مراجعة كتاب هوية بأربعين وجهًا لداريوش شايغان
Book review An Identity with Forty Faces by Dariush Shaigan
الملخّص
الكتاب الذي نحن بصدد مراجعته، ركز فيه مؤلِّفه على ما يُدركه الشرق إزاء نفسه، في علاقته بالغرب، والسياق الجدالي والسجالي المتعلق، راهنًا، بالحضارة الكونية، والتأثير البالغ للتقنية في ثقافتنا وفكرنا وديننا وهويتنا
Abstract
Researcher at the Arab Center for Research and Policy Studies. kamel.terchi@dohainstitute.org
- الهوية
- داريوش شايغان
- الغرب
- العرب
- Identity
- Dariush Shaigan
- Arab
الكتاب:
هوية بأربعين وجهًا. الكاتب:
داريوش شايغان. المترج م:
حيدر نجف. التقدي م:
عبد الجبار الرفاعي. الناشر: عدد الصفحات:
200 صفحة.
مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد،.2016
مقدمة
يكتسي مفهوم الهوية منزلة مركزية في الزمن الراهن، وذلك بما يطرحه من نقاشات ومواضيع تلامس حياة الفرد والجماعة تضطرهم إلى طرح تساؤلات وإشكاليات من أبرزها: من نحن؟ وماذا يعني وجودنا بالنسبة إلى الأغيار؟ وهل في إمكان الإنسان الفرد أن يُعبّر
عن ذاته الخالصة في مقابل هذا الجمع الغفير من البشر الذين تتشابك همومهم وتوجهاتهم وأفكارهم ومساعيهم مع ما يبتغيه الفرد الأوحد؟ وذلك من حيث إننا لا نعيش وحدنا في هذا العالم، بل يجمعنا خيط ناظم لجوانب الحياة، ويحتم علينا، بطريقة أو بأخرى، مجابهة واقع يُمكن نعتُه
بأنه مركّب Thought Complex، أو بتعبير أدق معقّد، بحسب توصيف الفيلسوف الفرنسي إدغار موران Morin Edgar؛ فهو "نسيج من الأحداث والأفعال والتفاعلات والارتدادات والتحدّيات والمصادفات التي تشكّل عالمنا الظاهراتي، ولكن في هذه الحالة يحمل التعقيد بشكل مقلق سمات الخليط وغير القابل للفصل والاختلال والغموض واللايقين". ولعل من أبرز المفكرين المعاصرين المحسوبين على الفكر الإسلامي المعاصر، والذين خاضوا غمار موضوع الهوية وتناولوها وأعطوها حقها من التمحيص والنظر، المفكر الإيراني داريوش شايغانShayegan Dariush
(((يُنظر: إدغار موران، الفكر والمستقبل: مدخل إلى الفكر
المركب، ترجمة أحمد القصوار ومنير الحجوجي (الدار البيضاء: دار توبقال، 2004)، ص.17 (((مفكر إيراني معاصر، تتلمذ على يد المستشرق الفرنسي الكبير هنري كوربين Henry Corbin (1978–1903)، نال درجة
الدكتوراه من السوربون عن أطروحة بعنوان: الهندوسية
والتصوف Hindouisme et soufisme (1986)، من أهم كُتبه:
ما الثورة الدينية؟ الحضارات التقليدية في مواجهة الحداثة،
Qu’est–ce qu’une révolution religieuse? Presses. Les illusions de l’identité أوهام الهوية و d’aujourd’hui
(2018–1935) الذي جعل من دراسة الهوية شغله الشاغل، معتنقًا في ذلك مسلّمة مفادُها أن "كل هوية مهما كان انتماؤها العرقي والقومي هي على كل حال تركيبة وكيان هجين" (ص. 29). وقد ناقشها في عدة كُتب نذكر منها أوهام الهوية، والهوية والوجود: العقلانية التنويرية والموروث الديني، وهوية بأربعين وجهًا، وهو الكتاب الذي نحن بصدد مراجعته، وفيه ركز مؤلِّفه على ما يُدركه الشرق إزاء نفسه، في علاقته بالغرب، والسياق الجدالي والسجالي المتعلق، راهنًا، بالحضارة الكونية، والتأثير البالغ للتقنية في ثقافتنا وفكرنا وديننا وهويتنا.
(((يوضح شايغان السياق الذي أدى به إلى تأليف هذا الكتاب؛ إذ يقول: "المداخلة التي سأتلوها عليكم نقدية إزاء الغرب الذي أحب، والذي أدين له بجانب كبير من تكويني الفكري، والذي علمني كيف أفكر، كيف أطرح القضايا وكيف أسائل الأشياء، وسأكون نقديًّا إزاء هذا الشرق الذي تضيق رقعته
الجغرافية شيئًا فشيئًا، والذي إليه أنتمي، وأحس بحضوره كأرض
منسية في أعماق نفسي، ربما لا أنتمي إلى هذا ولا إلى ذاك، وربما [أكون] مشابهًا لإخوتي، مشردي الغرب، الذين يجوبون
شوارع العالم بحثًا، والله أعلم، عن دواء لداء لا يُشفى، لست
أدري. لكني أعرف شيئًا: أعرف أننا رغم المسافة التاريخية التي
تفصل بيننا وبينكم، مسافرون جميعًا على ظهر مركب واحد".
يُنظر: داريوش شايغان، أوهام الهوية، ترجمة محمد علي مقلد
(بيروت: دار الساقي، 1993)، ص.35 (((حاول شايغان في مؤلفه هذا تناول الكيفية التي عمد فيها الغرب بما له من قيم كونية إلى التأثير في العالم الشرقي الذي، بحسب رأيه، فقد بوصلته، سعيًا منه إلى تحديد الوجه الجديد
لرؤية تستوعب الحوار بدلً من الصراع، والانفتاح على الهويات
المختلفة بدلً من الهوية المغلقة. للاطلاع أكثر في هذا الشأن،
يُنظر: داريوش شايغان، الهوية والوجود: العقلانية التنويرية
والموروث الديني، ترجمة جلال بدلة (بيروت: دار الساقي، (((استعاره الكاتب من المسرح الإيطالي؛ إذ يظهر بطل مسرحية مرتديًا ملابس مزركشة ومخيطة بأربع وأربعين قطعة
مختلفة ألوانها. يُنظر: المرجع نفسه، ص 27. (((عقيل سعيد محفوظ، "داريوش شايغان وفوضى الهوية"،
الميادين، 2017/6/21، شوهد في 2022/5/31، في:
https://bit.ly/3IvPx9y
أولا: هوية جذمورية (ريزومية)
يعود إطلاق كلمة "جذمور" Rhizome المعروفة في علم النباتات، وإعطاؤها ملمحًا فلسفيًا،
إلى جيل دولوز Deleuze Gilles –1925(1995)؛ إذ استعمله كثيرًا في آخر أعماله التي
كتبها بمشاركة زميله فيليكس غوتاري Félix Guattari (1930–1992): السهول الألف Mille plateau (1980)، وما الفلسفة؟ Qu’est–ce que la philosophie (1991)، بالنظر إلى أنّ هذا المجاز الدولوزي يحقق إشارة كثيفة الدلالة، ويدعو إلى التخلص من نزعة البحث عن الجذور والأصول الأولى، ويشير كذلك إلى التملص من لهفة بلوغ النهايات وإحقاق الغايات. ومن سمات الجذمور الأساسية عند دولوز الاتصال والغيرية والتعددية التي لا تميل إلى أصل يجمعها. من هذه الإرهاصات الدلالية الدولوزية عينِها نهل المفكر الإيراني شايغان المصطلح وأردفه بالهوية، معتبرًا إياها بمنزلة جذور غير خالصة
أو مستقلة، فهي على مقربة والتصاق بالجذور الأخرى، وهذا بسبب تعددية طبيعته التي تجعله
(((جزء يُقطع من ساق بعض النباتات، ويستخدم في إعادة
إنباتها. أما المصطلح تحديدًا في علم النباتات، فيُستعمل كذلك
للتعبير عن نوع من النباتات المنتمية إلى النبتة المعروفة
ب "اليهودي التائه " Wandering Jew أو "الملَّح التائه" أو هذا ويمتاز. Tradescantia Blossfeldiana التراديسكانتيا"" النبات تحديدًا بغزارة الإنتاج، وهو ينبثق من الأرض ويمتد على
مساحة واسعة، على هيئة نباتات منفصلة ومتجاورة. ولكن في حقيقة الأمر، يكشف أن هذه النباتات المنفردة من الناحية الظاهرية هي أجزاء مترابطة تحت الأرض، تخرج من نبتة واحدة كبيرة. يُنظر: بيرت أوليفيار، "ما هو 'الجذمور' في فكر دولوز
وغوتاري؟"، ترجمة أنطونيوس نادر، معنى، 2020/3/3، شوهد
في 2022/5/31، في: https://bit.ly/3sYdY99
(((يُنظر: جيل دولوز: سياسات الرغبة، أحمد عبد الحليم
عطية (محرر) (بيروت: دار الفارابي، 2011)، ص.39
بمنأى عن قيود تمركزه؛ فهو مغاير للجذور، وفي الآن عينه الخيط الناظم لهذا التفاعل والتآلف والتوليد، وباستطاعته أن يصنع كمًّا هائلً لامتناهيًا
من الشبكات. وحتى لو قُدر له أن يكسر أو يخرب، ففي الإمكان أن يستمر في الحياة والنمو في جهات أخرى، ويُمكنه أيضًا أن يواشج بين
نفسه وبين أنظمة متباينة وغير متجانسة، فهو لا بداية له ولا منتهى، ويسلك طريقه دومًا؛ إذ إنه
من حيث الماهية يتبدل دائمًا، ومن هذا المجاز
يسير المؤلِّف إلى نتيجة مفادها أن الهوية النقية لم يعد لها وجود موضوعي، والعلة من وراء ذلك هي انهيار العوالم المؤسسة لها (ص. 28). وبذلك نجد أنه يتهكم بأي هوية يقال عنها إنها أصيلة أو خالصة، أو بسيطة أبدية؛ ذلك أننا نعيش عالمًا
منوعًا ثقافيًا وفكريًا، وهجينَ القوميات. وما دام
هذا العالم متفاوت المستويات المعرفية والأطر التي تحكمها، فإن هوية المرء لا يدان لها بالظهور إلا عبر هذا الاختلاط والتلاحم المنوع. ولا يبدو لنا ههنا أن هذا الطرح أصيل عند المؤلف؛ إذ سبق أنّ عبّر عنه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد
(2003–1935) في كتاباته، فهو يعتبر أنّ هوية كل إنسان، مهما كان نوعه أو عرقه، خصوصًا في الأزمنة الحداثية، هي هوية هجينة، وامتدح الهُجنة ولم يمتدح الأصالة؛ لأنها، بحسب فكره، أمر مزيف يورث العنف والقتل والتطرف؛ لهذا يُعبِّر دومًا عن هويته بأنه إنسان أوّلً، وفلسطيني
وعربي وشرقي ثانيًا.
ثانيًا: فوضى البحث عن هوية
إنّ عالمنا الراهن بما فيه من تغيرات ورؤى متضاربة لا نقاوة فيه، وجذاميره متباينة، بحيث
(((يُنظر: يوسف صباغ مازن، طائر القدس المهاجر: إدوارد
سعيد (بيروت: دار الشرق للطباعة والنشر، 2006)، ص.567
ينمو البشر في فضاءات متعددة مفتوحة، ويعيشون أنماطًا حياتية مختلفة، وهي التي ستُحدد فيما بعد تبلور التصورات والمفاهيم. فمثلً، يواشج نمط التعالق بالمكان الجغرافي المعين العلاقة بيننا وبين الهويات الأخرى على تنوعها، من حيث إن الانتقال من تقارب إلى آخر يدخل في حيز الممكن، وكلّنا – بوصفنا بشرًا –
بمنزلة قطع من زمرة أربعين قطعة تُخاطُ على نحو مستمر ودائم، ويجري ذلك على مسلك أفقي، فقد غدونا عبارة عن جذمورات مبثوثة عرضة لتحورات تاريخية وإبستيمية شتى؛ ولهذا، لا بد لنا من استبدال مبدأ عدم التناقض بمبدأ آخر هو اجتماع النقائض، لكي يقتدر المرء على أن يتعالق بالأغيار الكثيرين، وهو عينه سبيل الخلاص وفق منظور المؤلف. ما يُمكن أن يؤاخذ به، في هذه الرؤية، هو أنها تطمس تَفرُّدَ الهوية الفردية التي ناضلت من أجلها
النزعة الوجودية المعاصرة Existentialism، والتي مجدت الفرد المنفرد بهويته البعيدة كل البعد عن التعالق الأغياري، بداية من سورين كيركغارد Kierkegaard Søren (1813–1855)، مرورًا بجون بول سارتر Sartre Paul – Jean –1905(1980)، وغابريال مارسيل Marcel Gabriel (1973–1889)، وغيرهم، ثمّ إن الانصهار في بوتقة الجماعة البشرية يسحق الذات، مهما كان للجماعة من صوت وتمظهر ديني، أو قانوني، أو سوسيولوجي، أو فكري. وسواء كانت هذه الجماعة مؤلفة من رجال دين، أغنياء أو فقراء، أو من غيرهم، فإنها في صميمها ينالها الكذب
(1((خديجة زتيلي، "دارْيوش شايغان ومسألة الهويّة في
الحضارة العالمية المعاصرة: قراءة في كتابه 'هويّة بأرْبَعين
وجهًا'"، الكوة، 2019/3/4، شوهد في:2022/5/31، في
https://bit.ly/3BGUlXc
والافتراء؛ لأنها ستعمد إلى إذابة الفرد وتجرده من حس المسؤولية لديه، وتُبعده كل البعد عن طريق الخلاص، أو تدني من مسؤوليته فتصبح جزءًا من
قرار شامل ليس هو من يصوغه في النهاية، ولهذا يتبنى كيركغارد، مثلً، عقيدة مفادها أن الحشود لا تملك الحقيقة. والغريب أننا نجد أنّ المؤلف يميل إلى تبني الأنوار الغربية، ويدعونا إلى النهل منها، ويظهر تحيزه الكامل إليها، حتى إنه يدعو الشرق إلى تقبل مرتكزات الأنوار الرئيسة؛ من منظور أن هذه الأنوار تجلت قيمها لكل الإنسانية (ص. 29). وعلى الرغم من الطريق المادّي الذي دفعت فيه الأنوارُ الإنسانَ المعاصرَ، وسلبته قيمه الروحية فصار خاويًا مقيدًا يلهث وراء كل ما هو مادي من دون معنى، نجد أنّ المؤلف، في مقابل ذلك، يضع بصيص أمل في أن يعيد الغرب إلى إقليم الروح الضائع قيمه ومكانته (ص. 29)، فهو يدعو، في هذا السياق، إلى التشبث بآمال الغرب وطموحاته، وفي ذلك
(1((عبد الجبار الرفاعي، الحب والإيمان عند سورن
كيرككورد (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر؛ بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، 2016)، ص.60 ((1(نعتقد أن شايغان لم يحذق جيدًا مفهوم التنوير أو
الأنوار بحمولتها الفلسفية الأوروبية (الألمانية منها والفرنسية)، أو على درجة أقل تلك التي يُمكن فهمها من الطرح الكانطي
في مقاله الشهير "ماذا يعني التنوير؟" الذي نجده مغايرًا تمامًا
للفهم الشايغاني. فالتنوير عند كانط هو "هو انعتاق المرء من حالة العجز الذاتي. والعجز هو عدم قدرة المرء على استخدام فهمه الخاص دون توجيه الآخر. إذا لم يكن سبب هذه الحالة، من عدم النضج الذاتي، هو نقص في ملكة الفهم، فهو بالأحرى، نقص في الشجاعة والإقدام لاستخدامها دون إرشاد
الآخر. لذلك، يكون شعار التنوير إذن: تحلّ بالشجاعة لاستخدام عقلك بنفسك". ينظر: إمانويل كانط، "إجابة عن
سؤال: ما هو التنوير؟"، ترجمة عبد الله المشوح، حكمة، 2015/6/19، شوهد في:2022/2/23، في
https://bit.ly/3wXHqyb
نوع من المداهنة والليونة في التعامل مع الأنوار الغربية. هذه الأنوار أصابها الكسوف والأفول، فعلى الرغم من التطور الكبير في عالم التقنية ووسائط التواصل الاجتماعي وغيرها، أصيب الإنسان بالوهن، وسيطرت عليه العبودية الطوعية Slavery Voluntary؛ إذ إنه كلما سَهُلت
الحياةُ باعتماد التقنية الأكثر سرعة، أدى ذلك إلى التباعد بين البشر وهدد المرمى الجوهري الذي انبنى على أساسه التنوير؛ ذلك أنّ من قواعده احترام الذات البشرية والإعلاء من شأنها. ولهذا فأي تقدّم وتطور في المعرفة البشرية، سيسلك منحى أداتيًا، وبمقدار ما يجد المرء فيه من حرية،
تتقلص سعادته واستقلاله الفردي وتخيله وحكمه المستقل. إلا أن هذه النظرة حزت في نفس المؤلف وجعلته يهاجم أنصار التعددية الثقافية
((1(التناقض لا يتوقف ههنا فقط، بل نجده يصف حضارات الشرق بأنها في حالة من الاحتضار أيضًا، ولكنه في المقابل يستلهم منها، ويوظفها في ما يكتبه، معتبرًا أن ما أغدقت به علينا
من ميراث روحي، بلور رؤيتنا إلى العالم في الأزمنة الراهنة! وتعقيبًا على ذلك يؤكد عبد الجبار الرفاعي في مقدمته لكتاب
شايغان قائلً: "لا يكف عن توظيف شيء من ميراثها المعنوي
[...] بعد خلطها بمقولات الفلاسفة الغربيين [...] فهو مثلً يخلط مقولات السهروردي المقتول بمقولات مارتن هايدغر، تبعًا لهنري كوربن". يُنظر مقدمة عبد الجبار الرفاعي، في:
شايغان، هوية بأربعين وجهًا، ص.31 ((1(هذا التوصيف أورده وفصّل فيه الكاتب الفرنسي إتيان دو
لا بويسي Étienne de La Boétie (1563–1530)؛ إذ وضح فيه أن مقاومة البؤس والقهر اللذين يتعرض لهما الفرد، لا تمر عبر العنف والقتل، لأن عبودية الأفراد والجماعات هي عبودية طوعية، فهم يذبحون أنفسهم بأنفسهم، وهم الذين بخضوعهم لهذا الذل والإهانة إنما هم في الحقيقة يشوهون طبيعتهم بصفتهم كائنات بشرية مفطورة على الحرية والانعتاق من أغلال العبودية. للاطلاع
أكثر، ينظر: إيتيان دو لا بويسي، مقالة العبودية الطوعية، ترجمة عبود كاسوحة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2008 (1((يُنظر: كمال بومنير، النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت:
من ماكس هوركهايمر إلى أكسل هونيث (الجزائر: منشورات الاختلاف، 2010)، ص.30
المتهكمين بالمركزية الأوروبية، والذين اعتبروا أنها هي السر المسبّب لكل الويلات والمآسي
التي شملت البشرية، وفي مقابل ذلك لا يتفطنون إلى أنه لولا هذه الحضارة العالمية التي ولدت في أوروبا على وجه التحديد، لما اقتدر أمثال هؤلاء المنتقدين الناقمين، على إيجاد الأدوات النظرية لنقد المركزية الأوروبية (ص. 43)
ثالثًا: فكرة صدام الحضارات لهنتنغتون والتعددية الثقافية
ينفتح المؤلف على أطروحة المفكر الأميركي صامويل هنتنغتون Huntington Samuel الذي يرى في كتابه صراع الحضارات: إعادة صنع النظام
The Clash of Civilizations and the العالمي) أنّ "الثقافة 1996(Remaking of World Order
والهويات الثقافية هي على المستوى العام هويات حضارية، هي التي تشكل أنماط التماسك والتفسخ والصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة "، والأجزاء الخمسة من الكتاب تفصل النتائج الطبيعية لهذا الافتراض الرئيس وينتقد المؤلف أطروحة هنتنغتون معتبرًا أن هناك تعقيدات كثيرة
وضع لبناتها هنتنغتون نفسه بخصوص مفهومه للحضارة، متهكمًا بنظريته المرتبطة بمناطق الصراع
التي يعتقد المؤلف أنها ستكون بين العالم الغربي والعالم الإسلامي، وأن التحالف الكونفوشيوسي – الإسلامي الجديد هو بردايم لتحالفات بين دول غير غربية، تنأى بنفسها عن الانخراط في المعسكر الغربي؛ لذلك تعمد إلى لملمة قواها وتستعرضها إزاء القوى الغربية (ص. 52). ويرى المؤلف، أيضًا،
(1((صامويل هنتنجتون، صدام الحضارات: إعادة صنع النظام
العالمي، ترجمة طلعت الشايب، تقديم صلاح قنصوه، ط 3 (بغداد: سطور الجديدة، 1999)، ص.37
أن تاريخ الحضارات في الشرق في الأزمنة الراهنة هو تاريخ عالمي، وأن المراكز العظمى للإشعاع الروحي لم تعد موجودة حاليًا؛ إذ إن الموجود هو
مراكز اقتصادية كبرى فقط، ثمّ إن أي باحث يسعى للحديث عن الحضارات غير الغربية على شاكلة هنتنغتون، يجب أن يموضعها في نسيج الحداثة الكبير، والمفهوم الذي يحدده هنتنغتون على خلاف ما هو في عصر تحكمه العولمة، هذا التيار الذي يقاوم ولا يقبل البتة النكوص إلى الوراء.)54(أما حينما نستشرف مفهوم التنوع والتعدد الثقافي عند المؤلّف، فإننا نجد أنه لا يتجلى فقط في كتابه عن هوية بأربعين وجهًا، بل في كل مؤلفاته التي يُموضع فيها الهوية والتعددية الثقافية، بوصف ذلك مرحلية لإحقاق دروب الحوار، بُغية المروق من التحديات الراديكالية الراهنة، وبوصفه ضربًا من التأصيل وطريق لحماية هذا التنوع والتعدد الثقافي أيضًا؛ ليس على منحى الدولة الواحدة فقط، وإنما كذلك على المنحى العالمي للثقافتين الشرقية والغربية، ثمّ إنه يجب أن نوسع دائرة إنانا الحضارية ونبحث من خلالها عن التنوع الثقافي المترَع بالغنى، وأي حماية لهذا التنوع الثقافي
التي تمتاز به الحضارات الكلاسيكية العتيقة في مواظبتها على كل مظاهر العصرنة لا تتأتى لها المُكنة إلا بالتفكر في موضوع الهوية وإخراجها
من تقوقعها السلبي إلى الحضورية الفعلية وتجسير الربط المبادل، كما أن الحوار لن يُكتب له النجاح إلا من خلال العزوف تمامًا عن النبرات الحادة في الخطاب التي تكون في الغالب معادية، وتحمل أحقادًا دفينة، ويتمخض عنها التطرف والإرهاب،
((1(يُنظر: فرحات عماري، "سياسة التعدد الثقافي من التفكير
في الهوية إلى الاعتراف"، مجلة الأكاديمية للبحوث في العلوم
الاجتماعية، مج 1 العدد، 1 (كانون الأول/ ديسمبر 2019)، ص.93–92
ويلزم أن نؤمن إيمانًا راسخًا بأنه لا وجود لثقافات مستقلة، وإنما نحن جميعًا حيال أنساق وجود داخل إطار كلياني هو الحداثة، وإن وشائج القربى بين أنساق الوجود برمتها على اختلاف واختلاف مراميها ومستوياتها الإبستيمولوجية تأتي على هيئة حوار الفرد مع ذاته ومع الأغيار؛ لا في صورة عمل ثوري يهدف إلى قلب السلطة، بل لا بد أن نقنع أيضًا بأن الحوار ممكن على مستواه الأفقي، وليس على المستوى العمودي.
رابعًا: هوية بأربعين وجهًا
يؤمن المؤلف بأن معاناة البشرية الهوياتية في الأزمنة الراهنة سببها الجوهري في كون الهوية لم تصبح عبارة عن مجموعة رتيبة من القيم الثابتة القطعية المطلقة، بل هي تمدد يتسع رويدًا رويدًا ليشمل الكوكب الأرضي برمته؛ وهكذا، لا مجال لهوية نقدية رتيبة، كالهوية المنبجسة من شعب بعينه، أو ديانة بعينها، المُلغية لحضور الأغيار، لأنه ليس من
الأصوب اختزال شخصيتنا في نموذج فريد خاوٍ؛ فواقعنا مركّب ومغاير تمامًا، تمتزج فيه القوميات والأفكار والهجنة، والفضاءات التي تصنعنا متعددة ولا نقاوة تميّزها، لأن جذاميرنا لم تعد واحدة، ولم
نعد كذلك نعيش وحدنا في هذه الأرض؛ فجذورنا متصلة بالأغيار وثقافاتهم وأفكارهم المتباينة، هذه الحال تجعلنا، وفق المؤلف، عبارة عن حلزون يحمل بيته على ظهره، ونمط حياتنا يحدد مجال رؤيتنا، إننا بسبب من تواشجاتنا التي نخلقها مع الأطر والثقافات الأخرى نقتدر على التموضع في المكان بدروب مختلفة، ولم يعد الكائن البشري في العصر الراهن متحررًا من هذه التمازجات التي
((1(يُنظر: حيدر جواد السهلاني، "مفهوم الهوية عند داريوش
شايغان"، صحيفة المثقف، شوهد في في 2022/2/27:.
https://bit.ly/3t1SqJy
يُمكن نعتها بأنها أصبحت اليوم طريقة وجودنا في العالم (ص. 122). ويوضح المؤلف المغزى من وراء الأربعين قطعة بأنه الفضاءات المختلفة المعقدة التي تشكّل كينونتنا تاريخيًّا وإبستيميًّا، وهي
ليست في شكل واحد؛ فكل إقليم يجسد مستوى من مستويات الإدراك، ثمّ إنّ المعارف الدارجة المؤسسة على العلوم الاجتماعية الحديثة ما عادت تكفي في هذا العالَم الملوّن الطيف، فهي أعجز عن
أن تحل عقد الأذهان الملتبسة (ص. 127)–126 وفي حديث المؤلف عن موضوع الهوية في العالم العربي والإسلامي، يحضر الدين بمنزلته المركزية بطبيعة الحال، لكنه يرى أنه لا يُمثل جوهر الهوية في هذا العالم، لأنه يتداخل فيه القومي مع اللغوي والسوسيولوجي والحداثي، ويضرب مثلً دالًّ على ذلك من خلال بلده إيران؛ إذ يقول إن استحضار التاريخ من لدن أهل إيران ما هو إلا عزاءات لهم وحسرات على إخفاقاتهم الراهنة، وهم "باستعادة تلك الحقب يحيون بسالة أبطالهم ويمجدونهم، فالماضي هو كل شيء بالنسبة لبلدان عريقة كإيران [...] وكأنما لا أمل لنا إطلاقًا سوى ذلك الماضي العتيد الذي ذاب وجودنا في سطوته وغرق في أحلامه الوردية، والهوية الإسلامية ذات ماض أقرب بكثير من الماضي القومي الذي يرجع إلى آلاف السنين، إنما هوية لا يتجاوز عمرها الألف وأربعمئة سنة" (ص. 131).
خامسًا: الأنطولوجيا الهشة: أضداد متلابسة في عصر العولمة
يجمل المؤلف في كتابه الاقترانات التي تحكم عالمنا اليوم بصخبه وتغايراته المثيرة، والتي ترتبط بثلاث ظواهر أساسية، هي: اللاسحرية، والتقنية
(الخضوع للتقنية)، والمجازية (صناعة المجاز). ويقصد باللاسحرية إقصاء كل الصور بمرموزياتها وإحالاتها، وإرجاعها إلى أعماق الروح البشرية، وتفريغ كل الرموز الكونية التي كانت تُغدق على هذا الكون ملامحه السحرية والجلالية؛ إذ تعمد هذه اللاسحرية، وفق تعبيره، إلى تحويل السماء التي تزخر بكل صنوف الخيالات والصور إلى فضاء مفرغ هندسي نمطي الأجزاء، ويتباين هذا السحر الجديد عن السحر العتيق بشدة، ويتجسد في هيئة من هيئات "الأرواحية التقنية" (ص. 137) تتواشج الظواهر الثلاث التي استحضرها المؤلف في كونها تنسف الأنساق الأنطولوجية القديمة، ويُجلي لنا هذا النسف حقيقةً أخرى هي نتاج
منطقيته في الآن عينه؛ أي التعالق الكلي المتقابل على منحى واسع جدًّا. ويتضح التواشج والترابط المتقابل في كل أبعاد الواقع. فمثلً، تكتسب العلاقات البينية في الشق الثقافي نموذجًا
جذموريًا، فينبجس منها تمظهر مرقع تتمازج فيه
كل الثقافات بعضها مع بعض بطريقة موزايكية، خالقة بذلك فيما بينها من الفراغات فضاءات تمازج ثقافي. أما على المستوى المعرفي، فتنعتق هذه الظاهرة أمام وجود كم هائل من التفسيرات المتباينة والمتنوعة؛ ومن ثم يصبح عالمنا اليوم في مجابهة مآزق معقدة ومفتوحة على مصراعيها. ومع عويص التفكر والتدبر في عالمنا، واكتناه حقيقته، والمرامي الممكنة لإيجاد حلول له، فإن المؤلف ههنا يربط عالم اليوم بما يعكسه حال الغرب وتأثيره الهائل في كل شيء، محمّلً
الغرب نفسه المشكلة الأولى والأخيرة، معتبرًا
أنه هو الوحيد الذي بيده زمام الأمور وبيده كل الحلول؛ فهو صانع السم وهو الذي لديه الترياق لمعالجته، ومعتبرًا أن النور، في أي منحى من
حياتنا، إذا تبصرنا، لن يأتي إلا من الغرب. ولهذا
نجده يؤكد أن "موضع الانحطاط هذا ليس سوى الغرب ومنبت الحداثة. ومن هذا الموضع تحديدًا يجب أن تحدث الرجعة [...] الرجعة التي ستكون معنوية بلا ريب، فكما يقول فاغنر في بارسينال: لا مرهم للجرح سوى السلاح الذي أوجده. الجرح والسلاح بيد الغرب اليوم، وعليه هو استخدامها" (ص. 144) وههنا تتجلى تبعية المؤلف الصارخة للغرب، حتى إنه يحاول أن يعطي تفسيرات لأي انتكاسات في ثقافتنا ومعارفنا ويُلحقها بالغرب؛
كونه هو صانعها ومهندسها الأعظم. والغريب أيضًا أنه يلحق قدرنا بقدر العالم الغربي، وكأنه المصير الأوحد والنهائي الذي سيؤول إليه مستقبلنا. صحيح أننا نعيش جذبًا كبيرًا ومغريًا
من الغرب، لكن لا يُمكن القطع مع المؤلف
أننا سنبقى مرهونين به، محبوسين في عالمه، بحكم أن حضارة الشرق الكلاسيكية العتيقة لا يدان لها بالتملص من هذا الجذب الكبير الذي خلقه الغرب بوصفه حضارة عالمية. والأدهى من ذلك أيضًا أن نجد المؤلف يُرجع
وضعيتنا الحالية بوصفنا عالَمًا شرقيًا إلى تغريب
العالم الذي لا رجعة عنه، والذي يسبب قطيعة تشمل البشرية جمعاء، وتتجلى في أكثر صورها في الحالة العصابية والفصامية لإنسان العصر في هذه الحضارات التقليدية الكبرى، وهذا التشخيص الذي يضعه المفكر الإيراني يؤسسه على قاعدة منهج مقارن، يكشف من خلاله عن التجانس الذي يجمع الحضارات التقليدية الكبرى (الإسلامية والهندية والصينية) في كلٍّ واحدٍ نعته المؤلف ب "التجمع الروحي الواحد".
(1((يُنظر: نادر كاظم، "داريوش شايغان: هوية بأربعين
وجهًا"، مجلة الفيصل، العدد 502–501 (آب/ أغسطس 2018)،
ص.131
ثم إنه يحثنا على أن نوجه فكرنا نحو وظيفة نقد مزدوجة؛ وذلك بالكشف عن الأدلجة المزدوجة التي تتناول الدين والحداثة معًا، من حيث إنه المأزق الحقيقي الذي تجابهه الحضارات العتيقة الكبرى اليوم.
خاتمة: هل أصبح عالمنا شبحيًّا؟
استحكم في عالمنا اليوم نزوعه إلى تقديس كل ما هو خوارقي؛ إذ يثير فضول الإنسان المعاصر كل ما له علاقة بالمجاز والغموض وقراءة الطالع، إضافة إلى أنه أصبح يبحث كثيرًا عن التفسيرات التي تعطيه لمحة عما سيحدث له في المستقبل، وقد سايرت هذه الشغفية الكثير من وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، والروايات والأفلام التي تُبث على منصة "نتفلكس" Netflix وغيرها؛ إذ تصور عالمًا مليئًا بالخيال والرموز والتعقيد الذي يجابه الإنسان المعاصر، أو ما سيجابهه في مقبل الأيام. يُعلق شايغان على حال ما يعيشه العالم اليوم، والنزعة الشبحية التي أصبحت تربكه، ويُرجعها أساسًا إلى أفول العقل، هذا العقل الذي
(2((يُنظر: نادر كاظم، طبائع الاستملاك: قراءة في أمراض
الحالة البحرينية (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2007)، ص.243 (2((اعتمد الفيلسوف الألماني ماكس هوركهايمر هذا
المصطلح وخصص له كتابًا عنوانه كسوف العقل Eclipse of
Reason، ونشره سنة 1947، حيث تهكم في هذا الكتاب بوعود التنوير والتغني بالعقل وقدرته على تحرير الإنسان من الخرافة والرؤية السحرية في تفسيره للكون، إلا أن هذا العقل كسف، ومن الأصوب أن ننكر مكانته، لأن ما جنيناه من ويلات من جرّاء استخدامه المغلوط وتبعاته تجعلنا نُفضل
النأي عن استحضاره.
ضاع في عالم التقنية، وأصبح خادمًا مطيعًا
لأداتية. وفي مقابل ذلك، نجد أنّ هناك نزعات روحانية تسير جنبًا إلى جنب مع التطور الهائل
للتقنية، أبهرت الإنسان وجعلته لا يثق بعقله، ويزداد اقتحامًا لعالم الخرافة وإيمانًا بها. ويشرح
المؤلف المنزع الجديد قائلً: "هذه المتطلبات الهلامية المشتقة، وهذا العالم المجازي الخاص بالنزعات والطموحات، والظمأ إلى استدعاء المثل القديمة، والهروب من المساحات الأخرى، خلقت بمجملها عالمًا وهميًّا، وفضاءات تضج
بأشباح تبحث بكل هيستيريا عن مكان للحلول، وحينما لا تجد مثل هذا المكان ستبقى أشباحًا
سائبة تغمس رؤوسنا في مستنقع الحيرة والضياع، سمة الإرباك والفوضى في عصرنا هي بالضبط ما يُمكن نعته بفقدان الإحداثيات، فبسبب ضمور
الطابع الطقوسي والتشريفاتي لأساطير والعقائد
((2(من الواضح تأثر شايغان بما ذهب إليه الرعيل الأول للنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت؛ فبحسب كل من ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، أصبح العقل أداتيًّا، وأصبحت معه
العلاقات بين البشر وعلاقة المرء مع ذاته مضطربة، ونجح العقل الأداتي في تشييء الإنسان واستخدامه من لدن المؤسسات الاقتصادية والسياسية وأجهزتها الأيديولوجية القائمة على تكريس المصلحة والهيمنة بصورها المختلفة. وانقلب التنوير إلى النقيض، وذلك أن حركة التنوير حتى إن ادعت تحرير
الكائن البشري من غلّ العبودية والأسطورة وأدخلت العقل بوصفه أداة حاسمة في التعامل مع الأشياء والعلاقات والطبيعة والتاريخ، فإنها – في نهاية المطاف – استسلمت لأساطير من لون جديد. يُنظر: بومنير، ص.16–15
المراجع
منشورات الاختلاف،.2010 العربية..2008 بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين،.2016
الجزمية، يتجلى الدين اليوم على شكل سحر وشعوذة وربما خرافات" (ص. 156) ورغم ما قدمه المؤلف من خلال منافحته عن هوية تمازجية بين ثقافات وأفكار مختلفة ومتباينة، من حيث إن هويتنا بوصفنا أفرادًا وجماعات لا يدان لها بأن تكون وقائع طبيعية تختص بنا، ولكنها أشياء نحن الذين نشكّلها تخيلاتٍ في الواقع، ومن حيث إن الهوية لا يمكن أن تتوقف عند مستوى التلقي البيئي فحسب، بل تصل إلى مستوى التمثل الوجودي للكون أيضًا، فإنّ ما نستغربه منه تحديدًا هو تأكيده على تأثير الغرب في قيمنا الكونية، نحن البشر المنتمين إلى حضارة الشرق، مصورًا إيّانا على أننا كائنات تائهة ضائعة ضلت طريقها، وأن السبيل الأوحد للنجاة وبلوغ النموذج الأسمى للتحضر، يكون بالالتحاق بالحضارة الغربية، بحجة أننا كلٌّ واحدٌ وهويات ممتزجة. لكن هذه الامتزاجية، شئنا أم أبينا، هي وفق منطق الغرب في نهاية الأمر، ومهما حاول أن يبين عكس ذلك فسيبقى يُفكر بأساليب الغربيّين وطريقة فهمهم للحضارة ومفهوم التقدم
وتصورهم عن الهوية، ويبقى السؤال المطروح عندنا هو: هل يعترف الغرب بالموروثات الدينية التي يحملها في الشرق كما نعترف نحن بالعقلانية التنويرية في صورتها الغربية؟
References
بومنير، كمال. النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت: من ماكس هوركهايمر إلى أكسل هونيث. الجزائر: دو لا بويسي، إيتيان. مقالة العبودية الطوعية. ترجمة عبود كاسوحة. بيروت: مركز دراسات الوحدة الرفاعي، عبد الجبار. الحب والإيمان عند سورن كيرككورد. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر؛
شايغان، داريوش. الهوية والوجود: العقلانية التنويرية والموروث الديني (بيروت: دار الساقي،.)2019 ________. أوهام الهوية. ترجمة محمد علي مقلد. بيروت: دار الساقي،.1993 عماري، فرحات. "سياسة التعدد الثقافي من التفكير في الهوية إلى الاعتراف". مجلة الأكاديمية للبحوث في العلوم الاجتماعية. مج 1، العدد 1 (كانون الأول/ ديسمبر.)2019 كاظم، نادر. طبائع الاستملاك: قراءة في أمراض الحالة البحرينية. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2007 ________. "داريوش شايغان: هوية بأربعين وجهًا". مجلة الفيصل. العدد 502–501 (آب/ أغسطس
كانط، إمانويل. "إجابة عن سؤال: ما هو التنوير؟". ترجمة عبد الله المشوح. حكمة. 2015/6/19، في:
https://bit.ly/3wXHqyb
مازن، يوسف صباغ. طائر القدس المهاجر: إدوارد سعيد. بيروت: دار الشرق للطباعة والنشر،.2006 موران، إدغار. الفكر والمستقبل: مدخل إلى الفكر المركب. ترجمة أحمد القصوار ومنير الحجوجي. الدار البيضاء: دار توبقال،.2004 هنتنجتون، صامويل. صدام الحضارات: إعادة صنع النظام العالمي. ترجمة طلعت الشايب. تقديم صلاح قنصوه. ط 3. بغداد: سطور الجديدة،.1999