العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الاستقبال العربي لفلسفة ما بعد الحداثة: ما بين أسطورة الخطية التاريخية واستعارة النار

الاستقبال العربي لفلسفة ما بعد الحداثة: ما بين أسطورة الخطية التاريخية واستعارة النار

Postmodern Philosophy in Arab Thought: The Myth of Historical Linearity and the Metaphor of Fire

خلدون النبواني *

Khaldoun Nabwani *

الملخّص

تبحث الدراسة في كيفية استقبال الفكر العربي المعاصر لإشكالية ما بعد الحداثة، التي اتخذت دلالات متعددة إلى حدّّ التضارب في السياق الغربي نفسه، وكيف انعكس هذا التباين على فهم المثقفين العرب لهذا التيار الفكري/ الفني. وتميّّز بين ما بعد الحداثة الفلسفية، وخاصة كما تجلّّت في الفكر الفرنسي المعاصر، وما بعد الحداثة الفنية التي تبلورت على نحو أساسي في الولايات المتحدة الأميركية. وتفترض أنّّ للغة والثقافة الفرنسيتين، الموروثتين عن الحقبة الاستعمارية، دورًًا في انفتاح مفكّّري المغرب على فكر ما بعد الحداثة الفرنسي، مقابل هيمنة الأيديولوجيات الماركسية والقومية على مفكّّري المشرق، وهو ما أسهم في إنتاج موقف نقدي غالبًًا ما اتسم بالرفض لهذا التيار.

Abstract

Abstract: This paper investigates the ways in which contemporary Arab intellectual discourse has engaged with the notion of postmodernity – a concept whose meanings have varied and often conflicted, even within Western thought. It highlights the divergence between philosophical postmodernity, associated largely with contemporary French theory, and artistic postmodernism, which developed predominantly in the US. The study advances the hypothesis that the linguistic and cultural influence of France has played a significant role in shaping the Arab Maghreb ’s more receptive engagement with French postmodernist thought. In contrast, the intellectual climate of the Arab Mashreq  – marked by the predominance of Marxist and nationalist paradigms – has fostered a more critical approach toward postmodernity.

الكلمات المفتاحية:
  • الفكر الفرنسي
  • ما بعد الحداثة
  • الفكر العربي المعاصر
  • المشرق العربي
  • المغرب العربي
Keywords:
  • French Philosophy
  • Postmodernism
  • Arab Thought
  • Arab Maghreb
  • Arab Mashreq

مقدمة: فرضية إشكالية لمقاربة ما بعد الحداثة عربيًا

نظرًا إلى تشابك موضوع ما بعد الحداثة وتعقيده، وتداخل البُعد الفلسفي والفكري مع الفني والنقدي الأدبي فيه، تركّز هذه الدراسة على نحو أساسي على ما يُعرف ب "ما بعد الحداثة" Postmodernity/ Postmodernité الفلسفية والفكرية، أو ما يُطلق عليه أحيانًا – على نحو أدق – "الحداثة المتأخرة". وفي هذا السياق، ينصبّ الاهتمام على الفكر الفرنسي ما بعد البنيوي، وتأثيره في الفكر العربي المعاصر، سواء من حيث التلقي، أو النقد، أو التبني1. أما الإشكالية التي تُعالجها الدراسة، فهي فرضية قيد الامتحان، تقوم على الزعم التالي: اضطلعت اللغة والثقافة الفرنسيتان، الموروثتان عن الحقبة الاستعمارية، بدور مهم في انفتاح المفكرين والمثقفين المغاربيين على أفكار ما بعد الحداثة، وبخاصة في صيغتها الفرنسية ما بعد البنيوية. في المقابل، تعرّف مفكرو المشرق العربي ومثقفوه – غير الفرنكوفونيين – على أفكار "ما بعد الحداثة" الفرنسية Postmodernité على نحو غير مباشر غالبًا، من خلال ترجمات عربية أو قراءات نقدية إنكليزية لم تسعفهم كثيرًا في تفهّم أفكار فلاسفتها وأعمالهم. قد تكون الغربة اللغوية والثقافية عن المناخ الفكري الفرنسي ما بعد وجودية جون بول سارتر Jean–Paul Sartre (1980–1905) سببًا في حالة الغموض والارتباك التي صاحبت استقبال مفكّري المشرق لأفكار ما بعد الحداثة الفرنسية، وهو ما قد يُفسّر، كما نلاحظ لاحقًا، مظاهر النفور والرفض والعداء لدى معظم النقاد والمثقفين المشارقة تجاه أعمال ميشيل فوكو (1984–1926)، وجاك دريدا Jacques Derrida (2004–1930)، وجان بودريار Jean Baudrillard (2007–1929)، وجان فرانسوا ليوتار Jean–François Lyotard (1998–1924). وربما يُضاف إلى ذلك سبب أعمق يتمثّل في البعد الأيديولوجي؛ إذ إن التيارات الفكرية في المشرق، خصوصًا الماركسية والقومية

  1. على الرغم من أن فلسفة ما بعد الحداثة قد ابتدأت في ألمانيا مع نيتشه وهايدغر، فإنهما لم يؤثرا كثيرًا في الفكر العربي المعاصر ولم يكن لهما – فيما يخص التلقي العربي لما بعد الحداثة على الأقل – ذلك الأثر نفسه الذي أحدثته عندنا أفكار الفلاسفة الفرنسيين ما بعد البنيويين ونصوصهم بخاصة فوكو ودريدا. طبعًا يمكن التذكير بأثر نيتشه الكبير في نصوص جبران خليل جبران (1883–1931) وأسلوبه الذي جمع بين اللغة الشاعرية والتأمل الفلسفي حيث يعكس كتاب النبي (1923) تأثرًا واضحًا ﺑ هكذا تكلم زرادشت، فضلًا عن الكتابة الشذرية لجبران التي تستعيد أسلوب نيتشه على نحوٍ من الأنحاء. لكن فلسفة نيتشه ظلت على هوامش الفكر العربي باستثناء بعض الاقتباسات والتوظيفات المتفرقة. وحتى مع عبد الرحمن بدوي (2002–1917) الذي تأثر في شبابه المبكر بنيتشه وكتب عنه كتاب نيتشهعام 1965 والذي تأثر مبكرًا أيضًا بهايدغر، عراب ما بعد الحداثة المعاصرة، وقدّم أطروحته في الدكتوراه حول إشكالية الموت تأثرًا بوجودية هايدغر، فإنّ هذا الأثر النيتشوي الهايدغري سيخلي المكان عنده بسرعة لصالح اهتمام فلسفي موسوعي وشغل فلسفي شامل من الترجمة إلى النقد والتعليق والتأليف من دون أن يُظهر، بعد مرحلة الشباب النيتشوية الهايدغرية، أي تبني ونزوع لأفكار ما بعد الحداثة رغم إقامته في باريس ومعاصرته لولادة أفكار البنيوية الفرنسية وما بعدها. وعلى الرغم من عكوف العديد من الدارسين والمترجمين العرب على ترجمة أعمال هايدغر ومناقشتها، فإن ذلك لم يُحدِث في العالم العربي أثرًا بقوة ما أحدثته أفكاره في أوروبا وفي الفلسفة الغربية المعاصرة عمومًا. فبعد بدوي الشاب، يكاد يختفي الأثر الهايدغري كلّه تقريبًا عن أفكار المفكرين العرب المعاصرين واهتماماتهم، في المشرق والمغرب، بل إن مشير عون الذي ألّف كتابًا ناقش فيه أسباب غياب هايدغر عن الفكر العربي يذهب إلى حدّ القول: "لم يثر مارتن هايدغر (1976–1889) في العالم العربي على الإطلاق أي شغف عقليّ، كما لم يمارس البتة أي إغواء أيديولوجي." ينظر: مشير عون، هايدغر والفكر العربي، ترجمة إيلي أنيس نجم (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.15

والإسلامية، قد صاغت موقفًا ممانعًا إزاء ما بعد الحداثة، وبنت جدارًا معرفيًا وأيديولوجيًا صلبًا حال دون الانفتاح على هذا التيار. ويبدو من خلال تتبّع تناول ما بعد الحداثة في العالم العربي أنّ اللغة الأجنبية الأكثر حضورًا في المشرق؛ أي الإنكليزية، مقابل الفرنسية في المغرب، قد أثرت في طبيعة التلقي؛ إذ تعرّف مفكرو المشرق على ما بعد الحداثة أساسًا من خلال صيغتها الفنية والأدبية الأميركية Postmodernism، على نحو أكثر وضوحًا من مثقفي المغرب، وُيلُاحظ أن ثمة خلطًا مفاهيميًا وقع، تحديدًا في النصوص النقدية العربية المشرقية، بين Modernity و Modernism، ما أدى إلى دمج غير دقيق بين ما بعد الحداثة الفلسفية والفنية، ووضعها في سلة واحدة، إما للاحتفاء بها أو لرفضها جملةً. وباختصار، لا يبدو أننا نتحدث عن "ما بعد حداثة" واحدة في السياق العربي؛ إذ في حين خلط المشرق بين Postmodernity و Postmodernism، اقتصر تعامل المغرب، إلى حد بعيد، على ما بعد الحداثة الفرنسية أو Postmodernité. لا يُقصد من هذه الفرضية تعزيز ما يُفترض أنه قطيعة معرفية بين المشرق والمغرب العربَّيَين، كما فعل محمد عابد الجابري (2010–1935) مثل2، بل الهدف هو تسليط الضوء على أثر الاستعمار في ترسيخ ثقافته وتصوراته المعرفية، أو ما يمكن تسميته ب "سلطة الحقيقة" لديه، باستخدام مفردات فوكو النيتشوية، في الشعوب التي خضعت له. ولا شك في أن لهذه الفرضية حدودًا ونواقض؛ إذ إن فرنسا، كما استعمرت بلدانًا في المغرب العربي، استعمرت أيضًا دولًا مشرقية مثل سورية ولبنان، وفرضت فيهما لغتها وثقافتها أثناء فترة الانتداب. ويضاف إلى ذلك أن بعض منتقدي ما بعد الحداثة ينتمون إلى السياق المغاربي، كالمفكر المغربي عبد الإله بلقزيز، في حين يُعد من بين أبرز ممثلي هذا التيار على المستوى العربي مفكرون مشارقة، مثل علي حرب (1941–) وإدوارد سعيد (2003–1935)، إذا ما أخذنا في الاعتبار أصوله المشرقية وطفولته التي قضاها بين فلسطين ومصر. ومع ذلك، قد تظل مثل هذه الاستثناءات شذوذًا فرديًا عن قاعدة أعمّ، في تقديري، أو ربما تعززها بأسلوب "الاستثناءات التي تُثبت القاعدة". وتبقى هذه الفرضية، كما يشير اسمها، افتراضًا في طور التجريب والاختبار؛ إنها سؤال مفتوح، وقد تساعد النقاشات والحجج المطروحة في هذه الدراسة على تأكيدها أو دحضها أو حتى الخروج من ثنائيتها. فالفلسفة، كما يؤكد جيل دولوز Gilles Deleuze (1995–1925)، ليست بالضرورة فعل تأكيد أو نقض، بل سعي للفكاك من أسر الثنائيات الجدلية. إنها، كما يدعو دريدا، تفكيك، وخلخلة، وإزاحة، وإضافة، في محاولة لفتح أفق لنقاشات جديدة تتجاوز صندوق ميتافيزيقا التناقضات الثنائية: حداثة مقابل ما بعد حداثة، وأصالة مقابل معاصرة، وشرق مقابل غرب، أو حتى مشرق مقابل مغرب... إلخ.

  1. ينظر على نحوٍ خاص، كتابه: محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986)؛ الذي يصنف فيه العقل العربي في ثلاثة عقول: برهاني وعرفاني يخصان الشرق، ومنطقي عقلاني يخص الأندلس والمغرب العربي.

أولا: في ما بعد الحداثة أو "الحداثة المتأخرة "

نظرًا إلى أن موضوع الدراسة يتمحور حول ما بعد الحداثة بوصفها مسألة فلسفية، أو ما يُطلق عليه "الحداثة المتأخرة"، فإنه من الضروري توضيح المقصود بهذه العبارة الإشكالية.

1. إرهاصات ما بعد الحداثة في ألمانيا

بدأت مساءلة مشروع الحداثة مبكرًا، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مع فريدريش نيتشه (1900–1844) تحديدًا، الذي وجّه نقدًا جذريًا إلى قيم عصره، متحدثًا بلسان الإنسان الحديث قائلًا: "نحن مرضى هذه الحداثة"3. بهذه العبارة افتتح نيتشه ما يُمكن اعتباره القول الأول في ما بعد الحداثة، من خلال اعتراضه على العقلانية الحديثة وتبشيره بولادة "الإنسان الأعلى" Übermensch؛ ذلك الكائن المُنتظر في زمن قادم يُقام، في نظره، على أنقاض الحداثة المريضة. وتنبأ، منذ كتاباته الأولى، بولادة "فلاسفة جدد" سيتحررون من قبضة "زمنهم الضعيف" نحو ثقافة جديدة وطبيعة متحوّلة، واصفًا إياهم بأنهم "فلاسفة خطيرون، ربما بكل الاعتبارات"4. ولم تتأخر نبوءة نيتشه في التحقق؛ إذ أخذ نقده للحداثة شكلًا مدرسيًا امتد من ألمانيا إلى فرنسا ثم إلى الولايات المتحدة، ومنها إلى بقية العالم، في ما بات يُعرف ب "ما بعد الحداثة". ومتابعةً لهذا الخط، واصل مارتن هايدغر Martin Heidegger (1976–1889) النقد الراديكالي للحداثة، خاصة في عمله المؤسس الوجود والزمان (1927). ودشّن أيضًا ثيودور أدورنو Theodor Adorno (1969–1903) وماكس هوركهايمر Max Horkheimer (1895–1973)، في كتابهما  جدل التنوير (1944)، نقدًا ثقافيًا لحداثة انتهت، من وجهة نظرهما، بالارتماء في أحضان الأسطورة التي كانت قد حاولت في الأصل الانفلات منها.

2. الفلاسفة الفرنسيون ما بعد البنيويين وشبهة ما بعد الحداثة

أقام الفلاسفة الألمان المعاصرون، بعد الحرب العالمية الثانية، مسافة فكرية من نيتشه وهايدغر، بسبب ما نُسب إليهما من ارتباط بالنازية أو معاداة للسامية. وفي المقابل، لم تتعرض فلسفاتهما لمثل هذا التحفّظ في فرنسا، التي خرجت من الحرب منفتحة على استقبال تيارات فكرية جديدة. وقد تولّت مجموعة من المفكرين الفرنسيين، ممن تزامن ظهورهم مع الحركة الطلابية عام 1968، مهمة التجديد الفلسفي، من بينهم: فوكو، وجاك لاكان، ورولان بارت، ودريدا، ودولوز، وليوتار، وبودريار. وشكّل هؤلاء جميعًا ظاهرة فلسفية نقدية جديدة أُطلق عليها اسم "ما بعد البنيوية" حينًا، و"ما بعد الحداثة" حينًا آخر. وإذا كان هؤلاء الفلاسفة الفرنسيون يُعرّفون أنفسهم بأنهم "فلاسفة اختلاف"، ويؤكدون تمردهم النظري ورفضهم التصنيف الجماعي، فإنهم لم يطلقوا على أنفسهم صفة "فلاسفة ما بعد الحداثة"، بل كان ذلك توصيفًا أُطلق عليهم في الولايات المتحدة أولًا، ولاحقًا في ألمانيا.

  1. Friedrich Nietzsche, "L’antéchrist," Henri Albert (trad.), in: Nietzche Œuvres complètes (Paris: Société du Mercure, 1908), p. 4341.
  2. Friedrich Nietzsche, Par de–delà bien et mal , Patrick Wolting (trad.) (Paris: Flammarion, 2000), p. 460.

ومنذ نهاية الستينيات حتى أوائل الثمانينيات من القرن العشرين، كانت نصوص فوكو ودريدا وبودريار ومؤلفاتهم تتكاثر وتملأ واجهة المكتبات الفرنسية، وتُرجمت بعدها بسرعة إلى الإنكليزية والألمانية وغيرهما من اللغات الحية. ومع ذلك – باستثناء ليوتار وبودريار – لم يكن من بين هؤلاء الفلاسفة الفرنسيين من يذكر تقريبًا مصطلح الحداثة أو ما بعد الحداثة. وينتبه فوكو في حوار صحافي أُجري معه عام 1983 لذلك الغياب الكامل في النقاش الفلسفي الفرنسي حول الحداثة، مُعترفًا: "علَّيَ أن أقول إنني مُحرَج جًّدًا في الإجابة. أوّلًا لأنني لم أفهم جيدًا البتة ما المعنى الذي نعطيه في فرنسا لكلمة حداثة؛ عند بودلير نعم؛ لكن بعد ذلك، يبدو لي أن المعنى يتوه قليلًا. لا أعرف ما المعنى الذي يمنحه الألمان للحداثة"5. وعلى الرغم من أن كتابات فوكو – بخاصة تلك التي نشرها بعد الكلمات والأشياء (1966)، أي حين راح يتحرر من هيمنة البنيوية على فكره – تُصنّف في الولايات المتحدة وألمانيا أنها من منتجات ما بعد الحداثة الفرنسية، فإنه لم يكن يقصد ذلك، فهو يجيب في الحوار نفسه عن تصوره لما بعد الحداثة بردّ السؤال على سائله: "ما تلك التي تُدعى ما بعد الحداثة؟ إنني لستُ على دراية بها"6. صحيح أن ليوتار كان قد نشر قبل هذا الحوار بنحو خمس سنوات كتابه شرط ما بعد الحداثة (1979)، لكن نصّه ذاك قد أثار ردود فعل المفكرين الألمان والأميركيين أكثر مما لاقى اهتمامًا في فرنسا ذاتها، ويبدو جليًا أن فوكو لم يكن مطّلعًا عليه. ولم يكن الفرنسيون، باستثناء كتاب ليوتار، يحفلون بإشكالية الحداثة أو ما بعد الحداثة، على الرغم من أن الأخيرة سُتنسب إليهم على نحوٍ خاص. ثم احتدّ النقاش الفلسفي في الثمانينيات في ألمانيا تحديدًا حول "غزو" ما بعد الحداثة الفرنسية للجامعات الألمانية، وأثارت نصوص يورغن هابرماس Jürgen Habermas (1929–)، التي انتقد فيها بشدة الفلاسفة الفرنسيين المعاصرين، مثل جورج باتاي Georges Bataille (1962–1897) وليوتار وفوكو ودريدا، صدى واسعًا في أوروبا وخارجها، حيث اتسعت النقاشات بين مؤيد ومعارض، بخاصة في الولايات المتحدة ومناطق أخرى من العالم، بما فيها العالم العربي، الذي انخرط مع نهاية الثمانينيات في نقاش أيديولوجي غالبًا، أقرب إلى تبنّي انتقادات هابرماس لتيار ما بعد الحداثة الفرنسي. لكن قبل التفرغ للحديث عن التعامل العربي مع أفكار ما بعد الحداثة أو الحداثة المتأخرة، لا بد، قبل ذلك، من محاولة تحديد الفرق بين Postmodernity و Postmodernism، فهذا سيساعدنا أكثر في فهم كيفية التلقي العربي لأفكار ما بعد الحداثة.

3. ما بعد الحداثة في أميركا، أو التداخل بين Postmodernity" "Postmodernism"" و

إذا كان فلاسفة فرنسا قد هيمنوا في النصف الثاني من القرن العشرين على المشهد الفكري القاري، فإنّ حضورهم وتأثيرهم قد تعاظما خارج حدود فرنسا، خاصة في الولايات المتحدة. ويكتب فرانسوا كوسيه في مقدمة كتابه French Theory، الذي كرّسه لدراسة الأثر الذي أحدثته أفكار الفلاسفة

  1. Michel Foucault, "Structuralisme et poststructuralisme" in: Dits et écrits , vol. IV (Paris: Gallimard, 1994), pp. 446–647.
  2. Ibid.

الفرنسيين ما بعد البنيويين في الولايات المتحدة: "لقد حازت أسماء بعض المفكرين الفرنسيين في الولايات المتحدة في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين حضورًا كان حكرًا على أبطال الأسطورة الأميركية، أو على نجوم الاستعراض Show Business "7، ليؤكّد أن فوكو ودريدا وبودريار ولاكان ودولوز وليوتار "قد بلغوا، في الولايات المتحدة، مع التحول مع مطلع سنوات الثمانينيات، درجة من الشهرة الرسمية وتأثيرًا عميقًا لم يحظوا به يومًا في بلدهم"8. لقد هيمنت أفكار الفلاسفة الفرنسيين ما بعد البنيويين، إذًا، في الثمانينيات على الفكر والثقافة الأميركيّين، على نحو سلبي أو إيجابي، إلى حد دفع بعضهم إلى التساؤل عن إمكانية التفكير أميركًّيًا خارج "صندوق الفكر" ما بعد الحداثي الفرنسي. في الولايات المتحدة تحديدًا (وليس في فرنسا)، تعاظم انتشار التفكيكية Deconstruction، بوصفها الأثر الأبرز لأفكار دريدا، حيث اجتاحت العديد من الجامعات الأميركية مثل ييل وماريلاند وكورنيل. ومن المهم التذكير بأن التفكيك ازدهر في الولايات المتحدة داخل أقسام النقد الأدبي، لا في أقسام الفلسفة، حيث أتاحت التفكيكية له أن يتحوّل من منهج شبه علمي إلى فعل إبداعي قائم بذاته. وقد حفّزت هذه المنهجية الجديدة طلاب الأدب والمتخصصين فيه على تبنّي هذا الفتح المفاهيمي، الذي أتاح تجاوز ما سُمّي آنذاك بعجز "النقد الجديد" New Criticism، الذي كان قد استهلك نفسه في تلك المرحلة. وقد أسهم هذا الاستقبال الاحتفائي لأعمال دريدا في تحويل التفكيك إلى مدرسة قائمة بذاتها في الولايات المتحدة، بل إلى ما يُشبه "المدرسة الأميركية في النقد الأدبي". فبعد أن حظيت التفكيكية بترحيب واسع في عدد من الجامعات الأميركية، وُلد داخل الأقسام الأدبية جيل من النقّاد التفكيكيين، منهم: بول دو مان Paul de Man (1983–1919)، وجيفري هارتمان Geoffrey Hartman (2016–1929)، وجوناثان كولر Jonathan Culler (1944–)، وهيليس ميلر Joseph Hillis Miller (2021–1928)، وهارولد بلوم Harold Bloom (2019–1930)، وغيرهم. ومن الولايات المتحدة، أخذت هيمنة التفكيك الدريدي تتسع، فكان لها أثر عميق في مفاهيم النقد الأدبي عالميًا، وتجاوز تأثيرها حدود السياق الغربي، لتُصدّر إلى مختلف أنحاء العالم. وقد تركت هذه الهيمنة أثرًا واضحًا في مناهج النقد الأدبي المعاصر، بما في ذلك في السياق العربي، ولا سيما لدى مثقفي المشرق الذين درس بعضهم في الجامعات الأميركية، أو ظلّت اللغة الإنكليزية نافذتهم الأساسية – بعد الترجمة – للاطلاع على الفكر الغربي وتياراته الحديثة.

ثانيًا: محاولة في مقاربة "مصطلح" ما بعد الحداثة

بسبب الاستخدام المفرط لمصطلح ما بعد الحداثة، واختلاف المرجعيات التي انطلق منها هذا الاستخدام، فقد هذا المفهوم الكثير من دلالاته المعرفية التي يمكن من خلالها ضبطه معياريًا،

  1. François Cusset, French Theory: Foucault, Derrida, Deleuze & Cie et les mutations de la vie intellectuelle aux États–Unis (Paris: La Découverte, 2003), p. 11.
  2. Ibid., p. 12.

أو تحديده بدقة، أو حتى التعرف إليه بوضوح؛ إذ أصبح يحمل، في حالات كثيرة، كل شيء وأيّ شيء، ما جعل التصورات السلبية لما بعد الحداثة تسود في الغالب، باعتبارها حالة من العبثية، والفوضوية، واللاعقلانية، والهدميّة... إلخ. ويشير الناقد الأدبي السوري صبحي حديدي (1951–) إلى تعقيد هذا المصطلح قائلًا: "وليس الأمر لأن عشرات الكتب ومئات الدراسات والأبحاث عجزت جميعها عن توفير الأرضية الكافية لاعتصار هذا التعريف الإعجازي، بل إن العكس هو الصحيح، وهو واحد من أبرز مظاهر المأزق في واقع الأمر. ففي كل يوم نعثر على دلائل إضافية في صالح الحقيقة البسيطة التي تقول: هذا هو المصطلح الأكثر خضوعًا للتعريف، والأكثر خضوعًا لإساءة التعريف في الآن ذاته"9. ولعلّ من أوائل المحاولات الجادة لضبط هذا المفهوم ما ظهر في الولايات المتحدة، وتحديدًا في ميدان النقد الأدبي. ومن بين تلك المحاولات، تبرز مقاربة إيهاب حسن (2015–1925)، المنظّر الأميركي من أصل مصري، بوصفها إحدى المقاربات الأكثر جدية. وقد بدأ اهتمامه برصد التحولات التي طرأت على الأسلوب الروائي الأميركي، أو ما أطلق عليه لاحقًا "أدب الصمت"، في قراءة كاشفة لأعمال هنري ميلر Henry Miller (1980–1891) وصامويل بيكيت Samuel Beckett (1906–1989)، قبل أن يصدر كتابه: تقطيع أوصال أورفيوس: نحو أدب ما بعد حداثي)1971(10، الذي قدّم فيه قائمة بالمفاهيم الأساسية التي شهدت تحولًا بين أدب الحداثة وأدب ما بعد الحداثة. فقد لاحظ، مثلًا، كيف حلّ اللعب محلّ الهدف، والنص المفتوح بدلًا من النص المغلق، والفوضوية مكان الهرمية، والبلاغة محلّ المنطق، والسيرورة المفتوحة للعمل الفني بدلًا من موضوعه المحدد، واللاخلق بدلًا من الخلق، والتفكيك محلّ الشمولية، واللاتركيب مكان التركيب، والغياب محلّ الحضور، والتناثر مكان المركز، والنص والتناص بدلًا من النوع الأدبي وحدوده، والسطح مكان العمق، و"الريزوم" Rhizome بدلًا من الجذر، وسوء الفهم Misreading ورفض التأويل بدلًا من القراءة والتأويل، والقصص الصغرى بدلًا من القصص الكبرى، والرغبة بدلًا من العرَض Symptom، والمتحوّل مكان النمط، والشيزوفرينيا Schizophrenia بدلًا من البارانويا Paranoia، و"الفرق/ الفارق " Difference/ Différance و"الأثر" مكان الأصل والسبب، والشبح المُقدّس بدلًا من الإله/ الأب، والتهكم محلّ الميتافيزيقا، والمحايث مكان الترانسنتدنتالي... إلخ11. وُيلُاحظ في هذه القائمة، بلا شك، أثر مفكّري الحداثة المتأخرة الفرنسيين في صياغة مفاهيم ما بعد الحداثة الأدبية، كما يتضح في استخدام مصطلحين مثل "الريزوم" و"اللذة" المأخوذين عن دولوز. إلا أن مفردات دريدا تحضر على نحو خاص، وتطغى على القاموس ما بعد الحداثي: كالغياب، واللعب، والتفكيك، وسوء الفهم، والفرق، والفارق،

  1. صبحي حديدي، "الحديث، الحداثة، ما بعد الحداثة: ماذا في اﻟ 'ما بعد' من قبل ومن بعد"، الكرمل، العدد  51 (ربيع 1997)؛ ما بعد الحداثة: 1 تحديدات، إعداد وترجمة محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، دفاتر فلسفية 13 (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2007)، ص.56
  2. Ihab Hassan, The Dismemberment of Orpheus: Toward a Postmodern Literature , 2 nd ed. (Wisconsin: University of Wisconsin Press, 1982).
  3. Ibid., pp. 268–269.

والأثر. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن عبارة ما بعد الحداثة لم ترد تقريبًا في أٍّيٍ من نصوص دريدا، وقد ظلّ يعارض كل من نسبه إلى هذا التيار12. وعلى الرغم من أن الخلط بين الحداثة الفلسفية Postmodernity والحداثة الفنية Postmodernism، التي ظهرت بوصفها حركة في النقد الأدبي والفني والمعماري، قد أدّى إلى كثير من سوء الفهم، بل إلى تحميل الأولى الكثير من فنتازيات الثانية، فإنّه لا بدّ من الإشارة إلى أنّ كلتيهما قد أثّرت في الأخرى. فبقدر ما مارست الفلسفة تأثيرًا في النقد الأدبي، كما يتضح في قائمة حسن، فإن الأخير أثّر، على نحو معكوس، في المقاربة الفلسفية لمصطلح ما بعد الحداثة؛ إذ تحضر قائمته، بوضوح، في خلفية الطروحات الفلسفية الأولى لما بعد الحداثة، عند ليوتار. فإذا كان جورج فيلهلم فريدريش هيغل G. W. Friedrich Hegel (1831–1770) هو أول من صاغ "الحداثة" باعتبارها إشكالية فلسفية، في كتابه فينومينولوجيا الروح (1807)، فإن ليوتار هو أول من صاغ ما بعد الحداثة سؤ لًا فلسفيًا، في كتابه الشرط ما بعد الحداثي (1979). فبالنسبة إلى ليوتار، تمثّل ما بعد الحداثة تحوّلًا طرأ على "المجتمعات الأكثر تطورًا"، وهي "تشير إلى حالة الثقافة بعد التحولات التي طالت قواعد لعبة العلم، والأدب، والفنون منذ نهاية القرن التاسع عشر"13. وتُجسّد، من منظوره، مرحلة انتهاء السرديات الكبرى والأيديولوجيات الشاملة، أو ما يُسميه ب "ما وراء الخطاب" Métadiscours؛ أي أفول الخطابات الكبرى مثل: "جدل الروح، والهيرمينوطيقا، وتحرّر الذات العاقلة أو العاملة، أو تطوير الثروة"...14، ليضيف: "وبتبسيط شديد جدًا، فإننا نُعرّف 'ما بعد الحديث' بوصفه التشكيك في ما وراء الخطاب [...] فتفقد الوظيفة السردية دوالّها، وبطلها الكبير، ومخاطرها الكبرى، ورحلاتها العظيمة، وهدفها الكبير؛ فتتبعثر في غيوم من عناصر سردية، لكنها إشاراتية وأمرية ووصفية أيضًا... إلخ، تحمل كٌّلٌ منها معها تكافؤات براغماتية من جنسها sui generis "15. وبعيدًا عن مفردات ليوتار المعقّدة، يمكن القول باختصار إن ما بعد الحداثة الفلسفية تعبّر أيضًا عن رفضٍ لأولوية المنطق على البلاغة، وعن تفكيكٍلمفهوم الذات التي هيمنت طويلًا على الفلسفة الحديثة. إنه

  1. حول هذه النقطة يُنصح بمراجعة جواب دريدا على محاوره ريتشارد كيرني حول: "علاقة التفكيك بالحداثة؟" فيجيب دريدا بالقول: "لم أكن يومًا سعيدًا من مفهوم 'الحداثة'. لا شك في أنني أشعر بأن ما يحدث في العالم اليوم هو شيء فريد من نوعه، ولكن، بمجرد ما نلصق عليه اسم 'الحداثة'، حتى نصفه بنسقٍ تاريخيّ معين من التطور أو التقدم (وهي فكرة مستمدة من عقلانية الأنوار) وهذا ما يحاول أن يعمينا عن رؤية حقيقة أن ما يواجهنا اليوم هو أيضًا شيء قديم ومحجوب في التاريخ. في الواقع، أعتقد أن ما 'يحدث' في عالمنا المعاصر وما يفاجئنا كشيء جديد نسبيًا، يرتبط في الحقيقة برابط جوهري مع شيء قديم جدًا كان مُغطى ﺑ (حجابٍ كثيف). ومن ثمّ فإن الجديد ليس تمامًا ما يظهر للمرة الأولى، وإنما هو ذلك البعد (القديم جدًا) الذي يتجلى من جديد في 'الجديد نفسه'؛ والذي يحوز دلالته مرارًا وتكرارًا من خلال تقاليدنا التاريخية، في اليونان وروما، عند أفلاطون وديكارت وكانط... إلخ. ليس المهم هنا مدى جدّة المعنى الحديث وغير المسبوق التي قد يظهر فيها، فهو ليس حداثًّيًا البتّة على نحو حصريّ، بل إنه أيضًا، وفي الوقت نفسه ظاهرة تكرار". ينظر: "Dialogue with Jacques Derrida," in: Richard Kearney (ed.), Dialogues with Contemporary Continental Thinkers (Manchester: Manchester University Press, 1984), pp. 112–113.
  2. Jean–François Lyotard, La condition postmoderne (Paris: Minuit, 1979), p. 7.
  3. Ibid.
  4. Ibid., pp. 7–8.

تفكيك أخذ، لدى دريدا، تلك الصيغة الشهيرة: Plus qu’un، وهي عبارة تؤدي المعنى ونقيضه في آنٍ معًا: "أكثر من واحد" أو، على النقيض، "ولا واحد". وتمنح ما بعد الحداثة الأولويةَ للغياب على حساب الحضور، وللانتشار والاختلاف على حساب الوحدة والتماثل والشمول، ولتعدّد المراكز بدلًا من أحادية المركز، وللنسبية عوضًا عن اليقين. وهي، أخيرًا، انتصار للهامشي والثانوي على المركزي والجوهري، ما يجعلها تحديًا صريحًا للمركزية الغربية، والذكورية، ونظم الهيمنة، والرقابة، والعقاب. بهذا المعنى، لا تمثل ما بعد الحداثة مجرّد مرحلة تاريخية لاحقة على الحداثة، وهي ليست، على الأقل عند معظم فلاسفة فرنسا ما بعد البنيويين، رفضًا مطلقًا ومجانيًا لمقولات العقل والعقلانية والحقيقة والذات، وإنما مساءلة لها، ومراجعة لمسلّماتها، وكشف لتناقضاتها؛ كأن يجري تفكيك حضور السلطة في خطاب التحرر، والرجعية في خطاب التقدّم، ورواسب الميتافيزيقا في الفكر الذي يعلن نفسه ما بعد ميتافيزيقي... إلخ. ومن يطّلع على مؤلفات فوكو ودريدا، على سبيل المثال، تتبدّد لديه تلك الإشاعة الرائجة التي تدّعي أنهما أقاما قطيعة تامة ونهائية مع الحداثة ومُثل التنوير والعقلانية، أو أنهما قدّما فكرًا عدميًا، عبثيًا، تهديميًا، لاعقلانيًا. بهذا المعنى، لا أرى أن البادئة "ما بعد" Post تدلّ بالضرورة على قطيعة حاسمة مع الحداثة؛ فهي، بقدر ما تشير إلى "اللاحق" زمانيًا أو مكانيًا، تدلّ كذلك على تجاوز لا يقطع جذريًا مع ما سبقه، بل يحتفظ بعلاقة نقدية داخلية بما كان سببًا له. وهي، في هذا السياق، تُفهم باعتبارها تضمّنًا؛ أي إنها تسكن الحداثة من الداخل in, within, inside) (، لكنها في الوقت نفسه تدفع بها نحو حدودها القصوى. وإذا أخذنا ما بعد الحداثة الفرنسية تحديدًا، فإنها، بهذا المعنى، تمثّل حداثة متأخرة، وليست خروجًا من الحداثة بقدر ما هي امتدادٌ لها ونقدٌ داخليّ لجوهرها. إنها تشكّل حلقة متأخرة من حلقات الحداثة، وليست شيئًا منفصلًا عنها. إنها مرحلة "كشف حساب الحداثة"، وإعلان إفلاس عدد من مقولاتها، وبيان الحاجة إلى تجديدها أو إصلاحها أو حتى تجاوزها إذا ما ثبت أنها استنفدت ذاتها. وليست، في تقديري، فعلَ "قتل الأب" Parricide، بل هي بالأحرى استمرارية نقدية تعترف بأبوّة الحداثة لما أنتجته، وتضعها، في الوقت ذاته، موضع مراجعة وشكّ.

ثالثًا: الاستقبال العربي لفلسفة ما بعد الحداثة: ما بين وهم الخطية التاريخية واستعارة النار16

حضرت مقولات الحداثة الأوروبية والتنوير عفويًا في فكر النهضة العربية، بوصفها أفكارًا وقيمًا ومشاريع حضارية، غير أنّ الحداثة بوصفها إشكالية فلسفية لم تحضر في النقاشات والكتابات العربية

  1. في ثيوغونيا للشاعر الإغريقي هزيود نتعرف إلى أسطورة بروميثيوس "العبقري الحاذق والماكر" الذي أراد إصلاح خطأ أخيه "الأخرق إبيميثوس" الذي كانت الآلهة قد كلّفته بخلق الحيوانات، لكنه منحها كل القوى الأرضية حتى إنه لم يترك شيئًا في النهاية ليهبه للإنسان الذي ظل بذلك عاريًا؛ فلا فرو ولا ريش ليحميه وضعيفًا، ولا مخالب ولا أنياب ليهاجم ويصطاد بها أو يحمي بها نفسه. ولتعويض البشر عن ذلك النقص ولإنقاذ أخيه إبيميثوس من غضب زيوس سرق بروميثيوس النار من الآلهة "هذا الصديق الخطير"، بحسب هزيود، وأعطاه للبشر كي يتدفؤوا ويحتموا بها. المهم في هذه الأسطورة أن بروميثيوس لم يمنح النار (الخطيرة) فقط للبشر وإنما علّمهم كيف يصنعوا أدواتهم بأنفسهم" ينظر: Hésiode, La Théogonie , Henri Patin (trad.) (CreateSpace Independent Publishing Platform, 2016), p. 19.

إلا في ثمانينيات القرن العشرين، مع وصول أصداء الجدل الفكري الألماني/ الفرنسي حول الحداثة وما بعد الحداثة إلى العالم العربي. وهكذا، دخل المفكرون العرب فعليًا في النقاش الفلسفي حول الحداثة وما بعد الحداثة معًا، وفي الوقت نفسه. وقد قسّم هذا الجدل المفكّرين العرب المنخرطين فيه إلى فريقين متقابلين: "فريق مع"، و"فريق ضد". وتُظهر مراجعة أبرز الأسماء العربية، التي تناولت أفكار ما بعد الحداثة بالنقد، أنّ هذا النقد راوح بين مقاربات موضوعية (وهي قليلة)، ورفض شامل لها (وهو الغالب). وتبيّن أن معظم الانتقادات الحادّة قد جاءت من المشرق العربي، وغالبًا على خلفيات أيديولوجية: ماركسية، أو إسلامية، أو قومية، وهو ما تحاول الدراسة الاستدلال عليه وسبر أسبابه. وفي مقابل فريق الرافضين، برز فريق ثانٍمتحمّس لأفكار ما بعد الحداثة، لا سيما في نسختها الفرنسية، داعيًا إلى الإفادة من أدواتها النقدية في: التفكيك، والكشف الجينيالوجي، والحفر المعرفي، والضبط البنيوي، وخلخلة الأيديولوجيات، وتعرية البنى السلطوية، والانتصار للهامش، ونقد الاستعمار، وخطابات الجندر والنسوية... إلخ. ويلاحظ الباحث أن أكثر المنفتحين على "الحداثة المتأخرة" بنسختها الفرنسية ينتمون إلى مفكّري المغرب العربي، ممن اطّلعوا على الفكر الفرنسي بلغته الأم، وذلك على الأرجح بحكم تكوينهم الثقافي والدراسي، واحتكاكهم المباشر والقريب بالفكر والثقافة الفرنسَّيَين. بل إن بعضهم كان زميلًا أو صديقًا شخصيًا لفلاسفة فرنسا ما بعد البنيويين. ولتدعيم هذه الافتراضات، أعرض تباعًا بعض النصوص العربية، في المشرق كما في المغرب، حول كيفية تلقّي الفكر العربي لما أُطلق عليه، على نحو مختلط، "ما بعد الحداثة".

1. هيمنة الأيديولوجيا في المشرق ودورها في رفض ما بعد الحداثة

لعرض عددٍ من المواقف الفكرية العربية، في المشرق كما في المغرب، من "ما بعد الحداثة"، أناقش أولًا بعض النصوص لمفكرين ونقّاد عرب جمعها الفيلسوفان المغربيان محمد سبيلا (2021–1942) وعبد السلام بنعبد العالي (1945 –) في كتاب ما بعد الحداثة (2007). ويشيران، في تقديمهما المقتضب لهذا الكتاب، إلى ما يسمّيانه "وهم الخطّية التاريخية"، أو ما يطلقان عليه التحقيب الزمني، الذي وقع فيه عدد من المفكّرين العرب في مقاربتهم لما بعد الحداثة، حين اعتبروها مجرد حقبة زمنية في التاريخ الأوروبي جاءت لتعلن نهاية مرحلة الحداثة، بل معاداة قيمها ومقولاتها. ويقولان في هذا السياق: "من مفكرينا من لا يرتاح إلى العمل على ترويج مفهوم 'ما بعد الحداثة' في سوقنا الثقافية. وهم يرون أن ذلك إن كان يليق بثقافات قطعت أشواطًا طويلة في التحديث، فهو لا يجدر بثقافتنا التي لم ترسّخ بعد أسس الحداثة، إن لم نقل إنها ما زالت تعيش 'مرحلة' ما قبلها"17. ويأتي هذا النقد ليواجه التصوّر الكرونولوجي للتاريخ، الذي يجعل من الحداثة مجرد محطة زمنية ينبغي إنجازها أولًا، قبل الانتقال إلى ما بعدها. ووفق هذا التصور الخطي للزمن، لا يجوز للعرب أن يناقشوا ما بعد الحداثة ما لم يكونوا قد أنجزوا أولًا مشروعهم الحداثي بالكامل؛ فبما أنّهم لم يعيشوا "حداثتهم" أو لم يكتمل مشروعها، فإن أيّ انخراط في نقاشات ما بعد الحداثة يُعدّ قفزًا فوق التاريخ والواقع.

  1. سبيلا وبنعبد العالي، ص.5

لكنّ الخطّية التاريخية، بهذا المعنى، تُعمي بقدر ما تكشف، وتحجب بقدر ما تُظهر. إنها أشبه ما تكون ب "الرؤية النفقية" Tunnel Vision، التي تمنع المصاب بها من الرؤية الجانبية، وتدفعه إلى التركيز الحاد في اتجاه أنبوبيّ ضيّق. وفي مقابل هذا الاتجاه السائد بين المثقفين العرب، الذين ظلّوا أسرى هذه الرؤية النفقية أو الخطّية، نجد مفكّرين آخرين يتعاملون مع المفاهيم والمقولات الفكرية بنظرة ديناميكية، تقوم على مبدأ الانفصال والاتصال المستمرّين، ولا يرون في الحداثة أو التنوير مشاريع أوروبية حصرية. ويقدّم سبيلا وبنعبد العالي نفسيهما باعتبارهما جزءًا من هذا الفريق الثاني، حين يقولان: "يرفض هذا الطرح [التحقيب الزمني] من لا يقبل منا هذا المفهوم عند الحداثة، الذي هو أقرب إلى التحقيب الزمني. وهم يرون أن الحداثة كانت دومًا 'ما بعد حداثية'. معنى ذلك أنهم لم يفهموا الحداثة كتوقف عند لحظة لها مقوماتها الثابتة، ومعناه أنهم فهموا الحداثة كحركة انفصال ما تفتأ تتجدد، ومعناه أيضًا أنهم أقحموا البعدية داخل حركة التحديث ذاتها، فنظروا إلى 'ما بعد الحداثة' على أنها حداثة الحداثة. هذا المفهوم هو ما تسعى الصفحات المقبلة إلى تبيينه، موضحة أن ما بعد الحداثة ليست إلا استمرارًا نقديًا للحداثة، وأن الحداثة نفسها ليست خصائص وميزات، وإنما حركة انفصال لا تكف عن الابتداء"18. ولعل من المواقف الجديرة بالتأمل في سياق التلقي العربي لما بعد الحداثة، موقف الكاتب والناقد الفلسطيني فيصل درّاج (1943 –)، الذي كتب مق لًا نقديًا في مجلة الكرملبعنوان "ما بعد الحداثة: السياق والتاريخ"، يُصادر فيه على إمكانية وجود ما بعد حداثة غير أوروبية، إلا على شكلٍممسوخ أو هزلي. يقول درّاج: "وفي الأحوال جميعها، فإن ما بعد الحداثة إشكالية أوروبية، لا تنخلع، ولا يمكن لها أن تنخلع عن سياقها التاريخي المحايث لها، والذي لا يمكن للشعوب اللاأوروبية أن تكرره، إلا بشكل تابع فقير، أو بشكل ساخر يدعو إلى الرثاء والشفقة"19. وهكذا يحصر درّاج الحداثة وما بعد الحداثة في السياق التاريخي الأوروبي. وإذا كان هذا الموقف يمكن فهمه ضمن أفق المركزية الأوروبية، فإن ما يثير الاستغراب حقًا هو النتيجة المعكوسة التي ينتهي إليها الكاتب في ختام مقاله، حين يقول: "ما بعد الحداثة دعوة إلى تمجيد التاريخ في لحظة ظالمة منه، يقبض المنتصر الأوروبي فيها على مصائره ومصير غيره، ولا يخلّف للشعوب المستضعفة شيئًا، بل إنه يحرمها من الأمل، بعد أن منع عنها حرية الحركة"20. لا شك في أن هذا الموقف السلبي من ما بعد الحداثة، كما عبّر عنه درّاج، يُعارض فرضيتي المتعلقة بأثر الثقافة الفرنسية ولغتها في تمكين المثقف العربي من فهم الحداثة ومقاربتها. فعلى الرغم من أن درّاج ابن المشرق العربي، ووُلد في فلسطين وعاش في سورية ولبنان، فإنه يمتلك تكوينًا علميًا ولغويًا فرنسيًا؛ فقد أنجز أطروحته للدكتوراه في الفلسفة في فرنسا، باللغة الفرنسية، حول الاغتراب عند كارل ماركس Karl Marx (1883–1818). وهي المرحلة ذاتها التي كانت تشهد بروز فلاسفة "الحداثة المتأخرة" في

  1. المرجع نفسه، ص.5
  2. فيصل دراج، "ما بعد الحداثة: السياق والتاريخ"، الكرمل، العدد  51 (ربيع 1997)، في: سبيلا وبنعبد العالي، ص.37
  3. المرجع نفسه، ص.42

المشهد الثقافي والفلسفي الفرنسي. ومع أن رفض الثقافة المهيمنة والتفكير خارج إطارها ليس غريبًا ولا مستهجنًا، بل قد يكون العكس هو الصحيح، فإن "الغريب" في موقف درّاج، هو جعله ما بعد الحداثة أداةً نظريةً لأيديولوجيا المركز الغربي في الهيمنة والسيطرة على "الشعوب المُستضعَفة"، بعد أن حرمها من الأمل "ومنع عنها حرية الحركة"21 بحسب مفرداته. وهذه نقطة تستحق التأمل. فهل عملت فلسفة ما بعد الحداثة على الإمعان في مركزة المركز وتهميش الهوامش فعلًا؟ أي هل كانت القفازَ الأيديولوجي الفكريّ للرأسمالية المتأخرة، والممهدة للعولمة، والليبرالية الجديدة، وما بعد الفوردية... إلخ؟ إن النتيجة التي ينتهي إليها درّاج تقلب المسألة رأسًا على عقب من دون أن يُقدّم الدليل والحجة على ذلك. فقد انشغل الفلاسفة الفرنسيون الجدد بتفكيك بنى المركز، واهتموا بتعرية ميكانيزمات السلطة والهيمنة وفضحها من الداخل؛ أي من قلب الحضارة والتاريخ الأوروبَّيَين. فنحن ندين لفوكو مثلًا نقده احتكار أوروبا للتنوير وتحويله إلى منتجٍأوروبٍّيٍ حصري، ثم توظيف مُثله ومبادئه الأخلاقية في خدمة سياسات الاستعمار الأوروبي، حين يقول: "رحنا نُسائل الغرب – مع نهاية الحقبة الاستعماريّة – عن الحُجج التي مَّكَنت ثقافته وعلمه ومنظماته الاجتماعيّة وأخيرًا عقلانيته نفسها من أن تدّعي لنفسها صدقًا كونًّيًا: أليس هذا سرابًا مُرتبطًا بالهيمنة الاقتصاديّة وبالتسُّلُط السياسي؟"22. كما ندين بالقدر نفسه لكل من نيتشه وهايدغر ودريدا وليوتار وإدوارد سعيد، وفرانز فانون Frantz Fanon (1961–1925)، الذين يُدرجون ضمن خانة ما بعد الحداثيين، لما قدّموه من تفكيك وكشف للوجه الآخر من حضارة الحداثة الغربية. فهذه الحضارة، وإن رفعت شعارات الحرية، والقيم الإنسانية، والسلام، وإنهاء الحروب، فقد أنجبت في المقابل منظومات من الهيمنة، والمراقبة، والمعاقبة، والاستغلال، سواء في داخل مجتمعاتها، أو عبر ما مارسته في مستعمراتها، وفي الحروب المتعددة التي خاضتها خارج أوروبا. ومن هنا، يأتي الاستغراب من موقف درّاج من ما بعد الحداثة؛ هذا المثقف الذي لم يرَ فيها مشروعًا نقديًا داخليًا ينتصر للهوامش، ويقوّض مركزية الهيمنة الغربية، والعرق الأوروبي، وتاريخ الرجل الأبيض المُستعمِر، وهي المقومات ذاتها التي ولّدت حركة النقد ما بعد الكولونيالي، التي انشغلت، بوعي منهجي، بنقد مرحلة ما بعد الاستعمار في دول الهامش. وحتى على صعيد النقد الأدبي، لم تكن ما بعد الحداثة حيادية تجاه التراتبية المركزية، بل انحازت بوضوح إلى الأطراف، ضد مركزية الرواية الأوروبية. وتؤكد المُنِظِّرة والناقدة التشيلية نيللي ريتشارد Nelly Richard (1948–)، في نبرة تناقض تمامًا ما ذهب إليه درّاج: "ولأول مرة في تاريخ العلاقة بين المركز والأطراف، تجد رواية أمريكا اللاتينية نفسها في موقع متقدّم أمام الرواية الغربية، وفي التنظير الغربي ذاته. بل هي – بفضل الواقعية السحرية وغابرييل غارسيا ماركيز – تتصدر طليعة الرواية ما بعد الحداثية أيضًا"23. يكتب درّاج، في مقالٍآخر بعنوان "من رثاثة الحداثة إلى بؤس ما بعد الحداثة": "وواقع الأمر، أن 'الحداثة العربية المتأخرة' تخلط بين التملّك المعرفي و'الموضة الفكرية'، وبين المعرفة الكونية

  1. المرجع نفسه، ص.42
  2. M. Foucault, "Le normal et le pathologique," in: Dits et écrits , vol. 2 (Paris: Qarto–Gallimard, 2001), p. 433.
  3. مقتبسة عن: صبحي حديدي، "الحديث، الحداثة، ما بعد الحداثة: ماذا في اﻟ 'ما بعد' من قبل ومن بعد"، في: سبيلا وبنعبد العالي، ص.72

والتسليع الثقافي، وتظل في الحالين مشدودة إلى السوق الثقافية وإلى من يسيطر عليها. وتفِّسِر التبعية للسوق الالتقاط الموسمي للموجات الثقافية الأوروبية، والتي تخسر أبدًا ممهدة الطريق لموجة جديدة [...] واتكاءً على أوهام 'الأيديولوجيا الثقافية العالمية'، تستقبل السوق الثقافية العربية مقولات ما بعد الحداثة، حتى لو كان الوافد الجديد يعلن عن وحدانية السوق واندثار الثقافة"24. يُصيب درّاج، من حيث تشخيصه، جانبًا مهمًا من العلاقة بين الثقافة العربية وسوق الأفكار، حين يكشف عن التزامن بين بروز "أفكار ما بعد الحداثة"، سواء في موطنها الغربي أو في تلقيها عربيًا، وتفشّي ظاهرة التسليع الثقافي وتحوّل الفكر إلى موضة استهلاكية، تُستقبل في لحظات متأخرة، وتُترجم بعد أن تكون قد فقدت زخمها في سياقها الأصلي. غير أن درّاج، في تعامله مع ما بعد الحداثة، لا يرى فيها سوى أداة للابتذال والتسويق، ومجرد قناع أيديولوجي للاستعمار الجديد والمؤامرة الغربية على الثقافة العربية. ومع أن درّاج ابتعد مبكرًا عن الماركسية، التي كتب أطروحته للدكتوراه في إطارها، واتجه إلى النقد الأدبي، بل أعلن رفضه للمنهج، فإن أثر التاريخانية الماركسية الواقعية ظل ملازمًا لقراءاته، خاصة كما ظهرت في امتداداتها النقدية لدى جورج لوكاش George Lukács (1971–1885) ولوسيان غولدمان Lucien Goldmann).1970–1913(وغير بعيدٍ عن الأيديولوجيا الماركسية ورؤيتها الخطّية للتاريخ، يأتي مقال المفكر السوريّ طيب تيزيني (2019–1934)، ليُعالج مسألة ما بعد الحداثة بوصفها "مرحلة" تخص الغرب؛ إذ تأتي بعد مرحلة الحداثة محمّلة بنقائضها ومهدّدة بتقويض منجزاتها، حيث يقول: "إذا كانت عملية التحديث في الغرب قد انطلقت من عقلنة الفكر العلمي، وعقلنة الفكر السياسي، وعقلنة القول التاريخي، وعقلنة القول الديني، فإن مرحلة ما بعد الحداثة التي ولجها الغرب الراهن، في سياق التصديات العالمية الأخيرة، تحمل الوشم المناقض والمناهض له والمشهر، فالفكر العلمي والسياسي والقول التاريخي يعيش الآن في أيديولوجيا ما بعد الحداثة أزمة انشطار وابتلاع. كما أن عقلنة الدين، وما استتبعه من إصلاح ديني تأسيسي وتسييق تاريخي، قد تراجعت وارتدت"25. وفي حين يرى تيزيني، ضمن هذا التصوّر الخطّي للتاريخ (على غرار هابرماس)، أن "مرحلة" ما بعد الحداثة تمثّل تهديدًا للحداثة الغربية، فإنه يعتبرها خطرًا موازيًا يهدد العالم العربي، عبر تمدّدها إلى الأوساط الثقافية والأكاديمية فيه، إذ يقول: "إن ما بعد الحداثة إن دخلت الفكر العربي وبعض مؤسساته الأكاديمية، فإنها أحدثت تحديًا لها. لا يزال – على الأقل – في حالة الإضمار، وقد ترافق ذلك مع دخول أفكار أخرى تقاطعت معها وعملت معًا على إحداث مشكلات جديدة في إطار المشكلات القائمة"26. وفي الوقت الذي يرى فيه تيزيني أن ما بعد الحداثة لن تضيف

  1. فيصل درّاج، "ما بعد الحداثة: السياق والتاريخ"، الكرمل، العدد  51 (ربيع 1997)، في: سبيلا وبنعبد العالي، ص.78–77
  2. الطيب تيزيني، "ما بعد الحداثة كنقد للحداثة"، جريدة المنعطف، 2002/3/27، في: سبيلا وبنعبد العالي، ص.73
  3. المرجع نفسه، ص.75–74

إلى الفكر العربي ومؤسساته التعليمية سوى المزيد من التحديات والمشاكل، التي هي أصلًا قائمة ومتراكمة، فإنه يبدو محقًا في تساؤله عن تداعيات ما بعد الحداثة في الفكر السياسي الأميركي، حين يضيف: "فنهاية التاريخ لوفوكوياما، وصدام الحضارات لهنتنغتون يتقاطعان مع ما بعد الحداثة، ليفضيا إلى إقصاء التاريخ العربي، وهذا من شأنه أن يضعنا أمام سؤال كبير: ما موقع ما بعد الحداثة في فكرنا العربي الراهن ومستقبل "27. وتستمد مشروعية سؤال تيزيني وجاهتها من كون التوظيف السياسي المباشر لأفكار ما بعد الحداثة، خارج إطارها النقدي الإيجابي في تفكيك خطابات السيطرة وتعرية سلطات الهيمنة المحتجبة، لم يكن دائمًا متوازنًا، بل اتّسم في أحيان كثيرة بالخطر والانزلاق. فنتذكّر، مثلًا، احتفاء فوكو بالثورة الإيرانية، أو ما آلت إليه تجربة هايدغر السياسية القصيرة، والوازنة في الآن نفسه، حين احتفى بالنازية وانخرط فيها، كما لا يمكن تجاهل ما قادت إليه التأويلات النازية لاحقًا لفكرة "إرادة القوة" عند نيتشه. ومع أنه يصعب إيجاد رابط مباشر بين تنظيرات فرانسيس فوكوياما  Francis Fukuyama 1952(–) في نهاية التاريخ، أو صدام الحضارات28 لصمويل هنتنغتون Samuel Huntington (2008–1927) في الولايات المتحدة، وبين أفكار "الحداثة المتأخرة" ببعدها الفلسفي، فإنها تتشارك جميعًا في الظرف التاريخيّ للرأسمالية المتأخرة. وفي سياق المواقف الأيديولوجية الماركسية المشرقية، أناقش أيضًا النقد الجذريّ الحاد الذي وجّهه الفيلسوف السوري صادق جلال العظم (2016–1934) إلى فكر ما بعد الحداثة، في مؤلفه الفلسفيّ دفاعًا عن المادية والتاريخ (1990). وعلى الرغم من أنه يُعدّ من المفكرين العرب العقلانيين الحريصين على ضبط المفاهيم ضبطًا معياريًا، فإن تمسكه بأدوات التحليل الماركسية قد حدّ، على ما يبدو، من رؤيته وحدّد طبيعة أحكامه. ويبدو جليًا، من كتابه هذا، أنه – في مقابل اّطلّاعه الواسع والدقيق على نصوص الفلسفة الغربية الحديثة – لم يُلمّ على نحو كافٍ ومباشر وجديّ بنصوص ما بعد الحداثة، ولا سيما الفرنسية منها، باستثناء هايدغر. فهو حين يتحدث عن فوكو، مثلًا، لا يجد فيه "إلا عبثية الخفة وعدمية الاستهتار"29. أما أعمال فوكو، فليس لها، في نظره، سوى فائدة واحدة تتمثل في: "دفع الاتجاهات العدمية والعبثية والذاتوية (المسيطرة منذ زمن على نخبة الإنتلجنسيا البرجوازية في أوروبا) المعادية للمعرفة والعلم والتنوير والموضوعية إلى نتائجها المنطقية القصوى، بحيث تنكشف تناقضاتها الداخلية، وتظهر نقاط ضعفها المضمرة، وتتضح نزعتها إلى الارتداد على نفسها وتدمير نفسها بنفسها، بالتالي"30. وإذا كان العظم يناقش أفكار فوكو بمثل هذا التسرّع والحدّة، ويُصدر فيها أحكامًا سلبيةً قاطعة،

  1. المرجع نفسه.
  2. أجد من غير المنصف وضع هذين الكتابين في "سلة واحدة"، ﻓ صدام الحضاراتجاء ردًا على نهاية التاريخالذي أراد أن يقدّم غطاء أيديولوجيًا للديمقراطية الليبرالية والليبرالية الاقتصادية في الولايات المتحدة التي يتوقف عندها التاريخ بحسب فوكوياما. في حين قدّم هنتنغتون نظرية جديدة قدّمت، رغم كل عيوبها ونواقصها، تصورًا جديدًا لفهم الأثر الحضاري والثقافي الكبير في الصراعات الدولية.
  3. صادق جلال العظم، ثلاث محاورات فلسفية: دفاعًا عن المادية والتاريخ (بيروت: دار الفكر الجديد، 1990)، ص.225
  4. المرجع نفسه، ص.524–523

فإنه لم يكن أكثر رحمة بدريدا؛ إذ اكتفى بالمرور على أفكاره في بضع صفحات، بصورة متسرّعة. ولم يجد، عند فيلسوف التفكيك، جديدًا يُذكر "إلا في التفاصيل والتطبيقات والأسلوب والمصطلحات. أما بالنسبة للمواقف الأساسية والأفكار الفلسفية الرئيسية فإن كل شيء يبقى على حاله"31. وبقراءة خاطئة – وربما بغياب قراءة أصيلة – يصوّر العظم دريدا فيلسوفًا عبثيًا عدميًا، يعمل على: "إحلال التفكيك محل الثورة، والهذيان الفردي محل الالتزام السياسي، واللعب محل النظرية و'الفارق' محل التاريخ والنص محل الواقع والجنون محل الوعي والحلم محل العلم وانفصام الشخصية محل العقل إلى آخر اللائحة المعروفة عند هذه المدرسة في باريس"32. وعلى خلاف الأحكام القطعية السريعة، المستلهمة غالبًا من مراجعات نقدية أميركية لأفكار هذين الفيلسوفين الفرنسيين، اللذين اتّهمهما العظم بتقديم أفكار ما بعد حداثية تدميرية وخطِرة، نقرأ لديه تحليلات عميقة وقوية لفلسفة هايدغر، الذي يخصّه بالجزء الأطول من كتاب دفاعًا عن المادية والتاريخ، وهو كتاب يُفترض أنه جاء للدفاع عن ماركسية ماركس تحديدًا، ببعديها التاريخي والمادي، في مواجهة الفلسفات الأخرى، بما فيها الماركسيات التي ظهرت بعد ماركس. ومطرقة العظم الماركسية الغليظة والعنيفة لا تُوفّر هايدغر، الذي يُصنّفه ب "معلّم الأنتي–حداثة والمنظّر الأكبر لضرورة النكوص عنها في القرن العشرين"33، قبل أن يؤكد في موضع آخر: "يعُدُّ هايدغر واحدًا من أهم وأبرز المنِّظِرين للجناح اليميني في الحداثة الأوروبية بمفهوم 'الموديرنيزم' ومن أكثرهم عداء ورفضًا للحداثة عمومًا أي بمفهوم 'الموديرنتي"'34. وإذا كان مفهومًا أن يربط العظم بين يمينية هايدغر وارتباطه بالنازية، فإن المبالغة تكمن في محاولته ربط فلسفة هايدغر بالسلفيات الأصولية الإسلامية، كما لدى أبي الأعلى المودودي (1979–1903)، حين يتحدث عن أوجه "الشبه والتلاقي بين إدانة هايدغر المماثلة للتاريخ الأوروبي بعد عصر الوحي اليوناني الأول، وبين إدانة المودودي للتاريخ الإسلامي إدانة قاطعة ونهائية بعد عصر الوحي النبوي الأول"35. وفي إجابته عن تصوره لوجود "صلة مباشرة بين هذه التيارات الإسلامية ووجودية هايدغر"، يجيب العظم: "نعم، أعتقد ذلك. لكن هذه نقطة تحتاج إلى مزيد من التدقيق والدراسة"36. وتوحي عبارة "صلة مباشرة" هنا بأن التيارات السلفية الإسلامية الجهادية قد قرأت هايدغر، وبنت تصوراتها السلفية الجهادية الارتدادية تأثّرًا به. ولا شك في أن في الأمر قدرًا كبيرًا من المبالغة، حين نعلم أن هذه الجماعات حصرت قراءاتها وتأويلاتها في النصوص الدينية وفقه الجهاد، وظلت معادية لحضارة الغرب وثقافته؛ فكيف لها أن تهتم بأفكار فيلسوف غربيّ اشتهر بإلحاده مثل هايدغر؟

  1. المرجع نفسه، ص.525
  2. المرجع نفسه، ص.528
  3. المرجع نفسه، ص.233
  4. المرجع نفسه، ص.229
  5. المرجع نفسه، ص.233
  6. المرجع نفسه.

وعلى الرغم من أن انتقادات العظم لما بعد الحداثة تبقى، في رأيي على الأقل، عنيفةً ومتسرّعة وعمومية وغير دقيقة، فإنها لا تخرج، مع ذلك، عن إطار النقاش الفكري السجالي الذي اعتدناه لديه. غير أن الانتقادات التي يوجهها عبد الوهاب المسيري (2008–1938) إلى ما بعد الحداثة وأعلامها، وبخاصة دريدا، تخرج، في كثير من المواضع، عن نطاق النقاش الأكاديمي الرصين، لتتحول أحيانًا إلى ما يشبه التشهير، وتنتهي باستحضار نظرية المؤامرة، كما لو أن للمسيري ثأرًا شخصيًا مع دريدا، ومع ما بعد الحداثة عمومًا. ويعرّف المسيري ما بعد الحداثة، في كتابٍ حوارٍّيٍ جمعه مع المفكر التونسي فتحي التريكي (1947 –)، بعنوان الحداثة وما بعد الحداثة (2003)، بأنها: "تعني العداء للحداثة، وإخفاق الحداثة، ونهاية الحداثة، وإفلاس الحداثة"37، مضيفًا أن "أيديولوجيا ما بعد الحداثة تقف ضد العقل والمنطق والإنسان والمعنى، وضد رؤية الأشياء في علاقتها الجدلية مع الإنسان، وضد الكلّ وحدوده؛ تقف ضد كل ما هو عظيم وله قيمة في الحضارة الغربية الحديثة"38. لا شيء إيجابيٌ في فلسفة ما بعد الحداثة عند المسيري؛ فهي، في نظره، "صندوق باندورا"، مليئة بالشرور فقط. أما قيمها "مثل التبعثر والتشتت والضياع"، فهي "قيم ظلامية، ظلاميتها واضحة لا شبهة فيها، تُستخدم (عن وعي أو غير وعي) كستار من الدخان لتغطية استراتيجية الاستعمار الغربي العامة منذ منتصف القرن التاسع عشر: تقسيم المنطقة والتهامها، أو على الأقل الاستمتاع بخيراتها بأقل الأسعار"39. وترتبط ما بعد الحداثة، عند المسيري، بالصهيونية أيضًا؛ إذ يقول، بعقل مسكون بنظرية المؤامرة: "ُيلُاحظ أن كلًا من الصهيونية وما بعد الحداثة يتسمان بالثنائيات المتعارضة المتطرفة التي تؤدي إلى العدمية"40، بل إنه يذهب أبعد من ذلك، حين يحاول الإيحاء بأن الأصول اليهودية لدريدا هي ما دفعته إلى تفكيك الميتافيزيقا الغربية، فيقول ضمن فقرة بعنوان "ما بعد الحداثة واليهودية" إن خطة دريدا تتلخص في الآتي: "ولذا فإن القضاء على معاداة السامية يتطلب القضاء على الميتافيزيقا الغربية"41. وكان قد صرّح أيضًا، مستخدمًا قاموس نظرية المؤامرة، بأن "ثمة أجندة خفية وراء الدعوة للحرية غير المشروطة، وللتفكيك الذي يتشح بوشاح العلم والأخلاق، ويحاول أن يُسقط الهوية ويمحو الذاكرة"42. أما ما تلك "الأجندة الخفية" التي اكتشفها المسيري؟ فيجيب: "وأنا أذهب إلى أن التفكيكية وما بعد الحداثة هما في واقع الأمر أيديولوجية النظام العالمي (الاستعماري) الجديد، الذي يحاول أن يُنسينا هويتنا وخصوصيتنا وتراثنا وذاكرتنا التاريخية، حتى يمكنه أن يفتح حدودنا لرأسماله وأدواته ومخابراته وإعلامه"43. وهكذا يغدو دريدا، ومعه تيار ما بعد الحداثة كلّه، جزءًا من "المؤامرة

  1. عبد الوهاب المسيري وفتحي التريكي، الحداثة وما بعد الحداثة، سلسلة حوارات لقرن جديد (دمشق: دار الفكر، 2003)، ص.86
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه، ص.157
  4. المرجع نفسه، ص.156
  5. المرجع نفسه، ص.137
  6. المرجع نفسه، ص.131
  7. المرجع نفسه.

الاستعمارية" على العرب، وعلى تاريخهم وذاكرتهم. ويواصل المسيري في هذا السياق ما يمكن تسميته ب "صهينة التفكيكية"؛ إذ يربط أيضًا اهتمام دريدا الأخير بفلسفة "المستحيل" لا بالفكر، بل ب "الفاشية" و"الصهيونية" و"الإرهاب"، فيقول: "فالاهتمام بالمستحيل، في تصوري، ليس جوهر الجنون وحسب، وإنما جوهر الفاشية. فمن يهتم بالمستحيل ويحاول فرضه على الواقع، لا بد أن يلجأ إلى الإرهاب، مثلما فعلت الحركة التفكيكية الكبرى: الصهيونية"44. أثارت هذه التهم الملفقة ضد دريدا حفيظة محاوره فتحي التريكي (1947–)، زميل دريدا، والقارئ المُطّلع على أعماله، حيث ردّ عليه بقوة، مؤكدًا أن المسيري: "قد أطنب وانحرف بعض الأحيان عن النهج العلمي الأكاديمي عندما جعل من فلسفة (دريدا) استتباعًا لا غير لليهودية من حيث هي دين وفكر، مثلها مثل فلسفة ما بعد الحداثة"45. وأضاف: "أما أن يكون (دريدا) صهيونيًا يدافع عن دولة إسرائيل متهجمًا على الإسلام والعرب، فهذا لا، لأني لم أقرأ له شيئًا من هذا القبيل، ولم يتخذ هذا الموقف في نقاشاتنا المتعددة. بل العكس من ذلك، فهو يعتبر بصريح العبارة أن قيام دولة إسرائيل هو عنف في حد ذاته، لأن استيطانها في فلسطين قد أحدث عنفًا شديدًا في المنطقة"46. ثم استشهد بأحد النصوص العديدة لدريدا التي ينتقد فيها سياسات الحكومات الإسرائيلية، ويدافع فيها عن حق الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة47. لا شك في أن نقد أفكار فلاسفة ما بعد الحداثة، الذين يُوصفون في فرنسا بأصحاب "الأفكار المتمردة" Pensées Rebelles، وربما الخطيرة أيضًا، أمر ضروري ومشروع، على أن يظل في إطار النقد الأكاديمي الموضوعي، القائم على القراءة الجادة ومناقشة النصوص، بدلًا من الاتهامات المغرضة، والأحكام المسبقة، والتوصيفات القدحية، والتهم الجاهزة. ولا يقتصر هذا التهجّم المشارقي على أفكار ما بعد الحداثة الفرنسية واستراتيجياتها على المفكرين وحدهم، بل يشمل أيضًا نقاد الأدب. فبعد المسيري، يأتي عبد العزيز حمودة (2006–1937)، صاحب كتاب المرايا المحدبة: من البنيوية إلى التفكيك (1998)، ليشنّ هجومًا حادًا على التفكيكية، باعتبارها إحدى مدارس ما بعد الحداثة، قائلًا: "لقد انطلق التفكيك كالثور الهائج في حانوت العاديات، يحطم

  1. المرجع نفسه، ص.125
  2. المرجع نفسه، ص.299
  3. المرجع نفسه، ص.301
  4. من اللافت هذا الربط التآمري بين ما بعد الحداثة (التي ينسب إليها البعض كل الشرور) والصهيونية وقيام دولة إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني. فالمفارقة أن معظم الفلاسفة الذين تحاملوا على القضية الفلسطينية ودافعوا عن سياسات إسرائيل ينتسبون طوعًا إلى فلسفة الحداثة المعادية لما بعد الحداثة مثل هابرماس، في حين أن أكثر المدافعين عن حقوق الشعب الفلسطيني وانتقاد إسرائيل كانوا ممن ينعتون بما بعد الحداثيين مثل سعيد ودريدا ودولوز. ولو قبلنا أن أصل سعيد الفلسطيني هو ما يدفعه إلى الدفاع عن شعبه، فما الذي دفع دريدا إلى الدفاع عن الحقوق الفلسطينية وانتقاد دولة إسرائيل إلى حدّ اتهامه بمعاداة السامية وهو من أصل يهوديّ! وما الذي دفع دولوز إلى كتابة مقالين دفاعًا عن الحق الفلسطيني عنون أحدها بعنوان "عظَمة ياسر عرفات" في وسط ثقافي فرنسيّ أقرب إلى إسرائيل... إلخ؟

كل غالٍوثمين أو مقدّس، واستبدل التفكيكيون بالنموذج ذاتية القراءة والتمرد على نهائية النص أو إغلاقه"48. وتكشف اللغة العنيفة التي يستخدمها حمودة حجم التحامل، وغياب الفهم، والخوف على الذات، وافتقار النقد إلى الرصانة الأكاديمية المطلوبة لدى مثقفين يُفترض أنهم أمضوا حياتهم في المؤسسات التعليمية، يُدرّسون المناهج وطرائق النقد. وهكذا، طغت الأيديولوجيات على مفكّري المشرق العربي من ماركسيين وقوميين وإسلاميين، فتمترسوا في قلاعهم المغلقة، وواجهوا أفكار غيرهم بجدار أيديولوجي سميك يُذكّر ﺑ "درع أثينا" الوقائي، متوجسين دومًا من فكر ما بعد الحداثة، معتبرين إياه "غزوًا ثقافيًا" يستهدف الأمة العربية والهوية الإسلامية، ولا يرون فيه سوى أيديولوجيا استعمارية.

2. في الانفتاح المغاربي على الفكر الفرنسي ما بعد الحداثيّ

في مقابل موجة الرفض لأفكار ما بعد الحداثة التي سادت في المشرق49، لاقت أفكار الفلاسفة الفرنسيين ما بعد البنيويين أو ما بعد الحداثيين (على الرغم من اعتراض معظمهم على هذه التسمية) نقاشًا مختلفًا، بل انفتاحًا وتبنيًا وتوظيفًا، لدى معظم مفكّري المغرب العربي ومثقفيه، المطّلعين على الفكر الفرنسي والقارئين لإنتاجه باللغة الفرنسية مثل محمد عابد الجابري، ومحمد أركون، وعبد السلام بنعبد العالي، ومحمد سبيلا، على سبيل المثال لا الحصر. ويُسَجَّل للجابري موقفه اللاأيديولوجي، المتحرر من قفص المركزية الأوروبية في النظر إلى الحداثة، التي يعتبرها "ثورة على التراث" المحلي لأيّ ثقافة وفي أيّ عصر، وليست مجرد مرحلة خاصة بالتاريخ الأوروبي، حين يقول: "إن الحداثة هي في جوهرها ثورة على التراث القديم، تراث الماضي والحاضر، من أجل خلق تراث جديد. والحداثة اليوم، في العلم كما في الأدب والفلسفة والمناهج والاجتماع والاقتصاد... إلخ، لا وطن لها، أو على الأقل لم تعُد محصورة ولا قابلة للحصر في رقعة من الأرض دون أخرى. الحداثة اليوم حداثة غازية كاسحة، إن لم تأخذ بها أخذتك، وإن لم تعمل جاهدًا من أجل المساهمة في صنعها، أو على الأقل من أجل تبيئتها في واقعك وخصوصيتك، جرفتك واقتلعتك من جذورك، أو همّشتك وألقت بك جانبًا، خارج الحاضر والمستقبل [...] تجترّ الماضي، بل يجترّ الماضي نفسه فيك"50. وبقدر ما تتجلى أفكار الحداثة في مشروع الجابري، وبخاصة في تناوله لمسألة "العقلانية" التي تلازمت مع الحداثة الأوروبية، وتدرّج نقديات العقل عنده، على منهج الحداثة (الكانطي تحديدًا) بين عقل سياسي وأخلاقي وديني، فإنّ توظيفه مفهوم "البنية" في مؤلفاته، التي لا تظهر فقط في عناوين كتبه، وإنما أيضًا في

  1. عبد العزيز حمودة، المرايا المحدبة: من البنيوية إلى التفكيك، سلسلة عالم المعرفة 232 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1998)، ص.8
  2. مع استثناءات لأسماء مهمة نذكر منها علي حرب وإدوارد سعيد وأدونيس وكمال أبو ديب على سبيل المثال.
  3. حسن حنفي ومحمد عابد الجابري، حوار المشرق والمغرب: نحو إعادة بناء الفكر القومي العربي (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1990)، ص.74

تصوراته للعقل على أساس بنيوي مغلق، قد جعل بعضهم يصفون مشروعه الفكري بأنه توظيف عربي اللسان لبعض تيارات ما بعد الحداثة. أما أركون، فيقول، في حوار معه بعنوان "عقل الحداثة وعقل ما بعد الحداثة": "إن التصورات التي تشكلها الروح عن الواقع تهيمن على المعارف والثقافات، ولم يتم تفكيكها بعد. أقصد لم يتم تفكيك أنظمة الفكر الموروثة عن الماضي. ومنهجية التفكيك التحريرية لم تفرض نفسها بعد على مجمل الاختصاصات والباحثين"51. ويبدو جليًا أن نظرته إلى التفكيكية كانت نظرة إيجابية وعملية، وقد كانت إحدى الأدوات التي يوظفها في منهجيته المنفتحة على مجموعة متنوعة من الطرائق ومناهج العلوم الإنسانية، علمًا أن طريقته في التفكيك، التي أخذها عن دريدا بلا شك، استقلت نسبيًا في دراساته، وأخذت هوية أركونية إلى حٍّدٍ ما. فهو مثلًا يطلق اسم "العقل المنبثق الجديد" أو "العقل الاستطلاعي الاستشرافي" معادلًا لما يسميه (بتسمية ذات دلالة) "عقل ما بعد الحداثة". ويبدو موقفه واضحًا من رفض الرؤية الخطية التاريخية في النظر إلى الحداثة وما بعدها؛ إذ يقول: "أنا شخصيًا أرفض مصطلح ما بعد الحداثة. لماذا؟ لأنه يسجننا داخل المسار الكرونولوجي (أو الخطي المستقيم) لتجربة واحدة هي: تجربة الحداثة الأوروبية"52. ويعود أركون إلى الحديث عن "ما بعد الحداثة" في مقال نشره في مجلة الشرق الأوسطبعنوان "ما بعد الحداثة، حنينٌ إلى ما قبل الحداثة"، يقول فيه: "فما بعد الحداثة هو استمرار للحداثة"53. والاستمرارية تعني هنا أنها جزء من الحداثة، لا شيئًا خارجًا عنها، فيكتب، كما لو أنه يقول مع هابرماس وضد هابرماس في آن واحد: "هكذا تجد أنه يكفي أن نكمل مشروع الحداثة، لا أن نقطع معه ونتوهم أننا دخلنا مرحلة ما بعد الحداثة"54. لكن أركون، وهذا مهم، يميّز بين الحداثة المتأخرة وما بعد حداثة ذات طابع فوضوي، تحنّ إلى ما قبل الحداثة، يسميها الجناح المحافظ في تيار ما بعد الحداثة؛ إذ يقول: "[إنّ] بعض من يدعون إلى ما بعد الحداثة يريدون ضمنيًا القضاء على مشروع الحداثة والطاقة التحريرية الهائلة التي ينطوي عليها. إنهم يريدون تصفية الحسابات مع الحداثة والعودة إلى ما قبل الحداثة. إنهم يحنّون رجعيًا إلى الوراء. وهذه هي حالة اليمين المحافظ أو المتطرف في ألمانيا وفرنسا وعموم أوروبا"55. بمعنى آخر، يمايز بين ما بعد حداثة فرنسية دفعت مشروع الحداثة نحو تخومه القصوى وعرّته من الداخل لكشف عيوبه وسلطاته ونقائضه، وما بعد حداثة ارتدادية على الحداثة، تريد العودة بالتاريخ إلى ما قبل نشوء الحداثة والعقلانية، ما بعد حداثة "ريفية رعوية" كما تجلّت عند هايدغر، وإن لم يذكره أركون بالاسم. في مقابل هجومية المسيري على ما بعد الحداثة (التي لم يستشهد طيلة نصه الطويل الممتد على 166 صفحة بمرجع واحد لمن ينتقدهم)، تأتي معالجة الأستاذ التونسي التريكي، الفرنسيّ الثقافة،

  1. المسيري والتريكي، ص.44
  2. المرجع نفسه، ص.45
  3. المرجع نفسه، ص.48
  4. المرجع نفسه، ص.40
  5. المرجع نفسه، ص.49–48

أكثر هدوءًا واتزانًا ومعرفةً بالأفكار والنظريات التي ينتقدها باحترام، على الرغم من اختلافه معها، كما يتجلّى في قائمة المراجع التي تُظهر أكاديميةً لا تُخفي نفسها، واحترامًا حاضرًا للناقد والمنقود. لكن الطريف في نقد التريكي للواقع الاجتماعي والسياسي والحضاري الذي وُجدت فيه فلسفة ما بعد الحداثة، هو اعتماده الكبير على مرجعيات ما بعد حداثية في نقده لها. فهو يستشهد مرارًا ببودريار، فيلسوف ما بعد الحداثة الفرنسي الذي يتبنّى طوعًا وبسعادة وصفه ب "الفيلسوف ما بعد الحداثي"، كما تطلّ في نصه أسماء وأطياف هايدغر ونيتشه وليوتار، بل رورتي Richard Rorty (2007–1931) وجياني فاتيمو Gianni Vattimo (2023–1936)، لا بوصفها موضوعات للنقد، بقدر ما تحضر مرجعيات فكرية في نقده للحداثة نفسها بأدواتها. يرى التريكي أن ما بعد الحداثة قد قادت إلى تقويض ثلاث قواعد قامت عليها الحداثة وتفكيكها، وهي: الذات، والحقيقة، والوحدة، وأنها "قامت على انقراض القيم التي أسستها الحداثة (كفكرة التقدم والحقوق)، ما أدى إلى فراغ حاولت المعقولية الغربية أن تملأه بقيم (مركنتلية)، تجارية دنيوية براغماتية"56. لكن ما بعد الحداثة عند التريكي ليست مرحلة تاريخية خارجة عن الحداثة أو عليها، وإنما هي جزء من تاريخها، ونتيجة للتغيرات والظروف الاقتصادية والاجتماعية التي طرأت عليها من داخلها، فيقول: "ولكني في حقيقة الأمر لا أعتقد أن هناك فترة تاريخية مستقلة عن الحداثة، نستطيع تسميتها ما بعد الحداثة. هناك فقط تحولات اقتصادية واجتماعية، أعطت للإمبريالية آليات جديدة للهيمنة أكثر"57. يقدّم التريكي إذًا نقدًا متوازنًا لما بعد الحداثة؛ فهو لا يرى فيها شرًا مطلقًا على طريقة المسيري أو العظم أو درّاج، ورغم نعته لها بأنها "فوضوية ونقدية"، فإنه يعترف لها في المقابل ب "تعابير جمالية ودعوة للإبداع والخلق في كل الميادين"58. وعلى كل حال، لا يحفل التريكي كثيرًا بنقد ما بعد الحداثة، فهو يطالب بالعودة إلى الحداثة نفسها لمعالجة أزماتها، بدلًا من الانخراط في نقد ما بعدها، ونصه في الكتاب هو أقرب إلى الحديث عن الحداثة منه إلى نقد ما بعد الحداثة. لكن التريكي، الناقد لما بعد الحداثة، يتحوّل إلى الدفاع عنها في وجه الاتهامات الظالمة التي وجّهها المسيري إليها؛ فهو، بعد دفاعه عن دريدا، يحرص مثلًا على أن يشرح لمحاوره معنى الهامشية عند فوكو كأحد ممثلي تيار ما بعد الحداثة الفرنسي، في فصل طويل نسبيًا، مؤكّدًا مدى اّطلّاع مثقف تونسي مغاربي على الفكر الفرنسي، ومدى فداحة انتقادات المسيري لأفكار لم يطّلع عليها على نحو جدّي. وطبعًا لا يقتصر الأمر هنا على الثقافة واللغة الأجنبيتين في الاّطلّاع على أفكار ما بعد الحداثة، فهناك من مثقفي المشرق مَن تخَّصَص في الفكر الفرنسي المعاصر، وترجم عنه، وكتب فيه، والعكس صحيح فيما يتعلق بعلاقة فلاسفة المغرب ومفكريه مع الفكر القاري أو الأنكلوسكسوني؛ إذ يظل ثمة اجتهاد شخصي وميول فردية أيضًا، ولكنها سمة عامة وددت التأكيد عليها. والسبب الثاني يعود إلى أنه قد يكون أكثر تمكّنًا من إشكالية الحداثة، التي ألّف فيها بمعية زوجته رشيدة التريكي كتابًا مهمًا

  1. المرجع نفسه، ص.189
  2. المرجع نفسه، ص.309
  3. المرجع نفسه، ص.220

ورصينًا سمّياه فلسفة الحداثة59. وفي كل الأحوال، ظلت مقاربة التريكي لما بعد الحداثة رصينة وهادئة؛ فهو إذ عمل، على استحياء، على نقد خطابها الظاهري، فإنه وظّف أدواتها في هذا النقد من دون التهجّم المجاني عليها. يصعب، إذًا، أن تجد نقدًا جذريًا لما بعد الحداثة، وبخاصة بنسختها الفرنسية، عند مثقفي المغرب العربي الكبير، المطّلعين على الثقافة الفرنسية، والمتمكنين من لغتها بحكم الثقافة الموروثة عن الاستعمار، والمتواصلين مع ما يُكتب ويُناقش في فرنسا وجامعاتها؛ حتى إن الثقافة الفرنسية ظلت، إلى عهد قريب، جزءًا من ثقافتهم وتراثهم الآخر، تزاحم، بل تتعايش وتُثري ثقافتهم العربية، وهي لهذا لا تحتاج إلى دفاعهم عنها أيضًا.

رابعًا: ثلاثة وجوه عربية ما بعد حداثوية

قبل إنهاء مسألة "الانفتاح المغاربي" المتعلقة بأفكار ما بعد الحداثة، تجدر الإشارة إلى أهمية المفكر المغربي بنعبد العالي، الذي يُقدِم على تناول ما يقع تحت يده من أدوات الفكر ما بعد الحداثي، الممتدة من نيتشه إلى دولوز، مرورًا بفوكو ودريدا وموريس بلانشو Maurice Blanchot –1907(2003) وبودريار، ليبني بها مفاهيمه حول الحقيقة والعلاقات والأخلاق والهوية60 ضمن ما يسميه ب "ثقافة البريكولاج". ويتمثل اشتغال بنعبد العالي في مقاربة تتحرر من سلطة الأنساق والمذاهب والنظريات المغلقة، متبنّيًا رؤية ما بعد حداثية ذات طابع دولوزي، ترفض الجدال المبني على النفي والإثبات، وتتبنى بدلًا من ذلك أسلوب "الخروج" والزحزحة Déplacement. فالتفكير، كما يطرحه، ليس سلسلة من الاعتراضات أو النقد التقليدي، بل هو وثبات وقفزات وهروب دائم، وهدم وخلخلة وتفكيك61. ومع كتاباته، لا يجد القارئ نفسه أمام توظيف آلي لتقنيات ما بعد حداثوية وافدة، بل أمام قراءات جديدة تنمّ عن إبداع فكري أصيل، وتفتح أمام العقل إمكانيات متعددة للتفكير بطرق جديدة ومبتكرة. أما إدوارد سعيد، فعلى الرغم من أنه مفكر أميركي من أصول فلسطينية عربية، فإن انشغاله الدائم بقضايا المشرق والتاريخ العربي الإسلامي، وفي القلب منها القضية الفلسطينية، يمنحه مكانة راسخة بوصفه مفكرًا عربيًا بامتياز. وتندرج مؤلفاته ضمن ما يُعرف ب "الدراسات ما بعد الكولونيالية"، التي مثّلت مع الدراسات الثقافية، وكتابات الجندر، والدراسات السوداء Black Studies، أبرز تيارات ما بعد الحداثة الأميركية. ويُعدّ كتابه لااستشراق (1978) مث لًا واضحًا على الحضور القوي للفكر الفرنسي ما بعد الحداثي في مشروعه الفكري، حيث يعترف بأثر هذا الفكر الفرنسي في تحريره من صلابة التقليد الأنكلوسكسوني، الذي وصفه ب "المتصلب". فهو يُجيد الفرنسية ويقرأ الأدب والفكر الفرنسَّيَين بلغة أصلهما، وأدى دورًا محوريًا في إدخال مناهج التفكيك الدريدي والفكر الفرنسي

  1. فتحي التريكي ورشيدة التريكي، فلسفة الحداثة (بيروت: مركز الإنماء القومي،.)1992
  2. عبد السلام بنعبد العالي، امتداح اللافلسفة (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2010)، ص.10
  3. المرجع نفسه، ص.17

لما بعد الحداثة، المعروف في الولايات المتحدة ب  French Theory، إلى أقسام النقد الأدبي والعلوم الإنسانية في جامعة كولومبيا، ومن ثم إلى جامعات أميركية أخرى. وكان على صلة شخصية بفوكو ودريدا. وعلى الرغم من توجيهه انتقادات حادة إليهما، وبخاصة إلى التفكيك، فإنه أقرّ بألمعية دريدا، واستشهد مرارًا بفوكو في الاستشراق، معترفًا بأنه يدين له "بدين كبير"62. وأخذ عنه أفكارًا عديدة مثل نظرية "الخطاب"63 و"إرادة المعرفة" و"السلطة والحقيقة"، وهي أفكار حضرت بقوة في الكتاب ومثلت دفته الموجّهة. ومع أنه اختلف مع تشاؤمية فوكو ونزوعه العالي نحو الكآبة، فإنه رثاه بنص

. Foucault and the Imagination of Power رائع عنوانه

لا تقتصر ما بعد حداثة سعيد، التي تتجلى في رؤيته النقدية ما بعد الكولونيالية، على كتابه لااستشراق، بل تمتد لتغمر معظم نتاجه الفكري، وبخاصة سيرته الذاتية خارج المكان، التي يعود فيها إلى قضايا المنفى واللجوء والاستعمار، ليجسّد صورة المثقف الأميركي الفلسطيني الذي عاش "خارج المكان"، جامعًا بين كونه Insider و Outsider في آنٍوما بينهما.

خامسًا: علي حرب أو التفكيك عربيًا

مع أن التلقي العربي لأفكار ما بعد الحداثة ظل يُراوح بين النقد الأيديولوجي العنيف، أو التبرير الخجول والدفاع المتردد، فإن علي حرب يعلن انتماءه إلى ما بعد الحداثة صراحةً، من غير تردد، بل بشيء من الفخر والشجاعة. ففي حوار أُجري معه، يقول: "وأتوقف عند الموجة الجديدة التي أُدرجت تحت خانة ما بعد الحداثة، بمدارسها المتعددة وثوراتها المنهجية وطفراتها المعرفية وشبكاتها المفهومية [...] فقد كان لها الأثر الكبير في أن أُنجز ما أنجزته، إذا صح أنني أنجزت شيئًا"64. قبل أن يوجّه نقدًا عنيفًا إلى نقّاد ما بعد الحداثة، قائلًا: "والذين وقفوا من هذه الموجة، موقف السلب أو العداء، ظلوا وراءها، بمعنى أنهم استخدموا عدة فكرية مستهلكة، مثلهم كمثل من يستخدم المحراث اليدوي في عصر الجرار الآلي، أو من يستخدم أدوات العصر الصناعي في العصر الإلكتروني. هذا إلى أن بعضهم قد أدرك مدى تخلفه، فحاول أن يستدرك ما فات، ولكن بعد فوات الأوان"65. وسيتبيّن لمن يطّلع على مؤلفات حرب الكثيرة، وبخاصة في ثلاثيته: نقد النص (1993)، ونقد الحقيقة (1993)، والممنوع والممتنع: نقد الذات المفكرة (1995)، أنه قد أسّس مدرسة تفكيكية عربية لما بعد الحداثة قائمة بذاتها. صحيح أن حرب ابن المشرق العربي، لغةً وثقافةً، لكنه أيضًا درس في فرنسا، وانفتح بفضل ذلك على الفكر والثقافة الفرنسيين، أو كما يقول عن نفسه، بصيغة الغائب، في سيرته الذاتية خطاب الهوية: "فهو وارث الوحي النبوي وقارئ القرآن، ولكنه سليل الفلاسفة

  1. المرجع نفسه، ص.73
  2. حول هذه النقطة يقول سعيد في مقدمة الكتاب: "وقد انتفعت هنا بالفكرة التي طرحها ميشيل فوكو عن 'الخطاب'، على نحو ما عرضها في كتابه حفريات المعرفة وفي كتابه الآخر المراقبة والمعاقبة، في تحدٍ لمعنى الاستشراق". ينظر: إدوارد سعيد، لااستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة محمد عناني (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2006)، ص.46
  3. علي حرب، خطاب الهوية: سيرة فكرية (الجزائر: منشورات الاختلاف، 2008)، ص 2،.184
  4. المرجع نفسه، ص.184–183

وقارئ الجمهورية [...] وكان يرى أنه غربي، إذ هو ألمّ بلغة الفرنسيين، واطّلع على فكرهم، وتماهى مع كتّابهم وفلاسفتهم، لذا فهو يشعر بالانشداد إليهم [...] ومن يتقن لغة قوم ويتثقف بثقافتهم، لا بد أن يشعر بالاقتراب منهم والتماهي معهم"66. ويذكر في سيرته الذاتية أنه انتقل في شبابه المبكّر من الإيمان الديني الطائفي الضيّق، إلى الماركسية التي كانت مخيّمة آنذاك على المشرق العربي، لكنه ما لبث أن عدل عنها سريعًا، متحوّلًا نحو التفكيك والتأويل، حتى قبل أن يتعرف إليهما أكاديميًا. فهو يقول إنه صار معها "يمارس قراءة النصوص كإمكان عقلي مفتوح، وفسحة كلامية متجددة، وبؤرة لا تنضب من المعاني، واحتمال لا يتوقف عن التأويل. فيقف فيها على أبعاد مجهولة ويستنبط دلالات موحية ويقرأ إشارات كاشفة"67. وتتجلّى رحلته نحو ما بعد الحداثة في حديثه عن نفسه، حين يقول بصيغة الغائب دائمًا: "وقد نظر في أحوال الإنسانية المعاصرة، فاستلفته بروز اللامعقول من وراء خطاب العقل، واكتشاف الأسطوري فيما وراء العلمي، وعودة المقدّس إلى مسرح الحياة. فدعاه ذلك إلى إعادة النظر بمفهوم التقدّم ذاته. وهو المفهوم الذي شكّل عنوان الحضارة الغربية وبه تباهت عن سائر الحضارات. [...] وخلص من ذلك إلى أنّ الحضارة الحديثة ليست عقلًا كلها، ولا هي مرتع الحرية أو عنوان الإنسانية حسبما زعم أصحابها والمدافعون عنها، بل وجد أن هذه الأركان لا تمثّل سوى الأوجه الظاهرة للامعقول، والاستبداد، والذاتية المفرطة، والبربرية المعاصرة"68. ربما لا تجد لدى حرب إحالات مباشرة أو مكثفة إلى دريدا، عرّاب التفكيك، أو استشهادًا صريحًا بنصوصه؛ فاهتمامه لا ينصبّ على الكتابة في تاريخ الأفكار والدفاع عنها، وإنما على توظيف ما يناسبه من أفكار وأدوات القراءة ما بعد الحداثية واستخدامها، بطريقته الخاصة، في تفكيك نصوصٍ لمفكرين عرب، قدامى أو معاصرين له، بما يفتح هذه النصوص على مساحات قراءة أوسع، ويكشف ما تنطوي عليه من خلل نصيّ وتناقضات خفية، وما سكتت عنه أو حجبته. ولا تقتصر تفكيكيته على قراءة النصوص وتأويلها، بل تمتد إلى تفكيك المفاهيم المسيطرة وتعرية المقدسات المتكلسة. فقدّم نصوصًا بالغة الأهمية في نقد المثقف، والنخبة، وأوهام الحداثة، وتعرية الأصوليات، وفضح مقولة الغزو الثقافي، وكشف مأزق الهوية، ومكامن الإرهاب والعنف، وغير ذلك. إن اختزال تجربة حرب في مجرد تقليد عربيّ لتفكيكية دريدا أمر متعسّف ينطوي على قدرٍ كبير من الظلم، أولًا، لأنه – وعلى طريقتنا في البحث عن أصلٍغربيّ لأي فكر عربي – يجعل منه تابعًا وفًّيًا لدريدا لا جديد لديه. وثانيًا، لأن تفكيكيته في واقع الأمر غير دريدية، بل هي أقرب إلى التأويل منها إلى استراتيجيات التفكيك الدريدي، كما تجلّت في كتابات دريدا الأولى حتى عام 1972. ويبدو أنه متأثر بالهيرمنيوطيقا بقدر تأثره بالتفكيك، ويقدّم اجتهاده الخاص فيما يمكن تسميته "تفكيكية عربية"، يخرج بها على تفكيكية المعلّم دريدا. يقول حرب عنه: "لا أقف مع دريدا موقف التبجيل والتعظيم، ولكني لا أعتبر التفكيك بعبعًا، كما يخشى منه بعض أصحاب السلطة الفكرية في العالم العربي،

  1. المرجع نفسه، ص.49
  2. المرجع نفسه، ص.87–86
  3. المرجع نفسه، ص.118–117

وأعني بهم – مرة أخرى – الحداثيين الخائفين من مصطلحات ما بعد الحداثة، ممّن يترجمون علاقتهم بالمفاهيم الحديثة إلى شعارات خاوية ومقولات مستهلكة. إني ألتفت إلى الممكنات الفكرية التي تنطوي عليها الممارسة النقدية التفكيكية، من حيث القدرة على الشرح والتفسير، أو الفهم والتشخيص، أو الكشف والتنوير. من هنا، فإني أفدت من منهج دريدا في التفكيك، ولكني أنتقده عندما لا أقتنع بأقواله، كما فعلت بالنسبة إلى مقولته: لاإنسانية العالم"69. تتضح أصالة حرب وجدّته كذلك من خلال مفاهيمه، وصياغاته، ومصطلحاته الجديدة، التي لا يُقابلها بالضرورة أصلٌ عند دريدا أو غيره من ممثلي المدرسة التفكيكية الأميركية. ومن يقرأ نصوص دريدا في عمقها ومراوغتها وتعرجاتها وانهماكها في اللغة، بدوالها ومدلولاتها، وغموضها المقصود أو الملازم لها، يلحظ أنّ تفكيكية حرب، في المقابل، تتسم بالبساطة والوضوح. ففي حين يقصد دريدا الغموض، يقصد حرب الوضوح، وبينما يحفر تفكيك دريدا في الأعماق، يبقى تفكيك حرب على السطح الظاهر. ومع ذلك، فإن التفصيل في الفروق بين تفكيكية دريدا وتفكيكية حرب، سؤال كبير يستحق بحثًا مستقلًا لا يتّسع له المقام هنا.

خاتمة

في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، سيطرت الأيديولوجيات على الفكر العربي، فنشأ لدينا جيل أيديولوجي ماركسي في الغالب في سورية والعراق، وليبرالي/ قومي مؤدلج في مصر، وقومي مؤدلج في المشرق والمغرب، فضلًا عن التيار الديني بيمينه المحافظ ويساره المستنير، وغيرهم. واليوم، يتنحّى جيل الأيديولوجيا ليحل محله جيل جديد أكثر انفتاحًا على أفكار الآخر، من دون ذلك التشنّج الهوياتي الذي طبع الجيل السابق. وفيما يخصّ ما بعد الحداثة، فهي نفسها قد جرى تجاوزها عربيًا وغربيًا أيضًا، إلا أن الانفتاح الإيجابي على ما وفّرته من مقاربات ورؤى واستراتيجيات وقراءات ونقديات وتفكيك لا يزال قائمًا، وفي متناول يد جيل جديد. ومع ذلك، لا يزال التعامل مع أدوات ما بعد الحداثة النقدية، وبخاصة الفرنسية منها، أقوى في المغرب العربي مما هو عليه الحال في المشرق؛ ويشهد على ذلك ظهور أقلام جديدة – فرنكوفونية الثقافة أيضًا – ليس لديها عقدٌ تجاه هذا الفكر، وهي تستفيد من أدواته وتوظّفها في شغلها الفكريّ والنقديّ بعد أن طوّعتها لتصبح جزءًا من أدواتها الخاصة. ومن بين تلك الأسماء نذكر، في تونس: رجاء بن سلامة (1962–)، التي استفادت من أفكار التحليل النفسي اللغوي عند لاكان، والتفكيك عند دريدا؛ وفتحي المسكيني (1961–)، الذي أفاد من العدة الهايدغرية الوجودية وإشكالية الهوية كما طُرحت في سياق ما بعد الحداثة. وفي الجزائر، هناك محمد شوقي الزين (1972–)، الذي استعان بعدّة التفكيك والتأويل عند دريدا وهانز جورج غادامير Hans–Georg Gadamer –1900(2002) في قراءاته لبنى الفكر والثقافة العربَّيَين، وربط في بعض أعماله بين دريدا وابن عربي؛ وكذلك الزواوي بغورة (1962–)، الذي وظّف أدوات فوكو النقدية في أبحاثه. أما في المغرب، فيبرز عادل حدجامي (1976–)، الذي نهل من عدة دولوز الفكرية، وغيرهم.

  1. علي حرب، هكذا أقرأ ما بعد التفكيك (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2005)، ص.245–244

وفي ضوء ما سبق، يبدو أن الفرضية التي اقترحتها في المقدمة قد أثبتت معقوليتها. فمن الصحيح أن الانفتاح على فكر ما بعد الحداثة، ولا سيما الفرنسيّ منه، وتفهمه وتقبّله، ظلّ مغاربيًا عمومًا أكثر منه مشارقيًا، وأن الأيديولوجيا الماركسية أو التعصّب الهوياتي المتمركز حول العروبة قد عرقل ممثلي التيارين القومي أو الإسلامي من الاستفادة من الأدوات النقدية الهائلة التي وفّرتها نصوص ما بعد الحداثة، إلا أنّ أهم الأقلام الفكرية التي أنتجت بحقّ أفكارًا ما بعد حداثية عربية كانت مشرقية، كما هو الحال لدى علي حرب وإدوارد سعيد. ونظرًا إلى تمكّن حرب من اللغة والثقافة الفرنسيتين، وتملّك سعيد للغة الفرنسية وانفتاحه المبكر على أدبها وفكرها، وتأثّره الإيجابي بأعمال فوكو ودريدا وألتوسير وليوتار، لم يُتح له فتح عقله ودروسه لهذا الفكر الفرنسي ما بعد البنيوي النقدي الجذري الجديد فحسب، بل البناء عليه أيضًا في تطوير نظرية النقد الأدبي والثقافي ما بعد الكولونيالي. لا تدعو هذه الدراسة إلى تمجيد ما بعد الحداثة في نسختها الفرنسية، ولا إلى تجميل صورتها التي شُوّهت في بعض الخطابات، وإنما تسعى لتقديم "كشف حساب" لأثر الأيديولوجيات في الانغلاق الثقافي، وعداء الآخر وفكره، على نحو رهابيّ تُشيطن فيه الأفكار، وتُشوّه كما فعل المسيري، حين ربط ما بعد الحداثة بنظرية المؤامرة، واتهم دريدا بالصهيونية، واعتبر هذا التيار الفكريّ تآمرًا على العروبة والإسلام وفلسطين، إلى غير ذلك من المقولات. وعلى الرغم من جميع الانتقادات الممكنة لأفكار ما بعد الحداثة، ولا سيما تنظيراتها السياسية المباشرة، فإنّ من أبرز فضائلها تعريتها لأيديولوجيات الهوية، ووهم الذات الحضارية النقية، لا بهدف تدمير هذه الذات، بل لتفكيك ما علق بها من تصورات جامدة، وإتاحة إمكانية حياة أخرى مختلفة، أو إثبات موتها والحاجة إلى استبدالها بما يبعث على التفكير والحياة. ويكفي ما بعد الحداثة فضلًا أنها نبّهتنا، نحن العرب، إلى أن أعظم الشرور لا تأتي دائمًا من الخارج، بل من أوهام الذات الخائفة على وجودها من التغيير والتحديث، فتنعت كل ما يأتيها من الخارج ب "الغزو الثقافي" الذي يهدّد هويتها الحضارية ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا.

References

المراجع

العربية

بنعبد العالي، عبد السلام. امتداح اللافلسفة. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2010

التريكي، فتحي ورشيدة التريكي. فلسفة الحداثة. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1992

الجابري، محمد عابد. بنية العقل العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1986

حديدي، صبحي. "الحديث، الحداثة، ما بعد الحداثة: ماذا في اﻟ 'ما بعد' من قبل ومن بعد". الكرمل. العدد 51 (ربيع.)1997

حرب، علي. هكذا أقرأ ما بعد التفكيك. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2005

________. خطاب الهوية: سيرة فكرية. الجزائر: منشورات الاختلاف،.2008

حمودة، عبد العزيز. المرايا المحدبة: من البنيوية إلى التفكيك. سلسلة عالم المعرفة 232. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1998

حنفي، حسن ومحمد عابد الجابري. حوار المشرق والمغرب: نحو إعادة بناء الفكر القومي العربي. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1990

دراج، فيصل. "ما بعد الحداثة: السياق والتاريخ". الكرمل. العدد  51 (ربيع.)1997

سعيد، إدوار. لااستشراق: المفاهيم الغربية للشرق. ترجمة محمد عناني. القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع،.2006

العظم، صادق جلال. ثلاث محاورات فلسفية: دفاعًا عن المادية والتاريخ. بيروت: دار الفكر الجديد، عون، مشير. هايدغر والفكر العربي. ترجمة إيلي أنيس نجم. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015

ما بعد الحداثة: 1 تحديدات. إعداد وترجمة محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي. دفاتر فلسفية. 13 الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2007

المسيري، عبد الوهاب وفتحي التريكي. الحداثة وما بعد الحداثة. سلسلة حوارات لقرن جديد. دمشق: دار الفكر،.2003

الأجنبية

Foucault, Michel. Dits et écrits. Paris: Quarto–Gallimard, 2001.

________. Dits et écrits. Paris: Gallimard, 1994.

Cusset, François. French Theory: Foucault, Derrida, Deleuze & Cie et les mutations de

la vie intellectuelle aux États–Unis. Paris: La Découverte, 2003.

Nietzsche, Friedrich. Par–delà bien et mal. Patrick Wolting (trad.). Paris: Flammarion,

Hésiode. La Théogonie. Henri Patin (trad.). CreateSpace Independent Publishing

Platform, 2016.

Hassan, Ihab. The Dismemberment of Orpheus: Toward a Postmodern Literature.

2 nd  ed. Wisconsin: University of Wisconsin Press, 1982.

Lyotard, Jean–François. La condition postmoderne. Paris: Minuit, 1979.

Nietzsche, Friedrich. Œuvres complètes. Paris: Société du Mercure, 1908.

Kearney, Richard (ed.). Dialogues with Contemporary Continental Thinkers.

Manchester: Manchester University Press, 1984.