا عن هوية الشخص: الأولى تقوم على استمرار حياة واحدة بعينها تتدفق في كل جزيئات المادة

المتحدة بالجسم العضوي، أما هوية الشخص، فتقوم على هوية الوعي، وهذا ما سيأتي بيانه.

(35) Ibid., p. 145. (36) Ibid., p. 149.

(3((لا تؤدي كلمة «تفكر» المعنى المقصود في اللفظ الفرنسية réflexion، أو اللفظ الإنكليزية reflection الذي يدل على قدرة الذهن أو الفكر على الانعكاس على نفسه والتفكير في عملياته وإجراءاته. ولكنها أقرب إلى المعنى المقصود من كلمة «تأمل» المستعملة في الغالب مقابلً لهما.

(38) Locke, Identité et différence , p. 149.

عرَّف لوك الوعي بأنه «إدراك الإنسان ما يجري في ذهنه الخاص». إن الذهن يتعرف مباشرة إلى

العمليات التي تجري في داخله، فيكون في الآن نفسه فاعلً وملاحظًا. فالوعي، إذًا، ميزة أساسية للذهن تجعله دائمًا متماهيًا مع نفسه؛ إذ هو ملازم له دائمًا، ما دام أنه «من المستحيل أن يدرك أحد ما،

من دون أن يعي كذلك أنه يدرك». إن« هوية الوعي» هذه لا ترتد إلى مبدأ مفطور في النفس، وهي تختلف عن الأطروحة الديكارتية التي تقول: «النفس تفكر دائمًا». إنها تعني أن الذهن متماه مع نفسه، باعتباره فاعلية أو عملية تفكير. فما إن

يفكر الذهن أو يدرك أمرًا، فإنه يعرف حالً أنه يفكر أو يدرك، فيشرع في التعرف إلى أحواله وعملياته.

إن هذا الوعي «الذي يصاحب التفكير دائمًا، هو ما يجعل من كل واحد هو هو ذاته، ويجعله متميزًا

عن جميع الأشياء المفكرة الأخرى». وعليه، فإن الهوية الشخصية، أو لنقل، إن «العينية »The Sameness لا تقوم إلا على الوعي، وهي تمتد لتشمل كل ما يمكن أن يدركه هذا الوعي من أفعال وأفكار ماضية. وهنا يُدخل لوك بعدًا جديدًا يُخرج الوعي من ضيق الحاضر والمباشر ليفتحه على أفق

الماضي، وهذا البعد أصيل في الوعي، وهو الذاكرة Memory؛ إذ بها «تتسع الهوية الشخصية لتشمل كل الأفكار والأفعال الماضية التي يدركها الوعي، فالذات حاليًّا هي الذات نفسها التي كانت من قبل،

والذات التي قامت بهذا الفعل في الماضي هي الذات عينها التي تستعيده وتستحضره في الذهن. يفحص لوك، بعد تقديم أطروحته هذه، الصعوبات التي تعترضها: أول هذه الصعوبات يتمثل في أن الوعي ليس سلسلة مترابطة الحلقات، بل هو مسار متقطع بفعل النسيان، والنوم العميق، وعجز الذهن عن استحضار جميع الأفعال الماضية دفعة واحدة، واهتمامه في أغلب الأحيان بالأفكار الحالية. ألا يعني هذا كله الوقوع في «مطب» القول بتعدد الجواهر في الشخص الواحد، على اعتبار أن الجوهر هو الذي يفكر، في الشخص؟ يجيب لوك بأنه سواء أكان الجوهر المفكر واحدًا أو كثيرًا، فإن ذلك لا يمس الهوية الشخصية، «لأن

الأمر يتعلق بمعرفة ما يشكل الشخص نفسه person same the makes What، وليس بمعرفة ما إذا كان الجوهر الواحد ذاته هو ما يفكر دائمًا، في الشخص نفسه، وهذا ما ليس له أهمية في هذا الصدد».

إن الهوية الشخصية تقوم على هوية الوعي، أي إن الوعي نفسه هو ما يجعل من شخص ما هو هو بالنسبة إلى نفسه، ولا يهم ما إذا كان هذا الوعي يرتبط بجوهر فردي واحد، أم يستمر ويبقى في جواهر مختلفة يعقب بعضها بعضًا، وذلك لأن قدرة الكائن العاقل على استعادة فكرة عن فعل ماض بواسطة

(3((ينظر الهامش رقم:23 Ibid.

(40) Ibid. (41) Ibid., p. 151.

(4((صيغة مشتقة من «عين»، أي كون الشخص هو عينه.

(43) Locke, Identité et différence. (44) Ibid. (45) Ibid.

الوعي ذاته الذي كان لديه عنه ابتداء، وبواسطة الوعي ذاته الذي لديه عن فعل حاضر، هي ما يجعل منه الذات نفسها، وهو سيظل الذات نفسها ما دام هذا الوعي نفسه الذي يمتد إلى الأفعال الماضية، سيمتد إلى الأفعال القادمة، ولن يصير شخصين بسبب مُضِيّ الزمن أو بفعل حلول جوهر محل آخر؛

إذ إن هذا الوعي نفسه هو ما «يربط بين هذه الأفعال المتباعدة زمنيًّا ويوحدها في الشخص نفسه، كيفما

كانت الجواهر التي أسهمت في إحداثها». يقيم لوك الدليل على صحة ما يقول من خلال «الجسد»، فأجزاء الجسد جزء من الذات، أي من الكائن المفكر الذي يدرك أنه هو هو، وهي مرتبطة بالذات الواعية ارتباطًا حيويًّا؛ بحيث إن الذات

تحس بها وتعي ما يصيبها من خير أو شر وتهتم لأمرها. ولكن إن بُتر أحد هذه الأجزاء كاليد مثلً، فإن

الذات لن تعي بعد ذلك سخونة الجزء المبتور أو برودته، ولن تهتم لأمره إلا كما تهتم بأي جسم مادي آخر منفصل عنها. إن الشخص يظل هو هو حتى إنْ تعرضت بعض الأعضاء التي هي جزء منه إلى البتر، وهكذا فإن «الجوهر الذي يشكل الذات الشخصية Self Personal في وقت معين قد يصيبه تغير في وقت آخر، ولكن لا ينجم عن ذلك تغير يصيب الهوية الشخصية». ولكن ماذا لو تغير الجوهر المفكر نفسه، هل يظل الشخص هو نفسه؟ هذا السؤال محرج لمن وضعوا الفكر في جوهر لامادي؛ إذ عليهم أن يجيبوا عن أسئلة من قبيل: لِمَ لا

يمكن للهوية الشخصية أن تظل قائمة إن تغيرت الجواهر اللامادية أو تنوعت؟، وهل يمكن للوعي بالأفعال الماضية أن ينتقل من جوهر إلى آخر؟. أما لوك، فلا يتردد في الجزم بأنه «إذا كان في إمكان الوعي نفسه – باعتباره شيئًا متميزًا عن هيئة الجسم وحركته – أن ينتقل من جوهر مفكر إلى جوهر مفكر آخر، فإنه يمكن عندئذ لجوهرين مفكرين أن يكونا شخصًا واحدًا لا غير، لأن الهوية الشخصية تبقى

قائمة إن ظل الوعي عينه باقيًا، إن في الجوهر عينه أو في جواهر مختلفة». فماذا إن ظل الجوهر اللامادي عينه قائمًا ولم يصبه تغير، هل يكون هناك شخصان مختلفان؟ سيعترض هذا السؤال القائلين بالوجود السابق للنفوس، فهم يذهبون إلى أن الجوهر اللامادي (=النفس) قد لا يحتفظ بأي وعي بما فعله في وجوده السابق، ويفقد كل قدرة على استعادته، فيبدأ صفحة جديدة من وجوده بوعي لا يمتد أبعد من الوجود الحالي: «وبما أن الهوية الشخصية لا تمتد إلى أبعد مما يصل إليه الوعي، فإن الروح الذي له وجود سابق [...] يجب بالضرورة أن يكون أشخاصًا متمايزين».

(46) Ibid., p. 153.

(4((استعملت كلمة «جسد» للتعبير عن الجوهر المادي الخاص بالإنسان، وكلمة «جسم» للتعبير عن الجواهر المادية الأخرى، حيّةً كانت أو غير حية، وهذا فرق لا يوجد في اللغة الفرنسية.

(48) Locke, Identité et différence , pp. 153–155. (49) Ibid., p. 155. (50) Ibid. (51) Ibid., p. 157. (52) Ibid., p. 159.

يقدم لوك الفرضية الآتية، ولا يتردد في استخلاص النتيجة التي تلزم عن المعيار الذي قدمه: إذا اعتقد شخص ما أن النفس التي تقيم في جسده هي النفس عينها التي كانت تقيم في جسد نيستور أثناء حصار طروادة، فهل هو ونيستور يشكلان شخصًا واحدًا؟ إذا لم يكن لهذا الشخص أيُّ وعي بما فكّر فيه نيستور وبما أقدم عليه من أفعال، فإنه لا يشكل ذاتًا واحدة معه، حتى لو صحّ أن الروح الذي كان يقيم في جسد نيستور هو عينه الذي يقيم حاليًا في جسده، وذلك «لأن الجوهر اللامادي نفسه – في غياب وعي واحد بذاته – لا يشكل الشخص نفسه باتحاده بجسد معين، تمامًا كما أن الجزيئات المادية ذاتها المتحدة بجسم ما – في غياب الوعي – لا تشكل الشخص نفسه». أما إن كان يعي أفعال نسطور، وينسبها إلى نفسه معتبرًا إياها أفعاله وأفكاره المخصوصة، فإنه عندئذ سيكون هو ونيستور شخصًا واحدًا. إن الوعي، وليس الجوهر اللامادي، هو ما يُجمّع وُجودات وأفعال متباعدة زمنيًا في شخص واحد بعينه، حتى لو تعلق الأمر بفترات تاريخية مغرقة في القدم. يقول لوك بجرأة مدافعًا عن أطروحته: «إذا كنت واعيًا بأني شاهدت طوفان نوح وسفينته، مثلما أنا واعٍ بأني شاهدت فيضان نهر التاميزالشتاء الماضي، ومثلما أنا واعٍ بأنني أكتب الآن، فإنه لا يمكنني أن أشك في أن الأنا الذي يكتب الآن، والذي رأى فيضان التاميز الشتاء الماضي، والذي شاهد الأرض غارقة في الطوفان الكوني، هو الذات عينها، في أي جوهر شئتم أن تضعوا هذه الذات، فأنا بالضبط مَعْنِيٌّ بهذا الفعل الذي تم القيام به منذ ألف سنة، وينسبه إليّ هذا الوعي بالذات، وأنا مسؤول عنه كمسؤوليتي عمّا قمت به آنفًا». وهكذا، عند فحص مسألة هوية الذات أو الهوية الشخصية، فإنه لا أهمية لما إذا كانت الذات نفسها مكونة من جوهر واحد بعينه أو من جواهر مختلفة. إن لوك، بتأسيسه الهوية الشخصية (أو الذات) على الوعي، وما يلزم عن ذلك من مسؤولية وتحميل تبعةٍ Imputation and Responsibility، ينقل النقاش حول الشخص من دائرة اللاهوت إلى دائرة الأخلاق والقانون، ذلك أن كلمة persona" " اللاتينية كانت محمّلة بمضامين لاهوتية تحيل على مذهب التثليث Trinity the of Doctrine. فلقد ميز الآباء اللاتينيون بين الشخص والجوهر، واعتبروا الجوهر فرديًّا على الدوام، وذهبوا إلى أنه لا وجود لجوهر كلّي، ليقولوا بأن الله جوهر واحد بثلاثة أشخاص، أو ليقولوا

(((5 نسطور Nestor: شخصية من التراث الميثولوجي اليوناني. شارك في حرب طروادة، تقدّمه الإلياذة على أنه رجل مُسنّ حكيم

عركته التجربة.

(54) Locke, Identité et différence , p. 161.

(((5 تتكرر هذه المماثلة Analogy كثيرًا في نص مقالة لوك. فكما أن تغير الجوهر المادي (الجسم) بالبتر مثلً أو تعدده لا يمس

الهوية الشخصية في شيء، فكذلك الأمر بالنسبة إلى الجوهر اللامادي سواء أكان مفكرًا أو غير مفكر؛ إذ إن تعدده أو تغيره لا يؤثر

في شيء بالنسبة إلى هوية الشخص، لأن الهوية الشخصية تقوم على الوعي لا غير. (((5 نهر التاميز Tamise يشق لندن.

(57) Locke, Identité et différence , p. 163.

بإمكانية اجتماع الطبيعتين الإلهية والبشرية في شخص المسيح. وبالنسبة إلى لوك، يستحيل اجتماع أشكال وعي وذاكرات مختلفة في شخص واحد بعينه، وهذا ما يُقوّض فكرة خلاص النفوس الآثمة من

خلال شراء المسيح خطايا الآثمين. فإذا كان المسيح شخصًا له وعيٌ وذاتٌ خاصّان، فمن المستبعد أن

يجد في وعيه أثرًا لأفكاري ويشتريها بموته. بهذا يردُّ لوك على الاعتراضات اللاهوتية من خلال بيان أن

الشخص بصفاته الأخلاقية والقانونية والدينية (المسؤولية عن الأفعال يوم الدينونة) أمر يتم ضمانه وإثباته بصرامة عَبْر نظرية الوعي أكثر من ميتافيزيقا الجوهر التي اعتمدها اللاهوتيون للبرهنة على خلود النفس. لا يهم، في نظر لوك، من أي جوهر تتكون الذات، أو إنْ كان هذا الجوهر روحيًّا أو ماديًّا، بسيطًا

أو مركبًا، بل إنّ ما يهم هو هذا الوعي بالذات الذي يجعل الشخص يشعر باللذة والألم والسعادة،

ويهتم لأمر ذاته بالمقدار الذي به يتوسع هذا الوعي ويمتد. إن الخنصر (وهو أصغر أصابع اليد) جزء من الذات، ما دامت تعي ما يصيبه ويمسه. ولو افترضنا أن هذا الخنصر بُتر وانفصل عن باقي الجسد، وذهب الوعي معه، فإن هذا الخنصر سيكون هو الشخص، ولن يكون للذات عندئذ صلة بباقي الجسد، وهذا ما ينطبق على الجواهر المتباعدة في الزمن. يؤكد هذا المثال أنّ الوعي، وليس الجوهر، هو أساس هوية الشخص. فإنْ ذهب الوعي مع الخنصر المبتور وانفصل عن باقي الجسد، فسيكون الخنصر هو الذات عينها التي كانت بالأمس تهتم لأمر الجسد بأكمله باعتباره جزءًا من الذات، والأفعال التي تم القيام بها أمس ستكون أفعاله هو حاليًّا. أمّا

إنْ ظل الجسد نفسه حيًّا، وحصل على وعي خاص به بعد بتْرِ الخنصر، فإنه لن يهتم لحال هذا الأصبع،

ولن يرى فيه جزءًا من الذات، ولن يعتبر أيًّا من أفعاله خاصة به، ولن ينسبها إلى نفسه. وعليه،

فإنّ كل جزء من جسدنا، له صلة حية بما هو واعٍ فينا، يشكل جزءًا من ذاتنا. ولكن ما إن تنقطع صلته

بالوعي، حتى لا يعود جزءًا من الذات، كما أن كل جوهر يرتبط ارتباطًا حيويًّا بالكائن المفكر الحالي

من خلال الوعي بالأفعال الماضية ينتمي إلى الذات نفسها التي تظل هي هي ماضيًا وحاضرًا. إن هوية الوعي، إذًا، هي أساس الهوية الشخصية. وما يؤكد ذلك هو أنّ تحميلَ تَبِعَةِ الأفعال والمسؤولية عنها أمران يتوقفان على الوعي، وليس على الجوهر. ولذلك كانت «الهوية الشخصية هي أساس عدالة الثواب والعقاب بأكملها، وأساس استحقاق السعادة والشقاء، وذلك ما يهتم لأمره كل فرد لأجل ذاته، بغضّ النظر عمّا يحدث لأي جوهر، سواء أكان يتأثر بهذا الوعي أو كان منفصلً عنه».

(58) Z. Kluza, "Persona," in: Encyclopédie philosophique universelle , publié sous la direction d’André Jacob, volume II: Les notions philosophique , volume dirigé par Sylvain Auroux, Tome 2, p. 1911.

(5((ينظر «مسرد المفاهيم» Glossaire الذي خصصه باليبار لمصطلحات مقالة لوك، في:

Locke, Identité et différence , p. 233. (60) Balibar, p. 66. (61) Locke, Identité et différence , p. 165. (62) Ibid., p. 165. (63) Ibid., p. 175. (64) Ibid., p. 165.

هكذا يتجاوز لوك الجدال الميتافيزيقي حول جوهرية النفس، والجدال اللاهوتي حول علاقة الجوهر بالشخص (وحدة الجوهر وتعدد الأشخاص)، ليفتح إشكالية الذات على أفق الأخلاق والقانون. والبينة على ذلك هي توظيفه لهذه المفاهيم الثلاثة المترابطة: الاهتمام Concern وتحميل التبعة Imputation والمسؤولية Responsibility. وكلها مرتبطة بالوعي، ولا قيام لها إلا به. فالذات أولً تهتم بعواقب أفعالها، وبالعقاب أو الثواب الذي يستتبعها، وتهتم لحال الجسد وما يصيب أعضاءه من لذة أو ألم، وتهتم بأفكارها وخواطرها وبسعادتها وشقائها. وهذا الاهتمام الذي لا يقتصر على الحاضر، بل يمتد إلى الماضي من خلال التذكر، هو ما يجعل الذات تنسب إلى نفسها تلك الأفعال والأفكار، ذلك أن تحمُّل التبعة فعل للوعي من خلاله يستعيد الأفكار والأفعال التي تم إتيانها، فيتعرف أنها له. وعن ذلك تنجم المسؤولية، ومن ثم استحقاق الثواب أو العقاب. لا أهمية في نقاش كهذا لهوية الجوهر، لأن هوية الشخص تقوم على هوية الوعي واستمراريته في الزمن فقط، ولا يخشى لوك من المفارقات الظاهرة التي قد تنجم عن تطبيق هذا المبدأ، والتي تتمثل في: «وحدة الوعي وتعدد الفرد»، أو «وحدة الفرد وتعدد الشخص»: • «إذا كان سقراط وعمدة مدينة كوينبرو Quinbrough الحالي يشتركان في الوعي ذاته، فإنهما شخص واحد، أي الشخص عينه». • «إذا كان سقراط نفسه ليس له الوعي عينه [عندما يكون] يقظًا ونائمًا، فلن يكون سقراط اليقظ وسقراط النائم الشخص عينه». وكما أنه ليس من العدل في شيء معاقبة التوأم على أفعال أخيه التوأم، التي لا علم له بها، بحجة تماثل شكلهما الخارجي، فكذلك ليس من العدل في شيء معاقبة سقراط اليقظ على ما فكّر فيه سقراط النائم، إن كان للأول وعي يختلف اختلافًا تامًّا عن وعي الثاني. وعليه، إن كان لفردين مختلفين (سقراط وأفلاطون) الأفكار نفسها والذكريات نفسها، أي الوعي نفسه، فإنهما شخص واحد أو ذات واحدة. وإن كان لفرد واحد بعينه وعيان مختلفان، فسيكون شخصين وليس واحدًا، وعندئذ نكون أمام ذاتين لا تنسب إليهما الأفعال نفسها. هناك، إذًا، فارق كبير بين هوية الإنسان وهوية الشخص: فالأولى تقوم على اتحاد الجوهر المادي (=الجسد) نفسه بالجوهر الروحي (=النفس) عينه، بينما لا تقوم الثانية على أي من الجوهرين، بل تقوم على الوعي فقط، لأن الوعي هو الوحيد القادر على أن يربط بين وجودات متباعدة ويوحد بينها في الشخص نفسه، في حين أنّ الجوهر (ماديًا كان أو غير مادي) لا يستطيع أن يفعل ذلك؛ «إذ إنه أيًّا كان الجوهر، وأيًّا كان تكوينه، فإنه من دون وعي لا يوجد شخص، وإلا فإن الجثة يمكن أن تكون شخصًا إذا أمكن أي جوهر آخر أن يكون كذلك من دون وعي». يؤكد الافتراضان الآتيان ذلك:

(65) Ibid., p. 167. (66) Ibid. (67) Ibid., p. 171.

• إن كان في إمكان وعيين مختلفين لا صلة بينهما أن يحركا الجسد نفسه، أحدهما طوال النهار والآخر طوال الليل، فسنكون عندئذ أمام شخصين مختلفين اختلاف سقراط عن أفلاطون. • إن كان في إمكان وعي واحد أن يحرك بالتناوب جسدين مختلفين، فسنكون عندئذ أمام شخص واحد في جسدين مختلفين، مثلما أنّ إنسانًا ما يظل هو هو في لباسين مختلفين. لا أهمية في الحالة الأولى للقول بأنّ الوعيين المختلفين ينتميان إلى جوهرين لاماديين، ولا أهمية في الحالة الثانية للقول بأن وحدة الوعي ترتد إلى الجوهر اللامادي نفسه، لأن ذلك لا يغير في الأمر شيئًا، و«لأن الهوية الشخصية ستظل محددة بالوعي، سواء أكان هذا الوعي مرتبطًا بجوهر فردي لامادي أم لا [...] وعليه، فإن الذات لا تتحدد بهوية الجوهر أو اختلافه، بل بهوية الوعي لا غير». من المؤكد أنه ليس محالً أن نتصور أن الجوهر الذي منه تتشكل الذات حاليًا قد وُجد من قبل، ولكن إذا كان الوعي قد انتُزع منه، فإنه لن يكون هو الذات نفسها. فكما أن العضو المبتور لم يعد جزءًا من ذات إنسان ما، حاله كحال أي مادة أخرى في الكون، ما دامت هذه الذات لا تعي سخونته أو برودته أو أي انفعال آخر يمسه، فكذلك، إن كان الجوهر الذي منه تتشكل الذات حاليًّا قد وُجد من قبل، ولم يكن في إمكان هذه عبر التذكر أن تربط جزءًا من وجوده الماضي بوعيها الحالي، فإنه لن يكون هو نفس الذات، ووجوده الماضي لن يشكل جزءًا من الذات، حاله كحال أي جوهر آخر منفصل عن الذات. يقول لوك موضحًا: «رغم أن جوهرًا ما قد فكّر من قبل في شيء ما، أو قام بفعل لا أستطيع تذكره، ولا أستطيع أن أجعل منه فكرتي أو فعلي الخاص، فإن هذا الشيء أو هذا الفعل لا يخصني ولا أتحمل تبعته [...] كما لو أنه من تفكير أو فعل أي كائن لامادي آخر يوجد في مكان آخر»، وهكذا إن جاز افتراض جوهر روحي لا ذاكرة له أو لا وعي له بأفعاله الماضية، فإن اتحاده بالإنسان أو انفصاله عنه لا ينجم عنه أي تغيير يلحق الهوية الشخصية. قد يُوجّه إلى معيار الهوية الشخصية هذا اعتراض مفاده أننا قد ننسى جانبًا كبيرًا من أفعالنا وذكرياتنا، فنفقد كل قدرة على استعادتها، ولكننا مع ذلك لا نفقد هويتنا. يردُّ لوك بأن التمييز السابق بين الإنسان والشخص يبطل هذا الاعتراض: «فإن كان في إمكان إنسان واحد بعينه أن يمتلك في أوقات مختلفة أشكال وعي مختلفة لا تشترك في شيء، فلا شك عندئذ في أن هذا الإنسان نفسه يشكل أشخاصًا مختلفين في أوقات مختلفة»، والشاهد على ذلك أمران: • القوانين البشرية لا تعاقب المجنون على الأفعال التي قام بها الإنسان وهو سليم العقل، ولا تعاقب الإنسان السليم العقل على ما قام به المجنون، وهي بصنيعها هذا تعتبرهما شخصين متمايزين.

(68) Ibid., p. 173. (69) Ibid., p. 175. (70) Ibid., p. 167.

• الاستعمال المعتاد لجُملٍ من قبيل «فلان لم يعد هو نفسه» أو «فلان خارج نفسه» يبين أن الذات قد

تغيرت، وأن الشخص عينه لم يعد له وجود في هذا الإنسان. وهكذا، سواء أكانت هوية سقراط بوصفه فردًا بشريًّا، أي بوصفه إنسانًا، تكمن في الجوهر المفكر اللامادي عينه (أي في نفس واحدة بعينها)، أو في الحيوان نفسه بغض النظر عن أيّ نفس لامادية، أو في اتحادهما معًا، فإن الهوية الشخصية لن تقوم إلا على الوعي، ولن تمتد إلى أبعد مما يمكن للوعي أن يدركه. وعليه، فإن الوعي هو «الشيء الوحيد الذي يشكل ما ندعوه بالذات». ولكن هناك اعتراض آخر يواجه دعوى لوك: إذا كان معيار هوية الشخص هو الوعي، وكان الوعي شرطًا لمسؤولية الذات عن الأفعال، فلن يكون هناك سبب معقول لإدانة السكران على ما اقترفته يداه من جُرْمٍ إبان سكره، وهو جرم قد يدعي أنه لا يتذكره. يجيب لوك بأن القوانين البشرية تطبق قاعدة عدالة حصيفة، بعدم اعتقادها في كلام فردٍ له مصلحة في التنصل من آثامه، وبعدم قبولها للجهل الناجم عن السكر كعذر معقول أو كدفاع صالح عمّا تم القيام به

أثناء السكر. صحيح أن السكران قد لا يكون واعيًا بما أقدم عليه، والمحكمة البشرية مع ذلك محقة في

إيقاع العقاب به، لأن الواقع يشهد ضده، وغياب الوعي لا يشهد لصالحه، ومحكمة الله يوم الدينونة (يوم الحساب) هي التي ستثبت ما إذا كان واعيًا أم لا أثناء ارتكاب الجرم، وعندئذ يحق لنا «أن نتصور

أنه لا أحد سيُسأل عما ليس له وعي به، بل سيتلقى الحكم المناسب، ووعيه (ضميره) فقط هو من

يدينه أو يبرئه». إن الوعي، إذًا، هو أساس المحاسبة والمسؤولية، ولوك يعتبر كلام القديس بولس الآتي شهادة على صحة دعواه: «في يوم الدينونة، حيث سيحاسب كل امرئ على ما عملت يداه، ستُكشف خبايا القلوب». سيكون الحكم عندئذ مبنيًّا على أساس معقول، وهو وعي جميع الأشخاص بأنهم هم

أنفسهم من اقترفوا هذه الأعمال أو تلك، ويستحقون العقاب على ما قاموا به أيًّا كان الجسد الذي فيه يظهرون، وأيًّا كانت الجواهر التي يرتبط بها ذلك الوعي. إن الشخص بهذا المعنى مصطلح له حمولة قانونية أو قضائية؛ إذ هو يدل على الفاعل العاقل، القادر على التعرف على القانون، وعلى الشعور بالسعادة والشقاء. وبواسطة الوعي تمتد هوية هذا الشخص (أو الذات) إلى ما جرى في الماضي، ولا تقتصر على ما يجري في الحاضر، وبهذا الوعي يهتم الشخص بالأفعال الماضية ويعترف بها ناسبًا إياها إلى ذاته، فيصير مسؤولً عنها كاهتمامه

بالأفعال الحالية ومسؤوليته عنها. ولهذا، فإن كل «فعل ماض لا يستطيع المرء عبر الوعي أن يسنده إلى

(71) Ibid. (72) Ibid., p. 169. (73) Ibid., p. 171. (74) Ibid., p. 179. (75) Ibid.

ذاته الحالية وينسبه إليها، هو فعلٌ لا يعنيه ولا يهتم لأمره بتاتًا، كما لو أنه لم يقم به قط»، وكل قول بخلاف ذلك من شأنه أن يقود إلى نتائج غريبة منها أن: • قبول إمكانية عقاب إنسان ما على ما قد قام به في حياة أخرى، من دون أن يكون على وعي به، يعني الحكم عليه بأنه خُلق ليحيا شقيًّا. • لما كانت نفس الإنسان تعتبر جوهرًا لاماديًّا مستقلً عن المادة وغير مبال بها، فإنه ليس محالً أن نفترض أن النفس عينها تتحد بأجساد مختلفة في أزمنة مختلفة، وبذلك تشكل إنسانًا واحدًا مع كل واحد من هذه الأجساد في زمن معين. • ما كان بالأمس جزءًا من جسم نعجة، قد يصير غدًا جزءًا من جسد إنسان.

خامسًا: مناقشة وتقويم

يرى مترجم كتاب لوك الهوية والاختلافإلى اللغة الفرنسية إيتيان باليبار أن لهذا الكتاب أهمية كبيرة في تاريخ الفلسفة، ذلك أن لوك، في نظر المترجم، أحدث ثورة في تصور الذاتية Subjectivity عندما اعتبر الوعي معيارًا للهوية الشخصية. إنها ثورة بالقياس إلى الفكرة الأرسطية عن النفس الفردية، وبالقياس إلى الأنا المفكر الديكارتي. هذه القراءة التي يقدمها باليبار تسحب ريادة تأسيس فلسفة الوعي والذات من ديكارت لتضعهما في رصيد لوك. يقدم باليبار حججًا وجيهة لإبطال اعتقاد سائد بين دارسي الفلسفة ومؤرخيها، مفاده أن ديكارت هو من أحدث انزياحًا في مصطلح الوعي فنقله من دلالته الأخلاقية الأصلية إلى الدلالات الميتافيزيقية والسيكولوجية والترنسندنتالية، ومنها: • اختلاف شرّاح الفلسفة الديكارتية حول معنى الوعي الديكارتي وخصائصه. • المعنى الذي يقصده لوك بمصطلح consciousness هو تعرُّفُ الذهن تعرفًا مباشرًا إلى العمليات التي تجري فيه، وهو معنى لم يترسخ في اللفظ الفرنسي conscience" " إلا بعد النصف الثاني من القرن 81؛ إذ كان يستعمل قبل ذلك بدلالات أخلاقية في أغلب الأحيان.

(76) Ibid., p. 177. (77) Ibid. (78) Ibid., p. 179. (79) Ibid. (80) Balibar, p. 10. (81) Ibid., p. 12. (82) Ibid., p. 25.

• الربط بين الوعي والذات ربطًا أصيلً يعود إلى لوك، فهو الذي أبدع المفهوم الذائع الصيت فيما بعد: «الوعي بالذات أو الوعي الذاتي» Self–consciousness، فجعل الوعي ملازمًا للذات عند تناوله مشكل الهوية الشخصية. • فلسفة «التأملات» ليست فلسفة وعي، بل هي فلسفة اليقين وشروط تحصيله، لأن ديكارت لا يتوقف عند هذا «الشيء المفكر» من أجل البحث في بنيته واستقصاء ملكات النفس وقدراتها وتحليل عملياتها كما فعل لوك مع «الذهن»، ثم إن النفس، بحسب ديكارت، تتعرف إلى نفسها بنفسها دائمًا،

ومعرفتها أيسر من معرفة الجسد. غير أن أهم حجة يتوقف عندها باليبار ليثبت أن ديكارت ليس هو مبتكر الوعي، وأن فلسفته ليست فلسفة وعي، هي حجة فيلولوجية تعود إلى هامش ناقش فيه المترجم الفرنسي بيير كوست Coste Pierre مفهوم consciousness" " في ترجمته لكتاب لوك رسالة في الفهم البشري، وهي ترجمة نشرت سنة 700.1 أكد هذا المترجم في هذا الهامش أنه لم يجد في اللغة الفرنسية مقابلً دقيقًا لما يقصده لوك باللفظ الإنكليزي consciousness" "، وأن كلمات من قبيل sentiment" conviction"" و " لا تعبر بدقة عن مقصود لوك في كثير من السياقات، وخصوصًا في الفصل المخصص للهوية والاختلاف، حيث اعتبر لوك أن consciousness" " هو أساس الهوية الشخصية. ويؤكد هذا المترجم كذلك أنه استعمل كلمتَي sentiment" conviction"" و " كمقابل للفظ الإنكليزي في كثير من المواقع، وأنه استعمل أحيانًا أخرى كلمة conscience" " مع كتابتها مائلة حتى يستحضر القارئ الدلالة التي يقصدها لوك. ولتمييز هذه الدلالة عن الدلالة الأخلاقية المتضمنة في ال conscience" " قرر المترجم أن يثبت اللفظ الفرنسي على الشكل الآتي con–science" "، وذلك لتحميله دلالة لم يعهدها القراء الفرنسيون. وهو يتمنى من القارئ أن يعذره على صنيعه هذا، لأنه ليس حذلقة، بل ضرورة أملت عليه أن يحمّل اللفظ الفرنسي معنى ليس فيه بالأصالة. يبرر كوست صنيعه أيضًا بأنّ كاتبًا فرنسيًا شهيرًا هو الأب مالبرانش استعمل في أحد فصول كتابه البحث

عن الحقيقة كلمة conscience" " بمعنى مشابه لما قصده لوك. ففي الفصل السابع من الكتاب الثالث من هذا المؤلف، ميز مالبرانش بين أربعة طرق لمعرفة الأشياء، وثالثة هذه الطرق هي «معرفة الأشياء عبر الوعي أو عبر الإحساس الباطني»، وما يعرف عبر الوعي هو جميع الأمور التي ليست متميزة عن الذات. يبين باليبار أن هامش كوست يقدم أولً شهادة مهمة حول تشكل مفهوم الوعي في الفلسفة الحديثة، ويحدد ثانيًا وقت هذا التشكل. لم يكن كوست ليتخبط في اختيار مقابل ل consciousness" "، فيستعمل

(83) Ibid., p. 19. (84) Ibid., pp. 32–38. (85) Ibid., pp. 14–15. (86) Ibid., pp. 15–16.

كلمات عديدة لأدائه لو كان لفظ conscience" " الفرنسي يحمل معنى المعرفة الخالصة بالذات، ثم إنه يحيل على مالبرانش ولا يذكر بتاتًا ديكارت، رغم أنه يترجم في وسط تشرّب الديكارتية ويعرفها جيدًا.

وفضلً عن هذا كله، فإن ديكارت لم يستعمل العبارتين اللاتينيتين conscientia" conscius"" و " إلا نادرًا، ولكن بمعانٍ أخلاقية، والترجمات التي راجعها ديكارت بنفسه للنصوص التي كتبها باللاتينية – وهي الأهم – لم تستعمل كمقابل لهما العبارتين الفرنسيتين conscience" être conscient"" و ".

خاتمة

قد لا تحظى قراءة باليبار – هي الأخرى – بالإجماع، وقد يرى البعض أنها تغالي كثيرًا في تقديرها

لأطروحة لوك، واعتبار أنها أحدثت ثورة في مفهوم الذاتية، وأسست فلسفة جديدة غير مسبوقة هي «فلسفة الوعي». وقد يوافق المرء على أن ديكارت لم يوظف مصطلح الوعي والوعي الذاتي بالمعنى الذي يخطر على أذهاننا اليوم، بل إن حجج باليبار في هذا الصدد تبدو قوية ومقنعة. لكن اعتبار ما قام به لوك ثورة بالقياس إلى فلسفة ديكارت يبدو غير مقنع، وخاصة أن أهم خاصية للفكر أو الذهن ألح عليها لوك، وهي الانعكاس Reflection، هي خاصية يعود الفضل في إبرازها وإيضاحها إلى ديكارت. فبواسطة هذا الانعكاس يتعرف الفكر أحواله من شك واعتقاد وتصور وإرادة وإحساس وتخيل... إلخ. و«التأملات» تلقي الضوء على ذلك. فمفهوم الوعي، وإن لم يكن حاضرًا لفظًا هنا،

فهو حاضر مفهومًا. على أن أهمية قراءة باليبار تكمن في معاكستها للتأويل السائد، وتدفعنا إلى إعادة النظر في مسلماتنا ومعطياتنا الراكدة. ثم إن باليبار نفسه يعتبر أنه من دون تحليلات ديكارت «للشيء المفكر»، الواردة في التأملين الثاني والثالث ما كانت لتوجد فلسفة للوعي، ولكن هذه الفلسفة ليست من صنيعه، بل هي نتيجة للمشاكل المترتبة على تأويل فلسفته. لقد جعلت هذه الفلسفة من البحث في هذا «الشيء المفكر» واستقصاء إمكاناته وقدراته وعملياته المنطقية موضوعًا لها، وهذا ما لم يفعله ديكارت حقًّا، وبذلك فتحت أمام الديكارتية أفقًا جديدًا لم يحظَ باهتمامها، لأنها كانت مهتمة بتأسيس العلم تأسيسًا ميتافيزيقيًّا. إن لم يكن ما قام به لوك ثورة، فهو على الأقل انعطافة مهمة أعطت الذات المفكرة أبعادًا ميتافيزيقية وسيكولوجية وقانونية وأخلاقية. فأساس هوية الذات هو الوعي، والوعي تملّكٌ لأبعاد الزمن الثلاثة؛ إذ في باطن هذا الوعي تتحد زمنية الذاكرة (الماضي) وزمنية الحكم والمحاسبة والمسؤولية (المستقبل)، وفي تركيبة الذهن يصبح الماضي والحاضر والمستقبل أسماء أخرى للذاكرة والوعي والحكم (المحاسبة). وهذا هو ما سماه لوك بالوعي الذاتي الذي ينطوي على بُعدٍ منطقي (التماهي

مع الذات)، وبُعدٍ أخلاقي قانوني (المسؤولية والمحاسبة)، وبُعد نفساني (باطنية الوعي وزمنيته).

لم تكن المقاربة التي قدمها لوك سهلة، والدليل على صعوبتها وأهميتها البالغة تكمن في نص  الهوية والاختلاف. فالجانب الأكبر فيها مخصص لدحض الرؤى اللاهوتية والميتافيزيقية التي كانت سائدة

(87) Ibid., p. 25. (88) Ibid., p. 87.

الأطروحات التي ينتقدها.

المراجع

عندئذ، وقارئ لوك المعاصر قد يشعر بالتعب والمشقة وهو يتابع نقاشه لهذه الرؤى. فهو ينوع الأدلة، ويضع افتراضات مغرقة في التجريد وعدم الواقعية، ليدحض الفكرة التي تربط إشكالية الذات بهوية الجوهر اللامادي (النفس)، وليثبت في المقابل أن هوية الشخص لا علاقة لها بتاتًا بهوية الإنسان، ولا بهوية الجوهر، ماديًّا كان أو روحيًّا، لأنها تقوم على هوية الوعي الذي هو أساس المسؤولية وأساس

عدالة الثواب والعقاب. وما كان لوك ليطيل النقاش وينوّع الأدلة ويكررها إلى حد الملل لولا هيمنة

References

Encyclopédie philosophique universelle. Publié sous la direction d’André Jacob. Volume II: Les notions philosophiques. Volume dirigé par Sylvain Auroux. Tome 1. Paris: PUF,

Michaud, Yves. Locke. Paris: Bordas, 1986. Locke, John. Essai sur l’entendement humain. I. 1. § 2. Livres I et II. J.M. Veinne (trad.). Paris: Vrin, 2001.. Identité et différence: L’invention de la conscience. Étienne Balibar (trad.). Paris: Editions du Seuil, 1998.