العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تكنولوجيا وسائط التواصل الاجتماعي ونقد الأيديولوجيا الجندرية في فلسفة كاثلين ستوك

تكنولوجيا وسائط التواصل الاجتماعي ونقد الأيديولوجيا الجندرية في فلسفة كاثلين ستوك

Social Media Technology and the Critique of Gender Ideology in Kathleen Stock’s Philosophy

مايكل مدحت *

Michael Medhat *

الملخّص

تهدف هذه الدراسة إلى البحث في مسألة العلاقة بين وسائط التواصل الاجتماعي والنقد الذي قدمته كاثلين ستوك لأيديولوجيا الهوية الجندرية، باستخدام المنهج التحليلي النقدي. تبدأ الدراسة بمقدمة حول الطابع الإشكالي لوسائط التواصل الاجتماعي في سياق الفلسفة النسوية. ويدور المحور الأول منها حول نقد ستوك للنموذج الأدائي للهوية الجندرية، والتأثير المحتمل لهذه الوسائط في طرائق تكوينها. ويناقش المحور الثاني تحليل دور وسائط التواصل الاجتماعي في تحويل الهوية الجندرية إلى أيديولوجيا في ضوء فكرة الانغماس في الخيال، وعلاقة ذلك بمعايير إنتاج المعرفة وحرية التعبير عن الرأي في الحياة الأكاديمية. ويقدم المحور الثالث مقاربة نقدية لآراء ستوك. وأما الخاتمة، فتحتوي على أهم النتائج والخلاصات العامة التي توصلت إليها الدراسة.

Abstract

Abstract: This paper explores the relationship between social media and gender identity, particularly through the work of Kathleen Stock in her critique of "gender identity ideology". The study begins with an introduction to the problematic nature of social media in the context of feminist philosophy. The first section deals with Stockʼs analysis and criticism of the performative model of "gender identity"and the possible effects of social media on its formation. The second section looks at Stockʼs analysis of how social media can facilitate the transformation from "gender identity" to "gender ideology" in light of the notion of immersion in fantasy, and explores its implications for the standards of knowledge production and freedom of expression in academic life. The third section provides a critical approach to Stockʼs philosophy. The study concludes with a summary of the most important outcomes.

الكلمات المفتاحية:
  • وسائط التواصل الاجتماعي
  • الهوية الجندرية
  • الأيديولوجيا الجندرية
  • النسوية
Keywords:
  • Social Media
  • Gender Identity
  • Feminist Theory
  • Kathleen Stock

والنقد الذي قدمته كاثلين ستوك لأيديولوجيا الهوية الجندرية، باستخدام المنهج التحليلي

النقدي. تبدأ الدراسة بمقدمة حول الطابع الإشكالي لوسائط التواصل الاجتماعي في سياق

الفلسفة النسوية. ويدور المحور الأول منها حول نقد ستوك للنموذج الأدائي للهوية الجندرية،

والتأثير المحتمل لهذه الوسائط في طرائق تكوينها. ويناقش المحور الثاني تحليل دور وسائط

التواصل الاجتماعي في تحويل الهوية الجندرية إلى أيديولوجيا في ضوء فكرة الانغماس في

الخيال، وعلاقة ذلك بمعايير إنتاج المعرفة وحرية التعبير عن الرأي في الحياة الأكاديمية.

ويقدم المحور الثالث مقاربة نقدية لآراء ستوك. وأما الخاتمة، فتحتوي على أهم النتائج

والخلاصات العامة التي توصلت إليها الدراسة.

الفلسفة النسوية، كاثلين ستوك.

مقدمة

تتنوع المقاربات التي تتناول علاقة وسائط التواصل الاجتماعي بالهوية الجندرية وإعادة إنتاج الأدوار الجندرية النمطية، وتتقاطع هذه المقاربات وتتعارض فيما بينها، ومع ذلك، فإن البدايات الأولى للأدبيات التنظيرية في حقل الدراسات النسوية والجندرية كانت في أغلبها تحمل نوعًا من الأمل في أن تؤدي تعددية الأداء الشخصي القابلة للتوزيع على نطاق واسع، والتي تتيحها

مثل هذه الوسائط، إلى تدمير المنظورات الكلاسيكية للهوية الجندرية وزعزعتها، وتقويض النظم البطريركية التي تفرض "السيطرة المطلقة للذكور على الإناث وأطفالهن، باعتبارها الأساس الرئيس لأي نظام اجتماعي ظالم". وكان من المفترض أن تمكّن وسائط التواصل الاجتماعي النساء الصغيرات وتدعمهن في مواجهة الصور النمطية لوسائط الإعلام التقليدية وتزودهن بقوة خطابية تمكنهن من تقديم سرديات متنوعة لحياة النساء، و"التحرر من القيود الجندرية التي تحول دون تحقيق المساواة الاجتماعية"، ومن البناء القصدي لتعريفات جديدة لما تعنيه مفردة "فتاة". وفي هذا السياق، "تم التنظير لوسائط التواصل الاجتماعي باعتبارها فضاء للمستخدمات من النساء ليس فقط للتوسع في انخراطهن وتأثيرهن، بل أيضًا في تقوية هذا التأثير في أشكال الفهم المقيدة للجندر". ويتبنى هذه الرؤية أنصار الموجة الثالثة من النسوية؛ إذ لا يرين في النسوية فلسفة لجميع النساء، بل "فلسفة للجميع ولا تقتصر على جماعة بعينها". ويعرفن النسوية ذاتها بوصفها نوعًا من الشمول

Inclusiveness. ويرين في وسائط التواصل الاجتماعي "عاملًا محفزًا للانتقال إلى الموجة الرابعة من

النسوية"، وأداة محتملة لتوليد سياق يتحقق فيه "نوع من التجرد (عادة ما يكون جزئيًا) من الوجود

الجسدي والخبرة الجسدية"، بل يذهب بعضهن إلى أن هذه الوسائط قد يكون لها تأثير علاجي في "التغلب على ما تسميه جوديث باتلر (1956–) الميلانخوليا الجندريةGender Melancholia ".

(((مانويل كاستلز، شبكات الأمل والغضب: الحركات الاجتماعية في عصر الإنترنت، ترجمة هايدي عبد اللطيف (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص.35

(2) Tetiana Kostiuchenko & Tamara Martsenyuk, "Gender," in: Kerric Harvey (ed.), Encyclopedia of Social Media and Politics , vol. 1 (Los Angeles: SAGE Publications, 2104), p. 569. (3) Ibid. (4) Kathleen Stock, Material Girls: Why Reality Matters for Feminism (London: Fleet Little Brown Book Group, 2021), p. 214. (5) Michiel Van Ingen, Steph Grohmann & Lena Gunnarsson (eds.), Critical Realism, Feminism, and Gender: A Reader (New York: Routledge, 2020), p. 283. (6) Robert Hassan & Thomas Sutherland, Philosophy of Media: A Short History of Ideas and Innovations from Socrates to Social Media (New York: Routledge, 2017), p. 115.

(((تستخدم باتلر مصطلح الميلانخوليا الجندرية للإشارة إلى الحالة المرضية التي تكون عليها الذات، عندما يكون الإنسان مجبرًا

على اختيار هويته الجندرية في سياق ثقافة تتبنى مصفوفة الغيرية الجنسية فقط، وتكبت إمكانات تكوين الهوية واستكشافها وفقًا

لأي نموذج آخر. والمقصود هنا هو أن وسائط التواصل الاجتماعي تتيح للذات إمكانية تحدي المعايير والقيود الجندرية التقليدية، وتوفر فضاء حرّا لاستكشاف الهوية والتعبير عنها. ينظر في ذلك:

Judith Butler, "Melancholy Gender—Refused Identification," Psychoanalytic Dialogues , vol. 5, no. 2 (1995), pp. 165–180. (8) Nancy Mandell & Jennifer L. Johnson, Feminist Issues: Race, Class, and Sexuality (Toronto: Pearson, 2017), p. 91.

لكن سرعان ما تبدد هذا الأمل الباعث على الطمأنينة، وبدا بعيدًا عن الواقع، فقد تواترت الدراسات التي تشير إلى تبني تمثلات وسائط التواصل الاجتماعي "لمُثل غير واقعية عن الجندر، سواء بالنسبة إلى الرجال أو النساء، تشجعنا على تشخيص الصورة الطبيعية للجسد ووظائفه بوصفها مرضًا". على العموم، كشفت لنا الدراسات عن وجود "دلائل متزايدة على أن أنماطًا محددة من استخدام وسائط التواصل الاجتماعي يمكن أن تمثل خطورة فيما يتعلق بتطور المشكلات العقلية لدى أنواع محددة من البشر". ومن ثم، تحولت البيئة سريعة التغير للفضاء الافتراضي إلى "وسيط غير مسبوق للتواصل والحوار، ولكنه يثير أيضًا إشكاليات أخلاقية عميقة، تتعلق بالمخاطر والفوائد التي تقدمها هذه الوسائط"، خاصة فيما يتعلق بمسألة الهوية. وهذا هو المنظور الذي تتبناه النسوية الراديكالية Radical Feminism والنسوية الناقدة للجندر Gender Critical Feminism، اللتان تريان أن ما تقدمانه من رؤى بمنزلة "علاج للانحراف الذي جعل الفلسفة النسوية متاحة للجميع وتناقش جميع الموضوعات، بدلًا من كونها صوتًا للنساء وتعبيرًا عن مشكلاتهن ورؤيتهن للعالم"، وتطرحان تساؤلًا عن سبب عدم السماح "للنساء بالتمركز حول أنفسهن في حركة التحرير الخاصة بهن؟"، وتنظران إلى وسائط التواصل الاجتماعي بوصفها أدوات تملك القدرة على حشد المستخدمين في "صوامع قوامها الغضب وجنون الارتياب"، وعلى توليد "ممارسات جديدة للتلاعب التواصلي مثل تأجيج الغضب Flaming وتصيد الأخطاء Trolling "، ويمكن أن يلحق تأثيرها الفيلسوفات النسويات الناقدات للجندر أنفسهن. ونتيجة لهذا التعارض بين منظورين لوسائط التواصل الاجتماعي: أحدهما يراها أداة للتعبير عن الهوية والكشف عن إمكاناتها وضرورة استخدامها بصورة موضوعية لضمان تعزيز الشمول والتضمن لجميع الهويات الجندرية، والآخر يراها أداة قد تعزز الانغماس في أوهام الهوية (أو تحررها) وضرورة التعامل معها برؤية قوامها الشك والوعي والنقد، تبرز أهمية السؤال حول طبيعة العلاقة بين هذه الوسائط والهوية الجندرية، والأيديولوجيا المعبرة عنها، وما يرتبط بها من مخاطر واضطرابات.

(9) Julia T. Wood, Gendered Lives: Communication, Gender, and Culture (Belmont, CA: Wadsworth Cengage Learning, 2009), p. 282. (10) Devan Rosen (ed.), The Social Media Debate: Unpacking the Social, Psychological, and Cultural Effects of Social Media (New York: Routledge, 2022), p. 162. (11) Rocci Luppicini & Rebecca Adell (eds.), Handbook of Research on Technoethics (Hershey, PA: IGI Global, 2009), p. 296. (12) Holly Lawford–Smith, Gender Critical Feminism (Oxford: Oxford University Press, 2022), p. 13. (13) Ibid., p. 4. (14) Aleardo Zanghellini, "Philosophical Problems with the Gender–Critical Feminist Argument against Trans Inclusion," Sage Open , vol. 10, no. 2 (2020), p. 10. (15) Ibid.

وفي هذا السياق تأتي أطروحات الفيلسوفة الإنكليزية كاثلين ستوك حول وسائط التواصل الاجتماعي ونقد أيديولوجيا الهوية الجندرية بمنزلة حوار عقلي بارع على الطراز السقراطي تستشكل فيه البدهيات الزائفة، وتبتكر فيه إشكاليات جديدة، وتتناول أفكار محاوريها بالتحليل، وتغمرها بالتساؤلات، وتعرضها في أفضل صورة ممكنة، لتنتهي بالكشف عما يكمن فيها من تصورات ضمنية وافتراضات مسبقة متناقضة، ومن ثم تطوّر أطروحاتها في شكل مقاربة بديلة محتملة. وكما كان سقراط يمارس فعل التفلسف بين أبناء مدينة أثينا، فإن ستوك وجدت نفسها مرغمة على ما يشبه ذلك من خلال محاورات الاتحادات الطلابية، ومناظرات وسائل الإعلام، وجدالات وسائط التواصل الاجتماعي. والأداة الأثيرة لستوك في عرض موقفها الفلسفي هي وضوح الأسلوب وعمق المعالجة، والحجاج المستند إلى الدليل. وهدفها المنشود هو تجاوز أفق الافتراضات المعطلة للمحادثة، والدفاع عن معقولية الطبيعة البشرية وحرية التعبير عن الرأي. وتركز إشكالية هذه الدراسة على دور وسائط التواصل الاجتماعي في النقد الذي قدمته ستوك لأيديولوجيا الهوية الجندرية، انطلاقًا من التعارض بين الموجة النسوية الثالثة والنسوية الناقدة للجندر. يرتبط هذا الدور بإشكاليات تتعلق بالهوية الجندرية في الفضاء الأخلاقي، وبتحول الخطاب المعبر عن هذه الهوية إلى أيديولوجيا في الفضاء السياسي. وتقدم ستوك مقاربتها لهذه الإشكالية في ضوء مقولة الانغماس في الخيال، التي توضح من خلالها أن نموذج الهوية الجندرية السائد في أدبيات الموجة الثالثة من النسوية قاصر ومعيب؛ لأنه يضع تصوراته عن الهوية بمعزل عن المحددات البيولوجية للجسد ويتصور الجندر بوصفه بِنَاءًاجتماعيًا يعبر عن الهوية بصورة تتجاوز مفردات الواقع

المادي. وتزداد هذه الإشكالية عمقًا وتعقيدًا عندما تولّد وسائط التواصل الاجتماعي بيئة افتراضية، تعزز من احتمالات الانغماس في أخيلة الهوية الجندرية، وتسهم في تحويلها إلى أيديولوجيا، وتضع الذات الإنسانية بصورة غير ممتحنة في مواجهة مجموعة من المعضلات النفسية والأخلاقية والسياسية.

((1(كاثلين ستوك (1972–) فيلسوفة إنكليزية ولدت بمدينة أبردين Aberdeen، ونشأت بمدينة مونتروز Montrose الإسكتلندية. حصلت على الماجستير من جامعة سانت أندروز Saint Andrews، ونالت الدكتوراه من خلال المنحة التي حصلت عليها للدراسة بجامعة ليدز Leeds. عقب تخرجها، عملت لمدة قصيرة بجامعة لانكستر Lancaster قبل الالتحاق بجامعة ساسكس Sussex عام 2003؛ حيث عملت أستاذة للفلسفة حتى عام 2021. بدأت حياتها الأكاديمية بالاهتمام بالأسئلة الجمالية المتعلقة بالخيال، والعلاقة بين الخيال والوهم، والصور العقلية، وإمكانية التعلم من التخيل، وتعريفات الفن، والإستطيقا النسوية. وما إن تحولت اهتماماتها

إلى حقل الدراسات الجندرية، وبمجرد صدور كتابها فتيات مادياتعام 2021، ثارت عاصفة من النقد في الوسط الأكاديمي البريطاني، وانتشرت الاحتجاجات الطلابية على نطاق واسع، وتحولت وسائط التواصل الاجتماعي إلى ساحة معركة افتراضية. والسبب في ذلك هو أن آراءها عن "الهوية الجندرية" قوبلت بالرفض التام. وبعد أن تقلدت وسام الإمبراطورية البريطانية عام 2020، اضطرت إلى تقديم استقالتها من قسم الفلسفة بجامعة ساسكس، عقب الحملة التي قام بها الطلاب للمطالبة برحيلها. وجاء الدعم المعنوي لستوك في صورة خطاب مفتوح وقعه أكثر من مئتي فيلسوف أكاديمي من المملكة المتحدة دفاعًا عن حريتها الأكاديمية.

من أهم مؤلفاتها تخيل فقط Only Imagine (2017)، و فتيات ماديات Material Girls).2021((1((تقدم ستوك انتقادها لأيديولوجيا الهوية الجندرية في كتاب فتيات مادياتمن منظورات متنوعة (أخلاقية، وسياسية، واجتماعية،

وعلمية، وفي بعض الأحيان تاريخية)، لكن إشكالية هذه الدراسة تتركز على نحوٍ دقيق على منظور وسائط التواصل الاجتماعي وما يترتب عليه من إشكاليات أخلاقية تتعلق بتكوين الهوية الجندرية وتمظهراتها، وإشكاليات سياسية تتعلق بتحولها إلى أيديولوجيا تؤثر في مبدأ حرية التعبير عن الرأي، خاصة في الحياة الأكاديمية.

ويمكننا صياغة الإشكالية التي تعالجها ستوك من خلال التساؤلات التالية: ما أوجه القصور التي يعانيها النموذج الأدائي للهوية الجندرية؟ وكيف يمكن تجاوزها؟ وما التأثير المحتمل لوسائط التواصل الاجتماعي في طرائق تكوين الهوية الجندرية؟ وهل ثمة بدائل مقترحة للتعامل مع المعضلات النفسية والأخلاقية الناتجة من هذا التأثير؟ وكيف يمكن أن يسهم الانغماس في الخيال في تحويل الهوية الجندرية إلى أيديولوجيا؟ وكيف يمكن أن تؤثر هذه الأيديولوجيا في المعايير الأكاديمية لإنتاج المعرفة وحرية التعبير عن الرأي في سياق الحياة الأكاديمية تحديدًا؟

أولا: وسائط التواصل الاجتماعي والفضاء الأخلاقي للهوية الجندرية في فلسفة ستوك

تصف ستوك المشهد الثقافي الراهن للفلسفة النسوية بأنه صراع بين فريقين متحاربين، يدور بينهما جدل محموم حول مفهوم الهوية الجندرية وما يرتبط بها من خطاب حقوقي وسياسي. على أحد الأطراف نجد المدافعات عن الهوية الجندرية والنسويات المنتميات إلى الموجة الثالثة من النسوية، وعلى الطرف الآخر نجد تيارَي "النسوية الراديكالية" و"النسوية الناقدة للجندر". وفي هذا المشهد، كانت

وسائط التواصل الاجتماعي هي المكون الجوهري والأداة الرئيسة في إبراز الإشكاليات الفلسفية ومخاطبتها، والتعبير عن وجهات النظر المتعارضة.

1. تحليل النموذج الأدائي للهوية الجندرية

يأتي الدفاع عن فكرة "الهوية الجندرية" ومكانتها الأخلاقية والسياسية من الموجة الثالثة للنسوية، التي ترى ستوك أنها رد فعل للموجة الثانية من النسوية، ومتأثرة بقوة بما بعد الحداثة وما بعد البنيوية. و"ينصبّ تركيز هذا الفريق على الجندر باعتباره أداء Performance، وعلى عدم التقيد بالفكرة الوهمية

المزعومة عن الجنس البيولوجي الطبيعي. وتعتقد أغلب نسويات الموجة الثالثة أن "النساء" و"الإناث" لا يستطعن العمل كفئة سياسية موحدة بصورة فعالة"، ولذلك يستنتجن أن النسوية في حاجة إلى أن تعيد النظر في أهدافها السياسية. وبنبرة ليبرالية واضحة، يركز هذا الفريق على استخدام مفردات مثل "الاختيار" و"الهوية" بصورة علائقية؛ لأنه إذا كان الجنس البيولوجي "مقولة ميتة"، أو مقولة وهمية لم توجد حقًا من الأساس، فإن هوية المرأة تصبح مسألة اختيار. وترى نسويات الموجة الثالثة أن نسختهن من النسوية تتسم بالشمول والاحتواء Inclusiveness، في مقابل الطابع الإقصائي Exclusionary للنسوية الناقدة للجندر التي ينصبّ تركيزها على الترويج لمنظور الطبقة الوسطى البيضاء، وتستبعد

غيرهن من النساء. ويستمد هذا التصور أفكاره من الفيلسوفة الأميركية باتلر، وتحديدًا من كتابها قلق في الجندر: النسوية وتخريب الهوية (1990). كان للكتاب تأثير هائل في الدراسات الأكاديمية – الناشئة آنذاك – في مجال نظرية الكوير والفلسفة النسوية والدراسات الجندرية، وفي المثقفين الليبراليين بوجه عام. استلهمت

(18) Stock, pp. 207–208.

باتلر الخطوط العامة لهذا الكتاب من الفلسفة الفرنسية ما بعد البنيوية، وتحديدًا فلسفة ميشيل فوكو، وعملت على تطبيقها على أفكار مثل "الأنثى" Female و"المرأة" Woman و"الذكر" Male و"الرجل" Man. والفرضية التي تتبناها باتلر هي أن "أي شيء يمكن أن يفكر فيه البشر، بصورة هادفة ومعقولة على الإطلاق، هو بناء اجتماعي"، وتفسر ستوك ذلك بأن باتلر لا تعتقد وجود أي حقائق مادية سابقة على اللغة، أو بعبارة أخرى، لا تعتقد وجود حقائق علمية أو بيولوجية تسبق عملية التحديد الثقافي التي تتم من خلال البناءات اللغوية والاجتماعية. إن المقولات اللغوية، ومن ضمنها المقولات العلمية والبيولوجية، ليست وسائط تعكس تصنيفات موجودة في العالم بالفعل، ولكنها وسائط لتوليد أشياء لم تكن موجودة من قبل ولم تكن لتوجد بخلاف ذلك. وقد أصبحت هذه البنائية الاجتماعية، في نظر الكثير من النقاد، مرادفًا "للنزعات ضد الواقعية، وضد الموضوعية، وضد الطبيعية عمومًا". ووفقًا لباتلر، "تخلق اللغة العلمية تحديدًا مجموعة من تراتبيات Hierarchies السيطرة والإخضاع، وترسخ علاقات القوة بين المجموعات الاجتماعية. وينطبق هذا الأمر أيضًا على مقولتَي الذكر والأنثى: فهي مقولات عشوائية، وتعسفية، ومصطنعة ولا تعكس أي تصنيف مادي مسبق". ما تعكسه هذه المقولات حقًا هو علاقات القوة "الإقصائية" التي تُملى علينا وتحدد لنا من هو "الرجل حقيقي" أو من هي "المرأة الحقيقية". وعلى هذا الأساس، لا يمكن أن ننظر إلى الجندر إلا بوصفه "أداء" Performance، وأن "ما نعتقده جوهرًا داخليًا للجندر، هو شيء تتم صناعته من خلال مجموعة مستمرة

من الأفعال"، والصورة المفضلة لهذا الأداء هي "الأداء الذي من شأنه هدم أبنية القوة والسلطة والتراتبيات القائمة". ولذلك ليس هناك ما يدعو للدهشة في تأكيد هذا النموذج لمؤقتية الهوية الجندرية وسيولتها. أو بحسب تعبير باتلر "ليس هناك هوية جندرية كامنة وراء التعبير عن الجندر، وأن الجندر يتشكل أدائيًا Performatively من خلال التعبيرات نفسها التي يفترض أنها ناجمة عنها".

2. نقد النموذج الأدائي

تعترض ستوك على النموذج الأدائي لباتلر؛ فمن خلال الإصرار على سيولة الهوية وتعدديتها وإلغاء الحدود الفاصلة بين أنماطها يجب الوقوف عند حدود معقولة؛ لأن الانفصال التام عن مفاهيم مثل "الرجال" و"النساء" و"الإناث" و"الذكور" في عملية تحديد الهوية يفقدنا أي إحساس بالتعقيدات التي يفترض أن تكون جزءًا من الهوية الجندرية. فمثلًا، لو لم نضع المفاهيم السابقة في الاعتبار، "لن نتمكن

(19) Ibid., pp. 19–20. (20) Sally Haslanger, Resisting Reality: Social Construction and Social Critique (Oxford: Oxford University Press, 2012), p. 183;

ينظر في ذلك المناقشة الدقيقة والمفصلة التي خصصتها سالي هاسلانجر (1955–) لمناقشة منظور البنائية الاجتماعية لفكرة الجندر، خاصة في الفصل السادس بعنوان "البناء الاجتماعي: الأسطورة والواقع".

(21) Stock, p. 20. (22) Judith Butler, Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity (New York: Routledge, 1999), p. xv. (23) Stock, p. 108. (24) Butler, Gender Trouble , p. 33.

من فهم السياسات الجامعية التي تحمي هويات مثل 'الهوية نصف السائلة' Demi–fluid Identity التي يرى أصحابها أن هويتهم الجندرية تنقسم إلى جزء سائل وآخر ثابت، أو 'الهوية الجندرية الجامعة' Pangender Identity التي يرى أصحابها أنهم يملكون إمكانية تحديد هويتهم من خلال العديد من الجنادر أو حتى عدد غير محدود منها". وبعيدًا عن التقسيم الثنائي الكلاسيكي للجنس لن تبدو هذه الهويات معقولة أو مفهومة. كما أن باتلر بهذه الطريقة تتعامل مع المسألة السياسية بطريقة اختزالية، تجردها من أبعادها المنطقية والعقلانية. فإذا كان تبني هوية جندرية غير متوافقة "يُعتبر مفيدًا فقط بقدر تعطيله للتسلسلات الهرمية

القائمة للسلطة بصورة أدائية Performatively، فإن هذا يبدو كأنه تقويض لأي أساس منطقي أو عقلاني لحمايتها سياسيًا أو إدخالها في حيز القانون". وفي هذه الحالة، لن يعدو الأمر كونه هدم

مجموعة ضارة من تراتبيات السلطة واستبدالها بمجموعة أخرى. ومن زاوية أخرى، إذا افترضنا أن جميع الهويات الجندرية متكافئة وعلى قدم المساواة وتستحق الدعم والتأكيد، لا لأنها تعبر عن طبيعة فطرية كامنة، ولكن لأن دعم هذه الهويات وتأكيدها يمثلان "فعلًا سياسيًا تخريبيًا مفيدًا"، فإن النظر إلى الأمور بهذه الطريقة يحرمنا من القدرة على التحقق من الادعاءات

التي تزعم "أن الهوية الجندرية هي الطريق الأفضل تأسيسًا والأكثر ملاءمة للوصول إلى الرفاهية الفردية

والاجتماعية".

3. تأثير وسائط التواصل الاجتماعي في تكوين الهوية الجندرية

يستخدم معظم البشر وسائط التواصل الاجتماعي بطريقة تفيد حياتهم وتزيدها ثراء. ومع ذلك، بالنسبة إلى بعضهم، يمكن أن تصبح وسائط التواصل الاجتماعي ذات طبيعة مرضية، تتعارض مع القدرة على أداء الوظائف المطلوبة في سياقات متعددة. وهذا النمط من أنماط وسائط التواصل الاجتماعي "هو الأكثر خطورة وإثارة للإشكاليات. ولا يرتبط ضرورة بمحتوى هذه الوسائط أو سياق استخدامها؛ بل بالأحرى، ننظر إليه باعتباره علاقة غير صحية يمكن أن تؤدي إلى زيادة مشكلات الصحة العقلية". وترى ستوك أن هذه الوسائط تمثل "بيئة افتراضية تستطيع فيها أن تختار صورتك يوميًا، وأن تلقي بذاتك

نفسيًا Psychically  – على الأقل لبرهة من الزمن – في أي موقف أو هوية تتمنى أن تسقطها على العالم.

ونادرًا ما يتاح للمتابعين أن يتحققوا من تصريحاتك أو من صحة بياناتك في علاقتها بالمعلومات

المتاحة عنك في العالم الواقعي. ومن المعترف به الآن أن الشهرة المتصاعدة للهوية الجندرية بين الشباب الصغار في مطلع القرن الحادي والعشرين ترجع على الأقل في جزء منها إلى "ثقافة الإنترنت، وعلى وجه التحديد، إلى منصات المدونات الصغيرة Microblogging ومواقع التواصل الاجتماعي

(25) Stock, p. 109. (26) Ibid. (27) Ibid., pp. 109–110. (28) Rosen, pp. 156–157.

مثل تمبلر Tumblr، التي يخبرك شعارها أنك تستطيع التعبير عن نفسك، واكتشاف ذاتك، والتواصل مع الآخرين من خلال ما تحب". وعادة ما يذكر آباء المراهقين المصابين باضطراب الهوية الجندرية أن أبناءهم يقضون ساعات طويلة في استخدام موقع تمبلر؛ حيث يستقبلون القصص الملهمة والميمات التي تدور حول التحولات السحرية التي قام بها أشخاص مميزون ورائعون، ويعيدون تدويرها، ويقدمون نماذج أخلاقية ملهمة. ولأن الهوية تتحقق في الفضاء العام، فإنه في استطاعة المستخدمين تشريع هوياتهم الجندرية من خلال عملية التدوين Blogging. "يقدم المدونون هوياتهم الأدائية المجندرة من خلال وسائط بصرية وخطابية أثناء إنشاء وكتابة مدوناتهم". وتتجلى الهوية الجندرية، جزئيًا، من خلال الصور

المستخدمة في الملفات الشخصية لفيسبوك التي تحتوي على سمات محددة مسبقًا للهوية الجندرية. وعلى وجه التحديد، "يحمّل الذكور، غالبًا، صورًا تجعلهم يبدون أكثر نشاطًا، وهيمنة، واستقلالًا،

بينما تركز الإناث على الصور التي تجعلهن يبْدُونَ أكثر جاذبية واعتمادية". ومنذ عام 2018، انتشر استخدام الوسم #adulthumanfemale على منصة تويتر (إكس حاليًا)

بوساطة النسويات اللاتي يحاولن مواجهة مطالب الناشطين المؤيدين للتحولات الجندرية. وعلى الرغم من ذلك، بدأ المدافعون عن الجندرية العابرة Transgenderism في استخدام هذا الوسم للإشارة إلى أنفسهم. وترى ستوك في ذلك علامة على انغماسهم في الخيال؛ "لأنك عندما تنغمس في الخيال، لا تكون في حاجة إلى أن تتقيد في أقوالك أو أفعالك بالاحتكام إلى الأدلة أو الاستنتاجات العقلية". تشبه هذه الممارسات الأفلام الدرامية أو لعب الأدوار، فهي لا تنشد الواقعية ولا تستهدف الدقة. وعلى المستوى الشخصي، يفقدك الانغماس في أخيلة وسائط التواصل الاجتماعي القدرة على الاعتراف، حتى لنفسك، بأن هناك حقائق عن الجنس في سياق الجدالات الأخلاقية والسياسية. وفي هذه الحالة، "فإن ما يبدأ بوصفه أمرًا علاجيًا Therapeutic يمكن أن ينتهي بوصفه إنكارًا مرضيًا ضارًا

بالذات". ويكون هذا الخطر على وجه التحديد ماثلًا بقوة في الحالات التي يرغب فيها الأشخاص المنغمسون في الخيال أن تكون السيناريوهات الوهمية التي يستغرقون فيها حقيقية أو واقعية. وترى ستوك أن المقارنة بين حالة الاضطرابات الجندرية وإدمان ألعاب الفيديو يمكن أن تفيدنا في الكشف عن التشابه بين الطابع الإشكالي لهذا النوع من الانغماس في الخيال وبين أعراض الانحرافات السلوكية المرتبطة باضطراب ألعاب الإنترنت Internet Gaming Disorder, IGD، خاصة في حالات

(29) Stock, p. 159. (30) Barbara Guzzetti & Mellinee Lesley (eds.), Handbook of Research of Societal Impact of Digital Media (Hershey, PA: IGI Global, 2016), p. 644. (31) Ibid., p. 649. (32) Stock, pp. 159–160. (33) Ibid., p. 164.

ألعاب "الخيال" و"الهروب من الواقع" Escape from Reality. وتشمل هذه الأعراض على سبيل المثال، "الانشغال القهري أو الهوس باللعب، والاكتئاب، والتعارض مع الأنشطة اليومية المعتادة، والاضطراب في العلاقات مع الآخرين". وعادة ما لا تتطابق هذه الأعراض في جميع حالات الانغماس. فعندما تشاهد فيلمًا، أو تقرأ رواية، أو تشاهد عملًا مسرحيًا، من الطبيعي ألا تندمج كليًا في السيناريو المتخيل المعروض أمامك، وعادة ما يسهل عليك "الخروج" من حالة الانغماس والعودة إلى الواقع الحقيقي. والسبب في ذلك هو أن المؤلف يكتب تخيلاته في "نطاق محدد من المقاصد، وأن هذه المقاصد لها نتائج مؤثرة في المحتوى الخيالي، وأن القراء المؤهّلين في استطاعتهم تمييز هذه المقاصد من خلال فهم السياق التداولي". لكنك، في حالة وسائط التواصل الاجتماعي، تجد نفسك في موقف فريد من نوعه؛ لأنك تصبح "مؤلف العرض المسرحي، والمتحكم كليّا فيما تكشفه عن نفسك وتفصح عنه للآخرين، بينما يثني عليك جمهورك المختار ويدعمك بصورة غير ممتحنة وبعيدة عن روح النقد". ومن المخاطر العامة لدعم وهمك الشخصي واستكماله أن ذلك يمكن أن يجعلك منفصلًا عن الواقع بطرائق تعوق قدرتك على التكيف. إحدى هذه الطرائق هي أن المكافأة النسبية التي تشعر بها في الحياة الافتراضية يمكن أن تعزز نفورك من الحقائق الواقعية المتعلقة بجسدك؛ ما يزيد من شعورك باضطراب الهوية. يمكن أيضًا أن تجد في نفسك نفورًا من أي دليل على الحقائق الجنسية الخاصة بذاتك، أو حتى من أي إشارة إلى الجنس على الإطلاق، خوفًا من الانفصال عن حالة الانغماس في الخيال والاستغراق في الوهم. وكما أن التماهي النفسي مع الصورة الرمزية Avatar في الألعاب يزيد من الاعتماد على البيئة الافتراضية للعبة، فإن التغذية الراجعة الإيجابية لوسائط التواصل الاجتماعي والشخصية الافتراضية التي نتماهى معها تزيد من شعورنا بالقبول والانتماء وتحقيق الذات، ويمكن مثل هذه التأثيرات "أن تتآزر لتحفيز كثافة استخدام هذه الوسائط والانشغال بها".

4. طريقان مقترحان لتجاوز معضلات وسائط التواصل الاجتماعي

وتنقسم مقاربة ستوك للإشكاليات التي تثيرها وسائط التواصل الاجتماعي، فيما يتعلق بتكوين الهوية الجندرية، وفقًا لنموذج باتلر إلى محورين: الأول هو المحور النظري، وتحاول فيه حسم الجدالات المثارة من الناحية المفاهيمية النظرية، والثاني هو المحور العملي، وتقدم فيه نموذجها المقترح للهوية

الجندرية بوصفها عملية تماهٍIdentification.

(34) Ibid. (35) Kathleen Stock, Only Imagine: Fiction, Interpretation and Imagination (Oxford: Oxford University Press, 2017), p. 209. (36) Stock, Material Girls , pp. 164–165. (37) Ibid., p. 165.

أ. الطريق الأول: الخروج من وهم وسائط التواصل الاجتماعي على الطريقة السقراطية

للخروج من وهم وسائط التواصل الاجتماعي، تلجأ ستوك إلى الاستراتيجية السقراطية القديمة في تكوين المفاهيم "العقلية"، من أجل الوصول إلى "معايير موضوعية"، نستخدمها للتمييز بين الوهم الافتراضي والحقيقة الواقعية. لذلك تحاول أن تقف على مفهوم "المرأة"، بصورة تراعي حرية التفسير الشخصي ودور البناءات الاجتماعية الفاعلة من جهة، والأسس البيولوجية التي يفرضها الواقع من جهة أخرى، لكي تصل إلى مفهوم موضوعي يصلح ترياقًا مضادًا للانغماس في وهم "الهوية الجندرية". تقول ستوك: "تساعدنا المفاهيم المجردة على انتقاء الفئات العامة أو المجموعات التي تندرج في إطارها الأشياء، لأغراض تفسيرية محددة، بصورة مستقلة عن الاختلافات المحلية على مستوى الجزئيات". فمثلًا، نحن في حاجة إلى مفهوم الشجرة لكي نعرف أنها، على خلاف النباتات، أكثر عرضة للإصابة بصواعق البرق؛ نظرًا إلى طولها النسبي. وكذلك يُقِدِّم لنا مفهوم المرأة، بوصفها أنثى

بشرية بالغة، العديد من المزايا التفسيرية. ف "المرأة، في مقابل الرجل، تستطيع أن تحمل، ومن المرجح أن تمر بتحديات صحية معينة، وتحقق مستويات أداء مميزة في الرياضة، وتواجه تحديات اجتماعية واقتصادية... إلخ". وفي ضوء هذه الفكرة عن مفهوم المرأة ودوره في تحديد الهوية، ترى ستوك أن الهوس الثقافي الراهن بالتنوع Diversity والشمول Inclusion، يقوّض دعائم فكرة "المفاهيم" ويجعلها فارغة من المعنى. إن

أفكارًا مثل التنوع والشمول تبدو رائعة وجذابة، ولكنها لا تمثل أهدافًا متسقة يمكن أن نسعى لتحقيقها،

ما لم تُفهم في سياق تفسيري أوسع يُكسبها نوعًا من القيمة. فمثلًا، في كل مرة نقارن فيها أنفسنا

بالآخر، ونسلط الضوء على صفة نريد أن نرفعها عن كاهلنا، أو في محاولتنا لابتداع سردية ما أو التحكم فيها، لا نستطيع أن نتجنب تحويل المتلقي أو المجموعة التي نقارن أنفسنا بها إلى "آخر"، ويتسبب ذلك في تعطيل عملية الشمول والتضمن. وأفضل طريقة لفهم التنوع والشمول هي الالتفات إلى أنهما "علامات غير مباشرة على أن النظام يعمل بعدالة، وأن جماعات الأقليات تتمتع بإمكانية الوصول غير المقيد إلى المؤسسات على كل المستويات". لكن ما نراه حولنا الآن هو سعي لتحقيق التنوع والشمول، بوصفهما هدفين غامضين، يتم توظيفهما في سياقات غير ملائمة. فعلى سبيل المثال، ترى باتلر "أن مفهوم 'المرأة' يجب أن يتسع ليشمل أي نوع من تعيين الهوية Self–identification الجندرية، وإلا كان المفهوم الذي نستخدمه ذا طابع إقصائي". وبوجه عام، على النسوية أن تكون حذرة "حتى لا تمجد تعبيرات معينة عن الجندر من شأنها أن تنتج صيغًا وأشك لًا جديدة من التراتبية والإقصاء".

(38) Ibid., p. 219. (39) Ibid. (40) Mark Ehlebracht, "Social Media and Othering: Philosophy, Algorithms, and The Essence of Being Human," Consensus , vol. 40, no. 1 (2019), p. 8. (41) Stock, Material Girls , p. 220. (42) Ibid. (43) Butler, Gender Trouble , p. viii.

وترى ستوك أن "الغرض الأساسي من وجود المفاهيم هو أن تكون حصرية ومانعة بالفعل، لا بالمعنى المشكوك في أمره أخلاقيًا، ولكن بالمعنى المعقول الذي يمكن أن يزودنا بأداة معرفية Cognitive

Tool تساعدنا على انتقاء كيان مميز في العالم نشعر نحوه باهتمامات تفسيرية. وفي الثقافة المعاصرة، توطدت دعائم الفكرة التي مفادها أن الحركات السياسية يجب أن تكون متنوعة وشاملة، ليس فقط فيمن يحق له المشاركة، بل أيضًا في مشروعاتها السياسية. ولكن كما أشارت العديد من النسويات، فإن هذا يشبه الانتقال من شعار "حياة السود مهمة" Black Lives Matter إلى شعار "حياة الجميع مهمة" All Lives Matter، وهو انتقال من شأنه أن يغير الموضوع ويجعل الهدف من الحركة غير مفهوم. وبالمثل أيضًا فيما يتعلق بمفهوم المرأة في الفلسفة النسوية، فإن "التوسع في نطاقه ليشمل جميع أنواع الهويات الجندرية التي تم إغفالها في الماضي، كما تريد باتلر، يهدم المفهوم ذاته ويفقده معناه". في مقابل ذلك، تتبنى باتلر رؤية مختلفة لطبيعة المفاهيم، وتتعامل معها بوصفها "أسلحة إقصائية للسيطرة وتكريس التراتبية، وليس بوصفها أدوات معرفية". ومن وجهة نظر ستوك، تنجح باتلر في إقناع قرائها بأنه ليس ثمة جنس بيولوجي من خلال "مجموعة بيزنطية معقدة من المناورات التنظيرية" تكاد تكون منقطعة الصلة بالملاحظات التجريبية، وتعتقد أن ادعاءاتها وما يترتب عليها من نتائج تتجاوز المفاهيم العادية التافهة على غرار "الأدلة" Evidence أو "التبرير التجريبي"، وتضع هذه الأفكار بوجه عام موضع المساءلة. ولا تنكر ستوك أهمية النظرية، لكن النسوية الناقدة للجندر التي تتبناها "تعطي الدليل الأولوية على الأيديولوجيا". ومن الضروري أن نكون حذرين في قبول الأفكار المجردة في غياب ما يدعمها من بيانات وملاحظات تجريبية. وتنتهي إلى أن النسوية يجب أن تبقى مخصصة للنساء والفتيات، وأن تجعل منهن المشروع السياسي الأوحد.

ب. الطريق الثاني: نموذج بديل للهوية الجندرية

ينظر تيار النسوية الناقدة للجندر الذي تنتمي إليه ستوك إلى مفهوم "الجندر باعتباره مجموعة من الصور النمطية Stereotypes الاجتماعية المقيدة. وتصف ستوك اليوتوبيا التي تسعى لها 'الكثير' من

النسويات الناقدات للجندر بأنها عالم خالٍمن الجندر Gender–free World "، ولكنها لا ترى في أفكار النسوية هذه ما يدعو بالضرورة إلى تبني هذا الموقف المتطرف. والسمة المشتركة التي تجمع بين المنتمين والمنتميات إلى هذا التيار هي "الثورة ضد الفكرة المتضمنة في نظرية الهوية الجندرية والتي مفادها أن ما يجعل منك امرأة أو رجلًا هو مجرد شعور".

(44) Stock, Material Girls , pp. 220–221. (45) Ibid., p. 222. (46) Ibid., pp. 232–233. (47) Lawford–Smith, p. 73. (48) Stock, Material Girls , pp. 206–207.

وفي سبيل الخروج من النموذج الإرشادي Paradigm النسوي الذي صاغته باتلر، وما ينتج منه من اضطرابات بسبب وسائط التواصل الاجتماعي، تقترح ستوك نموذجًا بديلًا يتمحور حول فكرة "تماهي

الإنسان مع ما يراه في شخص آخر، سواء بصورة واعية أو غير واعية، بحيث تأتي أفعال الشخص المتماهي على الصورة نفسها لأفعال الشخص الذي يتماهى معه سواء في السلوك أو الصفات الشخصية أو الموقف من الأشياء والموضوعات أو الأدوار التي يؤديها في الواقع، وربما يعني أيضًا أن يحل محل الشخص الآخر". وقد سبق أن أعلن سيغموند فرويد أن التماهي في التحليل النفسي هو "أقدم تعبير عن الارتباط الوجداني بشخص آخر"، ووصفه بأنه صياغة المرء وتشكيله لذاته على هيئة الموضوع الذي يتخذ منه نموذجًا. وفي "حالات خاصة، يحدث التماهي في بعض الأوقات مع أشخاص لا نحبهم، وفي

أوقات أخرى مع أشخاص نحبهم". وفي معظم مدارس التحليل النفسي يمكن أن يحدث اختلال في عملية التماهي – خاصة عندما يغرق الإنسان في أوهام أو سلوكيات ضارة – ولكن هذا ليس أمرًا

ضروريًا. يمكن أن تكون هذه العملية مصدرًا عظيمًا للقيمة والمعنى. إن الشعور بالانتماء والقبول

الذي يمكن أن يجده الإنسان مع الآخرين ممن يشبهونه عقليًا ويشتركون معه في عملية التماهي، هو

"جزء مما يغذي الممارسات الاجتماعية الأوسع مثل التجمعات الحزبية السياسية، أو حفلات موسيقى البوب، أو حركات العدالة مثل الحركة البيئية والنسوية الراديكالية". وترى ستوك أن تطبيق هذا النموذج على فكرة الهوية الجندرية، وما يصاحبها من تأثير وسائط الاجتماعي، يكشف لنا أن التماهي القوي غالبًا ما ينطوي على خلل في الهوية الجندرية، والذي يُفهم

على أنه استجابة عاطفية منفرة لإدراك المرء لجسده المجنس واختلافه عن الجسد الذي يتوق إلى رؤيته. ويسمح نموذج التماهي، مثل النموذج الأدائي، بدور لإضفاء المعنى الشخصي. ومن المحتمل "أن تتغير عمليات التماهي بصفة مستمرة طوال الحياة. كما أن هناك مج لًا للاعتراف بدور التأثيرات البيئية العرضية في الأشخاص أو الأشياء التي نتماهى معها". وينطوي هذا النموذج على قدرة فريدة تمكنه من تقييم مزاعم الهوية الجندرية. إن الدخول بصورة حتمية في حالة من الصراع مع الهوية الجندرية غير المتوافقة ليس أمرًا حتميًا؛ لأنه وفقًا لهذا الرأي،

لا يتعين على التماهي أن يقترن بانعدام القدرة على التكيف، وليس هناك ما يدعو لأن يكون سببًا لتوتر

الفرد وقلقه، وعادة ما يكون متوافقًا مع الحياة النشطة والمثمرة. ومن الواضح أن الاضطرابات الموجودة يمكن أن تخفت وتتلاشى بمرور الوقت بفضل التدخلات المناسبة. وحتى لو لم تبدأ هذه الاضطرابات من صدمات الطفولة، "فإن هذا لا يعني أن عدم توافق الهوية الجندرية أمر خاطئ، بل يمكن حقًا أن

(49) Ibid., p. 111. (50) Sigmund Freud, Civilization, Society and Religion , Albert Dickson (ed.) (London: Penguin Books, 1985), p. 134. (51) Ibid., p. 136. (52) Stock, Material Girls , p. 111. (53) Ibid., pp. 114–115.

يكون طريقة للتكيف والتوافق مع الماضي أو الحاضر. معظمنا يملك جوانب من الشخصية تشكلت في ظروف غير نموذجية، ولكن هذا لا يجعلها في حد ذاتها جوانب سيئة من هويتنا أو ضارة لنا". ويترتب على النموذج السابق أن السؤال المتعلق بالتشريع السياسي والحماية القانونية للهوية الجندرية منفصل ومتمايز تمامًا عن سؤال التشريع السياسي والحماية القانونية لإعادة تعيين الجندر Gender

Reassignment. إن الهوية الجندرية جزء أصيل من "الذات" و"الشخصية" بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعانون عدم اتساق هويتهم الجندرية؛ أي من يتماهون نفسيًا مع الجنس الآخر، وذلك إذا فهمنا

الذات والشخصية على أنهما مكونان بطريقة تتضمن نوعًا من السيولة Fluidity والتأويل الشخصي Personal Interpretation. لكن من الواضح أن عملية التماهي النفسي التي نتحدث عنها، والمتسببة في عدم اتساق الهوية الجندرية، "لا تشمل جميع البشر. ومن ثم، فإن الهوية الجندرية لا يمكن أن تصبح عاملًا أساسيًا في وثائق الهوية، ولا تصلح لأن تكون أحد أهم جوانب الكرامة والحرية الإنسانية،

أو أي اعتبارات قانونية وسياسية أخرى". ترى ستوك أن فهمنا للهوية الجندرية بهذه الطريقة يتيح لنا مساحة آمنة في فضاء وسائط التواصل الاجتماعي، يمكننا من خلالها ممارسة التداول الأخلاقي حول ذواتنا وهويتنا الشخصية بصورة عقلانية تخلو من عواطف الغضب والكراهية والإدانة. ويتيح لنا هذا النموذج أيضًا أساسًا معقولًا لإخراج

الهوية الجندرية من دائرة الجدل السياسي؛ لأنه من غير المعقول "أن تكون الحالة النفسية الداخلية Inner Psychological State لشخص ما هي الأساس المحتمل لإدانة أي شخص آخر يختلف معه وعقابه، بل مصادرة حقه في التعبير عن رأيه"، خاصة أن تغيّر هذه الحالة النفسية، وتحولها بصورة

مستمرة، وارتباطها في تشكلها وتطورها وتفاعلاتها بوسائط التواصل الاجتماعي، أمر محتمل ومرجح.

ثانيًا: وسائط التواصل الاجتماعي والفضاء السياسي لحرية التعبير عن الرأي

تحولت الهوية الجندرية من مفهوم نظري في حقل الدراسات النسوية والجندرية إلى أيديولوجيا مهيمنة على الثقافة الشعبية، ترسم معالم العالم الذي نحيا فيه وسياساته، وتطالب بتشريعات قانونية لحماية أتباعها، وتتوسل وسائط التواصل الاجتماعي لتطبيع مفرداتها ورؤيتها للعالم، بحيث تصبح مخالفتها نوعًا من الفاشية، ويتحول الاحتكام إلى سواها من المعايير خروجًا عن مبدأ حرية التعبير عن الرأي.

1. من الهوية الجندرية إلى الأيديولوجيا الجندرية أو "الانغماس في الخيال"

تكمن الإجابة في التعريف الماركسي الكلاسيكي للأيديولوجيا بوصفها قناعًا زائفًا؛ لأنها تمثل مواقف الناس بصورة مقلوبة، فتحوّل المصالح الخاصة والفردية إلى مصالح عامة وجماعية، وتحول الأمنيات

(54) Ibid., p. 115. (55) Ibid., p. 121. (56) Ibid.

إلى حقائق. ولهذا يضع كارل ماركس Karl Marx (1883–1818) "الأيديولوجيا مقابل التفكير العلمي الأصيل، وينظر إلى مذهبه ذاته على أنه تجاوز للأيديولوجيا وكشف لخداعها" عن طريق العلم الذي يسعى لكشف الحقيقة، والنقد الذي ينزع عن العقل أوهامه. ولذلك يعتقد كارل مانهايم (–1893 1947)، في كتابه الأيديولوجيا واليوتوبيا، أن الأيديولوجيا "تضعنا في حالة من الشك في الأفكار والتمثيلات التي يقدمها خصمنا؛ لأنها أقنعة واعية تخفي الطبيعة الحقيقية لموقفه، والتي ليس من صالحه الكشف عنها". وفي المجتمعات الليبرالية الرأسمالية، كما يرى سلافوي جيجيك Slavoj Žižek (1949–)، أصبح "العنف العقائدي الأيديولوجي (العنصرية، والتحريض، والتمييز الجندري)، هو الشغل الشاغل للموقف الليبرالي المتسامح السائد اليوم". توظف ستوك المفاهيم بوصفها أدوات معرفية أو معايير نستخدمها للتمييز بين الوهم الافتراضي والحقيقة الواقعية. والمفهوم الذي توظفه للكشف عن وهم الأيديولوجيا الجندرية في فضاء وسائط التواصل الاجتماعي هو "الانغماس في الخيال" Immersion in Fiction، الذي تعرّفه بأنه "سلوك

بشري مألوف ولطيف وعاقل". وقد يكون هذا الخيال من إبداعك، أو من إبداع شخص آخر، يمكن أن يستغرق سنوات في بنائه كما في تأليف الروايات، أو يستغرق لحظات كما في أحلام اليقظة. ويمثّل الانغماس "حالة عقلية تهم الفلاسفة وعلماء النفس ممن يميلون إلى الاعتقاد أنها حالة وسيطة بين المتعة الخيالية المجردة والإيمان الملتزم الكامل". ومن السمات الرئيسة التي تميز الانغماس، أنه في حال انغماسك بكامل كيانك في أحد السيناريوهات المتخيلة، فإنك لا تفكر بصفة واعية في حقيقة أن هذا السيناريو خيال، أو أنه ليس واقعيًا؛ لأن قيامك بذلك، تحديدًا، سوف ينتزعك من حالة

الانغماس ويحطم الوهم الذي تعيشه. إن تأملك بصورة واعية لحقيقة أن الشخصية التي تراها أمامك في عمل مسرحي هي، في الواقع، ممثل سبق لك رؤيته عشرات المرات من قبل، من شأنه أن يدمر تأثير العمل المسرحي ويكسر عقدة الإيهام.

(5((هنري د. أيكن، عصر الأيديولوجيا، ترجمة فؤاد زكريا، مراجعة عبد الرحمن بدوي (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2023)، ص.9

(58) Karl Mannheim, Ideology and Utopia: An Introduction to the Sociology of Knowledge , Louis Wirth (trans.) (London/ Henley: Routledge & Kegan Paul, 1979), p. 49.

(5((سلافوي جيجيك، العنف: تأملات في وجوهه الستة، ترجمة فاضل جتكر، مراجعة فايز القنطار (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص.18 ((6(اخترنا ترجمة مصطلح Fiction بالخيال لتمييزه من مصطلح Imagination الذي يعطي معنى ملتبسًا يجمع بين التخيل والتوهم

والتصور، وتتماشى هذه الترجمة مع استعمال ستوك للمصطلح، فهي لا ترى في التخيل في حد ذاته أمرًا سلبيًا، بل إن له استعمالات

كثيرة مفيدة، خاصة في حقل الإستطيقا. وللوقوف على تحليلات ستوك المفصلة لفكرة الانغماس في الخيال، وعلى وجه التحديد في سياقاتها الجمالية والفنية، ينظر:

Kathleen Stock, "Learning from Fiction and Theories of Fictional Content," Teorema , vol. 35, no. 3 (2016), pp. 69–85; Kathleen Stock, "Some Reflections on Seeing–as, Metaphor–Grasping and Imagining," Aisthesis , vol. 6, no. 1 (2013), pp. 201–213. (61) Stock, Material Girls , p. 156. (62) Ibid., p. 157.

يمكن أن يكون الانغماس في الخيال فرديًا، مثلما يحدث عندما تقرأ رواية أدبية، ويمكن أيضًا أن يكون

جماعيًا كما نرى في الخيال الجمعي الذي يشترك فيه الممثلون والجمهور في العروض المسرحية.

ولكن حتى في هذه الحالة من الانغماس، يحتفظ الإنسان بإمكانية معرفية للولوج إلى حقائق العالم الواقعي. فمثلًا، عندما تشاهد مسرحية هاملتلشكسبير، "وينتابك شعور عارم بالشفقة – بل ربما حتى تجهش بالبكاء – نحو أوفيليا وهي تفقد عقلها، فإنك لا تهرع إلى خشبة المسرح وتحاول إيداعها في مستشفى للأمراض النفسية". تطلق ستوك على هذه الأطروحة اسم "القصدية المتطرفة" Extreme Intentionalism، وتلخصها في ثلاث أفكار؛ الأولى هي "أن تفسير محتوى التخيل يتم من خلال مجموعة من التعليمات القصدية لتخيل أشياء بعينها". والثانية هي "أن فكرة الشهادة بوجه عام يمكن أن تُقِدِّم تفسيرًا دقيقًا ومتقنًا

للطريقة التي يمكن من خلالها أن تزود "الشهادة–في–الخيال" Testimony–in–fiction القارئ بمعتقدات مُبررة". والثالثة هي فكرة المقاومة المتخيلة التي تحدث "عندما يدرك القارئ أنه مدعو

للاشتباك في تخيل مضاد للواقع، وعلى وجه التحديد، أن يمتلك أو يتأمل معتقدات لا يمكن أن يؤمن بها في الواقع". ومن شأن هذه الأفكار الثلاث أن تذكرنا دائمًا بالمحتوى المعرفي للخيال، وباستناده

إلى التبرير العقلي، وبضرورة التقيد بمحاولة استعادة المقصد الأساسي للمؤلف في عملية التفسير،

والهدف من ذلك أن يكون لدينا حاجز واعٍبين الواقع والخيال.

2. الانغماس في أخيلة وسائط التواصل الاجتماعي

يتلاشى هذا الحاجز المعرفي بين الواقع والخيال أو يتعذر الوصول إليه في حالة وسائط التواصل الاجتماعي، فالبشر عندما يجتمعون في حشود، يفقدون قدراتهم على التعقل وملكة الاختيار الأخلاقي. وعندما يكون موطن هذه الحشود هو الفضاء الافتراضي، فإن الواقع ذاته "يصبح نوعًا من اليوتوبيا، ولكنها يوتوبيا لم تعد تنتمي إلى عالم الإمكان، ولا نملك إلا أن نحلم بها كما لو كنا نحلم بشيء مفقود". وإذا كان الإنسان مدفوعًا في سلوكه بالرغبة في إثارة الإعجاب والحصول على الاعتراف Recognition، فإن "وسائط التواصل الاجتماعي هي 'جنة عدن' لمحبي الاعتراف والباحثين عنه [...] إنه مكان يتيح الحصول مباشرة على التغذية الراجعة للمشارك. وثمة جمهور واسع مشارك، يدفع إلى تبني التقليعات وثقافة القطيع، أو التظاهر بالاختلاف من أجل الاختلاف، وهذا جزء من ثقافة القطيع أيضًا".

(63) Ibid., p. 158. (64) Stock, Only Imagine , p. 208. (65) Ibid., p. 209. (66) Ibid. (67) Jean Baudrillard, Simulacra and Simulation , Shela Faria Glaser (trans.) (Ann Arbor, MI: The University of Michigan Press, 1994), p. 123.

(6((عزمي بشارة، مقال في الحرية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص.129–128

وفي هذا الإطار، ترصد ستوك انخفاضًا ملحوظًا في الإشارة إلى المحددات البيولوجية للإنسان في المجال العام، وفي خطابات المسؤولين والسياسيين. وذلك في مقابل التزايد المستمر للإشارة إلى الهوية الجندرية وفرض استخدام الضمائر بصورة رسمية في "توقيعات رسائل البريد الإلكتروني، والسيرة الذاتية لوسائط التواصل الاجتماعي. وقد وصلت "موجة أو موضة محاباة الهوية الجندرية والابتعاد عن ذكر الجنس البيولوجي إلى فضاء التواصل في مجال الصحة العامة أيضًا". حدثت هذه التغيرات في التنظيم الاجتماعي واللغة العامة بوتيرة متسارعة، وتسببت في توترات عارمة بين قطاعات كبيرة من الجماهير وانقسام حاد بين الأجيال المختلفة، "فالكثير من الشباب صغار السن يحتفون بهذه التغيرات باسم التقدم ويرون في معارضتها دلالة على الكراهية، بينما تشعر النساء الأكبر سنًا بالقلق والجزع من انعدام القدرة على إبداء الرأي في هذه التغيرات". والموقف النسوي العام من هذه التغيرات ينقسم، وفقًا لستوك، بين الدعم المباشر لهيمنة الهوية الجندرية أو الابتعاد عن الجدل الدائر تمامًا. وعلى أرض الواقع، انتشرت المنظمات النسائية الشعبية لمناقشة أفضل السبل لمجابهة التغيرات المقترحة. وتمثّل رُّدُ فعل الناشطين المعترضين على وجود هذه المنظمات في تنظيم المظاهرات الاحتجاجية، ووصلت هذه الاحتجاجات والاعتراضات، الرافضة لأي نقد موجه إلى هيمنة الأيديولوجيا الجندرية، إلى مستوى عالمي غير مسبوق، بسبب وسائط التواصل الاجتماعي. وتدلل ستوك على ذلك بحالة الكاتبة الإنكليزية جي. كي. رولينغ J. K. Rowling، التي تعرضت "للنبذ والإقصاء والوقوع تحت وطأة ثقافة الإلغاء Cancel Culture "، بعد أن نشرت على مدونتها الشخصية مق لًا تدافع فيه عن "مصالح النساء والفتيات". واستُهدفت رولينغ عبر وسائط التواصل الاجتماعي؛ بسبب "تصريحها بأن الجنس البيولوجي أمر حقيقي ومهم [...]، ولم يكن استهدافها في حد ذاته سوى أحد تجليات استهداف النسوية الناقدة للجندر بوجه عام". تفسّر ستوك هذه الظاهرة بطريقة تشبه تفسير أفلاطون للرفض الذي يلاقيه الفيلسوف في قصة الكهف،

عندما يحاول تحرير رفاقه المقيدين من ظلال الوهم وإرشادهم إلى نور الحقيقة. ففي محاورة الجمهورية، يرى أفلاطون أن رد الفعل العنيف من الجمهور نحو الفيلسوف – على غرار ما شهده أفلاطون في رد فعل الأثينيين تجاه سقراط – جاء نتيجة لاستغراقهم التام في معارفهم التقليدية وشعورهم بالتنافر المعرفي والاضطراب النفسي الناجمَين عن تبديد أوهام الظلال التي اختبروها منذ مولدهم، في مقابل الاحتكام إلى سلطان العقل والبرهان والحقيقة العقلية. ويعبر أفلاطون عن ذلك متسائلًا: "فإذا ما حاول أحد أن يحررهم، ويقودهم إلى الأعلى، واستطاعوا أن يضعوا أيديهم عليه، ألن يجهزوا

(69) Stock, Material Girls , p. 10. (70) Ibid. (71) Ibid. (72) Lawford–Smith, p. 117.

عليه بالفعل؟". وبالمثل، ترى ستوك أن معتنقي أيديولوجيا الهوية الجندرية "منغمسون في الخيال "، ويعتقدون أنه في استطاعتهم تجاهل المفردات المادية البيولوجية للواقع تمامًا، وتحديد هويتهم بحريّة

تامة بناء على الأبنية الاجتماعية المتخيلة لمقولة "الجندر"، ولذلك يشعرون بأن هويتهم "مهددة"، وأن ذواتهم المجندرة Gendered Selves وسردياتهم المتخيلة عرضة لخطر الاعتبارات الواقعية للطبيعة البشرية مثل المحددات البيولوجية والأطروحات المتمركزة حول سلطة العقل.

3. مأسسة الانغماس في الخيال وحرية التعبير عن الرأي في الحياة الأكاديمية

ونتيجة للدعم الذي يجده الانغماس في وهم أيديولوجيا الهوية الجندرية إيجابيًا (من خلال التسميات

الإيجابية، والجوائز، والقبول المجتمعي العام)، وسلبيًا (من خلال الاتهام بالرهاب، والاستهجان،

والرفض المجتمعي العام) نصل إلى المأسسة Institutionalization الكاملة للانغماس في الخيال. وترجع الخطورة العميقة لهذه الحالة، كما ترى ستوك، إلى ثلاثة أسباب: أ. إن الطابع البيولوجي للهوية لن يختفي، وسيظل الجنس ماثلًا في كثير من الحالات التي ينبغي أن نشير فيها إلى حقائقه، سواء فيما يتعلق بأفراد بعينهم أو في سياق التداول العام بين الجماهير. ب. اختيار الفرد للانغماس في الخيال أو العزوف عن ذلك هو في حقيقته اختيارٌ يقع في نطاق

عالم الاستقلال الأخلاقي الذاتي والضمير الفردي. وحتى إذا كنا في بعض الأحيان ننغمس في الأخيلة بصورة تلقائية، نظرًا إلى ما نتعرض له من محفزات ودعائم، فإن الجرعة المناسبة من

ترياق الحقائق من شأنها أن تعود بنا بسهولة إلى عالم الواقع. ولهذا ترى ستوك أنه لا ينبغي فرض الخطاب الخالي من الكراهية بالقوة؛ لأنه ليس من الكراهية في حد ذاتها أن يرفض الإنسان لاثًاامف، اهيلإ دانتسلااو قئاقحلا ىلإ ةراشلاإ كلذ نم لادًااب راتخي نأو نيّعم لايخ يف سامغنلاا

"يمكن أن تعدّ إشارتك إلى الوزن الزائد لشخص ما أو تقدمه في العمر نوعًا من الوقاحة، ولكنها ليست "خطاب كراهية" Hate Speech. وبالمثل، فإن إشارتك إلى الحقائق البيولوجية المتعلقة بهوية شخص ما يمكن أن تكون موضوعًا للجدل، ولكنها ليست في حد ذاتها خطاب كراهية. وفي السنوات الأخيرة، ظهرت في المؤسسات البريطانية العديد من الحالات التي يتم فيها الإرغام على تبني لغة الهوية الجندرية، مثل وضع سياسات وتعليمات تجبر الموظفين على استخدام الضمائر في ملفاتهم التعريفية على وسائط التواصل الاجتماعي، وفي مراسلاتهم الإلكترونية، ومعاقبة كل من يخرج عن هذه السياسات الإرشادية. وفي إحدى الحالات التي ترصدها ستوك، فقدت الباحثة مايا فورستر وظيفتها بمركز التنمية العالمية للأبحاث عام 2019؛ بسبب استخدامها لغة مسيئة وإقصائية في تغريداتها على تويتر. وكانت تغريدات مايا معارضة للتحركات الإصلاحية التي قامت بها الحكومة، فيما يتعلق بقانون الاعتراف بالجندر بصورة داعمة للهوية الجندرية.

(7((أفلاطون، جمهورية أفلاطون، دراسة وترجمة فؤاد زكريا (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1985)، ص.421

(74) Stock, Material Girls , p. 170.

وفي هذه التغريدات، صرحت أنها "تؤمن بثنائية الجنس" Binary Sex، وأن الرجال لا يمكن أن يصبحوا نساء. وحينما رفعت لاحقًا دعوى قضائية أمام محكمة العمل، جاء حكم القاضي لصالح المركز الذي كانت تعمل به، وكان السبب في ذلك أن "اعتقادها وجود جنسين فقط لا يمكن أن يمثل اعتقادًا فلسفيًا يتمتع بحماية قانون المساواة الصادر عام "2010. إن المعنى الضمني لهذا

الحكم هو أن رفض فورستر للانغماس بذاتها في أخيلة تغيير الهوية الجنسية، وإشارتها بدلًا من ذلك إلى الحقائق، "لم يكن أمرًا يستحق الدفاع عنه في مجتمع ديمقراطي". ج. خطورة الانغماس الكامل للمجتمع في الخيال يتمثل في تأثير ذلك في إنتاج المعرفة، وتجليات ذلك في الحياة الأكاديمية على وجه التحديد. وفي هذا الإطار، تلاحظ ستوك أن المعايير الأكاديمية لإنتاج المعرفة غائبة عن حقل الدراسات المعنية بالجندر، إلى الدرجة التي تحولت معها "مجموعة محددة من المقالات والكتب من كونها حججًا، متشددة، وقاصرة، ومعيبة

إلى نصوص مقدسة". إن إرغام البشر وإجبارهم بصورة جماعية على الانغماس في الخيال يترافق مع التأكيد على أهمية عدم الإشارة بأي وسيلة إلى وجود الخيال، حتى لا يتحطم الوهم، وهذا يشبه "أن يقف الممثل على خشبة المسرح ويقول أنا ممثل! أو هذه البندقية غير حقيقية"، محطمًا بذلك انغماس الجمهور في

الخيال أو وهم العمل المسرحي المعروض أمامهم. ومن ثمّ، فإنه سرعان ما تنشأ التابوات والمحرمات

حول المسميات الواقعية. ويكون هذا الأمر على قدر هائل من الضرر في سياقات مثل الجامعات، التي يتمثل هدفها الرئيس في إنتاج المعرفة المفيدة والنافعة اجتماعيًا ونشرها. وترى الفيلسوفة مارثا

نوسباوم (1947–) أن المعرفة التي تنتجها الجامعات، خاصة العلوم الإنسانية، "تبني عالمًا جديرًا بأن

نعيش فيه، وأشخاصًا قادرين على رؤية غيرهم من البشر بوصفهم أناسًا بكل معنى الكلمة، بما يملكون

من أفكار ومشاعر تستحق الاحترام والتعاطف، وأممًا قادرة على تجاوز الخوف والشك لصالح الحوار

المتعاطف والمعقول". ومن الأمور التي تجدها ستوك بالغة الدلالة أن الأكاديميين الذين ينتقدون آراءها بقوة، يخلو خطابهم من أي حجة أو دليل – كما يمكن أن نتوقع، وفقًا للمعايير التأديبية – وبدلًا من ذلك، عادة ما يلجؤون إلى الشكوى من دوافعها المفترضة وإخفاقاتها الشخصية. وللطريقة التي تُدار بها الجدالات والنقاشات في فضاء وسائط التواصل الاجتماعي مردودها على الحالة الفكرية للحياة الأكاديمية، وتفسر ستوك ذلك بأننا نحيا الآن في عصر الغضب الرقمي الجامح

(75) Ibid., p. 171. (76) Ibid. (77) Ibid., p. 11. (78) Ibid., pp. 171–172. (79) Martha C. Nussbaum, Why Democracy Needs the Humanities (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2010), p. 143.

على الإنترنت، وتزايد قوة اللاعقلانية الثقافية على أرض الواقع. وفيما يتعلق بالحوار العام Public Discussion، لم تكن نتيجة الجمع بين هذين العاملين سارة على الإطلاق. وعلى العموم، يبدو أن العواطف السطحية هي القوة الرئيسة الدافعة للكثير ممن تسميهم ستوك محاربي لوحة المفاتيح Keyboard Warriors، و"لا نتحدث هنا عن عواطف مثل التطور البطيء للغضب الأصيل المغذي للسعي الطويل والشاق وراء أهداف تستحق العناء، بل نتحدث بالأحرى عن نوع من الغضب الأدائي الذي يمنحنا شعورًا طيبًا، ويتم التعبير عنه أساسًا من خلال كتابة بعض الكلمات الساخرة على شاشة الحاسوب قبل الانتقال إلى متابعة شبكة نتفلكس Netflix ". في هذه الأجواء المحمومة، وعندما تجري معظم التفاعلات أمام جمهور افتراضي Virtual Audience، نجد "تأكيدًا متزايدًا لأهمية الحجة 'الرابحة'، ولإجبار الخصوم على التواري خجلًا وإهانتهم على الملأ، بدلًا من محاولة وضع الأمور في نصابها الصحيح والوصول إلى فهم عاقل". وعادةً يحدد الإنسان موقفه الشخصي من قضية ما استجابةً لموقف شخصي آخر، ولذلك يجب أن نتعامل مع من نحاوره وكأنه بطل مناوئ Antagonist، ويصبح مهمًا جًّدًا أن نرفض (أو نبدو أمام الآخرين كأننا نرفض) ما يقوله مهما كان الثمن. وهكذا "يتسرب إلينا شعور نفسي بأنه من المستحيل أن تجمعنا قضية مشتركة أو موقف موحد مع القطب المضاد. يرجع ذلك في جزء منه إلى أن المراقبين قد يفسرون ذلك على أنه تراجع أو هزيمة. ويبدو أن التفكير النقدي يتنازل عن مكانته لصالح الرغبة المتزايدة في أن نبدو منتصرين". ولا تشذ الحياة الأكاديمية عن مطالب سياق الفضاء الافتراضي، فهي في كل مكان "تخضع لمطالب التجديد والإبداع، وابتكار المواقف الجديدة. كما أن هناك ضغطًا مستمرًا للنشر وخلق معامل تأثير مرتفع – وهو ما يعني في الممارسة العملية تقديم الأطروحات التي من شأنها أن تتصدر العناوين بصورة جذابة، بصرف النظر عن قيمة العمل العلمي". فلكي تتمكن من نشر ورقة علمية أو بناء سمعة أكاديمية، لا يكفي أن تُكِرِّر الحقائق المهمة التي وصل إليها آخرون، بل يجب أن تبدو كأنك تقوم بعمل جديد وأصيل، وغالبًا ما يكون ذلك بصرف النظر عما إذا كان هذا العمل مفيدًا أو يستحق الإنجاز. ويجب أن نتذكر أيضًا أن "الكثير من المشتغلين بالحقل الأكاديمي هم أنفسهم متأثرون بتوجهات الموضة Trends السائدة في وسائط التواصل الاجتماعي وبالنزوع نحو التوافق الأيديولوجي

." Ideological Conformity

(80) Srock, Material Girls , pp. 204–205. (81) Ibid., p. 205. (82) Ibid. (83) Ibid., p. 233. (84) Ibid., pp. 233–234.

رابعًا: مقاربة نقدية لفلسفة ستوك

1. الخيال وتعيين الهوية الجندرية

لا ترى ستوك تطابقًا تامًا بين الخيال والهوية الجندرية، ولكنها تعتقد أنه من قبيل الجنون المطبق أن

تكون هناك قوانين وسياسات مبنية على أساس من الحالات العقلية الدائمة التغير وأخيلة العالم النفسي الداخلي لشخص ما، أو على أي أساس آخر لا يستطيع أحد غيره أن يدركه أو يشعر به أو يتفاعل معه. إن الأمر هنا أشبه بأن تجعل المجتمع والعالم بأسره خاضعًا لقوانين وسياسات تنظم العلاقة بين البشر وكائنات الفالار Valar الخيالية من روايات جي. أر. أر. توليكن John R. R. Tolkien) 1973–1892(وعالمه الأدبي، لمجرد أنك تتمنى أو تشعر بأنها حقيقية وموجودة بالفعل، ولأن هذا الشعور يمنحك نوعًا من الطمأنينة النفسية ويجعلك ترى ذاتك وتقدرها بصورة أفضل، ثم تمضي لتصادر حرية كل من يختلف معك في التعبير عن رأيه وتصدر من القوانين والتشريعات السياسية ما يضمن لك أن تتحول أيديولوجيتك إلى معيار موضوعي سلطوي للتداول الأخلاقي والتشريع السياسي وتحديد نمط حياة المجتمع برمته. فعلى سبيل المثال، من المفترض وفقًا لهذا المنطق أنك بمجرد (تعيين) هويتك الجندرية واختيار ما يناسبها من الضمائر وفقًا لمزاجك النفسي ومن دون أي تدخل خارجي، ينبغي للعالم أن يقبل ذلك (التعيين) ويتخذ منه قاعدة لصياغة القوانين المحددة للولوج إلى الفضاءات الاجتماعية مثل المنشآت العامة، والمؤسسات التعليمية، والمنافسات الرياضية، والجوائز الأدبية... إلخ، بناء على ما تراه، وحماية ذلك من دون أي مساءلة وقد شهدت دورة الألعاب االأولمبية الأخيرة بباريس جدلًا من هذا النوع، بخصوص الاختلاف حول اللجوء إلى "المحددات البيولوجية" أم "الهوية الجندرية" في تحديد الفئات التي يُسمح للاعبين واللاعبات بالتنافس فيها.

2. تأثير وسائط التواصل الاجتماعي في تكوين الهوية

تنتقل بنا وسائط التواصل الاجتماعي من الطرائق والآليات الكلاسيكية لتشكيل الهوية مثل الصدق والاستقامة Sincerity؛ أي تشكيل الهوية وفقًا للأدوار الاجتماعية التي لا يختارها الفرد، بل تعيّنها له

الأسرة والمجتمع، ويحاول تأديتها بصورة نزيهة، أو الأصالة Authenticity؛ أي تكوين المرء لذاته بصورة فردية ومبدعة وحرة ومسؤولة من خلال تفاعلاته وخبراته وما يختاره من معتقدات ومبادئ أخلاقية، إلى طريقة جديدة تتمثّل في الانغماس في الخيال، وتعتمد على تعزيز درجة غير صحية من التوافق؛ لأن النجاح في العالم الافتراضي يتضمن التوافق مع مصفوفات الإعجاب والمشاركة والمتابعة وإدمان دفقات الدوبامين المستمرة التي ننالها من خلال التماهي مع النماذج المثيرة للإعجاب والتفاعلات المقبولة والمرغوبة، وفقًا للمعايير التي يحددها صانعو الخوارزميات والتطبيقات المختلفة. ومن خلال الانصياع والتوافق، تتقلص إمكانات المرء وقدراته على الاستقلال عن المعايير المقبولة، وإذا حاول التعبير عن تفرده بصورة تخالف هذه المعايير، فإنه يتعرض للإقصاء والتهميش. وتقود هذه الآلية إلى الامتثال لأوامر الثقافة الشعبية وتدعيم صورة مرضية عن الذات والعقل والحياة.

وتتجلى أهمية هذا التأطير النظري لتأثير وسائط التواصل الاجتماعي، وفقًا لمقاربة ستوك، بصورة خاصة في حالة المراهقين؛ ففي مرحلة المراهقة ينفصل المرء عن أبويه، ويتماهى مع المجتمع الأكبر، بل في حقيقة الأمر، هذه هي وظيفة المراهق: أن ينفصل عن أبويه ويصبح فردًا يَنْتَمي إلى المجموع

ويتلاءم معه، وقيامه بذلك على نحو إيجابي يجعل منه عضوًا مفيدًا لمجتمعه. لكن ماذا لو كان

المجتمع يقدم قيمة مَرضيّة أو فكرة سقيمة؟ الإجابة هي "وباء نفسي!". والمبدأ الذي يحكم هذه الفكرة هو أنك إذا تمكنت من إرباك البشر بشأن مكون أساسي من مكونات هويتهم، فإن الأفراد الذين يقعون تحت وطأة ارتباك شديد ولم تتحدد هويتهم بعد (مثل المراهقين)، سيقعون في براثن هذا الوباء بسهولة فائقة وسيكون انتشاره أمرًا حتميًا؛ نظرًا إلى ما يجده من دعم هائل

في السياق الثقافي ووسائط التواصل الاجتماعي التي تخلق بيئة افتراضية تعزز تأثيره، بل ربما يكون أكثر معقولية Reasonableness من كل التفسيرات العقلية Rational التي يمكن أن نقدمها. لهذا السبب، كانت فكرة ستوك عن "أهمية الواقع" Reality Matters، ومقاربتها لدور وسائط التواصل الاجتماعي، مما يثير الجدل والتأمل في آن واحد.

3. الكفاءة التحليلية لنموذج التماهي

على الرغم من الكفا ةء التحليلية للنموذج الجديد الذي قدمته ستوك للهوية (نموذج التماهي) وأداته المنهجية (الانغماس في الخيال)، فإن النموذج الإرشادي الجديد، بحسب تعبير توماس كون، يجب أن يتوافر فيه شرطان: الأول هو القدرة على حل جميع المشكلات التي يعالجها النموذج القديم (النموذج الأدائي)، والثاني هو تقديم تفسير ناجح للظواهر التي عجز النموذج القديم عن حلها، ومن ثم توسيع نطاق القدرة التفسيرية لمستخدميه. وفي هذا السياق، يعالج نموذج ستوك للهوية بعض المشكلات التي يعجز النموذج الأدائي عن تفسيرها (خاصة فيما يتعلق بالجانب النفسي وعلاقته بوسائط التواصل الاجتماعي)، ولكنه لا يقدم حلًا أو تفسيرًا للمشكلات الأخرى التي يعالجها النموذج الأدائي، مثل

مشكلات السلطة الأبوية الرأسمالية في المجتمعات الليبرالية، وأبنية الهيمنة الاجتماعية، ومشكلات العدالة والمساواة بين الجنسين.

4. من دعم التواصل البشري إلى تعزيز الانغماس في الخيال

يمكن أن تُرى وسائط التواصل الاجتماعي باعتبارها مدعمات تواصلية للشبكات البشرية، أو الشبكات التي تتألف من مجموعات بشرية تروج للترابط باعتباره قيمة اجتماعية، من خلال ما تتيحه من تداول لحظي للمعلومات وتعزيز للشعور الافتراضي بالتضامن بين الأشخاص المتباعدين واقعيًا ممن يتبنون رؤية علمية وواقعية لتكوين الذات والهوية. ولكنها أيضًا قد تُرى،

باعتبارها بيئة افتراضية تعزز الانغماس في الخيال "وتقدم أنماطًا قوية ومؤثرة من الانغماس، وهي أنماط ذات قيم عاطفية مؤثرة". لذلك، كما يرى جيجيك، فإنه ليس من الغريب أن يكون

(85) Christian Fuchs & Marisol Sandoval (eds.), Critique, Social Media and Information Society (New York: Routledge, 2014), p. 198.

غوتفريد لايبنتز Gottfried Leibniz (1716–1646) إحدى المرجعيات الفلسفية طاغية التأثير لدى منظّري الفضاء الحاسوبي: "ألا يتماشى انغماسنا في الفضاء الحاسوبي مع اختزالنا إلى الموناد – الجوهر اللايبنتزي، حيث تعكس مرآته الكون كله، وإن كان بلا نوافذ". إن مستخدم وسائط التواصل الاجتماعي الذي يجلس "وحده أمام شاشة الحاسوب، متزايد التحول إلى الوحدة والعزلة، من دون نوافذ مباشرة على الواقع، لا يلقى إلا صورًا افتراضية، على الرغم من انغماسه

أكثر من أي وقت مضى في شبكة اتصالات كوكبية".

5. أطروحة فولتير العكسية وحرية التعبير عن الرأي

فيما يتعلق بحرية التعبير عن الرأي في الحياة الأكاديمية، ترى ستوك أن تبرير الاحتجاجات الطلابية وحملات وسائط التواصل الاجتماعي المطالبة بمنعها من التعبير عن رأيها تحت زعم أن "حرية التعبير عن الرأي تشمل حق الطلاب في الاحتجاج أيضًا" يؤدي بنا إلى ما تسميه، بالاتفاق مع الفيلسوفة الإنكليزية ماري لينغ Mary Leng، مبدأ فولتير العكسي وصيغته: "أتفق مع ما يجب أن تقوله، ولكنني سوف أحارب حتى الموت لكي أمنعك من قوله". وهو ما يعني أن بعض الأكاديميين سوف يعترفون، إذا ما وقعوا تحت الضغط، بأن الجنس البيولوجي موجود وحقيقي، وأنه متمايز عن الجندر، ولكنهم سوف يصرون على أننا يجب أّلا نذكره إذا كان يجرح مشاعر بعض المؤيدين للأيديولوجيا الجندرية. وفي هذا تقويض لدعائم حرية التعبير عن الرأي.

خاتمة

حاولت ستوك توضيح ما تتسم به أدبيات الدراسات النسوية من اختزال وغموض في مقاربتها للهوية الجندرية؛ لأن العديد من جوانب الهوية تتقاطع مع مفهوم الجندر ومنها الجنس البيولوجي، والتوجه الجنسي، والجنسانية، والهوية الجنسية. وفي أغلب الأوقات تترابط هذه الأنماط المختلفة من الأداء،

على نحوٍ يجعل الباحثين مضطرين في دراساتهم إلى التركيز على أحد هذه الجوانب المترابطة للهوية الجندرية في محاولة منهم لاكتساب استبصار أكثر عمقًا بالجندر؛ وهو ما أدى إلى تعاملهم في بعض الأحيان مع هذه الجوانب المترابطة كما لو كانت تقبل الاختزال لمفهوم "الهوية الجندرية"؛ ما خلق نوعًا من التشوش المفاهيمي، وأدى إلى تجاهل الحد الفاصل بين الواقع والخيال، والانغماس في أخيلة الهوية الجندرية. تناولت ستوك دور وسائط التواصل الاجتماعي في زيادة هذه الإشكالية عمقًا وقوة وتحويلها إلى مسار جديد؛ لأن معظم الدراسات التي تمتحن المشكلات المرتبطة بالجندر في هذه الوسائط تعاني هذه

((8(جيجيك، ص.39 ((8(المرجع نفسه.

(88) Debora Shaw, "A Tale of Two Feminisms: Gender Critical Feminism, Trans Inclusive Feminism and the Case of Kathleen Stock," Women’s History Review , vol. 32, no. 5 (2023), p. 776. (89) Stock, Material Girls , p. 172.

التقييدات، فالعديد من الباحثين "يشيرون إلى وجود اختلافات بحسب الجنس البيولوجي أو اختلافات بحسب الحالة الاجتماعية بدلًا من امتحان المشكلات الخاصة بالجندر مباشرة". جذومنلل لاصًاافم ادقنو اقيقد لايًاالحت لاوًااأ تمدق ثيح؛ كوتس اهتمدق يتلا ةبراقملا درفت يتأي انه نمو الأدائي للهوية الجندرية، ثم عالجت التأثير المحتمل لوسائط التواصل الاجتماعي في تكوين هذه الهوية. وقد حاولت أيضًا تقديم بدائل مقترحة، لتجاوز ما تفرضه هذه الوسائط من معضلات سواء عن طريق إعادة النظر مرة أخرى في قيمة تكوين الهوية وامتحان الذات والتفاعل مع سياق هذه الوسائط على طريقة الحوار السقراطي، أو من خلال تقديم نموذج بديل من الهوية يمكن أن يجعل الإنسان أكثر ألفة بعمليات التماهي عبر الفضاء الافتراضي، وأكثر وعيًا بما يصاحبها من أخيلة أيديولوجيا الهوية الجندرية. قد تضيف وسائط التواصل الاجتماعي إلى التعارض الأساسي بين الواقعي (المحددات البيولوجية للهوية) والخيالي (الأبنية الاجتماعية التي تتمثل الواقع في مقولة الجندر) تعارضًا إضافيًا بين كل من

الواقعي والخيالي من جهة، و"الافتراضي" – بوصفه انغماسًا في الخيال – من جهة أخرى. إن الذوات

المجندرة تنتقل من التعامل مع مفردات الواقع المادي (المحددات البيولوجية للجسد) مباشرة إلى التعامل مع مفردات الأبنية الاجتماعية المتخيلة (الجندر)، ثم التعامل مع مفردات الفضاء الافتراضي (وسائط التواصل الاجتماعي) وما يرتبط به من انغماس في الخيال. وفي كل خطوة تخطوها الذات، تصبح أكثر اغترابًا عن نفسها، وأقل وعيًا بطبيعتها، وأكثر تأثرًا بالسياقات المحيطة بها، سواء كانت

اجتماعية أو افتراضية، بل يصل الأمر إلى توظيف هذه السياقات بصورة تتعارض جذريًا مع معطيات

الواقع ومقتضيات الحقيقة، كما رأينا في القسمين الثاني والثالث من الدراسة. واتسمت مقاربة ستوك لعلاقة وسائط التواصل الاجتماعي بأيديولوجيا الهوية الجندرية بالانتقال من (العقلانية) المغرقة في التنظير إلى (المعقولية) التي تراعي الأبعاد النفسية والعاطفية والخبرات الشخصية ومعطيات التجربة. ولذلك حاولت تجاوز المقاربات المستندة إلى النموذج الأدائي، من خلال تقديم نموذج جديد للهوية (نموذج التماهي) والاستخدام المنهجي لمقولة أكثر عمقًا ودقة في معالجتها للأبعاد النفسية والأخلاقية لتأثير هذه الوسائط، وهي مقولة "الانغماس في الخيال". واعتمدت ستوك في مقاربتها للتقاطع بين وسائط التواصل الاجتماعي وأيديولوجيا الهوية الجندرية على أداة منهجية واحدة للتحليل والتشخيص والنقد، وهي مقولة "الانغماس في الخيال". ولكنها لم تقدم التأسيس المعرفي – باستثناء ارتباطها بالخبرة الجمالية – اللازم لهذه الأداة لتكتسب مشروعيتها في عمليتَي التفسير والتقييم. وإذا نظرنا إلى هذه الأداة، في ضوء مبدأ "كمال العلم لكمال العمل"، فإن

ستوك لم تقدم التبرير الكافي، سواء نظريًا أم تجريبيًا، للثقة بما وصلت إليه من نتائج باستخدام هذه

المقولة. وكل ما قدمته هو "وصف" محتمل، من بين أوصاف أخرى ممكنة ومتكافئة، لتأثير وسائط التواصل الاجتماعي في تكوين الهوية الجندرية وعلاقة الذات بالواقع، ودورها الجزئي المحتمل في تعزيز تحول الخطاب المصاحب لهذه الهوية إلى أيديولوجيا.

(90) Guzzetti, p. 639.

وعالجت ستوك وسائط التواصل الاجتماعي من زاوية لم تتطرق إليها الأدبيات الفلسفية بالقدر الكافي على الرغم من أهميتها؛ وهي "علاقة هذه الوسائط بمعايير إنتاج المعرفة العلمية في الأوساط الأكاديمية". ففي الوقت الذي تركز فيه الأدبيات الفلسفية على علاقة الجامعة بالمجتمع عمومًا، وبالحقل السياسي خصوصًا، نجد أن ستوك تلقي الضوء على تجليات هذه الوسائط في ظواهر مثل تحديد طبيعة المقررات الأكاديمية واللغة المستخدمة فيها بصورة تراعي عملية الشمول والتضمن، والتحول من إشباع الرغبة في التقدم الوظيفي عن طريق النشر العلمي التقليدي إلى استخدام المنصات الرقمية واسعة الانتشار، والاحتكام إلى معيار زيادة عدد المتابعين في رفع مكانة الباحثين وحصولهم على مصادر للتمويل ورفع معامل تصنيف الجامعات التي ينتمون إليها، والتخلي عن معايير الفهم العقلاني وتقييم النظراء واتساق الحجج واللجوء إلى مسايرة الموضة والبحث عن التوافق الأيديولوجي وتأكيد أهمية الحجة الرابحة وتحقيق معامل تأثير مرتفع. استلهمت ستوك في مقاربتها الطرائق المحتملة للتحرر من أوهام وسائط التواصل الاجتماعي الدرسَ السقراطي الذي مفاده أن "الحياة غير الممتحنة ليست جديرة بأن تُعاش". ولذلك رأت في تكوين المفاهيم الأداة المثلى للتمييز بين الوهم الافتراضي والحقيقة الواقعية. واستلهمت أيضًا الرؤية الفرويدية التي مؤداها أن عملية التماهي تمثل مصدرًا عظيمًا للقيمة والمعنى من شأنه أن يحررنا من الأوهام اللاواعية للهوية الجندرية ويتيح لنا مساحة آمنة للتداول الأخلاقي. لكن مقاربتها لا تزال في حاجة إلى بوصلة الفلسفة الأخلاقية اللازمة، لخوض غمار وسائط التواصل الاجتماعي التي تمثل فضاء محيطه لا يحتويه أي مكان، ومركزه يوجد في كل مكان. وفقًا للمقدمات التي أسلفنا ذكرها في فلسفة ستوك، تتضح لنا الحاجة إلى العناية بدراسة الوضعية المعرفية لمفهومَي "الهوية الجندرية" و"أيديولوجيا الهوية الجندرية" في العالم العربي؛ نظرًا إلى ندرة الدراسات التنظيرية حول هذين المفهومين، واقتصار الموجود منها على معالجة الجوانب الأدبية والسياسية للظاهرة في نطاق زمني ومعرفي لا يتجاوز الموجة النسوية الثالثة، ولا يتطرق إلى منظور النسوية الناقدة للجندر. وعلى وجه خاص، يتبين لنا ضرورة الالتفات إلى دور وسائط التواصل الاجتماعي، وتأثيرها، ونطاقها، وعلاقتها تحديدًا بكيفية تمثل الثقافة العربية لمفاهيم مثل "الهوية الجندرية" و"الأدوار الجندرية" وما يرافقها من توجهات أيديولوجية.

((9(يمكن العودة، على سبيل المثال، إلى الدراسات الآتية:

Ronald Barnett, Imagining the University (London: Routledge, 2013); Soren S. E. Bengtsen & Ronald Barnett (eds.), The Thinking University: A Philosophical Examination of Thought and Higher Education , vol. 1 (Cham: Springer, 2018); Nussbaum.

((9(على سبيل المثال، تكاد الأدبيات العربية تخلو من الإشارة إلى تيار "النسوية الناقدة للجندر" باستثناء ما ذُكر على نحو عابر

في: ساري حنفي، "نحو علم اجتماع حواري،" عمران، مج  12، العدد 46 (خريف.)2023

References

المراجع

العربية

أفلاطون. جمهورية أفلاطون. دراسة وترجمة فؤاد زكريا. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.1985 أيكن، هنري د. عصر الأيديولوجيا. ترجمة فؤاد زكريا. مراجعة عبد الرحمن بدوي. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة،.2023 بشارة، عزمي. مقال في الحرية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 جيجيك، سلافوي. العنف: تأملات في وجوهه الستة. ترجمة فاضل جتكر. مراجعة فايز القنطار. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 حنفي، ساري. "نحو علم اجتماع حواري". عمران. مج  12، العدد 46 (خريف.)2023 كاستلز، مانويل. شبكات الأمل والغضب: الحركات الاجتماعية في عصر الإنترنت. ترجمة هايدي عبد اللطيف. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017

الأجنبية

Barnett, Ronald. Imagining the University. London: Routledge, 2013. Baudrillard, Jean. Simulacra and Simulation. Shela Faria Glaser (trans.). Ann Arbor, MI: The University of Michigan Press, 1994. Bengtsen, Soren S. E. & Ronald Barnett (eds.). The Thinking University: A Philosophical Examination of Thought and Higher Education. vol. 1. Switzerland: Springer, 2018. Butler, Judith. Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity. New York: Routledge, 1999. ________. "Melancholy Gender—Refused Identification." Psychoanalytic Dialogues. vol. 5, no. 2 (1995). Ehlebracht, Mark. "Social Media and Othering: Philosophy, Algorithms, and The Essence of Being Human." Consensus. vol. 40, no. 1 (2019). Freud, Sigmund. Civilization, Society and Religion. Albert Dickson (ed.). London: Penguin Books, 1985. Fuchs, Christian & Marisol Sandoval (eds.). Critique, Social Media and Information Society. New York: Routledge, 2014. Guzzetti, Barbara & Mellinee Lesley (eds.). Handbook of Research of Societal Impact of Digital Media. Hershey, PA: IGI Global, 2016. Harvey, Kerric (ed.). Encyclopedia of Social Media and Politics. vol. 1. Los Angeles: SAGE Publications, 2104. Haslanger, Sally. Resisting Reality: Social Construction and Social Critique. Oxford: Oxford University Press, 2012.

Hassan, Robert & Thomas Sutherland. Philosophy of Media: A Short History of Ideas and Innovations from Socrates to Social Media. New York: Routledge, 2017. Lawford–Smith, Holly. Gender Critical Feminism. Oxford: Oxford University Press,

Luppicini, Rocci & Rebecca Adell (eds.). Handbook of Research on Technoethics. Hershey, PA: IGI Global, 2009. Mandell, Nancy & Jennifer L. Johnson. Feminist Issues: Race, Class, and Sexuality. Toronto: Pearson, 2017. Mannheim, Karl. Ideology and Utopia: An Introduction to the Sociology of Knowledge. Louis Wirth (trans.) London/ Henley: Routledge & Kegan Paul, 1979. Nussbaum, Martha C. Why Democracy Needs the Humanities. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2010. Rosen, Devan (ed.). The Social Media Debate: Unpacking the Social, Psychological, and Cultural Effects of Social Media. New York: Routledge, 2022. Shaw, Debora. "A Tale of Two Feminisms: Gender Critical Feminism, Trans Inclusive Feminism and the Case of Kathleen Stock." Women’s History Review. vol. 32, no. 5

Stock, Kathleen. "Learning from Fiction and Theories of Fictional Content." Teorema. vol. 35, no. 3, (2016). ________. "Some Reflections on Seeing–as, Metaphor–Grasping and Imagining." Aisthesis. vol. 6, no. 1 (2013). ________. Material Girls: Why Reality Matters for Feminism. London: Fleet Little Brown Book Group, 2021. ________. Only Imagine: Fiction, Interpretation, and Imagination. Oxford: Oxford University Press, 2017. Van Ingen, Michiel, Steph Grohmann & Lena Gunnarsson (eds.). Critical Realism, Feminism, and Gender: A Reader. New York: Routledge, 2020. Wood, Julia T. Gendered Lives: Communication, Gender, and Culture. Belmont, CA: Wadsworth Cengage Learning, 2009. Zanghellini, Aleardo. "Philosophical Problems with the Gender–Critical Feminist Argument Against Trans Inclusion." Sage Open. vol. 10, no. 2 (2020).