العودة إلى تفاصيل المؤلَّف ليو شتراوس ناقدًا الوضعانية: دراسة في نقده ماكس فيبر

ليو شتراوس ناقدًا الوضعانية: دراسة في نقده ماكس فيبر

Leo Strauss on Max Weber: His Critique of Positivism

عبد الرحيم رجراحي

Abderrahim Rajrahi

الملخّص

تتناول الدراسة نقد ليو شتراوس للوضعانية بوصفها أحد الأسباب الجذرية لأزمة الحداثة السياسية. وتحلل تفاعله النقدي مع سوسيولوجيا الفهم عند ماكس فيبر، عن طريق البحث في إشكالية الفصل المنهجي بين الوقائع والقيم، الذي يعتبره شتراوس موقفًا يؤدي إلى العدمية وتعطيل العقل عن إصدار أحكام معيارية. وهو يجادل في أن تطبيق مناهج العلوم الطبيعية على الظواهر الإنسانية يختزل الإنسان في أبعاد تقنية، مجردًا إياه من الغايات الأخلاقية والمثل العليا. وتخلص الدراسة إلى أن نقد شتراوس، ودعوته إلى العودة إلى الفلسفة السياسية الكلاسيكية ومفهوم الحق الطبيعي، يمثلان مسعًى فلسفيًا لإنقاذ الحضارة الإنسانية من الانزلاق نحو البربرية، ورفضًا لاختزال المعرفة في الهيمنة المطلقة.

Abstract

Abstract: This study examines Leo Strauss’s critique of positivism as a fundamental source of the crisis of political modernity. Through an analysis of his critical engagement with Max Weber’s interpretive sociology, it explores the methodological separation between facts and values – a distinction that Strauss argues ultimately leads to nihilism by depriving reason of its capacity to make normative judgments. Strauss contends that the application of natural scientific methods to human affairs reduces human beings to their technical dimensions, stripping political life of moral purposes and higher ends. The study concludes that Strauss’ critique, together with his call for a return to classical political philosophy and the concept of natural right, constitutes a philosophical effort to save human civilization from sliding into barbarism, and a firm rejection of the reduction of knowledge to an instrument of absolute domination.

الكلمات المفتاحية:
  • ليو شتراوس
  • الوضعانية
  • الحداثة
  • ماكس فيبر
  • العدمية
Keywords:
  • Leo Strauss
  • Positivism
  • Crisis of Modernity
  • Max Weber
  • Nihilism

مقدمة

يعتبر ليو شتراوس (1973–1899) أن الوضعانية هي أحد أسباب أزمة الحداثة بصفة عامة، وأزمة الحداثة السياسية على وجه الخصوص، وواحدة من تجلياتها في الآن ذاته، بل هي الوجه الآخر للتاريخانية؛ ذلك أن الوضعانية، على غرار التاريخانية، تعتبر الحق الطبيعي مستحيلًا، ولا سيما أن الفلسفة بمفهومها العام مستحيلة أيضًا. ويبرر شتراوس ذلك بكون الفلسفة ليست ممكنة إلا إذا وُجد أفق مطلق أو طبيعي على النقيض تمامًا من التغيرات والآفاق التاريخية التي لا تعدو أن تكون ظلالًا، شأنها في ذلك شأن كهف أفلاطون1. وترتبط الوضعانية مبدئيًا بأوغست كونت Auguste Comte (1857–1798)، الذي سعى لإنشاء فلسفة وضعية تضع حدًا للفلسفة وتأملاتها الميتافيزيقية بشأن الإنسان والعالم. تتناول هذه الدراسة نقد شتراوس لسوسيولوجيا ماكس فيبر في سعيه لعقلنة الدين والقيم والمجتمع، ونزع السحر عن العالم، وهو ما عمّق أزمة العصر الحديث، على الرغم من اعتراف شتراوس بالفضل العظيم لفيبر في الفكر المعاصر، كيف لا وهو صاحب الفتوحات الفكرية التي أعادت النظر في مجموعة من المسلمات، ولعلّ أطروحته عن الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية لخير شاهد على ذلك. وتعتمد الدراسة منهجًا تحليليًا ونقديًا، نعرض من خلاله دعاوى شتراوس، ونحللها في ضوء مشروعه الفلسفي الرامي إلى إعادة النظر في أحد أسس الفكر الحديث، ألا وهو النزعة الوضعية، مع احتفاظنا بمسافة نقدية تجاه التصور الشتراوسي، حرصًا منا على الانفتاح الفكري، ودرءًا لكل تعصب مذهبي. وبناءً عليه، عرضنا في البدء مقدمات نقد شتراوس للخطاب الوضعاني على وجه العموم، ثم قدمنا أنموذجًا لذلك من خلال التفاعل النقدي لشتراوس مع سوسيولوجيا الفهم عند فيبر، وتحديدًا تمييزه بين الوقائع والقيم، وختمنا عرضنا هذا ببيان حدود العلوم الإنسانية في فهم الظواهر الاجتماعية، مع احتفاظنا بحقنا في نقد الطرح الشتراوسي اتقاءً للسقوط في أي نزعة رجعية من شأنها الارتداد عن مكتسبات العلم الحديث، التي تعد النزعة الوضعية أحد تجلياته في سعيه لنزع السحر عن العالم، وتحريره من القوى المتعالية التي تكرّس الوصاية والحَجْر والاتكال، بدلًا من الجرأة على استخدام العقل، ومحاولة فهم الظواهر الطبيعية والإنسانية، والمبادرة إلى العمل والفعل. والملاحظ أن الأدبيات العربية التي تناولت هذا الموضوع قليلة، ويمكن حصرها فيما يأتي: كتاب الفلسفة والشريعة لأحمد فاروق2، الذي اقتصر على اهتمام شتراوس بالفلسفة الإسلامية؛ وكتاب الفكر السياسي عند ليو شتراوسلحنين عماد3، الذي يكاد يكون بمنزلة سيرة فكرية عن شتراوس أكثر مما هو بحث أكاديمي في فلسفته السياسية ونقده مبادئ الفكر الحديث. وثمة مقالتان لكل من

  1. Leo Strauss, Droit naturel et histoire , Monique Nathan & Éric de Dampierre (Trad. de l’anglais) (Paris: Éditions Flammarion, 1986), p. 46.
  2. أحمد فاروق، الفلسفة والشريعة: ليو شتراوس ونقد الحداثة (القاهرة: دار رؤية للنشر والتوزيع،.)2019
  3. حنين عماد، الفكر السياسي عند ليو شتراوس (بيروت: دار الرافدين،.)2017

كريم محمد4 وطارق عثمان5 اللذين اكتفيا بالتركيز على مقالة "موجات الحداثة الثلاث" لشتراوس من دون تسليط الضوء على النقد المباشر لمسألة الوضعانية في فكره. ومقالة لمحمد المصباحي6تناول فيها تاريخ الفلسفة عند شتراوس بوصفه مخرجًا لأزمة الحداثة، لكن من دون أن يفصّل في أسباب هذه الأزمة، ومظاهرها، والحلول التي يقترحها شتراوس لتجاوزها. وفي دراستنا هذه، ننطلق من أطروحة مركزية، مفادها أن الوضعانية تشكل أحد أسباب أزمة الحداثة، وهي أحد مظاهرها التي تستحق أن نقف عندها بالتحليل والنقد. ونودّ الإشارة، رفعًا لأي التباس، إلى أن نقد الوضعانية عند شتراوس يأتي في سياق نقده الحداثة السياسية، علمًا أن الوضعانية ما هي إلا مظهر من مظاهر هذه الأزمة التي تعدّ أزمة مركبة من ثلاثة أبعاد رئيسة: الوضعانية؛ أي المبالغة في تقدير العلم على نحوٍ يقصي المثل العليا. والتاريخانية؛ أي ربط كل شيء بزمانه ومكانه، وإعلان القطيعة مع الماضي، وتمجيد الحاضر. والعدمية؛ أي موت المعنى، وإعلان نهاية القيم العليا، والمثل الفاضلة المشروطة بمبدأ الخير. يطرح شتراوس إشك لًا فلسفيًا بشأن العلوم الإنسانية، ومن خلالها سوسيولوجيا الفهم عند فيبر، معتبرًا أن هذه العلوم تسعى إلى تحقيق معرفة دقيقة بموضوعاتها. غير أن الأسئلة التي تظل مطروحة في هذا السياق هي: هل تقوم هذه العلوم على مبادئ دقيقة؟ وإذا كانت سوسيولوجيا فيبر تسعى إلى تقييم الظواهر الدينية والسياسية والاقتصادية، فهل حددت أولًا مفهوم القيمة؟ وكيف يمكن تقييم شيء من دون تعريفه؟ وكيف يمكن النهوض بعملٍمن دون معرفة طبيعته؟ يبدو أن هذه جملة من الأسئلة التي يكاد يطرحها شتراوس بطريقة أو بأخرى، وهو ينبّه إلى حدود العلوم الاجتماعية في تحقيق الموضوعية، وسعيها لموضعة الظواهر الإنسانية؛ ولعل مسعاه الفلسفي يذكرنا بالتقليد الأفلاطوني المهموم بالبحث عن التعريفات. نفهم من ذلك أنه لا يمكن تحقيق العدالة أو الفضيلة أو الحب أو العلم أو غيرها، من دون تعريف هذه المفاهيم أولًا، مثلما لا يمكن أن تصل العلوم الاجتماعية إلى الموضوعية، أو أن تقيّم الظواهر الاجتماعية والإنسانية، من دون أن تحدد، لزومًا، مفهوم القيمة، وكأن شتراوس يعتبر أن نجاعة العلوم الاجتماعية تشترط الفلسفة بوصفها علمًا بالمبادئ المؤسسة، لأي علم، كيفما كان، وهو ما يدعونا إلى التساؤل عن حدود الموضوعية في العلوم الإنسانية، وعن حدود استقلاليتها عن الفلسفة أيضًا، ومن ثم عن حدود وصفها بأنها علوم قائمة بذاتها؛ أي لها مواضيع واضحة، ومناهج مضبوطة، إضافة إلى توصلها إلى نتائج دقيقة.

  1. كريم محمد، "أزمة الحداثة السياسية من منظور ليو شتراوس في موجات الحداثة الثلاث"، معهد العالم للدراسات، 2018/5/19، شوهد في 2018/5/29، في: https://acr.ps/hBy2sZ0
  2. طارق عثمان، "نزعة سَلفية: الحداثة من منظور ليو شتراوس"، دورية نماء لعلوم الوحي والدراسات الإنسانية، العدد  1 (خريف
  3. محمد المصباحي، "التحالف بين الفلسفة والدين بوصفه مخرجًا لأزمة الحداثة السياسية عند ليو شتراوس"، في:  الدين والسياسة من منظور فلسفي، إشراف محمد المصباحي (المغرب: منشورات مؤسسة الملك عبد العزيز وكلية الآداب والعلوم الإنسانية،.)2011

أولا: في نقد الفلسفة الوضعية

يبدو أن الغاية من نقد شتراوس للمنزع الوضعاني، الذي يعد أحد أسباب أزمة الحداثة، ليست رفض نتائج العلم الحديث؛ فهي مكتسبات علمية لا ينكرها إلا جاحد، وإنما يتمثل هذا النقد في دقّ ناقوس الخطر تجاه النزعة العلموية؛ أي تلك النزعة التي لا تنظر إلى العلم إلا بوصفه وسيلةً لقهر الطبيعة، وتختزل ماهية الإنسان في أنه محض عقل تقني وحسابي، مدشنةً بذلك فصلًا جديدًا في تاريخ الفلسفة، يقوم على الفصل بين الفلسفة والعلم، أو بين العلم والدين، في سعيها إلى نزع السحر عن العالم والإنسان، وجعلهما تحت رحمة عقلٍتقنوي لا يقيم اعتبارًا للمثل الفلسفية ولا للقيم الأخلاقية أو الدينية. تفصل الوضعانية بين العقل والوحي من جهة، وبين العقل والأخلاق من جهة أخرى، محاولةً تفسير ما يحدث بعيدًا عن المعجزات أو العناية الإلهية، كما هو الشأن بالنسبة إلى التفسير الديني، وبعيدًا كذلك عن القيم الأخلاقية المشروطة بمبدأ الخير، كما يذهب إلى ذلك التصور الأخلاقي. وتعلي الوضعانية العقل ليس بوصفه مصدرًا للفصل بين الحق والباطل (التصور الفلسفي)، أو الفصل بين الخير والشر (التصور الديني – الأخلاقي)، إنما بوصفه أداة للسيطرة على الطبيعة، ووسيلة تمكّن الإنسان من أن ينصّب نفسه سيدًا عليها، وهو ما يعني أننا أمام مفهوم تقنوي للعقل، من حيث إنه يحصر مهمته في الحساب، ويخلّصه من دوره التاريخي، حيث كان مصدرًا للتمييز والشك والنقد والتقييم والتفكير. تؤسس الوضعانية، إذًا، لإنسانٍذي بنية بسيطة؛ إذ لا يتعدى كونه عقلًا حسابيًا، وله نظرة نفعية تجاه الطبيعة، وينصبّ همّه على استغلال ثروات البر والجو والبحر، ويُعنى بتنصيب نفسه سيدًا للكون، بعيدًا عن أي مرجعيات فلسفية أو قيم دينية أو أخلاقية. ولعل هذه هي مآلات المشروع الديكارتي الذي رفع شعار سيادة الإنسان على الطبيعة، من خلال التأسيس لفلسفة تطبيقية تقوم بالدرجة الأولى على العقل بمفهومه التقني؛ أي العقل الذي يروم الهيمنة والسيطرة وتحصيل المنافع الدنيوية7، ولعل هذا من المقدمات التي يستند إليها الطرح الليبرالي المعاصر الذي شكّل موضوعًا للنقد الشتراوسي8. يؤسس التصور الحديث للعقل مفهومًا جديدًا للعلم، ليس بوصفه معرفةً نابعةً من تحكيم العقل من أجل تحقيق مثال الخير، بل نحن إزاء معرفة تستند إلى مفهوم العقل بالمعنى الذي يكرسه المشروع

  1. رينه ديكارت، مقالة الطريقة: لحسن قيادة العقل وللبحث عن الحقيقة في العلوم، ترجمة جميل صليبا (بيروت: المكتبة الشرقية، 1970)، ص.196–194
  2. يميّز ليو شتراوس بين الليبرالية القديمة والليبرالية الحديثة؛ حيث إنه يقِّدِر الأولى، ويدعو إلى الاقتداء بها، نظرًا إلى كونها مسنودة بمعايير أخلاقية تحتكم إلى مثال الخير. وفي المقابل، ينتقد الثانية، نظرًا إلى كونها قطعت مع المُثل الأخلاقية، واستعاضت عن مثال الخير بالمنفعة؛ وهو ما يعني أن الليبرالية الحديثة هي ليبرالية لاأخلاقية؛ لأنها أحَّلَت المنفعة محَّلَ الخير، مثلما مَّجَدت الحقوق الطبيعية للإنسان على حساب واجباته الأخلاقية، ونفهم من ذلك أن الحداثة السياسية، كما ترسّخت في العصر الحديث، ليست قدرًا تاريخيًا جوهره فكرة التقدّم بوصفها من مسلّمات العصر الحديث؛ إذ إن هذه المسلّمة قد أفضت إلى أشكال من البربرية، لعلّ من أبرز مظاهرها الفاشية والنازية، التي ميّزت الموجة الثالثة من موجات الحداثة في نظر شتراوس، والتي يربطها بفلاسفة من أمثال فريدريك نيتشه ومارتن هايدغر. وتنتمي الحداثة عند شتراوس إلى أفق تاريخي سابق على العصر الحديث، وهو ما يجعله يبحث في بوادر الليبرالية والتنوير عند القدامى، وهو ما بيّنه بتفصيل في: Leo Strauss, Le libéralisme antique et moderne , Olivier Breeichon Sedeyn (trad. de l’American) (Paris: Presses Universitaires de France, 1990).

الحديث؛ أي معرفة تسعى إلى الهيمنة والسيطرة، أو باختصار، إلى قهر الطبيعة. ويعني ذلك أن المعرفة لم تعد غاية في ذاتها، بل أصبحنا أمام مفهوم حديث لها تغدو بموجبه وسيلةً لخدمة السلطة، سواء بمعناها السياسي أو العلمي. ويمكن القول إن النزعة الوضعية ليست نزعة علمية بالمفهوم الأصلي للعلم، إنما هي نزعة شعبوية أو أيديولوجية، حيث إن غايتها هي التأثير في الرأي العام، وجعله يقبل بواقع الأمر كما هو كائن، لا كما يريده الفلاسفة أن يكون، وهم الذين لا يدخرون جهدًا في التساؤل عن مثال الخير والعدالة والحق. يتبيّن مما تقدم أن النزعة الوضعية تكاد تكون غطاءً أو قناعًا علميّا يخفي استبدادًا تجاه الإنسان من ناحية، وتجاه الطبيعة من ناحية أخرى، ثم إن هذه النزعة، في سعيها إلى تأسيس فلسفة علمية تُقصي الفلسفة التقليدية وتحِّرِر الإنسان والعالم من التأملات، تروّج لأفكار علموية أقرب إلى الظن/ الدوكسا9 منها إلى الحقيقة؛ ما يبيح لنا عدّ المعرفة الوضعانية معرفة ضد المعرفة، أو بلغة غاستون باشلار Gaston Bachelard (1962–1884)، إنها عائق إبستيمولوجي يجعل العلم الوضعي محض كهف لبادئ الرأي وللحس المشترك، بدلًا من أن يكون نورًا يكشف الغشاوات، ويميط اللثام عن البداهات، ويعيد النظر في المسلمات. تكمن خطورة هذا المنزع الوضعي، بحسب شتراوس، في كونه لم يبقَ حبيس العلوم الطبيعية فحسب، إنما شمل، أيضًا، العلوم الإنسانية التي أضحت تتخذ من النموذج الوضعاني معيارًا للعلمية، محاولةً النظر إلى الظواهر الإنسانية، مثلما تنظر تمامًا إلى الأشياء، سعيًا منها لتحقيق الموضوعية. والحال أن الظاهرة الإنسانية معقّدة ومتعدّدة ومتغيّرة، وليست بسيطة وواحدة وثابتة؛ ومن ثم فهي أوسع من اختزالها في بعدٍ واحدٍ قصد احتوائها، والحكم عليها؛ لأن ذلك ينطوي على تعسفٍ في حقّ الإنسان، ويمتدّ أثره إلى العالم من خلال كل محاولةٍ لفهمه. في هذا الصدد أفرد شتراوس دراسة ينتقد فيها سوسيولوجيا فيبر، وهذا ما سنعود إليه لاحقًا10. يبدو أن السعي لتطبيق أنموذج العلوم التجريبية على الظواهر الإنسانية بغرض تفسيرها، وهو الأنموذج الذي ارتبط بالقرن التاسع عشر، نهجٌ تعترضه مجموعة من العوائق الإبستيمولوجية؛ ما يجعله نهجًا غير علمي رغم سعيه إلى العلمية، أو نهجًا غارقًا في الذاتية رغم ادّعائه الموضوعية. ونستدل على حدود العلوم الإنسانية من أنها تدرس الظواهر الإنسانية بوصفها أشياء، في حين أن الظاهرة الإنسانية ليست شيئًا جامدًا، بل هي كيان نفسي واجتماعي يتميز بالإرادة والحرية، ولو على نحو نسبي. ويترتب على القول بحرية الإرادة صعوبة التنبؤ بالظواهر الاجتماعية، الأمر الذي

  1. يستعمل شتراوس هذا المصطلح بدلالته اليونانية في نظرية المثل عند أفلاطون، حيث إنه يرادف، باختصار، الظن وبادئ الرأي؛ أي كل ما لا يرقى إلى مستوى الحقيقة والمعرفة والحكمة واليقين.
  2. نقصد الدراسة النقدية لشتراوس بشأن سوسيولوجيا ماكس فيبر، وقد وردت هذه الدراسة في الفصل الثاني "الحق الطبيعي والتمييز بين الوقائع والقيم" من مؤلفه الحق الطبيعي والتاريخ. وخصصه للنظر في مصادر الطرح الفيبري، وفي الحدود الإبستيمولوجية التي يطرحها المنهج الذي يقترحه لدراسة الظواهر الإنسانية، وفي أنواع الأخلاق عند فيبر، وفي كون أطروحته تؤدي في نهاية المطاف إلى العدمية، على الرغم من المكانة العلمية المتميزة التي يحتفظ بها شتراوس لفيبر. ينظر: Strauss, Droit naturel et histoire , pp. 44–82.

يجعلها متغيرة باستمرار؛ ما يدعونا إلى التساؤل: كيف يمكن تطبيق نموذج جاهز على ظاهرة متغيرة؟ ويُضاف إلى هذا الاعتراض اعتراضٌ آخر، مفاده أن ذات العاِلم في العلوم الإنسانية تتداخل مع موضوع البحث، وهو ما يثير إشكالية حدود الفصل بينهما، ويدفع إلى التساؤل عن كيفية تحقيق الموضوعية حين يكون موضوع الدراسة متشكلًا، جزئيًا، من ذات الباحث نفسه. تدعونا شكوك شتراوس في الطرح الوضعاني إلى التساؤل كذلك: هل الظواهر الدينية والفنية، إضافة إلى الطقوس الاجتماعية والعادات والتقاليد، يمكن تفسيرها بالبحث عن أسبابها، تمامًا كما نتعامل مع الظواهر الطبيعية؟ يبدو أن لمنهج التفسير الذي تعتمد عليه العلوم التجريبية في دراسة الظواهر الطبيعية محدوديةً في دراسة الظواهر الإنسانية، إن لم نقل إن صلاحيته معدومة؛ ذلك أن الظواهر الطبيعية مجال لاتفاق العلماء؛ لأنها مستقلة عن ذواتهم، ومن ثم لا يمكن تقييمها من منظورات شخصية أو ذاتية، بينما الظواهر الإنسانية هي مجال للاختلاف باختلاف الطقوس والعادات والأديان والأيديولوجيات... إلخ، التي يشكّل الباحثون جزءًا منها؛ ما يجعلهم ليسوا في منأى عن الأحكام الذاتية. يستدرك شتراوس على العلوم الإنسانية؛ إذ إن باحثيها يدرسون الظواهر الاجتماعية والنفسية والسياسية محمّلين بمفاهيم وقيمٍ قَبلية، سواء أكان ذلك عن وعي منهم أم عن غير وعي. وهو ما يجعل شعار الموضوعية في دراسة الظواهر الإنسانية، الذي تتبنّاه النزعة الوضعية، شعارًا محدودًا، إن لم نقل إنه ضربٌ من المحال. ويدفعنا ذلك إلى مساءلة الوضعانية في شكلها القانوني أيضًا، وإذا ما كان يمكنها تحقيق العدل بوصفه أساس الفضائل، أم أنها لا تعدو أن تكون تطبيعًا مع الظلم، بل تأبيدًا له، باسم الموضوعية وتعليق الأحكام الذاتية والحياد القيمي.

ثانيًا: في نقد سوسيولوجيا الفهم

خصّ شتراوس سوسيولوجيا الفهم عند فيبر بالنظر الفلسفي، وقبل الخوض في تفاصيل هذا النظر، لا بد من الإشارة إلى علاقة الاتصال والانفصال بينهما؛ فكلاهما ينتقد الطرح التاريخاني الذي يعطي الحق الطبيعي، خاصّة تاريخيّة، وذلك بالتركيز على الأصل العرقي لحقيقة أي قانون، من خلال إرجاعه إلى روح شعبية ما، أو من خلال إقراره بأن لتاريخ الإنسانية معنى محددًا ومحكومًا بضرورة تاريخية واضحة، وهما المبرران اللذان يرفضهما فيبر بدعوى أنهما ميتافيزيقيان، يتأسسان على مسلمة وثوقية، مقتضاها أن الواقعي هو العقلاني11. لكن في الوقت الذي نجد فيه شتراوس يدافع عن أطروحة الحق الطبيعي، يرفضها فيبر، لا لدواعٍتاريخية تُرجِعها إلى روح شعبٍ ما أو إلى ضرورة تاريخية معينة، وإنما لكونها تستند إلى قيمٍ خالدة، على نحوٍ يوازي مبادئ المنطق الصوري12.

  1. Ibid., p. 46.
  2. Ibid., p. 48.

يرجع شتراوس إلى أعمال فيبر من أجل بيان حدود العلوم الاجتماعية في فهم الظواهر الإنسانية، ولعل فيبر واحد من علماء الاجتماع المعاصرين الذين سعوا لفهم ظواهر المجتمع الحديث (أصول الحداثة) والمعاصر (ظاهرة الرأسمالية)، محاولًا التأسيس لسوسيولوجيا الفهم، من حيث إنها تعمد إلى عقلنة الدين والسياسة والمجتمع، وهو ما يسوّغ لنا القول: إن سوسيولوجيا الفهم عنده تشكل منعطفًا رئيسًا في تاريخ علم الاجتماع؛ لأنها لا تقوم على إدراك العلاقات السببية للظواهر الاجتماعية فحسب، إنما تتعدى ذلك إلى محاولة النفاذ إلى فهم المعاني الذاتية والقيمية الثاوية وراءها أيضًا13. شهد شتراوس لفيبر بكونه أكبر عالم اجتماع في العصر الحديث، على الرغم من الأخطاء التي قد يكون قد وقع فيها، ولا سيما أنه لم يسبقه أحد ولا لحقه من كرّس قدرًا مماثلًا من الذكاء والمثابرة والتفاني الدقيق في مقاربة مشكلات العلوم الاجتماعية، سواء من حيث بعدها الموضوعي أو المنهجي14، خصوصًا الإشكال المرتبط بالقيم الذي يبقى حلّه معلقًا، على حد تأكيد شتراوس15. اهتم فيبر بدراسة ظواهر الزمن المعاصر، ولعل من أبرزها ظاهرة الرأسمالية التي ميزت الحضارة الغربية، وهي في نظره بنية اقتصادية واجتماعية أثرت تأثيرًا عميقًا في سلوك الأفراد. ومن أبرز الخلاصات التي يستخلصها شتراوس من أطروحات فيبر في اشتغاله على مستقبل الحضارة الغربية، هو "توقعه إما تجديد روحي، وإما 'تحجّر ميكانيكي'، بمعنى خنق كل فعل إنساني باستثناء أفعال المتخصّصين، من دون روح أو رؤية، والحِّسِيين، من دون قلب"16. ربط فيبر ظهور الرأسمالية بما هي نظام اقتصادي بالتفكير البروتستانتي، معتبرًا أن معتقدات الأفراد تؤثر في بنية الأنظمة الاقتصادية، على عكس كارل ماركس الذي رَّدَ وعي الأفراد وسلوكهم ونمط تفكيرهم إلى البنية الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشون في كنفها، وهذا يؤكد أن الوعي لا يحدد الوجود الاجتماعي للناس، بل الوجود الاجتماعي للناس هو الذي يحدد وعيهم. ويطلق ماركس على الوجود الاجتماعي أو البنية الاقتصادية مفهوم البنية التحتية التي تؤثر، بحسبه، في الأديان والفنون والأخلاق والعادات والسياسات... إلخ، وهو ما يطلق عليه، باختصار، مفهوم البنية الفوقية، بوصفه تعبيرًا عن نمط علاقات الإنتاج. يختلف طرح فيبر عن الطرح المادي المفسر لظاهرة الرأسمالية؛ ذلك أنه يعتبر أن البنية الفوقية هي التي تحدد البنية التحتية، ومن ثم، كان للدين البروتستانتي، في نظره، فضلٌ كبيرٌ على نشأة النظام الرأسمالي، لكن السؤال الذي يبقى مطروحًا في هذا الصدد هو كيف تم ذلك؟ أي كيف يمكن تفسير نظام اقتصادي، مادي في جوهره، بمحدداتٍ روحيةٍ؟ وبلغة ماركس، كيف يمكن أن تكون البنية الفوقية هي المحدد للبنية التحتية، وليس العكس؟

  1. Ibid., p. 45.
  2. Ibid.
  3. Ibid., p.67.
  4. Ibid., p. 57.

لفتت اهتمام فيبر إحدى الأفكار الرئيسة للبروتستانتية، وهو ما نجد له تجليًا عند جون كالفن Calvin Jean (1564–1509)، ومقتضاها أن قدرنا تم تحديده على نحو قبلي؛ إذ هو سابق على أفعالنا كلها، ذلك أن الله يعلم من سيكون مصيره الجنة، ومن سيكون مصيره جهنم، ولا شيء دونهما؛ ولما كنا لا نعرف مصيرنا، فإننا نحيا منقسمين بين الأمل في الجنة، والخوف من جهنم. وينطلق فيبر من هذه الفكرة لتحليل كيف أن البروتستانتية تدعو المؤمنين إلى التكفير عن الذنب عن طريق الشغل، الذي هو عند الكاثوليكيين شيء مهين ومذموم، شأنه في ذلك شأن القرض بفائدة، في حين تعتبر العقيدة الكالفنية (البروتستانتية) أن النجاح الاقتصادي الذي يرتبط بالشغل دليل على رضى الله. لكن إذا كان هذا الشغل يدرّ على صاحبه ربحًا، فإنه ينبغي له تحرّي عيش حياة بسيطة. وفي ضوء المزاوجة بين الربح الذي يجنيه المؤمن عن طريق العمل من جهة، وحياة الزهد التي يرتضيها لنفسه من جهة أخرى، تتطور الرأسمالية وتنمو. ويتضح من ذلك أن فيبر أجرى قلبًا منهجيًا في مقاربة المادية التاريخية، حيث إنه بدلًا من البحث عن تأثير الاقتصاد في الثقافة والسياسة والدين، نجده يبحث في تأثير هذه المجالات في الاقتصاد17. يتبين أن كلًا من ماركس وفيبر اهتم بفهم الرأسمالية بوصفها ظاهرة مميزة للعالم المعاصر، إلا أنهما اختلفا في أسباب هذه الظاهرة؛ فبينما يردها ماركس إلى عوامل مادية، لا تخرج عن مفاهيم البرجوازية والبروليتاريا، وعلاقات الإنتاج وأنماط الإنتاج، ورأس المال وقوة العمل، والثورة والاستلاب الذاتي وفائض القيمة... إلخ، نجد فيبر يرد الرأسمالية إلى بنية ثقافية تشمل الدين والسياسة ونظام القيم. يحرر، إذًا، فيبر المسألة الاقتصادية من أحادية النظرية المادية التاريخية، محاولًا النظر إليها في ضوء نظرة تعددية ذات بعد أنثروبولوجي لا اقتصادي، وهو ما تشهد عليه أطروحته الموسومة ب  الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية18، التي بيّن من خلالها أن الرأسمالية ليست نظامًا اقتصاديًا فحسب، إنما هي بنية وجودية متكاملة، تشهد عليها ظاهرة العقلنة في أبعادها السياسية والدينية والاقتصادية. وفي هذا الصدد يقول كارل نايس Karl Knies، وهو أحد أساتذة فيبر في الاقتصاد: "إن تأثير الدين هو تأثير في الإنسان الباطني، وبما أن للعامل السيكولوجي أهميةً قصوى بشأن هذا الفاعل المنتج للخيرات، فإننا نثمن أثر المذهب الديني في العلاقات الاقتصادية"19. يرجع اهتمام شتراوس بأعمال فيبر إلى كون أبحاثه، كما رأينا، تمثل خروجًا على المنزع التاريخي الذي كان سائدًا، والذي كان يسعى لمحاكاة العلوم الطبيعية من خلال وضع قوانين غائية للتاريخ، تستبعد سؤال المعنى والدلالة والقيم، الأمر الذي اعتمد عليه فيبر في سوسيولوجيا الفهم، موليًا مبحث القيم أو الأكسيولوجيا مكانة بارزة في أبحاثه.

  1. Jay Stevenson, La philo, une histoire de la philosophie de Socrate à nos jours: Pour connaitre les grands courants de pensée et acquérir un peu de sagesse (Paris: Marbout, 2008), pp. 192–193.
  2. ينظر: ماكس فيبر، الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، ترجمة محمد علي مقلد (بيروت: مركز الإنماء القومي، [د. ت.)].
  3. عبد المنعم الشقيري، العقلنة عند ماكس فيبر (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص.33

تجدر الإشارة إلى أن فيبر يميز بين حكم القيمة والعلاقة بالقيمة؛ فالأول "يدل على أننا نأخذ موقفًا ملموسًا تجاه بعض القضايا، اعتمادًا على أحاسيسنا"20، في حين أن العلاقة بالقيمة هي على خلاف ذلك؛ إذ إنها تعني "المرور من التقدير المباشر إلى التأمل النظري عبر تحويل موضوعات التقدير إلى فردانيات تاريخية، ويصبح التحليل الأكسيولوجي هو ذلك الارتباط بالقيم الذي يجعل المؤرخ ممسكًا بالموضوعات والحوادث المتفردة، انطلاقًا من علاقتها بقيم وتصورات، وما تحيل إليه من دلالات بحسب الاهتمام العلمي للمؤرخ، في حين تظل أحكام القيمة أحكامًا ذاتية، تتوقف على مواقف الذات وأحاسيسها وانطباعاتها تجاه الموضوع"21. يتضح أنه على خلاف التمييز الذي يقيمه فيبر بين حكم القيمة والعلاقة بالقيمة، نجد النزعة التاريخية تخلط بينهما، واضعة إياهما في سلة واحدة، حيث تقطع معهما بدعوى أنهما ينتميان إلى الأعراض الطارئة على القوانين التاريخية، ومن شأن أخذهما بالحسبان التأثير في العلمية، ومن ثم في الموضوعية المنشودة، وهو الاحتراز الذي ميّز الوضعانية الكلاسيكية التي أسسها كونت، واستمرت عند فيبر، لكن على نحو مغاير. ينبه شتراوس إلى النفحة الوضعانية التي ميزت مقاربة فيبر، على الرغم من اجتهاداته التي تستحق التقدير كله، مشيرًا إلى أنه كان "يعتقد أن إنسان القرن العشرين أكل فاكهة شجرة العلم، وصار قادرًا على التحرر من الأوهام التي حجبت فكر الماضي كله؛ فقد رأينا وضع الإنسان، من دون أوهام، وحررنا أنفسنا من السحر"22. ويؤكد شتراوس أن فيبر، ولو كان يقيم اختلافًا بين العلاقات بالقيم وأحكام القيمة، إلا أنه لا يشدد على أهمية هذا الفصل، ويضرب مث لًا على ذلك عندما ننظر إلى شيء بوصفه ذا دلالة من وجهة نظر الحرية السياسية، من غير أن يقتضي هذا النظر اتخاذ موقفٍ تقويمي منه، سواء أكان بالقبول أم بالرفض23. يعتبر فيبر أن السوسيولوجي لا يمكنه دراسة ظواهر اجتماعية خارج قيم محددة، وينبغي له عدم الادعاء أن هناك قيمةً إيجابيةً، دون غيرها، أو أن هذه القيمة أو تلك أرقى من قيم الآخرين؛ ذلك أن القيم المرتبطة بالظواهر المدروسة هي قيم ذاتية بالضرورة، من حيث ارتباطها بالزمان والمكان اللذين ينتمي إليهما عالم الاجتماع الذي يشكل جزءًا لا يتجزأ من هذه الظواهر المدروسة، على الرغم من احترازاته المنهجية كلها24. يبدو أن الطرح الفيبري (نسبة إلى فيبر) لا يخلو من منظورية فريدريك نيتشه (1900–1844)، فهما يقحمان الذات بوصفها شرطًا للتأويل، إلا أنهما يختلفان في حدود تدخّل الذات؛ إذ ينظر نيتشه إلى تدخّل

  1. المرجع نفسه، ص.74
  2. المرجع نفسه.
  3. Strauss , Droit naturel et histoire , pp. 75–76.
  4. Adrien Louis , Leo Strauss, philosophe politique (Paris: CNRS, 2019), p. 202.
  5. Ibid.

الذات على أنه إرادة قوة؛ ذلك أن رؤيته للأشياء ترتبط بفكرة الحفاظ على الذات من أجل إعادة إنتاجها المستمر، الأمر الذي يجعل كل دلالة أو معنى مشروطًا بإرادة القوة. وفي المقابل، ينظر فيبر إلى تدخّل الذات في سياق العلاقة بالقيم بما هي تداخل بين الذات الباحثة والموضوع المبحوث أو التاريخي من خلال "إدماج الوقائع الاختبارية وربطها بقيم ودلالات، حيث تلتقي دلالات الموضوع المتفرد بقيم وتصورات الذات الباحثة ابتغاء عملية الفهم التاريخي"25. والملاحظ أن مجال القيم مجالٌ للصراع؛ لأنه يعبّر عن تدافع إرادات القوى، ومن ثم يمكن الحديث عن منظورية نيتشه؛ إذ كٌّلٌ ينظر إلى الأمور من زاويته الخاصة، حرصًا منه على حفظ مصالحه وضمان بقائه، وهذا ما يدعو شتراوس إلى تأكيد أن إشكال القيم لا يمكن حلّه عن طريق العقل البشري، من خلال عقلنة القيم، كما فعل فيبر26. نستدلّ على النقد الشتراوسي للطرح الفيبري الرامي إلى الفصل بين الوقائع والقيم بالدراسة التي أعدّها ناصر بنغار، فقد بيّن أن النقد الذي يوجهه شتراوس إلى النزعة الوضعية لا يهم المناهج التجريبية، إنما يهم الأساس الفلسفي الذي ترتكز عليه، حيث يكتفي العلم الحديث بوصف الوقائع، من دون أن تكون له القدرة على إصدار أحكام معيارية إزاءها، تحت مبرر ما يطلق عليه فيبر الحياد

القيمي Wertfreit27.

وبناءً عليه، ينتقد شتراوس التمييز الوضعاني بين الوقائع والقيم، باعتباره موقفًا فلسفيًا، وليس تصورًا علميًا، وهو موقف يمكن أن يؤدي إلى تعطيل العقل عن إصدار أحكام القيمة، ومن ثم انتفاء المعايير التي يُحتكَم إليها في التمييز بين الخير والشر، والسقوط في براثن العدمية، بما تنطوي عليه من تقويضٍ جذري لأي أسسٍ أخلاقية يمكن الانطلاق منها في أحكامنا القيمية. من هذا المنطلق، يدعو شتراوس إلى العودة إلى الفلسفة السياسية الكلاسيكية، وتحديدًا إلى فكرة الحق الطبيعي، بما هو حق قبل أي حق ممكن28؛ أي بوصفه معيارًا رئيسًا يسمح لنا بالحكم على الواقع، سواء بالسلب أو بالإيجاب، من أجل إصلاحه أو تغييره، وليس الاكتفاء بوصفه، والتطبيع معه، بمبرر الفصل المنهجي بين الوقائع والقيم، وتحت شعار الحياد القيمي، وهو ما يوضّحه بنغار في مقدمة دراسته الآنفة الذكر، حيث يقول: "علم الاجتماع الذي لا يقدر أن يتحدث عن الطغيان بالثقة نفسها التي يتحدث بها علم الطب، على سبيل المثال، عن السرطان، لا يمكنه أن يفهم الظواهر الاجتماعية كما هي، ومن ثم فهو ليس علمًا. وإذا كان صحيحًا أن علم الاجتماع المعاصر هو نتيجة حتمية [...] للفلسفة الحديثة، فإن المرء مدعو إلى استرجاع علم الاجتماع الكلاسيكي"29.

  1. الشقيري، ص.75
  2. Strauss, Droit naturel et histoire , p. 68.
  3. يقول ناصر بنغار في هذا الشأن: "إن التباين المطلق بين الوقائع والقيم، في نظر فيبر، يفرض على علم الاجتماع أن يكون محايدًا أخلاقيًا، حيث يمكنه الجواب عن أسئلة الوقائع وأسبابها، لكنه ليس مؤهلًا للجواب عن أسئلة القيم". ينظر: Nasser Behnegar, Leo Strauss, Max Weber, and the Scientific Study of Politics (Chicago: the University of Chicago Press, 2003), p. 40.
  4. André Comte–Sponville, Dictionnaire philosophique (Paris: Édition Puf, 2013), p. 1014.
  5. Behnegar, p. 10.

وإذا كانت الحداثة السياسية تسعى للخروج من كهف العصور الوسطى، وما نجم عن ذلك من علمنة للدولة، بما هي تحييد للدين عن المجال العمومي، فإن شتراوس يعتبر أن هناك كهفًا ثانيًا وجب الخروج منه، لا يقلّ أهمية عن كهف العصور الوسطى، وهو كهف الحداثة ذاتها، التي استبدلت الدوكسا في العصور القديمة والوسيطة بأخرى حديثة. وتتمثل دوكسا الحداثة في نظر شتراوس في الإيمان بفكرة التقدم، نتيجة لسيادة الوضعانية والتاريخانية، وهما نزعتان تعوّقان النظر الفلسفي؛ ما يجعلنا أمام دوكسا حديثة، ومن ثم أمام كهف ثانٍيحول بيننا وبين بلوغ الحقيقة التي لا ترتبط بفكرة التقدم، إنما قد تكون منسية في نصوص القدامى، التي يجب إعادة قراءتها، وتحريرها من تعسف التأويل الحديث الذي يكاد يختزلها في كونها محض ميتافيزيقا وتأملات فارغة، لا تأثير لها في الواقع السياسي والعلمي والتاريخي والاجتماعي. يبدو أن شتراوس من خلال عودته إلى الفلسفة الكلاسيكية، يحاول أن يؤسس نظرية في الفهم والتأويل، تقوم على فهم السابقين كما فهموا أنفسهم30، وليس بالقياس إلى شروط إبستيمولوجية أو تاريخية برّانية عنهم. ولعل هذا النوع من التأويل سمح له بنقد قراءات الفلاسفة المحدثين والمعاصرين لنصوص الفلسفة القديمة والوسيطة، فهو يراهن على تحرير نصوصهما من تأويلات الفلسفة الحديثة والمعاصرة التي تقوم على نظام "إبستيمي" مغاير للتراث الفلسفي القديم، خصوصًا بعد الثورات العلمية والسياسية والصناعية والفكرية التي شهدها العصر الحديث، وهذا يعني أنه ينبغي لنا ألا نحكم على مساهمات الفلاسفة الأوائل في ضوء ما انتهى إليه العصر الحديث، ولا حتى في ضوء شروطهم التاريخية؛ ذلك أن الإنتاج الفكري، في نظره، لا يُفهم إلا في ضوء الفكر الذي لا يعبر عن الشروط التاريخية لعصر ما، بقدر ما يعبر عن عبقرية أهله. يذهب شتراوس إلى أن العودة إلى الفلسفة الكلاسيكية؛ أي إلى الفلسفة ما قبل التنوير والحداثة، ما زالت عودة مطروحة، ولم تستنفد إمكاناتها بعد، على الرغم من النقد الجذري الذي وجهّه إليها التنويريون والحداثيون من فلاسفة العصر الحديث. وقد استكشف، نتيجةً لمساءلته نصوص الفلاسفة المحدثين، أن هناك ليبرالية عتيقة لا تقلّ قيمةً، بل جذرية، عن ليبرالية المحدثين، وقد خصص كتابه الليبرالية القديمة والليبرالية الحديثة للحديث عن هذا الموضوع31.

ثالثًا: الحدود المنهجية للعلوم الإنسانية

ينبه شتراوس إلى الحدود المنهجية التي تطرحها العلوم الإنسانية، وهو تنبيه وليد الحوار النقدي الذي أجراه مع فيبر، خصوصًا في ما يتعلق بنقده النزعة الوضعية، وتمييزه بين مفهوم السببية في

  1. نشير في هذا السياق إلى مراجعة ميغل فاتر لكتاب ليو شتراوس ومشكلة الفلسفة السياسية، حيث يؤكد أن شتراوس هو "أول [...] من حاول فهم المفكرين العظماء السابقين كما فهموا أنفسهم". ينظر: Miguel Vatter, "Review: Michael P. Zuckert and Catherine H. Zuckert, Leo Strauss and the Problem of Political Philosophy," Notre Dame Philosophical Reviews , 30/11/2014, accessed on 30/6/2026, at: https://acr.ps/hBy2sJn; قد ترتب على هذا النوع من التأويل أن حافظ شتراوس على فكرة التوتر الحاصل بين "أثينا وأورشليم"، وكذا رفعه أبوّة الفلسفة السياسية إلى سقراط.
  2. Strauss, Le libéralisme antique et moderne.

العلوم الإنسانية، ومفهومها في العلوم الطبيعية. ويُعدّ هذا التمييز ذا أهمية، لكن تغفله النزعة التاريخية عندما تحاول تطبيق قوانين العلوم الطبيعية على البحث التاريخي، على الرغم من انتمائه إلى العلوم الإنسانية وما يقتضيه ذلك من مراعاة خصوصيته. ترفض السببية في العلوم الإنسانية عند فيبر "مفهوم القانون، وتقرّ بمفهوم العلاقات، وهي لا تدرج حادثًا داخل سياقٍعام بوصفه حالة ممثلة، لكنها تقوم بإسنادها على حادث كنتيجة مترتبة عن مجموعة من علاقات سببية ملموسة ومجردة"32. بينما السببية في العلوم الطبيعية هي على خلاف ذلك؛ إذ إنها في نظر فيبر "مرتبطة بقوانين مجردة قابلة للتعميم"33. ويقلّل فيبر من قيمة خاصيّتَي التجريد والتعميم، بوصفهما من خصائص القانون العلمي، ولا سيما حين يجري توظيفهما في العلوم الإنسانية تحت شعار العلمية والموضوعية؛ إذ يرى أنهما يفضيان، في الواقع، إلى نتائج تفتقر إلى المضامين والدلالات والمعاني والقيم، وفي ذلك يقول: "لا تعني معرفة القوانين الاجتماعية بالضرورة معرفة الواقع الاجتماعي"34. ويضرب فيبر مث لًا يبين من خلاله الفرق بين مفهوم السببية في العلوم الإنسانية ومفهومها في العلوم الطبيعية؛ فالأم التي تصفع ابنها، لا يكون فعلها نتيجة أن الابن (السبب) تسبب في قلقها (النتيجة)، إنما لأن الخادمة هي التي أقلقت الأم وجعلتها تقوم بفعل الصفع. وهذا يعني أن السببية في العلوم الإنسانية تُفهم في سياق علاقات اجتماعية، لا في ضوء علاقة آلية بين سبب ونتيجة35. تجدر الإشارة إلى أن أعمال فيبر تستند إلى الأثر الكانطي (نسبة إلى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط Emmanuel Kant 1804–1724)، سواء في نسخته الأصلية أو الجديدة؛ فهو على سبيل التمثيل للنسخة الأولى يضع خطاطات نظرية مثالية، ينظم من خلالها مجموعة من العناصر المشتتة في التاريخ الإنساني والواقع الاجتماعي، تمامًا كما فعل وهو ينظر في أنواع المشروعية السياسية36، أو أنواع الأخلاق الإنسانية37. وعلى سبيل التمثيل للنسخة الثانية من الكانطية، يمكن الإشارة إلى البعد العملي في أعمال فيبر، وهو ما تشهد عليه العقلنة السياسية والدينية والاجتماعية، وهي عقلنة تعمل على علمنة المجال العام، من خلال تحريره من السحر، والسعي لتحقيق الفعالية والتقدم، من دون الارتهان إلى نماذج فكرية جاهزة. يشير شتراوس إلى أن فيبر يبحث عن التوفيق بين طروحات كانط كما فهمها بعض الكانطيين الجدد، وطروحات المدرسة التاريخية؛ حيث إنه استعار من الكانطيين مفهوم العلم والأخلاق الفردية، إضافة

  1. الشقيري، ص.76
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه، ص.77
  4. المرجع نفسه.
  5. تستندُ الدولة عند فيبر إلى ثلاثة مصادر للمشروعية: سلطة الأمس الأزلي، والسلطة الكارزمية، والسلطة الشرعية. ماكس فيبر، رجل العلم ورجل السياسة، ترجمة نادر ذكرى (بيروت: دار الحقيقة، 1982)، ص.48–47
  6. تُقسم الأخلاق عند فيبر نوعين: أخلاق الاقتناع وأخلاق المسؤولية. المرجع نفسه، ص.106–105

إلى رفضه النفعية ومذهب المتعة بأشكاله كلها، واحتفظ من المدرسة التاريخية بفكرة أن أي نظام اجتماعي أو ثقافي، كائنًا ما كان، لا يمكن أن يكون النظام الحق أو العقلاني بامتياز38. يتمثل المنزع التاريخي كذلك في أعمال فيبر، على الرغم من تبرمه الظاهر منه، في بحثه التاريخي عن أنواع المشروعية التاريخية، مثلما يتمثل منزعه الذاتي الثقافي (الكانطي) في بحثه عن العلاقة بين الرأسمالية والروح المسيحية، وإثبات أن الثيولوجيا الكالفنية كانت سببًا في نشأة النظام الرأسمالي39. تتجلى محدودية سوسيولوجيا فيبر في مجموعة من أفكاره، فهو يرى أن الأخلاق تقسم إلى قسمين: أخلاق الواجب أو الاقتناع، وأخلاق المسؤولية. لكن العقل البشري يتعذّر عليه الفصل بينهما، نظرًا إلى تداخلهما؛ فالقول بالواجب يفضي إلى تحمل المسؤولية، ثم إن المسؤولية لا تستقيم من دون اقتناع بالواجب، إضافة إلى أن أنواع المشروعية السياسية التي نظّر لها فيبر، وهي المشروعية التقليدية والكارزمية والشرعية، ليست إلا خطاطة مثالية، ولا يلزم أن تتحقق في نظامٍما. وهذا يدعونا إلى تأكيد حدود العلوم الاجتماعية في فهم الظواهر الإنسانية ودراستها، سواءً كانت قيمًا أو اجتماعًا أو سياسةً أوتاريخًا... إلخ. ويرى شتراوس أن الطرح الفيبري يفضي إلى العدمية؛ إذ يقِّوِض المراجع الأخلاقية التقليدية التي تُمِكِّن من تقييم الأفعال والحكم عليها بأنها خيّرة أو شريرة40. أراد فيبر، من خلال مسعاه التوفيقي بين الكانطية والتاريخانية، تحقيق هدفين يتجليان، بحسب شتراوس في ما يلي: أولًا، التأسيس لأخلاق الواجب التي تحمل الفرد على النهوض بواجباته وفق ضمير أخلاقي، ووازع داخلي، لا وفق إكراهات برانية. ثانيًا، الانتصار لحرية الفرد في الاختيار، بعيدًا عن أي نماذج قَبلية وجاهزة تقيّد حريته وقدرته على الاختيار، الأمر الذي يجعل فيبر يبدي تسامحًا مع التوجهات الفكرية كلها، على الرغم من اختلافه معها، وهو ما يعتبره شتراوس نوعًا من المثالية41. تطرح أعمال فيبر، في نظر شتراوس، مجموعة من المفارقات؛ فهو يعتبر أن مسألة التطور حتمية، وتجد تمثيلها اقتصاديًا في النظام الرأسمالي، وسياسيًا في النظام البيروقراطي، وثقافيًا في علمنة البنية الذهنية من خلال نزع السحر عن العالم. وتشكل هذه المستويات الثلاثة تتويجًا لسيرورة العقلنة المشروطة بتطور التاريخ. في المقابل، ينفي وجود قوانين تضبط الفعل الإنساني، كما هو الشأن بالنسبة إلى قوانين العلوم الطبيعية؛ لأن الفعل الإنساني يؤَّسَس على الحرية والاختيار والذاتية والقيم؛ ما يجعله ينفلت من الضبط، سواء بمعناه العلمي أو التاريخي. ويبرز اختيار فيبر المنهجي، بجلاءٍ، في تصوره مفهوم الإصلاح، حيث يعتقد أنه لا يمكن أن يتحقق من دون ثورة ثقافية تعمل على تجديد البنية الذهنية بوصفها مدخلًا لكل إصلاح مادي، أو تصور بيروقراطي يرتبط بإعمال العقل الحسابي، من دون استحضار أي نزعة أخلاقية.

  1. Strauss, Droit naturel et histoire , p. 51.
  2. Ibid., p. 65.
  3. Ibid., p. 50.
  4. Ibid., p. 53.

لم تقتصر الانتقادات الموجهة إلى أعمال فيبر على شتراوس، بل شملت، أيضًا، عددًا من علماء الاجتماع، فهذا فردريك تنبورك F. Tenbruk يعتبر أن ميتودولوجيا فيبر تعتمد على الارتباط القيمي؛ ما يعني التخلي عن المطلب الذي يؤسّس العلوم الإنسانية خصوصًا، والوضعانية عمومًا، والمتعلق بالموضوعية42. نجد كذلك أوجين فليشمان E. Fleischmann يقول: "شكلت محاولة فيبر تأسيس التاريخ على قيم مطلقة نوعًا من العبث"43. وهو ما نجده في قول شتراوس: "العلوم الاجتماعية قادرة على تقديم حلول لمشكلات الواقع والسببية، لكنها ليست مؤهلة أمام مشكل القيمة"44. و"الصراع بين القيم لا يمكن حله عن طريق العقل البشري"45. وهو ما يبينه في مناسبة أخرى، حيث يقول: "يهتم عالم الاجتماع العلمي بانتظام السلوك، [بينما] المواطن قلق بشأن الحكومة. فما يهم المواطن هو القيم التي يؤمن بها ويحافظ عليها، بل الأهم من ذلك القيم التي يختبرها بوصفها صفات واقعية لأشياء واقعية: الإنسان، والأفعال والأفكار، والمؤسسات، والتدابير. لكن عالم الاجتماع العلمي يرسم حًّدًا فاصلًا بين الوقائع والقيم؛ فهو يعتبر نفسه غير قادر على إصدار أي حكم للقيمة"46. بخلاف الطرح الوضعاني الذي يوجّه العلوم الإنسانية، والذي يقضي بتعليق الأحكام القيمية، والتعامل مع الوقائع طلبًا للموضوعية فحسب، لا يجد شتراوس حرجًا في إصدار أحكامٍقيمية على الوقائع؛ سلبيًا أو إيجابيًا، فهو لا يقدم نفسه بوصفه عالمًا، بل فاعلًا في المجتمع، ومهمومًا بالدرجة الأولى ب "التعايش السلمي"47، وليس بمطلب الموضوعية فحسب، التي قد تؤدي إلى عدمية تتمثل في تعليق أحكام القيمة، والتعامل الآلي مع الوقائع الإنسانية. وبهذا، يتعامل الطرح الوضعاني/ النسباني/ التاريخاني مع الوقائع فحسب، بوصفها وقائع متغيرة بالضرورة، معلقًا أحكام القيمة كلها، إلى الحد الذي تصير معه مسألة الحضارة مسألةً تاريخيةً، ولا يهمنا ما إن استحالت همجية، بينما لا يؤمن شتراوس بهذا الطرح العدمي؛ أي الطرح الذي لا يلقي ب لًا لسؤال مصير الحضارة الإنسانية، إنما ينصّب نفسه خصمًا للنزعات العلموية التي تسعى للقطع مع قيم الحضارة والعيش المشترك باسم موضوعية تقود البشرية نحو حرب الكل ضد الكل؛ أي نحو حتفها الأخير48، وهو ما يدلّ على أنه يقدم نفسه بوصفه فيلسوفًا ملتزمًا بمصير الحضارة الإنسانية، ولا يتردد في الإعلان عن موقفه في هذا الصدد، وهو ما يشهد عليه قوله: "إذا كنا ملتزمين

  1. الشقيري، ص.85
  2. المرجع نفسه.
  3. Strauss, Droit naturel et histoire , p. 48.
  4. Ibid., p. 76.
  5. Leo Strauss, La renaissance du rationalisme politique classique , Conférences et essais réunis et présentés par Thomas L. Pangle, Pierre Guglienina (trad. de l’anglais et postface) (Paris: Gallimard, 1993), p. 51.
  6. Ibid., p. 56.
  7. Ibid.

بقيم الحضارة، فإن التزامنا ذاته يسمح لنا ويجبرنا على اتخاذ موقف قوي ضد أكل لحوم البشر، ومن ثم يمنعنا من قبول تحول مجتمعنا إلى مجتمع آكلي لحوم البشر [الكانيبالية"]49. يتضح كذلك التزام شتراوس بمصير الحضارة الإنسانية في قوله: "إن الحفاظ على التزامك يعني، من جملة ما يعنيه، الدفاع عنه ضد ما يعارضه، ليس بالأفعال فحسب، بل أيضًا بالكلمات. هناك حاجة على نحو خاص إلى تعزيز أولئك الذين يترددون في الالتزام بالقيم التي ندافع عنها. إن المترددين لا يعرفون بعد أي قضية يلتزمون بها، أو إذا ما كان عليهم أن يلتزموا بالحضارة أو بآكلي لحوم البشر [الهمجية"]50. ولعل هذه من المفارقات أيضًا التي تطرحها سوسيولوجيا فيبر إزاء أسئلة الحضارة المعاصرة التي تهددها الهمجية. ترجع أيضًا مفارقات فيبر إلى المفهوم الذي يستنبطه عن الموضوعية واللاتراجعية التاريخية، وهو ما يدعونا إلى تحديد قصده من هذين المفهومين. تحيل الموضوعية عنده إلى التداخل بين الذوات، علمًا أن الذاتية عنده تحيل إلى الأفكار القيمية من ناحية، وإلى ذاتية المؤرخ من ناحية أخرى. ولعل هذا ما يبرر اختلاف المؤرخين نتيجة لاختلاف علاقتهم بموضوع البحث، وفي هذا الصدد يقول توماس بيرغر Tomas Burger (2017–1933): "تمثل المعرفة التاريخية الفيبرية نوعًا من الموضوعية المكتوبة بمساعدة الذاتية، ولذلك ليس هناك مكان في هذا السياق لذاتية (الأفكار القيمية) دون موضوعية"51. أما مفهوم اللاتراجعية التاريخية عند فيبر، فيقصد به الاختيار الواعي والعقلاني لمسار التاريخ، لكونه خاضعًا لقوانين تحدد مسارًا غائيًا للحوادث التاريخية؛ فالبيروقراطية السياسية، على سبيل المثال، هي اختيار واعٍوتتويج للعقلنة السياسية، ويمثل التراجع عنها تراجعًا عن الديمقراطية التي هي تتويج لتطور التاريخ ومكتسبات الحداثة52. وعلى الرغم من نقد فيبر للنزعة الوضعية التي دشّنها كونت، من خلال تنبيهه إلى حدود الفلسفة الوضعية، بوصفها فيزياء للمجتمع، في فهم الظواهر الإنسانية، خصوصًا ما يتعلق منها بمسألة القيم، فإن فيبر يعدّ – بحسب قراءة شتراوس – تتويجًا للمنزع الوضعي، وذلك من جهتين: أولًا، لأن الوضعانية هي الوجه الآخر للتاريخانية، من حيث إنها نزعة نسبوية، لا تؤمن بالمبادئ المثالية والقيم الخالدة. وثانيًا، لأنها تمهد السبيل للعدمية، من حيث إن فيبر يدافع عن الإنسان بوصفه فردًا حرًا، ومن حقه أن يختار ما يريد، لا بوصفه فردًا عاقلًا، وينبغي له أن يعقل حريته بمجموعة من المثل القيمية والمبادئ المنطقية، التي من دونها نكون أمام نهاية المعنى، حيث تنتفي معايير التمييز بين الخير والشر، والحرب والسلم، والحق والباطل، والحياة والموت، والحضارة والهمجية.

  1. Ibid., p. 58.
  2. Ibid., p. 57.
  3. الشقيري، ص.86
  4. المرجع نفسه.

تتجلى كذلك النزعة الوضعية في فكر فيبر، على الرغم من المنعطف الذي أحدثه داخلها، في كونه يعلي من شأن العلم على حساب الفلسفة، معتبرًا أن الأول نجح إلى حد ما في فهم الظواهر الإنسانية، من خلال نزع السحر عن العالم، والقطع مع المثل المتعالية التي حجبت حقيقة الظواهر الإنسانية لقرون من الزمن، بينما الثانية تستند إلى بداهات لاتاريخية ولاواقعية، ومن ثم تكاد تكون نزعة شمولية أكثر منها تفكيرًا نقديًا يأخذ في الحسبان متغيرات التاريخ واختلاف الواقع53. يعقد شتراوس مقارنة بين فيبر وهنري بيرين Henri Pirenne (1935–1862)، معتبرًا أن أعمال الثاني أكثر صلابة من أعمال الأول، وتحديدًا في دراسته "نهاية العصر القديم وبداية العصر الوسيط"54. لكن يعترف شتراوس، في المقابل، بأن أعمال فيبر مارست سحرًا أكبر من أعمال بيرين؛ لأنها تنظر في الكيفية التي يفهم بها المعاصرون أنفسهم؛ الأمر الذي جعل عمل فيبر عملًا فلسفيًا بامتياز، أكثر مما هو سوسيولوجي، خصوصًا أن كتابه الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية أحدث، على غرار دراسات بيرين، ثورة في الرأي المعاصر بشأن الماضي55. يلفت شتراوس إلى أن الظاهرة الأكبر التي انصرف إليها اهتمام فيبر هي أصول العقلانية المعاصرة، وهو يرجعها إلى "المزج بين العلم الإغريقي من جانب، والتفكير المسيحي من جانب آخر"56. ويرد شتراوس أطروحة فيبر إلى التأثير النيتشوي، خصوصًا في كتابه جينيالوجيا الأخلاق، وتحديدًا الفصل الثالث منه، "ما دلالة المثل الزهدية؟"، حيث يعتبر أن "الحياة الحديثة تؤسس على زهد رئيس"57. وقد أدرك فيبر، بفضل نيتشه، "المسافة العميقة التي تفصل روح الرأسمالية عن الغرائز الطبيعية، وما يمكن الاصطلاح عليه بالرذيلة الطبيعية للمجتمع"58. من المعلوم أن فيبر يرد روح الرأسمالية إلى الكالفنية، وفي هذا الصدد يتساءل شتراوس عن دلالة هذه الروح، مرجعًا إياها إلى شيئين مختلفين: أولًا، التراكم اللامحدود لرأس المال واستثماره من أجل الربح بوصفه فضيلة أخلاقية. ثانيًا، يعتبر هذا التراكم اللامحدود واستثماره من أجل الربح غاية مقدسة في ذاتها59. يقرّ فيبر أنه أول من اكتشف المبدأ الثاني لروح الرأسمالية، حيث لم يسبقه إليه أحد في سياق سعيه للبحث عن الأسباب اللاعقلانية للرأسمالية، وهو يرفض السبب الأول؛ لأنه يؤول إلى نزعة نفعية من حيث هو مشروط بفضيلة أخلاقية تتمثل في تحقيق الخير العام الذي ينبغي أن يكون العمل لتحصيله أمرًا مقدسًا، لا مشروطًا بمنفعة خاصة أو عامة60.

  1. Strauss, Droit naturel et histoire , p. 81.
  2. Leo Strauss, La philosophie politique et l’histoire: De l’utilité et des inconvénients de l’histoire pour la philosophie , Olivier Sedeyn (Présentation et trad.) (Paris: L’librairie générale Française & Livre de Poche, 2008), p. 336.
  3. Ibid.
  4. Ibid.
  5. Ibid., p. 337.
  6. Ibid.
  7. Ibid.
  8. Ibid., p. 338.

يعترض شتراوس على الطرح الفيبري في خصوص نشأة الرأسمالية، معتبرًا أنه لا يمكن إنكار دور التقليد العلماني في نشأتها، الذي يبدأ من نيقولا مكيافيلي Nicolas Machiavel (1527–1469)، ويمتد إلى فرانسيس بيكون Francis Bacon (1626–1561) وتوماس هوبز Thomas Hobbes (1679–1588) وغيرهما من الفلاسفة الإنكليزيين61. ويدل هذا الاستدراك على أن ظهور الرأسمالية لا يمكن إرجاعه إلى دواعٍلاعقلانية فحسب؛ أي إلى أسباب دينية وثقافية، فالانحدار الديني، على سبيل المثال، كما تمثل في النزعة الإلحادية، قد يكون سببًا أيضًا في ظهور الرأسمالية أو الاشتراكية القومية62. ويستنتج شتراوس من نقده الطرح الفيبري في خصوص نشأة الرأسمالية أنه لا يمكن استبعاد التحليل الاقتصادي المادي في تفسير ظاهرة الرأسمالية التي هي "بحث عن فهم جديد للواقع الاجتماعي، وهو فهم واقعي بالمعنى الذي يقدم به الواقع الاجتماعي، ليس بما هو يؤسس على التقوى والفضيلة، إنما على العواطف والرذائل المفيدة اجتماعيًا"63. يرى شتراوس أن الإشكال الرئيس الذي تطرحه العلوم الاجتماعية عند فيبر يتمثل في صلتها بالقيم64. وقد سعى فيبر إلى معالجة إحدى الإشكالات الكبرى، وهي العلاقة بين الدين والعقل، من خلال موضوع العقلنة الدينية، الذي يهدف إلى علمنة النظام العام، ونزع السحر عن العالم، وإخضاع الدين لأسس عقلانية عبر ترشيده، بما يخدم المشروع الحداثي القائم على التقدم والقطيعة مع التراث القديم. وبهذا، يربط فيبر الحداثة بالعقلانية الغربية التي تتميز بنزع السحر عن العالم، من خلال تحريره من التصورات الدينية65، الأمر الذي ساهم في "علمنة الثقافة الغربية "66 بوصفها واحدة من السمت البارزة للحداثة. وتتأسّس هذه الحداثة على ركيزتَين: المشروع الرأسمالي، والجهاز البيروقراطي للدولة. وتتميز هاتان الركيزتان بتحويلهما إلى أنماط الفاعلية العقلانية من خلال النظر إلى غاياتها؛ أي الفعالية الاقتصادية للنظام الرأسمالي، والفعالية الإدارية للجهاز البيروقراطي للدولة67، وهو ما ترتب عليه مفهوم التحديث الذي يحيل عند فيبر إلى مجموع السيرورات التراكمية التي يقوي بعضها بعضًا، مثلما يحيل إلى تحويل الموارد إلى رؤوس أموال، وتطوير قوى الإنتاج، والرفع من إنتاجية العمل، وإنشاء السلطات المركزية، وتشكيل الهويات القومية، ويحيل كذلك إلى أشكال حياة الناس، والتعليم الذي يستفيد منه العموم، إضافة إلى "علمنة القيم والمعايير"68.

  1. Ibid., p. 339.
  2. Ibid.
  3. Ibid.
  4. Strauss, Droit naturel et histoire , p. 67.
  5. Jürgen Habermas, Le discours philosophique de la modernité: Douze conférences , Christian Bouchindhomme & Rainer Rochlitz (Trad. de lʼallemand) (Paris: Éditions Gallimard, 1988), p. 1.
  6. Ibid., p. 2.
  7. Ibid.
  8. Ibid., pp. 2–3.

ساهمت هذه التجليات في ظهور نظرية التحديث التي تنظر إلى نتائج الحداثة باستقلال عن أصولها الفكرية والثقافية؛ ما يوحي بنهاية الحداثة، في مقابل ميلاد ما بعدها، وهو ما يعبر عنه أرنولد جهلين Arnold Gehlen (1976–1904) بالقول: "مقدمات الأنوار ماتت، وحدها نتائجها تستمر في الفعل"69، وهي المقدمات نفسها التي أدت إلى دنيوة المعطى الديني، من خلال النظر إلى المسألة الدينية في ضوء العقل لا النقل. يعترض شتراوس على دعوى فيبر الرامية إلى معالجة المسألة الدينية في ضوء العقل؛ لأن العقل، ومن خلاله العلوم الإنسانية التي تسعى للاحتكام إليه لفهم إشكالية الدين وتقديم حلول مناسبة لها، يظل قاصرًا عن الإحاطة بهذه المسألة. ومن ثم فإن الأحكام التي يصدرها تبقى أقرب إلى الذاتية منها إلى الموضوعية ويقرّ شتراوس بأنّ إشكالية العلاقة بين العقل والدين تظلّ قائمة، ولا تجد حلًا حاسمًا في إطار العلوم الإنسانية المعاصرة، ولا سيما أنها تمثل الوجه الآخر للعلاقة بين أثينا وأورشليم (القدس)، بوصفها إشكالية متجذّرة في التاريخ وموسومة بالتوتر. غير أن هذا التوتر، في تأويل شتراوس، لا يمثل حالة سلبية، بل يُعدّ إيجابيًا. لذلك يرى أن أفضل علاقة بين أثينا وأورشليم، أو بين الفلسفة والدين، أو بين العقل والنقل، تتمثل في الإبقاء على هذا التوتر، بوصفه تعبيرًا عن غموض الإنسان وتعقيده، في مقابل المشروع الحداثي الذي يسعى إلى اختزاله في ذات شفافة أو في عقل تقني مستلب لمنطق العالم الحديث. يعتبر شتراوس أن المسألة الدينية في جوهرها مسألة قيم، وهي مسألة ذاتية بامتياز؛ فكيف، إذًا، تدّعي العلوم الإنسانية تحقيق الموضوعية إزاء ظواهر ذاتية؟ لعلّ هذا السؤال هو الذي جعله ينتقد الطرح الفيبري في خصوص المسألة الدينية، على الرغم من احترازاته المنهجية تجاه الظواهر الإنسانية، خصوصًا ما يتعلق منها بما هو ديني. يؤول الطرح الفيبري بشأن المسألة الدينية، بحسب شتراوس، إلى العدمية، وإن كان لا بد من الإشارة إلى أن رايموند آرون Raymond Aron (1983–1905) يبِّرِئ فيبر من هذه التهمة، بدعوى أنه لا يمكن اختزال العدة المفاهيمية والاحترازات المنهجية التي وضعها فيبر في أنها تؤدي إلى العدمية، وهذا ما يوضحه في تقديمه لمقالتَي فيبر عن العلم والسياسة70. ويبرر شتراوس تهمة العدمية عند فيبر بكونه يدعو إلى حل المشكلات التي تطرحها العلوم الاجتماعية أو الفلسفة الوضعية بلغة كونت، وتحكيم حرية الفرد؛ أي الاعتماد على الميول النفسية، والأحكام الذاتية، والمصالح الشخصية، فمن شأن هذا الطرح أن يؤدي إلى العدمية؛ إذ سيفتح الباب لأهواء الأفراد، بدلًا من القيم الخالدة، والمبادئ الكونية التي تؤسس للاجتماع البشري71. يؤكد شتراوس عدم ملاءمة المنهج الذي يعتمده فيبر في العلوم الاجتماعية لدراسة الظاهرة الدينية؛ ذلك أن الأخلاق البروتستانتية، وهي موضوع دراسته، تنتمي إلى مجال متعالٍ، في حين أن العلوم

  1. Ibid., pp. 3–4.
  2. Louis, p. 198.
  3. Strauss, Droit naturel et histoire , p. 50.

الاجتماعية تنطلق من منهج محايث للواقع. وهو ما يدعونا إلى التساؤل: كيف يمكن التوفيق بين موضوعٍ متعالٍ ومنهجٍ محايث؟ بل كيف يمكن ادّعاء الموضوعية في دراسة ظواهر ذاتية؟72. تدل الإشكالات التي تطرحها مسألة المنهج في العلوم الإنسانية على أن رهانها تجاه دراسة الظواهر الاجتماعية، خصوصًا الظاهرة الدينية والأخلاقية، هو رهان بعيد المنال، إن لم نقل إنه ضرب من المحال، على الرغم من العدة المنهجية المعقدة التي وظّفها فيبر لتحقيق هذا الغرض، وهو ما يجعل شتراوس يستخلص من نظره في الطرح السوسيولوجي لفيبر أن العلوم الاجتماعية تستند إلى أحكام قيمة، وأن العلاقة بالقيم تشترط تأويل عالم الاجتماع للظواهر، وهو ما يجعل شعار الموضوعية الذي ما فتئت تعتدّ به الوضعانية محلّ ريبة، ومدعاة للنظر والنقد73.

خاتمة

نستنتج مما تقدم أن الوضعانية هي نزعة علموية، بمعنى أنها ليست من صميم العلم، إنما هي مبالغة في تقدير نتائج العلم، إلى الحد الذي صار العلم لا يسعى لتحقيق معرفة خالصة؛ أي معرفة من أجل المعرفة، بل صار لا يفكر، على حد تعبير هايدغر، إنما هو وسيلة للهيمنة على الطبيعة والإنسان. وقد ترتب على النزعة العلموية للوضعانية أزمة مزدوجة؛ أزمة إيكولوجية تتمثل في اختلال التوازن البيئي، من خلال استنزاف ثروات البر والبحر والجو، وأزمة إنسانية من خلال تحرير الإنسان من غموضه، وجعله نسخة شفافة، أو موضوعًا قابلًا للدراسة، مثله في ذلك مثل قطعة من الحديد، أو بول الأرانب، إلى غير ذلك من مواضيع العلوم الطبيعية. وهو ما يجعل الإنسان ليس في مأمن من التنميط والنمذجة، بل يجري تسخيره لخدمة أغراض تتعارض مع الرهانات الإنسانية والحضارية. تشكل النزعة الوضعية ارتدادًا عن شعارات الحداثة التي كانت تسعى لتحقيق الرخاء والحرية للإنسان؛ إذ سرعان ما صار الرخاء خرابًا، مثلما صارت الحرية عبودية، نتيجة لسيادة نزعات شمولية تقضي على فرادة الإنسان، مستثمرة في ذلك الثورة التكنولوجية والعلمية للزمن الحديث. ويرجع النقد الشتراوسي للنزعة الوضعية إلى حواره الفكري والنقدي مع مفكرين رئيسين من أعلام الفكر المعاصر؛ هما: فيبر الذي سعى لفهم ظاهرة الرأسمالية التي ميزت العصر الحديث، ومحاولة رفع السحر عن العالم، من خلال سوسيولوجيا الفهم؛ وهايدغر الذي عمل على تقويض الميتافيزيقا من خلال نقد العقل التقني. وينتقد شتراوس فيبر في مسعاه الأول؛ حيث عمد إلى تفسير الرأسمالية، بوصفها ظاهرة اقتصادية وسياسية، وتعبيرًا عن صراع مادي في الأساس، بردها إلى عوامل ثيولوجية، وتحديدًا إلى التعاليم البروتستانتية، وهو عامل ليس من جنس ظاهرة الرأسمالية، وكذلك ينتقده شتراوس في مسعاه الثاني، فقد عمد إلى موضعة القيم الإنسانية، والحال أن القيم من جنس الموضوعات الأخلاقية، وليست من جنس الموضوعات الطبيعية، ومن ثم فهي ليست قابلة للتفسير العلمي أو الفهم

  1. Louis, p. 205.
  2. Ibid., p. 208.

السوسيولوجي، وهو ما يجعل مساهمة فيبر، على الرغم من إشادة شتراوس به، تعكس حدود العلوم الإنسانية والاجتماعية في فهم الظواهر الإنسانية، سواء أكانت سياسية أم أخلاقية أم دينية. ولا يرجع شتراوس ظهور الرأسمالية إلى أسباب دينية أو ثقافية، كما يفسر فيبر، إنما إلى أسباب علمانية، ترتبط بما يسميه الانحدار الديني؛ أي التخفيف من سقف المطلب الديني، واعتباره يُدرج ضمن الحرية الفردية التي تشمل حرية التصرف والتملك والفعل بوصفها قوام النظام الرأسمالي؛ لذلك يمكن تفسير هذا النظام، بحسب شتراوس، من خلال العودة إلى الإرث الفلسفي الحديث، ونخص بالذكر مكيافيلي أو هوبز أو بيكون، أو غيرهم من الفلاسفة الإنكليز الذين أسسوا لمنزعٍ علماني يفسر ظهور النظام الرأسمالي، وظهور الاشتراكية القومية أيضًا؛ وهو ما يعني أننا لا يمكن أن نفسر الأنظمة الاقتصادية بالبحث في الأسباب اللاعقلانية، سواء أكانت دينية أم ثقافية، إنما بالعودة إلى العقلانية الحديثة. يعتبر شتراوس أنه مثلما لا يمكن تفسير ظاهرة مادية في عمقها، من قبيل الرأسمالية، وذلك بإرجاعها إلى محددات لاعقلانية، دينية أو ثقافية، فإنه ليس من المناسب أيضًا تفسير الظواهر الإنسانية، من قبيل الظاهرة الدينية في ضوء العلوم الإنسانية والاجتماعية؛ إذ كيف يمكن إدراك ما هو ذاتي وقيمي ومتعالٍبوساطة علوم تقتفي نموذج العلوم الطبيعية، القائم على الموضوعية والواقعية والمحايثة؟ يظهر بجلاء استلهام شتراوس مقاربة هايدغر في نقد النزعة الوضعية، فالأخير ينبه إلى أن العصر الحديث هو عصر سيادة التقنية، لكن ليس بوصفها وسائل لتحقيق الرخاء الإنساني، كما يعتقد الطرح الأنثروبولوجي الأداتي، إنما بوصفها ميتافيزيقا العصر74، حيث إنها جعلت العلم ينتقل من "بردايم" المعرفة من أجل المعرفة، إلى المعرفة من أجل الهيمنة والسيطرة والتحكم؛ أي إن العلم لم يبقَ معرفة محايدة كما كان في التقليد القديم، إنما صارت إرادة المعرفة لا تنفصل عن إرادة السلطة، بل صارت إرادة السلطة توجّه العلماء لخدمة أجندات لا صلة لها أحيانًا بمساعي العلم، وهذا يهدد بظهور نزعات شمولية، سواء باسم نهاية التاريخ، كما تجلى في النزعة التاريخية، أو باسم نهاية القيم والأخلاق وموت الله، كما تجلى في النزعة العدمية75. لا شك في أن النقد الفلسفي للمنزع الوضعي هو نقد له أهميته، حيث إنه يبقي على مسافة نقدية للتفكير في نتائج العلم، والسعي لتوجيهه خدمة للحضارة الإنسانية، إلا أن النقد الشتراوسي في نظرنا يغفل

  1. ينظر: مارتن هايدجر، كتابات أساسية، الجزء الثاني، ترجمة وتحرير إسماعيل المصدق (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،
  2. للتعرف إلى مقاربة شتراوس لمسألة العدمية، نحيل إلى: Leo Strauss, Nihilisme et Politique , Olivier Sedeyn (Trad. de l’anglais et présenté) (Paris: Editions Payot et Rivages, ولمزيد من التفاصيل في خصوص المسألة نفسها، ينظر: عبد الرحيم رجراحي، "نقد العدمية واستئناف المعنى في الفلسفة السياسية لليو شتراوس"، مجلة كتابات فلسفية، العدد  3 (202570–56)، ص؛ يجدر الإشارة إلى أن شتراوس يعتبر العدمية ظاهرة ألمانية، ترتبط في الأصل بالمدنية لا بحالة البربرية؛ إذ إن العدمي في نظره هو من يرفض مبادئ الحضارة وهو محيط بها ولو نسبيًا، لا ذلك المتوحّش الذي يرفض الحضارة عن جهل لا عن علم. ينظر: , p. 25 Nihilisme et Politique.Strauss,

السياق التاريخي للوضعانية بوصفها تتويجًا لمكتسبات العقل الحديث الذي تحرر من وصاية الكهنوت، ومن حتميات الطبيعة، محاولًا موضعة الطبيعة للتحكم في قوانينها، والتنبؤ بظواهرها، ودراسة الظواهر الإنسانية دراسة موضوعية، تنأى عن الأحكام القيمية، وهو ما يجعل نقد شتراوس للوضعانية قد يبدو نقدًا محافظًا، يمكن أن يستغلّه أعداء العلم لتبرير تصورات للعالم والإنسان عفا عليها الزمان76. وبناءً على ما سبق، يتبيّن أن المشروع الشتراوسي لم يكن مشروعًا رجعيًا، إنما هو مشروع نقدي، يعيد النظر في المبادئ المؤِّسِسة للخطاب الحداثي، فهو لا يرفض الحداثة، وإنما يسائل ما نسيته، أو ما قطعت معه، أو ما لم تفكر فيه، أو ما انفلت منها. وهذا النوع من التفكير هو أمر مشروع إذا ما أخذنا في الحسبان أن الحداثة ليست مرحلة تاريخية عفا عليها الزمان، إنما هي موقف من الحاضر77 يحتاج إلى إعادة النظر بصفة دائمة، تفاديًا للتحجّر الفكري أو التعصب المذهبي اللذين يقصيان الحق في الاختلاف بوصفه أحد المبادئ المؤسسة للفكر الحديث ذاته. ويبقى أن نعترف في خاتمة هذه الدراسة، أن مشروع شتراوس الفلسفي يظلّ عرضة للتأويل، ولا سيما أن صاحبه فيلسوف باطني78؛ أي لا يصِّرِح بأفكاره علانية، خوفًا من الاضطهاد الذي وسم تاريخ الفلسفة منذ سقراط79، ومرورًا بأبي الوليد ابن رشد (1198–1126)، ووصولًا إلى باروخ سبينوزا

  1. انتقدت شادية الدروري النزعة التشاؤمية التي يتبنّاها شتراوس إزاء الوضعانية والحداثة السياسية عمومًا، ورَّدَت هذه النزعة إلى تأثره بأطروحات أزفالد شبينغلر وكارل شميت وإرنست يونغر وهايدغر، وغيرهم مَّمَن تطلق عليهم وصف "الرجعيين الرومانسيين"، بوصفهم يعيشون على ماضٍ مسكون بالوهم والسحر؛ الأمر الذي يجعلهم يلقون باللائمة على الحداثة، نظرًا إلى كونها، بلغة فيبر، نزعت السحر عن العالم، وحَّرَرته من الوهم. ينظر: شادية الدروري، خفايا ما بعد الحداثة، ترجمة موسى الحالول (سورية: دار الحوار للطباعة والنشر والتوزيع، 2006)، ص 182. وتذهب الدروري أيضًا إلى أن نقد شتراوس وغيره للحداثة، لم يكن نقدًا عقلانيًا، إنما كان نقدًا جماليًا؛ إذ إَّنَ الحداثة في نظرهم نزعت عن العالَم غموضه الذي يعطيه معنى، وجعلته أرضًا عارية وشَّفَافة قابلة للاستغلال، ورهن إشارة الإنسان، وهو أمر ساهمت فيه التقنية، بما هي ميتافيزيقا العصر الحديث التي تقوم على الهيمنة والسيطرة، بدلًا من التفكير والتأمل. وترى الدروري أَّنَ شتراوس وغيره من المفكرين المومئ إليهم، ليسوا فلاسفة، بما تعنيه الفلسفة من تحكيم للعقل، والنأي عن المبالغة في تقدير الأشياء، إنما هم بالأحرى أنبياء، سواء للقدَر المشؤوم، أم الوعد المأمول، وفي ذلك تقول: "بينما يشيرون [تقصد شتراوس ومن أشرنا إليهم] إلى مؤِّشِرات ظلامية لا شكل لها، تنبئ بقدوم الكارثة، نجدُهم أيضًا يطرحون إمكانية بعيدة لقيامة جديدة". المرجع نفسه، ص.182
  2. تجدر الإشارة إلى أن وجهة نظرنا هذه تستند إلى تصورين أساسيين:  الأوللجون بودريار الذي يعتبر أن الحداثة موقف من الحاضر والماضي، إضافة إلى أنها استشراف للمستقبل؛ فهي لا ترتهن لأي مرحلة تاريخية أو تشُّيُع مذهبي، إنما هي "موقف ترتسم معالمه على نحو متحِّرِك ومنفتح ومتجدد وفق كل تجربة تخُّصُ العلاقة بالعصر". ينظر: ميشيل فوكو، "بين كانط وبودلير: الحداثة كموقف "، ترجمة مصطفى لعريصة، مجلة مقدّمات، العدد  31 (2004)، ص 15 لميشيل (ينظر توضيح المترجم في الهامش). والثاني فوكو، حيث إنه يلح، مقتفيًا أثر بودريار، على ربط الحداثة بالموقف، وهو تصور يرفض الحداثة بوصفها مرحلة تاريخية، حيث تكون الحداثة "مسبوقة بما 'قبل حداثة' تتمَّيَز بالسذاجة والتقادم، ومتبوعة 'بما بعد حداثة' غامضة ومحِّيِرة". ينظر: المرجع نفسه، ص.20
  3. لمزيد من التفاصيل بشأن الفلسفة الباطنية، ينظر: Leo Strauss, La persécution et l’art d’écrire , OlivierBerrichon–Sedeyn (trad.) (Paris: Presses pocket, 1989).
  4. يولي شتراوس أهمية بالغة لسقراط بوصفه أوّل فيلسوف بالمعنى الأصيل، فهو مؤسس الفلسفة السياسية، وهي فكرة يدافع عنها في مواقع متعددة من متنه، ونكتفي في هذا الهامش بالإشارة إلى حكم صريح له، حيث يقول: "سقراط [...] هو مؤِّسِس الفلسفة السياسية". ينظر: Leo Strauss, Socrate et Aristophane , Olivier Sedeyn (trad. de l’anglais et présenté) (Paris: Édition de l’éclat, 1993), p. 4; على الرّغم من أن سقراط لم يكتُب شيئًا يذكر، فإن شتراوس يعتمد على مصادر دَّوَنت خطاباته، ونقصد أفلاطون وكزينوفان وأرستوفان وأرسطو، وهو ما يوضحه بتفصيل في فصول المرجع المذكور.

Baruch Spinoza (1677–1632) وشتراوس. وهو أمر يرجع إلى التوتر الدائم بين الحقيقة والرأي، والفيلسوف والمجتمع، والخاصة والعامة، والفلسفة والدين، وأثينا والقدس. ووفقًا لشتراوس، ينبغي المحافظة على هذا التوتر، من حيث هو شاهد على تعقد الوضع البشري، لا تجاوزه، والقضاء عليه، وحلّه في ضوء نزعات وضعية تسعى للتحكم في الشرط الإنساني والهيمنة عليه. وهذا يعني أن مسعانا في هذه الدراسة لم يكن أمرًا يسيرًا، إنما فرض علينا الإحاطة بالمتن الشتراوسي أولًا، مع احتراسنا، ثانيًا، من التأويلات المغرضة التي يمكن أن تلحقه، من دون ادعائنا أننا وفينا هذا الموضوع حقه، وهو ادعاء يسقطنا في المنزع الوضعي الذي ننتقده، ويبعدنا عن مرامي الفكر الشتراوسي الذي ندافع عن مبادئه.

المراجع References

العربية

الدروري، شادية. خفايا ما بعد الحداثة. ترجمة موسى الحالول. سورية: دار الحوار للطباعة والنشر والتوزيع،.2006 ديكارت، رينه. مقالة الطريقة: لحسن قيادة العقل وللبحث عن الحقيقة في العلوم. ترجمة جميل صليبا. بيروت: المكتبة الشرقية،.1970 الدين والسياسة من منظور فلسفي. إشراف محمد المصباحي. المغرب: منشورات مؤسسة الملك عبد العزيز وكلية الآداب والعلوم الإنسانية،.2011 رجراحي، عبد الرحيم. "نقد العدمية واستئناف المعنى في الفلسفة السياسية لليو شتراوس". مجلة كتابات فلسفية. العدد).2025(3 الشقيري، عبد المنعم. العقلنة عند ماكس فيبر. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 عثمان، طارق. "نزعة سلفية: الحداثة من منظور ليو شتراوس". دورية نماء لعلوم الوحي والدراسات الإنسانية. العدد  1 (خريف.)2016 عماد، حنين. الفكر السياسي عند ليو شتراوس. بيروت: دار الرافدين،.2017 فاروق، أحمد. الفلسفة والشريعة: ليو شتراوس ونقد الحداثة. القاهرة: دار رؤية للنشر والتوزيع،

فيبر، ماكس. الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية. ترجمة محمد علي مقلد. بيروت: مركز الإنماء القومي، [د. ت.]. _______. رجل العلم ورجل السياسة. ترجمة نادر ذكرى. بيروت: دار الحقيقة،.1982

محمد، كريم. "أزمة الحداثة السياسية من منظور ليو شتراوس في موجات الحداثة الثلاث". معهد العالم للدراسات، 2018/5/19:. في https://acr.ps/hBy2sZ0 هايدجر، مارتن. كتابات أساسية. ترجمة وتحرير إسماعيل المصدق. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2003

الأجنبية

Behnegar, Nasser. Leo Strauss, Max Weber, and the Scientific Study of Politics. Chicago: The University of Chicago Press, 2003. Comte–Sponville, André. Dictionnaire philosophique. Paris: Édition Puf, 2013. Habermas, Jürgen. Le discours philosophique de la modernité: Douze conférences. Christian Bouchindhomme & Rainer Rochlitz (trad. de l’allemand). Paris: Éditions Gallimard, 1988. Louis, Adrien. Leo Strauss, philosophe politique. Paris: CNRS, 2019. Stevenson, Jay. La philo, une histoire de la philosophie de Socrate à nos jours: Pour connaitre les grands courants de pensée et acquérir un peu de sagesse. Paris: Marbout,

Strauss, Leo.  Droit naturel et histoire. Monique Nathan & Éric de Dampierre (trad. de l’anglais). Paris: Éditions Flammarion, 1986. _______. La persécution et l’art d’écrire. OlivierBerrichon–Sedeyn (trad.). Paris: Presses pocket, 1989. _______. Le libéralisme antique et moderne. Olivier Breeichon Sedeyn (trad. de l’American). Paris: Presses Universitaires de France, 1990. _______. La renaissance du rationalisme politique classique. Conférences et essais réunis et présentés par Thomas L. Pangle. Pierre Guglienina (trad. de l’anglais et postface). Paris: Gallimard, 1993. _______. Socrate et Aristophane. Olivier Sedeyn (trad. de l’anglais et présenté). Paris: Édition de l’éclat, 1993. _______. Nihilisme et Politique. Olivier Sedeyn (trad. de l’anglais et présenté). Paris: Editions Payot et Rivages, 2001. _______. La philosophie politique et l’histoire: De l’utilité et des inconvénients de l’histoire pour la philosophie , Olivier Sedeyn (présentation et trad.). Paris: L’librairie générale Française & Livre de Poche, 2008.