براغماتية ريتشارد رورتي والسعي إلى الحقيقة
Rorty’s Pragmatism and the Pursuit of Truth
الملخّص
يتصدى رونالد بونتيكو لفلسفة ريتشارد رورتي في الحقيقة التي تركت أثرًا كبيرًا في الدرس الفلسفي في أميركا وأوروبا وبقية العالم، وذلك منذ أن نشر رورتي كتابه الشهير الفلسفة ومرآة الطبيعة (1979). يعتمد بونتيكو في نقاشه مع رورتي على منطلقات الفلسفة التأويلية لدى بعض أعلامها الكبار، وفي مقدمتهم جورج هانز غادامير ومايكل بولاني، فضلًا عن براغماتية تشارلز ساندرز بيرس، ووليم جيمس، لكي يؤكد قناعته بأن مفهوم الحقيقة يبقى قائمًا على أسس إبستيمولوجية متينة.
Abstract
Abstract: Bontekoe argues against Rorty’s concept of truth. Rorty’s book Philosophy and the Mirror of Nature has been a major influence on philosophical debates in the United States, Europe, and worldwide since its publication in 1979. Bontekoe adopts the premises of Hermeneutics (Gadamer and Polanyi) and Pragmatism itself (Peirce and James) to defend his belief in the validity of the concept of truth based on a strong epistemological basis.
- الحقيقة
- فلسفة اللغة
- البراغماتية
- التأويلية
- فلسفة العلوم
- Truth
- Philosophy of Language
- Pragmatism
- Hermeneutics
- Philosophy of Science
على أسس إبستيمولوجية متينة.
الدرس الفلسفي في أميركا وأوروبا وبقية العالم، وذلك منذ أن نشر رورتي كتابه الشهير الفلسفة ومرآة الطبيعة (1979). يعتمد بونتيكو في نقاشه مع رورتي على منطلقات الفلسفة التأويلية
لدى بعض أعامها الكبار، وفي مقدمتهم جورج هانز غادامير ومايكل بولاني، فضا عن براغماتية تشارلز ساندرز بيرس، ووليم جيمس، لكي يؤكد قناعته بأن مفهوم الحقيقة يبقى قائمًا
ربما عُدّ ريتشارد رُورتي Rorty Richard (2007–1931)، خال الأعوام الأخيرة من أكثر
المدافعين صراحةً عن التغيّر الجذري في الطريقة التي نمارس بها الفلسفة؛ تغيُّر يمكن أن
يطهّرها في نهاية المطاف من كل الآثار الباقية من الحافز الميتافيزيقي الساعي إلى رؤيا موحدة، شاملة
للكل عن العالم. يريد رورتي من الفاسفة أن يهجروا مهمة البحث عن" الحقيقة" بمعنى التمثيل الواحد الصحيح عن حالة الأشياء. وأن يشغلوا أنفسهم بدلً من ذلك برعاية تكاثر "الحقائق"، الاستبصارات المهمة الامحدودة التي يمكن الحصول عليها من الحوار المتواصل في أوروبا الغربية. يجادل رورتي بأنه لا فائدة من القول إنّ الحقيقة هي "التطابق مع الواقع"، لأننا لا نمتلك منفذًا يصل بنا إلى الواقع المستقل عن هذه القناعات والنظريات حول الواقع، لرؤية إن كان بين الطرفين ذلك "التطابق" الذي هو الحقيقة. ببساطة نحن لا نتوفر على تمثيات نستطيع من خالها أن نعرف أنها تقتنص طبيعة الأشياء كما هي، وفي غياب مثل هذه التمثيات المتميزة (التي ساورت الفاسفة حينًا من الدهر أما منهم
في أن يقيموا عليها صرح المعرفة الموضوعية)، فإنّ الشيء الوحيد الذي تعجز الفلسفة عن أن تكونه، بحسب رورتي، هو ما حاولت تقليديًا أن تكون: منظومة تأسيسية. بحسب رورتي، كان من العامات الدالة على عبقرية ويليام جيمس James William (1910–1842)، وجون ديوي Dewey John (1952–1859)، أنهما أدركا استحالة الحصول على "معرفة صحيحة" (وفي النتيجة العبث بمحاولة تأسيس "نظرية معرفة" أو "نظرية حقيقة")، من دون أن يفقدا الأمل في امتاك الفاسفة ما هو جدير بالقول. وبينما يتعذر العثور على حقيقة كبرى نهائية، فإنَّ هناك أفكارًا
أفضل أو أسوأ من سواها قد نؤمن بها، وبحسب جيمس وديوي، والآن رورتي، يجب أن تكون من مهمات الفلسفة مساعدتنا على إدراك هذه الأفكار الفُضلى. لكن هذه المهمة ليست هيّنة. تتفوق فكرة
على سواها بقدر ما تمكّننا بفاعلية أكبر من تحقيق أهدافنا. ولكن في حين يكاد يكون لدى كل البشر أفكار مشتركة عامة (مثل: الحفاظ على الذات)، فإنهم يتبنون أيضًا، بوصفهم أفرادًا أو جماعات، عددًا كبيرًا من الأهداف والمصالح الثانوية التي لا يمكن السعي إليها كلها في آن واحد. هذه الكثرة من
الأهداف التي يسعى إليها الأفراد، وكل واحد منهم ينطلق من بيئته الخاصة المباشرة، قد أدت إلى كثرة في الخطابات المتصارعة تُجاه العالم. يجادل رورتي بأن تكاثر الخطابات ليس من الأمور الحتمية فحسب، بل هو في الواقع أفضل من اجتماع الفكرة على عقيدة نهائية واحدة. وهو الاجتماع الذي علمنا تشارلز ساندرز بيرس Sanders Charles Peirce (1914–1839)، أنه يُمكن أن نعدّه الغاية القصوى للبحث البشري. علينا أن نترك جانبًا فكرة بيرس
عن الحقيقة، بوصفها ذلك الموقع الذي ستجتمع فيه في نهاية المطاف كل الخطابات وذلك، بحسب رورتي، لأن هذا الاجتماع يميل، بدلً من الإقامة المشتركة للخطابات معًا، إلى قمع الأقوى للأضعف، ومن ثم فقدان البصائر الشرعية الكامنة في طرائق التفكير المهزومة. يرى رورتي، شأنه في ذلك شأن بول فايراباند Feyerabend Paul (1994–1924)، أن المعرفة "محيط لا يتوقف عن التكاثر لبدائل يطرد بعضها بعضًا؛ كل نظرية مفردة، كل حكاية خرافية، كل أسطورة في المجموعة، تجبر ما عداها على الدخول في تعبير أعظم، وكلها تسهم بفضل عملية التنافس هذه في تطور وعينا".
(1) Paul Feyerabend, Against Method (London: New Left Books, 1975), p. 30.
لا تكون مهمة الفيلسوف، بصدد هذا "المحيط من البدائل"، تقليص الاختافات بينها عبر ترجمتها كلها إلى مجموعة "مشتركة من المصطلحات على أساس افتراض أن الحقائق التي يتضمنها كل بديل هي حقائق متسقة بالضرورة"، بل الأحرى أن مهمته أن يؤدي دور "الوسيط السقراطي المحبّ للفنون،
المثقف والبراغماتي المتعدد النواحي" الذي يجتذب المشاركين في الخطابات التي ظلت معزولة حتى الآن، إلى إقامة حوار فيما بينهم. وليست غاية مثل هذا الحوار، بحسب رورتي، أنه يجب أن يقود إلى أي مكان محدد، وبالتأكيد ليس إلى "الحقيقة". بل الأحرى، أن الحوار التناهجي العابر للثقافات الذي يحاول الفيلسوف رعايته عندما يؤدي عمله على خير وجه، هو الغاية في ذاته؛ فهو سيقود بالتأكيد تقريبًا إلى استبصارات طازجة، لكن هذه الاستبصارات ليست الغايات المقصودة من مسعى
مثل هذا الحوار، بقدر ما هي النواتج العرضية لنقاش يقوم من أجل متعة تبادل الرأي لا أكثر. في حين تكون وظيفة الفيلسوف الاجتماعية إبقاء هذا الحوار حيًّا في ثقافته بالحرص على التخصيب
المتبادل لأنواعه المختلفة، فإن أحدًا لن يتوقع منه أن يكون راضيًا بالقدر نفسه عن كل المناهج وكل
الخطابات. وليس من الضروري أن يكون الفيلسوف متوفّرًا على هذا النوع من القدرة على فعل كل
شيء من أجل أن يُتِمَّ مهمته. ذلك أن الحوار الذي يحرص على تغذيته، لا يمتلك في نهاية المطاف مقصدًا بعينه، لا وجود لسبيل بعينه يجب المضي فيه بالضرورة، وبذلك لا مخرجات جوهرية يجب أن تؤخذ في الاعتبار. يجد رورتي أن وجوب "توخي الإنصاف"، تجاه كل الخطابات في هذا الحوار الموسع، مثالية إلى حدٍّ يدعو إلى اليأس. ويجادل بأن "فكرة استحضار 'كل الحقيقة' شاذة"، ومن ثم، فإن السعي إلى "كل الحقيقة" عبثي بالقدر نفسه. وما يجب أن نشغل أنفسنا به، لأنه أمر يمكن الوصول إليه، هو الاستمتاع والنقاش المفيد. يمكن أن نرى أن تواضع الهدف الذي يقترحه رورتي للفلسفة، دليل على أن الفلسفة وصلت سن الرشد، وأننا قد وصلنا إلى إدراك حدودها الضيقة، ويمكن أن نرى أنه يشير إلى يأسٍ لا مسوِّغ له، بصدد
قدرة الفلسفة على أن تفعل أي شيء أكثر جدية من رعاية الحوار. بحسب تقدير رورتي، لا يوجد أمام الفلسفة ما هو أكثر جدية من ذلك لتفعله. وذلك لعدم وجود شيء أكثر جدية أمام الرجال والنساء ليفعلوه، عدا الانهماك في الحوار (بافتراض أن حاجاتهم المادية وسامتهم الشخصية مؤمَّنة). نحن نجد أنفسنا في عالم لا نسكنه إلا مؤقتًا، وهو يتحدى محاولاتنا لقول أي شيء نهائي بصدده. في مثل هذا العالم، لا يوجد من معنى إلا ذلك الذي نفرضه عليه. منذ ابتكار اللغة، ظل فرض المعاني على العالم شاغل البشرية الدائم، وهو شاغل نتج منه "محيط" من النظريات والقناعات البديلة التي أشرنا
(2) Richard Rorty, Philosophy and the Mirror of Nature (New Jersey: Princeton University Press, 1981), p. 317.
واعتمدت في ترجمة الإشارات إلى كتاب رورتي المذكور، على ترجمة حيدر حاج إسماعيل في: ريتشارد رورتي، الفلسفة ومرآة الطبيعة، ترجمة حيدر حاج إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص 422. وقد أجريت بعض التعديات على الترجمة العربية.
(3) Richard Rorty, Consequences of Pragmatism (Minnesota: University of Minnesota Press, 1982), p. 172. (4) Rorty, Philosophy and the Mirror , p. 377.
وينظر أيضًا: رورتي، ص.494–493
إليها آنفًا. ولكن أيًّا من هذه المعاني المفروضة لا يرقى إلى درجة عالية من الأهمية في نهاية المطاف. فهي ليست "صحيحة" إلا بقدر ما هي "جيدة بوصفها قناعة" believe of way the in good. المهم بالنسبة إلى رورتي، ليس أملنا في تصحيح الأشياء ومن المؤكد أنْ لا أحد يحاول تصحيح الأشياء كلها؛ ولكن تصحيح الحالة التي نشترك فيها بل الرفقة التي تجمع كائنات محكومة بالفناء وُجدت هنا ب سبب. "المهم هو وفاؤنا لبقية البشر المتضامنين في مواجهة الظام ". كانا يعبر عن وفائه ويزيد من احتمالات الوفاء بوساطة حوار أحدنا مع الآخر. وبالرغم من أن رورتي يدّعي أنه متفائل بصدد الوضع البشري، أجد شخصيًّا هذا الرأي مدعاة للكآبة إلى
حد بعيد. لكن تأويل رورتي للوضع الإنساني ليس إلا رأيًا واحدًا من عدة تأويات ممكنة، واعتمادًا على مقترحه في ردّ "الصحيح" (متّبعًا جيمس)، إلى "الجيد بوصفه قناعة"، فإن تأويله يمكن أن يثبت أنه "غير صحيح" بجاء. فهو في نهاية المطاف يطرد جانبًا كل أشكال الراحة الميتافيزيقية بوصفها
أوهامًا لا قيمة لها، بالرغم من إسهامها الذي لا ينكر في السعادة البشرية. والأهم من ذلك، كما أجادل، أنه يهدد بتدمير الأسس الأخاقية لثقافتنا. أنوي في الصفحات التالية أن أجادل، أولً، بأن "المنعطف الحواري" الذي يريد رورتي من الفلسفة أن تتخذه بوصفه مدافعًا عن التسامح، سيكون، على الضد من غايته، كارثيًا على التسامح، وثانيًا أن رفض رورتي السعي إلى الحقيقة غيرُ مبرَّرٍ في كل الأحوال.
لنبدأ بتأمل متفحص لدعوى رورتي، بالرغم من كون بعض الأفكار أكثر فائدة من سواها، فإننا لن نكسب شيئًا من نعت تلك التي نفضلها بأنها "صحيحة". من الطبيعي أن ما يفسر المنفعة العظمى لأفكار بعينها هو وجود عالم، بذاته مسؤول عن كون تجربتنا معطاة. وما يفسر أن من غير المائم نعت أيّ من أفكارنا بأنه "صحيح" هو، بحسب رورتي، حقيقة أننا لا نستطيع أن نتوفر على معرفة واقعية عن العالم في ذاته. هذا بالطبع هو موقف إيمانويل كانط Kant Immanuel (1804–1724)، أيضًا في خطوطه العريضة. النومينا Noumena غير قابلة للمعرفة من حيث المبدأ. لكن رورتي لا يبدو مستعدًا البتة لاتباع طريق كانط عندما يذهب الأخير إلى اقتراح أننا نستطيع، بالرغم من ذلك، التوفر على معرفة معينة تتعلق على الأقل ببعض أوجه العالم الظاهراتي Phenomenal. يعتقد كانط أن ما يجعل ما يسميه أحكامًا تركيبية قبلية priori a ممكنًا، أن كل فرد يركّب عددًا متنوعًا من الحدوس يقدمها إليه العالم في ذاته غيرُ القابل للمعرفة على وفق مجموعة من القواعد الضرورية، وفي الحصيلة؛ الموضوعية.
هذه القواعد المتعلقة بالتركيب، التي تستجيب لمقولات الفهم، هي الأسس القبلية لإمكان التجربة. ويجادل كانط أن لا وجود لتجربة من دون استخدامها. وعندما تُستخدم فإنها تؤدي دورًا حاسمًا في
تقرير طبيعة العالم الظاهراتي الذي نواجهه. يمكن أن نمتلك معرفة معينة تتعلق ببعض وجوه ذلك العالم الظاهراتي، إذًا، والسبب، بحسب كانط، أننا حين نتأمل كيف يجري تطبيق هذه القواعد، نستطيع أن نقرر بعضًا من نتائجها الضرورية بالنسبة إلى التجربة.
(5) Rorty, Consequences of Pragmatism , p. 166.
يفسر رورتي في الفلسفة ومرآة الطبيعة لماذا تكون هذه المحاولة لإنقاذ منطقة، بحث يمكن أن نأمل داخلها على الأقل الحصول على اليقين، محاولة غير مقنعة في تقديره. يكتب: "الافتراض الحاوي على مفارقة، والذي لا يرقى إليه الشك الوارد في كتاب النقد Critique الأول، وهو الافتراض بأن الكثرة معطاة، أما الوحدة فتُصنّع". لكن رورتي لا يرى أي سبب يدعو إلى قبول افتراض كانط؛ "ولماذا علينا أن نفكر أن الحساسية في تلقّيها الأصلي تقدم لنا كثرة لا يمكن أن تُمَثّل ككثرة، إلى أن يستخدم الفهم التصوّرات لتركيبها؟ ونحن لا نقدر على الاستبطان لنرى أنه يفعل ذلك، لأننا لم نعِ حدوسًا حسية غير مركبة، ولا تصوّرات بمعزل عن تطبيقها على الحدس". إذا لم نكن واثقين بوجود تعدد manifold، فإننا كما هو جليٌّ لن نمتلك أسسًا للجدال في أن مفاهيم
فعل الفهم هي عوامل تركيب للتعدد. وحتى لو شعرنا بميلٍ إلى قبول أن عملياتنا العقلية هي، على نحوٍ ما، مسؤولة عن تأسيس موضوعات التجربة، فإننا لا نستطيع أبدًا أن نجرؤ على القول: كيف أمكنها تحقيق ذلك. "ذلك لأن الزعم بأن معرفة الحقائق الضرورية عن الأشياء المصنوعة [المؤلفة] أكثر معقولية من معرفة الأشياء الموجودة، يعتمد الافتراض الديكارتي المفيد بأننا نملك القدرة على صنع الأشياء، وبامتياز. غير أنه استنادًا إلى تأويل كانط الذي قُدّم الآن، لا وجود لمثل هذا الوصول في نشاطاتنا التأليفية". لأننا لا نستطيع أبدًا أن نرصد أو نعرف أي شيء عن المادة الخام (الحدوس غير المركبة)، التي يفترض أن الموضوعات الظاهراتية قد صُنعت منها، فإننا لا نستطيع أن نعرف بيقين كيف أمكن هذه الموضوعات أن تُنتج. وبالطبع، فإننا بفقداننا هذه المعرفة لا نستطيع أن نجرؤ presume على معرفة أي من صفات الموضوعات الظاهراتية غير متغايرة invariable، مع ما يعطى إلينا من طبيعة تكوينها. يرفض رورتي، إذًا، قبول الافتراض الكانطي القائل إن هنالك مجموعة من المقولات تُستخدم على نحو شامل تشكل تجربتنا، مما يمكن أن نفهمه على نحوٍ وافٍ بوساطة الاستبطان. ما يركز عليه رورتي، في المقابل، هو تعدد المنظورات التي تنشأ بين بني البشر نتيجةً لاستخدامهم مجموعة متنوعة من اللغات في مجموعة متنوعة من المواضع الثقافية، سعيًا إلى مجموعة متنوعة من المشاغل العملية. ولأننا لا نمتلك
منفذًا يوصلنا إلى طبيعة الأشياء بذاتها، ولا أمل حتى في تقرير كيف يجب أن يفهم البشر الأشياء، فإنَّ هذه المنظورات الفردية هي ما يزودنا ب "معرفتنا" الوحيدة عن العالم. لكن السؤال الذي يبرز مباشرة هو: كيف يمكن المرءَ حلُّ الصراع عندما تتصارع المنظورات المتنافسة؟ يزودنا نيتشه الذي استشرف منظورية رورتي
ونقده لكانط بالإجابة الواضحة. مع وجود منظورات وحسب، لا واحدَ منها منظور صحيح يمكن أن نقيس عليه البقية ومع أن أيّ محاولة لتركيب المنظورات ستقود لا إلى الحقيقة، بل إلى الاتوافق، سيبدو أن هذه المنظورات لن تجد ما تحلّ به الإشكالات بينها إلا بالقوة. وهكذا، كما ياحظ دانتو في "منظورية
(((رورتي، ص.493 (((المرجع نفسه، ص.227 (((المرجع نفسه، ص.229
نيتشه": "لا نستطيع أن نتكلم عن منظورية حقيقية، ولكن عن منظورية غالبة فحسب. لأننا لا نستطيع أن نحتكم إلى أيّ حقيقة بمعزل عن عاقتها بالمنظور الذي يُفترض أنها تدعمه. ليس في وسعنا عمل شيء أكثر من الإصرار على منظورنا، ومحاولة فرضه على الناس الآخرين ما أمكن". حقل المعرفة بالنسبة إلى نيتشه إذًا، ليس أكثر من حقل آخر للقتال، مسرح آخر للكفاح من أجل البقاء والهيمنة. ويميل رورتي إلى اعتماد حلّ يجهد في جعله ألْطفَ. يقترح في مقالته "ما يترتب على البراغماتية" " Pragmatism of Consequences "، أن علينا محاولة أن نصنّع، وأَّلَّ نتوقع أن نجد أسسًا لاتفاق النهائي بين المدافعين عن منظورات مختلفة. ويشير رورتي أن الواقعي الحدسي يريد من الفلسفة "أن تنصف المؤسسات اليومية [...] عبر العثور على فروض يمكن أن يقبلها الجميع إذا ما توافر لهم الوقت الكافي والقابلية الديالكتيكية". يفترض هذا الرأي في الحياة الفكرية إما أن اللغة على الضد من دعاوى أنبياء حضور اللغة في كل مكان لا تقطع كل الشوط نحو الأسفل، وإما على الضد من المظاهر أن كل المعاجم متقايسة commensurable. يرقى البديل الأول إلى القول إن بعض الحدوس على الأقل ليست من وظائف الطريقة التي نشأ المرء على الكام بها أو النصوص والناس الذين التقى بهم. ويرقى الثاني إلى القول إن الحدوس المبنية في المعاجم الخاصة بالمحاربين الهوميريين، والحكماء البوذيين، وعلماء التنوير، ونقاد الأدب الفرنسيين المعاصرين هي ليست في الواقع مختلفة كما تبدو، بل هنالك عناصر مشتركة في كل واحد منها يمكن أن تعزله الفلسفة وتستخدمه لصياغة فرضيات يكون من العقاني أن يقبلها كل هؤلاء الناس، وصياغة مشكات يواجهونها جميعًا. يفكر البراغماتي في المقابل في أن السعي إلى جماعة إنسانية شاملة ستهزم نفسها بنفسها إذا ما حاولت الحفاظ على عناصر كل تقليد فكري وعلى كل الحدوس "العميقة" التي أمكن لكل واحد أن يمتلكها. لن يتحقق ذلك بمحاولة التقييس commensuration الأحرى أن الوصول إليها سيتحقق إن أمكن ذلك على الإطاق بفضل صناعتها لا العثور عليها عبر إنجاز شعري لا فلسفي. إن الثقافة التي ستتعالى، ومن ثم توحّد الشرق والغرب، من غير المحتمل أن تكون منصفة تجاه كل منهما، بل ستكون ثقافة تنظر إلى الخلف نحو الاثنين بتنازل مستمتع، من النوع الذي يميز الأجيال الاحقة وهي تنظر إلى الخلف نحو أسافها. لذلك فإن موضوع معركة البراغماتي مع الواقعي الحدسي يجب أن يكون مكانة الحدوس في حقّها في الاحترام، بوصفه الضد من الطريقة التي يمكن بها للحدوس أن "تُرّكب" أو
"تُفسّر أسباب استبعادها away explained ". إذا لم يكن للحدوس حق في الحصول على الاحترام، فلن يوجد بالطبع سبب يدعو إلى الوصول إلى اتفاق عبر عملية اختبار مثل هذه الأشياء الصعبة، بوصفها المشتركات بين هذه المنظورات المتضادة؛ أي ما يبدو
(9) Arthur Danto, "Nietzsche’s Perspective," in: Arthur Danto & Robert Solomon, Nietzsche: A Collection of Critical Essays (Notre Dame: University of Notre Dame Press, 1980), p. 37. (10) Rorty, Consequences of Pragmatism , p. 30.
ذا قيمة خاصة في كل منظور، وما يمكن أن يعدّ لا غنى عنه في كل واحد منها. بعبارة أخرى، لا حاجة إلى التوفيق بين المنظورات المتضادة على الإطاق. يقترح رورتي أن في الإمكان الوصول إلى اتفاق بسهولة أكبر، عبر ابتكار طرائق جديدة كليًا للنظر إلى الأشياء. بينما المدافعون عن المنظورات المختلفة في صراع
صاخب، يمكن حلّ صراعهم بإدخال منظور جديد في الحجاج؛ منظور يغري المتقاتلين بترك مواقعهم الأولى. ولسوء الحظ، بينما يمكنحلّ صراعهم بهذه الطريقة، لا يوجد ما يضمن وقوع ذلك. في عالم معقد كهذا الذي نعيش فيه يمكن بالقدر نفسه (وربما كان هذا الاحتمال أكبر بكثير)، أن يترك المتقاتلون مواقعهم الصراعية الأولى في نهاية المطاف باتجاه مواقع صراع جديدة (لهذا السبب يترك رورتي سؤال إن كان في الإمكان الوصول إلى "جماعة إنسانية شاملة" مفتوحًا). وبدلً من ذلك بالطبع، ما دامت الحدوس
لا تمتلك حقًا خاصًا يجعلها جديرة بالاحترام، وما دام خلق آراء مغرية حقًا عن العالم عما صعبًا؛ فإن
أمام المرء أن يختار حلّ صراع الأفكار عبر قمع أفكار خصومه بالقوة. لا يمكن على سبيل المثال إنكار أن "الإنجاز الشعري" لماركس قد راق (وهو يروق) للكثير من المثقفين، فإذا كانت الشيوعية يومًا عنصرًا رئيسًا
في النظرة إلى العالم لثلث سكانه، فإن دبابات ستالين وميليشيات ماو يمكن أن تختص بالكثير من الفخر. لا يتحمس رورتي لرؤية صراع الأفكار يتفاقم إلى عنف جسدي، لكنه يدرك أن فكرة الحقيقة الموضوعية ما إن تفقد قيمتها حتى يكتسب تأسيس "الحقائق" بالقوة تبريرًا معينًا. وهو يقترح القول: "إنَّ المُدافع
عن التنوير" لا يجانب الصواب تمامًا حين يسأل: "ألا يوجد شيء خطير جدًا بصدد فكرة تشخيص
الحقيقة بوصفها 'نتاج القيام بالمزيد مما نقوم به الآن' وحسب؟ ماذا لو كان ضمير المتكلم هنا الدولة الأورويلية؟ عندما يستخدم الطغاة معنى 'الموضوعي' كما قصده لينين لوصف أكاذيبهم بوصفها 'صحيحة موضوعيًا'، ما الذي سيمنعهم من اقتباس [البراغماتي] للدفاع عن لينين؟". جواب رورتي عن هذا النقد: إننا إذا ما شخصنا الحقيقة بوصفها "كل ما يتمخض عنه الحوار في أوروبا" (بحسب رأي رورتي؛ هذا هو التعريف الوحيد الذي لا يمكن الاعتراض عليه بالنسبة إلى الغربيين. لأنه ذاتي بشكل صريح)، يجب أن نضع نصب أعيننا أن ما نعنيه بهذا هو مخرجات الحوار غير المشوَّه. ويمضي ليُجادل، فضا عن ذلك، أنه إذا ما أجبرنا على تقديم تفسير لما نعنيه ب "غير
المشوه"، فإن كل ما نستطيع عمله هو تقديم الأمثلة. "يمكن [البراغماتي] أن يقول فقط: إنَّ 'غير المشوه' يعني استخدام معيارنا للمواءمة حيث نحن هم الناس الذين قرؤوا وتأملوا أفاطون، وإسحاق نيوتن Newton Isaac (1727–1642)، وكانط، وكارل ماركس Marx Karl (1883–1818)، وتشارلز روبرت داروين Darwin Robert Charles –1809(1882)، وسيغموند فرويد Freud Sigmund (1939–1856)، وديوي... إلخ. وحتى ما قال به ملتون عن 'لقاء حرّ مفتوح' يكون لزامًا أن تكون الغلبة فيه للحقيقة، يجب أن يوصف بلغة الأمثلة لا المبادئ.
شيء أقرب إلى ساحة السوق الأثينية منه إلى قاعة اجتماعات الملك، أقرب إلى القرن العشرين منه إلى القرن الثاني عشر، أقرب إلى الأكاديمية البروسية عام 1925 منه إليها عام "1935.
(11) Ibid., p. 173. (12) Ibid.
مع مُعطَى أنه لا وجود لمجموعة من المبادئ التي يمكن بلغتها أن تشرح على نحوٍ ذي معنى "الحقيقة المستقلة عن النظرية"، فإننا إذا ما أريد لنا أن نشرح ما تعنيه "الحقيقة" بالنسبة إلينا، لا يمكن إلا أن نشير رجوعًا إلى تلك التفاصيل الملموسة لثقافتنا التي أثّرت على نحوٍ أو آخر في تطورات المصطلح. بوصفنا ورثة سقراط، على سبيل المثال، فنحن نعني ب "الحقيقة" ما يجري السعي إليه في نقاش بحثيّ
مفتوح. "لا يعرف البراغماتي طريقة أفضل لشرح قناعاته من تذكير محدثه بالموقع الذي يضمهما معًا، نقاط الانطاق التصادفية التي يشتركان فيها، الحوارات العائمة من دون أساس التي هما عضوان فيها. وهذا يعني أن البراغماتي لا يستطيع أن يجيب عن السؤال 'ما الخصوصية الكبرى لأوروبا؟' عدا القول: 'هل لديك أي شيء غير أوروبي يقترح علينا تحقيق غاياتنا الأوروبية على نحو أفضل؟'. لا يستطيع أن يجيب عن السؤال: 'ما الشيء الجيد إلى هذا الحد في الفضائل السقراطية، والحوارات الملتونية الحرة، والتواصل غير المشوه؟' عدا القول: 'ما البديل الذي يمكن أن يحقق الغايات التي نشترك فيها مع سقراط وملتون وهابرماس؟"'. هذه بالطبع إجابة ولا إجابة في آن واحد، لشخص يلتقط وقد تعب من الحوار البندقية ليحل قضية خاف. إذا كان الشخص المعني قد نسي مؤقتًا التزامه الخاص العميق بالتقليد السقراطي، فإنَّ تذكيرنا له بذلك الالتزام هو أفضل ما يمكن أن نفعل كما هو جلي. إذا لم يكن هذا السلوك انحرافًا متوحشًا منه، إذا كان "أوروبيًّا" على طريقة ماكسميليان روبسپيير Robespierre de Maximilien (1794–1758)،
وتوماس دي توركيمادا Torquemada de Tomás)1498–1420(، وأدولف هتلر Hitler Adolf (1945–1889)، فإن سقراط، وجون ميلتون Milton John (1674–1608)، ويورغن هابرماس Jürgen Habermas، وهم من يذكروننا بحاجتنا إلى حوار غير مشوه، لن يكون لهم مكان. هو ببساطة، في هذه الحالة، لا يشاركنا الغايات التي تدفع بعضنا لاحتفاء بالحرية والانفتاح. لكن ما يثير القلق أننا لا نستطيع حتى القول إن تفضيله القمع على النقاش أمر خاطئ بأي معنى موضوعي. لا يوجد بحسب رورتي أي شيء "دائم ولا تاريخي يشرح السبب الذي يفرض علينا الحوار على طريقة سقراط". من المؤكد أننا لا نستطيع أن نجادل دفاعًا عن حوار غير مشوه على أسس المنفعة العظمى. بينما يمكن مجتمعًا مفتوحًا أن يجد نفسه في الوقت المائم متوفرًا على عدد أكبر من النظريات المفيدة، مما سيتوافر
لمجتمع مغلق، لا وجود لسبب يدعونا إلى الاعتقاد أنَّ إعادة تعريف "الصحيح" على أنه "الجيد بوصفه قناعة"، يعني "جيدًا للمجتمع" على الضد من "جيد بالنسبة إلى من يروّج للقناعة". ولا سبيل إلى إنكار أن العديد من المنافع العملية تترتب للفرد الذي يجعل بقية الناس يؤمنون بما يريد لهم أن يؤمنوا – أو الذي يستطيع أن يستأصل المعارضة لهذه القناعات – لذلك فإن رفض رورتي للقمع وسيلةً لحل القضايا في حوار أوروبا، يبقى مسألة تفضيل شخصي. لا أحد ممن يحملون تفضيا مختلفًا – لا أحد
(13) Ibid., pp. 173–174.
((1(راهب دومينيكاني أدّى دورًا بارزًا في حقبة محاكم التفتيش في أواخر القرن الخامس عشر الميادي في إسبانيا. (المترجم)
(15) Rorty, Consequences of Pragmatism , p. 171.
على سبيل المثال، ممن يفضلون مناورات تعتمد القوة لافتتاح النقاش – في حاجة إلى أن يقلق من احتمال أن يمتلك رورتي جد لً يمكن أن يحرجه بإثباته أنه يؤسس "حقائقه" عن طريق القوة. يبدو أحيانًا أن رورتي يأسف على نحوٍ ما، لأنه لا يمتلك أي شيء مفيد يقوله لتوركامادات العالم. عندما يحدث ذلك، نراه يشرع في بيان الرغبة في دخول النقاش بوصفها فضيلة أخاقية. "الاعقانيون الذين يخبروننا أن نفكر بدمائنا لا يمكن الرد عليهم باستخدام تفسيرات أفضل لطبيعة الفكر أو المعرفة أو المنطق. يخبرنا البراغماتيون أن الحوار الذي يكون واجبنا الأخلاقي إدامته[الحرف الغامق إضافة مني] هو مشروعنا لا غير؛ شكل الحياة الذي يعتمده المثقف الأوروبي ". لكن من غير الواضح إطاقًا كيف يمكننا أن نتوفر على واجب أخاقي لمواصلة حوار هو مشروعنا لا غير (إذا ما كان مشروعنا)، خصوصًا عندما يمضي رورتي إلى القول: إننا "لا نتحاور لأن لدينا هدفًا، ولكن لأن الحوار السقراطي فعالية تمثل غاية ذاتها"، ثم يقارنها بكرة السلة. من المؤكد أن فعاليات من مثل كرة السلة، والرسم، والحوار، تكون ما دامت هي غاية ذاتها بالمعنى المعروف للكلمة، تحديدًا لنوع الفعالية التي لا يكون لنا فيها واجب نلتزم به. يقودنا هذا إلى سؤال، وكما يعتقد رورتي نفسه، يمثل أخطر تحدٍ لنوع البراغماتية الذي يدعو إليه: "السؤال العملي المتعلق بمدى قدرة فكرة 'الحوار' على أن تحل محل فكرة 'العقل'. يقترن 'العقل'، كما يستخدم المصطلح في التُّراثين الأفاطوني والكانطي، بأفكار الحقيقة بوصفها تطابقًا، المعرفة بوصفها اكتشافًا للجوهر، الأخاق بوصفها انصياعًا للمبدأ، كل الأفكار التي يحاول البراغماتي تفكيكها". لقد دعمت الفلسفة لأكثر من ألفي عام فكرة أن الطبيعة الجوهرية للأشياء قابلة لاكتشاف، ورورتي لا يحمل ثقة كبيرة، إذا ما تركنا هذه الفكرة جانبًا، بأن حوار أوروبا لن ينهار ويموت
كليًا. الحال كذلك لأن كل شخص مولع بصدق بوعود "العقل"، يكون مي لً إلى معاناة الملل من
حوار يتواصل لا لشيء إلا لذاته. هذا من جانب. ومن الجانب الآخر، كما رأينا، فإن أي شخص يأخذ جديًا فكرة نيتشه عن "الحقيقة" بوصفها كذبة، تزيد من قوة المرء أن يكون حرًا في قبول استخدام القوة
الهمجية وسيلةً شرعية لحل أسئلة "الحقيقة" كأيّ وسيلة أخرى. إن "تغيير النبرة" الذي يدافع عنه، إذًا، يمكن جدًا أن يكون ناقوس الموت لذلك "الحوار" الذي ألزم رورتي نفسه بمواصلته.
ولكن هل نحن مجبرون على التخلي عن فكرة إمكانية اكتشاف طبيعة الأشياء الجوهرية؟ بينما يصف رورتي موقفه على أنه نوع من البراغماتية، بصدد موضوع الحقيقة على الأقل، فإنه يدخل في خاف كبير مع مؤسس البراغماتية. يدرك بيرس أيضًا أننا لا نتوفر على نقاط شروع تخلو من الافتراضات
(16) Ibid., p. 172. (17) Ibid. (18) Ibid.
المسبقة يمكن أن نبدأ منها بحثنا في طبيعة الأشياء، يكتب: "هنالك حالة عقلية واحدة وحسب يمكن أن 'تنطلق' منها، تحديدًا الحالة العقلية ذاتها التي تجد نفسك عليها في وقت 'انطاقك' – حالة تكون محما فيها بكتلة هائلة من الإدراك المتشكل فعا والذي لا تستطيع أن تتخلص منه إن أردت". لكن بيرس لا يستخلص من هذا، كما يفعل رورتي، أن المعرفة الموضوعية غير متاحة. الأمر، كما يراه، أن الأخطاء التي يجد المرء نفسه عند الانطاق غارقًا فيها بالضرورة، يجري تصحيحها تدريجيًا في
سياق مباحثه. وهو يجادل أن من طبيعة البحث نفسه أن يأتي بهذه التصحيحات لكي يوجدَ أخيرًا
"شيء واحد مطلوب لمعرفة الحقيقة، وذلك هو الرغبة القلبية النشطة لمعرفة ما هو صحيح". وهكذا فإن الحقيقة بالنسبة إلى بيرس – بوصفها الشيء الذي يُكتشف (في نهاية المطاف) لا الشيء الذي يُصطنع – لا تُعرّف بوصفها كل ما تثبت فائدته بوصفه قناعة؛ كما أنها لا تُفهم بوصفها شيئًا يتغير من
إطار مفهومي إلى آخر. الأحرى، بالنظر إلى أي مسألة معطاة، أن هناك حقيقة واحدة نبلغها، وهي كما يواصل بيرس القول: "الفكرة التي يقدّر لها أن تلقى إجماع كل الباحثين أخيرًا والموضوع الذي
تقدمه هذه الفكرة هو الواقعي". يثير رورتي بعض الاعتراضات على هذه الطريقة في فهم الحقيقة. الاعتراض الأول، كما ياحظ، أنه بينما "لا نستطيع فهم فكرة أن الرأي القادر على البقاء بعد مواجهة كل الاعتراضات يمكن أن يكون خاطئًا [...] فإن الاعتراضات [...] لا يمكن التنبؤ بها. لا توجد طريقة لمعرفة متى يصل المرء إلى الحقيقة، ومتى يكون أقرب إليها مما كان من قبل". الثاني، ينكر افتراض بيرس أنّ توافر الوقت الكافي سيؤدي إلى التقاء الأفكار على موقع واحد أخير يكون تام الصحة. من أجل أن يقع مثل هذا الالتقاء يَفترض أن من الواجب وجود لغة يمكن استخدامها من دون تحامل، للتعبير عن كل واحد من التأويات نصف الصحيحة المتنافسة حول شيء ما؛ لغة يمكن داخلها أن تُقارن مزايا هذه التفسيرات المتصارعة ويصاغ تفسير جديد "متولد من اللقاء بينها". يجادل رورتي "وهذه مسألة واقعة صلدة [...] لا نملك لغة تخدم كمصفوفة حيادية ثابتة لصياغة جميع الفرضيات الشارحة الجيدة، كما لسنا نملك حتى أكثر الأفكار غموضًا عن كيفية الحصول على واحدة". ولكن لا يبدو أيّ من هذين الاعتراضين مقنعًا. رورتي على خطأ ابتداءً في قوله إنه لا وجود لطريقة
نستطيع بها أن نقرر إن كنا الآن أقرب إلى الحقيقة مما كنا من قبل. فبحسب بيرس، تجري مقاربة الحقيقة أساسًا بوساطة المنهج التجريبي. وهو ما يعني أن تلك المعايير التي تستخدم لتقرير كفاية
النظريات العلمية نسبيًا (درجة الجزم التجريبي، الصقل، سعة القوة التفسيرية، الاتساق مع النظريات
الأخرى المؤسسة جيدًا)، يمكن أن تستخدم في معظم الحالات لتقرير إن كانت قناعاتنا الحالية
(19) Charles Hartshorne & Paul Weiss, Collected Papers of Charles Sanders Peirce (Cambridge, Massachusetts: Belknap Press, 1965), p. 5416. (20) Ibid., p. 5582. (21) Ibid., p. 4075. (22) Rorty, Consequences of Pragmatism , pp. 348–349.
((2(رورتي، ص.458
"أصحّ" من قناعاتنا السابقة. إذا ما سُئِلنا "كيف نعلم أن الحقيقة قد جرت مقاربتها بوساطة المنهج
التجريبي؟"، يمكننا الإجابة بافتراض أنَّ هناك حقيقة، وأن "الرأي الذي يستطيع أن يبقى في مواجهة كل الاعتراضات" لا يمكن أن يكون زائفًا، فإن المنهج التجريبي (والذي لا يعدو في نهاية المطاف منهج التحدي النظامي للنظريات التي تنطوي على أقوى الاعتراضات التي يمكن أن نتخيلها)، يجب أن يأخذنا باتجاه تلك الحقيقة. فكرة مقترح رورتي أننا لا نستطيع أن نعرف إن كنا قد اقتربنا أكثر من الحقيقة، تذكرنا من دون شك بأننا لا نستطيع أن نقدم تقويمًا عادلً للدرجات النسبية لصحة الخيمياء القروُسْطِية – فلنَقُلْ – والكيمياء
الحديثة. إنَّ النظرة إلى العالم التي أنشأت الخيمياء وازدهرت الخيمياء داخلها غريبة عنا. لا نعلم علم اليقين الأفق الكامل للغايات التي حكمت الخيمياء، وبهذا لا نستطيع أن نقرر بثقة تامة درجة نجاحها في الوفاء بمتطلبات هذه الغايات. فضا عن ذلك، بقدر ما نحن نعرف الغايات التي تحكمها، فإن علينا الإقرار بأنها مختلفة تمامًا على عدة صعُد عن تلك التي تحكم الكيمياء، بحيث إن الكيمياء
بالرغم من أنها إلى حد بعيد وريثة الخيمياء وسليلتها، فإن مقارنتها بالخيمياء بمعنى صحتهما النسبية يشبه كثيرًا مقارنة فوائد الخوخ والبرتقال. ما ينطوي عليه هذا القول هو بالطبع أن علينا أن نقاوم الإغراء الذي يدعونا إلى مقارنة الخطط المفهومية 1) إذا ما كان فهمُنا لخطتها غير كاف أو 2) إذا كانت الأشياء التي يُقصد تفسيرها باستخدام الخطتين
ليست متماهية على نحو تام. ولكن يمكن الغلوُّ في أهمية هذا الدرس. فهو لا يعني بالتأكيد، على
سبيل المثال، أننا لا نستطيع أن نقرر إن كنا قد تعلمنا شيئًا جديدًا عن العالم. مشكات ما أسماه توماس سامويل كون Kuhn Samuel Thomas (1996–1922) "العلم العادي" تخضع في هذه اللحظة لاختبار من قِبَل عشرات الآلاف من الباحثين في عشرات الحقول المختلفة، و"كحقيقة أولية" يجري
دوريًا الإقرار بأن واحدة أو أخرى من هذه المشكات قد وَجدت الحل. وعندما يجري العثور على أحد
هذه الحلول، لا يمكن إلا العناد منعنا من النظر إلى ذلك بوصفه يمثل تحسُّنًا في فهمنا. والتحسّن في
فهمنا للأشياء هو كل ما تحتويه فكرة بيرس عن مقاربة الحقيقة. ولكن تأمّلْ ما ينطوي عليه، في الواقع الفعلي، الوصول إلى الحقيقة. يجب أن نقر بأن رورتي على
حق. ف سبيل إلى معرفة يقينية بأننا وصلنا إليها. لكن هذا "الاعتراض" على موقع بيرس لا قيمة له لسببين؛ أحدهما، بينما نحن لا نقدر أبدًا على معرفة أننا وجدنا الحقيقة، فإن لدينا أسسًا جيدة جدًا
لإيمان أننا وجدناها. لنفترض هنيهة أن الرأي قد استقر بعد ألف عام من الآن في كل العلوم المختلفة، على مجموعة من النظريات الدائمة إلى حد بعيد. يعي الباحثون، وقد وصلوا إلى هذه الحالة، احتمالَ أن ثمة أحجية يفوتهم فهمها، وهو ما يدفعهم إلى مضاعفة جهودهم للعثور على أسس جدية تبرر الشك في المواقع التي وصلوا إليها. تمرّ قرون من دون اكتشاف أسس تبرر الشك. يمكن وصف
باحثينا المتخيَّلين هؤلاء بأنهم لا يعرفون أنهم قد وصلوا إلى الحقيقة، لكنهم سيمتلكون بالتأكيد أسبابًا
ممتازة لاعتقاد هذا. ومع حالة أنهم قد وصلوا إلى الحقيقة وهم يؤمنون بأنهم فعلوا ذلك، فإن فقدان تلك الذرة من اليقين سيكون أمرًا ضئيل الأهمية.
من جانب آخر، ماذا لو كانت الحقيقة مما يتعذر الوصول إليه حقًا؟ ماذا لو أن العالم مندمج بطريقة تجعل الفهم الكامل لأيّ حقيقة مفردة يتطلب الفهم المرافق له لكل الحقائق الأخرى، وبسبب ميل
البشر إلى النسيان وعماهم، لن يكون متاحًا لنا أن نأمل الوصول إلى هذا الفهم الكلي والأخير
للأشياء؟ يبقى هذا الاحتمال في نطاق مفهوم بيرس للحقيقة. إذا ما أمكن أن يتواصل البحث مدة طويلة بما يكفي، فإنه سيقود في نهاية المطاف إلى هذه الحقيقة الموحدة الواحدة، ولكن بسبب حدودنا البشرية، لا يستطيع البحث مواصلة الشوط إلى المسافة المطلوبة. إذا كانت تلك هي الحالة، فهل يكون علينا الاستنتاج أن البحث عن الحقيقة قد فقد معناه؟ بالطبع لا. البحث عن الحقيقة في هذا المجال يشبه كثيرًا تهذيب الفضيلة الشخصية. ربما كان بلوغ الكمال الأخاقي أمرًا يقع خارج مرمى
أي كائن بشري، لكن هذه الحقيقة لا تدمِّر بأي شكل المنفعة المتحصلة من أن يتخذه المرء هدفًا
يتمكن به من أن يصبح إنسانًا أفضل مما هو عليه. أما أولئك الذين يحملون رغبة أصيلة في التعلم، فيكون اكتشاف الحقيقة الهدف النهائي لمحاولاتهم. لكن الفهم الجزئي الأفضل المتوافر هو المكافأة التي ستأتي بها هذه الجهود من يوم إلى آخر. لذلك، فإن فكرة أن الحقيقة هي "الفكرة التي قُدّر أن يتفق عليها كل الباحثين"، لا يمكن تخطئتها على أساس أننا، إن أمكننا بلوغ هذه الفكرة النهائية يومًا، لا نستطيع أن نعرف أننا فعلنا ذلك. كما أنها
لا يمكن أن تُخطّأ على أساس أننا نحن البشر، بكل ما فينا من محدوديات، قد لا نتمكن من الوصول إليها. الاعتراض المؤثر الوحيد الذي يمكن أن يثار ضد مفهوم بيرس للحقيقة، هو أن الحقيقة ليست، ببساطة، ذلك الشيء الذي تُجمع عليه الآراء في نهاية المطاف. إما لأن الآراء لا يقدر لها أن تحقق الإجماع إطاقًا، وإما لأن الآراء إذا ما التقت، فإنها لن تلتقي بصدد موضوع نطلق عليه تسمية "الواقعي". وهذه هي الفكرة التي تقع خلف ماحظة رورتي أننا "لا نملك لغة تخدم كمصفوفة حيادية ثابتة لصياغة جميع الفرضيات الشارحة الجيدة". قد يبدو أن التقاء الآراء يتطلب مثل هذه اللغة، وأنه سيخرج بواحدة إن لم تكن موجودة بالفعل. لذلك، كما يقترح رورتي، فإن غياب هذا "المنطلق الدائم المحايد"، يمكن أن يؤخذ على أنه الدليل على أن ذلك الالتقاء لم يقع. ولكن، في الواقع، لا يمكن أساسًا محايدًا تمامًا أن يكون شرطًا مسبقًا لالتقاء، إلا إذا ما افترضنا أن
كل النظريات المتنافسة يجب أن تُختبر وتُدفع إلى التقارب في آن واحد. إذا ما فهم الالتقاء على أنه يقع على نحو أقل منهجية من هذا تتفق نظريتان أو ثاث هنا، بينما تجري مقارنة نظريتين سواها هناك، وهنالك نظريات أخرى تنتظر دورها، فإن كل ما سيكون مطلوبًا في أيّ نقطة هو الحياد "المحلي". لغة
تكون محايدة بالنسبة إلى النظريات التي هي فعليًا في طور الالتقاء في هذه اللحظة في هذا النقاش.
كل لغة قادرة على تمثيل هذه الاختافات تمثيا أوليًا في ما يمكن أن تكون عليه الأشياء، تمتلك إلى
((2("يمكن فسادَنا [...] أن يؤجل إلى ما لانهاية تسوية الرأي؛ يمكنه حتى أن يتسبب في قبول عام لقضية عشوائية يبقى قائمًا
ما بقي الجنس البشري. ومع ذلك فإن هذا نفسه لا يمكن أن يغير طبيعة الاعتقاد الذي لا يمكن إلا أن يكون نتاج بحث بلغ حدًّا
كافيًا". ينظر:
Hartshorne & Weiss, p. 5408.
((2(رورتي، ص.458
هذا الحد قدرًا من الحياد إذا أخذنا التأويات الممكنة المنافسة في العالم. لذلك فإن الحياد ليس عصيًا على التحقيق من حيث المبدأ، إنه، ببساطة، الشيء الذي لا تمتلكه لغاتنا إلا بقدر محدود في
هذه اللحظة. ولكن إذا ما أقررنا أننا في الحاضر نفتقد تأويا نهائيًا صحيحًا للعالم بكل ما فيه من
تعقيد، فإن مما يجب ألّ يثير دهشتنا إلى أدنى حد كوننا لا نمتلك "أساسًا محايدًا دائمًا" – ولا أيّ فكرة
عن كيفية التوصل إليه. مثل هذه اللغة المحايدة تمامًا سيكون من الواجب خلقها بالطبع، خال عملية
وصولنا إلى الحقيقة. ولكن كما ياحظ رورتي نفسه "لا يمكن توقّع الاعتراضات"، وبهذا لا يمكننا أن نعرف ما الخواص التي ستحتاج إليها لغتنا لتكون قادرة على التعامل مع الاكتشافات غير المنظورة. وهكذا لا يبدو من المنافي للعقل أن نتوقع أن هذه الاكتشافات سيجري التصدي لما تمثله من تحديات بينما هي تطفو على السطح.
نجد في مساهمة بيرس بصدد "الحقيقة والزيف والخطأ" في قاموس الفلسفة والسيكولوجيا لبولدوين المقطع التالي: "القول إن قضية proposition صحيحة، يعني أن كل تأويل لها صحيح [...] تأويل القضية هو ذاته قضية. كلّ استنتاج ضروري من القضية هو تأويل لها. عندما نتكلم عن الحقيقة والزيف، فإننا نشير إلى إمكانية أن تُدحض القضية؛ وهذا الدحض (يمكن القول عمومًا) يقع بطريقة واحدة فقط.
يقع تحديدًا عندما يمكن لتأويلٍ ما للقضية إذا ما صدّقناه، أن ينتج منه توقع لوصف معين لمُدرك في
مناسبة معينة. يحل موعد المناسبة: المُدرك الذي يفرض نفسه علينا مختلف. يعني هذا زيف كل قضية
يكون التوقع الخائب هو تأويلها [...] القضية الصحيحة هي الاعتقاد بالقضية الذي لا يمكنه أبدًا أن يقودنا إلى مثل هذه الخيبة، ما دام أن القضية لم تفهم على خاف ما قُصِدَ لها". بحسب بيرس، إذًا، فإنّ القضية الصحيحة هي تلك التي يمكن أن تقودنا إلى سلسلة لا نهائية من التأويات، لأننا لا نحتاج أبدًا إلى ركنها جانبًا في مواجهة دليل يناقضها. فهي، وكل واحد من تأوياتها
الحقة (وهي كلها صحيحة بذاتها)، ستستمر في توليد تأويات جديدة لعصور مقبلة، لوقت طويل، بعد أن تُنسى الأفكار الخاطئة اليوم أو تُطرح جانبًا إلى كتب التاريخ. لكن رورتي يرى دلالة مختلفة في السلسلة الانهائية من حيث الإمكان لقضايا مشتقة من قضايا أخرى. وذلك، كما يجادل، لعدم توافر طريق إلى معرفة يقينية بصدد أيّ من القضايا التي يمكن أن نرغب في استخدامها، بالمعنى الذي أوردناه آنفًا لدى بيرس. إنَّ عدم توافر حدوس أولية لا تقبل الشك يعني أن الحقيقة – التَّطابق التام لأفكارنا مع الطريقة التي توجد بها الأشياء – لا يمكن الوصول إليها ببساطة. خُاصة هذا القول، كما ياحظ رورتي، أن المعرفة لا يمكن أن تحتوي شيئًا أكثر من تبرير قضية بصيغ قضايا أخرى.
(26) Hartshorne & Weiss, p. 5569.
((2(من المستحيل، بالطبع، ماحقة أيّ قضية بصفة لانهائية، ولكن بوصفنا كائنات مهتمة بالحقيقة عندما نتمكن من اكتشافها
(حتى لمجرد المزايا العملية المستحصلة منها)، فإننا نميل إلى التوقف عن متابعة مضامين الأكاذيب الجلية إلى أي شوط طويل.
"يمكننا أن ننظر إلى المعرفة كعاقة بالقضايا، وبالتالي كعاقة تسويغ بين القضايا المدروسة وقضايا أخرى يمكن استدلال القضايا المدروسة منها، أو يمكننا النظر إلى المعرفة والتسويغ كعاقات مميزة بالأشياء التي تدور حولها تلك القضايا. فإذا اعتبرنا النظرة الأولى، فلن نرى حاجة لإنهاء التسلسل الامتناهي للقضايا المقدمة للدفاع عن قضايا أخرى. فمن الحماقة الاستمرار في الحديث عن الموضوع عندما يكون كل إنسان، أو الأكثرية، أو الحكماء، قد اقتنعوا، مع أننا 'نستطيع' الاستمرار بالطبع. وإذا اعتبرنا النظرة الثانية إلى المعرفة، فسوف نودّ تجاوز المسوغات إلى الأسباب، وتجاوز الحجة إلى ما يفرضه الشيء المعروف، إلى وضع تبدو فيه الحجة مستحيلة وليست تافهة فحسب، ذلك لأن أي إنسان، وقد استحوذ عليه الموضوع بالطريقة المطلوبة، لن يكون قادرًا على أن يشك أو أن يرى بديا. والوصول إلى تلك النقطة معناه الوصول إلى أسس المعرفة". الآن، وقد صقلت معرفتنا بصدد اللغة إلى حد يسمح لنا بإدراك أن لا وجود لفصل واضح بين الوقائع التي نصادفها واللغة التي نستخدمها في التفكير في تلك الوقائع، فإن رورتي يجادل بأن الخيار الثاني من هذين الخيارين لم يعد طريقة مشروعة لفهم المعرفة. لا يمكن أن يتحقق "وصول إلى ما وراء" ما نقول عن الأشياء، لكي نرى كيف هي هذه الأشياء فعليًا؛ لا وجود لمعرفة بوساطة
"المعرفة المباشرة". لا يرغب رورتي في إنكار وجود عناصر ما قبل لغوية معينة في تجربتنا، "أحاسيس أولية (خامات) مثل الآلام والمشاعر التي تراود الأطفال عندما ينظرون إلى أشياء ملونة". لكنه يدفع بهذه إلى منطقة "الوعي بوصفه سلوكًا تمييزيًا". وهو يقترح أن الوعي بهذا المعنى "هو ببساطة عامة يمكن الاعتماد عليها"، وهو ما لا يبدو لدينا وحسب، ولكن لدى "الفئران والأميبات وأجهزة الحاسوب". ويجادل رورتي بأن الشكل المثير لاهتمام حقًا للوعي، الشكل الذي تبديه كائنات مثلنا، هو الوعي بما يسميه ولفرد سالارز Sellars Wilfrid (1989–1912) "الفضاء المنطقي للعقول، التبرير وقدرتنا على هذا التبرير". هنا توجد المعرفة إذا ما كنا نقصد بالمعرفة أي شيء من قبيل "القناعة الصحيحة المبررة". المعرفة كما يفهمها رورتي هي من حيث الجوهر "معرفة ما هو نوع الأشياء التي ينتمي إليها". "ويشتمل هذا على القدرة على ربط مفهوم الصفة X Xness) (بمفاهيم أخرى بطريقة تمكن من تسويغ المزاعم حول X. هاتان القدرتان هما قدرة واحدة، وفقًا لنظرة سارز الفتغنشتانية التي تعني فيها ملكية مفهوم استعمال كلمة، ويتبع ذلك أننا لا نستطيع أن نملك مفهومًا واحدًا من غير أن نملك العديد من المفاهيم، ولا 'نملك مفهوم شيء لأننا لاحظنا ذلك الشيء'، ذلك لأن 'ملكية القدرة على ماحظة وجود شيء هي سلفًا ملكية مفهوم عن ذلك الشيء"'.
((2(رورتي، ص.234 ((2(المرجع نفسه، ص.262
(30) Wilfrid Sellars, Science, Perception and Reality (London: Routledge & Kegan Paul; New York: Humanities Press, 1963), p. 169.
(3((رورتي، ص.263
بكلمات أخرى فإن "ماحظة نوع من الأشياء" تعني أن ناحظه تحت وصف ما، لا مجرد الاستجابة له من دون تمييز. وما يعنيه هذا، بحسب جدال رورتي، أن الوعي بوصفه سلوكًا تمييزيًّا قد يكون شرطًا
سببيًا للمعرفة، لكنه ليس أساسًا لها. فضا عن ذلك، إنه، حتى بوصفه شرطًا سببيًّا، "غير كاف وغير
ضروري". "وهي غير كافية لسبب واضح، هو أننا يمكننا أن نعرف الاحمرار من غير أن نعرف أنه مختلف عن الأزرق، أي إنه لون [...] وهكذا. وهي غير ضرورية لأننا يمكننا أن نعرف كل ذلك، وأكثر بكثير، عن الاحمرار ونحن عُميٌ منذ الولادة. ومن ثم لا نعرف ماذا يشبه الاحمرار. ومن الخطأ القول إننا
لا نستطيع أن نتكلم ونعرف عن الشيء الذي ليس في حوزتنا أحاسيس أولية (خامات) عنه. ويساويه في الخطأ القول إنه إذا كنا لا نقدر أن نتكلم عنها فإنه يمكننا، مع ذلك، أن نملك اعتقادات عنها صادقة ومسوَّغة". إذًا، فهمُنا المعرفة في ضوء هذا الفهم بوصفها من حيث الجوهر مسألة "معرفة ما نوع الأشياء هو X "،
فإن من غير المستغرب إطاقًا أن نجد أن رورتي يرى ضرورة أن تتضمن المعرفة تبرير قضية ما بصيغ قضايا أخرى، وأن يعدّ التبرير مسألة ممارسات اجتماعية تمامًا. في مثل هذه الظروف، يمكن المرءَ
أن يذهب خطوة أبعد من رورتي، فيقترح أن هذا النوع من التبرير هو مسألة ممارسة لغوية تمامًا. لأنه يترك خارج الصورة كليًّا الدور الذي تؤديه التجربة في تكريس قناعاتنا. معرفة أن الأحمر لونٌ
هي في نهاية المطاف مجرد معرفة استخدام مفردتي "أحمر" و"لون" في لغتنا. يمكن شخصًا بصيرًا
بالطبع أن يخبرنا أن الأحمر لونٌ ويعلم ذلك. لكن ما لا يستطيع أن يفعله أبدًا هو اكتشاف شيء جديد عن الحُمرة. لا يمكن مثا أن يكون هو من لاحظ أنك إذا ما مزجت صبغة حمراء مع صبغة صفراء ستحصل على صبغة برتقالية. جدال رورتي أن تبرير المعرفة يتضمن "نُكوصًا regress لانهائيًا لقضايا تقدّم دفاعًا عن قضايا أخرى"،
يخطئ القصد بصدد نوع المعرفة التي تنشأ من تجارب المرء بوصفها الضد من تلك التي تنشأ من تعلم المرء اللغة. إذا كان لا بد من إيقاف الحديث عن موضوع ما، عندما يقتنع عددٌ كاف من الناس بذلك، يحق لنا أن نتساءل: ما الذي يسبب قناعة "كل الناس، أو الأغلبية، أو الحكماء" هذه في نقطة معينة؟ من الواضح أن لا وجود لشيء في طبيعة النكوص الانهائي للقضايا يسبب القناعة، عدا الإرهاق. إذا كانت كل قضية في حاجة إلى قضية إضافية تُقدّم لدعمها، إذًا فالقضية الأولى X، غير مقنعة. وهي نفسها لا تكون بقدر حاجتها إلى هذا الدعم جزءًا من التبرير على الإطاق، بل هي بالأحرى
خطوة ضرورية على الطريق إلى مكان آخر حيث يتحقق التبرير، الذي هو قناعتنا. من جانب آخر، إذا ما سببت لنا قضية في نقطة محددة الشعور بالقناعة (لا مجرد التخلي عنها أو التعب منها)، فذلك لأن تلك القضية سببت لنا القدرة على ماحظة شيء في العالم، له أثره في شرعية قناعتنا أو عدم قناعتنا
(3((المرجع نفسه، ص.246 (((3 المرجع نفسه، ص.266
الأصلية. كما يعبر بيرس: "يمكن تأويا ما للقضية إذا ما صدّقناه، أن ينتج عنه توقع لوصف معين لمُدرك في مناسبة معينة. يحل موعد المناسبة: المُدرك الذي يفرض نفسه علينا مختلف". هذا هو ما يوفر لنا الرضا في نهاية المطاف، ما يقنعنا في نهاية المطاف: توقعنا أن نرى شيئًا ما إما أن يخيب توقعاتنا وإما أن يكافئنا. تتضمن هذه الرؤية أو الارؤية بالطبع من حيث الأساس وعينا التمييزي. قد يتمكن مجرد فأر أو حاسوب من التعرف إلى حضور المُدرك المقصود بكفاءة أكبر منا. بالرغم من ذلك، فإن تبرير قناعتنا الأصلية (بافتراض أنها قضية غير تحليلية، غير رياضية) لا يمكن أن يقال إنه لا يقع إلا هنا، في النقطة التي تتوقف فيها سلسلة القضايا المقدمة دفاعًا عنها بتحقق وعينا التمييزي بالمُدرَك.
الحالة التي يصفها جاك دريدا Derrida Jacques (2004–1930)، بأنها اشتباك اللغة الذي لا فكاك منه مع خيوط التجربة الأخرى، تتضمن فشل أي مدخل قاعدي للفلسفة. سواء أكنا نحاول الوصول إلى وصف لبنية العالم الضرورية انطاقًا من نقطة شروع الأفكار الديكارتية الواضحة والمحددة، أو المفاهيم الكانطية المحضة الخاصة بالفهم أو الحدس الهوسرلي الماهوي، أو بديل آخر جديد، فإن عجزنا عن تحرير مفاهيمنا القاعدية من التأثيرات غير المدركة عمومًا لأية لغة يتصادف أننا نتكلمها، يضمن أن النظام الذي نشتقه من هذه المقدمات الأولية سيكون بعيدًا عن الشك. ولكن المدخل القاعدي، كما رأينا، ليس الوحيد الذي يقدم لنا الوعد باكتشاف طبيعة العالم الحقيقية. إذا كان بيرس على حق، فيمكننا أن نبرر البحث المتواصل عن الحقيقة، على أساس أننا نبدأ من الجهل والخطأ، وما دمنا نصر على مباحثنا فإن فهمنا للعالم لا بد أن يتحسن باستمرار. أن يصح هذا أو لا يصح، أمرٌ
يعتمد كُليًّا بالطبع على تحقق التقاء لا محيص عنه للأفكار في اتجاه الحقيقة، لدى أولئك الراغبين
حقًا في معرفتها الحقيقة؛ وهذا بدوره يعتمد كما رأينا على القدرة على تغيير اللغة بطريقة تمكنها من التعبير عن نطاق العناصر التي نعدها معطاة بالنسبة إلينا في تجربتنا. لن يتاح لنا، حتى من حيث المبدأ، ترجيح المزايا النسبية لكل التأويات المتنافسة وربما تركيبها على أساس الأفضل في كل واحد منها، إلا إذا كانت اللغة قابلة لاكتمال بهذا المعنى. يجادل هانز جورج غادامير Hans–Georg Gadamer (2002–1900)، بين آخرين، أن للغة هذه القدرة على التحسّن. في كتابه الحقيقة والمنهج، ناحظ عن كثب ما يحدث فعا في الكام، وخصوصًا في الحوار مع التقليد الذي تتناقله العلوم الإنسانية (وهي حقل غادامير الخاص)، "وهذا لا يعني أن المؤول يستعمل كلمات جديدة أو غير اعتيادية، بل يعني أن القدرة على استعمال كلمات مألوفة، لا تستند إلى فعل تصنيف منطقي، يوضع من خاله محدد تحت مفهوم كلّي.
(34) Hartshorne & Weiss, p. 5569.
(3((ينظر: مقال جاك دريدا "الميثولوجيا البيضاء"، في:
Jacques Derrida, Margins of Philosophy , Alan Bass (trans.) (Chicago: University of Chicago Press, 1982).
لنتذكر، بالأحرى، أن الفهم يتضمن، على الدوام، عنصر تطبيق. وبهذه الطريقة ينتج عملية تشكيل للمفاهيم مستمرة". بعبارة أخرى، ليست هذه العملية مسألة انبثاق مفاهيم جديدة مكتملة من الامكان، لكنها بالأحرى عمليةٌ تتطور فيها تدريجيًا مفاهيم جديدة من أخرى قديمة، نتيجة ماحظتنا ومحاولتنا التعبير، أكثر منها
نتيجة استخدامنا كلمات متداولة الآن بالطريقة التي كرسها التقادم وما تسمح به. "تبدو إمكانات معرفتنا أشد فردية من إمكانات التعبير التي تقدمها اللغة. وبمواجهة نزوع المجتمع نحو الانتظام الذي من خاله تفرض اللغة الفهم على الأشكال التخطيطية المحددة التي تحاصرنا نحن، تحاول رغبتنا في المعرفة الانفات من هذه التخطيطية والأحكام المسبقة". نحن ننجو من هذه القيود التي تضعها اللغة على فهمنا بوساطة "إساءة استخدام" الكلمات المتاحة لنا، وهو ما يعني القول إننا نفعل ذلك بوساطة استخدام الاستعارة. إنَّ استخدام كلمة بطريقة يقترحها نموذج استخدامها السابق، يمكن أن يجعلها مفهومة، ولكن أن تستخدم كما لم تستخدم من قبل، يتيح التعبير عن فكرة لم تكن قابلة للتعبير عنها من قبل (أيْ تقليديًّا). بهذه الطريقة، تكون تخوم اللغة في حالة توسع مستمر. ما إن ناحظ شيئًا تعجز اللغة عن التعبير عنه، حتى نبتكر، بوساطة الاستعارة، طريقة نعبر بها عنه لغويًّا. وهكذا فإن شمولية اللغة "تجاري شمولية العقل"، بالرغم من أن العقل يبقى يتقدم دائمًا أو لزامًا في هذا المسير. يتعارض موقع غادامير هنا تمامًا مع دعوى سالارز ورورتي القائلة: "إن ملكية القدرة على ماحظة وجود شيء، هي سلفًا ملكية مفهوم عن ذلك الشيء". وهو ما يعنيان به أن معرفتك شيئًا ما عن العالم – أن لون عامة التوقف هو الأحمر مثا – يتطلب أن تمتلك مقدمًا قبل ماحظتك هذه الحقيقة مفهومي "أحمر" و"عامة توقف". لو كان سالارز ورورتي على حق بهذا الصدد، لكان من المتعذر وجود تفسير لعملية تشكيل المفاهيم. وإذا ما قُدّر للمفاهيم أن تتغير على الإطاق فإنها ستتغير على نحو عشوائي وحسب، وذلك لأننا لن نكون قادرين على ماحظة أي شيء يمكن أن يميل بنا إلى عدم الرضا عن مفاهيمنا الراهنة. ما يراه غادامير، في المقابل، أن مفاهيمنا تُراجع لأننا لاحظنا حاجتها إلى الخضوع للمراجعة؛ كونها لم تعد قابلة للتطبيق على بعض الأشياء التي نواجهها في تجربتنا. يرى غادامير أن التجربة الحقة؛ التجربة التأويلية، تكون دائمًا دافعًا إلى تحول في المفهوم، "فلو حصلت
(36) Hans–Georg Gadamer, Truth and Method , Garrett Barden & John Cumming (trans.) (New York: Seabury Press, 1975), p. 346;
وقد اعتمدت الترجمة العربية، وقد أجريت بعد التعديات في بعض المواضع. ينظر: هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج:
الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح (بيروت: دار الكتاب الجديد؛ طرابلس: دار أويا، 2007)، ص.528–527 (3((المرجع نفسه، ص.525 (3((المرجع نفسه. (3((رورتي، ص.263
لنا تجربة جديدة بموضوع ما، فهذا معناه أننا لم نكن حتى الآن نرى هذا الموضوع بشكل صحيح، والآن فإننا نعرفه بشكل أفضل". هذا الفهم للشيء على نحو أفضل يعني بالطبع تغيير مفهومنا عن الشيء، وهو ما يتضمن بدوره تغيير معنى كلمات بعينها. وهكذا يرى غادامير "أن التجربة التأويلية هي العامل الذي بوساطته يفلت العقل المفكر من سجن اللغة، وهي نفسها تتشكل لغويًا" (لكن الغاية
من هذا "الهروب" مرة أخرى هي إدراك شيء جديد في الموضوع المُدرك. لذلك فإن "الهروب" هو
"إغارة" في الآن ذاته، وما إن يحقق العقل هروبه/ غارته حتى يعزز مكاسبه بزيادة دقتها داخل "سجن اللغة" الخاص به). وبسبب أن عملية التجربة، عملية الوصول إلى إدراك الخطأ في المفاهيم، محكومة بكشف جانب يجري إدراكه في الشيء المعروض علينا، لا يوجد ما يدعو (عدا تناهي البشر) إلى وجوب أن ينتهي جدل التجربة إلى أية نقطة تسبق الفهم الشامل لما هو موجود – بحسب غادامير – بسبب قدرتنا على إدراك لا ما تقدمه لنا اللغة فحسب، ولكن ما يقدمه الشيء نفسه أيضًا، من حيث المبدأ على الأقل، "هذا الحوار الامحدود مع ذواتنا [...] فنحن نستطيع أن نعبر عن كل شيء بالكلمات، ويمكن أن نحاول الاتفاق على كل شيء". لا توجد منحيث المبدأ حدود للتحسين الممكن في فهمنا عبر جدلية التجربة، مع أن غادامير يأخذ مضامين التناهي الإنساني بجدية عالية. فمن جانب، لا يمكن إَّلَّ لحوارٍ لامتناهٍ أن يمكّننا من استيعاب ما يمكن أن تقدمه لنا التجربة. ومن جانب آخر، يبقى هنالك تفاوت بين الموضوع كما يجربه حتى الإنسان المنفتح على نحو مثالي، والموضوع بحد ذاته كما هو حقًا، الموضوع بوصفه نومينا noumenon. لا تبقى التجربة الإنسانية للعالم قابلة لأن تُستكمَل ب حدود، بحسب غادامير، إلا بمعنى أننا نستطيع
أن نحقق "رؤية" أو نظرة دائمة التوسع إلى العالم. "[ولكن] رؤى العالم تلك ليست نسبية بمعنى أن المرء يستطيع أن يضعها في مقابل 'العالم في ذاته' كما لو أن الرؤية الصحيحة من موقع ممكن خارج العالم اللغوي الإنساني، تستطيع أن تكتشفه في وجوده في ذاته. ما من أحد يشك في أن العالم يمكن أن يوجد من دون الإنسان، وربما سيكون الأمر كذلك في يوم ما. وهذا جزء من المعنى الذي نعيش فيه كل رؤية إنسانية متشكلة لغويًّا. إنَّ وجود العالم
في ذاته حاضرٌ ضمنًا في كل رؤية للعالم". لكن العالم المعروف، حتى مثاليًّا، ليس هذا العالم في ذاته. العالم المعروف هو ذلك الذي لا توجد
فيه "أسبقية للأشياء ولا أسبقية للعقل الإنساني". بعبارة أخرى، هو عالم يتكون من تفاعل الأشياء
((4(غادامير، ص.472 ((4(المرجع نفسه، ص.526 ((4(المرجع نفسه، ص.695 ((4(المرجع نفسه، ص.581
(44) Hans–Georg Gadamer, Philosophical Hermeneutics , David E. Linge (trans.) (Berkeley: University of California Press, 1976), p. 78.
مع العقل، عالم يكون فيه هذا التفاعل بين المفاهيم المتشكلة عقليًّا للأشياء، والأشياء كما هي معطاة
مما يستدعي بالضرورة مراجعة لا نهاية لها لهذه المفاهيم، وهو ما يكتسب الأسبقية المطلقة. هذا هو نوع العالم أيضًا الذي يقدمه لنا مايكل بولاني Polanyi Michael (1976–1891). بحسب بولاني، تكون العملية الاواعية من المحاولة والخطأ التي نشق بها طريقنا إلى النجاح، هي ما يفسر إمكانية أن نعرف أكثر مما نستطيع أن نعبر عنه بالكلمات. وعلى مستوى واضح للعيان، كلما اكتسبنا مهارة جديدة، مثل تعلم السباحة أو ركوب الدراجة الهوائية، فإننا نكتسب معرفة بالكيفية التي نقوم بها بهذه الفعاليات كلها، ولكن نكتسب أيضًا الكيفية التي نقوم بها بالأفعال الأولية التي تكوّنها، بالرغم من أننا قد لا نكون قادرين على تسمية هذه الأفعال. هذا العجز ناجم عن حقيقة أننا نركز انتباهنا على الأداء كله، ولا نكون واعين إَّلَّ على نحو ثانوي بهذه الأفعال الأولية التي يتكون منها. وكما يفسر بولاني، في كتابه المعرفة الشخصية، كل خطوة في اكتساب مهارة "تنجم عن جهد يبلغ أبعد من القدرة الواثقة للشخص حتى الآن على القيام بها، وهي ناجمة عن إدراكه الاحق وقدرته على الحفاظ على نجاحه. هي تعتمد على فعل تلمّسٍ مرّ به فهم الفاعل وبه ظلّ منذ ذلك الحين واعيًا وعيًا ثانويًّا، كجزء من تحقق معقد". لا تكون الأشياء التي نعيها على نحو ثانوي في مثل هذه الحالات قابلة للتحديد، إلا على نحو جزئي في أفضل الأحوال. وهنالك سببان لهذا؛ الأول، إذا أردنا تحديد ما هذه الأفعال الثانوية، فيجب علينا إلى حد ما أن نركز انتباهنا عليها، بدلً من تركيزه على الشيء الذي انصب اهتمامنا عليه، والذي تؤثر فيه هذه الأفعال الثانوية. وبحسب بولاني، "يكفّ كل ما يخدم بوصفه فعا ثانويًّا عن كونه كذلك عندما نركز الانتباه عليه. يتحول إلى شيء آخر، يتجرد من المعنى الذي كان له حين قدّم خدماته بوصفه فعا ثانويًّا". وهكذا، فإن فهمنا له بوصفه فعا ثانويًا يكون معطا إلى حد ما بالضرورة، وكذلك قدرتنا على تحديد الطريقة التي يؤدي بها وظيفته على وجه الدقة في هذا الدور. ولكن، فضا عن ذلك، تكون البيئة التي نمارس فيها مهارة معطاة على الدوام أغنى بتفاصيلها من أي وصف قد يقدّم لها. في أية حالة معطاة، تكون الكيفية التي تؤثر بها الأفعال الثانوية في موضوعها المركزي (الثقل المعطى لكل واحد، إن كان الفعل الثانوي مناسبًا هنا، وهكذا)، سيتقرر بوساطة فوضى التفاصيل البيئية التي ندرك أهميتها، إذا
ما توفرنا على المهارة المقصودة على نحوٍ لا واعٍ. لهذا السبب، فإن معظم المهارات لا تُكتسب بفهم مجرد لإجراءات المتضمنة فيها، ولكن حصرًا بعد قدرٍ كبيرٍ من التدريب الذي يتحقق غالبًا بقيادة
شخص يكون بالفعل أستاذًا في هذا الفن. أهمية هذه الخاصية غير المحددة في معظم المهارات بالنسبة إلى جدالنا أن كل المعرفة المتجلية، كل معرفة بالحقائق facts، تعتمد في نهاية المطاف على امتاكنا مهارات تتضمن هذا الوعي الضمني
(45) Michael Polanyi , Personal Knowledge, Towards a Post–Critical Philosophy (Chicago: University of Chicago Press, 1958), p. 63. (46) Michael Polanyi & Harry Prosch, Meaning (Chicago: University of Chicago Press, 1975), p. 39.
بالأفعال الثانوية. على سبيل المثال، القدرة على النظر خال المجهر، على تمييز وجه، أو على استخدام كلمة استخدامًا صحيحًا، هي مهارات أيضًا. مهارات تتعلق مباشرة بامتاكنا معرفة وقائعية. لا أستطيع
معرفة أن أخي هو من يقف أمامي مثا، إلّ لأنني أعرف كيف أميز أخي. ولكن بالرغم من معرفتي هذه، سيكون من المستحيل تمامًا (اعتمادًا على الوصف اللفظي)، أن أنقل هذه القدرة على التعرف عليه
لك وأنت لم تلتق به من قبل قط. من جهة أخرى، إن عجزي عن التفسير لا يُضعف قناعتي أنه هو من يقف واقعيًّا أمامي. وأنا أثق بحكمي في هذا الأمر لأن القدرة على التعرف عليه، حتى في اللحظات غير
المتوقعة، هي مهارة أعلم أني أمتلكها. وبالطريقة نفسها، فإن أستاذًا في علم الأحياء يرى عندما ينظر عبر المجهر أن لخلية ما عددًا معينًا من الحبيبات الخيطية، لن تتزعزع ثقته بهذه الحقيقة لأن أحد طلبته لا يتمكن حين النظر عبر المجهر من رؤية أي شيء واضح المعالم. يدرك عالم الأحياء أنه يمتلك مهارة تستلزم، للحصول عليها، تدريبًا، ولأنه يعرف أنه هو نفسه يستطيع استخدام هذه الأداة، حتى لو لم يكن
قادرًا مباشرة على نقل هذه القدرة إلى طالبه، فإنه يثق بما يرى. من الواضح أن القدرة على استخاص معنى من المعلومات المطروحة علينا عبر خريطة أو مكشاف ذبذبة، مهارة مكتسبة. لكن هذا ينطبق أيضًا على القدرة – التي تصبح تحصيل حاصل ما إن نبرع فيها – على التعرف إلى الأصوات والموضوعات والأحداث في محيطنا المباشر. وكما يعلمنا وليم جيمس، فإن السنوات القليلة الأولى من حياتنا تمضي ببطء في تعلّم كيفية استخاص المعنى من "الانفتاح العظيم، الاضطراب الصاخب، الذي يواجهنا. نستطيع الآن التعرف إلى عدد كبير من الأشياء الموجودة معًا حولنا في كل لحظة، هذا صحيح؛ لكن هذا يتحقق لأننا تلقينا تعليمًا طويا، وكل شيء نراه الآن
واضح المعالم قد تميّز عما يجاوره بوساطة تجليات متكررة على وفق ترتيب متتابع". وهو ما يعني القول إن قدرتنا على رؤية الأشياء هي نفسها مهارة، لا نكتسبها إلا بعد "تعليم طويل" نتلقاه في مرحلة ما من حياتنا لا نقدر على تذكرها (لا شك في أن فكرة أن هذه المهارة الأهم لدينا هي في حقيقتها مهارة تبدو غريبة بالنسبة إلينا تحديدًا، لأننا لا نمتلك ذاكرة بالعملية التي بها اكتسبناها). إن كل فعلٍ رصدٌ إذًا، وليس تلك الأفعال، فحسب، التي تستعين بأدوات متطورة، يتضمن من حيث الجوهر ممارسة مهارات معينة (لها عاقة بالتمييز بين الأشياء ومقارنتها)، لا يمكن تحديدها تحديدًا كافيًا. ما يعنيه هذا، بحسب جدال بولاني، أن مثال المعرفة المتجلية هو ذاته متناقض. "يصبح لزامًا علينا الآن أن نرى أن كل معرفتنا غير جبرية لا محالة. ابتداءً [...] إن أثر المعرفة التجريبية
في الواقع، غير قابل للتحديد. لا يوجد أي شيء في أي مفهوم يشير موضوعيًّا أو على نحو تلقائي
إلى أي نوع من الواقع. لا يتأسس ارتباط المفهوم بالواقع إلا بحكم مضمر يستند إلى الالتزامات الشخصية، ونحن لا نقدر على تحديد كل هذه الالتزامات الشخصية أو إظهار الكيفية التي تجعل بها مفهومًا معطى يؤثر في الواقع، ومن ثم لا يمكننا الوثوق به على أنه معرفة. لا نقدر على هذا لأننا
(47) William James, The Principles of Psychology , vol. 2 (New York: Dover Publications, 1950), p. 495.
نستوطن هذه الالتزامات الأساسية، ونحن لا نقدر على تركيز انتباهنا عليها من دون أن ندمر وظيفتها الثانوية [...] لهذه الأسباب ذاتها [...] تكون قواعدنا لتأسيس اتساقات حقيقية – بوصفها الضد من الوهمية – غير محسومة، ويجب أن تبقى كذلك. يجب أن يكون كل ما لدينا من قواعد مطبقًا بالطبع، ومن أجل أن نتوصل إلى ذلك قد نتوصل إلى قواعد إضافية من أجل تطبيقها. لكننا لا نستطيع أن نواصل امتاك قواعد معينة، من أجل تطبيق قواعد معينة، ومن أجل تطبيق قواعد معينة على نحو لانهائي. يجب علينا في هذه النقطة أن نمتلك 'قواعد' تطبيق (إن أمكننا تسميتها هكذا) لا نكون قادرين على تحديدها، لأننا ببساطة يجب أن نستوطن فيها على نحو ثانوي. لذلك، لا نستطيع أن نحدد في نهاية المطاف الأسس (التي تكون إما ميتافيزيقية أو منطقية أو تجريبية)، التي نعتقد اعتمادًا عليها أن معرفتنا صحيحة. إن التزامنا بهذه الأسس واستبطاننا لها يعني أننا نُسقط أنفسنا على ما نعتقد أنه صحيح اعتمادًا على هذه الأسس أو بوساطتها. ونحن من ثم لا نقدر على رؤية ما هي. لا نستطيع أن ننظر إليها ما دمنا ننظر بوساطتها". لدينا هنا مرة أخرى جدال يقف على الضد من المدخل التأسيسي foundationalist لمشكلة تقرير طبيعة العالم. كما قلنا من قبل، إن تداخل التجربة مع اللغة ينطوي على أن من غير الممكن وجود مبادئ أولى ثابتة نسند إليها معرفتنا. لكن الخاصة نفسها موجودة ضمنًا، اعتمادًا على استناد كل تجربة إلى مهارات رصد سابقة على اللغة وغير قابلة للتحديد في نهاية المطاف. يفترض بولاني، شأنه شأن كانط، أن العالم في ذاته مسؤول عن كون تجربتنا معطاة. وهو يستنتج، على عكس كانط (ولكن مع رورتي)، أننا لا نستطيع الوصول إلى الفعاليات العقلية السابقة على اللغة، المكونة للتجربة. لكن بولاني لا يخلص اعتمادًا على هذا، إلى أننا سنفعل خيرًا بالاستغناء عن فكرة الحقيقة؛ أن علينا ببساطة
أن نواصل حوار ثقافتنا ونحاول أن نمنحه أكبر عدد ممكن من المنعطفات. فهو يخلص إلى منح فكرة الحقيقة مكانًا في تفكيره لأنه يشعر أن النجاحات التي يمكن أن نحققها في اكتساب المهارات، وبواسطة تطبيق هذه المهارات معًا، لا يمكن أن نفسرها إلا إذا قبلنا أن هناك طريقة–توجد–بها–الأشياء way–in–which–things–are، وأن في إمكاننا وضع أفعالنا وأفكارنا على خط هذه الطريقة التي توجد بها الأشياء. بحسب بولاني، حقيقةُ أن كل معرفتنا ضمنية من حيث الأساس، وأنها تعتمد في نهاية المطاف على وعي ثانوي بالخصوصيات في نطاق كيان شامل (أي الموضوع المركزي الذي نوجه إليه انتباهنا)، تعني أن لدينا علمًا ثابتًا يفوق قدرتنا على التعبير عنه بالكلمات. وتحديدًا لأننا نعرف أكثر مما نقدر على قوله، فنحن قادرون على الحكم على كفاية ما نقول بوصفه التعبير عما نعني. يمكننا أن نحدس الفجوة بين ما نعرفه وما نقوله. يكتب في "المعرفة الشخصية": "يجب أن نعتمد القدرة في أنفسنا على تقويم ما نتلفظ به. في الواقع، كل جهودنا من أجل الدقة تنطوي على ثقتنا في مثل هذه القدرة. إن إنكار امتاكنا إياها أو حتى الشك في ذلك، سيضعف الثقة في أي جهد في التعبير
(48) Polanyi & Prosch, p. 61.
عن أنفسنا تعبيرًا صحيحًا، وسينحلّ مفهوم الكلمات نفسه بوصفها ألفاظًا تستخدم على نحو متسق،
إذا ما أخفقنا في اعتماد هذه القدرة. لا يعني هذا أن هذه القدرة معصومة من الخطأ، لكنه يعني أننا قادرون على ممارستها، ويجب أن نعتمد في نهاية المطاف على ممارستنا لها. لا بد لنا من الإقرار بهذا إذا ما أردنا الكام إطاقًا". هناك بالطبع عدد من الطرق المختلفة التي يمكن أن تنشأ فيها فجوة بين ما نستطيع أن نقول وما نعرف. هناك مثاًالحالة الخالية من الإشكال نسبيًّا، وفيها يظهر شيء ما أول مرة في العالم أو يُاحظ أول مرة
بوصفه شيئًا لم يُاحظ من قبل ولا يكون له اسم. إنه لجزء من الواجبات الخاصة للشعراء والعلماء
والآباء والمعلنين معالجة هذا النقص في الأسماء في لغتنا. ولكن، هناك أيضًا حالات يقودنا فيها فهمنا المضطرب أو الناقص لحالة أو شيء ما، إلى استشراف الوصول لفهم واضح وكاف لها. في مثل هذه الحالات، ما نستشرفه هو توضيح إطارنا التأويلي، وما نعلمه أن أفضل ما يمكن أن نقوله الآن لم يصل إلى الجودة الكافية. مرة أخرى، يرى بولاني أن بنية المعرفة الضمنية هي ما يمكّننا من توقع الوصول إلى إمكانات التوضيح هذه. "يمكننا أن نركز انتباهنا على المعنى المشترك للخصوصيات، حتى عندما نفتقد البؤرة التي نتوصل بها إلى مركز ملموس. إنها تمثل قدرتنا على معرفة مشكلة ما. تحدد المشكلة فجوة داخل كوكبة من المفاتيح التي تشير إلى شيء غير معلوم. إذا ما اعتبرنا أننا أمام مشكلة جيدة، فإننا نقصد ضمنًا أن هذا الامعلوم يمكن أن ينكشف بجهودنا الخاصة [...] أن التصدي للبحث عن حل لمشكلة، هو ادعاء التوفر على القدرة على إدراك الاقتراب المتزايد من حلها ما دام لا وجود لبحث قابل للنجاح من دون هذا المرشد". يبدأ كل بحث استقرائي من صياغة مشكلة، وهو ما يعني، إذا ما استخدمنا مصطلح بولاني، من استشراف اتساق بين الخصوصيات لم يسبق حتى الآن أن فُهم بصيغة موضوع بؤري تؤثر فيه. يوحي هذا الاستشراف لاتساق بين المفاتيح الأصلية بخطوط بحثية يجب، إذا ما كان الاستشراف صحيحًا، أن ينتج منها مفاتيح
أخرى نستطيع أن نعمل بها. وهذه المفاتيح الجديدة، بالاشتراك مع أية مفاتيح سابقة تبقى مقبولة، ستقودنا إلى استشراف مختلف نوعًا ما عن استشراف الاتساق، وهي بدورها ستوحي بخطوط بحث أخرى، وهكذا دواليك، حتى يظهر أخيرًا ذلك الاتساق المقنع للخصوصيات الذي يكون هو الحل للمشكلة.
نحن نستشعر طريقنا إلى النجاح. وبكلمات أخرى، بوساطة التفاعل بين التخمينات العارفة التي تدفع قدمًا نحو المجهول، وعدد متزايد من المفاتيح المهمة التي تنكشف بفعل هذه التخمينات. لكن إمكانية تحقق أي نجاح يمكن أن نتلمس طريقنا إليه، بهذه الطريقة، يعني ضمنًا وجود واقع خارجي نستطيع التواصل معه. وسبب ثقتنا بمهاراتنا المتنوعة غير المحددة – في الواقع، نحن لا نفكر
(49) Polanyi, p. 91. (50) Michael Polanyi, Knowing and Being (Chicago: Chicago University Press, 1969), p. 171.
بها إلا بوصفها "مهارات" – أننا نؤمن، أو بالأحرى نكتشف، أنها تساعدنا على مواجهة عالم يقاوم ابتداء وصولنا إلى غاياتنا الشخصية. بعبارة أخرى، عالم لم نصنعه نحن. وهكذا، كما يوضح بولاني، نؤمن أيضًا أن "العقانية المتجلية" لمفاهيمنا "تعود إلى كونها تتصل بميادين في الواقع لا تُدرك [العقانية] إلا جانبًا واحدًا منها". وكل مهارة نجهد أنفسنا لاكتسابها، نسعى إليها من أجل مواجهة أكثر فاعلية
مع جانب معين من هذا الواقع الخارجي. وأي تحوير لإطارنا المفهومي هو تحوير نعتمده على أمل أن نحقق بوساطته درجة أقرب من التواصل مع هذا الواقع الخارجي. لهذه الحقيقة نتائج بالغة الأهمية لفهمنا اللغة. فهي تعني، مثا، أن علينا ألّ نفكر في الكلمات بوصفها رموزًا مائمة تُستخدم وفق قواعد تقليدية كليًّا. إذا كانت اللغة لا تعكس الواقع نفسه من دون شك، بل
كثيرًا مما تعلمناه في سياق عملية محاولتنا فهم الواقع، فإن أي تعديل غير مدروس للغتنا سيكون كفيا
بأن يؤدي إلى الحط من قدرتها على النفع. يخبرنا بولاني أنه خطأ كبير أن نفكر في المصطلحات العامة بوصفها أسماء تشخص مجموعات متأسسة تقليديًّا من الموضوعات؛ مجموعات يمكن، في الحصيلة، أن تتسع، تتقيد، أو تتغير كليًا، اعتمادًا على ميولنا. لا يمكن الموضوعات المشار إليها بالمصطلحات
العامة أن تتحدد بوصفها تابعة إلى مجموعة من هذا النوع أو ذاك مسبقًا، قبل أن نلتقيها في العالم. ندرك أن كل إنسان جديد نلتقي به، مثا، هو إنسان لا لأنه عضو في مجموعة متأسسة تقليديًا (يمكن أن نقرر تغيير هذه المجموعة في نقطة معينة فنجعلها تضم الأندرويد وتستثني اليابانيين مثا)، ولكن لأنه عضو في نوع حقيقي، مرتبة من الموضوعات لا بد من فهم صفاتها المشتركة بوصفها جانبًا واحدًا من الواقع.
كوننا نعتقد أننا نتعامل مع كيان واقعي، عندما ننظر في مرتبة من الموضوعات مثل "بشر" أو "أشجار" أو "كواكب"، يتأكد على الأقل عبر توقعنا أن أفراد هذه المرتبة سيشتركون في "نطاق غير محدد من الخواص التي لم تتكشف بعد"، وهو ما يمكن أن تكشف عنه بحوثنا المستقبلية. لكن وجود أنواع حقيقية لا يكفي بالطبع في حد ذاته لضمان أن تكون المصطلحات العامة ذات معنى. يعادل هذا في الأهمية قدرتنا على الحكم بقبول استخدام كلمة معطاة في حالة غير مسبوقة بوصفه مائمًا. يفسر بولاني مرة أخرى هذه القدرة عبر صيغتَي الوعي البؤري والوعي الثانوي. "مفهومنا عن الشجرة على سبيل المثال [...] ينجم عن دمج ضمني لتجارب لا حصر لها لأشجار مختلفة وصور وتقارير عن أخريات: النفضية، دائمة الخضرة، المستقيمة والمنحية، المنجردة والمورقة. كل هذه المشاهدات متضمنة في تشكيل مفهوم الشجرة، وكلها تستخدم على نحو ثانوي يؤثر في [...] ما نعنيه بالكلمة 'شجرة"'. نستطيع، وقد أسسنا لهذا المعنى بوساطة دمج ضمني لتجارب سابقة، أن نقرر بعدها إن كان موضوعًا جديدًا نشاهده في العالم، يشترك في الخواص الجوهرية التي تجعله شجرة. يمكن بالطبع في أية حالة
(51) Polanyi, Personal Knowledge , p. 104. (52) Polanyi, Knowing and Being , p. 149. (53) Ibid., p. 191.
معطاة أن يكون حكمنا على الحالة خاطئًا؛ كأن لا يكون الموضوع الذي شاهدناه لأسباب متنوعة شجرة بالرغم من استنتاجنا أنه كذلك. ومن الممكن أيضًا، وهذا النوع من الخطأ ذو أهمية أكبر بكثير، أن يكون مفهومنا عن الشجرة نفسه غير متسق؛ نتيجة لوجود اختافات أساسية أو غير ملحوظة بين الأشياء التي اعتدنا عليها بوصفها ثانوية خال عملية الدمج. ولكن، إذا ما وقع أي من هذه الأخطاء، فإن دراسة أوسع للأشياء التي بقينا حتى الآن نسميها "أشجارًا" ستظهر هذا التنافر للعلن. سنكتشف أن واحدًا أو أكثر من الأشياء التي بقينا نشير إليها بهذه الطريقة، ليس لها في الواقع أي شيء مشترك مع البقية، وأنها ربما تكون أقرب إلى نوع آخر من الأشياء ويكون من المائم أكثر لو أنها صُنّفت على أساس أنها منه. لا يوجد ضمان، عدا إحساسنا أن ما نفعله مائم، وأن أي تطبيق معطى لمصطلح عام على موضوع نشاهده حديثًا، سيكون صائبًا. قدرتنا على العثور على الكلمات التي تعبر بدقة عن الواقع الذي نسعى
إلى التعبير عنه غير مضمونة. ولكن ما دمنا مهتمين حقًا بتحقيق أكبر قدر من الدقة الممكنة في أفكارنا وتعابيرنا، فلن يوجد خطأ في استخدامنا للغة لا يكون قابا للتصحيح. إذا ما قمنا، من جانب آخر، بالانتقاص من فكرة الدقة نفسها مجادلين أن الكلمات لا تعني إلا ما نريد لها أن تعنيه، وأن الأنواع والفئات من الأشياء التي تشير إليها قد تأسست على أساس المواضعة، يصبح من المستحيل علينا أن نقول أي شيء يجانب الصواب، إلا بقدر عجزه عن حيازة القبول في الممارسة اللغوية لأغلبية الناس الذين يتكلمون لغتنا. بهذه الطريقة، لن يوجد سبيل أمام شخص واحد يعارض ألفًا يرفضون الاتفاق معه بالرغم من أنه يمكن أن يكون على صواب. لن تكون شجرة الصنوبر شجرة إذا ما قال الأغلبية إنها ليست كذلك. لهذا، فإن القول المتشدد بالمواضعة في معنى الكلمات يقود مباشرة إلى الرأي النسبوي للعاقة بين اللغة والحقيقة. لا سبيل إلى إنكار أن أفكارنا وأفعالنا شديدة التأثر باللغة التي يتصادف أننا نتكلمها. لا ينطوي هذا، بحسب رأي رورتي، على أن كل اللغات تمتلك المستوى نفسه من الشرعية، لكنه يعني أن علينا أن نحذر كل الحذر في اختيار لغتنا وتعديلها. "ذلك لأن مختلف المصطلحات تقرر مختلف النماذج من الانفعالات والأفعال الممكنة. لا يمكننا أن نحرق الناس على أساس أنهم سحرة إلا إذا كنا نؤمن بالسحر، ولن نبني الكنائس إلا إذا كنا نؤمن بالرب، وإذا كنا ممن يؤمنون بالأجناس المتفوقة يصبح متاحًا لنا إبادة اليهود والبولنديين، وإذا كنا نؤمن بالحرب الطبقية يمكن أن ننتمي إلى الحزب الشيوعي، وإذا كنا نؤمن بالذنب فإننا سنؤمن بالتوبة ونعاقب المسيئين، وإذا آمنا بعقدة الذنب فإننا يمكن أن نطبق التحليل النفسي بدلً من ذلك". واضحٌ أن اختيارنا أيَّ سلوك نتبنى في هذا المجال ليس من الأمور التي تؤخذ ب مبالاة.
(54) Ibid., p. 112.
"من الهراء مثا أن نقارن ماءمة تأويل لحالة موت مفاجئ بلغة السحر، مع ماءمة استخدام لغة الطب بدلً من ذلك، أو مقارنة ماءمة وصف المعارضين السياسيين بأنهم كذلك مع وصفهم بالجواسيس، الوحوش، أعداء الشعب... إلخ. اختيارنا لغتنا مسألة حق وباطل، صواب وخطأ – حياة وموت". والسبب في هذا، بالطبع، أن لغتنا تعكس ما تعلمناه أو أخفقنا في تعلمه عن طبيعة الواقع. إذا كان في الإمكان تحوير لغتنا، كما يجادل كل من بولاني وغادامير، بطريقة تسمح بدمج ما نكتشفه في سياق عملية طرح دائم للأسئلة وسبر لطبيعة الأشياء، فإن الحاجة إلى افتراض أننا لا نستطيع على الأقل أن نقترب من فهم صحيح ومائم لطبيعة العالم، تنتفي. وإذا كانت لغتنا قابلة لأن تتحسن من دون حدود في هذا الجانب، فإن ما بقينا نعده المشكلة المركزية التي تقف في طريق بحثنا عن الحقيقة – استحالة أن نجد نقطة انطاق تخلو من الافتراضات المسبقة لتدبّرنا – يتضح أنه ليس مشكلة على الإطاق. يحتوي كل نظرٍ بشري إلى العالم بالفعل على مقياس معين من الاستبصار الحقيقي، وقدرٍ معين من سوء الفهم والاضطراب. لكن قابلية اللغة لإصاح تعني ضمنًا أننا ما دمنا نلتزم بمثال إنصاف النظام الكامل لما جربناه بالفعل، فإن في إمكان أي نظرٍ أن يخدم كنقطة انطاق يمكننا بها المضي نحو الحقيقة. لكن هذه الحقيقة التي نأمل في مقاربتها لم يعد ممكنًا التفكير فيها بوصفها تطابقًا مستقيمًا بين أفكارنا
وحالة العالم في ذاته الفعلية. ما نحتاج إليه تعريفٌ للحقيقة يأخذ في الحسبان حقيقة أننا لا نتوفر على مُوصّل إلى الموضوعات المستقلة عن العقل، التي يُعتقَد عادة أنها تؤلف العالم في ذاته. قدّم هياري
بوتنام Putnam Hilary (1926–2016) في مناقشته للواقعية الداخلية في كتابه العقل والحقيقة والتاريخ مثل هذا التعريف، وهو تعريف لن يجد بولاني وغادامير أية صعوبة في قبوله. فبحسب بوتنام، يجب أن تُفهَم الحقيقة على أنها "نوع ما من القبول العقاني (المثالي). نوع من الاتساق المثالي لقناعاتنا فيما بينها ومع تجاربنا؛ كون هذه التجارب هي نفسها ممثلة في نظامنا العقائدي". "ما يجعل مقولةً أو نظامًا كاما من المقولات، نظرية أو خطة مفهومية، مقبولة عقليًا، هو إلى حد
بعيدٍ اتساقُها وماءمتها؛ اتساق قناعات 'نظرية' أو أقلّ اتص لً بالتجربة بعضها مع البعض الآخر، ومع قناعات أكثر اتص لً بالتجربة، وكذلك اتساق القناعات التجريبية مع القناعات النظرية. إنَّ مفاهيمنا عن الاتساق والقبول [...] وشيجة الصلة بحياتنا النفسية. إنها تعتمد على بنياننا البيولوجي والثقافي. وهي ليست بأي حال من الأحوال 'مجردة من القيم'. لكنها مفاهيمنا نحن، وهي مفاهيم عن شيء واقعي. إنها تعرّف نوعًا من الموضوعية، موضوعية بالنسبة إلينا". لأن الوصول إلى الموضوعية بالنسبة إلينا، يمكن أن يجري بدرجات متفاوتة، فإنه من الممكن تخيل الوصول إلى شكل مثالي منها، أي اتساق وماءمة بين قناعاتنا وتجاربنا لا يمكن تحسينه أكثر، وهو
(55) Ibid., p. 113. (56) Hilary Putnam, Reason, Truth and History (Cambridge: Cambridge University Press, 1981), pp. 49–50. (57) Ibid., p. 54–55.
بذلك سيكون بالنسبة إلينا معرفة كاملة بالعالم الذي نجربه (يمكن أن يكون هذا بالطبع أيضًا هو الحقيقة كما يعرفها بيرس؛ الرأي الذي يُقدّر له أن يلقى القبول لدى كل من يقوم بالبحث في نهاية المطاف). ولكن قبل أن نخلص إلى أن الحقيقة بوصفها قبولً عقانيًا، اتخذ صفة مثالية متاحة لمقاربتها، علينا
أن نجيب على النقد الموجه إلى رأي بوتنام الواقعي الداخلي في كتاب الفلسفة ومرآة الطبيعة بحسب رورتي، "فالفرق بين المذهب الواقعي 'الميتافيزيقي' المشجوب، والمذهب الواقعي الداخلي غير المختلف عليه، هو الفرق بين القول إننا نمثل بنجاح طبقًا لمصطلحات تمثيل الطبيعة ذاتها، والقول إننا نمثل بنجاح طبقًا لمصطلحاتنا نحن. وبصورة تقريبية نقول: هو الفرق بين العلم كمرآة للطبيعة، والعلم كمجموعة من المصورات النافعة التي هدفها أن تكون على مستوى مسائل الطبيعة. غير أن القول إننا على المستوى، بفضل أضوائنا هو قول صادق، لكنه تافه". في تقدير رورتي، إن المشكلة الرئيسة في الموقع الواقعي الداخلي أنه يحافظ على التمييز المفهومي خطة –واقع، من دون أن يمتلك أي شيء يقوله لتوضيح الكيفية التي ترتبط بها خطة التمثيات التي نستخدمها، بالواقع الذي يُفترض أنها تمثله. وفضا عن ذلك، ارتباطها بالواقع الذي يُفترض أنها تمثله على نحو أفضل مما تفعل الأشكال السابقة عليها من الخطط. بالطبع، لا تنفرد بهذا الإخفاق الواقعية الداخلية، لأن رورتي يرى أن لا وجود ببساطة لأي شيء قادر على الإضاءة يمكن قوله بصدد هذه العاقة. ولكن، كما يجادل، لأن الحالة هكذا، فإن علينا أن نتخلص من التمييز خطة – واقع، كليًا.
وهو ما يتضمن الإقرار، بين أشياء أخرى، بأن "الطبيعة ليس لها طريقة مفضلة لتمثيلها". ولا يمكنها الاستجابة لما هو أفضل أو أسوأ إلا "بالمعنى البسيط، أي قدرتنا على امتاك قناعات أكثر أو أقل صحة من سواها". لن يكون نقد رورتي للواقعية الداخلية مقنعًا إلا إذا اعتقدنا، شأن رورتي نفسه، أن المطلوب تفسيره (أو أن ما يتعذر تفسيره) هو: كيف يمكننا أن نعلم أن واحدة من عدة خطط مفهومية بديلة عديدة (عند النظر إليها تزامنيًا، وليسبوصفها خططًا في طور التغير)، تمثل الواقع على نحو أكثر دقة من الأخريات؟ من
الجليّ أننا لن نتمكن، من دون نوع متميز من مقاربة الواقع الذي يفترض تمثيله، من الدفاع عن الادعاء
أن هذهالخطة تتفوق على تلك على الأساس الصريح أنها تعكس في مرآتها الطبيعة على نحو أكمل. لكن المشكلة لا تكمن هنا. مما يبرر للواقعي الداخلي التمسُّكَ بالتمييز خطة – واقع؛ أن في إمكاننا
تحسينالخطط المفهومية بوعي (والمقصود هنا لا أكثر من أن عددًا أكبر من "القناعات الحقيقية" وعددًا أقل من "القناعات الزائفة" يتوافر لنا بفضلها). لأننا إذا ما توفرنا على قدرة تحسين خطة تمثيات ما، فإن هذا ينطوي على وجود واقع مستقل عن خطتنا بصيغة الفهم الذي يمكن أن يقال إننا نتقدم فيه عبر تعديل الخطة. وكون هذا النوع من التقدم ممكن في الواقع هو ما بقيتُ أحاول تقديمه بمعونة بولاني وغادامير. فضا عن هذا، فإن بولاني يوفر تحديدًا نوع الإضاءة المطلوبة بصدد سؤال: كيف
((5(رورتي، ص.400 ((5(المرجع نفسه، ص.402
يمكننا أن نعرف أن مراجعاتنا تمثل تحسينات في واقعها؟ وهو ما يشعر رورتي أننا لن نمتلكه. لا يمكننا القفز مباشرة من فهمنا المضطرب المحدود الراهن للعالم إلى حالة من الفهم الكامل المكتمل، الذي يمكن اعتمادًا عليه قياس مقدار الحقيقة الموجودة في موقعنا الأصلي. لكن في وسعنا "أن نستشعر طريقنا نحو النجاح" وندرك أننا حققناه أو اقتربنا من الوصول إليه أكثر مما كنا من قبل. لا يمكننا، بعبارة أخرى، أن ندعي أن خطتنا الجديدة قد حققت 60 في المئة من الصحة بينما الخطة السابقة بلغت 50 في المئة وحسب. لكن في إمكاننا الادعاء، بقدر معقول من الثقة بالنفس، أن خطتنا المراجعة تمثل تحسينًا على الخطة القديمة. في هذه الحالة، لا يصبح من المبرَّر تمسكُنا بالتمييز المفهومي خطة – واقع فحسب، بل سيكون
من الخطأ الفادح التخلي عن هذا التمييز. ذلك أن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يتيح تحسين فهمنا ويجعل الحفاظ على ما نعرفه الآن ممكنًا، هو تقديرنا لحقيقة أن خطتنا المفهومية تخفق في تمثيل كل ما يمكن أن يُفهم عن طبيعة العالم بدقة. بتعبير آخر، نحن نحتفظ بالتمييز، لنذكّر أنفسنا بأن المهمة لم
تكتمل، وأن ثمة هدفًا ينتظر السعي إليه، وأن ثمة، في نهاية مطاف البحث، خطة مفهومية، تمثل الواقع ب خلل.
References
المراجع
العربية
رورتي، ريتشارد. الفلسفة ومرآة الطبيعة. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،
غادامير، هانز جورج. الحقيقة والمنهج: الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية. ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح. بيروت: دار الكتاب الجديد؛ طرابلس: دار أويا،.2007
الأجنبية
Danto, Arthur & Robert Solomon. Nietzsche: A Collection of Critical Essays. Notre Dame: University of Notre Dame Press, 1980. Derrida, Jacques. Margins of Philosophy. Alan Bass (trans.). Chicago: Reprint. Publisher, University of Chicago Press, 1982. Feyerabend, Paul. Against Method. London: New Left Books, 1975. Gadamer, Hans–Georg. Philosophical Hermeneutics. David E. Linge (trans.). Berkeley: University of California Press, 1976. _______. Truth and Method. Garrett Barden & John Cumming (trans). New York: Seabury Press, 1975. Hartshorne, Charles & Paul Weiss. Collected Papers of Charles Sanders Peirce. Cambridge, MA: Belknap Press, 1965. James, William. The Principles of Psychology. vol. 2. New York: Dover Publications,
Polanyi, Michael & Harry Prosch. Meaning. Chicago: University of Chicago Press,
Polanyi, Michael. Knowing and Being. Chicago: Chicago University Press, 1969. _________. Personal Knowledge. Towards a Post–Critical Philosophy. Chicago:
Putnam, Hilary. Reason, Truth and History. Cambridge: Cambridge University Press,
Rorty, Richard. Consequences of Pragmatism. Minnesota: University of Minnesota
________. Philosophy and the Mirror of Nature. New Jersey: Princeton University
Sellars, Wilfrid. Science, Perception and Reality. London: Routledge & Kegan Paul;
University of Chicago Press, 1958.
Press, 1982.
Press, 1981.
New York: Humanities Press, 1963.