أنثولوجيا الإسلام الليبرالي
Anthology of Liberal Islam
الملخّص
تعرض هذه الدراسة أنثولوجيا الإسلام الليبرالي، وذلك من خلال النظر في الجدل الذي أثير منذ عصر النهضة العربية الحديثة حول علاقة الإسلام بالحداثة عمومًا، وبالليبرالية تحديدًا. وقد ظل هذا الجدل مرتهنًا في جزء كبير منه لتقلبات علاقة المسلمين بالغرب. وأمكننا رصد لحظتين رئيستين في هذا الجدل؛ لحظة كان المسلمون مطالبين بمراجعة نصوصهم الدينية التأسيسية والتراثية حتى يصبحوا ليبراليين على النمط الغربي، ولحظة أصبحوا فيها يطالبون الغرب بمراجعة قيمه الليبرالية والكفّ عن النظرة الاستقطابية لعلاقة الإسلام بالليبرالية. واللحظة الثانية هي التي شهدت ميلاد مقولة "الإسلام الليبرالي" أشتهرت بفضل كتابات تشارلز كورزمان بالخصوص، وقد تأثرت بكتابات جون رولز عن الليبرالية، وبمقولات "نهاية التاريخ" لفرانسيس فوكوياما و"صدام الحضارات" لصمويل هنتنغتون.
Abstract
Abstract: This article presents the anthology of liberal Islam by revisiting the controversy that has arisen since the era of the modern Arab Renaissance about the relationship between Islam and modernity in general and liberalism in particular. This debate has been dependent, in large part, on the fluctuations of Muslims’ relationship with the West. In this respect we identified two main moments in this debate. In the first one, Muslims were required to review their foundational and traditional religious texts in order to become liberals. In the second one, they were asking the West to review its liberal values and to give up the polarizing view of Islam’s relationship with liberalism. This second moment witnessed the birth of the famous notion of "liberal Islam" thanks, in particular, to the writings of Charles Kurzman largely influenced by the the points of view of John Rawls on liberalism and the ideas of "the end of history" and "the clash of civilizations", respectively defended by Francis Fukuyama and Samuel Huntington.
- إسلام
- ديمقراطية
- ليبرالية
- تشارلز كورزمان
- جون رولز
- Islam
- Democracy
- Liberalism
- Charles Kurzman
- John Rawls
ظل هذا الجدل مرتهنًا في جزء كبير منه لتقلبات علاقة المسلمين بالغرب. وأمكننا رصد لحظتين
رئيستين في هذا الجدل؛ لحظة كان المسلمون فيها مطالبين بمراجعة نصوصهم الدينية التأسيسية والتراثية حتى يصبحوا ليبراليين على النمط الغربي، ولحظة أصبحوا فيها يطالبون الغرب بمراجعة
قيمه الليبرالية والكفّ عن النظرة الاستقطابية لعلاقة الإس ماا بالليبرالية. واللحظة الثانية هي التي شهدت ميلاد مقولة "الإسلام الليبرالي" اشتهرت بفضل كتابات تشارلز كورزمان بالخصوص، وقد تأثرت بكتابات جون رولز عن الليبرالية، وبمقولات "نهاية التاريخ" لفرانسيس فوكوياما و"صدام الحضارات" لصمويل هنتنغتون.
مقدمة
تندرج مقولة الإسلام الليبرالي ضمن الجدل الذي أثاره منذ عصر النهضة العربية الحديثة المفكرون العرب والمسلمون، وكذلك الغربيون حول علاقة الإسلام بالحداثة. وهو جدل لم يعرف المسلمون مثيلً له منذ الفتنة الكبرى التي انبثقت منها غالبية التيارات الفكرية والسياسية والمذهبية، وليس له مثيل أيضًا في أيّ ديانة معاصرة منذ القرن السادس عشر؛ قرن الإصلاح الديني في أوروبا. وقد اتخذ هذا الجدل صيغًا عديدة، منها المناظرات والمراسلات وكتب النقض والردود والسجالات الصحافية والبحوث الأكاديمية. وكان يعلو أحيانًا ويخفت أحيانًا أخرى وتختلف مخرجاته ارتباطًا بتطور أوضاع المسلمين الداخلية وعلاقتهم بالغرب (كإلغاء الخلافة العثمانية، ونكبة فلسطين، والثورة الإيرانية، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وثورات الربيع العربي، وظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، وغيرها). وبخصوص علاقة الإسلام بالليبرالية، أمكننا، استنادًا إلى ما كُتب في الموضوع، رصد ثلاث لحظات تاريخية وإبستيمولوجية، هي على التوالي: اللحظة النهضوية أو الإصلاحية، إذ تنبه الفكر العربي والإسلامي إلى أفكار أوروبا الحديثة ومؤسساتها الليبرالية؛ ثم لحظة إلغاء الخلافة العثمانية على يد مصطفى كمال أتاتورك في عام 1924، وما أعقبها من جدل حول طبيعة الحكم في الإسلام، وقد دشّن كتاب علي عبد الرازق الإسلام وأصول الحكمذلك الجدل الذي لم ينقطع إلى اليوم؛ وأمّا اللحظة الثالثة فبدأت ملامحها تتشكل منذ العقد الأخير من القرن العشرين، لتتضح صورتها في العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، بحيث ساهمت جملة من الأحداث – أهمها تفكك الاتحاد السوفياتي وما رافقه من انتهاء المنظومة الشيوعية، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وثورات الربيع العربي ودورها – في إحياء الجدل حول علاقة الإسلام بالحداثة عمومًا، وبالليبرالية تحديدًا. وقد تزامن ذلك مع دفع جديد عرفته الفلسفة الليبرالية من خلال إعادة صهر وصياغة لمفاهيمها الرئيسة، خصوصًا مع كتابات الفيلسوف الأميركي جون رولز، التي استفاد منها تشارلز كورزمان Kurzman Charles في ما كتب حول موضوعنا. لقد تطور الجدل حول علاقة الإسلام بالليبرالية حتى أفضى إلى بروز مقولة "الإسلام الليبرالي" باعتبارها الصورة المثلى للإسلام التي ينبغي لها، وفقًا لأصحابها، تجاوز ما اعتُبر توترًا تاريخيًا وتحدّيًا مفهوميًا بين
مقولتي الإسلام والليبرالية، أو ما اعتُبر تلفيقًا ساذجًا بينهما وأدلجة رثة لهما. لذلك، ارتأينا أنّ الإطار الأنسب
لتناول "الإسلام الليبرالي" هو الإطار الأنثولوجي. فالجدل حول هذا المفهوم انتهى إلى نتائج مهمة وإن لم تكن حاسمة. إنّ عملنا هو، بمعنى ما، إعادة بناء نقدي للنقاشات والجدل الذي أثير وما زال مُثارًا بشأن علاقة الإسلام بالليبرالية، وذلك عبر البحث في تاريخية مقولة "الإسلام الليبرالي" ورهاناتها الإبستيمولوجية والسياسية. وعلى هذا الأساس، تنقسم الدراسة إلى أربعة مباحث. يعرض المبحث الأول الرأي القائل بامتناع وجود إسلام ليبرالي، إما بسبب طبيعة الإسلام غير المنسجمة مع القيم الليبرالية وإما، على العكس من ذلك، لأن المسلمين ليسوا في حاجة إلى الليبرالية؛ فالحلول التي يقدّمها الإسلام أفضل من تلك التي
(((نستعمل عبارة الأنثولوجيا بمعنى التصنيفية أو النماذج Anthology وليس بمعنى معرفة الوجود وحقيقته Ontology: تنبني الأنثولوجيا على عملية تجميع واختيار لنصوص تتعلق بغرض ما ولكن هذه العملية تنجز على أساس هدف منشود. ولذلك فإن عملنا هو بمعنى ما بحث في جيانولوجيا مقولة الإسلام الليبرالي: كيف ظهرت هذه المقولة؟ وكيف تطورت؟ أي بلغة أوضح: كيف تأسست واتخذت لها هوية معينة؟
تقترحها عليهم الليبرالية، وخصوصًا أنها تعرّضت لنقد كبير من داخل الفضاء الليبرالي نفسه. في حين
يعرض المبحث الثاني الرأي القائل إن الإسلام ليبرالي "بطبعه"، إمّا بصريح نصوصه التأسيسية، وإما من
خلال صمت هذه النصوص الذي يُفهم على أنه إذنٌ للمسلمين في أن يختاروا ما يرونه ملائمًا لأوضاعهم
التاريخية، وهذا الإذن هو في حد ذاته خيار ليبرالي. وأما المبحث الثالث فيتناول معنى "الإسلام الليبرالي"، أو تعريفه، باعتباره تتويجًا للجدل المشار إليه، والذي يذكّر بالجدل الذي عرفته المسيحية وانتهى ببروز
البروتستانتية. وأخيرًا، يقيّم المبحث الرابع هذه المقولة من جهة كونها تجاوزًا للتصوّر الاستقطابي للإسلام
والحداثة عمومًا، وللإسلام والليبرالية تحديدًا، ومن جهة كونها تطرح نقاشات من طبيعة أخرى؛ ذلك أن
الإقرار بوجود إسلام ليبرالي يمكن أن يندرج ضمن ما يسميه رضوان السيد "الصراع على الإسلام" الذي استعر منذ الخمسينيات، في سياق الصراع بين الأنظمة العربية بمختلف مشاربها الأيديولوجية والحركات الإسلامية، ولكنه اتخذ بُعدًا آخر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بحيث توسّع لتنخرط فيه دوائر
فكرية وسياسية غربية فاعلة ومؤثرة في القرار السياسي في بلدانها، تشبَّعت بمقولة فوكوياما عن "نهاية
التاريخ" بما تعنيه من ضرورة توحيد العالم تحت راية الليبرالية.
أولا: الليبرالية الإسلامية المستحيلة
إثر قيام الثورة الإيرانية في عام 1979، صدر كتاب داريوش شاياغان الشهير ما الثورة الدينية؟ وقد استنكر فيه بإطلاق الحديث عن "ثورة دينية". فليس بين اللفظين في رأيه أيّ وشائج أنطولوجية، ففي حين تحيل
"الثورة" على عصر الأنوار والبنية الجدلية للعقل الذي يتجاوز نفسه باستمرار، يحيل "الدين" (الإسلامي هنا) على معنى التسليم بالإرادة الإلهية وعلى ظاهرة الوحي والروح النبوية؛ مما يعني أن عالم الثورة هو عالم التاريخ بمعناه الجدلي، وأن الدين يظل دومًا خارج قلق التاريخ. وعقب ثورات الربيع العربي، كتب وائل حلاق مستنكرًا الحديث عن "دولة إسلامية": "إن مفهوم الدولة الإسلامية مستحيل التحقق
وينطوي على تناقض داخلي، وذلك بحسب أيّ تعريف سائد لما تمثله الدولة الحديثة"، مبررًا ذلك
بافتقاد الدولة الحديثة إلى الأخلاق التي هي جوهر الشريعة الإسلامية. ورغم اختلاف مرجعية الكاتبين، فإنهما اتفقا على وجود معضلة مفهومية تفصل الغرب عن الإسلام، من الصعب تجسيرها. والحقيقة أن هذه النتيجة التي انتهيا إليها ليست جديدة، ولكنها الأكثر وضوحًا وتفصيلً؛ إذ يمكن اعتبار رأييهما في
المسألة بمنزلة تتويج لنقاشات معقدة، امتدت عقودًا طويلة حول علاقة الإسلام بالحداثة عمومًا، وبالمفاهيم والقيم الليبرالية تحديدًا. ويتأتى تعقُّد المسألة من كون هذه الاستحالة ذات وجهين مختلفين،
(((داريوش شاياغان، ما الثورة الدينية؟ الحضارات التقليدية في مواجهة الحداثة، ترجمة محمد الرحموني، ط 2 (بيروت: دار الساقي، 2011)، ص.243–242 (((وائل حلاق، الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي، ترجمة عمرو عثمان، ط 2 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.19 (((عبّر شاياغان عن هذه القناعة في كثير من مؤلفاته. ينظر على سبيل المثال:
Dariush Shaigan, Le Regard mutilé: Schizophrénie culturelle: Pays traditionnels face à la modernité (Paris: L’Aube, 1989); Dariush Shaigan, La lumière vient de l’Occident (Paris: L’Aube, 2005);
وأما وائل حلاق فنجده يدافع عن الفكرة نفسها في مجمل مؤلفاته حول الشريعة الإسلامية.
بل متعارضين؛ أحدهما يجري بموجبه اتهام الإسلام بعجزه، وذلك لطبيعته، عن أن يكون حداثيًا ومن ثم
ليبراليًا (مقولة الاستثناء الإسلامي)، والثاني يتّهم الليبرالية الغربية بكونها لا ترتقي إلى المستوى الأخلاقي
الذي يوفره الإسلام، وإلى أصالة الشريعة الإسلامية (مأزق الليبرالية).
1. الاستثناء الإسلامي
تتأسس مقولة "الاستثناء الإسلامي" على قاعدة الإيمان بوجود تعارض مبدئي بين الإسلام والحداثة، ومن ثم عجز الإسلام عن توفير الشروط الاجتماعية والثقافية لقيام ليبرالية سياسية. لذلك، من الخُلف الحديث عن ليبرالية إسلامية. وإن حصل ذلك؛ فهو إمّا من باب التسامح الليبرالي، وإما من خزعبلات "متسكعي الغرب وحجاج الشرق القدامى". والحقيقة أن أصحاب هذه المقولة يستندون إلى تصور ليبرالي "أرثوذكسي"، يقضي بأن الفكر الغربي الحديث قام على أساس الفصل بين الدين والسياسة، وبأن هذا الفصل ما دام قائمًا فإن الدين لا يمكن أن يكون موضوع نقاش عمومي. وبالفعل،
إذا كانت الليبرالية ترتكز على العلمنة ورفض ربط السياسة والاقتصاد بالأخلاق الدينية وتدافع عن ضرورة تقييد السلطة (الفصل بين السلطات)، ومن ثم تفترض مجتمعًا سياسيًا غير متجانس وغير
ثابت المكونات، شغلُه الأساسي تحديد الصالح العام الذي ينبغي العمل على تحقيقه في ظل خليط من المصالح والهويات المختلفة، وتصور للفرد قوامُه الاستقلالية والسيادة، فإن المجتمع الإسلامي
يفترض في المقابل التجانس (مفهوم الأمة الإسلامية)؛ فهو، إذًا، مجتمع لاتاريخي، والصالح العام فيه ليس مجال خطاب عقلاني أو توافقات، وإنما هو وحي يوحى، والفرد فيه لا استقلالية له، فهو مستخلَف في الأرض من الله. في هذا السياق، يمكننا اعتبار مقالة إرنست رينان Renan Ernest (1892–1823) في الإسلام منطلق شيوع مقولة "الاستثناء الإسلامي". فقد كتب في محاضرته الشهيرة عن الإسلام والعلم: "لدى المسلم احتقار شديد العمق للمعارف والعلم، ولكل ما يشكّل العقل الأوروبي"، مضيفًا أن ما عرفه المسلمون
في تاريخهم من علوم إنما هو بفضل الفرس والمسيحيين واليهود؛ لأن الإسلام مُعادٍ للعلم أصلً.
وبعد رينان تسلّم زمام هذا الجدل برنارد لويس Lewis Bernard (2018–1916)، ولا يمكن الحديث عن مقولة الاستثناء الإسلامي من دون الوقوف على آرائه؛ فهو من أكثر المؤرخين والمستشرقين كتابة عن الإسلام، وأكثرهم اطلّاعًا على تراث المسلمين. وقد كان له تأثير في بروز مقولتي
(5) Leonard Bender, Islamic Liberalism: A Critique of Development Ideologies (Chicago: The University of Chicago Press, 1988), p. 3.
(((شاياغان، ص.293
(7) Sylvain Auroux & André Jacob, Les notions philosophiques, Encyclopédie philosophique universelle, vol. 2 (Paris: PUF, 1990), pp. 1467–1469. (8) Bender, p. 4.
(((مجدي عبد الحافظ [وآخرون]، الإسلام والعلم: مناظرة رينان والأفغاني، ترجمة مجدي عبد الحافظ (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2005)، ص.35 ((1(المرجع نفسه، ص.44
"نهاية التاريخ" و"صدام الحضارات". وينتهي في مجمل آرائه إلى أن معضلة الإسلام باعتباره "أزمة العصر"، تكمن في أنه لا يميّز بين الدولة والدين. وكان إرنست غيلنر (1995–1925) قد طوّر آراء
رينان ولويس؛ فبيّن أن طبيعة الإسلام اللاليبرالية قد أفضت إلى علاقة فريدة بين الإسلام والحداثة،
فبدلً من أن يتخلص المسلمون من هيمنة الدين على الفضاء العام، قويت شوكة الدين وازدادت
سلطته على المجتمع، وهذا ما جعل علمنة المجتمعات المسلمة أمرًا عسيرًا، بل مستحيلً. لكنّ
اللافت للنظر أن تمييزه بين ثقافة عليا وأخرى دنيا تتصارعان داخل المجتمعات المسلمة قد أفضى به إلى الحديث عن "إسلام كاثوليكي" وآخر "بروتستانتي" يتصارعان. ورغم حرصه على التنبيه إلى أن الأمر لا يلغي الاختلافات الجوهرية بين الإسلام والمسيحية، واعتباره هذا التدافع بين التصورين أو الصنفين من الإسلام إنما هو من طبيعة الأديان استنادًا إلى تحاليل ديفيد هيوم Hume David (1776–1711)؛ فإن في كلامه ما يشي بإمكانية تعميم البروتستانتية Protestantisation، وهي الفكرة التي سنجدها متداولة في المقاربة الثالثة لمقولة الإسلام الليبرالي. هذا الاستثناء الإسلامي وجد صيغته الأوضح في ما كتبه فوكوياما في عام 2001: "يبدو أن هناك أمرًا متعلقًا بالإسلام [...] فمن بين جميع
الأنظمة الثقافية المعاصرة، فإن العالم الإسلامي يحوي العدد الأقل من الديمقراطيات (تشكّل تركيا الاستثناء الوحيد)، ولا يضم العالم الإسلامي أيّ دولة قامت بالانتقال من دول العالم الثالث إلى العالم الأول كما فعلت كوريا الجنوبية أو سنغافورة". مقولة الاستثناء الإسلامي مقولة اختزالية Reductionist بالمعنى الأنطولوجي الذي قصد إليه أنطونيو غرامشي Gramsci Antonio (1937–1891) في نقده للماركسية؛ إذ لا يمكن اختزال الإسلام في التصوّف كما اختزلت الماركسية كلّ عوامل التاريخ في الاقتصاد. وهي رؤية وضعانية Positivist؛
لأنها توهم بأن زمن الدين باعتباره نظامًا اجتماعيًا وسياسيًا قد ولّى. وهي فضلً عن ذلك، استعمارية
واستشراقية؛ ذلك أن رينان قد دشّن المقولة الاستشراقية الشهيرة التي تقول إن الإسلام "تركيب ثقافي"، ومن ثم يمكن أن يُدرس خارج إطار الجوانب الاقتصادية والاجتماعية للشعوب الإسلامية.
(1((برنار لويس، أزمة الإسلام: الحرب الأقدس والإرهاب المدنس، ترجمة حازم مالك محسن (دمشق: صفحات للدراسة والنشر، 2013)، ص.45 ((1(ينظر مقاله:
Ernest Gellner, "Religion and the Profane," Eurozine , 28/8/2000, accessed on 24/8/2022, at: https://bit.ly/3Pq46PX (13) Ibid. (14) Francis Fukuyama, "History Is Still Going Our Way," The Wall Street Journal , 5/10/2001, accessed on 24/8/2022, at: https://on.wsj.com/3wjqWkz;
نقلً عن: نادر هاشمي، الإسلام والعلمانية والديمقراطية الليبرالية: نحو نظرية ديمقراطية للمجتمعات المسلمة، ترجمة أسامة غاوجي (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2017)، ص 44. ((1(لمزيد من التوسع في تهافت تصورات داريوش شاياغان عن الإسلام، ينظر قراءتنا لكتابه المشار إليه: محمد الرحموني، "قراءة في
كتاب ما الثورة الدينية؟ لداريوش شاياغان"، منتدى العلاقات العربية والدولية، شوهد في 2022/5/17، في: https://bit.ly/3lneR7C ((1(حول مختلف النقد الذي وُجّه إلى أفكار فوكوياما حول نهاية التاريخ وحول الإسلام، ينظر: هاشمي، ص 43 وما بعدها؛ مطاع
صفدي، "بيان التيموسية المظفرة"، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 101–100 (9931)، ص 13–4؛ محمد عجلان، "كل ما تريد
معرفته عن نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، المكتبة العامة، 2016/11/24، شوهد في 2022/8/24، في: https://bit.ly/3sJlTI3
2. مأزق الليبرالية
كانت رؤية جزء لا يستهان به من الكتابات التي ظهرت منذ منتصف القرن العشرين، والتي تناولت علاقة الإسلام بالليبرالية، مختلفة عن تلك النزعة الدفاعية المألوفة في مؤلفات الجيل الأول من عصر النهضة. ونتبين ذلك من خلال نماذج عمدت إلى نقد الليبرالية نقدًا متفاوت العمق والأهمية، ولكنه انتهى إلى ما سيسمّيه وائل حلاق "مأزق الحداثة الأخلاقي". في هذا السياق، نحيل على كتابات عباس
محمود العقاد ومالك بن نبي باعتبارهما من مفكري مرحلة ما بعد الكولونيالية الذين فهموا التجربة السياسية لبلدانهم الحديثة العهد بالاستقلال، بوصفها تمثّل تواصلً للتجربة السياسية الاستعمارية التي لم تكن سوى تطبيق عملي للأفكار الليبرالية. فحينما كتب العقاد عن أنظمة الحكم والديمقراطية وتبعه بن نبي كان غرضهما إثبات ديمقراطية إسلامية مختلفة عن الديمقراطية الليبرالية وأفضل منها. وقد نضج هذا التوجه مع الوقت وأفضى إلى تجاوز السؤال النهضوي الشهير "لماذا تقدّم الغرب وتأخرنا؟"، ليطرح سؤ لً جديدًا: "لماذا نسعى دائمًا إلى جعل الإسلام منسجمًا مع الليبرالية؟ لماذا
لا نطرح السؤال عكسيًا؟ لماذا لا نعرض القيم الليبرالية على الإسلام لنرى مدى تناقضها أو كيف نعيد
فهم هذه المقولات الليبرالية في ضوء التاريخ الإسلامي؟". هذه الأسئلة وأمثالها وجدت لها متسعًا للتعميق في مؤلفات عديدة ذات موضوعات ليبرالية مختلفة تركز على التفوق الأخلاقي للإسلام. لم نعثر في أغلب مؤلفات العقاد على لفظة "الليبرالية"، ولكن الأمر ليس سوى اختيار اصطلاحي؛ ففي معرض حديثه عمّا يسميه "صيغ الحكم" (أنماط الحكم) التي عرفتها البشرية، تحدّث عن
الحكم بالحق الإلهي (الحكم الثيوقراطي)، وعن حكم الحرية الفردية (الليبرالية)، وعن حكم التأميم (الاشتراكية). وفي موضع آخر، تحدّث عن الحُرّيِّين معرّفًا إياهم بكون مذهبهم يتخذ من "الحرية
الفردية أو حرية الضمير الإنساني غايته القصوى". وبعد استعراضه للأنظمة السياسية التي عرفتها البشرية، خلص إلى أنّ غالبيتها تبيع الأوهام والخيالات للناس، وأن "المبدأ القائل بأن الحكم من الأمة للأمة هو أصلح المبادئ". ولعل نظام الحكم الأقرب إلى هذا المبدأ هو الإسلام. وبالفعل، اتضح الأمر من خلال كتابه الشهير الديمقراطية في الإسلام. يستهل العقاد كتابه الصادر في عام 1954 برفض قاطع للفصل [الليبرالي] بين الحرية والأخلاق، فيقول: "وضّحنا في الصفحات التالية فكرة الديمقراطية كما أنشأها الإسلام لأول مرة في تاريخ العالم،
(17) Saba Mahmoud, "Is Liberalism Islam’s only Answer," in: Khaled Abou El Fadl (ed.), Islam and the Challenge of Democacy (Paris: Princeton University Press, 2004), p. 75.
((1(نحيل، خصوصًا، على كتابات وائل حلاق وجان بول شارني عن الشريعة التي تركز على البعد الأخلاقي للشريعة الإسلامية
باعتباره مصدر تفوقها على القوانين الليبرالية. (1((عباس محمود العقاد، فلاسفة الحكم في العصر الحديث (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2013)، ص.47 ((2(المرجع نفسه، ص 75؛ وينظر أيضًا حديثه عن الفرد وحقوقه في معرض حديثه عن الأنظمة الفاشية التي "تسعى إلى محو الفرد
واستغراق حريته وحقوقه"، في: عباس محمود العقاد، الحكم المطلق في القرن العشرين (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2013)، ص.31 (2((العقاد، فلاسفة الحكم، ص.87–68 (2((كثيرًا ما رُبِط بين لفظتي الليبرالية والديمقراطية واستخد متا بوصفهما مترادفتين. وهذا خطأ ينبغي أن يتنبه القارئ إليه؛ فحكم
الشعب يمكن أن يكون معاديًا لليبرالية.
ودعانا إلى هذا البحث أن الأمم الإسلامية في عصرنا تنهض وتتقدم، وأنها أحوج ما تكون في هذه المرحلة خاصة إلى الحرية والإيمان متفقين". وبالفعل، بنى العقاد تصوّره للديمقراطية على أساس
عقدي ديني، سعى من خلاله إلى قلب فلسفة العقد الاجتماعي التي انبنت عليها الفلسفة الليبرالية السياسية؛ فحالة الطبيعة، بما هي فوضي وحيوانية، ليست مرحلة سابقة للديمقراطية كما قرر ذلك فلاسفة العقد الاجتماعي، بل لاحقة لها إذا ما تعاملنا مع الموضوع بعيدًا عن الاعتقاد والإيمان، كما سعى إلى بناء تاريخ للديمقراطية الإسلامية موازٍ أو بديل من تاريخ الديمقراطية الليبرالية (تفنيد مقولة الديمقراطية هي حكم الشعب استنادًا إلى اللفظ اليوناني المعلوم)، وخلص إلى أن الديمقراطية الليبرالية ليست سوى "حيلة من حيل الحكم لاتقاء شر أو حسم فتنة، ولا هي إجراء من إجراءات التدبير تعمد إليها الحكومات لتيسير الطاعة"، وأن الديمقراطية إنسانية؛ أي إسلامية، أو لا تكون. والحقيقة أن العقاد لم يدرك أن قضية الديمقراطية لم تكن مطروحة لدى فلاسفة العقد الاجتماعي، بل كان همّهم الأساسي تأسيس الدولة المدنية، وهي دولة لا علاقة لها بالديمقراطية. أمّا مالك بن نبي فقد عرض لليبرالية في كتابه المسلم في عالم الاقتصاد الصادر في عام 1972، جدّد فيه التأكيد على تمايز الإسلام عن الفلسفتين الماركسية والليبرالية وأفضليته عليهما. وكان قد ربط في ما سبق شيوع استعمال المفاهيم الغربية، شأن الديمقراطية، بالهيمنة الاستعمارية. ولذلك، فالديمقراطية مفهوم غريب عن الإسلام أضيف إليه قسرًا وجهلً. ومن ثم يقترح مدخلً منهجيًا يتأسّس على الفصل بين
الإسلام والديمقراطية؛ إذ لا وشائج تاريخية بينهما؛ فالإسلام في أبسط تعريفاته يعني "خضوع الإنسان" لسلطة الله، في حين تعني الديمقراطية "سلطة الإنسان". ولتجاوز هذا الإشكال، يقترح إعادة النظر في الديمقراطية (الليبرالية) انطلاقًا من نقد المسوغات الليبرالية الساندة لها. وفي هذا الإطار، يرى أن "شروط الشعور بالديمقراطية مقيّد بشروط معينة لا يتحقق بدونها، وهذه الشروط ليست من وضع الطبيعة ولا من
مقتضيات النظام الطبيعي، على خلاف ما كانت تتصوره الفلسفة الرومانتيكية في عهد جان جاك روسو، بل هي خلاصة ثقافة معيّنة وتتويج لحركة الإنسانيات وتقدير جديد لقيمة الإنسان". وإذا كانت قيمة
الإنسان في الديمقراطية الليبرالية تجسدت في ما ناله من حقوق سياسية وضمانات اجتماعية، فالإسلام قد منحه "قيمة تفوق كلّ قيمة سياسية أو اجتماعية لأنها القيمة التي يمنحها له الله في القرآن ﴿ولقَدْ كرَّمْنَا
بَنِي ءَادمَ﴾ (الإسراء: 70)، فهذا التكريم يكون – أكثر من الحقوق والضمانات – الشرط الأساسي للتعبير
اللازم في نفس الفرد، طبقًا للشعور الديمقراطي". ومثلما أخطأ العقاد في فهم العلاقة بين الديمقراطية وفلسفة العقد الاجتماعي، فإن بن نبي لم يدرك أيضًا أنّ الديمقراطية لا تنظم علاقة الإنسان بخالقه، بل
(2((عباس محمود العقاد، الديمقراطية في الإسلام (القاهرة: شركة نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 2005)، ص.3 ((2(المرجع نفسه، ص.4–3 ((2(المرجع نفسه، ص.29 (2((مالك بن نبي، القضايا الكبرى (بيروت: دار الفكر المعاصر؛ دمشق: دار الفكر، 1991)، ص.134 ((2(المرجع نفسه، ص.136 ((2(المرجع نفسه، ص.138–137 ((2(المرجع نفسه، ص.146
بالآخر الإنساني المختلف. ومن هذا المنطلق، فإنّ تكريم الإنسان يكون باحترام الآخرين من بني جنسه لحقوقه وتوفير الضمانات لها. في السياق نفسه، ولكن بمقاربة أكثر عمقًا، تناولت الباحثة النسوية الفلسطينية ليلى أبو لغد موضوع حقوق الإنسان، وتحديدًا حقوق المرأة، ذات المنشأ الليبرالي مركّزةً على أمرين؛ أولهما عدم تناسب الخطاب الحقوقي الليبرالي مع وضعية المرأة المسلمة، وثانيهما فوات بعض القيم الليبرالية الأساسية شأن استقلالية الفرد وحريته الشخصية؛ ما يعيد الاعتبار إلى نظرة الإسلام المتوازنة إلى الموضوع. ففي ما يتعلق بالأمر الأول، عرضت لمفهوم التديّن؛ إذ يجري التعامل معه على أنه طقس ثابت جامد، في حين
أن الواقع في البلاد العربية، على سبيل المثال، لا يكشف عن تنوع الممارسات الدينية اليومية فحسب، بل عن تنازعها كذلك في القرية الواحدة في حيز زمني محدّد ومحدود. أما في ما يتعلق بالأمر الثاني، فقد نقدت ما سمّته بالاحتفاء الساذج باستقلالية الفرد، موضّحةً أنّ تمجيد الاستقلالية يحطّ من قيمة
الاعتماد على الآخرين ونسج علاقات معهم، كما نقدت خطابات التحرر الجنسي الحديثة، مستندةً في ذلك إلى كتابات جوديث بتلر Butler Judith (1956–) التي وجّهت انتقادات إلى ظاهرة ممارسة
الجنس بالتراضي. ولعل المَعين الذي نهلت منه أبو لغد وبتلر كلتاهما هو تلك الكتابات التي سعت
إلى مراجعة مفهوم "الفرد". وملخص هذه المراجعة أن فهمنا اليومي للفرد محدود بالثقافة وبالتاريخ، وأن الفهم الغربي السائد للذات يتناقض مع عديد المفاهيم الأخرى التي قيّمت الاستقلالية تقييمًا مختلفًا،
واشتغلت بالعلاقة البينية بين الذات والآخرين باعتماد تصورات أكثر صلابة.
((3(يجدر في هذا السياق التذكير بأن توفيق الحكيم أصدر في عام 1937 كتابه الشهير يوميات نائب في الأريافالذي طرح بطريقة
ساخرة النتائج الكارثية لتطبيق قوانين بونابرت الليبرالية في أرياف مصر. لمزيد التفاصيل ينظر: محمد جابر الأنصاري، تحولات
الفكر والسياسة في المشرق العربي (1930–1970)، سلسلة عالم المعرفة 35 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1980)، ص.52 (3((ليلى أبو لغد، هل تحتاج المرأة المسلمة إلى إنقاذ؟ ترجمة محمد الرحموني (القاهرة: مؤسسة دار صفحة سبعة للنشر والتوزيع، 2022)، ص.261–260 ((3(المرجع نفسه، ص.174–173 ((3(المرجع نفسه، ص.295 ((3(ركزت تلك الكتابات على مراجعة مفاهيم الفردانية والذاتية عبر بحث سيرورة تكوّن مفهوم الفرد خارج الفضاء الغربي؛ أي
مواجهة السردية القاضية بأن الفردانية هي ظاهرة حداثية غربية، أو هي نتاج مسيحية ما بعد الإصلاح حصريًا. وقد حاول أصحاب
هذه الكتابات من أمثال ميكايلا أوت Ott Michaela وجيرالد رونغ Raunig Gerald إثبات وجود صور أخرى للذات، هي تحديدًا
تلك الذات المتشظية والقابلة للقسمة Self Dividual The التي تختلف بالضرورة عن الذات الغربية التي تعني عدم القابلية للقسمة dividual – In. وقد انتهت دراسات أجريت في الهند (فكرة التناسخ الهندوسية) وفي المجتمعات الميلانيزية (مجتمعات الهدية)، وكذلك في المجتمعات الغربية الحديثة (ما يُسمى بمجتمع المراقبة أو الرق الإداري الجديد كما نجدها في كتابات جيل دولوز
Deleuze Gilles وميشيل فوكو Foucault Michel)، إلى أن الذات في هذه المجتمعات منخرطة قسرًا في شبكة من العلاقات
والأحداث ذات تأثير كبير فيها، وإن كان غير ملحوظ؛ ما ينزع عنها طابعها الفردي، ومن ثم تغيب فعليًا استقلاليتها. ولكنّ نقدًا
شديدًا وُجّه إلى هذه الكتابات؛ ففي ما يتعلق بالهند، اتُّهِمت البحوث المتعلقة بفكرة التناسخ بأنها تشرّع لنظام الطوائف الهندوسي
البغيض، وأما في ما يتعلق بمجتمعات ميلانيزيا (منطقة من أوقيانوسيا غرب المحيط الهادئ) فقد اعتُبرت تلك الدراسات رؤى غربية
تزعم وجود تناقض بين الفرد والمجتمع في تلك المنطقة. لمزيد التفاصيل، ينظر:
Antje Linkenbach & Martin Mulsow, "Introduction: The Dividual Self," in: Martin Fuchs et al. (eds.), Religious Individualisation: Historical Dimensions and Comparative Perspectives (Berlin, Boston, MA: Walter de Gruyter GmbH & Co KG, 2019), accessed on 24/82022, at: https://bit.ly/3sHKWLD
هذا النقد الموجّه إلى الليبرالية، من جهة، هو في نهاية الأمر جزء من تاريخ الليبرالية نفسها؛ فمن المؤكد أن الليبرالية، شأنها شأن كلّ الأيديولوجيات والمذاهب، قد عرفت توترًا بين مبادئها المعيارية
وصيغها الخبرية أو الإجرائية، كما خضعت مفاهيمها، وتحديدًا مفهوم الفرد، لنقاش لم ينتهِ بعد. ومن جهة أخرى، فإن نقد الليبرالية غالبًا ما يجري الخلط فيه بين القيم الليبرالية والتوظيف السياسي
لهذه القيم التي استعملت مقولات لإثبات تفوق الغرب على الإسلام، ولتغذية النزعة الاستقطابية بين الغرب والشرق كما بينت ذلك أبو لغد نفسها. والآن، لننظر في الرؤية المغايرة تمامًا التي ترى إمكانية التوفيق بين الإسلام والليبرالية.
ثانيًا: تأسيس الليبرالية على قاعدة الإسلام
ينطلق أصحاب هذا المسعى من مصادرة مفادها أنّ التوتر بين الإسلام والقيم الحديثة، ليس سمة ملازمة للإسلام، بل هو حادث تاريخي، إما نتيجة جهل بالإسلام، وإما نتيجة هيمنة الفكر الأصولي، ومن ثمّ الانغلاق دون قيم الحداثة. وبعد العمل التركيبي البراغماتي الذي دشّنه رفاعة الطهطاوي الذي ينبني على اعتبار القيم والمؤسسات السياسية الإسلامية نظيرًا للقيم الليبرالية الحديثة، وقد تبعه في ذلك بعض المفكرين المعاصرين الذين يعتبرون "دستور المدينة" مؤسسة وتأسيسًا ليبراليَّين كاملَي الشروط، يمكننا اعتبار صدور كتاب الإسلام وأصول الحكممنطلقًا
جديدًا وأكثر عمقًا لأصحاب هذا المسعى. وقد ركزت غالبية الدراسات المتعلقة بالكتاب على
تلك المؤلفات التي حبّرها علماء الأزهر والزيتونة نقضًا له؛ ولذلك أهمِل إلى حدّ ما دوره في
الدفع نحو مراجعة علاقة الإسلام بالليبرالية. والحقيقة أن الكتاب يُعدّ في حد ذاته تصورًا ليبراليًا
للإسلام.
1. علي عبد الرازق و"أسلمة" العلمنة
لا تكمن قيمة كتاب الإسلام وأصول الحكمفي أنه محاولة نظرية في أسس السلطة السياسية في الإسلام فحسب، بل في كونه مساهمة في حدث سياسي ونقاش ديني؛ هو إلغاء أتاتورك للخلافة. ولعل قيمته الأكبر بالنسبة إلى موضوعنا تكمن في أمرَين، هما:
(3((كاترين أودار، ما الليبرالية؟ الأخلاق، السياسة، المجتمع، ترجمة سناء الصاروط (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث
ودراسة السياسات، 2020)، ص 51–40؛ ينظر أيضًا مراجعة عبد السلام الكيكلي لهذا الكتاب في: تبيّنالعدد 42 خريف.2022
[المحرر] ((3(أبو لغد، ص.193–192 (3((نحيل على الباب الخامس من المقالة الرابعة من تخليص الإبريز في تلخيص باريس؛ حيث نجد هذا التناظر الذي أشرنا إليه.
(38) David Smock, "Islam and Democracy," The United States Institute of Peace, 13/9/2002, accessed on 24/82022, at: https://bit.ly/38CTkoK
(3((يعطي عبده الفيلالي الأنصاري لكتاب الإسلام وأصول الحكمأهمية أكبر من كونه عنوان مرحلة جديدة في علاقة الإسلام بالحداثة، فالكتاب في رأيه هو الذي حدد طبيعة الحركات والمجتمعات المسلمة منذ ذلك التاريخ، وقد اختزلها في تيارين أساسيين كبيرين، هما تيار الإسلام الإحيائي أو الأصولي وتيار الإسلام التنويري.
• تناوله موضوعًا اعتقد المسلمون أنه محسوم (الخلافة منصب ديني واجب على المسلمين بالنص وبالعقل). • تناوله الموضوع من داخل المؤسسة الدينية وبحجج ووقائع دينية. هكذا أعاد علي عبد الرازق الجدل إلى نقطة الصفر حول ما اعتُبر محسومًا، وربما كان ذلك من أصول
الدين التي استقرت منذ وقت مبكر؛ أي أسس الخلافة في الإسلام. وتكمن خطورة مقاربة عبد الرازق في كون نظره في الخلافة في الإسلام قد انتهى به إلى إقامة تمييز فاصل بين النبوة والممارسة السياسية، ومن ثمّ الحث على ضرورة الاحتكام في مجال السياسة إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة. ورغم وضوح رؤية عبد الرازق بشأن الخلافة وأصول الحكم في الإسلام عمومًا، فإن الجدل ظل
مستعرًا حول انتمائه؛ أيُدرَج ضمن التيار الليبرالي الصِّرف الذي يمثله فرح أنطون ولطفي السيد وسلامة
موسى، كما فعل كمال عبد اللطيف؟ أم ضمن الليبراليين المسلمين أتباع محمد عبده كما ذهب إلى ذلك آخرون؟ كتب محمد عمارة معلّقًا على الكتاب: "فالذين يأخذون من الإسلام فقط العقائد والشعائر والعبادات والأخلاقيات، يتبنون الموقف العلماني الغربي في النظر إلى الدين الإسلامي. ولهم في ذلك 'منطق'، ولديهم من الدعوة إلى 'إسلامية الدولة والمجتمع' قلق، يسوقون الحجج على أنه مشروع". إن حديث عمارة عن علمانية غربية إنما يشي بوجود أكثر من علمانية وبأن العلمانية درجات. ويتضح هذا الفرز أكثر في إشارته إلى فقدان الساحة الفكرية العربية طرفًا ثالثًا يكون بديلً من العلمانيين الذين يرفضون التراث من دون إحاطة به، والتراثيين الذين لا يقيمون وزنًا لبواعث القلق على إسلامية الحياة والدولة لدى العلمانيين. كتب عمارة هذه الملاحظات تمهيدًا للحكم على عبد الرازق بأنه صاحب مشروع خطير يتمثل في أسلمة العلمانية. والحقيقة أن موقفه هذا هو الأقرب إلى حقيقة مشروع عبد الرازق؛ فعندما يلحّ عبد الرازق على أنه لا وجود لنظام حكم في الإسلام اسمُه
الخلافة أو غيرها، فذلك دليل على ليبرالية الإسلام؛ إذ الأمر موكول إلى الأمة لاختيار النظام الملائم. ولا أدل على ذلك من أن عمارة نفسه يقف على الأرضية نفسها التي ينطلق منها عبد الرازق؛ فهو ينكر العلمانية (الغربية) وينكر بالحزم والعزم نفسيهما الحكومة الدينية. لذا، نعتقد أن علمانية عبد الرازق
(4((لمزيد من التفاصيل ينظر: مراد زوين، الإسلام والحداثة: مقاربات في الدين والسياسة (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2015)، ص.105–65 (4((كمال عبد اللطيف، التأويل والمفارقة: نحو تأصيل فلسفي للنظر السياسي العربي (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 1987)، ص.87 ((4(المرجع نفسه. (4((محمد عمارة، معركة الإسلام وأصول الحكم (القاهرة: دار الشروق، 1989)، ص.7 ((4(المرجع نفسه. ((4(المرجع نفسه. ((4(المرجع نفسه، ص 10. وقد أحال القارئ على مؤلفاته ذات الصلة وهي الإسلام وفلسفة الحكم؛ والدولة الإسلامية بين
العلمانية والسلطة الدينية؛ والدين والدولة في تراث الإسلام.
هي التي مهدت للأطروحات التي ظهرت منذ العقد الثاني من القرن العشرين وتعمقت منذ التسعينيات والتي تدافع عن علمانية الإسلام.
2. محسن مهدي وتأصيل الليبرالية
صدر كتاب محسن مهدي حول ابن خلدون، وذلك بتأثير من الجدل الذي قام حول كتاب الإسلام وأصول الحكم. كان الكتاب في الأصل أطروحة دكتوراه ناقشها في جامعة شيكاغو بالولايات المتحدة الأميركية في عام 1954، ونُشرت في عام 1957. وإذا كان عبد الرازق قد كشف عن ليبرالية إسلامية كامنة في صمت الإسلام عن تحديد نظام حكم محدد، فإنّ مهدي قد أثبت ليبرالية الإسلام بالفعل، من خلال قراءة جديدة لابن خلدون، ركّز من خلالها على إيمان ابن خلدون بتاريخية الفكر، وفي الحصيلة بتاريخية المؤسسات الإسلامية؛ ذلك أن التاريخ عنده ليس مرتبطًا بفلسفة سياسية مسبقة بقدر ارتباطه بالفعل، لأنه يدرس حصريًا أوضاع الناس الراهنة. واستنادًا إلى هذه القراءة، بيّن مهدي
بخصوص موضوع الحكم في الإسلام، وتحديدًا موضوع الخلافة، أن ابن خلدون من منطلق أنه لم يهتمّ بالدين في حد ذاته، بل من جهة بعده السياسي، قد أقر أنّ الخلافة ليست هي النظام السياسي الوحيد الصالح للمسلمين، بل قد يصلح لهم المُلك أيضًا. فالأمة الإسلامية هي أمة سياسية؛ أي أمة غير
متجانسة، وهذا يُعدّ شرطًا لا بد منه لقيام نظام ليبرالي. فعندما تحدّث ابن خلدون عن انقلاب الخلافة إلى ملك لم يكن قصده، بحسب مهدي، تمجيد الخلافة ونبذ الملك، بل كان يُثبت العلاقة بينهما التي تجسدت في القرون اللاحقة لهذا الانقلاب من خلال تعايش الخلافة والسلطنة. وخلاصة رأيه أن الخلافة والسلطنة نظامان دنيويان اختارهما المسلمون وعاشوا في كنفهما، فهما نظامان سياسيان سواء ارتبطا بالدين أم لم يرتبطا به. أمّا من جهة الفكر الغربي، فيمكن اعتبار أفكار جون رولز حول العلاقة بين الليبرالية والمشكل اللاهوتي السياسي، من ضمن أهم الكتابات التي ساهمت في بروز مقولة الإسلام الليبرالي؛ حيث ميّز في
هذا السياق بين الليبرالية السياسية والليبرالية الشاملة التي تحولت إلى ما يشبه المذهب الديني من
(4((دشّن هذا التيار هشام جعيط في كتابه الشخصية العربية الإسلامية الصادر باللغة الفرنسية في عام 1974، وتبعه عزيز العظمة
في الكثير من مؤلفاته وتحديدًا في العلمانية من منظور مختلفالصادر في عام 1993، وعبد المجيد الشرفي في مقاله الشهير
"العلمنة في المجتمعات العربية الإسلامية الحديثة" الصادر باللغة الفرنسية في عام.1996
(48) Muhsin Mahdi, Philosophy of History: A Study in the Philosophic Foundation of the Science of Culture (Chicago: The University of Chicago Press, 1971), p 10. (49) Ibid., p. 248.
(5((حول هذا التعايش ينظر: عز الدين العلام، السلطة والسياسة في الأدب السلطاني (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 1991)؛ وحول
ما اعتبرناه تنازلً عن الشروط الشرعية للخليفة في سبيل حفظ الدولة من الانهيار والإبقاء على فريضة الجهاد، ينظر كتابنا: محمد
الرحموني، الجهاد: من الهجرة إلى الدعوة إلى الدولة، بحث في مواقف العلماء المسلمين من الجهاد في القرنين الرابع والخامس
للهجرة (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2002)، ص 136 وما بعدها.
(51) Mahdi, p. 239.
(5((اعتمدنا في عرض موقف رولز من الموضوع على دراسة: منير الكشو، "الليبرالية والمشكل اللاهوتي السياسي"، مجلة ألباب، العدد 13 (ربيع 2019)، ص.89–46
جهة حرصها على فرض العلمانية على المجتمع والدولة (كما هو الحال في فرنسا على سبيل المثال.) ولذلك، فهو يرفض الدولة الدينية كما يرفض الدولة العلمانية. ومسوّغ هذه الرؤية الرولزية أن صاحبها ينظر إلى العلمانية على أنها مسألة إجرائية في الأساس، وأن إقامة نظام سياسي دستوري لا يتطلب نسقًا ميتافيزيقيًا أو أخلاقيًا أو دينيًا. ولمواجهة أيّ منزلق يمكن أن يهدد استقرار الدولة وتوازنها، يقترح فكرة الوفاق التراكبي Consensus Overlapping الذي يجري بموجبه توافق مذاهب دينية وفلسفية وأخلاقية متعارضة على تصوّر سياسي للعدالة. ومن شأن هذا التصوّر أن يحظى بقبول المواطنين، لأنه لا يناقض أركان عقائدهم ومذاهبهم وتصوراتهم الدينية والفلسفية والميتافيزيقية. ولم يكن لهذا الموقف النقدي من العلمانية أن يكون ممكنًا إلا بعد تعديل رولز موقفه من الدين ومن علاقته بالسياسة (كان موقفه من الدين سلبيًا، وقد برز ذلك بالخصوص في كتابه نظرية في العدالة). وبالفعل، أفضت به هذه المراجعة إلى اعتبار الدين جزءًا من المرجعية الثقافية للمجتمع؛ وبناءً عليه، فمن المشروع اعتماد الحجج الدينية في الجدل العام في الديمقراطية الليبرالية، ولكن على أن تكون موجهة إلى تعزيز المَثل الأعلى للعقل العام. وبخصوص موقف رولز من الإسلام فإنه لا يختلف، من حيث التمشّي، عن موقفه من الأديان عمومًا. لكنه يختلف وفقًا للمجتمعات؛ إن كانت ليبرالية يكون فيها الفرد مصدر الصلاحية على الصعيد الأخلاقي وحرًا في اختيار تصوره للخير، أو مجتمعات تكاملية Holist لا يكون للفرد فيها كيان مستقل بذاته، وإنما يكون مجرد عضو داخلها يقوم بالدور الذي ينوطه به نظام الكل، ولا يمكن أن يكون له تصور مستقل للخير، ولا أن يكون مصدرًا للصلاحية على الصعيد الأخلاقي. لكن رولز لا يعتبر في كتابه قانون الشعوبأن كل المجتمعات التكاملية استبدادية، بل يمكن أن تكون بعض المجتمعات تراتبية؛ أي غير مساواتية، ويسيطر فيها تصور واحد للخير يكون دينيًا في معظم الأحيان، لكنها تظل مجتمعات تراتبية لائقة، لا تعتمد العنف لإخضاع أعضائها، وتحترم حق الديانات الأخرى في الوجود، وتحترم الحد الأدنى من حقوق الإنسان لمواطنيها. ونحن نعتقد أن موقفه هذا يندرج ضمن الأرضية التي ساهمت في إضفاء مشروعية على مقولة الإسلام الليبرالي. ويتضح موقف رولز من الإسلام، من خلال مجتمع مسلم متخيَّل، أطلق عليه في كتابه قانون الشعوباسم "كازانسيتان " Kazanistan تتمتع فيه النساء والأقليات بضرب من المساواة، من دون أن تكون مثيلة للمساواة الليبرالية، ويحتكم حكامه وشعوبهم إلى مؤسسات تشاورية. ويمكن أن نضيف أنه مجتمع يفهم علماء الدين فيه الجهاد على أنه ذو طابع نفسي وروحي، وليس حربًا وتوسّعًا؛ إنه مجتمع متسامح رغم أنه ليس ليبراليًا. ومن الواضح أن هذا المجتمع هو نقيض المجتمعات الإسلامية القائمة فعلً.
(5((جون رولز، قانون الشعوب، ترجمة أحمد خليل (لقاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2007)، الفصول 8 و 9 و 10؛ ينظر أيضًا في
هذا العدد: رجا بهلول، "العقل العام والدين والهوية في سياق فلسفة رولز السياسية" [المحرر] ((5(ينظر: المرجع نفسه، الفصل 9.
ثالثًا: الإسلام ليبراليًا
لقد كان كتاب محسن مهدي السالف الذكر أحد الأعمال الأولى التي مهّدت لتناول علاقة الإسلام بالليبرالية، بعيدًا عن التقسيم المانوي إسلام من جهة وليبرالية من جهة أخرى أو محاولات التوفيق بينهما. واعتمد مقاربة لا تعتبر الجمع بين الدين والسياسة تعارضًا مع الليبرالية، وانتهى إلى هذه النتيجة باللجوء إلى التاريخ؛ أي انطلاقًا من إعادة قراءة ابن خلدون، وبالمثل فإن أصحاب مقولة الإسلام الليبرالي قد صاغوا هذه المقولة استنادًا إلى أنثولوجيا الفكر العربي الحديث والمعاصر. ولذلك، فإن تعريفهم الإسلام الليبرالي إنما هو خلاصة هذه الأنثولوجيا.
1. معنى "الإسلام الليبرالي"
مفهوم الإسلام الليبرالي فضفاض ومختلف نسبيًا من دراسة إلى أخرى. ومع ذلك، يوجد إجماع على أن هذا الإسلام يختلف عن الإسلام التقليدي والإسلام الراديكالي/ الثوري، وعن الليبرالية الغربية. وذلك يعني أن الإطار الأمثل لتبيّن خصائص هذا الإسلام هو الإطار الأنثولوجي والتاريخي. ما تعني عبارة "الإسلام الليبرالي"؟ تبدو هذه العبارة في أوّل وهلة مكتظة المعاني؛ فقد تعني الأفكار الليبرالية التي تبنّاها المصلحون والمفكرون المسلمون منذ القرن التاسع عشر، وقد تعني تيارًا ليبراليًا ظهر في المجتمعات المسلمة، وتحديدًا ذلك التيار الذي ظهر في مصر، ويضم مفكرين من مشارب أيديولوجية ودينية شتى، منهم سلامة موسى (1958–1887)، وأحمد لطفي السيد (1963–1872)، وطه حسين (1973–1889)، وغيرهم، وقد تعني تيارًا أو تيارات إسلامية تقبل بالديمقراطية الليبرالية، وقد تعني أخيرًا تأويلً ليبراليًا للإسلام. وقد تكون كلّ هذه المعاني أو بعضها مجتمعة، وقد لا ينطبق عليها
أيّ منها؛ بمعنى أن الإسلام الليبرالي لم يأتِ بعد، وإنما هو مشروع؛ فميزة مثل هذه المفاهيم أنها تحكمية يطوّعها مستعملها لمرجعياته وأهدافه الفكرية. ورغم أن عبد الله العروي قد أثار الموضوع في الأيديولوجيا العربية المعاصرة، ثم خصص له لاحقًا مق لً مهمًّا سنعرض له في ما يلي، وصدرت دراسات أخرى في الموضوع، فإنّ مقولة الإسلام الليبرالي ارتبطت إلى حدّ بعيد بتشارلز كورزمان؛ إذ استبد به الموضوع فجعله محور مجموعة مهمة من كتاباته الصادرة بين عامي 1998 و 2011. وفي ما يلي أربعة تعريفات للإسلام الليبرالي نوردها بحسب ترتيبها التاريخي: 1. من وجهة نظر عبد الله العروي، فإن الإسلام الليبرالي يتجاوز معنيَي التسامح والاعتدال. إنه إسلام لم يرَ النور بعد. وهو يرى أنّ بعض الذين يربطون الإسلام الليبرالي بتبنّي حقوق الإنسان والعلمنة، إلى آخر ما هنالك من قيم ليبرالية، إنما هم يخلطون بين الإصلاح الديني والثورة السياسية، فحتى في حالة عدم الفصل بين الدين والتشريع، كما في حالة الإسلام،
هناك إمكانية لاعتماد قيم ليبرالية، استنادًا إلى المقولات الأصولية المعروفة، شأن "الضرورة" و"المصلحة" و"الاستحسان"، من دون أن يمسّ ذلك من وضع العقيدة. وما يعنيه العروي بالوضعية الليبرالية أن يشتغل المجتمع وفق القواعد الملائمة له ولوضعه (ينبّه في هذا السياق
إلى أنه يميز بين القواعد الملائمة والقواعد الخصوصية؛ فهذه الأخيرة هي حجة التقليديين لرفض قيم الحداثة). ويعني بذلك أنه عندما يكون المجتمع في وضع تحوّل متسارع، فإنه
لا يأبه بالأفكار الجاهزة حتى إن ادّعينا أنها وحي من الله، ومن ثم فإن الإقرار بهذا الأمر يعني أننا أنجزنا قطيعة ذهنية، وعندئذ يضحى كل شيء ممكنًا. وعلى هذا الأساس، فإن بروز الإسلام الليبرالي يظل رهين قوانين المجتمع، وليس الأيديولوجيا أو التقاليد الدينية. 2. يعني الإسلام الليبرالي لدى كورزمان تلك الحركات الإسلامية التي تعتنق المثل العليا للّيبرالية الغربية، شأن الديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة الاجتماعية والتسامح، ولكنها تفعل ذلك بالتوسل بخطاب إسلامي، وليس عبر الفلسفة الليبرالية الغربية. 3. يتناول عبده الفيلالي الأنصاري مقولة "الإسلام الليبرالي" ضمن كوكبة من المرادفات؛ الإسلام الإصلاحي، والإسلام الحديث، وإسلام الحداثة، والإسلام التنويري. ورغم أنه يعتبر عبارة "الإسلام الليبرالي" هي الأكثر جاذبية وانتشارًا اليوم، فإنه يقرّ بصعوبة اعتمادها؛ لوجود
إكراهات مفهومية وعقائدية وإجرائية، ملخصُها أن المسلمين يتوجسون من هذا المصطلح ("ليبرالية")؛ لأنه يحيل رأسًا على ما لا يمكن أن يقبلوا به؛ أي العلمانية والرأسمالية (البعد
الاقتصادي للّيبرالية). وهذا ما يفسر في رأيه جنوح الطهطاوي إلى ترجمة كلمة "الحرية" Liberty، بالعدل Justice. ومصدر هذا التوجس عدم قدرة أغلبية المسلمين على الفصل بين الإسلام العقيدة والإسلام التاريخ؛ بين القيم والوقائع. ثم إن هذه المقولة ليس لها المعنى نفسه لدى المسلمين؛ فهي تختلف باختلاف رؤاهم الإبستيمولوجية. وعلى هذا الأساس، ولتجنّب سوء الفهم والصد، اختار عبارة "الفكر الإسلامي التنويري"، مبررًا ذلك بكون الإسلام التنويري هو الذي يسعى إلى المواءمة بين المعارف الحديثة والثقافة التقليدية والموروث الديني، فهو الذي اعترف بتاريخية الفكر العربي الإسلامي. ومن أهم أعلامه بحسب رأيه: علي عبد الرازق، وفضل الرحمن، وعبد المجيد الشرفي، وعبد الكريم سروش. 4. الإسلام الليبرالي في تعريف عبد الصمد بلحاج، هو صنف من الفكر الديني يعترف بالحرية قيمةً أساسية، ويتبنّى مقاربة عقلانية وتاريخانية للإسلام، تجعله في توافق مع القيم والمؤسسات
(55) Abdallh Laroui, "Western Orientalism and Liberal Islam: Mutual Distrust," The Middle East Studies Association Bulletin , vol. 31, no. 1 (July 1997), pp. 9–10. (56) Charles Kurzman, The Missing Martyrs: Why there are so Few Muslim Terrorists (Oxford: Oxford University Press, 2011), p. 95. (57) Abdou Filali–Ansary, "What Is Liberal Islam? The Sources of Enlightened Muslim Thought," Journal of Democracy , vol. 14, no. 2 (April 2003), p. 19. (58) Ibid., pp. 20–21.
الحديثة. يتعلق الأمر، إذًا، بتصوُّرٍ للإسلام يدافع أصحابه، بموجبه، عن القيم الليبرالية، شأن الديمقراطية وحرية التعبير وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والمواطنة والعلمانية، وغيرها. وهم يرفضون في الآن نفسه الحكم الثيوقراطي وما يسمى بالدولة الإسلامية التي تطبّق الشريعة، كما يرفضون وجود مؤسسات رسمية تحتكر فهم الدين وتفسيره. لعل الملاحظة الأكثر أهمية، التي نسوقها تعليقًا على هذه التعريفات، أنها وردت كلّها "في سياقها الإسلامي" بعبارة كورزمان. وتتعلق الملاحظة الثانية بتعريف كورزمان أيضًا؛ إذ لم يستطع تقديم تعريف واضح إلا بعد مُضيِّ أكثر من عقد على كتابه المرجعي الإسلام الليبرالي. يحدد كورزمان ثلاث لحظات تاريخية أساسية في علاقة الإسلام المعاصر بالليبرالية؛ اللحظة الأولى هي لحظة النهضة العربية، ويجسّدها رواد النهضة وخصوصًا جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وخير الدين التونسي، ويسميها ب "الشريعة الليبرالية " (الشريعة الإسلامية ليبرالية بطبعها). والثانية هي لحظة إلغاء الخلافة الإسلامية على يد أتاتورك، ويمثلها كتاب علي عبد الرازق الإسلام وأصول الحكم، ويسميها "الشريعة الصامتة " (صمت الشريعة في بعض المواضع والقضايا – شأن طبيعة الحكم في الإسلام – إنما هو إِذْنٌ ليبرالي). وأما اللحظة الثالثة فبدأت أواخر القرن العشرين وانتشرت في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، متأثرةً بجملة من الأحداث والتحولات العالمية؛ أهمُّها أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ويمثل هذه اللحظة كوكبةٌ من المثقفين والمفكرين، من أهمهم
(59) Abdessamad Belhaj, "L’islam libéral: Concept, contextes et limites," Journal des libertés , no. 12 (2021), p. 24.
(6((عَنون كورزمان مقدمة كتابه الإسلام الليبراليب "التيار الليبرالي في سياقه الإسلامي"، تتبَّع فيها تطور الحركة الإصلاحية العربية
منذ عصر النهضة إلى نهاية القرن العشرين. وبالمثل عاد عبد الله العروي إلى عصر النهضة وأساسًا إلى محمد عبده، ليوضح تصوره
للإسلام الليبرالي. أما بخصوص عبد الصمد بلحاج فقد تتبَّع مراحل ظهور الإسلام الليبرالي في الغرب والعالم الإسلامي مستفيدًا
من كتابات كورزمان بالخصوص. (6((اللافت للنظر في كتاب الإسلام الليبراليأن الأمر لم يقف بكورزمان عند هذا "العجز" عن التعريف، بل إنه صرّح بعدم
اختصاصه، ينظر: تشارلز كورزمان، الإسلام الليبرالي، ترجمة محمود المراغي ومحمد دراج (بيروت: المؤسسة العربية للفكر
والإبداع، 2017)، ص 20؛ وبعد نحو أربع سنوات أصدر كتابه الإسلام والتحديثليقول فيه إن الإسلام الليبرالي هو فرع من الإسلام
الحداثي، ظهر أواخر القرن العشرين "يسعى إلى إحياء سمعة الحداثيين الأوائل وإنجازاتهم". ينظر: تشارلز كورزمان، الإسلام
والتحديث: مشروعات التجديد في العالم الإسلامي (1940–1840)، ترجمة أسامة عباس (بيروت: مركز نهوض للدراسات والنشر، 2020)، ص.22 (6((الملاحظ أن كورزمان قد تجاهل في مقدمة الإسلام الليبراليخير الدين التونسي تجاهلً تامًّا، ولكنه خصص له مساحة كبيرة
في الفصل الرابع "الشهداء المفقودون" واعتبره رائد الليبرالية الإسلامية بامتياز. ينظر: Kurzman, p. 96. (6((كورزمان، الإسلام الليبرالي، ص 46–45؛ وينظر أيضًا:
Charles Kurzman, "Liberal Islam: Prospects and Challenges," Middle East Review of International Affairs , vol. 3, no. 3 (September 1999), p. 12.
((6(يحيل المؤلف على بعض المفكرين المسلمين أمثال التركي علي بولاج، والتونسي محمد الطالبي، اللذين يذهبان إلى أن
القرآن يدعو إلى الليبرالية، ويستشهدان بالآية الكريمة ﴿ل: 6َكُم دِيْنكُم وَليَ دِيْنِ﴾ (الكافرون)، وبالآية الكريمة ﴿لكُِلٍّ جعَلْنَا مِنْكُمْ
. Kurzman, "Liberal Islam: Prospects and Challenges," p. 12 48:ينظر:). نْهَاجًا﴾ (المائدة رْعَةً وَمشِ
(6((كورزمان، الإسلام الليبرالي، ص 50–46؛ وينظر أيضًا: , pp. 102–103 The Missing Martyrs Kurzman,.
حسن حنفي وعبد الكريم سروش، ويسميها كورزمان ب "الشريعة المؤولة " (ليس هناك تأويل واحد لنصوص الشريعة؛ فالنص ليس سابقًا للقراءة، وإنما هو نتيجة لها). لهذه التسميات الثلاث أهمية كبرى؛ فهي تعكس إيمان صاحبها بإمكانية الحديث عن ليبرالية من داخل الثقافة الإسلامية، وليس فقط بالمقارنة بالغرب. وهو موقف عبد الله العروي نفسه الذي يرى أن القول باستحالة الإسلام الليبرالي إنما هو قول استشراقي، وأنّ تأخر فاعليته في المجتمعات المسلمة لا علاقة له بالعقيدة الإسلامية، وإنما هو بسبب غياب التطور العلمي والدعم التكنولوجي. ويضيف عبد الوهاب الأفندي لحظة رابعة يمثلها حزبا العدالة والتنمية في تركيا والمغرب، وحركة النهضة في تونس، وحركة الشباب المسلم في ماليزيا، وبعض المنشقين عن حركة الإخوان المسلمين في مصر وسورية، وبعض الشخصيات مثل طارق البشري. وتجمع هذه المجموعة بين الليبرالية التقليدية والليبرالية النقدية؛ إذ تبدي وعيها التام بحركة مراجعة أسس الفكر الإسلامي وتعاطفها معها، ولكنها لا تمارس المراجعة ممارسة صريحة وعلنية، وغالبًا ما تلجأ إلى المداورة والمناورة في الإجابة عن القضايا الشائكة التي تثبت ارتباطها بالإسلام والليبرالية. وتكمن أهمية هذه المجموعة وهذا التوجه، في رأيه، في أنها ساهمت في عقد تحالفات ديمقراطية عبر التخلي عن القضايا الخلافية ولو حينيًا، وقد
يكون هذا التخلي أو الإرجاء مرتبطًا، في تقديرنا، بصورة أوروبية للّيبرالية تماثلها بالرأسمالية والعولمة المدمرة، ولا تحظى بشعبية في الشارع العربي عمومًا. إن ما بين تعريف العروي، الذي يعود إلى عام 1997، وتعريف كورزمان، الذي اكتمل في عام 2011، مسافة زمن كانت كفيلة بالانتقال من الإرجاء (لم يتحقق بعد) إلى اليقين بقدرة الثقافة الإسلامية أن تنتج إسلامًا ليبراليًا.
2. تعميم البروتستانتية
كان المشاركون في الملف الذي نشرته مجلة Journal of Democracy عن "الإسلام الليبرالي" واضحين في دعوتهم إلى إصلاح إسلامي على الطريقة البروتستانتية. فقد بيّن عبده الفيلالي الأنصاري أن الدوائر الفكرية والسياسية الغربية لطالما طالبت بإصلاح إسلامي على الطريقة البروتستانتية، مدعّمًا رأيه بأن غالبية كتابات أولئك المسلمين الذين اعتُبِروا تنويريين، تُرجِمَت إلى اللغات الأوروبية، وأنه
(6((الملاحظ أن كورزمان لم يأتِ على ذكر سروش في الإسلام الليبراليفي حين اعتبره، في ما بعد، من أهم وجوه هذه اللحظة.
. Kurzman, The Missing Martyrs , pp. 103–104 ينظر:
(6((كورزمان، الإسلام الليبرالي، ص. 54–50 ((6(المرجع نفسه، ص.44
(69) Laroui, pp. 3, 8. (70) Abdelwahab El–Affendi, "What Is Liberal Islam? The Elusive Reformation," Journal of Democracy , vol. 14, no. 2 (April 2003), p. 38.
((7(أودار، ص.25
مثلما كانت البروتستانتية منعطفًا في تاريخ الغرب، فإنه يراد للإسلام كذلك. وعبّر عن الموقف نفسه عبد الوهاب الأفندي الذي تنبّأ بأنه مثلما أدّت خيبة الأمل في "مدينة الله" في الغرب إلى نشأة "مدينة الإنسان"، فإن الحضارة الإسلامية تسير على الخطى نفسها. من الواضح، إذًا، أن الإسلام الليبرالي يندرج ضمن مسار تجديد الفكر الديني الإسلامي وتحديثه؛ فإذا أردنا استخلاص تعريف جامع من خلال الدراسات ذات الصلة، وجدناه في ما يلي: الإسلام الليبرالي هو البديل من الإسلام التقليدي والإسلام الراديكالي/ الثوري والإسلام الرسمي. سعى كورزمان في مقدمة الإسلام الليبراليإلى تقريب هذا المفهوم إلى القراء والباحثين، وخصوصًا الغربيين منهم الذين بادروا إلى التشكيك في صدقيته قبل أن يطّلعوا عليه، نظرًا إلى الخُلف الذي يثيره العنوان. وربما هذا ما دفعه إلى الكشف عن مرجعياته تدريجيًّا. ففي كتاب الإسلام والتحديث، ربط بروز الإسلام الليبرالي بفكرة تطوّر الاجتهاد لدى بعض المفكرين المسلمين؛ إذ لم يعد الاجتهاد مجرد تقنية يجري من خلالها التوصل إلى أحكام لم يرد فيها نص، بل أصبح يعني الحق في اختيار المذهب الفقهي، والحق في تجاوز المذاهب والتعامل مباشرة مع المصادر المقدسة، مع الاجتهاد في التوفيق بين المصادر المقدسة والعقل لإثبات توافق الإسلام مع العقل. وفي عام 2008؛ أي بعد نحو عقد من صدور كتابيه عن الإسلام الليبرالي والتحديث وأثناء اشتغاله بكتاب الشهداء المفقودون، أصدر مق لً مختصرًا عدّل فيه تعريفه السابق للمفهوم. ولم يتسنَّ له ذلك إلا بعد أن اختزل اللحظات الثلاث التي اعتمدها سابقًا في التحقيب لبروز الإسلام الليبرالي في لحظتين. وتطلّب ذلك بالضرورة تعديل التحليل والتوصيف. اللحظة الأولى هي لحظة القرن التاسع عشر، وكانت محكومة بوضع المجتمعات المسلمة آنذاك؛ إذ فُرض عليها التحديث أو التفكير في التحديث، تحت ضغط الهيمنة الأوروبية؛ أي إن الإسلام الليبرالي لم يكن آنذاك أكثر من انبهار بالقيم الليبرالية الغربية، ومن ثمّ جرى استدعاؤها لتكون أداة للنهضة والتقدم. أمّا اللحظة الثانية فهي لحظة الدولة الوطنية؛ لحظة زال فيها الضغط الأوروبي المباشر، فانطلق المسلمون في عملية إصلاح ديني؛ وبذلك انتقلوا من مقارنة الإسلام بالمسيحية إلى مقارنة المسيحية بالإسلام. أطلق كورزمان على هذه اللحظة عبارة "الإصلاح من داخل الإصلاح". إن طبيعة هذا الإصلاح دينية في الأساس، على غرار ما حصل مع المسيحية وتحديدًا مع الإصلاح البروتستانتي. وهو إصلاح يرتكز على نزع الطابع السلطوي والمؤسساتي عن الدين،
(72) Filali–Ansary, pp. 22, 28. (73) El–Affendi, p. 37. (74) Kurzman, The Missing Martyrs , p. 95.
(7((كورزمان، الإسلام والتحديث، ص.33
(76) Charles Kurzman, "Liberal Islam: The Reformation within The Reformation," Macmillan Center Initiative on Religion, Politics and Society, Yale University Workshop on "Islam: The Politics of Reform," 1/3/2008, accessed on 24/8/2022, at: https://bit.ly/3wEjPng (77) Ibid.
والإسلام هنا تحديدًا، وتثبيت طابعه الفردي من خلال إطلاق حرية تأويل النص القرآني. وقد كان الباحث المغربي عبد الصمد بلحاج، الذي استفاد من كتابات كورزمان في الموضوع، أكثر وضوحًا حينما قارن الإسلام الليبرالي باعتباره جهدًا إصلاحيًا من داخل الإسلام باليهودية الليبرالية التي ظهرت
في أوروبا في القرن التاسع عشر، متأثرةً بالإصلاح البروتستانتي. لا يمكن أن تكون هذه المقاربة البروتستانتية للإسلام، في رأينا، بمنأى عن فلسفة الأميركي جون رولز الذي أثار إشكالية العلاقة بين القيم الليبرالية والعقائد الدينية ذات الطابع الشمولي، والتي من ضمنها، بحسب رأينا، الإسلام. وقد كانت المقاربة الرولزية هذه التي ضمنها كتابه الليبرالية السياسية محل استعمال إجرائي لإثبات صدقية "الإسلام الليبرالي"؛ إذ عمد مصطفى بن هندة إلى إعادة صياغة نظرية رولز في الليبرالية السياسية بطريقة إجرائية بحتة، فافترض حوارًا بين سيّد قطب وأبي الأعلى
المودودي (باعتبارهما يمثلان ما يسميه التيار القطبي) من جهة، والليبرالية السياسية من جهة مقابلة. ومن المعلوم أن مواقف هذا التيار تقف على النقيض من القيم الليبرالية، وخصوصًا في ما يتعلق بتصور الذات الإنسانية؛ ففكرة سيد قطب عن العبودية لله مهمة، من حيث إنه يشترك فيها مع الأصوليين اليهود والمسيحيين، ويناقض بها التصور الليبرالي في العمق. وقد انتهى الكاتب اعتمادًا على جملة أفكار رولز حول حجاب الجهل والوفاق التراكبي، إلى إمكانية وجود أرضية تفاهم بين الطرفين تسوّغ
الحديث عن إسلام ليبرالي.
رابعًا: الإسلام الليبرالي والصراع على الإسلام
تبرز من خلال تتبّعنا لعملية التحقيب لمقولة الإسلام الليبرالي ملاحظتان مهمتان؛ الأولى، ارتباط
بروز هذه المقولة وانتشارها وتداولها في الأدبيات الإسلامية والليبرالية الغربية، بجملة من الأحداث السياسية والفكرية والفلسفية، طبعت نهاية القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. فسياسيًا، مثّلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتداعياتها وثورات الربيع العربي وما تلاهما من
صعود الإسلاميين إلى واجهة الأحداث، عاملً من العوامل التي ساهمت في انتشار مقولة الإسلام الليبرالي. وأما فكريًا وفلسفيًا، فقد شهدت الفترة المذكورة انتعاشًا للأفكار الليبرالية مثّلتها
بالخصوص كتابات جون رولز التي طرحت مفهوم الليبرالية السياسية، بديلً من الليبرالية الشاملة، وكذلك كتابات فوكوياما وهنتنغتون التي كانت في جوهرها استثمارًا استراتيجيًا لسقوط الشيوعية
والاتحاد السوفياتي. أما الملاحظة الثانية، فيرى بعض الذين حقّبوا لمقولة الإسلام الليبرالي أن الأمر ما زال أمنية، وأنه يحتاج إلى المزيد من الوقت والشجاعة؛ لينزَّل في الواقع الاجتماعي والثقافي الإسلامي. في حين
(78) Ibid. (79) Belhaj, p. 23. (80) Mostapha Benhenda, "Procedural Political Liberalism and Political Islam," Islamic Studies , vol. 49, no. 2 (Summer 2010), pp. 195–217.
حسم البعض الآخر أمره وتحدّث عن الإسلام الليبرالي حديث الواثق. ولا يتعلق الأمر بضبابية المفهوم وتعقّده، بقدر ما يرتبط بإحجام معتنقيه من المسلمين عن الإعلان عن أنفسهم. بل هناك من يشكك في إمكانية نجاح مثل هذا الإسلام. تشي هاتان الملاحظتان بأن مقولة الإسلام الليبرالي مقصورة على ثلاث رؤى: اثنتان غربيتان والثالثة إسلامية. هناك الرؤية المتأثرة بكتابات فوكوياما وهنتنغتون التي ترى الإسلام الليبرالي حتمية تاريخية. وهناك رؤية رولز ومن على شاكلته التي تشرّع لإسلام ليبرالي انطلاقًا من رؤية نقدية لتاريخ الإسلام، وتاريخ الليبرالية خصوصًا في جانبها الخبري، أما الرؤية الإسلامية فيمثلها المفكرون المسلمون المقتنعون بالقيم الليبرالية الذين يشددون على أن مفهومَي الديمقراطية والعلمانية شديدا الارتباط بالليبرالية، من حيث هما مفهومان إجرائيان لا يقومان على أنساق ميتافيزيقية شاملة Comprehensive قد تشكّل خطرًا على المعتقد.
1. الإسلام الليبرالي مقالة وظيفية؟
في 25 أيلول/ سبتمبر 2002، التأم مؤتمر في واشنطن بتنظيم مشترك بين المنتدى الدولي للدراسات الديمقراطية IFDS ومركز وودرو ولسون الدولي للعلماء WWICS، بعنوان "الإسلام الليبرالي". وكان الهدف المعلن للمؤتمر البحث عن إسلام "ليبرالي" أو "إصلاحي" أو "حداثي"، يكون بديلً من الإسلام الراديكالي والتقليدي. قال عبد الوهاب الأفندي في المؤتمر معلّقًا على تعريف كورزمان وليونارد بندر للإسلام الليبرالي: إن هذا التعريف دائري، بل هو أقرب إلى الحشو؛ فهو يعني في خاتمة المطاف أن الإسلام الليبرالي هو أكثر انفتاحًا على الديمقراطية من أيّ إسلام آخر. يتأكد هذا البعد الوظيفي للإسلام الليبرالي من خلال كلّ التعريفات التي عرضنا لها؛ فهي لا تقدّم توصيفًا دقيقًا وواضحًا لهذا الإسلام. فالكثير من المفكرين المسلمين الذين نجدهم في قائمة الإسلام الليبرالي، نجدهم أيضًا في قوائم الإسلام الحداثي والإسلام التجديدي والإسلام التقدمي وغيرها. بل هم أنفسهم الذين تحدّث عنهم ألبرت حوراني منذ بدايات النصف الثاني من القرن العشرين ناعتًا
(8((إن الإسلام الديمقراطي كما طرحه راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة التونسية، بديل من مصطلح "الإسلام السياسي"، ينهل
من القيم الليبرالية، فقد قال في رده عن سؤال ماذا تقصدون بالإسلام الديمقراطي؟: "الديمقراطية أ سلوب حكم ونظام تسيير للشأن العام، وقد شهدت كمفهوم وكتجربة تحولات كبيرة منذ اليونان إلى اليوم. ونحن نأخذ بها كمجهود راكمته التجارب الإنسانية حتى استقرت في شكلها المعاصر، ومن أهم ما يميزها عن غيرها من الأنظمة أنها تضمن مكانة للمختلف وتحفظ له حقوقه، وهي أيضًا تداول سلمي على الحكم، والحكم الإسلامي الديمقراطي يعني أن الشعب هو الذي يختار بإرادة حرة من يريد ويسحب منه الثقة
متى شاء". ينظر الحوار: "الغنوشي: الإسلام الديمقراطي بديل عن الإسلام السياسي"، عربي 21، 2020/4/28، شوهد في 2022/8/24،
في: https://bit.ly/3dWTnOv (82) El–Affendi, p. 35.
((8(ينظر مقدمة الملف الذي أعدته مجلة Journal of Democracy التي يصدرها المنتدى الدولي للدراسات الديمقراطية حول
. Journal of Democracy , vol. 14, no. 2 (April 2003), p. 18 الندوة المشار إليها: (84) El–Affendi, p. 35.
فكرهم ب "الليبرالية الإسلامية". ومع ذلك، يمكننا تعريف هذا الإسلام الليبرالي لكن بالسلب، فهو ليس الإسلام التقليدي ولا الراديكالي/ الثوري ولا الرسمي. وبلغة أوضح، هو الإسلام الذي تعوّل عليه بعض الدوائر الغربية لمواجهة التطرف الديني والإسلام التقليدي أو الإسلام الرسمي النمطي. وليس أدلّ على ذلك من أنّ غالبية الحركات التي أعلنت نفسها" إسلامية ليبرالية" نشأت في الغرب شأن "الحركة الإسلامية التقدمية" التي تأسست في الولايات المتحدة الأميركية في عام 2003، و"مبادرة المسلمين الليبراليين" التي تأسست في النمسا في عام 2007، و"الرابطة الليبرالية الإسلامية" التي تأسست في ألمانيا في عام 2010. واللافت للنظر أن كثيرًا من هذه الحركات قد انخرط في الصراعات السياسية والأيديولوجية، وحتى الأمنية، التي تخوضها دول غربية كثيرة ضد الجماعات الإسلامية الراديكالية؛ ويشكل كلّ من دليل بوبكر، وصهيب بن الشيخ، وكاهنة بهلول في فرنسا، خير نموذج لوظيفية هذا الإسلام الليبرالي. فقد تمحورت كتاباتهم وأنشطتهم حول قضايا الحجاب والعنف باسم الدين وحقوق المرأة، وهي كلّها قضايا أرّقت السلطات الفرنسية أمنيًا وسياسيًا وثقافيًا على مدى عقود. والنتيجة أنّ الكثير منهم يعيشون تحت حماية الأمن. لقد خلعت الدوائر الإعلامية والأكاديمية في الغرب على كلّ مسلم يواجه الإسلام الراديكالي أو الثوري صفة "المسلم الليبرالي"؛ وحدث ذلك في فرنسا في التسعينيات إبان "الحرب الأهلية" في الجزائر، ومع عبد الكريم سروش عندما عبّر عن خيبة أمله في الإسلام الثوري مجسَّدًا في الثورة الإيرانية. إن هذا التوظيف الصريح للإسلام الليبرالي في مواجهة الجماعات الإسلامية الراديكالية أو الثورية، ليس منفصلً عن ظاهرة الاحتفاء الأكاديمي بهذا الإسلام الذي يقتسم مع الغرب قيمًا ليبرالية؛ أهمُّها "التعايش السلمي بين الأديان". والحقيقة أنه ينبغي لنا أن نفصل بين مقولة الاسلام الليبرالي والتوظيف الذي خضعت له من البعض؛ إذ لا يمكنه أن يُخفي عنا حقيقة تاريخية هي أن القيم الليبرالية كانت على الدوام مطلب المسلمين شعوبًا وحكامًا ونخبًا؛ فمعظم زعماء حركة النهضة رفعوا شعارات ومطالب ليبرالية (العدالة، والحرية والمساواة، والديمقراطية، والدستور)، كما أن معظم الدول الإسلامية تبنّت الليبرالية حال حصولها على الاستقلال، ولكنّ "الآباء المؤسسين" كانوا ليبراليين بالغريزة؛ أي ليبراليين هواة، ولم يكلّفوا أنفسهم عناء التنظير لهذه الليبرالية عبر إسنادها بحجج دينية.
(85) Albert Hourani, Arabic Thought in the Liberal Age (1798–1939) (Cambridge: Cambridge University Press, 1983), p. 68. ((8(لمزيد التفاصيل حول هذه الحركات وغيرها، ينظر: , p. 106 The Missing Martyrs Belhaj, pp. 25–28; Kurzman,. (87) Belhaj, pp. 26–27. (88) Ibid., pp. 23, 28, 29. (89) Ibid., p. 26. (90) Kurzman, "Liberal Islam: Prospects and Challenges," p. 16. (91) Ibid., p. 20. (92) El–Affendi, p. 36.
2. تعميم الليبرالية أو الإسلام الأخير
هل نحن إزاء مرحلة متقدّمة من الصراع على الإسلام في العصر الحديث؟ إن هذا الصراع انطلق بشكل واضح وعلني بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وجمع ثلاثة خطابات إسلامية، هي على التوالي: الخطاب الإسلامي التقليدي، والخطاب الإسلامي التنويري، والخطاب الأميركي الداعي إلى إصلاح التعليم الديني في بلاد المسلمين. ولكل خطاب تصوره للإسلام بعد الحادي عشر من سبتمبر. لا تكمن خطورة موقف فوكوياما وهنتنغتون، إذًا، في الحديث عن "الليبرالية" أفقًا للإنسانية (هنتنغتون يخالف فوكوياما في هذا، ويعتبر أن الإصرار على أن الليبرالية هي أفق للإنسانية سيفضي إلى صدام الحضارات)، بل في توظيف ذلك لغايات بسط الهيمنة الأميركية على العالم. فمما لا شك فيه أن الليبرالية أضحت اليوم أكثر انتشارًا وتأثيرًا من أيّ مذهب سياسي أو فلسفي آخر. وعلينا الاعتراف بأن
سقوط المنظومة الشيوعية التي يُرمز إليها بسقوط حائط برلين، قد كان منطلقًا لتعميم القيم الليبرالية، وأن معاقل الطغيان والاستبداد بدأت فعلً في التقلص. بل إن الليبرالية أضحت مقبولة لدى طوائف من اليسار الاشتراكي، ولدى المحافظين أيضًا، بحيث "أضحت موازية للحداثة، وكأنها نوع من ما وراء الأيديولوجيا Meta–ideology ". وعندما ننظر إلى الموضوع من داخل المجتمعات المسلمة، لا يسعنا إلا أن نقرّ بأنّ رواد النهضة العربية كانوا على مدى قرن ونيف جزءًا أساسيًّا من قصة الإسلام
الليبرالي. فعندما رفعوا شعار "اقتباس ما يوافق الشريعة الإسلامية"؛ أي الاعتراف بأن هناك مشتركًا بيننا وبين الليبرالية الأوروبية، فتحوا الباب لذلك الجدل الذي انتهى إلى القول بوجود إسلام ليبرالي. وبعد انتكاسات كثيرة لفكر رواد النهضة، وما نجم عنه من صعود الإسلام الراديكالي، جاءت ثورات الربيع العربي وما تلاها من صعود الإسلاميين إلى السلطة في تونس ومصر والمغرب، لتنقل مقولة الإسلام الليبرالي إلى حيز الواقع. فعلى سبيل المثال، برهنت حركة النهضة في تونس من خلال مشاركتها بفعالية في إعداد دستور 2014 ذي النبرة الليبرالية العالية على أن الإسلام الليبرالي هو الصيغة المثلى لتجاوز قرون من سوء التفاهم بين الإسلام والحداثة. وفي المقابل، كفّ الليبراليون في عمومهم عن طرح الأسئلة عن ماهية الإسلام وجوهره، وعن كل ما يمكن أن يحول دون أن يلتقي الجمعان في "مجمع البحرين". ولقد بيّن الكثير من الاستبانات والدراسات الميدانية أن غالبية المسلمين لم تعد يعنيها
الإسلام الثوري ولا الإسلام التقليدي، وإنما هي تتوق إلى إسلام ليبرالي. وهذا الإسلام الليبرالي هو جوهر الإسلام، في نظر كروزمان، وهو الاسلام الوحيد الممكن كما يقول بصريح العبارة.
(9((رضوان السيّد، الصراع على الإسلام: الأصولية والإصلاح والسياسات الدولية (بيروت: دار الكتاب العربي، 2005)، ص.12–7
((9(أودار، ص.27
(95) Kurzman, The Missing Martyrs , p. 113;
ينبغي التنبيه في هذا السياق إلى أن وائل حلاق قد قال العكس تمامًا. ينظر: حلاق، ص.20 (9((كورزمان، الإسلام والتحديث، ص.24
(97) Kurzman, The Missing Martyrs , p. 117.
خاتمة
رمنا في هذه الدراسة رسم أنثولوجيا لمقولة "الإسلام الليبرالي"، فانتهى بنا البحث إلى أنها نتاج جدل بين المسلمين وتراثهم وواقعهم من جهة، وبينهم وبين الغرب من جهة أخرى. والملاحظ أن هذا الجدل لم يكن في غالبه قائمًا على رؤية منهجية واضحة؛ فكثيرًا ما جرى الخلط فيه بين التحديث والعلمنة
والديمقرطية والليبرالية، لأسباب كثيرة لعل أهمها التداخل التاريخي بين كل هذه المصطلحات؛ فهي كلها من نتاج الحداثة التي تُعد المفهوم الجامع لها. وقد انتهى أمر هذا الجدل في مرحلته الأولى (القرن التاسع عشر بالخصوص)، إلى تفنيد مقولة الاستثناء الإسلامي، وذلك عبر إحياء القيم الليبرالية الثاوية في نصوص الإسلام أو عبر اعتماد فهم مقاصدي للشريعة الإسلامية. وانتهى في مرحلته الثانية (لحظة علي عبد الرازق) إلى إثبات ليبرالية الإسلام، بل تأصيلها أيضًا ولكن هذا الجدل كان أكثر ثراء وأغزر نتائج، انطلاقًا من نهاية القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، وذلك بفعل عوامل عدة سياسية وفكرية وفلسفية. فسياسيًا، عرفت تلك الفترة أحداثًا فرضت التفكير في الليبرالية أولً وفي علاقتها بالإسلام ثانيًا
(سقوط حائط برلين، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وثورات الربيع العربي)، وأما فكريًا وسياسيًا
فقد كان لكتابات جون رولز عن الليبرالية السياسية، ويورغن هابرماس عن مجتمعات ما بعد العلمانية، وتشارلز كورزمان عن الإسلام الحداثي والليبرالي، دور كبير في انتشار مقولة الإسلام الليبرالي. لم يكن النقاش حول هذا المفهوم من دون التباسات ومعوقات، ولكن نتائجه كانت بالغة الأهمية؛ فشرعية مقولة الإسلام الليبرالي وانتشارها ليست رهينة مراجعات المسلمين لنصوصهم التأسيسية أو لتراثهم، بل أضحت كذلك مرتبطة بمراجعة الليبرالية ذاتها.
References
المراجع
العربية
أبو لغد، ليلى. هل تحتاج المرأة المسلمة إلى إنقاذ؟ ترجمة محمد الرحموني. القاهرة: صفحة سبعة للنشر والتوزيع،.2022 الأنصاري، محمد جابر. تحولات الفكر والسياسة في المشرق العربي (1930–1970). سلسلة عالم المعرفة 35. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1980. أودار، كاترين. ما الليبرالية؟ الأخلاق، السياسة، المجتمع. ترجمة سناء الصاروط. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 برنار، لويس. أزمة الإسلام: الحرب الأقدس والإرهاب المدنس. ترجمة حازم مالك محسن. دمشق: صفحات للدراسة والنشر،.2013 بن نبي، مالك. المسلم في عالم الاقتصاد. ط 3. دمشق: دار الفكر،.1987 ______. القضايا الكبرى. بيروت: دار الفكر المعاصر؛ دمشق: دار الفكر،.1991 حلاق، وائل. الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي. ط 2. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015
الرحموني، محمد. الجهاد: من الهجرة إلى الدعوة إلى الدولة، بحث في مواقف العلماء المسلمين من الجهاد في القرنين الرابع والخامس للهجرة. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،.2002 ______. "قراءة في كتاب ما الثورة الدينية؟ لداريوش شاياغان". منتدى العلاقات العربية والدولية.
في: C 7 lneR /3 ly. bit:// https
رولز، جون. قانون الشعوب. ترجمة أحمد خليل. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2007 ______. نظرية في العدالة. ترجمة ليلى الطويل. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2011. زوين، مراد. الإسلام والحداثة: مقاربات في الدين والسياسة. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2015. السيّد، رضوان. الصراع على الإسلام: الأصولية والإصلاح والسياسات الدولية. بيروت: دار الكتاب
العربي،.2005 شاياغان، داريوش. " ما الثورة الدينية؟ الحضارات التقليدية في مواجهة الحداثة ". ترجمة محمد الرحموني. ط 2. بيروت: دار الساقي؛ رابطة العقلانيين العرب،.2011 صفدي، مطاع. "بيان التيموسية المظفرة". مجلة الفكر العربي المعاصر. العدد).9931(101–100 عبد الحافظ، مجدي [وآخرون]. الإسلام والعلم: مناظرة رينان والأفغاني. ترجمة ودراسة مجدي عبد الحافظ. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2005. عبد اللطيف، كمال. التأويل والمفارقة: نحو تأصيل فلسفي للنظر السياسي العربي. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 1987. عجلان، محمد. "كل ما تريد معرفته عن نهاية التاريخ والإنسان الأخير". المكتبة العامة. 2016/11/24.
في: 3 sJlTI /3 ly. bit:// https
العقاد، عباس محمود. الديمقراطية في الإسلام. القاهرة: شركة نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، ______. الحكم المطلق في القرن العشرين. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة،.2013 ______. فلاسفة الحكم في العصر الحديث. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة،.2013 العلام، عز الدين. السلطة والسياسة في الأدب السلطاني. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 1991. عمارة، محمد. معركة الإسلام وأصول الحكم. القاهرة: دار الشروق،.1989 الكشو، منير. "الليبرالية والمشكل اللاهوتي السياسي". مجلة ألباب. العدد 13 (ربيع.)2019 كورزمان، تشارلز. الإسلام الليبرالي. ترجمة محمود المراغي ومحمد دراج. بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع،.2017 ______. الإسلام والتحديث: مشروعات التجديد في العالم الإسلامي (1840–1940). ترجمة أسامة عباس. بيروت: مركز نهوض للدراسات والنشر،.2020
هاشمي، نادر. الإسلام والعلمانية والديمقراطية الليبرالية: نحو نظرية ديمقراطية للمجتمعات المسلمة. ترجمة أسامة غاوجي. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2017.
الأجنبية
Abou El Fadl, Khaled (ed.). Islam and the Challenge of Democacy. Paris: Princeton University Press, 2004. Belhaj, Abdessamad. "L’islam liberal: concept, contextes et limites." Journal des libertés. no. 12 (2021). Bender, Leonard. Islamic Liberalism: A Critique of Development Ideologies. Chicago: The University of Chicago Press, 1988). Benhenda, Mostapha. "Procedural Political Liberalism and Political Islam." Islamic Studies. vol. 49, no. 2 (Summer 2010). El–Affendi, Abdelwahab. "What Is Liberal Islam? The Elusive Reformation." Journal of Democracy. vol. 14, no. 2 (April 2003). Filali–Ansary, Abdou. "What Is Liberal Islam? The Sources of Enlightened Muslim Thought." Journal of Democracy. vol. 14, no. 2 (April 2003). Fuchs, Martin et al. (eds.). Religious Individualisation: Historical Dimensions and Comparative Perspectives. Berlin, Boston, MA: Walter de Gruyter GmbH & Co KG,
Fukuyama, Francis. "History Is Still Going Our Way." The Wall Street Journal. 5/10/2001. at: https://on.wsj.com/3wjqWkz Gellner, Ernest. "Religion and the Profane." Eurozine. 28/8/2000. at: https://bit.ly/3Pq46PX Hourani, Albert. Arabic Thought in the Liberal Age (1798–1939). Cambridge: Cambridge University Press, 1983. Kurzman, Charles. "Liberal Islam: Prospects and Challenges." Middle East Review of International Affairs. vol. 3, no. 3 (September 1999). Kurzman, Charles. "Liberal Islam: The Reformation within the Reformation." Macmillan Center Initiative on Religion, Politics and Society. Yale University Workshop on "Islam: The Politics of Reform." 1/3/2008. at: https://bit.ly/3wEjPng ________. The Missing Martyrs: Why there are so Few Muslim Terrorists. Oxford: Oxford University Press, 2011. Laroui, Abdallh. "Western Orientalism and Liberal Islam: Mutual Distrust." The Middle East Studies Association Bulletin. vol. 31, no. 1 (July 1997). Mahdi, Muhsin. Philosophy of History: A Study in the Philosophic Foundation of the Science of Culture. Chicago: The University of Chicago Press, 1971. Shaigan, Dariush. La lumière vient de l’Occident. Paris: L’Aube, 2005. Shaigan, Dariush. Le Regard mutilé: Schizophrénie culturelle; Pays traditionnels face à la modernité. Paris: L’Aube, 1989. Smock, David. "Islam and Democracy." The United States Institute of Peace. 13/9/2002. at: https://bit.ly/38CTkoK