العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المفهوم المترحّل والمقاربة البينية: مفهوم

المفهوم المترحّل والمقاربة البينية: مفهوم

The Nomadic Concept and Interdisciplinary Approach: The Concept of "Fetishism" as a Model

خمسي الدريدي *

Khomsi Dridi *

الملخّص

تبحث هذه الدراسة في مسألة المفاهيم المترحّلة ودورها في تعزيز المقاربة البينية، مع التركيز على مفهوم الصنمية/ الفيتشية نموذجًا للمفهوم المترحّل. بناءً على ذلك، تطرح السؤالَين التاليَين: إلى أي مدى يسهم ترحّل المفاهيم في دعم المقاربة البينية؟ وما الخصائص الملازمة لمفهوم الصنمية التي تجعله قادرًا على أداء هذا الدور الوسائطي والبيني؟ ولتفكيك هذه الإشكالية، اعتمدت الدراسة بدايةً على مقاربة مفهومية، ثم تتبّعت مسار ترحّل هذا المفهوم، بدءًا من نشأته في مجال الأنثروبولوجيا مرورًا بالفلسفة الكلاسيكية والاقتصاد السياسي، وصولًا إلى الخطاب الجمالي في المجتمعات الحديثة "المبرمجة"، وأخيرًا إلى أهم الخطابات الحديثة التي ساهمت في إحيائه. وتُظهر أنّ مفهوم الصنمية، الذي تحوّل في بعض الخطابات إلى نظرية، يتمتع بخصائص تمنحه مرونة وقدرة على التكيّف والانزياح؛ ما يجعله قادرًا على تجسير الفجوة بين مختلف الخطابات المعرفية. ومع ذلك، تواجه الدراسة التحديات التي اعترضت هذا المفهوم، سواء على الصعيد المنهجي أو على مستوى الاعتراف المؤسساتي، على نحو يبرز أهمية استكشاف هذه الصعوبات والتعامل معها بعناية.

Abstract

Abstract: This study examines the issue of nomadic concepts and their role in promoting interdisciplinarity, focusing on the concept of fetishism as a model of a nomadic concept. Accordingly, the study poses the question: To what extent do nomadic concepts support interdisciplinarity? And what inherent characteristics of the concept of fetishism enable it to perform this mediatory and interdisciplinary role? To address this issue, the study initially adopts a conceptual approach and then traces the journey of this concept, starting from its origins in anthropology, through classical philosophy and political economy, to its adoption in the aesthetic discourse of "programmed" modern societies, and finally to the key modern discourses that contributed to its revival. The study demonstrates that the concept of fetishism, which has evolved into a theory in some discourses, possesses qualities such as flexibility, adaptability, and the ability to transcend boundaries, enabling it to bridge gaps between various intellectual discourses. However, the study also highlights the challenges this concept faces, both methodologically and in terms of institutional recognition, underscoring the importance of exploring and addressing these difficulties.

الكلمات المفتاحية:
  • البينية
  • الصنمية
  • الترحّل
  • نزع الأرضنة
  • التشيؤ
  • انزياحات المعنى
Keywords:
  • Interdisciplinarity
  • Fetishism
  • nomadic concepts
  • Deterritorialization
  • Reification
  • Semantic Shifts

The Nomadic Concept and Interdisciplinary

Approach: The Concept of "Fetishism" as a Model

مع التركيز على مفهوم الصنمية/ الفيتشية نموذجًا للمفهوم المترحّل. بناءً على ذلك، تطرح

السؤالَين التاليَين: إلى أي حدّ يسهم ترحّل المفاهيم في دعم المقاربة البينية؟ وما الخصائص

الملازمة لمفهوم الصنمية التي تجعله قادرًا على أداء هذا الدور الوسائطي والبيني؟ ولتفكيك

هذه الإشكالية، اعتمدت الدراسة بدايةً على مقاربة مفهومية، ثم تتبّعت مسار ترحّل هذا

المفهوم، بدءًا من نشأته في مجال الأنثروبولوجيا مرورًا بالفلسفة الكلاسيكية والاقتصاد

السياسي، وصولًا إلى الخطاب الجمالي في المجتمعات الحديثة "المبرمجة"، وأخيرًا إلى

أهم الخطابات الحديثة التي ساهمت في إحيائه. وتُظهر أنّ مفهوم الصنمية، الذي تحوّل في

بعض الخطابات إلى نظرية، يتمتع بخصائص تمنحه مرونة وقدرة على التكيّف والانزياح؛

ما يجعله قادرًا على تجسير الفجوة بين مختلف الخطابات المعرفية. ومع ذلك، تواجه الدراسة

التحديات التي اعترضت هذا المفهوم، سواء على الصعيد المنهجي أو على مستوى الاعتراف

المؤسساتي، على نحو يبرز أهمية استكشاف هذه الصعوبات والتعامل معها بعناية.

مقدمة

يُعدّ إبداع مفهومٍ ما حدثًا فكريًا بالغ الأهمية، أطلق عليه جيل دولوز Gilles Deleuze (1995–1925) "الحدث المفهومي" بوصفه حدثًا يؤسس لنقلة جديدة ونوعية في التفكير. وتزداد قيمة هذا الحدث كلما لاحظنا انتقاله المستمر من حقله الذي نشأ فيه إلى حقل آخر، ويمكن أن نسمّي حركته نحو أقاليم جديدة هجرة أو ترحّلًا أو ارتح ل Nomadisme؛ فما نلاحظه أن المفاهيم حيّة

تحلّق فوق الأقاليم، ليس استجابة لنداء ما، بل ربما يكون ذلك من أجل ترسيخ التفاعل بين الخطابات المعرفية وتداخلها وتكاملها، أو ما يطلق عليه "المعارف البينية"، وخاصة في هذا العصر الذي هيمن عليه "الفكر المبسّط" بعبارة إدغار موران Edgar Morin؛ فكر يصرّ على إقامة حواجز بين الخطابات

بصورة نهائية ودائمة، ويختزل الظاهرة في بعد أحادي ويسعى إلى الفصل بدلًا من التأليف، والحال أن الواقع على درجة من التركيب والتعقيد، بحيث لا يقدر خطاب واحد على تفكيك شفراته والإحاطة بآليات اشتغاله وتنوعّ مساراته. وإذا كانت "المقاربة البينية L’interdisciplinarity تكمن ضمن برنامج الحياة الفكرية المعاصرة" بعبارة جورج غوسدورف (2000–1912)، فإنه لا مناص من التفكير اليوم ضمن أفقها ووفق مقتضياتها. ويتمثّل مدار اهتمامنا في التساؤل عن إمكانية التفكير بوساطة المفاهيم المترحّلة في إقامة حوار وتفاعل بين خطابات في أفق بيني أو عابر للاختصاصات. ولمعالجة هذا الإشكال، سنأخذ نموذجًا من هذه المفاهيم المترحّلة، ألا وهو الصنمية أو "الفيتشية" Fétischism بحسب بعض الترجمات السيكولوجية. وما يسترعي الانتباه أنّ هذا المفهوم نشأ خارج أطر الفلسفة التقليدية، ومع ذلك فهو يستجيب لأهم رهاناتها، وخاصة منها النقدية والتحررية، وقد تبلور هذا المفهوم، كما بيّن ألفونصو إياكونو، في إطار الإثنولوجيا Ethnology بما هي خطاب يدرس

الأعراق القديمة، وتحديدًا الشعوب المسماة بدائية أو "متوحشة"، وخاصة مع الكاتب الفرنسي شارل دي بروس Charles de Brosses)1777–1709(، الذي دوّن أطوار العديد من الرحلات التي قام بها الأوروبيون، وخاصة البرتغاليين والإسبان، إلى غرب أفريقيا وبعض الجزر الآسيوية، ثم استعارت الفلسفة مع إيمانويل كانط (1804–1724) ودافيد هيوم David Hume (1776–1711) المفهوم ليعبّر

عن حالة اعتقاد بدائية. ثم اتخذ هذا المفهوم بعدًا نقديًا جذريًا بمجرد انتقاله إلى مجال الاقتصاد السياسي مع كارل ماركس Karl Marx (1883–1818)، الذي منحه وجهة جديدة تختلف اختلافًا

(1) Georges Gusdorf, "Passé, présent, avenir de la recherche interdisciplinaire," Revue internationale des sciences sociales , vol. 29, no. 4 (1977), p. 38.

(((الصنمية: مصطلح عربي يقابله في الفرنسية Fétichisme، وفي الإنكليزية Fetichism، وفي الألمانية Fetischismus، ونتفق هنا

مع المترجمين العرب لهذا المصطلح إلى "صنمية" والوارد خاصة في المجلد الأول من رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، لكارل

ماركس، ونذكر من هؤلاء على سبيل المثال فالح عبد الجبار، ينظر: كارل ماركس، رأس المال، المجلد الثالث: عملية إنتاج رأس

المال ككل، ترجمة فالح عبد الجبار (بغداد: دار الفارابي، 2021)؛ وفهد نقش، ينظر: كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد

السياسي، ترجمة فهد نقش، مج  1 (موسكو: دار التقدم، 1985)؛ وراشد البراوي، في: فريديريك إنجلز، التفسير الاشتراكي للتاريخ، ترجمة راشد البراوي (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1947). غير أنّ بعض الباحثين في علم النفس، وخاصة علم النفس التحليلي

يميلون إلى نقل هذا المصطلح مباشرة "فيتشية".

(3) Alphonso Iacono, Le fétichisme, histoire d’un concept (Paris: PUF, 1992), p. 40.

نوعيًا عن منشئها الأصلي. ومن هنا فصاعدًا، سيظل هذا المفهوم مبطّنًا بهذه الشحنة النقدية كلما حّل

بخطاب أو إقليم جديد، سواء تعلق ذلك بالفلسفات الاجتماعية اللاحقة، مع جورج لوكاتش György Lukács (1971–1885) وأكسل هونيث Axel Honneth، أو التحليل النفسي الفرويدي أو الإستطيقا السالبة لتيودور أدورنو Theodor Adorno (1969–1903)، أو الأنثروبولوجيات الجديدة لجان بودريار Jean Baudrillard (1776–1711)، وتيتزيه دي بور Tjitze de Boer (1942–1866)... إلخ. ولأمر كهذا تساءل فريديريك دربالي عند معالجته العلاقة بين المفاهيم المترحّلة والمعارف البينية: "كيف

تتحرك المفاهيم والنظريات أو المناهج، وتنتقل فيما بينها وتتحوّل أثناء الانتقال من تخصص إلى آخر؟

وكيف تكون الممارسة البينية قيمة مضافة خّلا قة في إنتاج معارف جديدة، وأيضًا في تحليل وتفسير مسائل من المستحيل حلّها انطلاقًا من نظر تخصص واحد". وفي محاولة لاقتفاء ترحّل هذا المفهوم

ورصد أبعاد انزياحاته في علاقة بالمعارف البينية نطرح الإشكال التالي: بأيّ معنى يخدم الترحّل

المعارف البينية؟ وعلى نحو أدقّ، كيف أسهم "المفهوم المترحّل" (الصنمية/ الفيتشية نموذجًا)، في

إقامة هذا التفاعل بين خطابات متنوعة في أفق بيني؟ وما التحديات التي تواجه أيّ مفهوم مترحّل أو

مهاجر عند اضطلاعه بدور وسائطي بيني؟

أولا: مقاربة مفاهيمية: الترحّل والبينية والصنمية

1. الترحّل من الفكر إلى المفهوم

للترحّل معانٍ عديدة، وفي لسان العربنجد بعضًا منها؛ "فارتحل فلان فلانًا إذا علا ظهره وركبه[...]

وقيل معنى ترحّلهم أي: تنزلهم المراحل، وقيل: تحملهم على الرحيل [...] ورجل رحول وقوم

رحل أي: يرتحلون كثيرًا [...] والترحل والارتحال: الانتقال وهو الرحلة [...] والمُرتحل: نقيض

المُحل". يسترعي الانتباه في هذه التعريفات للارتحال التركيز على البعد الحسي؛ أي التنقّل في المكان. خلاف ذلك يبدو المعنى الروحي للترحّل من أوكد اهتمامات الصوفي الذي يتجاوز في الغالب المواضعات

في التعريف، ولعلّ هذا ما نلمسه لدى محيي الدين بن عربي (638–558 ه/ 1240–1165 م)، فالترحّل

لديه هو سفر، والسفر سنّة كونية ومصير محتوم لا يقتصر على معنى أو شخص أو جماعة، بل يخص البشرية قاطبة: "وعلى الحقيقة، فلا نزال، في سفر أبدًا من نشأتنا ونشأة أصولنا إلى ما لا نهاية له، إذا

لاح لك منزل تقول فيه هذا هو النهاية، انفتح عليك منه طرائق أُخر، تزوّدت منه وانصرفت فما من

منزل تشرف عليه، إّلا ويمكن أن تقول هو غايتي، ثمّ إنّك إذا وصلت إليه، لم تلبث أن تخرج عنه

راحل "، يبدو عندئذ الوجود في سفر لا في إقامة، ليس السفر أو الترحّل مجرد حركة في المكان،

(4) Frédéric Darbelly, La circulation des savoirs. Interdisciplinarité, concepts nomades, anaalogies, métaphores (Lausanne, Switzerland: Peter Lang Verlag, 2012), p. 13.

(((محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، ج  11، ط 3 (بيروت: دار الفكر، 1994)، ص.276 (((محيي الدين بن عربي، رسائل بن عربي (بيروت: دار الكتب العلمية، 2001)، ص.351

إنه رحلة وجودية روحية ومعرفية أعمق. وإجم لًا يبدو سفر/ ترحّل السالك بالمعنى الصوفي سفرين:

سفر في الكون، وهو سفر خارجي يساعد السالك على معرفة عظمة الخلق؛ وسفر في النفس، أي سفر داخلي يفضي إلى معرفة الذات والخالق، وهكذا، فإنّ السفر، مهما  كان معناه، فإنّه يؤدي إلى معرفة الحقّ. عمومًا، استخدم العرب قديمًا معنى الترحّل والارتحال تعبيرًا عن السفر معنى وحًّسًا، سواء في

التصوف أو الأدب أو الشعر أو الفلسفة... إلخ، وحديثًا، قد يكون دولوز أبرز من حوّل "الترحّل" إلى

إشكالية فلسفية في ظل تأثير جليّ لفريدريك نيتشه Friedrich Nietzsche (1900–1844)، تحديدًا في

كتابه: ألف هضبة Mille Plateaux (1980)، حيث يقدّم مفهوم "نزع الأرضنة" Déterritorialisation

و"الترحّل" Nomadisme باعتباره نمطًا لمقاومة كل أشكال البنى المستقرّة للدولة، وأيضًا في مقال

مهمّ بعنوان: "الفكر المترِّحِل"، ويقرّ فيه بأنّه إذا كان نيتشه لا ينتمي إلى الفلسفة فربّما لأنّه الأوّل

الذي تصوّر ضربًا من الخطاب الذي يكون مناهضًا للفلسفة؛ أي لخطاب مترحّل لا تكون قضاياه من

إنتاج "الآلة العقلانية البيروقراطية، أي من تأليف هؤلاء الفلاسفة بوصفهم بيروقراطيي العقل المحض، ويُقصد بهم الفلاسفة المثاليون، من أفلاطون Platon (427 ق.م 347–ق.م) إلى كانط، إنها على خلاف

ذلك، من إنتاج "آلة الحرب المتحرّكة [...] ربما يعود عمق نيتشه إلى قطعه مع طائفة من الفلاسفة،

وتحديدًا إلى جعله من الفكر آلة للحرب، جعله من الفكر قوة مترحّلة ". وتبعًا لهذا المنظور، جعل

دولوز من فلسفة نيتشه نموذجًا للفكر المترحّل، فهو الذي "نزع الأرضنة" عنها كي تنتقل إلى آفاق

جديدة، فلا غرابة أن نجد أطروحاتها ومجازاتها ومقالاتها محلّ اهتمام الموسيقي والسينمائي والناقد الأدبي والسيميولوجي... إلخ. فاضلًا عن ذلك، فإنّ نيتشه اشتغل، استنادًا إلى المنهج الجينيالوجي، بانتقال المفاهيم والأحكام الخلقية عبر التاريخ، "فالمفاهيم تهاجر كما الإنسان، إنها تتغيّر وتتقنّع وتتخذ نبرات جديدة، وأحيانًا،

تتيه في الطريق"، وفي ذلك دلالة على نسبيتها، وأنها تتكوّن تدريجيًا من خلال التجارب والحاجات

العملية، فهي ليست حقائق ثابتة وأزلية البتة. وبذلك، تهاجر المفاهيم والأحكام الخلقية عبر الزمن، وما يبدو عيبًا في زمن قد يبدو فضيلة في زمان آخر. واستلهامًا من تقاليد فلسفية متنوعة تنهل من نيتشه وموريس ميرلوبونتي Maurice Merleau–Ponty

وجان باتوشكا Jan Patocka (1977–1907) مرورًا بدولوز، عمل الباحث التونسي عبد العزيز العيادي

جاهدًا على بلورة "فلسفة مترحلة" من أجل تشخيص عالمنا الراهن؛ فلسفة لا تستقر عند نسق،

. Gilles Deleuze, "Pensée nomade," in: L’Ile déserte et autres textes (1953–1974) (Paris: Minuit, 2002) ((ينظر:((8) Ibid., pp. 361–362.

(((ينظر: الفصل التاسع، الفقرة 638، في:

Friedrich Nietzsche, Humain, Trop Humain, Angèle Kremer–Marietti (trad.) (Paris: Livre de poche, 1995), p. 422. (10) Abdelaziz Ayadi, Philosophie nomade, un diagnostic de notre temps , Préface d’Angèle Kremer Marietti (Paris: L’harmattan, 2009).

تشقّ طريقها بين الأفكار، دائمة الانفتاح، وفي حالة حركة دائبة. وهكذا، فإنّ الفلسفة لا تنظر إلى الترحّل هنا باعتباره نمط وجود وطريقة في العيش فحسب، بل أيضًا باعتباره مجازًا للتفكير في المعرفة

والوجود، ومن ثمة يتعقّل هذا النمط من الفلسفة الترحّل وسيلةً للقطع مع البنى المتكلسة للفكر

وأداةً للالتحام بالفعل والتعدد. وكما يقول مقدّم كتابه أنجيل كريمر ماريتي (2013–1927): "تطرح هذه الفلسفة (المترحلة) مسألة إيتيقية أساسية أو دنيا، لفعل مطيع للقيم السامية للحرية والإنصاف والحقيقة وللتضامن المزدوج البيولوجي والثقافي و[ال] منتظم ضمن تعايش التبادلات والتماسات المعنى وعطاءاته". وتتميز "الفلسفة المترحلة" ههنا بطابعها الخلاق؛ لأنها تبدع قيمًا داست عليها

الحداثة ولا تنفصل عن بعدها المقاوم، فهي "أفق بلا سقف" تتفكّر ما "هو خارج " Le dehors أو لنقل "المتخارج". وبنبرة غاضبة ساخطة، يقرر العيادي: إنها تسأل كلّ أطيافه وأشكاله، سواء تعلق الأمر ب "المتخارج عن الحداثة ألا وهو اللامفكر فيها، أو عن الفكر الذي يدفعه إلى التفكير [...] أو عن السلطة وهو المتمثّل في المقاومة، وعن الجمود وهو المتمثل في الحياة، وعن الامتلاء وهو الشرخ، وعن اليأس ألا وهو الغضب". وضمن هذا السياق نفسه، لا تركّز إليزابال ستينغرز على ترحّل الفكر والفلسفة بقدر انشغالها بترحّل المفاهيم، فهي تبدو، من هذه الجهة، أكثر تخصيصًا من غيرها عند دراستها لهذه الظاهرة الفكرية، ولا سيما حين أشرفت على موسوعة تكرّس هذا التوجّه المعرفي الواعد بعنوان: من علم إلى آخر،

المفاهيم المترحلة، تلاحظ ههنا أنه حين يهاجر مفهوم ما فإنه يغيّر من معناه ويتخذ دلالات جديدة

بحسب الأرض أو الإقليم الذي يحلّ به، ففكرة "مفهوم مهاجر" تتعارض مع الفكرة القائلة إن للمفاهيم تعريفات ثابتة وكونية. ويبدو المفهوم المهاجر من الطراز المغاير لبقية المفاهيم المألوفة، فهو شديد التأثر بالسياقات ويتطور بالاستعمالات، والمتأمل لحركيته يستخلص دون عناء أنه ذو قدرة عجيبة على تجاوز الحدود الفاصلة بين الخطابات، وذلك بتغيير معانيها، ومن هنا، ليست المفاهيم العلمية المهاجرة عامة مجرّد أدوات بسيطة ومحايدة تُستخدم لوصف الواقع وتصنيف مواضعه، بل إنها عناصر

تسافر بين الخطابات وتدرك وضعًا يصل حدّ تغيير معايير المعقولية العلمية، وهي بذلك حمّالة لرهانات معرفية كبيرة. وكما تقول ستينغرز "لا تحصل مواجهة المفاهيم فحسب ضمن مهمتها المتمثلة في تنظيم الحقل الظاهراتي على نحو تتمّ فيه صياغة الأسئلة الملائمة لموضوعاتها، بل النظر إليها كما لو كانت مشاريع ملتزمة، وحصيلة لطموحات ومحاولات غزو، وفي كلمة واحدة: لمغامرات حاملة لتغيير معايير العلمية La scientificité ". وضمن السياق نفسه، يندرج جهد موران الذي سبقها إلى تأكيد ثراء هذا التوجّه التفاعلي بين تخصصات

المعرفة حين خصص فصلًا في كتابه: مدخل إلى الفكر المركببعنوان: "المفاهيم المهاجرة"، ويؤكّد فيه

(11) Ibid., p. 6. (12) Ibid.. Isabelle Stengers, D’une science à l’autre. Des concepts nomades (Paris: Seuil, 1987) (1(ينظر:((14) Ibid., p. 13.

أن المفاهيم تهاجر، ومن الأفضل أن يحصل تحرّكها بصورة سرّية؛ لأنها بهذا التحرّك تسمح للخطابات

بأن تتخلّص من حالة الاختناق والانسداد التي تردّت فيها، ووفق عبارته: "يختنق العلم بشكل تامّ إذا لم تهاجر المفاهيم بصورة سرّية". ويلاحظ موران، بنبرة لا تخلو من طرافته المعهودة، أن أكبر الاكتشافات

هو الذي يكون ثمرة لارتكاب أخطاء في نقل المفاهيم من حقل إلى آخر، ولا بدّ من أن يكون الباحث موهوبًا حتى يرتكب هذا الخطأ الذي يغدو بمرور الوقت مثمرًا. لا شك في أن تثمين موران لظاهرة "هجرة

المفاهيم" يندرج ضمن مشروعه المنتظم حول بردايم "الفكر المركب" ويخدم مقاصده وغاياته، وهو فكر يقدّم نفسه على أنه يتوسط العلم والفلسفة، ومسكون بهاجس التفاعل بين الاختصاصات المعرفية وعدم اختزال الواقع ضمن بعد واحد. وتبعًا لذلك، نخلص إلى قناعة مهمة تقوم على التسليم بأنّ التداخل بين المعارف، أو لنقُل "المعارف البينية"، غدا واقعًا علميًا متأكدًا على إثر ما آل إليه "الفكر المبسّط" من أحادية

النظرة واختزالية التوجّه وتفقير للواقع العلمي. وبالأحرى، تكون "هجرة المفاهيم" أحد السبل المهمة من

أجل تجسير الهوة بين خطابات وتخصصات معرفية متباينة.

2. المعارف البينية

"يُعدّ موضوع المقاربة البينية "أحد مظاهر فكرة العلم ذاتها منذ جذور الثقافة الغربية. وإعادة إحيائه

اليوم يمكن اعتبارها ردّة فعل ثانوية على التفكك المحتوم الذي أصاب المشهد العلمي المعاصر،

وبحثًا عن تعويض، وإجراءً دفاعيًا عنيدًا، كما يرى غوسدرف؛ للحفاظ على نزاهة العلم وتكامل بنائه.

إجم لًا، يمكن تعريف البينية Interdisciplinarity على أنها نقطة التقاء بين خطابين أو أكثر سعيًا إلى

تبادل المعطيات وإثراء بعض المباحث وحلّ بعض المشاكل التي يتعذّر معالجتها من منظور أحادي ضيّق. وهذا التعريف الإجمالي لا يخفي غياب إجماع حول تحديد "البينية"، على الرغم من أن هذه

الممارسة صارت تفرض نفسها اليوم باعتبارها بردايمًا للبحث العلمي، على أنه يمكن تعيين توجّهين

في هذه الممارسة: يحدّدها الأوّل ليس انطلاقًا من تجاور العديد من الاختصاصات فحسب، بل

أيضًا بالعلاقات المتبادلة التي ينبغي أن يقيمها المختصون المهنيون المعنيون. بيد أن التوجّه الثاني

يُدرج "البينية" ضمن روح الاندماج، ويرى القائلون بهذا التوجّه أنّ "البينية" الحقيقية تتجسّم حين

تتجاوز آفاق كل اختصاص حدوده للاندماج ضمن واقع أكثر شمولية. ويبدو التوجّه الأول هو الأكثر

واقعية وشيوعًا في العلوم الإنسانية؛ أي البينية باعتبارها علاقات متبادلة لا باعتبارها اندماجًا كلًّّيًا بين

الاختصاصات. وإلى جانب مفهوم "الصنمية"، نذكر العديد من المفاهيم المترحلة أو المهاجرة التي تتحرك ضمن هذا الأفق البيني، والتي ذكرتها إ. ستانغرس وأوليفيه كريستين، في معجمهما حول المفاهيم المترحلة:

(15) Edgar Morin, "Les concepts migrateurs," in: Introduction à la pensée complexe (Paris: Seuil, 1990), p. 154. (16) Gusdorf, p. 12. (17) Yves Lenoir, "L’interdisciplinarité: Aperçu historique de la genèse d’un concept," Cahiers de la recherche en éducation , vol. 2, no. 1 (1995), pp. 227–265.. Olivier Christin, Dictionnaire des concepts nomades en sciences humaines , vol. 2 (Paris: Métailié, 2016) (1(ينظر:(

التنظيم الذاتي والفوضى والضمور والنوع والشخص والأمة والتعددية الثقافية... إلخ. ويمكن إضافة مفاهيم أخرى كاللاشعور والنسق. وتسمح المقاربة البينية بتجاوز تلك المقاربة الاختزالية للواقع التي تنتهي في الغالب إلى تشويهه بقصد الانتقال رأسًا إلى مقاربة شمولية ومنظومية Systémique

لهذا الواقع المركّب والمتعدد الأبعاد والمستويات، وكما يقول موران: "يمكن أن تقيم المعارف البينية تعاونًا مثمرًا، بيد أنها يمكن أن تظل سطحية إذا لم تتضمن تحويلًا وإحياء لاختصاصات في إطار

الالتقاء ببعضها". ونشير هنا إلى عدة آليات ومحددات تجعل من هذا الالتقاء ممكنًا بل ضروريًا بين المعارف أو الاختصاصات، أبرزها الاشتراك في موضوع البحث، وسحب منهج موحّد على

خطابات متنوعة مثلما نلاحظ ذلك في المنهج الوضعاني Positivist method الذي شهد تطبيقًا واسعًا في الفلسفة ومختلف فروع العلوم الإنسانية استنادًا إلى مبدأ إميل دوركهايم Émile Durkheim (1917–1858) الشهير، والقائل بضرورة معاملة الظواهر الإنسانية كما لو كانت أشياء، وما يترتب على ذلك من تطبيق المنهج التجريبي عليها. ونذكر أيضًا محدّدًا آخر لتجذير المقاربة البينية لا يقلّ

أهمية، ألا وهو الاشتراك في الموضوع، فمثلًا الإنسان هو وحدة غير قابلة للتجزئة، ومع ذلك تتناوله العلوم الإنسانية والبيولوجية من أكثر زوايا النظر اختلافًا، "ولا يمكن أن نأمل في تقدّم في تحليل مشكلة وحدة/ تعدد الإنسان كما عرضناها إّلا باللّجوء إلى اختصاصات متعدّدة، بعضها يعود إلى البيولوجيا (مثل علم الأوّليات Primate Science، والأنثروبولوجيا البيولوجية، وعلم الوراثة السكاّني،

والبيو  كيمياء، وعلم البيئة)، والبعض الآخر إلى العلوم الإنسانية (مثل الأنثروبولوجيا الثقافية، وعلم النفس، والتاريخ، وعلم الاجتماع). ولا يكفي الاقتصار على استدعاء هذه الاختصاصات حول مائدة مستديرة، ما يهمّنا هنا لا يتعلق بمجاورة هذه العوامل المعزولة لبعضها [...] بل يتصل بتفاعلاتها في

صلب نسق شمولي"، بعبارة موران وبياتلي بالماريني. ونضيف عاملًا آخر يرسّخ المعالجة البينية، يتمثّل في اعتراف أعضاء الجماعة العلمية بأهمية التخصصات المعرفية المجاورة وجدوى الإسهام الذي تقدّمه، وهذا ما يُطلق عليه بعضهم مقولة "الاعتراف المؤسساتي". وبناءً على ما سبق، "فإنّ موضوع المقاربة البينية لا يعني البحث عن أكبر قاسم مشترك، إنه يثير الفضاء الإبستيمولوجي الشمولي الذي تُبسط في صلبه المعارف الخصوصية باعتبارها دروبًا نحو المجهول".

((1(المقاربة المنظومية (أو السيستيمية) صارت تفرض نفسها اليوم على المنهجيات المعاصرة في الإنسانيات، وخاصة بعد ما تبيّن

بما لا يدع مج لًا للشك قصور المقاربة التحليلية التي تضرب بجذورها إلى رينيه ديكارت René Descartes (1650–1596)، وعلميًا

إلى التوجه الوضعي مع أوغست كونت Auguste Comte (1857–1798)، ويبرّر اللجوء إليها اليوم الطابع المركب للأنساق

والظواهر، فاضلًا عن كونها غير قابلة للتوقّع في طور مستقبلي لاحق، ومن أهم مفاهيمها نذكر: النسق والتركيب والتفاعل والأثر

الارتجاعي... إلخ.

(20) Edgar Morin, La méthode, Tome I, La nature de la nature (Paris: Seuil, 1998), p. 145. (21) Edgar Morin & Massimo Piattelli–Palmarirn, L’unite de l’homme , vol. 3 (Paris: Seuil, 1974), p. 208. (22) Georges Gusdorf, "Passé, présent, avenir de la recherche interdisciplinaire," in: Léo Apostel Léo et al. (eds.), Interdisciplinarité et sciences humaines , vol. 1 (Paris: Unesco, 1983), p. 48.

3. "الصنمية" نموذجًا لمفهوم مترحّل

مفهوم الصنمية أو الفيتشية هو نموذج حيّ للمفهوم المترحّل، وتشهد بذلك تاريخيًا حركيته بين

الخطابات. ووفق جان بويون (2002–1916) "لكلمة صنمية (أو فيتشية) استعمالات على غاية من الاختلاف على نحو يكون فيه من غير الممكن إيجاد تعريف موحّد لها". ويمكن هنا اعتماد

التحديد الذي وضعه المعجم الفلسفيلأندريه لالاند (1963–1867) باعتباره تعريفًا أوليًا ما دام هذا

المفهوم لا يتوفّر على معنى نهائي وثابت. إنه يعني "استعمال الأصنام Les fétiches (أو الأوثان) وعبادتها [...] أي الموضوعات المادية الصغيرة التي جرى اعتبارها تجسيدًا، أو على الأقلّ تطابقًا مع روح، وإثر ذلك، باعتبارها مالكة لسلطة سحرية". وبحسب المعجم الفلسفيلأندري كونت سبوفيل الذي أضاف هنا أبعادًا جديدة لهذا المفهوم، فإن الفيتيش Fétiche أو الصنم (أو الوثن) يعني "قطعة صغيرة من الواقع، نمنحها قدرات سحرية (وهذا هو المعنى الواسع للكلمة) أو قيمة فيها مبالغة (وهذا هو المعنى المجازي)، مثل الطوطم في الديانات البدائية، البضاعة أو المال بالنسبة إلى ماركس، واللباس أو جزء من الجسد بالنسبة إلى فرويد".

أما الفيتشية أو الصنمية فهي تفيد كما يقول سبونفيل: "أن نحب الموضوع بدلًا من الذات، الرمز بدلًا

ممّا يرمز إليه، أو الجزء بدلًا من الكلّ، مثال ذلك التمثال عوض الإله، القيمة التبادلية أو المال عوض

القيمة الاستعمالية أو العمل (ماركس)، أو اللّباس عوض الجسد برمّته أو الجسد الجنسي (سيغموند

فرويد Sigmund Freud (1939–1856) [...] وعمومًا الصنمية هي كلّ حبّ يظلّ سجينًا لموضوعه،

والذي يعتقد أنه تابع له". ومن منظور مؤرخ الأفكار رنهارت كوزلاك (2006–1923) فإنّ ما يميّز المفهوم عادة من المصطلح

العادي أو الكلمة هو أولًا، عموميته، وثانيًا، تعدد معانيه Généralité et polysémie؛ أي له مستويات

دلالية متنوعة ويحيل على أكثر من سياق ومستوى من الوجود، فمثلًا في سياقه الإثنولوجي، مفهوم الصنمية أو الفيتشية يعني أحد ضروب الاعتقاد الديني البدائي، وفي سياق التحليل النفسي، يفيد انحرافًا للدوافع الجنسية حيث ينتقل الانجذاب من موضوع مثير للشهوة الجنسية Erogène إلى موضوع جامد، (لباس أو حذاء لمحبوب... إلخ)، وفي الغالب يرمز إلى جزء من الجسد، ومن هذه الجهة، تبدو الصنمية سلوكًا منحرفًا Perversion ولا واعيًا يستدعي العلاج.

(23) Jean Pouillon, "Fétiches sans fétichisme," Nouvelle Revue de Psychanalyse , vol. 1, no. 2 (1970), p. 136. (24) André Lalande, Vocabulaire technique et critique de la philosophie , vol. 1, 2 nd ed. (Paris: PUF, 2010), p. 347. (25) André Comte–Sponville, Dictionnaire philosophique , 4 th ed (Paris: PUF, 2013), p. 518. (26) Ibid., p. 519. (27) Reinhart Koselleck, Contribution à la sémantique des temps historiques (Paris: Editions de l’EHESS, 1990), p. 182;

يستحضر كوزلاك قولة معبّرة لنيتشه: "جميع المفاهيم التي تلخص على نحو سيميائي عملية برمّتها، تبقى عصيّة على التعريف؛ لأّن

ما يمكن تعريفه هو فقط ما ليس له تاريخ". ينظر: Ibid., p. 109.

(28) Sigmund Freud, Trois essais sur la théorie sexuelle (Paris: Gallimard, 1989), p. 42.

يبدو أن التناول الفلسفي لمفهوم الصنمية يثير إشكاليات بالنسبة إلى الفيلسوف أو الباحث في العلوم الإنسانية، حيث يظل مربكًا لعدم استقرار تعريفه أو وضع حدوده بوضوح. ويمكن وصف حالته، باستخدام عبارة جيل غاستون غرانجي Gilles–Gaston Granger (2016–1920) بأنه لم يحقق بعد توازنه الإبستيمولوجي. لهذا السبب، جرى التعامل مع الصنمية في بعض الأحيان باعتبارها مجازًا، وأحيانًا أخرى باعتبارها مفهومًا، أو مسارًا أو نظرية. في ضوء هذا الغموض، يمكن فهم دعوة بعض

الباحثين، مثل الأنثروبولوجي الفرنسي مارسيل موس (1950–1872)، إلى التخلي عن استخدام هذا المصطلح بالكامل بسبب افتقاره إلى الدقة، في حين اعتبر فريدريك هيغل Friedrich Hegel (1831–1770) أن عبادة الصنمية تناسب وضعًا بشريًا يغيب فيه التاريخ، والوعي بالذات، أما إدوارد تايلور فقد ماثل بين الصنمية والإحيائية. واعتبر بعض المحدثين أن الانطلاق من الصنمية أو الفيتشية المقترنة بسلعنة Marchandisation كل شيء هو المقدّمة الضرورية لتقدّم المجتمع الرأسمالي (ماركس)، أو "المجتمع المبرمج" (أدورنو)، أو "المجتمع الاستهلاكي" (بودريار)، أو "مجتمع المشهد" (غوي دي بور). وهكذا، فإن مفهوم الصنمية يتقاطع دلاليًا مع مفاهيم مهمة مثل السلعنة والاغتراب والتشيؤ

والاستلاب... إلخ، من دون أن يفقد ههنا أصالته وطابعه الخصوصي والملتبس في بعض الأحيان. وكما ذهب إلى ذلك بول لوران أسّون، فإنّ (مفهوم الصنمية) "نموذج للمفهوم الجامع بين التخصّصات

Interdisciplinary، إن لم نقل الموسوعي الذي يتطلّب التحرّك جيئة وذهابًا بين الاستعمالات

والأنظمة المفهومية الأكثر تنوّعًا وتضامنًا في آن واحد".

ثانيًا: مسيرة ترحّل مفهوم "الصنمية"

1. الصنمية: من الحقل الإثنولوجي إلى الفلسفة

كان فريديريك دربالي محًّقًا حين أقرّ بأنّ "الاهتمام بإشكالية انتقال المعارف هو في المقام الأول

مجابهة مفهوم متعدد الأشكال"، فمفهوم الصنمية في شكله المتعدد متحوّل وتنتظم حول انزياحاته

معارف متنوّعة منذ تكوّنه الأوّل إلى آخر تشكيلة خطابية تحرّك في صلبها. يعود الأصل الاشتقاقي

لمصطلح Fétichism إلى Fétich أو Feitiço، وتحيل في اللغة البرتغالية على الشيء المصنوع أو المصطنع، أو حتى ما هو خاطئ جرى التلاعب به بوساطة التقنيات السحرية. وأوّل من صاغ مصطلح الصنمية أو الفيتشية هو شارل دي بروس، عام 1760، في كتابه: في عبادة

الآلهة الصنمية Du culte des dieux fétiches. وهو سياسي وإثنولوجي، حاول دراسة هذه الظاهرة

((2(يقول مارسيل موس (1950–1872): "ينبغي أن يختفي مصطلح فيتشية نهائيًا من العلم [...] فهو لا يناسب شيئًا محدّدًا[...]

فهذا الموضوع الذي يستخدم بوصفه صنمًا قد جرى تحديده بوساطة شفرة السحر والدين". ينظر:

Marcel Mauss, Œuvres II (Paris: Minuit, 1969), pp. 244–247. (30) Paul Laurent Assoun, Le fétichisme (Paris: PUF, 1994), p. 5. (31) Darbelly, p. 12.

الدينية من خلال تدوينات الرحالة البرتغاليين حول السكان الأصليين في غرب أفريقيا. وقد حدد الصنمية أو الفيتشية بوصفها شكلًا من الديانة البدائية، تكون في ظلّها موضوعات العبادة (كائنات حية أو جامدة) محل تأليه أو قداسة. وسعى في الآن ذاته إلى تمييز الصنمية من عبادة الأصنام Idolâtrie حيث تكون للصنم في إطار الصنمية وظيفة تمثّل، ولا تكون لهذا الشيء أو موضوع العبادة أيّ

وظيفة رمزية، وبذلك تختلف الصنمية، وفق دي بروس، عن عبادات المصريين القدامى وعن ديانات الوحي، بل حتى عن الديانات البدائية. ويعتبر، في المقابل، الصنمية "عبادة طفولية" تنحصر في تعظيم شيء ما أو إجلاله، وهي ديانة غير نظرية ناجمة عن مسار أعمى اندفاعي وعاطفي مصحوب بمجموعة من الانفعالات والحاجات والمخاوف. استعاد ديفيد هيوم David Hume (1776–1711) من دي بروس مصطلح الصنمية، واضطلع بمعالجتها من منظور فلسفة الأديان في اتجاه تجذيرها، وبالنسبة إليه يوجد منذ البدء دين حقيقي منزّه،

ثم سرعان ما انحلّ بفعل تطور التاريخ إلى "ديانات مشوّهة"، كديانة الطبيعة أو الطوطمية أو الصنمية

أو الإحيائية... إلخ. ولم يذهب دي بروس إلى اعتبار الدين البدائي الأول متمثّلًا في تعدّد الآلهة

كما زعم هيوم، بل على خلاف ذلك، أرجعه إلى الصنمية بوصفها نمطًا من التديّن البدائي والكوني،

والتي تعكس علاقة حدسية وعفوية بالعالم. ووفق منظوره، يتعلّق السكان السود بوصفهم السكان الأصليين بغرب أفريقيا بالأشياء والحيوانات بصورة عشوائية وفي غياب تام للتعقّل والذكاء، فنحن هنا إزاء فكر بدائي تمثّل الصنمية التعبير البسيط عنه، وحيث لا نعثر فيه على أيّ أثر للعقل أو التبصّر، بل نتبين فحسب تأثير الخوف والجنون.

ويقتضي هذا الفكر البدائي القول إن العبادة الصنمية تحصل بصورة مباشرة؛ أي إنّ البدائي يتوجّه إلى

الشيء من دون أن يتوجّه إلى تمّثلّات متجسدة فيه. ويرى دي بروس أنّ الصنم أو الشيء المتشيّئ

Fetish لا يمتلك أيّ بعد رمزي في عيون الأفارقة السود. وقد استخدم كانط مفهوم الصنمية/ الفيتشية في كتابه الدين في حدود مجرّد العقلمعتبرًا هذه الحالة

ناجمة عن الحاجة إلى إشباع بعض الرغبات بصورة مباشرة، ويجعل هذا منها دينًا فاقدًا للأسس

الأخلاقية. وبحسب قوله: "إن الإنسان الذي يستخدم أفع لًا لا تمتلك في حدّ ذاتها أيّ شيء مفيد لله،

كوسائل للحصول على الرضا الإلهي، ومن ثمّ لإشباع رغباته، هو يقع في وهم امتلاك فنّ يتيح له أن

ينتج تأثيرًا ما فوق طبيعي بواسطة وسائل مادية خالصة، وقد تعوّدنا على تسمية محاولات من هذا النوع

بالسحر [...] وسنقوم بالاستعاضة عن هذا المصطلح بمصطلح آخر معروف بالصنمية Fétishism ". وفي تقدير كانط، الصنمية أو الفيتشية هي موقف سحري يتمثل في "صنع آلهة"، ومن ثمّ، فإنّ الصنم أو

Fetish لا يندرج ضمن مسار السموّ الأخلاقي بالكائن البشري أو ضمن سيرورة السعي إلى متابعة سلوك

يكون متطابقًا مع العقل العملي، بل ضمن إشباع لمبدأ اللذة والمكافأة المباشرة، وهذا يجعل منه نظيرًا

مغتربًا للدين الحقّ، وفق عبارة كانط. تبدو الصنمية عندئذ ظاهرة دينية لا معقولة ولا أخلاقية ومنحطّة،

(32) Immanuel Kant, La religion dans les limites de la simple raison (Paris: Vrin, 1994), pp. 232–233.

ولا يتردد كانط في استخدام مصطلح الصنمية لوصف بعض مظاهر الدين في عصره، مثل الكهنوت الذي يعمل على مدح الإله من دون أن يكون له علاقة بالسلوك الأخلاقي. غير بعيد عن المنظور الكانطي، حاول هيغل دراسة الصنمية من زاوية فلسفة التاريخ هذه المرّة، ففي

كتابه العقل في التاريخاعتبر أن الصنمية قدرة ذاتية لدى الإنسان يجري إسقاطها على موضوعات لتكتسي ضربًا من الفضيلة الخارجية. إنّ الصنم (أو الموضوع الفيتشي) هو صورة أو هالة قدسية

يجري منحها للموضوع الذي يحلّ فيه أوّلًا، ويجري "الارتقاء به إلى طور العبقرية". ولعلّ

ما يضفي طرافة على طرح هيغل هنا هو قوله إنّ الصنم The fetish يظلّ صورة ويبقى محدّدًا بإرادة مالكه من البشر. إن الحضور الموضوعي الخارجي للصنم (أو للشيء الفيتشي) يوحي باستقلاليته، بيد أنّ هذه الموضوعية الزائفة ليست سوى نتيجة لأهواء الشخص الذاتي الذي يتمثّله، فهذا الشخص هو في نهاية المطاف سيّد على صورته أو موضوعه الفيتشي، فإذا حصل مثلًا إزعاج لم

يتمكّن الصنم من السيطرة عليه، أو إذا تراجعت كمّيات الأمطار أو إذا تدنّت المحاصيل الزراعية،

فإنّ السكان يضربون الصنم أو يحطّمونه أو حتى يُنشئون صنمًا آخر، ولديهم القدرة على فعل

ذلك وتكراره كما يرى هيغل الذي يتبنّى هنا التصوّر الأداتي للصنم: بمعنى اتخاذه وسيلة لتحقيق

الرغبات. عمومًا، إنّ الصنم قبل أن يكون موضوع عبادة ليس سوى القدرات التي منحها الإنسان

له ثم اتخاذه بعد ذلك أداة لتحقيق الرغبات، "فليس لهذا الصنم إذًا، أيّ استقلالية دينية أو فنية. إنه

يظلّ مخلوقًا". وخلافًا لبروس الذي اعتبر عبادة الصنمية ظاهرة بدائية كونية تخص كل الشعوب في مرحلة تكوّنها البدائي الأول، فإنّ هيغل أرجع هذه العبادة حصريًا إلى مولدها الأصلي؛ أي أفريقيا. فهي تخصّ وضعية يغيب فيها التاريخ تمامًا، لا سيما حين لا توجد دولة تحدّد لنفسها هدفًا. ولا يمكن الحديث عن دولة ولا عن تاريخ في الموطن الذي تسود فيه الصنمية، بل عن مجموعة أشخاص يتصارعون ويحطّم بعضهم بعضًا، ومن ثمّة تتلازم الصنمية مع حالة من غياب الوعي بالذات. ووفق "فلسفة الوعي"، يقتضي الوعي بالذات أمرين أساسيَين: من جهة، الفكر المستقل عن السحر

والكهنوت أو الأساطير. ومن جهة أخرى، القرار الحرّ للإرادة؛ أي الحرية التي تكتسب موضوعيتها

في إطار الدولة. ووفق المنظور الهيغلي، توقّف الأفارقة السود عند أولى مراحل تطور "الروح" Geist، ولم يخضعوا لمنطق صيرورة التاريخ. وهكذا، يبدو طور الصنمية بمنزلة حالة تغيب فيها الدولة، فلا تاريخ ولا ذاتية للشعوب التي تسود فيها هذه العبادة، إنها طور البراءة البدائية الي تعكس "اللاوعي بالذات".

(33) Friedrich Hegel, Leçons sur la philosophie de l’histoire (Paris: Vrin, 1967), p. 76.

((3(يقول هيغل: "إن أي صنم أو فيتيش ليس له أي استقلالية دينية أو فنية، إنه فقط مخلوق يعبّر عن إرادة خالقه ويظل على الدوام

بين يديه، وباختصار لا وجود لعلاقة تبعية في هذا الدين"، ينظر: Ibid..

(35) Hegel, La raison dans l’histoire , K. Papaioannou (trad.) (Paris: UGE, 1965), p. 247. (36) Ibid., p. 251.

حدّد هيغل إطارًا جغرافيًا مخصوصًا لممارسة الصنمية، ألا وهو ربوع أفريقيا (استثنى هنا مصر

من "الغباء الأفريقي")، وأقصى سكّانها السود من دائرة التاريخ. خلاف ذلك، أقرّ أوغست كونت

August Comte (1857–1798) بأنّ الصنمية تمثّل حالة أولية بدائية لا تخصّ شعوبًا أو أعراقًا بعينها، بل تعيشها الإنسانية وتشكّل بالفعل بداية تاريخها، ومن هنا، طابعها الكوني لا الجغرافي الخصوصي. ويتجلى ذلك في "قانون الحالات الثلاث" الذي عرفه الفكر أو الذكاء البشري: الحالة اللاهوتية (المرحلة القديمة والوسيطة)، والميتافيزيقية (مرحلة فلاسفة الأنوار والعقد الاجتماعي)، والوضعانية أو العلمية (أي المرحلة العلمية التي تعيشها الإنسانية ابتداءً من الزمن الذي عاصره

كونت). وتندرج الصنمية ضمن المرحلة الأولى؛ أي الحالة اللاهوتية التي تتضمن ثلاثة أطوار: الصنمية، وتعدّد الآلهة Polythéisme وديانة التوحيد Monothéisme. إن الصنمية، في رأيه، هي التعبير التلقائي والطبيعي عن حاجة البشر إلى كشف القناع عن أسباب الظواهر المجهولة والمستعصية عن الفهم". وضمن الدرس 52 من "دروس في الفلسفة الوضعية" يرى أنّ "الصنمية الخاصة" تقدّس بصورة عفوية كلّ جسم أو ظاهرة تكون قادرة على جلب انتباه الإنسانية الناشئة. وتُخرج الصنمية عندئذ الكائن البشري من حالة أصلية تتسم بالخمول أو الكسل الفكري Léthargie من أجل إسقاط شعوره بالوجود نحو خارج ذاته. ويرى كونت أن الصنمية دين أصيل للبشر، وأنّ الآلهة الصنمية أو الفيتشية هي فردية بالأساس، وأنّ لكلّ واحدة منها إقامتها الخاصة والدائمة في موضوع محدّد؛ ما يجعل الكهنوت أمرًا غير ذي جدوى أو معنى. وهذا ما يمثل تعارضًا مع الموقف

الكانطي الذي اعتبر الكهنوت تجسيدًا للروح الصنمي. اعتبر كونت، في كتابه دروس في الفلسفة الوضعية، أنّ ما يميّز الصنمية هو "الصعود الحر والمباشر

لميلنا البدائي إلى إدراك كلّ الأشياء الخارجية، طبيعية أو اصطناعية، باعتبارها موجّهة بحياة مماثلة تمامًا لحياتنا مع بساطة الاختلافات المتبادلة للكثافة". وينجم عن هذا التحديد أنّ الخاصية

الأساسية للصنمية تتمثّل في كونها تمنح الحياة لأجسام خارجية تكون أكثر نشاطًا بفضل مقدرتها السحرية. الصنم هو مصدر لفائض من الطاقة، وهذا ما يسمح لمالكه باكتساب قدرات أكبر، ومن ثمّة التأثير في العالم وفق سببية غائية. وقد تعرّض المنظور الكونتي للفيتشية إلى النقد، وخاصة مع إدوارد تايلور Edward Tylor –1832(

1917)، الذي اعتبر الصنمية مجرّد مقولة فرعية للإحيائية Animism التي تسبق تاريخيًا ديانة تعدّد

الآلهة والتوحيد، وتعني إسناد أرواح أو نفوس لكائنات جامدة، وتحديدًا تتمثّل في أطروحة الأرواح المتجسدة في موضوعات مادية، أو أرواح تمارس تأثيرًا بوساطة هذه الموضوعات. ومن منظور فلسفي معاصر، لا تستجيب الصنمية/ الفيتشية باعتبارها عبادة لمعايير المنطق (الهوية، عدم التناقض، الثالث المرفوع... إلخ)، ولا تتبنّى قطعًا أدنى تصوّر للسّببية الفيزيائية باعتبارها مبدأ

منظّمًا للأشياء والظواهر لإيمانها بضرب من التأثير السحري في الظواهر، وهي بوصفها ممارسة تعبّدية

(37) Auguste Comte, Cours de philosophie positive , vol. 2 (Paris: Hermann, 1975), p. 242.

بدائية تمتزج بالإحيائية؛ إذ إنها لا تسمح لمعتنقيها بالقدرة على التجريد والتمثّل الموضوعي للظواهر، ولعلّها تجسّد على نحو أفضل مقولة "العقلية ما قبل المنطقية" لليفي برويل (1939–1857)، أو بلغة

هيغلية هي تعكس عجز الفكر عن إقامة نفسه على نحو مستقل.

2. الصنمية في الاقتصاد السياسي: أو الصنمية آلية للنقد

يلاحظ ألفونسو إياكونو أن ماركس وفرويد يتميّزان وحدهما من بين المفكّرين الذين درسوا مفهوم

الصنمية بتغيير السياق الذي نشأ في كنفه هذا المفهوم وتطور، فنحن ندرك معهما أنّ وصف الظواهر وتحليلها هذه المرة يقوم بهما باحثون من داخل المجتمع وليسوا باحثين هم بمنزلة "آخر" يتموقع ثقافيًا

خارجًا عن الظواهر المدروسة كما هو الشأن بالنسبة إلى الباحثين الإثنولوجيين الذين درسوا شعوب

أفريقيا وآسيا. "إن التغيير الذي أحدثه ماركس وفرويد يتمثّل تحديدًا في تطبيق مفهوم الصنمية في تحليل ظواهر (البضاعة، الانحراف الجنسي)، خاصّة بمجتمع ينتميان إليه فيكونان بذلك ملاحظين داخليين". لا يمثّل مصطلح الصنمية مفهومًا قائمًا بذاته في الاقتصاد السياسي بوصفه علمًا يختص بدراسة آليات إنتاج الثروة وتوزيعها واستهلاكها، بل تسرّب إلى هذا الحقل من خلال نقد ماركس للاقتصاد السياسي

البرجوازي، استعاره في البدء مجازًا، في مقال له ضمن دورية La Gazette rhénane، متخذًا من شارل دي بروس أحد مراجعه التي استند إليها، وخاصة عند حديثه عن السكان الأصليين في كوبا "الذين كانوا يعتبرون أن الغزاة الإسبان يتخذون من الذهب صنمًا فيلقون به في البحر"، والذي أحلّ البضاعة محلّ الإله باعتبارها موضوعًا للتقديس في المجتمع الرأسمالي وأحاطها بهالة سحرية فائقة، فبدا خلاص المجتمع برمّته رهين الاستزادة من إنتاج البضائع وشيوع "السلعنة" وتكريس النجاعة مصدرًا

أساسيًا للقيمة. يتقاطع هنا مفهوم الصنمية مع الاغتراب؛ لأنه بنية تولّد فقدان تملّك الذات، ويكون

ذلك مصاحبًا لوعي خاطئ ناتج من "عبادة" البضاعة والمال. تعني بذلك "صنمية البضاعة" الطريقة

التي تنتهي بنا إلى أن نمنح فيها قيمة للبضاعة أو المنتَج بالنظر إلى خصائص البضاعة فحسب، والحال أن هذه القيمة ترتبط أيضًا بالأشخاص الذين أنتجوها. وهكذا، يتمّ في المنظور الصنمي/ الفيتشي إخفاء السياق الاجتماعي الذي يحصل في ظله التبادل، والذي يكون مؤثّرًا في تحديد قيمة البضاعة.

يقود هذا الوهم تدريجيًا إلى تحوّل العلاقات بين الأشخاص إلى علاقات بين الأشياء. ويغدو عالم

((3(تتميز الذهنية البدائية بخاصيتين: ما قبل منطقية وصوفية، وعندما نقول إنها ما قبل منطقية فهذا لا يعني أنها ضد المنطق بل كما يقول ليفي برويل (1939–1857): "ليس لها نفس المقتضيات المنطقية للعقلية الحديثة"، ينظر:

Lucien Lévy–Bruhl, La mentalité primitive (Paris: Alcan, 1922), p. 34.

وهي لا تنسجم دائمًا مع مبدأ الهوية، فهي تسلم بأن الكائن يمكن أن يكون هو نفسه وشيئًا آخر: Ibid., p. 53. راجع بعض أفكار

برويل من خلال قوله إن الذهنية البدائية ليست خاصية حصرية بالمجتمعات البدائية، بل هي كونية؛ إذ إنه "في كل فكر إنساني مهما  كان تطوره الذهني يسكن عمقٌ غير قابل للاجتثاث من الذهنية البدائية"، ينظر: 8 Ibid., p. 7.

(39) Iacono, p. 75. (40) Sobel Richard, "Fétichisme de la marchandise et ontologie sociale chez Marx," Cahiers d’économie Politique , vol. 1, no. 70 (2016), p. 52.

الأشياء متمتّعًا بضرب من الاستقلالية، فيمارس عندئذ سيطرة على الأشخاص، ولأجل ذلك يتحدّث ماركس عن "سيطرة لا شخصية" في النظام الرأسمالي. وهنا، تتعيّن النقلة النوعية التي عرفها مفهوم الصنمية مع ماركس؛ وعلى الرغم من أنه لم يتخلص تمامًا

من فكرة الصنمية باعتبارها علاقة غير معقولة وعفوية بالعالم، فإنه قد أحدث قطيعة في تصوّرنا لها، فهو الذي نقلها من الأنثروبولوجيا الدينية، حيث جرى تصورها موضوعَ اعتقاد وعبادة، إلى المجال الاقتصادي الذي تغدو فيه البضاعة موضوعًا للتعلّق والتقديس. وهذا الانزياح الذي عرفه هذا المفهوم من حقل إلى آخر هو الذي يكسبه معنى جديدًا ومغايرًا، على نحو يمكن معه القول إن تاريخ هذا

المفهوم هو تاريخ انزياحاته التي تكسبه في كل مرة معنى جديدًا وتدفعه إلى مواجهة تحدّيات عرفانية جديدة والاستجابة لمشاكل مستجدة لم تعرفها الإنسانية من قبل. فتح هنا ماركس دربًا جديدًا في تصور هذا المفهوم من خلال النظر إليه هذه المرة باعتباره آلية للنقد الجذري، والنقد لا يكون جذريًا إّلا إذا كان محايثًا لواقع في حالة صيرورة. وهذا ترك أثرًا عميقًا في مقاربات لاحقة سواء مع أدورنو أو لوكاتش أو هونيث... إلخ.

أ. صنمية البضاعة (ماركس)

يتمثّل التساؤل الأساسي لماركس في الآتي: كيف يمكن أن تنتج تمّثلّات وهمية آثارًا واقعية وتسهم في اشتغال التشكيلة الاقتصادية القائمة وإعادة إنتاجها؟ يجيب ماركس عن هذا التساؤل في نهاية الفصل الأول من كتابه رأس المال، والذي عنوانه "الطابع الصنمي للبضاعة وسرها"، فيمضي في معالجة نظرية القيمة، وعديدة هي القراءات الواقعية للصنمية (المناهضة للقراءة الألتوسيرية)، التي ربطت الصنمية ربطًا داخليًا بنظرية القيمة. ويؤكد هنا أنّ البضاعة ليست أمرًا بسيطًا أو مبتذلًا، إنها نتاج لعمل معقّد،

فهي تمتلك قيمتين: أولًا، قيمة استعمالية، وهي القيمة التي ننسبها إلى منتَج أو شيء ما بالنظر إلى

(41) Karl Marx, Le Capital , Étienne Balibar et al. (trad.), vol. 1, 4 th ed. (Paris: PUF, 2014), p. 165;

يقول ماركس في هذا الخصوص في (الملاحظة 1 من القسم 2 من كتاب رأس المال): "التمييز بين سلطة الملكية العقارية، التي تقوم على علاقات شخصية بين السيد والعبد، وسلطة المال غير الشخصية، يتم تلخيصه بوضوح في المقولتين الفرنسيتين: 'لا أرض من دون سيد'، و'المال ليس له سيد'". ينظر: Ibid.. ((4(ربما  كان لوي ألتوسير (1918–1990) مغاليًا في الحطّ من قيمة نظرية الصنمية لدى ماركس حين اعتبرها من بقايا حضور

المثالية الهيغلية في تفكيره، وهذا ما لا يمكن أن نقرّ به في هذه الدراسة بالنظر إلى تحجيمه لدور الصنمية واعتبارها جزءًا من البنية

الفوقية، يقول في هذا السياق: "[...] يتضمن القسم الأول من كتاب رأس المالبعض المصاعب النظرية مثل نظرية صنمية البضاعة وتعميمها اللاحق [...] هناك أثر للتأثير الهيغلي، وهذه المرّة، صارخ ومدمّر للغاية (بما أن جميع منظري التشيؤ والاغتراب وجدوا

هناك ما يؤسس تفسيرهم المثالي لفكر ماركس): نظرية الصنمية". ينظر:

Louis Althusser, "Avertissement aux lecteurs du livre 1 du Capital," in: Karl Marx, Le capital , J. Roy (trad.), Livre 1, section I à IV (Paris: Champs–Flammarion, 1985), p. 22.

((4(ونذكر أمثلة عن القراءات التي تجاوزت القراءة "الماهوية" الألتوسيرية إلى القراءات الواقعية، وهي التي ربطت الصنمية بنظرية القيمة:

Roubine Isaak, Essais sur la théorie de la valeur de Marx (Paris: Syllepse, 1928); Vincent Jean–Marie, Fétichisme et société (Paris: Anthropos, 1973); Artous Antoine, Le fétichisme chez Marx (Paris: Syllepse, 2003).

منفعته واستعمالنا له. وثانيًا، قيمة تبادلية، وتطلق على ما للشيء في مجتمع معيّن وزمان معيّن من ثمن

اعتباري يسمح بتبادله وتداوله بين الناس، وهذا الثمن لا يعود إلى منفعة ذلك الشيء. عمومًا، لكلّ

منتَج قيمة استعمالية وأخرى تبادلية، كلما عظمت إحداهما ضعفت الأخرى. تلك هي المقدمة الأوّلية لنظرية القيمة لدى ماركس، التي تؤكد أنّ القيمة التبادلية للبضاعة (أي ثمنها

الاعتباري المتداول في السوق) هي في الحقيقة والأصل محدّدة بوساطة كمية العمل الضرورية من أجل إنتاجها ومدّته، ومن هنا، تُطرح مسألة الصنمية على هذا النحو: إن النظام الرأسمالي لا يظهر لنا القيمة التبادلية للبضاعة كما هي في الواقع الفعلي؛ أي نتاج عمل اجتماعي، بل يُظهرها لنا باعتبارها

خاصية كامنة في صميم البضاعة في حدّ ذاتها، وذلك هو معنى التشيؤ Réification الذي يحجب واقع العمل الاجتماعي في النظام الرأسمالي. وبالأحرى، يحاول نسق اشتغال النظام الرأسمالي إخفاء عمل المنتجين؛ أي العمال عن فهمنا وإدراكنا. هذا الإخفاء للواقع (إخفاء حقيقة كون العمل هو الذي يعطي قيمة للبضائع وادعاء أنها تكتسي قيمة في حد ذاتها) يشبه إلى حد بعيد ما يحصل في الديانات البدائية، حيث "يبدو ظاهريًا أنّ تمّثلّات

الدماغ البشري مستقلة وتمتلك قدرات خاصة أثناء التواصل بين البشر وفيما بينها"، بعبارة ماركس، الذي يتحدث هنا عن الصنمية بوصفها ضربًا من الديانة الإحيائية Animist، ووفقها ينسب البشر

طابعًا مقدسًا إلى بعض الأشياء التي تصبح مع مرور الوقت مصدرًا للخير والبركة أو ردّ الأذى

ونصرة المظلوم... إلخ، وهي في الحقيقة ليست سوى تمّثلّات للدماغ البشري تدّعي الاستقلالية،

ومثلما يجري إخفاء طريقة تشكّل هذه التمّثلّات يقع أيضًا إخفاء العمل الاجتماعي المبذول لإنتاج البضاعة. وفي الحصيلة تتبع "صنمية البضاعة"، وفق ماركس، منطق "الصنمية الدينية" نفسه. ومن تبعات القول بصنمية البضاعة: • شيوع حالة معممة من التشيؤ Réification في النظام الرأسمالي، بمعنى النظر إلى العلاقات بين البشر كما لو كانت علاقات بين الأشياء (ولأجل ذلك اعتبر بعض قارئي ماركس أنّ القول بأن الصنمية كامنة "فوق السوق" وتنتمي إلى البنية الفوقية هو "مجرد دعابة)". ومن هنا، ينتقد ماركس هذه الحالة المعممة لإهدارها قيمة العامل وتحوّله إلى مجرد وسيلة إنتاج، بل إنه صار

أبخس مما ينتجه بفضل قوة عمله. • إن صنمية البضاعة تكشف أمرًا مهًّمًا يتمثل في كون الإنتاج الاقتصادي في النظام الرأسمالي

يُفلت من رقابة المنتجين أنفسهم؛ أي العمّال، ويخضع إلى قوانينه الخاصة، وهي قوانين السوق.

وتفرض هذه القوانين تبعاتها وتأثيراتها باستقلال تام عن إرادة المنتجين، فهي موجّهة بالرغبة

في الربح الدائم والمردودية المتزايدة لرأس المال، ويفضي هذا في النهاية إلى تفاوت في توزيع الثروات (استغلال جهد العامل الذي يكون مصدرًا لتكدّس فائض القيمة لدى الرأسمالي

(44) Marx, p. 125. (45) De Angelis Massimo, "Social Relations, Commodity–Fetishism and Marx’s Critique of Political Economy," Review of Radical Political Economy , vol. 28, no. 4 (1996), p. 10.

وأرباحه)، وأيضًا حدوث أزمات اقتصادية دورية. وكما قال أحد شرّاح ماركس "ينظر البشر إلى

السلع التي ينتجونها [...] كما لو كانت أمورًا إلهيةً تحكمهم". • ينزع ماركس القناع عن آلية الصنمية في النظام الرأسمالي، فالإنتاج في الوحدات الصناعية لا يحدّده المجتمع من خلال إبراز حاجاته أو كمية الإنتاج بل كبارُ الصناعيين مالكو هذه

الوحدات الذين يدخلون في منافسة شديدة فيما بينهم. إن العلاقات الاجتماعية بين هذه الوحدات

الإنتاجية لا تتحدد إّلا بوساطة البضاعة، لا سيما حين تدخل في مجال التبادل في السوق، فكبار

الصناعيين لا يعرفون إذا ما  كانت هذه البضائع التي ينتجونها تستجيب للحاجيات إّلا إذا جرى تداولها في السوق. وهكذا، فإن السوق تحدّد الانتظام الاجتماعي وذلك بصورة حصرية بفضل تبادل البضائع، تمامًا مثلما تهيكل الأشياء الصنمية الانتظام الاجتماعي في المجتمعات البدائية. يؤكد ماركس أنّ علاقات الإنتاج هي بالأساس علاقات اجتماعية، أما في الممارسة الاقتصادية الرأسمالية فإنّ هذا الطابع الاجتماعي لا يبدو سوى علاقات بين الأشياء وبين البضائع. ويترتب على ذلك، أن البضاعة تغدو سندًا لعلاقات الإنتاج؛ أي تصبح موضوعًا صنمًّيًا، وتتمثل وظيفتها

في تأمين تنسيق إنتاج المجتمع برمّته، وتؤديها عبر حَجْب الطابع الاجتماعي للإنتاج. جرى تعويض

العلاقات الاجتماعية بسوق تبادل البضائع التي تحدّد من تلقاء نفسها: ما الذي يقع إنتاجه؟ ولمصلحة من؟ وصارت البضاعة التي أنتجها العامل، والتي من المفروض أن تحمل بصمته الخاصة، محددة لعلاقاته، والأدهى أنها امتزجت بهذه العلاقات، وترتّب على ذلك أن العمّال حين صاروا مسلوبين من

وعيهم الاجتماعي، هم في الحقيقة مغتربون بوساطة عملهم نفسه.

ب. من الصنمية إلى التشيؤ: جورج لوكاتش

يذهب لوكاتش، في كتابه التاريخ والوعي الطبقي، إلى تعميم الصنمية/ الفيتشية إلى ما هو أبعد من "صنمية البضاعة" كما تصوّرها ماركس، فبدت هنا الصنمية كما لو كانت حالة خاصة من حالة

ينظر ((4:(

Anselm Jappe, Les aventures de la marchandise, pour une nouvelle critique de la valeur (Paris: Editions Denoel, 2003).

((4(وأقرّ بهذا ماركس بجلاء من خلال قوله: "إن نمط إنتاج الحياة المادية يهيمن عمومًا على تطور الحياة الاجتماعية والسياسية

والفكرية. ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل على العكس من ذلك، فإن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم." ينظر:

Karl Marx, Contribution à la critique de l’économie politique , Contribution à la critique de l’économie politique (trad.) (Paris: Nouvelle Revue Française, NRF, Bibliothèque de la Pléiade, 1963), p. 273.

((4(" التاريخ والوعي الطبقي" كتاب ألّفه لوكاتش في عام 1923، قدّم فيه صياغة لنظريته حول التشيؤ بالاستناد إلى قراءته لفلسفة

ماركس، متأثّرًا بوضوح بهيغل أكثر من التأثير الذي حملته القراءات الماركسية المعاصرة له. يعكس الكتاب تفاعل لوكاتش مع

الأحداث السياسية والاجتماعية الكبرى في أوروبا، مثل الثورة الروسية عام 1917 والثورة الألمانية عام 1918، التي ساهمت في تشكيل وعيه السياسي. اقتصاديًا، تناول لوكاتش تأثير الطريقة الفوردية Fordism التي ظهرت في المؤسسات الصناعية آنذاك، والتي

أسهمت في تعميم مظاهر التشيؤ ونزع الطابع الإنساني، عبر تحويل العلاقات البشرية والخصائص النوعية إلى أرقام ومعادلات كمية. وقد أشار إلى هيمنة النموذج الاقتصادي على مختلف جوانب الحياة؛ ما أدى إلى فقدان الروح الإنسانية لمصلحة الحسابات

المادية. يُعتبر هذا العمل استمرارًا لمواضيع تناولها لوكاتش في أعمال سابقة، لا سيما في كتابه نظرية الرواية (1908)، حيث ألقى

الضوء على تدهور الروح الإنسانية في ظل التغيرات الاقتصادية والاجتماعية.

أعم تتمثل في التشيؤ Reification. فإذا كانت الصنمية تمسّ أساسًا البضائع، فإنّ التشيؤ يشمل كل

العلاقات الاجتماعية، وإذا كانت الصنمية تخفي المصدر الاجتماعي للعمل، فإن التشيؤ يُنتج ضربًا

من السلبية لدى الأفراد الذين يتبنّون بفعل تأثيره موقفًا تأمّليًا من النسق الاجتماعي على نحو يتمثّلونه

على أنه أبدي وغير قابل للتغيير. وبالنظر إلى هذه الخصائص، اعتبر لوكاتش أنّ الحالة المعممة للتشيؤ هي المشكل الأساسي والبنيوي للمجتمع الرأسمالي في كل نشاطاته وتجلياته الحيوية، ولا غرابة في أن يقرّ أن مساره هو العائق الأول والحقيقي أمام تحرر الطبقة العاملة في النظام الرأسمالي. يحدّد لوكاتش في مقدمة الكتاب نمط قراءته لتحليلات ماركس: "من خلال افتراض التحليلات الاقتصادية لماركس فإن الانتباه سينجذب فحسب للمشاكل الأساسية التي تنتج من الطابع الصنمي للبضاعة باعتباره شكلًا من أشكال الموضوعية من جهة، وسلوك الذات الذي يتم تنسيقه معه من جهة أخرى". إن التشيؤ لا يعني شيئًا غير أن تأخذ العلاقة بين الأشخاص شكل شيء، وعلى هذا النحو، فإنّ هذا المفهوم يعني ذلك المسار العرفاني والممارساتي الذي يُعامل فيه الشخص كما لو

كان شيئًا سواء من طرف الآخرين أو من طرف نفسه ذاتها. والحال أنه، ومن حيث المبدأ، لا يحمل أيّ

صفة خصوصية للأشياء. ومن هنا، ينبغي أن نبحث، وفق لوكاتش، عن السبب الاجتماعي الأساسي لظهور المواقف الصنمية في البنية المعقلنة والممَكْننة للتبادل السلعي الذي غدا الشكل المهيمن

على النشاط الاجتماعي. إن الموقف الاقتصادوي Economist (الموقف الذي يُرجع كلّ نشاط إلى

الاقتصاد ويعتمد معايير النجاعة والمردودية على حساب ما هو اجتماعي وقيمي وعمومًا إنساني) ينزع

إلى اكتساح كل دوائر النشاط الاجتماعي، ليس من وجهة نظر تنوّع المواضيع والممارسات الخاضعة

لمنطق السلعنة، بل أيضًا من وجهة نظر التعامل الذي يبديه البشر فيما بينهم وبصورة متبادلة. يتحقق التشيؤ، وفق لوكاتش، من خلال تحييد Neutralization استثمار كل ما هو وجداني انفعالي، ومن ثمة عقلنة العمل المجرد ومكننة الإنتاج وتوسيع دائرة المعاملات السلعية والمنطق الحسابي الكمّي.

ويتحوّل البشر عندئذٍ إلى مجرد ملاحظين متأملين ومحايدين في علاقة بشركائهم في التبادل، وحتى

في علاقة بقدراتهم الخاصة التي يُنظر إليها كما لو كانت رأس مال منفصلًا عن الوحدة العضوية

للإنسان. هكذا، لا تبدو "العقلنة" Rationalisierung كما تصوّرها ماكس فيبر (أي بما هي توجيه

الوسائل المتاحة من أجل تحقيق غايات محددة) غير تشيؤ متأِّصِل في العلاقات الاجتماعية. ولأمر كهذا، يبدو التشيؤ هنا كما لو كان تعبيرًا عن ضمور الموقف الأصيل أو تفككه، هذا الموقف الذي يقيم

وفقه الأشخاص علاقة التزام بالآخرين وبأنفسهم وأيضًا وعلاقتهم بالعالم، وهو موقف زائف للوجود؛ لأنه يسعى إلى إخضاع مجموع الخصائص البشرية إلى مبدأ أحادي البعد (النجاعة Efficiency)، ومن

(49) Georg Lukács, Histoire et conscience de classe. Essai de dialectique marxiste , K. Axelos & J. Bois (trad.) (Paris: Éditions de Minuit, 1974 [1960]), pp. 109–110.

((5(يعرّف فيبر العقلنة La rationalisation على هذا النحو: "لا تعني العقلنة معرفة عامة تزداد اتساعًا بشروط الحياة الاجتماعية[...]

بل شيئًا آخر، إنّها تعني حقيقة أن نعرف أو نعتقد [...] أنه من حيث المبدأ لا توجد قوة خفيّة أو غير قابلة للتوقّع يمكن أن تتدخّل.

وأنّه في المقابل يمكن بوساطة الحساب أن نتحكّم في أيّ شيء. ويفيد كل هذا نزع السحر عن العالم في أن 'العقلنة' بهذا المعنى

هي منطلق الحداثة الغربية وسبيلها". ينظر:

Max Weber, Le Savant et le Politique , Catherine Colliot–Thélène (trad.) (Paris: La Découverte, 2003). p. 83.

المفروض في هذه الحالة أّلا يتمّ إرجاعها كلّيًا إليه. إنّ التشيّؤ بهذا المعنى ظاهرة حديثة بالأساس، ومرتبطة بالبنية التحتية الاقتصادية للمجتمعات الرأسمالية التي تمثّل المبدأ التفسيري الوحيد له. إن الطابع الكوني لشكل السوق الذي صار يمثّل نموذجًا لكل أشكال "الموضوعية" يشتغل وفق قوانينه الخاصة ويحجب كلّ أثر للعلاقات الإنسانية المتبادلة التي تقوم عليها الحياة، سواء في المستوى الباطني أو الخارجي. إن الشكل الأقصى في مجال الإنتاج وإعادة الإنتاج المادي يكتمل لحظة تحوّل الإنسان إلى مجرد بضاعة أو مجرد تابع خاضع للآلة. وهنا، يكتشف لوكاتش نظرية "اغتراب

العمل" التي أثارها ماركس في شبابه، أي سنة 1844، في "المخطوطات الاقتصادية والفلسفية". وفي هذه الحالة، لا يكون التنظيم العقلاني والناجع والقابل للحساب والتوقّع للعمل ممكنًا إّلا من خلال استبعاد الطابع الشخصي والواقعي والإنساني للعامل وردّه إلى معايير كمية وحسابية. يجد العامل

عندئذ نفسه مدمجًا باعتباره جزءًا ممكننًا ضمن نسق آلي يجده قبالته مكتملًا ولا إنسانيًا. إنّ الشكل

الداخلي لتنظيم مؤسسة الإنتاج هو تركيز مكثف لبنية المجتمع برمّته. ومن هنا، يخلص لوكاتش إلى استنتاج أن مصير العامل هو مصير المجتمع برمّته، و"أن التشيؤ الذي يجد تعبيرًا له في السلعنة يمثّل

في الحقيقة خطرًا على الإنسانية في النظام الرأسمالي".

ج. الصنمية من الاقتصاد السياسي إلى الجماليات أو "صنمية الأثر الفني" لدى أدورنو

إنّ الجماليات بوصفها خطابًا حول الفن تطرح مسألة معايير الجميل، والكيفية التي يكون وفقها التذوّق

الجمالي ممكنًا، وانطلاقًا من هذا الأفق الإستطيقي لا يطرح أدورنو مسألة صنمية/ فيتشية البضاعة (ماركس) أو الوعي (لوكاتش)، بل يطرح صنمية الأثر الفني، وتكون هنا الموسيقى نموذجًا، ويعالجها تقريبًا وفق المنظور نفسه الذي ابتدعه ماركس؛ أي في خضمّ الصنمية يجري دائمًا إخفاء مسار إنتاج

البضاعة. وعلى نحو يتمّ فيه التركيز على القيمة التبادلية في غياب الاهتمام بالطابع الإنساني للمنتج أو

الفنان وفرادته وأصالته. فالنسق عمومًا محكوم ب "العقل الأداتي" الذي ينزع إلى الهيمنة؛ إذ إن "العقل شمولي"، وما "الصناعة الثقافية" غير الرّافعة والموجّه الأوّل لهذا النزوع.

((5(قدّم هونيث قراءة نقدية للتشيؤ كما طرحه لوكاتش، معيدًا صياغة المفهوم من خلال توسيع مجالاته ليتجاوز البنى الاقتصادية

الرأسمالية ويأخذ أبعادًا أنثروبولوجية ونفسية. فهونيث يرى أن التشيؤ لا يقتصر على الاقتصاد السياسي، بل يشمل نزعات إنسانية

تتعلق بكيفية تعامل الإنسان مع نفسه ومع الآخرين. من بين الجوانب النقدية التي طرحها هونيث، اعتبر أن لوكاتش قد أغفل البعد الأخلاقي في معالجة التشيؤ، حيث ركّز تركيزًا مفرطًا على تفسير اقتصادوي؛ ما أدى إلى تجاهل ما يمكن اعتباره مرضًا أخلاقيًا

للحداثة. وضمن إطار هذا النقد، قدّم هونيث مفهوم التشيؤ الذاتي Self–reification، والذي يشير إلى تعامل الإنسان مع مشاعره

وأحاسيسه بوصفها أشياء قابلة للقياس والملاحظة؛ ما يؤدي إلى تآكل قيمة الاعتراف بالآخرين وبالذات. ووفق هونيث، واستنادًا إلى

قراءته لهيغل الشاب، فإن التشيؤ يعني نسيان الاعتراف، وهو النسيان الذي تتجلى آثاره في ثلاث دوائر اجتماعية أساسية: الحب (العائلة)، والحق (المجتمع)، والتضامن (الثقافة). ينظر:

Axel Honneth, La réification; Petit traité de théorie critique (Paris: Gallimard, 2007). (52) Lukacs, p. 88. (53) Max Horkheimer & Theodor Adorno, La Dialectique de la raison (Paris: Gallimard, 1974), p. 24.

استهل أدورنو مقاربته لصنمية الأثر الفني (الموسيقى تحديدًا) بإثارة هذه المفارقة؛ إن التقنيات الصناعية الحديثة أتاحت فرصة انفتاح على أكبر عدد ممكن من البشر على الفن ولكنها عملت في الآن ذاته على إخضاعه والهيمنة عليه. ولتحليل هذه المفارقة ينطلق من مفهوم "الصناعة الثقافية"

وصولًا إلى ما يطلق عليه "نزع الإستطيقا عن الفن" في المجتمع الرأسمالي والدور الممكن المناط بعهدة "الإستطيقا السالبة التي تمثل وفق أدورنو البديل الممكن ل "موسيقى الجماهير"، في ثلاثينيات القرن الماضي. استلهم أدورنو ما هو أساسي في أطروحة ماركس حول "صنمية البضاعة"؛ ليبلور أطروحته حول "صنمية الموسيقى" التي اتخذها مث لًا معبّرًا عن فكرة مهمة تتمثل في كون ذوق المستمع لم يتشكّل

انطلاقًا من السماع الخالص Reines Zuhoren لأثر أو قطعة موسيقية، بل انطلاقًا من المحيط الذي يعيش فيه، وترتّب على ذلك أن المستمع صار منفصلًا تمامًا عن السماع ذاته، فالمستمع ينسى أن اهتمامه بالموسيقى الصادرة عن "الصناعة الثقافية" هو نتاج له؛ أي نتاج لاستهلاكه. ولأجل ذلك، يصنع ناشرو die Herausgeber الموسيقى ذوقًا عاًّمًا مشتركًا وموحّدًا؛ أيْ منمّطًا. ووفق أدورنو تتجاهل تفاعلات المستمعين كل علاقة بتنفيذ الموسيقى على نحو لا تتمّ فيه الاستجابة مباشرة إّلا للنجاح المتراكم المتحقق سابقًا. إنّ هذا الطابع الموحّد والمتشاكل للقطع الموسيقية هو من توجيه الناشرين الذين يصرّون على نجاعة الأثر الموسيقي بقصد الاستزادة من بيعه، فالقطعة الأكثر شهرة تكون

الأكثر نجاحًا، والأكثر نجاحًا هي الأكثر رواجًا وتداولًا وعرضًا. وهكذا، فإنّه لا يُستمع إلى الموسيقى

لذاتها، بل لكونها ذات رواجٍ وتجلب رصيدًا اجتماعيًا. وغدا المستمع إلى الموسيقى غريبًا تمامًا عن

الموسيقى وعن سماعها، فما يستهلكه هو نجاح الأثر وليس الأثر في حدّ ذاته. والحقيقة أن ما تناساه هو كون نجاح الأثر هو نتاج له هو بالذات؛ لأنه هو الذي دفع م لًا للحصول عليه، ومن خلال لعبة التشاكل والتنميط الموحّد Uniformity هو (أي المستمع) مستعدّ ليدفع أكثر للحصول على الشيء نفسه من جديد. وانسجامًا مع طرح ماركس للصنمية، يقرّ أدورنو أنه بفعل تأثير "الصناعة الثقافية" جرت

الاستعاضة عن القيمة الاستعمالية للموسيقى بالقيمة التبادلية، فالقيمة التبادلية للموسيقى صارت مصدر متعة المستهلك، والحال أن هذه المتعة ينبغي أن تصدر عن القيمة الاستعمالية. إن المشاعر التي نستخلصها من القيمة التبادلية تسبّب لنا وهم الطابع المباشر للموسيقى، في حين أنه على خلاف

ذلك، ليس للمستهلك أيّ علاقة بالأثر الفني بالنظر إلى كونه يستهلك ما يحيط بهذا الأثر.

(54) Théodore Adorno, Le Caractère fétiche dans la musique et la Régression de l’écoute (Paris: Allia, 2001).

((5(مفهوم "الصناعة الثقافية" يرتبط بالأساس بأعمال أدورنو وماكس هوركهايمر Max Horkheimer (1973–1895)، اللذَين

تناولا هذا المصطلح في كتابهما  جدل العقل الصادر عام  1947. يُعدّ هذان المفكران من أبرز مؤسسي النظرية النقدية التي ظهرت

في إطار مدرسة فرانكفورت. ويشير المفهوم إلى الثقافة الجماهيرية La culture de masse، التي انتشرت بين الناس بفضل وسائل الإعلام مثل الراديو والتلفزيون والسينما. ووفقًا لهوركهايمر وأدورنو، تُعدّ "الصناعة الثقافية" تهديدًا للأعمال الإبداعية الأصيلة. فبدلًا

من أن تسهم في تحرير الفرد، تعمل على تنميط الحياة اليومية؛ ما يؤدي إلى تعزيز هيمنة المنطق الاقتصادي القائم على الكفاءة، الإنتاجية، والحساب في جميع جوانب الحياة. يُعتبر هذا التأثير معاديًا لروح فكر الأنوار. والأهم من ذلك أن هذا الخطر لا يقتصر

على الأنظمة الشمولية بل يشمل أيضًا المجتمعات ذات الأنظمة الليبرالية. لمزيد من التعمّق في هذا المفهوم ينظر خاصة المقالة:

Olivier Voirol, "Retour sur l’industrie Culturelle," Réseaux , vol. 2, no. 166 (2011), pp. 125–157.

عمومًا، تُنتج "الصناعة الثقافية"، والصنمية الناجمة عنها، أثرًا مهًّمًا يتّجه نحو نزع الإستطيقا عن الفن

وهذا ما يطلق عليه أدورنو تقهقر السماع Die regression des Zuhorens. وعلى نحو أدق، تؤول هذه "الصناعية" إلى تكريس هذا التقهقر وتحويل عقلية الأشخاص إلى "ذهنية صبيانية"، وإلى التضحية بالذات وخاصة تدريب هؤلاء على التماهي أو "التماثل مع السلطة". ولعلّ هذا ما أكده أيضًا فلتر بنيامين Walter Benjamin (1940–1892) حين لاحظ أن التقنيات الحديثة قادرة، على نطاق واسع، على أن تعيد إنتاج أعمال كانت في يوم ما متفرّدة، كالأفلام والأغاني الناجحة، ثم إغراق السوق بها،

وتؤول هذه العملية إلى تبخيس الأثر الفني، هنا والآن، والانتقاص من قيمته. ويمضي أدورنو في تفصيل القول ب "صنمية الموسيقى"، مؤكّدًا "تقهقر سماع" القطع الموسيقية؛ إذ إنه لا يجري الاستماع إليها بتركيز وانتباه في عصر السلعنة، ومثال ذلك، لا يستمع إليها إّلا حين تكون مرافقة للرقص أو المحادثة بين الأشخاص ضمن مشهد ما. وتغدو الموسيقى فضاء خلفيًا لهاتين

الممارستين، ويذكر لنا أدورنو مثال موسيقى الجاز Jazz، وهي موسيقى شعبية تجارية اشتُهرت في ثلاثينيات القرن العشرين، لم يقع تحديد وظيفتها في مستوى جلب الانتباه، بل يجري التعامل معها في الغالب باعتبارها مجرد فضاء خلفي Background للمناقشات بين الأشخاص أو إيقاعًا مرافقًا للرقص. ولمواجهة الطابع المنمّط للفن الذي كرّسته "الصناعة الثقافية" وشوّهته، اقترح أدورنو ما أطلق عليه

"الإستطيقا السالبة" التي تجد في أعمال صموئيل بيكيت Samuel Beckett (1989–1906) في الأدب وأرنولد شونبارغ Arnold Schönberg (1951–1874) في الموسيقى نموذجين طلائعيين متميزين. وستتخذ على عاتقها التصدي ل "نزع الإستطيقا عن الفن"، ويقصد بهذه المقولة الأخيرة تحوّل الفن

إلى بضاعة؛ أي أحد الخيرات المادية الموجهة للاستهلاك اليومي والعمومي، ومن ثم، خروج الفن عن دائرة الإستطيقا إلى دائرة الصناعة. لم يعد للفن عندئذ أيّ استقلالية Autonomy، فهو شيء من جملة أشياء خاضعة للتبادل. وهكذا، ينقد أدورنو ما آل إليه الفن من وضع منمّط في المجتمع الاستهلاكي

على نحو صار فيه غير قابل للتعريف من حيث الماهية، ولا ندرك من طبيعته سوى وظيفته التبادلية الاقتصادية. ولن يُخرجنا من هذا "البؤس الإستطيقي" للآثار الفنية الذي كرّسته "الصناعة الثقافية"

سوى فن الطليعة Avantgarde، فالطليعة غير قابلة للاستيعاب من طرف نسق السوق ومن "المجتمع المبرمج"، الذي "يبدي كراهية شرسة تجاه كل ما هو مختلف". ويجد هذا الأمر إثباتًا له في الآثار الفنية لهذه الطليعة التي تكون مستعصية على الفهم وصعبة الاستيعاب من طرف الجمهور، إنها أعمال تُفلت من الصنمية والتشيؤ وتحتفظ بقدرة سالبة ونقدية عالية. لهذه الآثار الفنية، كما تتبدى لدى بيكيت أو شنبارغ أو فرانس كافكا Franz Kafka (1924–1883)، قدرة على الإفلات من أخطبوط "الصناعة الثقافية"، وفي المقابل تضطلع بنقد "المجتمع المبرمج"، أو "التمرد الجمالي" على هذا المجتمع وفق مقولة لهربرت ماركوز Herbert Marcuse (1979–1898)، بقصد توقّع أو استشعار إستطيقي لرهان تحرر الأفراد.

(56) Theodor Adorno, Le Caractère fétiche dans la musique et la Régression de l’écoute (Paris: Allia, 2001), p. 73. (57) Theodor Adorno, Théorie esthétique (Paris: Klincksieck, 1989), p. 293.

ما الذي يجمع بين الآثار الفنية التي تُبدعها الطليعة؟ وفق أدورنو، يتمثّل المشترك بينها جميعًا في التنافر Die dissonanz؛ أي غياب أيّ انسجام وتناغم صلب الأثر الفني، ففي أعمال الموسيقار شنبارغ ثمة تمرّد على الموسيقى النغمية Tonal والتوجّه نحو اللانغمية Atonalitat، أو ما يطلق عليه الدوديكافونية

Zwolfton/ The dodecaphonism. ووفق منظوره، إن الطابع المتنافر واللامتناغم لموسيقى شنبارغ هو تعبير حيّ عن رفض الامتثالية الاجتماعية Social Conformism. عمومًا، يختصّ هذا البعد

المتنافر للأثر الفني بتسليط الأضواء على اللامساواة والتناقضات الخطيرة في المجتمع، وإذا كانت هذه الموسيقى صعبة الاستيعاب والفهم فلأنها تذكّرنا بوضعيتنا الصعبة والبائسة في مجتمعٍ تماهى مع النسق المبرمج. تجد عندئذ أعمال بيكيت في الأدب والمسرح نظيرًا لها في أعمال شانبرغ في الموسيقى؛ فقد تخلّص

بيكيت من قواعد النمط الكلاسيكي ليؤلف إنتاجات في مسرح العبث واللامعقول Absurd الذي يذكّرنا بوضعية العبث الواقعية التي يعيشها الأفراد كل يوم في المجتمعات الاستهلاكية الحديثة. ولا تتوافر في مسرحياته أيّ حبكة Intrigue، ولا تتضمن أيّ تماسك في السيناريو. والأدهى من ذلك، أن الحوارات فيها فاقدة لكل معنى، وأحيانًا مكرّرة، تتخلّل بعض مشاهدها لحظات من الصمت، وتتمثل دلالة هذا

الصمت في غياب المعنى في المجتمعات المبرمجة الحديثة. يقول مارك جيميناز (2023–1943): "ظل أدورنو إلى حدّ موته مقتنعًا أن موسيقى شونبارغ، وحدها، موسيقى حرية اللانغمية، تمنح، قبل الدوديكافونية والتسلسلية Serialism ةيرحلل لايًااصأ لا ثم،". إنّ الآثار الفنية ذات الطابع المتنافر وغير القابلة للإدماج من طرف النسق الاقتصادي تمثّل البعد السالب ل "المجتمع المبرمج"، وما نلاحظه فيها من تفكك واختلال هو تعبير عمّا يعيشه المجتمع المحكوم ب "الصناعة الثقافية" من وضعيات الصنمية والتشيؤ. يحيل هذا التشيؤ على ما هو أبعد من السلعنة، وتحديدًا على "استبعاد كل تغاير في الواقع من خلال إحلال مبدأ الوحدة"، وتبعًا لذلك، فإن "المتنافر" يساعدنا على الإفلات من الفيتشية أو الصنمية المعممة.

3. إعادة انبعاث الصنمية في السوسيولوجيا المعاصرة: دي بور وبودريار

في السياق السوسيولوجي الراهن، يُعاد توظيف مفهوم الصنمية لتوسيع دلالاته وتكثيف معانيه عبر إدخال عناصر جديدة، تشمل الرمز والعلامة والصورة والمشهد Spectacle. ويمكن القول إن الصنمية أصبحت مفهومًا ديناميكيًا ذا مرونة تتيح له التكيف مع سياقات ومواقف لم تُطرح في الأنثروبولوجيا

الدينية التقليدية أو الاقتصاد السياسي الماركسي، وحتى في بعض أبعاد "النظرية النقدية". واليوم، باتت هذه العناصر الجديدة مهيكلة للعلاقات الاجتماعية التي أصبحت أكثر عرضة للتشيؤ، لا سيما في ظل

((5(تقنية موسيقية تقوم على استخدام 12 نغمة متساوية من السلّم الموسيقي، بحيث تُعامَل جميع النغمات على قدم المساواة من

دون تفضيل أيّ منها نغمة أساسية أو مرجعية.

(59) Jimenez Marc, Qu’est–ce que l’esthétique ? (Paris: Gallimard, 1997), p. 387. (60) Theodor Adorno, Dialectique négative (Paris: Payot, 1992), p. 142.

هيمنة التكنولوجيا الرقمية على "العالم المعيش". ويُعدّ بودريار وغوي دوبور Guy Debord –1931(1994) نموذجَين بارزَين لتوجه فكري يعيد صياغة مفهوم صنمية العلامة والصورة من منظور نقدي، مستلهمًا بعض الجوانب من الروح الراديكالية للفكر الماركسي.

أ. صنمية الرمز/ العلامة لدى بودريار في "المجتمع الاستهلاكي"

يقول جيرار بريش Gérard Briche "الفكرة العامة لدى بودريار هو كون ماركس لم يخرج عن مقولات الاقتصاد السياسي البرجوازي، وخاصة أنه استعاد لحسابه الخاص مقولات مثل العمل والقيمة من خلال منحها صلاحية عامة عابرة للتاريخ. وهذه القراءة ليست خاطئة ولكنها أحادية". وضمن هذا التوجّه النقدي، اعتبر بودريار أن البشر في المجتمعات الحديثة لا يستهلكون الأشياء بقدر ما يستهلكون الرموز والعلامات، لا سيما علامات البضائع، وبناء على ذلك، يحدد مشروعه على هذا النحو: "القيام بتحليل الشكل/ الرمز مثلما اقترح علينا نقد الاقتصاد السياسي تحليل الشكل/ البضاعة". على صعيد المجتمع يهيكل الاستهلاك العلاقات الاجتماعية، أما على صعيد الفرد فلم يعد الاستهلاك وسيلة لإشباع الحاجات بل لتحقيق الرغبات سعيًا إلى تمايز الفرد من غيره. ينظر بودريار إلى الصنمية في المجتمع الاستهلاكي بصورة أشمل من ماركس، فهي تمتدّ إلى مجموع الرموز التي تتحكّم في التفاعلات الاجتماعية. لم تعد الأشياء بضائع بل أصبحت رموزًا تحمل في طياتها قيمًا، فنحن لا نستهلك أشياء لمنفعتها ولحاجتنا المباشرة إليها، بل لأنها ترمز إلى شيء آخر، فهي تحيل على الصورة والمنصب والمركز الاجتماعي للأشخاص، من هنا، اتخذت الصنمية شكلًا جديدًا في المجتمعات الاستهلاكية الحديثة؛ إذ صار الأفراد محكومين بنسق يثمّن المظهر و"السوميلاكر" Simulacre بدلًا من الجوهر الحقيقي. يعالج بودريار صنمية الرمز من زاوية الإشهار، ويلاحظ أن الخبراء الاستراتيجيين Les stratèges في هذا الميدان يضفون مشاعر على رموز البضائع ويُسقطون عليها قدرات وفضائل متنوعة، كالصحة والرشاقة والنجاح. ويتمثل الهدف من وراء ذلك تمجيد البضاعة من أجل التشجيع على استهلاكها والإيهام بأنّ اقتناءها يسمح بتملّك الفضائل والخصال التي أسقطوها عليها، ثمة، إذًا، استراتيجية للإغراء. في هذا المستوى، نلاحظ بجلاء التحديد الكلاسيكي للصنمية بوصفه إضفاء قدرات وتمثلات على الشيء؛ على أمل تحقيق ضرب من الفضيلة أو الخير. وهنا، يجد المستهلكون أنفسهم عالقين في حلقة يبحثون فيها عن تحقيق انتظارات أنشأتها فيهم شبكات الدعاية أو الإشهار؛ ما  كرّس

حالة من التبعية للأشياء، "فالإشهار برمّته لا معنى له، إنه لا يحمل سوى دلالات. وهذه الدلالات

(والشروط التي تستنجد بها) ليست شخصية البتة، فهي كلها تفاضلية، إنها هامشية وتوافقية". وفي

(61) Gérard Briche, "Baudrillard lecteur de Marx," Lignes , vol. 1, no. 31 (2010), p. 92. (62) Jeans Baudrillard, Pour une critique de l’économie politique du signe , coll. NRF (Paris: Gallimard, 1970), p. 172. (63) Jeans Baudrillard, La société de consommation, ses mythes ses structures (Paris: Denoël, 1970), p. 35.

فصل "الصنمية والأيديولوجيا: الإرجاع السيميولوجي"، ينقد بودريار الأيديولوجيا الثاوية خلف هذه الديناميكا الصنمية، فالأيديولوجيا لا تتجلّى باعتبارها بنية الفوقية، بل نظامًا بنيويًا يضبط رغبات

الأفراد وسلوكياتهم، وهذا النظام حاضر بكثافة في الثقافة ويؤثر بعمق في الطريقة التي يتفاعل من خلالها الأفراد مع الأشياء، ومن ثمّ، ليست الصنمية سوى وسيلة اغتراب حيث صار الأفراد محكومين

بنسق أو نظام من الرموز يشكّل هوياتهم ورغباتهم.

ب. صنمية الصورة في "مجتمع المشهد" (دي بور)

يبدو المشهد، وفق قراءة دي بور لأعمال ماركس ولوكاتش، المرحلة العليا لصنمية البضاعة، ولا يرى في "المشهد مجرد تراكم للصور، بل علاقة اجتماعية بوساطة هذه الصور"، إنه واقع زائف ومغالط. ووفق عبارته: "إن المشهد هو الخطاب المتواصل الذي يحتفظ به حول نفسه، هو المونولوج المدحي. إنه الملمح الذاتي لسلطة التصرف الشمولي في شروط الوجود. يخفي المظهر الصنمي للموضوعية الخالصة طابع العلاقة بين البشر وبين الطبقات ضمن علاقات عجيبة: يبدو أن هناك طبيعة ثانية تهيمن على محيطنا بقوانينها القاتلة". وهكذا، يتخذ المشهد عدة دلالات؛ أهمها أنه علاقة اجتماعية بين أشخاص بوساطة الصور، وهو في الآن نفسه جهاز دعاية بيد رأس المال للسيطرة على حياة الأفراد. إن المشهد كما يرى دي بور هو اللحظة التي تصل فيها البضاعة إلى احتلال كل الحياة الاجتماعية، ومن هنا، يتحوّل المشهد إلى وسيلة اغتراب؛ ما يجعل الأفراد لا يشعرون بكونهم فاعلين بل مجرد

مستهلكين سلبيين. وتبرز هنا الصنمية أشد جلاءً حين تكتسب البضاعة والصور صفة الاستقلالية؛ أي

تبدو منفصلة عن العلاقات الإنسانية التي تستند إليها، فعلى هذا النحو تتحول الصورة إلى مجرد صنم

يطمس هذه العلاقات مختزلًا الفرد في مجرد مستهلك. وتبعًا لذلك، وفي وسط عالم مشبع بالصور التي تحيط بنا في كل مكان وتغمر حياتنا اليومية، تبدو الصورة كأنها كيان مستقل، تعمل كأنها جزء لا يتجزأ من وجودنا، أشبه بالهواء الذي نتنفسه من دون وعي دائم بإنتاجه. تعدد الوسائط والموضوعات، وتكرار عمليات البث وإعادة الإنتاج بلا حدود، إلى جانب التطورات التي وفرتها التكنولوجيا الرقمية في سهولة التقاط الصور واستخدامها، كلّها عوامل ساهمت في فصل المتلقّي عن مصدر الصورة وعن سياقها الأصلي. وفي ظل هذا التكرار المفرط، يغيب عن أذهاننا أن كل صورة هي نتاج عمل فرد له نيات وتوجهات ورؤية خاصة. ننسى أنّ الصورة، قبل أن تصبح مادة مرئية متداولة، كانت تعبيرًا عن علاقة أصيلة وخاصة بين المبدع والمتلقّي، علاقة

تهدف إلى التواصل والتأثير. ومع الوقت، نتوهّم أنّ الصورة تمتلك "طبيعة ذاتية" أو جوهرًا مستقلًا،

وهو انطباع مضلل يتجاهل حقيقة أنها منتج خاضع للتبادل. وتمامًا كما في مفهوم صنمية السلعة،

تتراجع القيمة الاستعمالية للصورة لتحلّ محلها القيمة التبادلية، حيث تُستخدم الصور في الترويج

(64) Jean Baudrillard, "Fétichisme et idéologie, la réduction sémiologique," in: Pour une critique de l’économie politique du signe , pp. 95–113.. Debord Guy, La Société du spectacle (Paris: Champ Libre, 1967):(ينظر: الأطروحة الرابعة في (6((66) Ibid., p. 36.

والإعلان ونقل الأخبار، لكنها تتحول في بعض الأحيان إلى أداة مشوهة تخدم أغراضًا بعيدة عن معناها الأصلي. بهذا المعنى، تصبح الصنمية ظاهرة حاضرة في المشهد البصري الحديث، حيث يُستبدل بالحقيقة الملموسة سلسلة من الصور التي يُعاد إنتاجها وترويجها بوصفها الحقيقة الأشدّ وضوحًا وحسّية. لنأخذْ هنا مث لًا من الإشهار: في الإعلانات المرئية أو المعلّقات الإشهارية، يبرز تداخل العلامة التجارية مع الشعار والمنتَج نتيجة مباشرة لفعل الصنمية، فعند إنشاء صورة لعلامة تجارية، تصبح العناصر الأساسية للمنتَج، مثل مكوناته ومحتواه ونوعه وأسلوبه ومنفعته، ذات أهمية ثانوية. وينصبّ

التركيز الأساسي على إبراز العلامة التجارية بذاتها، متجاهلة كل الاعتبارات الأخرى المرتبطة بالمنتَج. ويرى ديبور أنّ المشهد، باعتباره أحد منتجات الرأسمالية المتقدمة، قد أصبح أداة فعالة للحفاظ على النظام القائم. فهو يعمل على تحييد أيّ احتجاج أو رغبة في التحرر. بل إنّ كل محاولة للتمرّد أو التغيير

يجري استيعابها وإعادة صياغتها بوصفها جزءًا من هذا المشهد. من هنا، يصبح التغيير الجذري صعب

المنال. في النهاية، تتماهى الصنمية مع الأيديولوجيا بوصفها "وعيًا زائفًا"، وأداة لتبرير الواقع القائم؛

ما يعزز النظام السائد ويحدّ من إمكانيات التغيير الفعلي.

ثالثًا: أهمية المفهوم المترحل في ترسيخ المقاربة البينية

تبيّن أن الصنمية (أو الفيتشية) مفهوم متحوّل، مهاجر يحلّق فوق الأقاليم Territoires، ولا يعني ترحّله

شيئًا غير انزياحاته التي تكسبه في كل مرة معنى جديدًا، ربما "خيط إفلاته" الحقيقي، بعبارة دولوز، من "الأنثروبولوجيا الدينية" (خاصة مع دي بروس) وفلسفة الدين (خاصة كانط) والتاريخ (هيغل)، إلى "إعادة أرضنته Reterritorialisation " الذي اضطلع به ماركس، وبدرجة أقلّ مع فرويد؛ ليشهد مجددًا انبعاثات أخرى على درب التشخيص والنقد. ولا يعني هنا إفلات الصنمية من بردايم إلى آخر؛ أي من "نمط اعتقاد" إلى "آلية للنقد" قطيعة، بل تحوّل في مسار المفهوم؛ إذ إنها تبقى على الدوام وشائج قربى دلالية وعرفانية بين التخصصات التي تحرّك ولا يزال يتحرك في ثنايا مقارباتها، مثل مسار

الإخفاء وإضفاء قدرات سحرية على شيء ينشئه الأشخاص وينجذبون إليه. من هنا، يتنافى القول بهذه القطيعة مع الروح البينية ويقطع الطريق أمام الاستجابة لمقاصدها. يقول موران: "سيغدو الروح الموغل في تخصصه Hyper disciplinaire روحًا متملّكًا يمنع كل توغّل خارجي إلى رقعته المعرفية"، وبحسب هذه المعاينة، تغدو التخصصات المعرفية مجرّد جزر

لا روابط أو جسور بينها في محيط فسيح الأرجاء، وفي المقابل نكون في مواجهة واقع شديد التركيب

(67) Debord, p. 37.

(6((مصطلح "إعادة الأرضنة" أبدعه دولوز في كتابه: أوديب–مضاًّدًا Anti–Oedipe الذي كتبه بالاشتراك مع فيليكس غوتاري Félix Guattari (1992–1930). يشير هذا المصطلح إلى العملية التي يجري من خلالها إعادة إدماج أو تثبيت العناصر التي تعرّضت إلى

"نزع الأرضنة" Déterritorialisation في سياقات أو أنظمة جديدة.

(69) Morin, La méthode , vol. 1, p. 150.

يعسر النفاذ إلى دواخله ورصد العلاقات بين العناصر المكوّنة له. للمفاهيم المترحّلة بوصفها مفاهيم

متحوّلة بحسب السياقات التي تتنزّل فيها (على غرار الصنمية) دورٌ مهمّ كما تبيّن في تجسير الفجوة

بين التخصصات المعرفية وإقامة تفاعلات ثريّة فيما بينها. وفي وسعنا أن نستخلص من دون عناء أنه ما  كان لمفهوم الصنمية الاضطلاع بهذا الدور لولا تمتّعه بخصائص لافتة أهمها: 1. المرونة: لهذا المفهوم كسائر المفاهيم المترحّلة أو المهاجرة قدرةٌ على التكيّف مع سياقات

معرفية متنوعة، وتسمح له هذه الخاصية المهمة بقابلية الاستثمار أفقيًا وفي اتجاهات مختلفة. 2. الترابط البيني Interconnexion: فقد ساعد مفهوم الصنمية على إقامة تبادل وحوار بين تخصّصات معرفية متباينة من الأنثروبولوجيا إلى الفلسفة، ومن الاقتصاد السياسي إلى السوسيولوجيا، ومن الإستطيقا إلى الأدب بصرف النظر عن الصيغة التي يقدّم فيها نفسه: مجاز، مفهوم، نظرية، مقولة... إلخ. 3. التطوّر: غيّر هذا المفهوم معانيه وطوّرها على نحو لافت كلّما التحق بأرض أو إقليم جديد،

ما أسهم في غزارة الأفكار وإثراء المعارف المنتظمة حوله، فهو يتبدّى طورًا كاعتقاد بدائي خصوصي (هيغل) أو كوني (كونت)، وآلية للنقد (ماركس، لوكاتش، أدورنو، بودريار... إلخ)، وأيضًا مسار انحراف عن الموضوع الأصلي للرغبة (فرويد) طورًا آخر، وكل هذه المعطيات تحول دون اعتبار الاتجاه الترحّلي Nomadisme عمومًا، كما ذهب إلى ذلك عبد العزيز العيّادي، نزعة

لا معيارية Anomie أو رُهابًا من الأماكن المغلقة Claustrophobie، بل انبعاثًا للتدفّقات الخّلا قة والخيارات والإمكانات. منحت كلّ هذه الخصائص هذا المفهوم مقدرة فعلية على الإفلات المستمرّ والحركية الدؤوبة بين

التخصصات، أو لنقل "حالة ملحوظة من الانتشار البيني كسائر المفاهيم المترحلة أو المهاجرة التي اعتبرها البعض بمنزلة 'لقالق الفلسفة"' Les cigognes de la philosophie، ويُنظر إلى هذا النوع من الطيور عادة على أنه رمز للهجرة والتجديد وتواصل دورات الحياة، وأيضًا على القدرة على التكيّف

والصمود في وجه التغيرات المتعددة الأشكال. بدا مفهوم "الصنمية" كما لو كان جسرًا بين أقاليم، وفي

كل إقليم يحلّ فيه لا يكتسب معنى جديدًا فحسب، بل يتحول أداة استكشافية ووسيلة للنقد، وأيضًا بردايمًا تنتظم حوله مفاهيم جديدة تستلهم منه توجهاتها الخصوصية، ويتحرك غير عابئ بالحواجز

الفاصلة بين أبرز خطابات العلوم الإنسانية والفنية. ولأجل ذلك، لا يتميز بطابعه الهدمي؛ أي تحطيم الحواجز فحسب، بل بطابعه الخّلا ق؛ لأنه كلّما هاجر إلى إقليم أو أرض جديدة أنتج أفكارًا مستجدة عن واقع ظل مستغلقًا، ومجرّد أن يُصبح لِّيِنًا فهو وعد بمقاومة الانغلاق؛ أي انطواء التخصص الذي

صار عبئًا وعائقًا، ووجوده في حد ذاته ضمان ضد النزعة الاختزالية التي تفقّر موضوعات البحث وتستبعد بعدها الشمولي Holistique المركّب بالمعنى الذي قصده موران.

ينظر ((7:(

Laurent Fedi, Les cigognes de la philosophie. Études sur les migrations conceptuelles (Paris: L’Harmattan, 2002).

واجه مفهوم الصنمية تحدّيات من شأنها أن تحدّ من دوره الوسائطي بين التخصصات المعرفية، وخاصة منها التحديات المنهجية، كما نلاحظ ذلك في الانتقال من السوسيولوجيا إلى الأنثروبولوجيا، فمنهج السوسيولوجيا يغلب على دراساته الطابع الكمي، في حين يطغى على المنهج الأنثروبولوجي الطابع الكيفي الذي يجد في منهج "الملاحظة بالمشاركة" أحد أبرز آلياته، فالاختلاف المنهجي بين الخطابات قد يحدّ من الحركية المتدفقة لهذا المفهوم ويقيّده، ولو إلى حين. ولا يخفى عنّا

اللامبالاة التامة، وأحيانًا الحطّ من القيمة النظرية والاستكشافية لهذا المفهوم/ النظرية، وخاصة من طرف الأنثروبولوجي مارسيل موس الذي وجّه إليه سهام النقد لأصله الملتبس و"الأجوف بالمعنى

الكانطي"، واستناده إلى خلفية "التمركز الإثنوغرافي" الأوروبي، تبدو هذه النظرية كما هي معروضة في المقاربات الكلاسيكية، بحسب موس، "غير مطابقة لأيّ واقع، إنها لا تناسب إّلا سوء فهم هائل

بين حضارتين، الأفريقية والأوروبية، ولا أساس لها غير الطاعة العمياء للاستعمال الاستعماري وللغات الإفرنجية المنطوقة من طرف الأوروبيين". وهكذا، يتهم مارسال موس هذا المفهوم الذي "تحوّل إلى

نظرية طمست هذا الثراء المتعدد للظواهر الدينية الذي يجد تعبيرًا له خاصة في الطقوس الاحتفالية،

والمحرمات، وأساطير الأصل، وخاصة الرموز الطوطمية التي تعدّ أحد مفاتيح الفهم الإثنوغرافي لبعض الشعوب [...] وكل ذلك باسم مفهوم أحادي يستبطن النزعة المركزية الأوروبية، في مقابل ذلك، يتمّ إضفاء طابع خصوصي على ظاهرة عبادة الأوثان Idolâtrie والحال أن الواقع التاريخي يثبت أنها كونية وعابرة للثقافات. من الممكن وفق تقدير موس الحديث عن صنم من دون صنمية"؛ إذ إن من مسلّمات هذه النظرية التقليل من قيمة الثراء الديني والحطّ من أهمية الثقافات الأفريقية والتعلّق بأهداب نزعة كولونيالية مهيمنة. وهكذا، يقوم منطق "الاستعماري" المزدري لثقافة الآخر على التسليم بأن التعدد الثقافي ينتهي إلى الاستيعاب من طرف النموذج الثقافي الأوروبي والعقلانية الغربية الاستعمارية عامة. وفق هذا المنظور المتوجّس، يضع مارسيل موس مفهوم أو نظرية الصنمية في المقاربات الإثنولوجية

والأنثروبولوجية موضع مساءلة جذرية، ولا شكّ في أنه ينقده هنا في سياق استقراره؛ أي بمعزل عن بعده المترحّل والوسائطي وقبل خوضه مغامرة "نزع الأرضنة" وخيوط الإفلات من "الفضاء السلس"

بعبارة دولوز. ونجد لهذا الموقف النقدي أصداء لدى دوركهايم الذي انشغل أكثر بدراسة ظاهرة "الطوطمية" معتبرًا إياها جامعة لكل خصائص الظاهرة الدينية، وأنها (أي الطوطمية) ظاهرة اجتماعية

خاضعة لقواعد، ترتبط بجماعة محددة. وهي موضوع حقيقي للدراسات بالنسبة إلى الإثنولوجي، و"إنها بذلك تشكّل العبادة الأكثر بدائية التي عرفناها". صحيح أنّ الصنمية هي إسقاط مشوّه للقوة

الاجتماعية على أشياء وموضوعات لا روح فيها؛ أشياء وهبت قيمة مقدّسة لا تستند إلى طبيعتها

(71) Laurent Fedi, Fétichisme, Philosophie, Littérature (Paris: L’Harmattan, 2002), p. 265. (72) Marcel Mauss, Œuvres , vol. 2 (Paris: Minuit, 1969), p. 181.

ينظر ((7:(

Jean Pouillon, "Fétiches sans fétichisme," Nouvelle revue de psychanalyse , vol. 1, no. 2 (Automne 1970). (74) Fedi, p. 266.

الداخلية، بيد أن المشكل يتمثّل في كون النظرية الصنمية، بحسب دوركهايم، تعزل هذه الموضوعات الصنمية/ الفيتشية عن سياقها الاجتماعي وتصرف الانتباه عن القوى الاجتماعية الفعلية التي ترتكز عليها المشاعر الدينية. إجم لًا، نبّهنا بول لوران أسون إلى وجود مفارقة تضعها أمامنا المقاربة

الإثنولوجية، فكلّما هممنا بدراسة مفهوم الصنمية بوصفه من المفاهيم الأولى التي عرفت صياغتها وبلورتها الأولى مع بدايات هذا الخطاب، فإنه في الآن ذاته ظلّت الإثنولوجيا اليوم تنظر إليه بعين الشك والريبة. وفاضلًا عن هذه التحدّيات، فإن ما يواجه المقاربة البينية عمومًا هو انطواء الباحث على ذاته فلا ينظر

إّلا إلى الوجهة المخصوصة به، فلا ينفكّ يكدّس المعارف غير عابئ بالمستجدات الحاصلة في الحقول المتاخمة لاختصاصه متمترسًا في وضْع يطلق عليه غوسدرف "الإمبريالية الفكرية"، ويُفصح

عن حقيقته من خلال بعض الأمثلة: ميل الرياضي إلى اعتبار الرياضيات "علم العلم"، ومطالبة المؤرّخ

بالأولوية نفسها لاختصاصه، ورفع آخرين المطلب نفسه حين يتعلّق الأمر بالمعرفة البيولوجية. والحال أنه من الضروري أن تخلق المقاربة البينية فضاء مشتركًا للعمل بين المتخصصين في ميادين مختلفة لإضفاء ضرب من التماسك على الممارسة العلمية التي تكون موجّهة بإرادة مشتركة، والهدف من

وراء ذلك تجاوز مشاكل اللغات التقنية الدقيقة والانخراط في "مسار من التعلّم المتبادل"، وبعبارة غوسدرف: "يحمل موضوع المقاربة البينية دعامة جديدة [...] إنه يثير فضاءً مشتركًا وعاملًا مشتركًا

لتماسك المعارف المختلفة". على الرغم من هذه التحديات العديدة، تبدو المعرفة البينية موضوعًا حيويًا بالنسبة إلى الوعي العلمي المعاصر بالنظر إلى انفجار المعارف اليوم واشتغال الباحثين في حقول تشبه الجزر في محيط مترامي الأطراف. ولا شك في أن هذا التشتت يطرح من المشاكل ما يصعب حلّه إذا ظلّ أعضاء "الجماعة العلمية" جاثمين على رؤية أحادية ومنظور جزئي اختزالي لواقع يزداد تركيبًا وتعقيدًا كل يوم. وبناءً

على ذلك، لا يبدو أن هؤلاء مخيّرون في انتهاج مسلك التأسيس لهذه الممارسة العلمية البينية والعابرة

للاختصاصات Transdisciplinry، إنهم مضطرون إلى المُضيّ قُدمًا نحو هذه الوجهة من خلال

استثمار هذه الحركية التي تعرفها المفاهيم المترحلة. والأهمّ من ذلك كلّه، هو الانتباه إلى ضرورة أن يظلّ هذا "التأسيس البيني" حذرًا من كلّ نزعة موسوعية نسقية مغلقة، وحريصًا على انفتاح مناهج الاختصاصات بعضها على بعض من دون الوقوع في نزعة وضعانية ضيّقة Reduced positivism

تتمثّل في "فرض منهج خبري على العلوم الإنسانية والاجتماعية".

(75) Paul Laurent Asson, Le fétichisme (Paris: PUF, 1994), p. 9.

((7(عبّر عن هذا أيضًا معجم الإثنولوجيا حيث يقرّ مؤلفاه بأن مقولة الصنمية صارت مستعملة بصورة نادرة جدًا في الإثنولوجيا؛

إذ أدرك الباحثون في هذا الحقل أن العديد من الظواهر المتباينة جدًا وقع إدراجها ضمن هذا المصطلح بحسب المجتمعات وأن

هذه الظواهر بعزلها عن سياقها الثقافي غدت لا تشكّل مقولة إجرائية. ينظر:

Michel Panoff & Michel Perrin, Le dictionnaire d’ethnologie (Paris: Payot, 1973), p. 106. (77) Georges Gusdorf, Lignes de vie (Paris: Seuil, 1990), p. 872. (78) Ibid., p. 49.

خاتمة

أدى مفهوم الصنمية أو الفيتشية دورًا مهمًا في تجديد الرؤية لدى العديد من المباحث والقضايا، مثل

الاعتقاد أو الصناعة الثقافية أو الانحرافات النفسية والاجتماعية... إلخ، واللافت للانتباه هنا طرائق استثماره المتنوعة التي تُكسبه تعددية في المعنى مع كل استعمال يضطلع به اختصاص معرفي جديد. ولا يؤول بنا القول بتعدد المعاني إلى التسليم بفقدان هذا المفهوم لوحدته الأصلية؛ إذ إنه على الرغم من ترحاله المتجدّد، ظلت هويته راسخة بصرف النظر عن الإقليم الذي يحلّ به، وتتمثّل هويته الفكرية في منح الإنسان لشيء طبيعي أو من صنع يده قدرات ما فوق طبيعية، ثم يغدو بعد ذلك تابعًا له، نجد هذا المعنى حاضرًا سواء في الفلسفة أو الإثنولوجيا أو الاقتصاد السياسي الماركسي أو التحليل

النفسي الفرويدي... إلخ. ويتمظهر تحديدًا في شكل صنم في المجتمعات البدائية أو في بضاعة أو رمز أو صورة في المجتمعات الاستهلاكية الحديثة. وكلما هاجر هذا المفهوم، فإنّ ما يُطلب منه

باستمرار هو مزيد طَرْق آفاق جديدة للتفكير على درب استكشاف واقع في تحوّل دائم، وربّما ما يُسأل

عنه باستمرار هو كفايته النظرية على تفسير الظواهر المتجددة. قرّب هذا الترحال المفهومي بين خطابات تبدو متنافرة وموزّعة على الفلسفة والعلوم الإنسانية على

نحو يجعلها منفتحة بعضها على بعض في إطار تداخل أو تجارب حوارية ضمن أفق بيني، "لذلك فإن الطابع المهاجر هو ورقة رابحة أكثر منه عائقًا". على أنه من الضروري التنبيه إلى أن المقاربة البينية Interdisciplinarity المقصودة هنا ليست مجرد تجميع نسقي شكلاني للاختصاصات المعرفية المُدمَجة في قالب موسوعي ثابت كما ذكر غوسدرف، فإنْ نظرنا إليها من هذه الجهة فهي تشكّل أحد

"الأعراض المرضية" ولا تعبّر البتّة عن أي تقدّم إبستيمولوجي. بناءً عليه، ينبغي أن تكون الدراسات

البينية منطقًا للاكتشاف، وحواجز يجري إلغاؤها، وتواصلًا بين مختلف مجالات المعرفة، وتلاقحًا

متبادلًا. قد يقودنا الحفر في تراثنا العربي الإسلامي إلى العثور على إرهاصات لممارسات بينية معرفية لم تجد تأصيلها المعرفي بعد، مثلما نلاحظ ذلك في محاولة عبد الرحمن بن خلدون (808–732 ه/ –1332 1406 م) عند دعوته إلى التفاعل بين علم التاريخ وسائر العلوم الإنسانية والاجتماعية الأخرى، وخاصة علم العمران، وذلك ضمن سياق تأسيسي ل "الفن" الأول. فالسبيل الوحيد لإضفاء العلمية اللازمة له هو القطع مع الأهواء والتشيّع للمذاهب والتملّق للأمراء، ومع كل الطرائق التقليدية في التأريخ، وفي

المقابل الأخذ بالمطابقة مع أحوال العمران وعوارضه الذاتية. إن المؤرخ وفق الرؤية الخلدونية في حاجة متأكدة إلى المعارف المستقاة من علم السياسة وعلم العمران وسائر الأحوال والنحل... إلخ. وعلى هذا النحو، تقوم المقاربة البينية على فكرة خلدونية مبتكرة حول التكامل بين "العلوم الآلية" و"العلوم المقصودة لذاتها"، ويُعدّ علم العمران وسيلة لعلم التاريخ بما هو علم مقصود لذاته، تمامًا

مثل العلوم اللغوية التي هي وسائل للعلوم الشرعية، كالتفسير والحديث وغيرهما. وقد تؤدي هنا المفاهيم المترحّلة دورًا في توطيد هذا التكامل، وخير دليل على ذلك مفهوم "الشوكة" الذي يحمل

دلالة متاخمة وملازمة لمفهوم "العصبية". كان هذا المفهوم مسافرًا ومهاجرًا من سجٍّلٍ إلى آخر،

من "السياسة الشرعية" فقد استعمله أبو الحسن الماوردي (450–364 ه/ 1058–974 م) في الأحكام السلطانية، مرورًا بالكلام الأشعري حيث استخدمه أبو المعالي الجويني (478–419 ه/ 1085–1028 م)،

وكذلك أبو حامد الغزالي (505–450 ه/ 1111–1057 م) في فضحه للشيعة الباطنية ["لا قيام للإمامة إّلا بالشوكة"] وصولًا إلى علم العمران وعلم التاريخ، وفق المنظور الخلدوني. هكذا، سواء تعلّق الأمر بالثقافة العربية الإسلامية أو بالفكر والعلوم الإنسانية في الغرب، فإنّ ثمة مفاهيم مترحلة تؤدي دورًا مهًّمًا على مرّ التاريخ في ترسيخ التفاعل بين اختصاصات معرفية متباينة، أو

ما نطلق عليه اليوم "الممارسة المعرفية البينية".

References

المراجع

العربية

ابن عربي، محيي الدين. رسائل بن عربي. بيروت: دار الكتب العلمية،.2001

الأجنبية

Adorno, Theodor. Théorie esthétique. Paris: Klincksieck, 1989. ________. Dialectique négative. Paris: Payot, 1992. ________. Le Caractère fétiche dans la musique et la Régression de l’écoute. Paris: Allia, 2001. Assoun, Paul Laurent. Le fétichisme. Paris: PUF, 1994. Ayadi, Abdelaziz. Philosophie nomade, un diagnostic de notre temps. Préface d’Angèle Kremer Marietti. Paris: L’Harmattan, 2009. Baudrillard, Jean. La société de consommation, ses mythes ses structures. Paris: Denoël,

________. Pour une critique de l’économie politique du signe. Paris: Gallimard, 1970. Briche, Gérard. "Baudrillard lecteur de Marx." Lignes. vol. 1, no. 31 (2010). Comte, Auguste. Cours de philosophie positive. Paris: Hermann, 1975. Darbelly, Frédéric. La circulation des savoirs: Interdisciplinarité, concepts nomades, analogies, métaphores. Lausanne: Peter Lang Verlag, 2012. Deleuze, Gilles. L’Ile déserte et autres textes (1953–1974). Paris: Minuit, 2002. Debord, Guy. La Société du spectacle. Paris: Champ Libre, 1967. Fedi, Laurent. Fétichisme, Philosophie, Littérature. Paris: L’Harmattan, 2002. Freud, Sigmund. Trois essais sur la théorie sexuelle. Paris: Gallimard, 1989. Gusdorf, Georges. "Passé, présent, avenir de la recherche interdisciplinaire." Revue internationale des sciences sociales. vol. 29, no. 4 (1977). ________. Lignes de vie. Paris: Seuil, 1990.

Hegel, Friedrich. La raison dans l’histoire. K. Papaioannou (trad.). Paris: UGE, 1965. ________. Leçons sur la philosophie de l’histoire. Paris: Vrin, 1967. Iacono, Alphonso. Le fétichisme, histoire d’un concept. Paris: PUF, 1992. Kant, Immanuel. La religion dans les limites de la simple raison. Paris: Vrin, 1994. Koselleck, Reinhart. Contribution à la sémantique des temps historiques. Paris: Éditions de l’EHESS, 1990. Lalande, André. Vocabulaire technique et critique de la philosophie. 2 nd ed. Paris: PUF,

Lévy–Bruhl, Lucien. La mentalité primitive. Paris: Alcan, 1922. Marx, Karl. Le capital. J. Roy (trad.). Paris: Champs–Flammarion, 1985. Mauss, Marcel. Œuvres II. Paris: Minuit, 1969. Morin, Edgar. Introduction à la pensée complexe. Paris: Seuil, 1990. ________. La méthode. Tome I. La nature de la nature. Paris: Seuil, 1998. Morin, Edgar et al. Interdisciplinarité et sciences humaines. Paris: Unesco, 1983. Nietzsche, Friedrich. Humain, Trop Humain. Angèle Kremer–Marietti (trad.). Paris: Livre de poche, 1995. Pouillon, Jean. "Fétiches sans fétichisme." Nouvelle Revue de Psychanalyse. vol. 1, no. 2 (1970). Sobel, Richard. "Fétichisme de la marchandise et ontologie sociale chez Marx." Cahiers d’ économie politique. vol. 1, no. 70 (2016). Springborg, Robert. "State–Society Relations in Egypt: The Debate Over Owner–Tenant Relations." Middle East Journal. vol. 45, no. 2 (Spring 1991).