العودة إلى تفاصيل المؤلَّف كيف يكون هذا البحثُ فلسفيًّا؟

كيف يكون هذا البحثُ فلسفيًّا؟

How Is This Paper Philosophy?

كريستي دوتسون *

Kristie Dotson *

ترجمة: علي حاكم صالح **

Ali Hakim Salih **

الملخّص

هذا البحث هو استجابة لدعوة وجّهتها أنيتا أَلِن تحثُّ فيها على تقديم تقييم أصيل لمدى قدرة حقل الفلسفة على توفير الدعم لعملِ أناسٍ متنوعين. ومن خلال تشخيص ثقافةٍ تسويغيةٍ سائدةٍ في الفلسفة الاحترافية، أميّز الطرائق التي تجعل الكثيرين ينفرون من هذه الفلسفة بوصفها بيئة عمل. ونظرًا إلى العيوب التي تكتنف ثقافة التسويغ السائدة في الفلسفة الاحترافية، فإنّني أتصدى للدفاع عن نظرة ترى حقل هذه الفلسفة ثقافةً للممارسة. وأعمل، في الأخير، على مقارنة من خلال توظيف تعريف غراهام بريست للفلسفة، وملاحظات أودري لورد عن حدود التنظير الفلسفي، من أجل تبيان الكيفية التي يمكن من خلالها أن يُفهما بوصفهما اشتغالين فلسفيين يجسدان التحول نحو ثقافة تتخذ من الممارسة منظورًا لها.

Abstract

Abstract: This paper answers a call made by Anita Allen to genuinely assess whether the field of philosophy has the capacity to sustain the work of diverse people. By identifying a pervasive culture of justification within professional philosophy, I gesture to the ways professional philosophy is not an attractive working environment for many diverse practioners. As a result of the downsides of the culture of justification that pervades professional philosophy, I advocate that the discipline of professional philosophy be cast according to a culture of praxis. Finally, I provide a comparative exercise using Graham Priestʼs definition of philosophy and Audre Lordʼs observations of the limitations of philosophical theorizing to show how these two disparate accounts can be understood as philosophical engagement with a shift to culture of praxis perspective.

الكلمات المفتاحية:
  • الفلسفة الاحترافية
  • التنوع الثقافي
  • ثقافة التسويغ
  • ثقافة الممارسة
  • الاستثنائية
Keywords:
  • Professional Philosophy
  • Diversity
  • Culture of Justification
  • Culture of Praxis
  • Exceptionalism

كريستي دوتسون| Kristie Dotson * ترجمة: علي حاكم صالح | Ali Hakim Salih **

لمدى قدرة حقل الفلسفة على توفير الدعم لعملِ أناسٍ متنوعين. ومن خلال تشخيص ثقافةٍ

تسويغيةٍ سائدةٍ في الفلسفة الاحترافية، أميّز الطرائق التي تجعل الكثيرين ينفرون من هذه

الفلسفة بوصفها بيئة عمل. ونظرًا إلى العيوب التي تكتنف ثقافة التسويغ السائدة في الفلسفة

الاحترافية، فإنّني أتصدى للدفاع عن نظرة ترى حقل هذه الفلسفة ثقافةً للممارسة. وأعمل،

في الأخير، على مقارنة من خلال توظيف تعريف غراهام بريست للفلسفة، وملاحظات

أودري لورد عن حدود التنظير الفلسفي، من أجل تبيان الكيفية التي يمكن من خلالها أن

يُفهما بوصفهما اشتغالين فلسفيين يجسدان التحول نحو ثقافة تتخذ من الممارسة منظورًا لها.

"ليست الفلسفة من شأن النساء السوداوات، إنها لعبةُ الرجل الأبيض" المرشد التربوي للطلبة في كلية السود الأميركيين التاريخية Historically Black College).2009(

أولا: مدخل

ذات مرة، خاضت شقيقتي الصغرى، أِلكسيس فورد، حديثًا مع مرشدها التربوي عندما كانت طالبة في كلية السود التاريخية.

المرشد التربوي: لمَ لا تعمَلين في الخدمة الاجتماعية؟ِ أِلكسيس: الخدمة الاجتماعية جيدة، ولكنّني مهتمة بالفلسفة.ِ المرشد التربوي (ضاحكًا بسخرية): ليست الفلسفةُ من شأن النساء السوداوات، إنها لعبةُ الرجل الأبيض. أِلكسيس: أختي الكبرى أستاذةُ فلسفة.ِ المرشد التربوي: حسنًا، لعلها الوحيدة، وهذا أمرٌ لا بدّ من أنه يقول لك شيئًا ما.)2009(

لن تغيب عن ذاكرتي هذه الحادثة عندما نُقلت لي. حينئذ، ذُهلت وارتحت في سكون في الوقت نفسه. اشمأزت نفسي من تلك التعليقات التي تعمّدت تسفيه اهتمامات شقيقتي، لا لشيء إّلا لأنّها امرأةٌ

سوداء. ولكنني، بصراحة، شعرت بارتياح لأنّ هذه المقاومة التي أبدتها شقيقتي جعلتها تعيد النظر جدًّيًا في الفلسفة مهنةً لها. لم أكن متأكدة، آنذاك، من أنّني سأوصي بالفلسفة الاحترافية مهنةً. ولقد

اتضح لي، في أحاديثي اللاحقة مع أِلكسيس، أنّه مهما كانت كلمات المرشد التربوي مُسيئةً وبذيئةً،

وهي كذلك فعلًا، فقد شعرتُ بانزعاج؛ شعرت بأنّ شيئًا ما يتكرر حدوثه دائمًا. فالفلسفة يُنظر إليها

على أنّها "لعبة الرجل الأبيض". وبسبب هذا الانطباع، غالبًا ما كان يكتسحني شعور بعدم التوافق؛ إذ

على الرغم من أنني، من دون شكّ، لستُ الأستاذة السوداء الوحيدة في الفلسفة، كما افترض المرشد

التربوي ساخرًا، فإنّ عددنا لا يزال قليلًا جًّدًا. فبحسب كاثرين ج نز Kathryn Gines، فإنّ عدد النساء

السوداوات الحاصلات على الدكتوراه في الفلسفة واللواتي يعملن في أقسام الفلسفة في أميركا الشمالية أقل من 30 امرأة. وإذا ما أحصينا عدد النساء السوداوات اللواتي لديهن مساهمات بحثية في مجال النسوية السوداء، وهو أحد مجالات بحثي الرئيسة، والحاصلات على الدكتوراه في الفلسفة واللواتي يعملن في أقسام الفلسفة، فإنّ هذا العدد سينخفض على نحو ملحوظ إلى حوالى 8 نساء. وهذه الأرقام، كما يلمّح المرشد التربوي، تدلّ على شيء ما، ولكن ما هو؟ دعت أنيتا ل. أ لَنِAnita L. Allen إلى التساؤل بصدق عن السبب الحقيقي الكامن في قلة النساء السوداوات العاملات في مجال الفلسفة الاحترافية في الولايات المتحدة الأميركية. ودعت، على وجه التحديد، إلى تقييم حقيقي لمزايا اتخاذ النساء السوداوات الفلسفةَ مهنةً. وتساءلت:

(1) Kathryn T. Gines, "Being a Black Woman Philosopher: Reflections on Founding the Collegium of Black Women Philosophers," Hypatia , vol. 26, no. 2 (2011), p. 435.

مع بالغ الاحترام، ما الذي يمكن أن تقدّمَه الفلسفةُ إلى النساء السوداوات؟ لا يظهر لي في الفلسفة شيءٌ

فريد يمكن أن يُقَدَّم إلى النساء السوداوات اليوم. وإنني أقول قولي المثير هذا كي أحمّل الفلسفة ذاتها عبء

أن تشرح سبب كونها نافعة إلى حٍّدٍ كافٍ، فلقد سئمنا الاضطرار الدائم إلى شرح أننا مؤهلاتٌ لهذا الحقل

المعرفي، على نحو كافٍ، وإثبات ذلك.

الشك الذي تبديه أِلَن يُشبه الشكّ ذلك الذي ظهر في "نصيحة" المرشد التربوي، وعلى الأرجح هو

شك ذو صلة وثيقة بشعوري بالراحة الذي غمرني عندما قررت شقيقتي اختيارَ مهنةٍ مختلفة. ولعلنا

جميعًا، أنا وَأِلَن والمرشد التربوي، نشك بعمق في قدرةِ الفلسفة الاحترافية على توفير بيئةٍ مناسبةٍ

لازدهار النساء السوداوات، وإن كان لكِّلِ واحدٍ منّا سببٌ مختلف كلًّّيًا. وهذه الشكوك، التي نعيها

أنا وأِلن، وإن كان الراجح عندي أنّ المرشد التربوي لا يعي ما نعيه، لا تتمحور حول كون النساء

السوداوات مؤهلاتٍ على نحو كافٍ لممارسة الفلسفة. بطبيعة الحال، نحن مؤهلات. لكننا نشك

فيما إذا كانت البيئةُ التي توفرها الفلسفةُ الاحترافيةُ مناسبةً لنا. إنّ الدعوة التي وجهتها إلينا أِلن للتدقيق في قدرة بيئة الفلسفة الاحترافية على تعزيز نجاح النساء السوداوات تمثّل في حد ذاتها تحولًا مهًّمًا من

تسويغات Justifications الفلسفة السوداء، والفلسفة الأفريقية، و/ أو الفلاسفة السود، إلى مساءلة الشروط التي تيِّسِر نجاح الممارسين المتنوعين في الفلسفة الاحترافية في حد ذاتها أو تعوّقها. ينسجم تحويل أِلن لبؤرة التركيز مع إفادة روبرت سولومون أنّ "تمحيصنا النقدي يجب أن يتجه اليوم إلى كلمة 'فلسفة' نفسها [...] لنُظهرَ أنّ ما كان يُفهم في يوم من الأيام على أنّه مفهوم تحرّري

أصبح اليوم تقييدًّيًا وقمعيّا ويصدر عن نظرة مركزية عِرقية". ويدعو سولومون، في هذا السياق، إلى

مساءلة التعريفات الشائعة المتعلّقة بالفلسفة، التي قد تستبعد منظوراتٍ متنوعةً أو تقمعها. وتلفت

أِلَن، وكذلك سولومون، الانتباه إلى احتمال أن توفرَ الفلسفة الاحترافية شروطًا غير ملائمة لأناس

متنوعين ومنظورات متنوعة. واستجابةً للدعوة إلى تقييم بيئة الفلسفة الاحترافية واحتمالية وجود تصورات للفلسفة ذات طابع تقييدي، فإنّني أعمل على أن أقيّم تقييمًا حقيقيًا إمكان التمتع بالدعم

في هذه الفلسفة بوصفي ممارِسةً من نوع مختلف Diverse Practitioner. وأعني بعبارة "ممارِسة

من نوع مختلِف للفلسفة" تلك الفئات من الناس الذين لطالما كانوا، على نحو لا تخطئه العين، هامشيين في الفلسفة الأكاديمية الغربية. وبناءً على ذلك، فإنّ استعمالي لمصطلح "التنوّع" Diversity

لا يشمل التنوّع العِرقي والإثني والجندري والجنسي والقدرات فحسب، بل يشمل أيضًا مقتربات

(2) George Yancy, African–American Philosophers: 17 Conversations (New York: Routledge, 1998), p. 172. (3) William R. Jones, "The Legitimacy and Necessity of Black Philosophy: Some Preliminary Considerations," The Philosophical Forum , vol. 9, no. 2–3 (1977–1978); Cornel West, "The Black Underclass and Black Philosophers," in: Fred Lee Hord & Jonathan Scott Lee (eds.), I Am Because We Are: Readings in Black Philosophy (Amherst: University of Massachusetts Press, 1995), pp. 356–366; Lucius Outlaw Jr. & Michael D. Roth, "Is There a Distinctive African American Philosophy?" Academic Questions , vol. 10, no. 2 (1997), pp. 29–45; Lucius Outlaw Jr., "African, African American, Africana Philosophy," in: John P. Pittman (ed.), African–American Perspectives and Phiosophical Traditions (New York: Routledge, 1997), pp. 63–93. (4) Robert Solomon, "'What Is Philosophy?' the Status of World Philosophy in the Profession," Philosophy East and West , vol. 51, no. 1 (2001), p. 101.

متنوعة متعلّقة بالفلسفة؛ مثل المقتربات الشرقية والتطبيقية والمشاركة والحقلية والميدانية والعمومية والتجريبية والأدبية، وغيرها. وعلى الرغم من أنّ التحديات الخاصة في الفلسفة الاحترافية قد تختلف بين فئات الناس، فإنّ التحديات العامة التي تفرضها بيئة هذه الفلسفة والتعريفات الضيّقة للفلسفة هي تحديات متشابهة. يمكن فهم مشاغلي في بيئة الفلسفة الاحترافية والتعريفات الضيّقة للفلسفة من خلال إثارة السؤال "كيف يكون هذا البحث فلسفيّا؟". ولا بدّ من القول إنّني لست مشغولةً بإيجاد إجابات مناسبة عن هذا السؤال، بل إنّ ما يشغلني هو نوع الثقافة الأكاديمية التي تجعل هذا السؤال في غاية الأهمية. وأرى، على وجه التحديد، أنّ السؤال "كيف يكون هذا البحث فلسفيّا؟" يُظهر شرطًا واحدًا، على الأقل، يسود الفلسفة الاحترافية؛ وأعني بذلك ثقافة التسويغ A Culture of Justification. وطرح السؤال على هذا النحو يفترض وجود مجموعة من السوابق التاريخية الشائعة والوثيقة الصلة، والتي يمكن استعمالها لتقييم الإجابات، بل التي ينبغي تكوينها كذلك. واستنادًا إلى مجموعة السوابق المعيارية

والتاريخية المفترضة، يكشف السؤال "كيف يكون هذا البحث فلسفيّا؟" عن قيمةٍ تمنحُ أداءاتٍ و/ أو

سردياتٍ الشرعيةَ. ويشير مفهوم الشرعية Legitimation، في هذا السياق، إلى الممارسات والعمليات التي تهدف إلى تقييم مدى توافق معتقد أو ممارسة و/ أو عملية ما مع المقاييس والأنماط المقبولة؛ أي معايير التسويغ. وبناءً على ذلك، فإنّني أرى أنّ ثقافة التسويغ تَعُدُّ الشرعيةَ عمليةَ التدقيق قبل الأخيرة؛ إذ ليست الشرعية سوى نوع واحد من بين العديد من عمليات التدقيق. أتكلم فيما يأتي على آلية مسؤولة عن قلة المساهمين المتنوعين في الفلسفة الاحترافية. وأشدد على أنّ بيئة الفلسفة الاحترافية تُظهر أعراض ثقافة التسويغ؛ أي ثقافة تُعلي من شأن الشرعية وفقًا لمعايير تسويغية مشتركة ومتينة الصلة تعمل على تضخيم الممارسات الاستثنائية ومشاعر عدم التوافق الموجودة فعليّا داخل المهنة. وأزعم، على نحو رئيس، أنّ بيئة الفلسفة الاحترافية، لا سيّما في

الولايات المتحدة، تشتمل على أعراض ثقافة التسويغ؛ ما يخلق بيئة عملٍصعبة بالنسبة إلى العديد من الممارسين المتنوعين. وأتفق مع تقييم أِلن المتمثّل في أنّ الفلسفة الاحترافية هي ببساطة ليست بيئةً

(((تجدر الإشارة إلى أنني لا أركز، في هذا السياق، على أسباب عدم انجذاب فئات متنوعة، كالتنوع العرقي والإثني والجندري والجنساني والقدرات، إلى الفلسفة بوصفها مسارًا مهنًّيًا؛ إذ توجد حدود اجتماعية وسياسية وطبقية تعوّق اختيار الفلسفة الاحترافية

مهنةً، ولا ينبغي إغفالها، ينظر:

Anita L. Allen et al., "Situated Black Women’s Voices in/on the Profession of Philosophy," Hypatia , vol. 23, no. 2 (2008), pp. 160–189; Carlos Sanchez, "Philosophy and Post–Immigrant Fear," Philosophy and the Contemporary World , vol. 18, no, 1 (2011), pp. 31–42; Graci, Hispanic/Latino Identity.

بل إنني أهتم تحديدًا ببيئة الفلسفة الاحترافية بالنسبة إلى الممارسين المتنوعين الذين اختاروا الفلسفة مهنةً لهم. ومع ذلك، لن

يتعاطف جميع من يندرجون تحت تعريف المماِرس المتنوع مع المشكلات التي أسلّط الضوء عليها. في الواقع، قد يكون الكثير

من الفلاسفة العاملين حالًّيًا، والذين يمثلون فئات غير ممثلة تمثيلًا كافيًا، والذين يُنظر إليهم تقليدًّيًا على أنهم متنوعون، راضين كلًّيًا

عن الوضع الراهن، لكنّ أعدادهم قليلة. وينصب تركيزي، هنا، على دراسة الظروف التي تُبقي هذا العدد قليلًا.

مغريةً للعديد من الممارسين المتنوعين. ولمعالجة ثغرات ثقافة التسويغ الشائعة في هذه الفلسفة،

أدعو إلى تحوّلٍفي الثقافة المتخصّصة من ثقافة التسويغ إلى ثقافة الممارسة Praxis. يتكوّن هذا البحث من خمسة أجزاء؛ ففي الجزء الأول، أعرّف مصطلح "ثقافة التسويغ"، في إيجاز.

وفي الجزء الثاني أشخّص أعراض ثقافة التسويغ في بيئة الفلسفة الاحترافية. وفي الجزء الثالث، أبيّن

نوع الاستثنائية وعدم التوافق اللذين تضخمهما هذه الثقافة. أمّا في الجزء الرابع، فأخطو خطوة أولى

تُجاه فهم انشغال فلسفي يتفادى مآزق ثقافة التسويغ، وأدعو – على نحو خاص – إلى تحوّلٍمن ثقافة

التسويغ إلى ثقافة الممارسة. في حين أقدّم في الجزء الخامس تطبيقًا مقارنًا، بحيث أبيّن كيف أنّ

موقفين متباينين من الاشتغال الفلسفي، وأعني بهما تعريف غراهام بريست للفلسفة بوصفها نقدًا، وملاحظات أودري لورد عن حدود التنظير الفلسفي، يُعدّان مظهرين لاشتغال فلسفي يسيران على

هدي رؤية للفلسفة بوصفها ثقافة ممارسة.

ثانيًا: ما ثقافة التسويغ؟

ترصدُ غايل سالامون، في مقالتها "التسويغ والمنهج المغاير، أو تركُ الفلسفة"، ميلًا واضحًا إلى تفضيل

التسويغ ضمن الفلسفة الاحترافية، بل إنها تذكر هذا التفضيل باعتباره الدافع إلى تركها هذا الحقل وتحولها إلى اللغة الإنكليزية. والتسويغ، على نحو ما تعنيه سالامون، هو أن يجعل المرءُ موقفه "متوافقًا"

مع المعايير المقبولة. وبناءً على ذلك، فإنّ القول بأنّ للفلسفة ثقافةً تسويغيةً يعني أنّ مهنة الفلسفة

تقتضي من المرء أن يجعل أفكاره ومشاريعه (وفي حالتها: خياراتها التربوية) متوافقة مع مفهوم "تقليدي" للاشتغال الفلسفي. وتمثّل عملية التوفيق هذه، عند سالامون، إشكاليةً؛ باعتبار مفهومها عن المنهج المغاير وما يتضمنه من مقاومة للتوافق مع المفاهيم السائدة. وفي هذا السياق، تقول:

إذا كان التسويغ معنًّيًا بتنظيم المعتقدات، والمواءمة بين الأشياء، والتوفيق بين الأشياء أو العوالم، فإنّ المغايرةَ

منهجًا تمضي في طريق معاكس، فهي تفترض الابتعاد أو الاغتراب عن المعيار وتستعمل الابتعاد مصدرًا

للتكاثر والتعدد من أجل تحسين حياة أولئك الذين يعيشون خارج المعيار.

إنّ التسويغ منهجًا يستلزم أن نهتمّ بالمعايير المرعية، وهو كما ترى سالامون مناقض للمناهج المغايرة

التي تتخذ من الابتعاد عن المعايير نقطة انطلاقها. إنّ منح "التسويغ منهجًا" مكانةً ممتازةً يدُّلُ على قيمة رفيعة تُمنحها عمليات الشرعنة، أو تحديد مدى

توافق الأنماط والمعايير المقبولة مع معتقدات الفرد أو مشروعه أو عملياته، وذلك من أجل اكتساب

(((بطبيعة الحال، لا تنفرد أنيتا أِل ن بهذا الموقف. فقد طرحت سالي هاسلانغر رأيًا مماثلًا في مقالتها "تغيير أيديولوجية الفلسفةِ

وثقافتها: فليس بالعقل (وحده) [يمكن التفلسف]". وكتبت: "أعتقد أن النساء يرغبن في بيئة عمل جيدة يسودها الاحترام المتبادل. والفلسفة، في أغلب الأحيان، لا توفر ذلك". ينظر:

Sally Haslanger, "Changing the Ideology and Culture of Philosophy: Not by Reason (Alone)," Hypatia , vol. 23, no. 2 (2008), p. 212. (7) Gayle Salamon, "Justification and Queer Method, or Leaving Philosophy," Hypatia , vol. 24, no. 1 (2009), p. 226. (8) Ibid., p. 209.

مكانة إيجابية. وعلى سبيل المثال، إذا حسبنا التسويغ مفهومًا تقييمًّيًا؛ أي معيارًا، فإنّ نظرية التسويغ

الداخلي في نظرية المعرفة تكون شبيهة بفهم سالامون ل "التسويغ منهجًا" من حيث إنها، في حد

ذاتها، عملية شرعنة. وتُضفي النظريةُ الداخليةُ للتسويغ المعرفي، كما يُنظر إليها عمومًا، مكانةً معرفيةً

إيجابيةً على معتقد مُعيّن، بناءً على ما إذا كان المعتقد معقولًا (توافق هذا المعتقد مع الأدلة المقدمة

مثلًا). وفي نظريات التسويغ هذه عنصر لإثبات التوافق بين معتقد الفرد والأنماط والمعايير المقبولة، أو معايير التسويغ، من أجل اكتساب مكانة معرفية إيجابية. وتهدف سالامون إلى لفت الانتباه إلى القيمة التي تُمنح لأشكال مماثلة من الشرعنة ضمن الثقافة التخصصية للفلسفة الاحترافية؛ إذ يُطلب

من المرء أن يُثبت أنّ مواقفه ومعتقداته وسلوكه و/ أو وجوده تتوافق مع مجموعة من المعايير السائدة

للاشتغال الفلسفي من أجل اكتساب مكانة جيّدة. إن منح الشرعنة الامتياز، بوصفها أداةً لتقييم إجراءات تخصّص معيّن، سينشئُ ثقافةَ تسويغ في

هذا التخصص؛ بمعنى أنّه في ثقافة التسويغ تُمنح قيمةٌ عاليةٌ لمدى توافق بحث معيّن، مثلًا، توافقًا

ظاهريّا مع المعايير التي يسير بمقتضاها العمل في تخصص معيّن، أو معايير التسويغ و/ أو قدرتها

على استنباط سرد يُشير إلى توافقها مع تلك المعايير من أجل اكتساب مكانة إيجابية. وبناءً على

ذلك، تتضمن ثقافة التسويغ ثلاثة عناصر على الأقل: 1. الإعلاء من قيمة ممارسات الشرعنة؛ 2. افتراض وجود معايير تسويغية مشتركة Commonly–held؛ 3. أن تكون هذه الثقافة ذات صلة متينة Univocally Relevant. وإنّ دافع ثقافة تسويغية لتخصّص معيّن يكمن في ابتكار بحوث ومشروعات

ضمن نطاق مجموعة معينة من معايير التسويغ المشتركة المتينة الصلة أو اكتشافها. ومن ثمّ، يفضي

الامتثال لهذه المعايير إلى منح تلك البحوث/ المشروعات مكانةً إيجابية. لا شك في أنّ بيئة الفلسفة الاحترافية الحالية تُجسّد مكونات ثقافة التسويغ الثلاثة. ومع ذلك، إذا ما رفض المرء هذه الملاحظة،

أصبح التساؤل: "كيف يكون هذا البحث فلسفيّا؟" سؤ لًا سائغًا. ومن خلال تقديم تحليلٍ وصفٍّيٍ لهذا

السؤال، يُمكن تشخيص أعراض ثقافة التسويغ في الفلسفة الاحترافية.

ثالثًا: أعراض ثقافة التسويغ في الفلسفة الاحترافية

ينسجم تشخيص أعراض ثقافة التسويغ مع تحديد ما يلي: 1. قيمة جلية تُمنحها سرديات التسويغ؛ 2. افتراض معايير تسويغية شائعة؛ 3. افتراض معايير ذات صلة متينة. يستلزم السؤال "كيف يكون بحثٌ

(((حرٌّيٌ بي أن أشير إلى أنني أرى فرقًا بين عمليات الشرعية وعمليات التحقق. تتخذُ الشرعيةُ من التوافق الإيجابي مع الأنماط

والمعايير السائدة علامةً على المكانة الإيجابية، في حين يشير التحقق إلى عمليات التقييم على نحو أوسع. فالتحقق يشير هنا، عمومًا،

إلى جميع العمليات التي تهدف إلى إثبات سلامة معتقد أو عملية أو ممارسة ما. ويُعدّ التحقق، شأنه شأن إضفاء الشرعية، مفهومًا

تقييميّا، ولكنّه لا يقتصر على التقييم وفقًا للأنماط والمعايير المقبولة. وبناءً على هذا التمييز، تُعد الشرعنة نوعًا من التحقق من حيث إنها

تسعى لإثبات سلامة ممارسة ما أو تأكيدها. ومع ذلك، ليست الشرعنة الشكل الوحيد المتاح للتحقق. فأنا أرى، في بحثي هذا، أنّ

التحقق يشير إلى عمليات التدقيق عمومًا، بينما تشير الشرعنة إلى عملية تدقيق محددة؛ أي التسويغ. وسأعود إلى هذا التمييز لاحقًا. ((1(لا تؤكد أعراض ثقافة التسويغ، التي سأسلّط الضوء عليها، وجود ثقافة التسويغ في الفلسفة الاحترافية إثباتًا قاطعًا؛ كما أن

أعراض فقر الدم لا تُثبت وجوده. ومع ذلك، فهي تدعو إلى مزيد من البحث. ولا يتسع نطاق بحثي هذا لتقديم تحليل سوسيولوجي

شامل للفلسفة الاحترافية، بل إن الهدف منه وضع نظرية عن الحافز المحتمل الكامن في قلة عدد الممارسين المتنوعين في الفلسفة،

وتشجيع الدراسات المستقبلية في هذا الاتجاه. ولتحقيق ذلك، يكفي توجيه الانتباه إلى أعراض ثقافة التسويغ، إضافةً إلى المشكلات

المحتملة التي تُسلط هذه الأعراض الضوء عليها في الفلسفة الاحترافية.

ما فلسفيّا؟" تسويغًا. ويرى كارلوس سانشيز أنّه سؤالٌ يسألُ المرءَ عن "جواز سفره" الفلسفي. ومن

هنا، فإنّ هدف السؤال هو تقييم مدى انسجام ممارسة المرء الفلسفية لمعايير تفلسف شائعة ومتينة الصلة وذات أهمية. ويكشف شيوع السؤال "كيف يكون بحثٌ ما فلسفيّا؟" عن قيمة تُمنحها سرديات

التسويغ.

1. منح الامتياز لسرديات التسويغ

من أجل توضيح أنّ السؤال "كيف يكون هذا السؤال فلسفيّا؟" هو عرَضٌ من أعراض ثقافة التسويغ،

سأرسم مشهدًا شائعًا في سياقات الفلسفة الاحترافية. فلْتتخَّيَل هذا المشهد أو لتسترجِعْه من ذاكرتك:

بعد أن أقِّدّم هذا البحث في مؤتمر فلسفي، يبرز السؤال، كما هو متوقع، "كيف يكون هذا البحث فلسفيّا؟"

لا شك في أن هذا السؤال يُعُّدّ استخفافًا، سواء أدرك السائل ذلك أم لم يدركه. إنه اتهام وتحٍّدّ في آنٍ

واحد. فهو يشكّك في أنّ الملاحظات التي يعرضها البحث لا تتوافق، على نحو أو آخر، مع معايير

التسويغ الخاصة بالاشتغال الفلسفي. وقد يتخذ هذا الاتهام أشك لًا عديدة تبعًا للسائل. وقد يتجلى في

صورة انهمام بمدى صلة هذا البحث بالمشروعات الفلسفية التاريخية والمعاصرة؛ أو قد يوجه تهمة عدم استيفاء بعض المتطلبات النظرية المفترضة للاشتغال المجرد. ومهما كانت حقيقة الاتهام، فإنّ

التحدي يظلّ مطروحًا، وهو يكمن في "إيجاد اتساق" أو توضيح الصلة بين الملاحظات المطروحة

ومعيار تسويغي معيّن للاشتغال الفلسفي (كيفما تصوره السائل). وإنّ ما يميز السؤال، "كيف يكون هذا

البحث فلسفيّا؟"، ليس أنّ بحثي غير فلسفي على نحو ظاهر، بل إنّ ما يميّزه هو طلب التسويغ الذي

يرتكز عليه السؤال؛ أي إنّ الإجابة عن هذا السؤال تُقيّم وفقًا لمعايير تسويغية تُضفي مكانة إيجابية على

مشروعي، ومن ثمّ تُظهر أنّ بحثي فلسفي "على نحو ملائم". ويتجاوز هذا الطلب المتعلّق بالتسويغ أو

الشرعية القدرة على تقديم شرح وافٍ لكيفية كون العمل فلسفيّا، وهو أمر يتوقف على المعايير التسويغية

التي يعتبرها السائلُ مناسبةً. ثم إنه يُعد عرَضًا على انتشار ثقافة التسويغ في الفلسفة الاحترافية؛ أي إنّ

تكرار السؤال "كيف يكون هذا البحث فلسفيّا؟" يكشف عن قيمة تُمنحها سرديات التسويغ. وتتجلى هذه

القيمة، أيضًا، في حقيقة أنّ العديد من الفلاسفة المحترفين يجدون السؤال، في أحسن الأحوال، غير

إشكالي، ويجدونه في أسوئها مناسبًا على نحو روتيني. وفي مقالةٍ لويليامز جونز عنوانها "شرعية الفلسفة السوداء وضرورتها"، نجدُ مث لًا ملموسًا د لا

على القيمة التي تُمنحها سرديات التسويغ في الفلسفة الأكاديمية، والتي تُعدّ عرَضًا على ثقافة

(11) Sanchez, p. 39.

((1(للاطلاع على التفسيرات التي تشير إلى انتشار السؤال "كيف يكون هذا فلسفيّا؟"، ينظر:

Justin Tiwald, "A Case for Chinese Philosophy," APA Newsletter on Asian and Asian–American Philosophers and Philosophies , vol. 8, no. 1 (2008), pp. 6–7; Outlaw & Roth; Andrea Nye, "'It’s Not Philosophy'," Hypatia , vol. 13, no. 2 (Spring 1998), pp. 107–115; Sanchez; Solomon; Margaret Urban Walker, "Diotima’s Ghost: The Uncertain Place of Feminist Philosophy in Professional Philosophy," Hypatia , vol. 20, no. 3 (2005), pp. 153–164; Joseph Parbhu, "Philosophy in an Age of Global Encounter," APA Newsletter on Asian and Asian American Philosophers and Philosophies , vol. 1, no. 1 (2001), pp. 29–31; Donna–Dale L. Marcano, "The Difference That Difference Makes: Black Feminism and Philosophy," in: Maria Del Guadalupe Davidson, Kathryn T. Gines & Donna–Dale L. Marcano (eds.), Convergences: Black Feminism and Continental Philosophy (Albany: SUNY Press, 2010), pp. 53–65.

التسويغ. ويُحدد جونز نوعين من سرديات التسويغ؛ فهو يرى أنه يُمكن مطالبة المرء بتسويغ

"ملاءمة وأهمية" توجّه فلسفي مُعين، أو بتسويغ "حق هذا التوجه في الوجود بوصفه موقفًا

فلسفًّيًا مناسبًا". وكثيرًا ما يُطلب من مُمارسي الفلسفة المتنوعين تقديم هذين النوعين من

التسويغات. ويوجد، على سبيل المثال، تراث ثٌّرٌ من هذه التسويغات في الفلسفة الأفريقية. وفي

السياق الأميركي، تُجسّد مقالات ويليامز جونز وكورنيل ويست ولوسيوس آوتلو حقيقة وجود

عدد من المحاولات القائمة لتقديم سرديات شرعية للفلسفة تستند إلى تجارب وحياة الشعوب المنحدرة من أصول أفريقية. وعلى الرغم من أنّ ضرورة المشاركة في سرديات شرعية للفلسفة الأفريقية باتت موضع تساؤل في الوقت الراهن، فإنّ المطلب الخارجي لتسويغ وجود الفلسفة الأفريقية يفرض نفسَه بقوة.

2. معايير التسويغ الشائعة والمتينة الصلة

فضلًا عن تثمين سرديات التسويغ الذي يتضمّنه السؤال "كيف يكون هذا البحث فلسفيّا؟"، ثمة مطلب

متعلق بضرورة توضيح مدى توافق البحث مع المعايير الشائعة والمتينة الصلة، وذلك من أجل إثبات مكانتها الفلسفية الإيجابية. وإنّ هذه المعايير التسويغية، التي غالبًا ما تكون ضمنيةً، يُفترض قبولها

من جميع الأطراف المعنية، ويُفترض أنّها وثيقة الصلة بجميع المشروعات الفلسفية. وتتضمن بيئة

الفلسفة الاحترافية مطلبًا دائمًا لتسويغ المشروعات والالتزامات الفلسفية من خلال معايير تسويغية

متينة الصلة. وتجدر الإشارة إلى أنّ شيوع المعايير التسويغية وصلتها المتينة هما من أعراض ثقافة التسويغ. ويمكن أن يعيننا تحليلٌ موجز لسردية تسويغية حديثة في تشخيص هذا العرَض في بيئة

الفلسفة الاحترافية. إنّ مقالة كارستن سترول المنشورة عام 2010 في مجلة البوصلة الفلسفية، بعنوان "لا قيام للفلسفة من دون عبور الثقافات"، مثال حديث على محاولة تقديم سردية تسويغية تهدف إلى ترسيخ مكانة إيجابية لنوع من الاشتغال الفلسفي يختلف عمّا هو متعارف عليه في الفلسفة الغربية الاحترافية.

ويقول سترول في هذا السياق: "مع أنّ الوضع بدأ يتغير، فإننا ما نزال نرى أنّ الفلاسفة الذي يعتمدون المقارنة في دروسهم يجدون أنفسهم في موقف دفاعي حينما يحاولون إدماج عناصر من الفكر غير الغربي في مقررات دراسية هي من حيث الجوهر فلسفية غربية". وبصفته فيلسوفًا

(13) Jones, p. 149. (14) Ibid.; West, pp. 117–148; Outlaw & Roth; Outlaw, "African, African American, Africana Philosophy."

(1((ليست الفلسفة الأفريقية، بأي حال من الأحوال، الصنف الوحيد من الفلسفة الذي طوِلبَ بإثبات شرعيته. فعلى سبيل المثالِ،

وجّه خورخي غراسيا تحديات بحثية متواصلة ضد تلك الدعوات التي تريد استبعاد الفلاسفة والفلسفة اللاتينية/ الإسبانية من مجال

الفلسفة الاحترافية، ينظر:

Jorge J. E. Gracia, Hispanic/Latino Identity: A Philosophical Perspective (Malden: Blackwell, 2000); Jorge J. E. Gracia, Latinos in America: Philosophy and Social Identity (Malden: Blackwell, 2008). (16) Karsten J. Struhl, "No (More) Philosophy without Cross–Cultural Philosophy," Philosophy Compass , vol. 5, no. 4 (2010), p. 287.

مقارنًا، يجد سترول نفسه في موقف دفاعي؛ فيحاول وضع الممارسين ممن لديهم تصورات ضيقة عن الاشتغال الفلسفي الغربي الاحترافي في موقف دفاعي. ونتيجةً لذلك، يبدأ شن الهجوم بوصفه ممارسًا للفلسفة المقارنة. ويزيد قوله ذاك توضيحًا: "ما أزعمه [في العنوان] هو أنّ الاشتغال

الفلسفي لا يمكنه تحقيق غايته على النحو الأمثل ما دامت الفلسفة رهينةَ تراث واحد". ويدافع سترول، الذي يعِّرِف الاشتغال الفلسفي بأنه "تحقيقات نقدية ومنهجية" في الافتراضات الأساسية،

عن زعمٍ يقول إنّ "ممارسة" الفلسفة تتطلب الاشتغال في الفلسفة العابرة للثقافات من أجل استنطاق الافتراضات الأساسية. وبناءً على ذلك، تُقِّدّم مقالة سترولن في نهاية المطاف، سردًا لأهمية

الفلسفة المقارنة بوصفها تخصصًا بموجب معيار شائعللمشروعات الفلسفية. بعبارة أخرى؛

لتحقيق وعد المشروعات الفلسفية المتمثل في استنطاق افتراضاتنا الأساسية نقديًا، فإنّ منزلة هذه

الفلسفة هي منزلة الضرورة اللازبة. وبغضّ النظر عمّا ينتج من ذلك من مهمة دفاعية ستضطلع بها

المفاهيم الضيقة المتعلّقة بالفلسفة الاحترافية، فإنّه سردٌ تسويغي يستعين بمعيار تسويغي شائع على ما يبدو. وعلى الرغم من أنّ هذا الهجوم الذي يشنّه سترول قد ينقل عبء التسويغ من فلاسفة المقارنة إلى الفلاسفة الاحترافيين من ذوي المفاهيم الضيقة، فإنّ ذلك لا يتحقق إلا بقدر ما يُعتبر معيار التسويغ

الشائع ذا صلة متينة بجميع المساعي الفلسفية؛ أي إنّ انتقال عبء التسويغ لا يمكن أن ينجم إّلا عن اعتراف متبادل وفوري بأنّ سترول قد حدد فعلًا معيار تسويغ شائعًا وملزمًا على نحو بيّن. وإذ يزعم

سترول أنّ فلاسفة المقارنة مؤهلون على نحو خاص للتفلسف وفقًا لمعيار استنطاق الافتراضات الأساسية، فإنّه يوجه دعوة للشرعنة إلى الفلاسفة الذين قد يشككون في الجدارة الفلسفية المتعلّقة بالفلسفة المقارنة؛ نظرًا إلى امتثالها لمعيار التسويغ المذكور. وإن كان لا بد لمقالة سترول من أن

تحقق النجاح، فيجب أن يكون المعيار الذي يحدده ظاهر الصلة بجميع المساعي الفلسفية. وإذا لم يكن معيار التساؤل عن افتراضاتنا الأساسية متين الصلة، فإنّ محاولة سترول وضع فئة معينة من الفلاسفة في موقف دفاعي لا طائل فيها. ويكفي الرد عليه برفض معيار التسويغ الذي حدده. وهذا لا يدخل في تحليله، لأنّ العديد من الفلاسفة المحترفين غالبًا ما يفترضون أنّ أحد الأدوار الرئيسة

للفلسفة هو التساؤل المنهجي عن الافتراضات الأساسية. بغض النظر عما إذا كان سترول قد حدد معيارًا تسويغًّيًا أصيلًا وشائعًا ومتين الصلة، فمن المؤَّكَد أنّه

يعتمد على وجود مثل هذه المعايير لنجاح طرحه. وعلى الرغم من أنّ طرحه دفاع بالغ الجودة عن الفلسفة المقارنة، فإنه لا يقف في وجه الدعوة إلى سرديات التسويغ في حد ذاتها، بل إنّ الأمر متعلّق

(17) Ibid.

تجدر الإشارة إلى أن هذا الادعاء يعكس ادعاء وليام جونز في مقالته "ضرورة الفلسفة السوداء وشرعيتها"، وأن فهم الممارسة

الفلسفية الوارد في مقالة سترول يشبه، إلى حد بعيد، فهم آلان لوك للفلسفة باعتبارها فلسفاتٍ للحياة، ينظر:

Jones; Alain Locke, "Values and Imperatives," in: Leonard Harris (ed.) The Philosophy of Alain Locke: Harlem Renaissance and Beyond (Philadelphia: Temple University Press, 1997), pp. 31–50. (18) Ibid., p. 288.

بمثال جيد دالّ على عرَضَين من أعراض ثقافة التسويغ الموجودة في بيئة الفلسفة الاحترافية، هما:

1. افتراض وجود معايير تسويغية شائعة؛ 2. افتراض أنها متينة الصلة.

رابعًا: على أسسٍ مرِّوِعة: ممارسون متنوعون وبيئة الفلسفة الاحترافية

غالبًا ما تُصبح بيئة الفلسفة الاحترافية، التي تتضمن أعراض ثقافة التسويغ، بيئةً طاردة للممارسين

المتنوعين بسبب "الإقصاءات الصامتة". وفي هذه الثقافة، تُصبح الإقصاءات التاريخية غير المسَّوَغة أساسًا للمعايير التسويغية التي يُعتمد عليها في عملية إضفاء الشرعية؛ أي إنّ افتراض وجود معايير تسويغية شائعة ومتينة الصلة، عندما تستند إلى إقصاءات غير مسَّوَغة، يخلق وسائلَ للتحقق عاجزة عن رصد تلك الإقصاءات. وفي الواقع، يُمكن بسهولة اعتبار تلك الإقصاءات "معقولة" من

خلال ممارسة التخصّص نفسها. وفي هذا القسم، سُأسِّلِط الضوء على نوعين من الإقصاءات يصعب رصدهما في ثقافة تُظهر الأعراض الثلاثة لثقافة التسويغ، وهي الإقصاء عَبر الاستثنائية Exclusion via

Exceptionalism، والإقصاء عَبر الشعور بعدم التوافق Exclusion via a Sense of Incongruence.

وعندما يكون الاستبعاد عبر الشعور بعدم التوافق نتيجةً مباشرة لحقيقة وجود عدد قليل، إن وجد، من المعايير التسويغية الشائعة والمتينة الصلة، فإنّ الاستبعاد عَبر الاستثنائية يشير إلى النقطة التي تفشل فيها الثقافات التخصصية ببساطة في تقييم الشرعية بدقة.

1. الإقصاء عبر الاستثنائية

تضع ساندرا هاردينغ في مقدمة كتابها مختارات في دراسات العلوم والتكنولوجيا ما بعد الاستعمارية تعريفًا للاستثنائية:

تفترض الاستثنائية أنّ الغرب وحده قادر على فهمٍدقيق لقوانين الطبيعة والعلاقات الاجتماعية، ودوافعها

السببية الكامنة. يوجد عالمٌ واحد ذو نظام داخلي واحد، ويوجد عِلمٌ واحدٌ فحسب قادر على فهم هذا النظام، ومجتمع واحد فحسب قادر على إنتاج هذا العلم: إنّه مجتمعنا الغربي"!.

على الرغم من أنّ هاردينغ تتحدث عن الاستكشافات العلمية على نحو خاص، فإنّ تعريف الاستثنائية ذو صلة في هذا السياق. وتنطوي الاستثنائية على استبعاد غير مسَّوَغ لمجموعات كبيرة من الأبحاث استنادًا إلى تفضيل مجموعة (أو مجموعة من المجموعات) وأبحاثها على غيرها. وقد تستوفي المجموعات المستبعدة في الواقع العديد من المتطلبات التي تفرضها المعايير السائدة والتسويغية. ومع ذلك، فإنّها لا تزال مستبعدةً بسبب التفضيل التاريخي للمشروعات البحثية التي تنتجها فئات

(19) Marcano, "The Difference That Difference Makes: Black Feminism and Philosophy," p. 54. (20) Sandra Harding (ed.), The Postcolonial Science and Technology Studies Reader (Durham: Duke University Press, 2011), p. 6.

معينة من الناس. ويمكن النظر إلى استبعاد الفلسفة الاحترافية الأميركية للفلسفة غير الغربية، على سبيل المثال، من منظور الاستثنائية. جرت الإشارة كثيرًا إلى أنّه يمكن شرعنة الفلسفة غير الغربية استنادًا إلى عدة معايير شائعة ومسِّوِغة

للاشتغال الفلسفي. ويقول جوزيف برابهو في مقاله "الفلسفة في عصر المواجهة العالمية" ما يلي:

إذا كان عملُ الفلسفة إجراءَ محاولات منهجية للتصدي لأسئلة جوهرية حول طبيعة الواقع، وطبيعة مناهج المعرفة، وأسس القيم والأحكام الأخلاقية والجمالية، والذات، ومعنى الدين وغايته، فإنّ حصة الفكر الهندي والصيني والإسلامي منها وافر غزير (لا أستطيع الحديث عن الفلسفة الأفريقية لقلة معرفتي بها، ولكنّني أفترض أنّها تتضمّن تأملًا منهجًّيًا في طبيعة الأشياء).

بعد أن استشهد برابهو بالعديد من الحوارات المثمرة بين فلاسفة غربيين وغير غربيين، مثل الحوارات بين مايكل دوميت وبيمال ماتيلال، إضافةً إلى تفاعل جاغوت نوهرين موهانتي المثمر مع أعمال غوتليب فريجه وإدموند هوسرل، انتهى إلى أنّه "لا يمكن أن يكون السبب في إهمال الفلسفة غير الغربية إلى هذا الحد في الجامعات الأميركية حاليّا سببًا فلسفًّيًا". ولذلك، يخلص برابهو إلى أنه يوجد سبب آخر واضح. وهنا، نرى اعترافًا بنوع من الاستثنائية. يلفت برابهو الانتباه إلى أنّ الوصول إلى معايير التسويغ ليس متاحًا للجميع على قدم المساواة في

الفلسفة الاحترافية الأميركية. ولا تقتصر الاستثنائية في هذه الفلسفة على حرمان بعضهم من الوصول إلى معايير التسويغ، بل إنها تعفي آخرين أيضًا من الخضوع لبعض معايير التسويغ السائدة. وعلى سبيل المثال، لدى فلاسفة سود مواقف تنطوي على مشاعر معادية للبيض على نحو هامشي، وقد تجاهلها بعضهم باعتبارها عنصرية (مثل ألكسندر كروميل)، بينما يُغفر لفلاسفة بيض أميركيين أو أوروبيين ذوي مشاعر مماثلة معادية للسود باعتبارها نتاجًا لعصرهم (مثل جورج فيلهلم فريدريش

((2(يُعدّ مصطلح "التفضيل" أو "الامتياز" أو "الإعلاء من مكانة/ شأن" Privilege مصطلحًا نسبًّيًا. فبحسب بيغي ماكنتوش، يشير

التفضيل المنهجي إلى "سلطة غير مكتسبة تُمنح على نحو منهجي."

Peggy Mcintosh, "White Privilege and Male Privilege: A Personal Account of Coming to See Correspondences through Work and Women’s Studies," in: Alison Bailey & Chris Cuomo (eds.), The Feminist Philosophy Reader (New York: McGraw–Hill, 2008), p. 66.

فعلى سبيل المثال، قد تحظى أصوات العديد من الأميركيين من أصل أفريقي بالأفضلية في مقابل أصوات العديد من الهايتيين من حيث قدرتها على التأثير في المجالات الاجتماعية الأميركية، إّلا أنّ كلا الطرفين يعاني نقص الامتيازات مقارنةً بالعديد من الأصوات

البيض. ومن ناحية أخرى، غالبًا ما تحظى الأصوات البيض الثرية بامتيازات تفوق الأصوات البيض الفقيرة. ويشير مصطلح

"التفضيل" أو "الامتياز"، في هذا التحليل، إلى بنية تقييم أوسع؛ إذ تتلطخ بنى الشرعية بأكملها بالتمييز القمعي لهويات اجتماعية معينة وممارسات اجتماعية واستقصائية في شكل "سلطة غير مكتسبة تُمنح على نحو منهجي". لمزيد من التفاصيل حول هذا

المصطلح، ينظر:

Ibid.; Alison Baily, "Privilege: Expanding on Marilyn Frye’s 'Oppression'," Journal of Social Philosophy , vol. 29, no. 3 (1998), pp. 104–119. (22) Prabhu, p. 30. (23) Ibid.

هيغل). ومن الواضح أنّه توجد اعتبارات اجتماعية وسياسية شاملة تؤثر في القرارات المتعلقة بمن يُعتبر استثناءً من معايير التسويغ، وهي اعتبارات لا تنعكس في معايير التسويغ نفسها. ولأنّ الاستثنائية

تتحدد، إلى حدّ بعيد، بالبنى الاجتماعية والسياسية للتمكين والتهميش، فإنه لا يمكن معالجتها بإضافة مزيد من معايير التسويغ. وفي حالة الإقصاء عَبر الاستثنائية، لا تكمن المشكلة في معايير التسويغ نفسها، بل في الأشخاص الذين يطبقونها. فثقافة التسويغ، أو الثقافة التي تُظهر الأعراض الرئيسة الثلاثة لثقافة التسويغ، تفتقر إلى الموارد اللازمة لمعالجة سوء تطبيق معايير التسويغ. وإنّ تفضيل سرديات الشرعية وافتراض وجود معايير تسويغية مشتركة متينة الصلة لا يضمن بالضرورة وجود قيمة تُمنح من أجل الاستعمال المناسب لتلك المعايير، إنما يضمن تفضيلُ مقام هذه السرديات أن يشعرَ معظم الممارسين في مختلف التخصصات كأنهم قضاة ومحَّلَفون على السلوك والإنتاج

الاحترافي "الملائم"، من دون إدراكهم ضرورة الاعتراف بكيفية تأثير البنى الاجتماعية والسياسية السائدة للتمكين والتهميش على أحكامهم.

2. الاستبعاد عبر الشعور بعدم التوافق

الشكل الثاني للاستبعاد هو الاستبعاد عَبر الشعور بعدم التوافق. فبينما ترتبط الاستثنائية، في أغلب الأحيان، بقوة الإقناع المتفاوتة التي تميز معايير التسويغ، يشير عدم التوافق إلى القبول غير المتكافئ إلى هذه المعايير؛ أي إن العديد من الممارسين المتنوعين لا يقبلون معايير التسويغ السائدة حاليًا في

الفلسفة الاحترافية. وفي هذه الحالة، يعوّق الشعور بعدم التوافق تجاه معايير التسويغ الحالية قدرة

الفرد على الدفاع عن المكانة الفلسفية الإيجابية لمشاريعه. ويتضح ذلك في ردة فعل سالامون على الدعوة إلى إضفاء الشرعية على خيارها التربوي المتمثل في الاعتماد على نظرية ومناهج مغايرة في تدريسها للفلسفة. وقد جعلتها هذه الدعوة في موقف قبول معيار التسويغ، رغمًا عنها، وهو

ما يتعارض مع ميولها الشخصية والسياسية والنظرية. وليست هي الوحيدة التي تشعر بعدم التوافق الذي تصفه؛ فعندما طُلب من جاكلين سكوت مناقشة تجربتها بوصفها امرأة سوداء وفيلسوفة محترفة، وصفت شعورها بعدم القبول الكامل أو عدم تلبية التوقعات الفلسفية. وقد أطلقت على هذا الشعور بعدم التوافق مصطلح "التنافر" Dissonance.

((2(ربما يقول بعضهم إنّه إذا لم تكن معايير التسويغ هي المشكلة الأساسية للاستثنائية، فإنّ المطلوب هو تطبيق أفضل لمعايير

التسويغ السائدة، وليس، كما سأبيّن لاحقًا، تغييرًا جذرًّيًا في الأدوار المسندة إلى معايير التسويغ. ومن المهم فهم مدى رسوخ

الاستثنائية في العقول من دون الشعر بها، إلى حد بعيد. وتُحدد فيرجينيا فاليان وهاسلانغر، في مقالتهما، تأثير الأنماط الجندرية في

تقييمات الأداء الفلسفي؛ إذ يُحكم على النساء بطريقة باتت مألوفة على نحو أقسى من نظرائهن من الرجال، ويُخضعن للاستثنائية

لكونهن فيلسوفات فحسب:

Virginia Valian, "Beyond Gender Schemas: Improving the Advancement of Women in Academia," Hypatia , vol. 20, no. 3 (2005), pp. 198–213; Haslanger.

عندما يُظهر حكمُ المرءِ نفسِه ميولًا نحو الاستثنائية، يصبح كسر هذا القالب عسيرًا. وإنه لمن الأفضل تعزيز بيئة تُحِيِّد هذه التحيزات

بدلًا من التمسك بأمل القضاء عليها.

(25) Salamon. (26) Allen et al., p. 185.

في الواقع، ليس سالامون وسكوت وحدهما من بين الممارسين المتنوعين للفلسفة الذين اعترفوا بشعورهم بعدم التوافق فيما يتعلق بالمعايير المسِّوِغة للسلوك والبحث الفلسفي "المناسب". فقد نشأت

فلسفات نسوية مهمّة بوصفها رفضًا لمجموعة من المعايير التسويغية داخل الفلسفة الاحترافية.

ولا يزال آخرون يشعرون بعدم التوافق مع توقعات الفلسفة الاحترافية عن الرؤية الشاملة، ومع الخصوصية، التي غالبًا ما يُساء فهمها، المرتبطة بالهويات الاجتماعية "للأقليات". وتقدّم دونا–ديل

ماركانو، في مقالتها "الاختلاف الذي يُحدثه الاختلاف: النسوية السوداء والفلسفة"، وصفًا لحقيقة

مفادها أنّ الفيلسوفة السوداء التي تتخذ من حياة وتجارب النساء السود نقطة انطلاقها النظرية غالبًا

ما يوسم عملها بأنه شديد الخصوصية "إلى حدّ أنّ الفلسفة تقاوم وجوده". لا تقبل ماركانو، بطبيعة الحال، فكرة أنّ التنظير الفلسفي ينطلق من أوسع منظور ممكن. وترى أنّ رفض هذا المعيار التسويغي يُوِّلّد شعورًا بعدم التوافق بين مشروعاتها الفلسفية والتوقعات الفلسفية الاحترافية. ويُبِرِّز كارلوس سانشيز كذلك في مقالته "الفلسفة وخوف ما بعد الهجرة"، حقيقة أنّ اشتراط التفلسف

المجرد معيارًا للتفلسف هي أحد الأسباب التي تجعل الفلسفة الاحترافية لا تستسيغ الفلاسفة من

أصول إسبانية والفلسفة الإسبانية. ويقول إنّ العديد من الفلاسفة المحترفين يعتقدون أنه "إذا ما اتخذ الفكرُ موقعًا، أو جَّسّد ذاته، أو تأرخن، فلن يكون عميقًا، بل أسوأ من ذلك أنه ليس فلسفة". من

الواضح أنّ قيمة الاشتغال الفلسفي المجرد واللاتاريخي ليست قيمةً مشتركةً بين سانشيز وماركانو لأسباب متقاربة ومتباينة. وهذه ليست إّلا أمثلة قليلة من بين الطرائق العديدة التي يُعاني بها العديد من

الممارسين المتنوعين في مجال الفلسفة الاحترافية شعورًا بعدم التوافق. وبغضّ النظر عن مصدر هذا

الشعور، أرى أنّ مما يوِّلِد هذا الشعور هو الفشل في قبول معيار تسويغي أو مجموعة معايير تسويغية سائدة في سياق الفلسفة الاحترافية.

3. سرديات الإقصاء والشرعية

يشير وجود الاستثنائية وعدم التوافق بين الفلاسفة المحترفين إلى صعوبة دعم الممارسين المتنوعين. وإذا كانت المكانة الفلسفية الإيجابية تنبع من شرعية ظاهرية وسرديات كافية للشرعية، وهذه أيضًا تستند إلى معايير تسويغية سائدة، فإنّ الحرمان من الوصول إلى المعايير التسويغية المتينة الصلة (عن

((2(لنأخذ على سبيل المثال بعض مواقف علم الأخلاق النسوي الرافضة ل "النماذج النظرية القانونية" بالنسبة إلى النظرية الخلقية:

Lorraine Code, "Is the Sex of the Knower Epistemologically Significant?" Metaphilosophy , vol. 12 (1981), pp. 267–276; Lorraine Code, "Taking Subjectivity into Account," in: Linda Alcoff & Elizabeth Potter (eds.), Feminist Epistemologies (New York: Routledge, 1993), pp. 15–48.

أو بعض مواقف نظرية المعرفة النسوية الرافضة لافتراضات الموضوع المحايد.

(28) Marcano, "The Difference That Difference Makes: Black Feminism and Philosophy," p. 53.

((2(تتشارك ماركانو فلاسفةً سودًا آخرين هذا التوجهَ. ينظر:

Outlaw, "African, African American, Africana Philosophy;" Locke, "Values and Imperatives;" Jones; Outlaw & Roth; Harris (ed.). (30) Sanchez, p. 40.

طريق الاستثناء)، أو عدم قبول معيار التسويغ الذي يُقَيَّم المرءُ على أساسه (عن طريق عدم التوافق)،

يُظهران أنّ الشرعية هدف مستحيل. فمن دون الوصول إلى معايير التسويغ الأنموذجية، يصبح هدف

التسويغ عبثًّيًا. وإذا كان عملُ المرء يعكس رفضًا لمعايير التسويغ المستعملة معاييرَ للتقييم، فإنّه يبدو

من العبث أيضًا السعي لإدراك الشرعية. وإذا كانت المكانة الفلسفية الاحترافية الإيجابية تستند إلى التطبيق العادل لمعايير التسويغ والقبول الموحد لتلك المعايير، فإنّ العديد من الممارسين المتنوعين يمكنهم أن يتوقعوا الفشل في اختبارات الكفاءة على نحو آلي. قد يعترض بعضهم على الصورة الحالكة التي رسمتُها، وقد يرون أنّني أخطأت في تصوير معايير التسويغ في الفلسفة الاحترافية بوصفها مجموعة من معايير ثابتة سهلة التحديد، وقد يتفقون مع أندريا ناي، في مقالتها النقدية "ليست فلسفة"، على ما يلي:

تظل معايير الفلسفة غير مستقرة حتى عندما تُصدّقُ عليها نسخةٌ من التاريخ الفكري تُخفي المصادر الشخصية أو السياسية للحكمة الفلسفية، أو تلك التي تُفضل العلمَ باعتباره المصدر الوحيد للمعرفة. إنّ ذلك الإصرار

على ما هو فلسفة "حقيقية" أو "جوهرية" في مقابل ما هو "مجرد" شعر أو علم اجتماع أو مذكرات شخصية أو سياسة في حد ذاتها، هو نفسه يُجدد إمكانية إعادة تشكيل فلسفية أخرى".

ثمة أملٌ مفاده أنّه في ثقافة تتجلى فيها أعراضُ ثقافة التسويغ الثلاثة تكون معايير التسويغ فيها عرضة للزعزعة باستمرار وتُراجع من خلال الطلب نفسه المتزايد على سرديات الشرعية. لا شك في أنّ معايير التسويغ للاشتغال الفلسفي تتغير بمرور الوقت. وفي الواقع، قد يكون صحيحًا، كما يجادل

ستان غودلوفيتش في مقالته "مآلات الفلسفة: بعض التأملات الاجتماعية الفلسفية"، أنّ الفلسفة ببساطة هي تخصص يعيد باستمرار صَوغ ماضيه في ضوء التحولات في المناخات الاجتماعية والسياسية.

ومع ذلك، على المرء أن يفحص في من يتحمّل عبء زعزعة المعايير في أيّ وقت كان، وإذا ما كان

هذا نشاطًا جديرًا بالاهتمام لفئات الناس المستهدفة. وقد يتحمّل الممارسون المتنوعون هذا العبء

على نحو غير متناسب. أعتقد أنّ عبء تغيير تطبيق معايير التسويغ وتغيير مضمونها هو ما دفع أِلن إلى طرح سؤال: هل توفر الفلسفة الاحترافية بيئة عمل جيدة للنساء السوداوات؟ أظنّ أنّ هذا جزء من العبء الذي رفضت سالامون تحمّله؛ ما حرَف رغبتها نحو اللغة الإنكليزية خيارًا مهنًّيًا. وهو بالتأكيد

العبء الذي لا أتمنى أبدًا أن تتحمّله أختي الصغرى. إنّ عبء تغيير معايير التسويغ في بيئة مهنية تشتمل على أعراض ثقافة التسويغ يعني بذل الجهد والطاقة لتوفير حافز للتغيير؛ عَبر العديد من سرديات الشرعية التي تهدف إلى اكتساب مكانة إيجابية للذات بوصفها فيلسوفة ولمشاريعها بوصفها مشاريع فلسفية. اسمحوا لي أن أؤكد، بحزم، أنّ تحمّل

هذا العبء ومجموعة التجارب التي يتعرض لها المرء ليس خيارًا مقبولًا بالنسبة إلى العديد من

الممارسين المحتملين المتنوعين للفلسفة، ويشهد بذلك العدد القليل من فئات الناس المُمَّثَلة تمثيلًا

(31) Nye, p. 108. (32) Stan Godlovitch, "What Philosophy Might Be About: Some SocioPhilosophical Speculations," Inquiry , vol. 43, no. 1 (2000), p. 17.

ناقصًا في الفلسفة الاحترافية. توجد، إن جاز التعبير، بيئات عمل أفضل للممارسين المتنوعين،

ربما لا تكون مثالية، ولكنّها بالتأكيد توفر فرصًا أكبر لنجاح حياة الفرد ومشاريعه الشخصية مقارنةً

بالفلسفة الاحترافية. ولعل سالي هاسلانغر هي التي عبّرت عن ذلك بأفضل طريقة:

لا أعتقد أنّنا في حاجة إلى التساؤل والحيرة عمّا يحدث بالضبط لتُبعدَ النساء [على سبيل المثال] عن

الفلسفة. من واقع خبرتي أرى أنّه من الصعب جًّدًا إيجاد مجال في الفلسفة لا يُظهر عداءً صريحًا تجاه

النساء والأقليات، أو على الأقل يفترض أن الفيلسوف الناجح يجب أن يبدو ويتصرف بوصفه رجلًا أبيض

تقليدًّيًا. ومعظم النساء والأقليات المؤهلات على نحو كافٍ للالتحاق بالدراسات العليا في الفلسفة لديهن

خيارات. ليس عليهن تحمّل هذه المعاملة السيئة.

إن إدراك أِلن أنّ النساء السوداوات المؤهلات لدراسة الفلسفة لديهن خيارات أخرى هو ما دفعها إلى التصدي لتقييم بيئة الفلسفة وما يمكن أن توفره لمشروعات الفرد وجودة حياته. ولعل هذا هو السبب الكامن أيضًا في قولها المتعلق بتحولها المهني من الفلسفة إلى القانون: "لم أحب القانون بقدر حُِّبِي للفلسفة، لكنني بوصفي أستاذة قانون كنت أسعد كثيرًا من كوني أستاذة فلسفة. وانطلقت

بثبات". لكن هذه الانطلاقة الثابتة غير مرجحة بالنسبة إلى العديد من الممارسين المتنوعين في بيئة الفلسفة الاحترافية؛ إذ يُلقي ذلك على عواتقهم عبئًا غير متناسب يتمثل في تغيير معايير التسويغ.

خامسًا: مقترح: نحو ثقافة الممارسة

تبرزُ مشكلاتُ الاستثنائية وعدم التوافق، على نحو جليّ، في بيئة مهنية تتجلى فيها الأعراض الرئيسة

الثلاثة لثقافة التسويغ. بمعنى آخر، لا يمكن أن يسيطر أيّ أحد على الاستثناء غير المسوّغ سيطرة

مطلقة، ولا يمكن (ولا ينبغي) السيطرة على مشاعر عدم التوافق المتعددة بين الممارسين المتنوعين. لذا، فإنّ جعل الفلسفة الاحترافية تخصصًا أشمل سيحدّ من تأثير الاستثنائية والاعتراف بالقدرة

الإبداعية لمشاعر عدم التوافق. ومن ثم، نحتاج إلى العمل نحو ثقافة تخصصية لا تُقِلِّل من تأثير الاستثنائية فحسب، بل تُهِيِّئ أيضًا بيئةً يصبح فيها عدم التوافق مج لًا للإبداع من أجل طرائق متنامية

باستمرار لممارسة الفلسفة الاحترافية. وأقترح أن تبدأ الخطوة نحو بيئة فلسفية احترافية أشمل وذلك

((3(في النص الأصلي بخط مائل. ينظر: Haslanger, p. 212. لا يتكلم اقتباس هاسلانغر على التوقعات المهنية (أي المعايير التسويغية)، بل يتكلم على الديناميات الشخصية أيضًا (مثل التمييز

الجنسي و/ أو العنصري الصارخ). ولا أتطرق هنا تحديدًا إلى الديناميات الشخصية. أستطيع أن أرى أنّ بيئة العمل تتراجع

فيها الديناميات الشخصية، بقدر الإمكان، بالنظر إلى الثقافة المهنية السائدة. إن وجود العنصرية والتمييز الجنسي في الفلسفة الاحترافية لا يُفسر، في حد ذاته، أعداد النساء الضئيلة والأقليات العرقية والإثنية في هذا المجال. ومن النادر، في السياق الأميركي،

وجود بيئة عمل خالية من العنصرية والتمييز الجنسي. ومع ذلك، لا تزال توجد بيئات عملٍأكثر ملاءمة للنساء وذوي البشرة الملونة في الولايات المتحدة، حتى في حال استمرار انتشار العنصرية والتمييز الجنسي. باختصار، لا يمكن أن تُفسر الديناميات الاجتماعية

والشخصية السيئة وحدها انخفاض أعداد النساء السوداوات في الفلسفة الاحترافية. لذا، أركز هنا على أحد العوامل التي تُفاقم الديناميات الشخصية السيئة، ألا وهي الثقافة الاحترافية.

(3((وهذا، بالتأكيد، جزء من التحدي الذي طرحته أِلن على النساء السوداوات الحاضرات في المؤتمر الثاني للفيلسوفات السوداوات في عام.2009

(35) Allen et al., p. 172.

بالتحول من قيم تسود ثقافة التسويغ إلى قيم تسود ثقافة الممارسة. قد تُوفّر ثقافة الممارسة بيئة أكاديميةً تُعزّز الخيارات المتاحة في مجال هذه الفلسفة. وأرى أنّ ثقافة الممارسة تتألف من عنصرين أساسيين على الأقل، هما: 1. تثمين البحث في المسائل والظروف المتينة الصلة بحياتنا، مع الحفاظ على فهمٍ عميقٍ للاختلافات في القضايا التي تبرز بين مختلف الفئات. 2. الاعتراف بتعدد المرجعيات وطرائق فهم الشرعية التخصصية Disciplinary Validation) (وتشجيعها. سأتناول فيما يأتي كل عنصر من هذين العنصرين بإيجاز. ليس بدعًا أن ترى الفلسفةُ الاحترافيةُ أن تبحث في المسائل والظروف الراهنة في عصرنا. لقد دعا فيليب كيتشر، في الفترة الأخيرة، إلى هذا التحوّل في مقالته "الفلسفة من الداخل إلى الخارج"

عام 2011، وهو يتفق في "دعوته إلى إعادة توجيه الفلسفة"، مع جون ديوي في دعوته إلى إدراك أنّ الدراسات الفلسفية المعاصرة تبدأ ب "مشكلات فلسفية تنشأ من مواقف يجد فيها أكثر الناس أنفسهم

وليس النخبة منهم فحسب". ومن وجهة نظري، تُثِمِّن ثقافةُ الممارسة الدراساتِ التي تُسهم في

النقاشات والمشكلات والدراسات القديمة والجديدة والناشئة. وكما يوضح كيتشر، يُثَمَّن كُّلُ شيء؛

بدءًا من "حالة البحث، ومرورًا بحالة الممارسات الاجتماعية المتنوعة، ووصولًا إلى الاحتياجات

المُلِحّة للأفراد لفهم العالم ومكانتهم فيه". لن يُطلب من المرء بعد الآن تسويغ مشروعاته وفقًا

لمجموعة من معايير التسويغ، بل سيحتاج إلى تحديد نقطة إسهام داخل الفلسفة المعاصرة، أو خارجها، أو في عوالمنا المحيطة. يمكن أن يتعجل المرء الاعتراض على اقتراح تثمين المشاريع الإسهامية، بغض النظر عن كيفية تشكيلها، من خلال الإشارة إلى أنّ هذا التثمين ليس إّلا أسلوبًا آخر للتسويغ. ولنتذكر التمييز الذي

وضعته بين الشرعية والتحقق. تتطلب الشرعية مجموعة من المعايير التسويغية الشائعة والمتينة الصلة. أما التحقق، فيشير على نحو أوسع إلى تقييمات السلامة في حد ذاتها. قد يكون من الصعب، بل من غير الحكمة، على أقل تقدير، إلغاء جميع أشكال التحقق. ومع ذلك، فإن الشرعية ليست سوى شكل واحد من أشكال التحقق. وإذا كان التحقق، في ثقافة الممارسة، يُحَدَّد بناءً على المساهمة، فلا داعي

لفهمه وفقًا لسردية الشرعية. في الواقع، من الممكن أن تكون الدعوة إلى تحديد مساهمة الفرد غير واضعة للتحقق في سياقه بطريقة لا تفعلها المعايير التسويغية الشائعة والمتينة الصلة فحسب، بل إنها توزع أيضًا عبء التحقق على نحو أعدل. وعلى مشروعات الجميع أن تقدّم إسهامها. وسيُنظر إليها

جميعًا على أنها متجذرة في مسائل تاريخية، واحتياجات معاصرة، و/ أو تحقيقات جديدة أو ناشئة.

(36) Philip Kitcher, "Philosophy inside Out," Metaphilosophy , vol. 42, no. 3 (2011), p. 250. (37) Ibid., p. 254.

وأينما صرف المرء طاقاته، فعليه أن يسهم. وفي ثقافة الممارسة، لم تعد معايير التسويغ التي تهدف إلى تشكيل موضوعات أو طبيعة جميع الأبحاث الفلسفية تعمل على تحديد كيفية إسهام الفرد. وهذا التحول وحده كفيلٌ بالمساعدة في خلق بيئة تصبح فيها مشاعر عدم التوافق مواقع لتحقيقات وأساليب وخيارات عملية جديدة، كما تقترح سالامون. صحيح أنّ تثمين إسهام أعمال الفرد بوصفه جزءًا من ثقافة الممارسة لا يُبعدنا كلًّيًا عن أساليب

التسويغ. وفي الواقع، من المرجح جًّدًا أن يؤدي انتشار التحقيقات والاستفسارات والأسئلة إلى انتشار الأعمال والمعايير المرجعية التي ستُستخدم بوصفها معايير تسويغ. ومع ذلك، لن تقبل هذه المعايير التعميم بالطريقة التي تبدو عليها معايير التسويغ اليوم. ولن يتحدد الاشتغال الفلسفي كذلك بهذه المعايير التسويغية فحسب. ستصبح المعايير التسويغية جزءًا مهًّمًا من النقد

الفلسفي؛ إذ تُصدَر أحكامٌ على الفلسفة الجيدة والسيئة، ولا تُصدَر أحكام تتعلق بالطبيعة الفلسفية

لتلك المساعي. لا يُطلق على القصة القصيرة السيئة اسم "مجموعة من الكلمات"، إّلا على سبيل

المزاح، لأنها قصة قصيرة سيئة. وبناءً على ذلك، يمكن اعتبار الفلسفة رديئة من دون أن تفقد

جوهرها الفلسفي. ومع ذلك، يَضمنُ التثمين الأولي للقضايا "الحية" والمساهمة الفعلية تشجيع تعدد المناهج الفلسفية

وتفتيت معايير التسويغ (بما في ذلك معايير التسويغ الجديدة والمتطورة). لن يكون العمل الفلسفي المُنتَج والأسئلة المطروحة في ثقافة الممارسة متوافقة دائمًا أو ممكنة التوحيد؛ نظرًا إلى اختلاف

الاستفسارات والخبرات التي تُشكّلهما. وهذا من شأنه أن يُجبر على الاعتراف بالطبيعة المتشظية

للفلسفة الاحترافية؛ إذ تبدو المناهج ومعايير التسويغ أكثر ملاءمة في بعض الاستفسارات من غيرها، وهو ما يُشبه، إلى حد بعيد، كيفية حدوث الاشتغال الفلسفي اليوم. وفي هذا السياق، ثمة مقترح

يصوغه ميتشر بعبارة "إعادة توجيه فلسفي"، إذ يجري تقييم الأنشطة الحالية في الفلسفة بطريقة

مختلفة. ومرة أخرى، قد تُطرح سرديات مُشَرعِنَة، لكنها ستعمل على نحو مختلف. لن يكون

التسويغ وفقًا لمجموعة متجانسة من معايير التسويغ ذا صلة وثيقة، بل يمكن أن تظهر آليات تحقق أصغر وأكثر تلقائية، بما يتناسب مع الاستفسارات والأسئلة قيد البحث. إن تثمين هذه القواعد

((3(من المهم ملاحظة أنّ كلمة "يُسهم" Contribute تُستخدم بمعنى واسع جًّدًا. من المعقول أن يُسهم بعض الفلاسفة

المتخصصين، الذين قد يرغبون في حلّ مشكلات معرفية معقدة، في الخطاب الدائر حول هذه المسائل. ومع ذلك، فمن الصحيح

أيضًا أنّ الفلاسفة المهتمين بقضايا العرق والطبقة الاجتماعية والجنس والهجرة، على سبيل المثال، يُمكنهم الإسهام في هذه

الخطابات.

(39) Salamon.

((4(لعل بعضهم يرون أن العجز عن توحيد الرؤى الفلسفية إنما يدلّ على عدم واقعية هذا الطرح. وبعضهم قد يحاولون عقد

مقارنة بين علم طبيعي، مثل علم الأحياء الدقيقة، والفلسفة، زاعمين أنّ ثقافة الممارسة بما أنها تبدو غير قابلة للتطبيق في علم

الأحياء الدقيقة؛ فينبغي أن تكون كذلك في الفلسفة. وهذه مقارنة خاطئة بسبب افتراض وجود قوانين طبيعية، في حين لا يوجد افتراض بديهي لوجود قوانين فلسفية مماثلة.

(41) Kitcher; Lucius Outlaw Jr., On Race and Philosophy (New York: Routledge, 1996). (42) Outlaw Jr.

الأصغر الناشئة يقلل الحاجة إلى التمسك بمجموعة شاملة من النصوص أو الأسئلة المرجعية لنيل مكانة فلسفية احترافية مرموقة. وبناءً على ذلك، فإنّ ثقافة الممارسة؛ حيث لا تكون المشاريع محددة مسبقًا ومتعددة القواعد، تُقِلِّل

تأثير النزعة الاستثنائية. لأفصح أكثر، ربما لا تُزيل هذه الثقافة النزعة الاستثنائية كلًّيًا، لكنها تُتيح

لمجتمعات الباحثين النمو والتطور بحرية نسبية بعيدًا عن مطالب من يمارسون هذه النزعة؛ أي إنّ الوقت اللازم للمرء كي يدافع عن مشروعه أمام ممارس فلسفة لن يقتنع أبدًا بقيمة عمله هو في وقت قليل نسبيّا، بل يمكن أن يوجّه المرء طاقاته نحو تقديم إسهامات داخل مجتمعه. وقد يلاحظ

بعضهم أنّ هذا النوع من التركيز موجود فعلًا بين ممارسين متنوعين. هذا صحيح، لكنه يحدث بوصفه جزءًا من "هامش" الفلسفة؛ نتيجةً لعدم اكتساب مكانة فلسفية إيجابية ومعترف بها بسهولة. وفي

ثقافة الممارسة، يصبح مفهوم الهامش والتيار الرئيس غير ذي معنى، وتُعطى القيمة لنقاط المساهمة المحددة. ويعود ذلك أساسًا إلى أنّ ما يُنشئ المجتمعات الفلسفية في ثقافة الممارسة هو الاهتمام

بالمساهمات المقدّمة وفقًا لمصالح الفرد ومشاركته المجتمعية، بدلًا من حزمة مشتركة من معايير التسويغ. يوجد اعتراضان، على الأقل، يواجهها اقتراحي بالانتقال إلى ثقافة الممارسة. ويتمثّل الاعتراض الأول في العجز عن صيانة فكرة مفادها أنّ للفلسفة الاحترافية تخصصًا أكاديميّا متميزًا. وتتمثل فكرة هذا

الاعتراض ببساطة فيما يلي: إذا تلاشت المعايير التي تحكم ما يُعتبر فلسفة، فإنّ ما يميّز الفلسفة

سيتلاشى أيضًا. يصدر هذا الاعتراض، كما يبدو، من فكرة أن الفلسفة والتفكير الفلسفي ليسَا نشاطًا

يشمل الناس جميعًا، وهو ينطوي على افتراض مفاده أنه يوجد شيء مميز في التفكير الفلسفي يقتصر على الفلسفة الاحترافية وحدها. وهذا شكل من أشكال الاستثنائية ما دام يرفع من شأن الاشتغال الفلسفي الاحترافي على نحو غير مقبول؛ أي إنه يرفع من شأن نتاج فئة من الناس على أخرى. دعوني أقدّم تشبيهًا لتوضيح هذه النقطة. يوجد كتّاب مبدعون في جميع أنحاء العالم، ولن يتمكن معظمهم من إعالة أنفسهم من الكتابة الإبداعية وحدها، لكنهم يكتبون مع ذلك. وبعض العوامل التي تُحبط آمال كُتّاب مبدعين في الشهرة والدعم المالي تتعلق بالامتيازات الاجتماعية والسياسية والجغرافية، والاختلافات في الموهبة، واتجاهات النقد. ومع ذلك، لا تُحدد هذه العوامل وجود الكُتّاب المبدعين والكتابة الإبداعية، أو انعدام ذلك. إنّ التوسع الحتمي في الاشتغال الفلسفي الذي سينتج من فهم هذا الاشتغال، بوصفه مساهمةً، لا يُقلل نشاط الفلسفة وإنتاجها؛ مثلما أنّ مفهوم الكتابة الإبداعية، الواسع

جًّدًا، لا يُلغي نشاطها وإنتاجيتها. فالكتابة الإبداعية لا تزال نشاطًا واسع الانتشار بين الناس، والفلسفة

نشاط واسع الانتشار بين الناس أيضًا.

((4(يرى بعضهم أنّ تراجع مكانة الفلسفة في التعليم العالي يرجع في المقام الأول إلى محاولة تجريدها من قيمتها. ينظر على

سبيل المثال مقالة لي ماكنتاير، وهي مقالة حديثة، عنوانها "جعل الفلسفة ذات قيمة – وإّلا ". ينظر:

Lee Mcintyre, "Making Philosophy Matter – or Else," The Chronicle Review , 11/12/2011, accessed on 25/5/2026, at: https://acr.ps/hBy2srs

أما الاعتراض الثاني، فيتعلق بما إذا كان التحول إلى ثقافة الممارسة مُبالغًا فيه. فإذا كانت المشكلة،

على سبيل المثال، هي ضعف تطبيق معايير التسويغ وضعف معايير التسويغ، فلماذا لا نطالب بتطبيق أفضل لمعايير التسويغ وبمعايير تسويغ أفضل؟ في ظل ثقافة تخصصية تتسم بأعراض ثقافة التسويغ، يميل عبء مراجعة معايير التسويغ إلى الوقوع على نحو غير متناسب على عاتق الممارسين المتنوعين. وهذا، بصراحة، أمر غير مقبول. أرى أنّ ثقافة الممارسة تدعو إلى تطبيق أفضل لمعايير التسويغ، وتحسين هذه المعايير بطريقة توزع عبء إحداث هذه التغييرات. وإذا كان من الصعب التخلص من هذه المعايير والشرعية بوصفها شكلًا من أشكال التحقق، فإنّها في حاجة إلى وضعها في سياقها الصحيح؛ فهي ليست دائمًا شائعة، وليست متينة الصلة أيضًا. يجب على الثقافة التخصصية

الاحترافية أن تستوعب هذا الواقع. وبحسب رأيي، تستطيع ثقافة الممارسة أن تفسر تجزّؤ معايير التسويغ وتنوعها؛ بأن تستبدل بمعايير التسويغ الشاملة تقييمات سياقية للمساهمة. وفيما يأتي، سأقدّم مث لًا د لا على الكيفية التي يمكن أن تعمل هذه الثقافة من خلالها على تحييد النزعة الاستثنائية، إلى حد ما، والمساعدة في خلق مساحة يمكن أن تصبح فيها مشاعر عدم التوافق مجالات للتفاعل الفلسفي الإبداعي.

سادسًا: تمرين مقارن: اختبار عنصرَي ثقافة الممارسة

من أجل تحقيق فهمٍ أعمق لثقافة الممارسة في الفلسفة الاحترافية، سأصف بإيجاز مفهومين للفلسفة، هما: تعريف بريست للفلسفة بأنها نقد، وملاحظات لورد المتعلقة بحدود التنظير الفلسفي؛ لأبيّن

كيف أنه يمكن اعتبار كلا المفهومين اشتغ لًا فلسفًّيًا وفقًا لعنصرَي ثقافة الممارسة.

1. غراهام بريست والفلسفة نقدًا

يقدّم بريست في مقالة "ما الفلسفة؟"، تصورًا للفلسفة، يختلف عن فهم لودفيغ فتغنشتاين وريتشارد

رورتي، أطلق عليه اسم "الفلسفة نقدًا"، ويرى أنّ للفلسفة مشروعَين، أحدهما سلبي والآخر إيجابي؛ فهي ذات شقين: نقدي وبنّاء، ويقول: "إنّ تعلّم الفلسفة لا يقتصر على حفظ مجموعة من الحقائق، بل هو تعلم كيفية تقييم أفكار الناس تقييمًا نقديًا". وعلى الرغم من أن النقد قد يزدهر

في أيّ مجال، فإن مكانته في الفلسفة تختلف على نحو مميز. ويضيف قائلًا: "ما يميز دور النقد في

الفلسفة هو أنه لا يوجد شيء إّلا يمتدّ إليه الشك". فالفلسفة لا تقتصر على تعريفها بالنقد فحسب، بل إن هذا التوجه نفسه "غير مقيد". ومن ثم، يرى أنّ "الفلسفة هي تحديدًا ذلك البحث الفكري الذي يكون فيه كل شيء مفتوحًا للتحدي والتمحيص النقديين".

(44) Graham Priest, "What Is Philosophy?" Philosophy , vol. 81 (2006), p. 200. (45) Ibid., p. 201. (46) Ibid., p. 202. (47) Ibid., p. 201. (48) Ibid., p. 202.

إنّ الطبيعة النقدية للفلسفة تُنتج، على وفق ما يرى بريست، ثلاث سمات، هي: 1. التخريبية؛ 2. المُزعزعة؛ 3. الأهمية العالمية. والفلسفة تخريبية لأن الفلاسفة، كما يُفترض، مستعدون لتحدي

المعتقدات الشائعة اليومية. ووفقًا له، فإنّ هذا التخريب يُزعزع دارس الفلسفة الجديد. أما "الأهمية

العالمية" بالنسبة إلى الفلسفة، فمصدرها طبيعة النقد وقيمته. يقول بريست: "الفلسفة ذات أهمية عالمية. ففي أي مجال بحثي يُمكن طرح أسئلة فلسفية ملائمة. ويحدث هذا عندما يضع المرء

مسَّلَمات البحث موضع شك وريبة. وهذه تحديدًا مهمة يضطلع بها الفيلسوف. هنا، يُعدّ طرح الأسئلة مرادفًا للتحديات. وإنّ طرح التحديات هو ما يُظهر أهمية الفلسفة عالمًّيًا.

ولا يوجد افتراض إّلا يستطيع الفيلسوف التشكيك فيه، ولا موقف إّلا يستطيع الفيلسوف دحضه. وسيُشير بريست لاحقًا إلى أنّه إذا كانت الممارسة الشائعة المتمثلة في مهاجمة المواقف التي يطرحها

الفلاسفة في المؤتمرات الاحترافية مؤشرًا د لا على شيء، فإن تفسيره للفلسفة صحيح. ويضيف

بريست قوله: "النقد هو شريان حياة هذا التخصص"؛ فهو محور روح الفلسفة، مثلما أنها تتخذ من كلّ شيء موضوعًا لها. وعلى هذا النحو، فهي تخصص ذو أهمية عالمية. يُمثل الجانب النقدي للفلسفة العنصر السلبي في التفلسف. ويضيف بريست أيضًا عنصرًا إيجابيّا في

التفلسف، مُدركًا أنّ تصور الفلسفة على أنها نقد جدلي، فحسب، ليس "صورةً جذابة"ً. لذلك، يضيف

ملاحظة مفادها أنّ "الفلسفة مسعى بنّاء جًّدًا. فالفلاسفة مسؤولون عن ابتكار العديد من الأفكار الجديدة،

وأنظمة الفكر، وتصورات العالم وخصائصه". ويتضح جلًّيًا أنّ بريست يرى أنّ الجانب البنّاء من

الفلسفة، أي ابتكار أفكار جديدة، هو الجانب الأصعب والأثرى. ومع ذلك، فهو يلاحظ، في أثناء قراءة متأنية، أنّ الجانب البنّاء نفسه تسكنه روح نقدية. ويوضح أنّه من السهل أن يكون المرء "ناقدًا لاذعًا"، أو

شخصًا لا يعرف سوى كيفية نقد مواقف الآخرين. أما تقديم نقد مدعوم ب "نظرية منافسة"، فهو المسعى

الأصعب. ويقول بريست، في هذا السياق، إن النقد "لا يكون في أوج قوته إّلا عندما يكون مدعومًا

بنظرية منافسة". وتنشأ الأفكار الجديدة في الفلسفة من ردّات الفعل على الأفكار القديمة وانتقاداتها. وإنّ ما يدعم هذا الفهم للفلسفة وأهميتها العالمية المزعومة هو ما يسمى بالقيمة الجوهرية لإيجاد المشكلات (عن طريق النقد)، ثم إيجاد حلول للمشكلات (عن طريق النظريات المنافسة). هذا الفهم للفلسفة ليس بدعًا، بل هو شائعٌ إلى حٍّدّ ما، غير أنه تعريفٌ للنشاط الفكري لا ترى فيه

نسويات سوداوات كثيرات خيرًا. وسُأفِّصّل فيما يأتي ملاحظات لورد حول حدود هذا النوع من

التنظير؛ إذ يتشابه فهمها الضمني للتنظير مع تعريف بريست للفلسفة. ومن ثمّ؛ إذا فُهمت الفلسفة وفقًا

(49) Ibid., pp. 202–203. (50) Ibid., p. 203. (51) Ibid. (52) Ibid. (53) Ibid. (54) Ibid., p. 204. (55) Ibid.

لمفهوم بريست لها باعتبارها نقدًا، فإن لورد تُقِّدّم شرحًا للقيود الجدية التي تعوّق التنظير الفلسفي.

ومرةً أخرى، يكمن التحدي في إظهار كيف يُمكن أن تستوعب ثقافة الممارسة كًّلا من مفهوم بريست

للفلسفة وملاحظات لورد المتعلقة بحدودها.

2. أودري لورد: البقاء ليس مهارةً أكاديمية

تُقرن لورد الشعرَ، الذي تحركه التجربة والمشاعر كما ترى، بالمشروعات النظرية، التي تحركها

الأفكار المفاهيمية والنقد. وتُؤكد أنّ إحدى قيم الشعر تكمن في قدرته على جعل الملاحظات النظرية البحتة ذات صلة بالحياة الواقعية. وعلى الرغم من أنّها تُقدم دفاعًا مثيرًا للاهتمام عن ضرورة الشعر

في أعمالها، فإنّ ما يهمنا، في هذا السياق، هو الحدود التي تراها في التنظير الفلسفي، والتي تجعله "خادمًا" للشعر. وهي ترى أنّ حدود التنظير الفلسفي تتمثل في الالتزام بمثال العقلانية المنبثقة من

العدم، والالتزام بالرأي القائل إنّ معنى الحياة هو حلّ المشكلات.

أ. العقلانية المنبثقة من العدم

في مقابلة أجرتها أدريان ريتش عام 1979، طرحت على لورد أسئلةً عن مجموعة من المواقف التي قدّمتها في إحدى مقالاتها التي ظهرت عام 1977، وهي "الشعر ليس ترفًا". تقول لورد: "قال لنا الآباء البيض: أنا أفكر؛ إذًا، فأنا موجود. الأم السوداء في داخل كٍّلٍ منّا – الشاعرة – تهمس في أحلامنا: أنا أشعر، إذًا، يمكنني أن أكون حرة". وتطلب ريتش من لورد الرد على النقد الموجه إليها بأنها، هنا، تعيد ببساطة صَوغ مجموعة قديمة من الصور النمطية عن "الرجل الأبيض العقلاني والمرأة السوداء العاطفية". وكان ردّ لورد لافتًا للانتباه. وقد يتوقع المرء منها أن تدافع عن نفسها ضد تهمة تبنيها الاعتقاد بأنّ الرجال البيض فحسب هم العقلانيون حقّا، وأنّ "الإناث السمراوات"، فحسب، هن العاطفيات حًّقًا. لكنها بدلًا من ذلك تردّ بتفنيد النقد قائلة:

لقد سمعت هذا الاتهام، بأنّني أساهم في ترسيخ الصورة النمطية، وأنّني أقول إنّ مجال الذكاء والعقلانية ينتمي إلى الرجل الأبيض. ولكن إذا كنتَ تسلك طريقًا لا بداية له ولا نهاية، فإنّ ملكية الطريق تصبح بلا معنى. إذا لم تكن لديك أرض ينطلق منها الطريق، ولا وجهة تصل إليها جغرافيًا، ولا هدف، فإن وجود

هذا الطريق يصبح بلا معنى. إن ترك العقلانية للرجل الأبيض أشبه بترك جزء من هذا الطريق له، جزء لا بداية له ولا نهاية.

بحسب لورد، ثمة شيء من العبثية في مفهوم العقلانية؛ ذلك أنّ فهم الممارسة الإنسانية للعقل، كما يُفهم في العقلانية، لا أصل له ولا وجهة ولا غاية، وليس له مكان محدد؛ ومن ثمّ فهو معدوم

الفائدة. هل تعني لورد أنّ العقلانية برمتها معدومة الجدوى؟ كَّلا؛ لأنها ستوضح لاحقًا ما يلي:

(56) Audre Lorde, Sister Outsider: Essays and Speeches (Trumansburg: Crossing Press, 1984), p. 56. (57) Ibid., p. 38. (58) Ibid., p. 100. (59) Ibid.

ليست العقلانية غير ضرورية [...] إنها تخدم الشعور. إنها وسيلة للانتقال من مكان إلى آخر. ولكنك إذا لم تُقدّر تلك الأماكن، فإنّ الطريق يصبح بلا معنى. غالبًا ما يحدث هذا مع تقديس العقلانية

والتفكير الأكاديمي التحليلي الدائري. يبدو أن لورد تتساءل عن جدوى مفهوم العقلانية؛ لكونه مفهومًا لممارسة إنسانية، لا ممارسة العقلانية

نفسها. فممارسة العقلانية لها دائمًا مجال، ولكل محاولة للعقلانية منطلق ووجهة. وإنّ احترام مكانة

حالات العقل المعطاة وحدوده هو ما يضفي على العقلانية معناها. لذا، فإنّ محاولات تجريد العقل، من دون الرجوع إلى المجال وحدوده، هي معدومة الجدوى، بحسب لورد. ومن ثمّ، فإنّ افتراض

ملكية مثل هذا المفهوم يُعدّ ادعاءً لا قيمة له.

ب. الحياة مشكلة يجب أن تُحلّ

قد يأتي سبيل الدفاع عن قيمة مفاهيم الممارسة الإنسانية، كالعقلانية مثلًا، من فهم التفكير المفاهيمي وسيلةً لمعالجة المشكلات المعاصرة. فمن خلال معالجة مشكلات العالم، تستطيع الفلسفة أن تساعد في توجيه السلوك البشري. وبالنسبة إلى لورد، فإنّ هذا الرد يعتمد على منهج معيّن في التعامل مع

العالم والحياة؛ إذ يُنظر إلى الحياة كما لو كانت مجموعة من المشكلات التي يجب حلها. وتلاحظ

لورد، كما أرى، وجود حدود على هذه النظرة العالمية تحديدًا، إذ تقول:

عندما ننظر إلى حياتنا وفقًا للنمط الأوروبي، باعتبارها ليست إّلا مشكلات يجب حلها، فإننا نعتمد كلًّيًا على

أفكارنا لنكون أحرارًا، لأنها ما أخبرنا به الآباء البيض من جهة أنها ثمينة. ولكن كلّما ازداد تواصلنا مع نظرتنا

القديمة والأصلية غير الأوروبية للحياة بوصفها حالة يجب خوضها والتفاعل معها، تعلّمنا أكثر فأكثر أن نعتز بمشاعرنا، وأن نحترم تلك المصادر الخفية والعميقة لقوتنا التي تنبع منها المعرفة الحقيقية، ومن ثمّ العمل

الدائم.

ترى لورد، في هذا السياق، وجود صلة واضحة بين رؤية عالمية معينة والاعتماد على الأفكار. وبغضّ النظر عن صحة تصنيفها "الأوروبي" و"غير الأوروبي"، فإنّ اعتبار الحياة "مشكلة يجب حلها" يدفع المرء إلى الإيمان بالأفكار والاعتماد عليها بطريقة معينة. ويجدر بنا أن نحاول توضيح ما قد ينطوي عليه مفهوم المشكلة/ الحل للحياة. وتوجد ثلاثة التزامات على الأقل؛ أولها يتعلق بتقدير قيمة اكتشاف المشكلات، وثانيها بتقدير قيمة تحليل هذه المشكلات لتحديد الحلول الممكنة. أما ثالثها، فيتعلق بصَوغ حلول للمشكلات. وليس من الواضح متى يحتاج المرء، وفقًا لنهج المشكلة/ الحل

للحياة والتزاماته الثلاثة، إلى العمل من أجل حلّ ما. ويُفترض أنّ اكتشاف الأفكار وحده يمتلك قوة

ثورية. وكُّلُ ما هو مطلوب لتغيير العالم هو التفكير في حلّ. ولا يتضح للورد كيف يمكن أن يفرض

هذا التوجه في الحياة، أي توليد الأفكار في صورة مشكلات و/ أو حلول، في حدّ ذاته، متطلباتٍ على أفعالنا. والسؤال المطروح هنا هو: كيف سيفرض اكتشاف المشكلات و/ أو الحلول وتحديدها والتعبير عنها متطلبات على أفعالنا؟

(60) Ibid. (61) Ibid., p. 37.

تبدو لورد هنا في ريب من قدرة الأفكار والتفكير المفاهيمي على فرض متطلبات على أفعالنا. وعلى نحو أدق، ولأن التفكير المفاهيمي قد يخطئ، فإنّ عملية إيجاد المشكلات والحلول تتقهقر بلا نهاية. وعلى سبيل المثال، سينتج منه السؤال السابق، "كيف سيفرض اكتشاف المشكلات/ الحلول وتحديدها

والتعبير عنها متطلبات على أفعالنا؟"، إذا ما اعتبرناه مشكلة تحتاج إلى حلّ، إجاباتٍ هي في حدّ ذاتها مشكلات تحتاج إلى حلّ. وقد يضيع المرء نفسه في عملية إيجاد المشكلات وتقديم الحلول. وإذا

أعيد صَوغ هذا المفهوم وفقًا لتصور بريست للفلسفة بوصفها نقدًا، كما ذكرت سابقًا، فقد يغرق المرء

في دوامة لامتناهية من النقد والنظريات المتنافسة من دون أن يتصرف وفقًا لأي فكرة. وفي الواقع، قد يكون نموذج المشكلة/ الحل، أو نموذج النقد/ النظرية المنافسة، في حد ذاته وسيلةً لتعليق العمل إلى أجل غير مسمى. ونتيجةً لذلك، تُبيّن لورد أنّ الاعتماد على الأفكار والمفاهيم وحدها لا يُلزمنا

بأفعالنا، بل يجب أن يقترن بنوع آخر من النشاط الإنساني؛ أي الشعر الذي يُترجم النظرية إلى فعل.

ومن ثمّ، فهي لا ترفض التفكير الفلسفي رفضًا قاطعًا، كما تفهمه، بل هي ترصدُ حدوده. وتتأثر الفلسفةُ، عند اعتبارها نقدًا ونظرياتٍ منافسةً، بملاحظات لورد المتعلقة بنماذج المشكلة/ الحل.

ويرتكز مفهوم النقد والنظرية المنافسة للفلسفة على توجهٍنحو المشكلة والحل. ولن أسعى فيما يأتي للدفاع عن فكرة بريست عن الفلسفة بوصفها نقدًا، أو عن الحدود التي اقترحتها لورد بخصوص هذا النشاط، مع أنني أعتقد أنّه يمكن الدفاع عن كلا الموقفين لأسباب مختلفة وفي سياقات متباينة، بل أهدف إلى توضيح إمكان التوفيق بين تعريف بريست للفلسفة والقيود التي رصدتها لورد فيما يتعلق بالتنظير الفلسفي من جهة، والعنصرين المتضَّمَنين في ثقافة الممارسة من جهة أخرى.

3. كيف يمارسون الفلسفة؟

لا تُعدّ ملاحظات بريست ولا ملاحظات لورد الواردة، في هذا السياق، أصلية. ومع ذلك، اخترُت

عن قصدٍ مفهومه للفلسفة بوصفها نقدًا، وحدود التنظير الفلسفي عند لورد. ليس من السهل التوفيق

بين هذين المفهومين والمكونات التي أحدّدها بوصفها عناصر حاضرة في ثقافة الممارسة. لنتذكّر أنّ المكوّن الأول هو قيمة مُعطاة لتحديد ومتابعة الاهتمامات و/ أو الأسئلة "الحية"، والمكوّن الثاني

يتعلّق بالاعتراف بتكاثر قواعد ومعايير التسويغ. في قراءتي للورد، قد يبدو التركيز على الاهتمامات و/ أو الأسئلة في المقام الأول كأنه يُخرج لورد من إطار الفلسفة. ويبدو مفهوم بريست للفلسفة، ظاهريًا،

غير ذي صلة، إلى حد بعيد، بهذا النقاش، باعتباره من مخلفات ثقافة التسويغ. ومع ذلك، ثمة سمات عديدة في ملاحظات بريست ولورد تجعلها مناسبة تمامًا لتوضيح كيفية عمل ثقافة الممارسة.

(62) Ibid.; Lorde; Audre Lord, "Poetry Makes Something Happen," in: Rudolph Bryd, Johnnetta Betsch Cole & Beverly Guy–Sheftall (eds.), I Am Your Sister: Collected and Unpublished Writings of Audre Lorde (New York: Oxford University Press, 2009), pp. 184–187

((6(للاطلاع على تفسيرات ترصد الطرائق التي يدعم بها النقد داخل الفلسفة ثقافة التسويغ، ينظر:

Kristie Dotson, "Concrete Flowers: Contemplating the Profession of Philosophy," Hypatia , vol. 26, no. 2 (2011), pp. 403–409; Janice Moulton, "A Paradigm of Philosophy: The Adversary Method," in: Ann Garry & Marilyn Pearsall (eds.), Women, Knowledge, and Reality: Explorations in Feminist Philosophy (New York: Routledge, 1996), pp. 11–25.

أ. العنصر الأول: تثمين المساهمة في معالجة مشاغل "الحياة"

مرة أخرى، يتمثل العنصر الأول لثقافة الممارسة في تثمين البحث عن المسائل والظروف المهمة في حياتنا. وترفض لورد، كما أشرنا بإيجاز، التوجه القائل إنّ الحياة تُقدّم نفسها بوصفها مجموعة من المشكلات يجب حلّها. وإنّ فكرة تكُّوُن الفلسفة أساسًا من تحديد المشاغل و/ أو الأسئلة التي

يجب بحثها والتفاعل معها هي في حد ذاتها ليست توجهًا يمكن أن تنتسب إليه لورد بسهولة. ولكن ليس من الواضح أنّ رغبة لورد في الابتعاد عن نظرة العالم القائمة على المشكلة/ الحل تجعل البحث عن المسائل والظروف ذات الصلة ليس أمرًا مهمّا. وفي الواقع، توضح لورد أنّ التنظير الفلسفي

والشعر ضروريان للبقاء. ومع ذلك، فإنّ إعطاء الأولوية للتنظير الفلسفي من دون وسيلة تُوِّظّف

هذا التنظير لإنتاج عملٍفعّال هو أمرٌ عبثي. لذا، تُقِّدّم لورد، من خلال رصدها لحدود البحث المباشر

عن المشكلات والحلول، منهجيةً بديلةً لاستخلاص رؤى ممكنة التطبيق. وإنّ مفهوم التنظير الذي يُسهم في حلّ المشكلات "الحية"، وفقًا لفهم لورد لحدود فلسفة المشكلة/ الحل، سيتغير كثيرًا. وبناءً

على ذلك، سيتغير مفهومها للكتابة الفلسفية كثيرًا أيضًا؛ فالأدب والشعر والسيرة الذاتية ستُعتبر مصادر

قيّمة للاشتغال الفلسفي. من الواضح أنّ الفلسفة لدى لورد تختلف كلًّيًا عن الفلسفة لدى بريست. ويرجع ذلك أساسًا إلى

أن ما يعتبر إسهامًا يختلف اختلافًا كبيرًا باختلاف الالتزامات المنهجية؛ فإما مفهوم لورد وإمّا مفهوم

بريست. وهذه الملاحظة وحدها لا تنفي عن منهج لورد مكانته الفلسفية الإيجابية. فمثل هذا التقييم لا قيمة له. وفي هذه الحالة، نرى كيف يمكن أن تُسهم ثقافة الممارسة في نشر أنواعِ المنهجيات التي يعتمد عليها المرءُ وعلى ونصوصه المرجعية المعتمدة. وبعبارة أخرى، يمكن أن يزيد عمل لورد

من الخيارات المتاحة للممارسين الفلسفيين في مجال الفلسفة الاحترافية، إذا لم يُخضع، على سبيل

المثال، للمعايير التسويغية المُستمدة من تعريف بريست للفلسفة باعتبارها نقدًا. من اليسير التوفيق بين تفسير بريست وأهمية البحث عن أسئلة "حية". إنّ بريست لم يُحدد، في أي

موضع من مقالته، مجموعةً واحدةً من الأسئلة ذات الصلة. وفي الواقع، لا يوجد شيء إّلا يمكن مساءلته كما يرى بريست. لذا، يبدو أنّ وضع مجموعة محددة من المشكلات و/ أو الأسئلة المناسبة يتعارض مع منهجه. وحتى لو شعر بعضهم بالحاجة إلى صَوغ مجموعة من الأسئلة الفلسفية

"المناسبة"، فإنّ هذه القائمة يمكن مناقشتها. وإلى جانب التركيز على التساؤل، في طرح بريست،

(64) Lorde, Sister Outsider: Essays and Speeches , p. 37.

((6(مع ذلك، ستظل توجد عوامل أخرى مؤثرة في تحديد الممارسات الفلسفية التي ستزدهر داخل أي قسم فلسفي. ولكن بالنظر إلى حقيقة أنّ الفلسفة الاحترافية تُدعى في هذه المرحلة التاريخية إلى إبراز جدواها، فقد يكون من الأنسب للفلاسفة المحترفين

وأقسام الفلسفة، الذين قد يبدون مترددين في البداية، إعادة تقييم نطاق الفلسفة ودورها (Mcintyre, "Making Philosophy Matter – or Else"). وعلى سبيل المثال، في ثقافة الممارسة، يمكن توسيع نطاق الدراسات العليا في الفلسفة لإتاحة مجال أكبر لتخريج فلاسفة ذوي خبرة في مجالات دراسية أخرى بسهولة نسبية. لن يعمل جميع الفلاسفة المحترفين في أقسام الفلسفة، وهو واقع قائم فعلًا بالنسبة إلى العديد منهم. ولكن يمكن تخفيف الوصمة التي قد تترتب على عدم العمل في قسم فلسفة بالنسبة إلى

هؤلاء الفلاسفة على نحو ملحوظ.

يكفي تأكيد أنّ مفهومه للفلسفة يتضمّن جانبًا سلبًّيًا وآخر إيجابًّيًا؛ إذ يمكن توسيع الجانب الإيجابي

ليشمل مدى إسهام الفرد في خطابٍ ما و/ أو ظرفٍ قائم.

ب. العنصر الثاني: مرجعيات متعددة ومنهجيات متعددة للتحقق من صحة التخصّص

يتضمن الجانب الثاني من ثقافة الممارسة انتشارَ معايير موثوقة وأساليب تحقق من صحة التخصص.

وفي هذا الصدد، لا يتطلب تعريف بريست للفلسفة بأنها نقدٌ مجموعةً واحدةً من الكتابات المرجعية، بل إنّ كثرة الأسئلة ستؤدي، على الأرجح، إلى تعدد المرجعيات. أما ما قد يبدو متعارضًا مع هذا الجانب الثاني من ثقافة الممارسة، فهو مدى التزامه بمنهج واحد للتحقق من صحة التخصص؛ أي النقد الواضح. وهنا، قد تبدو فكرة ثقافة الممارسة غير متوافقة مع مفهومه للفلسفة. فالإجابات عن السؤال "ما الفلسفة؟"، كما هو الشأن في تفسير بريست، تُشير إلى منظور مُقِّيّد للاشتغال في

التخصص. ولكنّ هذا استنتاج فحسب. ويصبح هذا المنظور مُقِّيّدًا فعلًا إذا اعتبرنا أنه يُقِّدّم تعريفًا

عالميًا للفلسفة؛ أي النقد بوصفه معيارًا تسويغًّيًا متين الصلة. بمعنى آخر، ضمن ثقافة التسويغ التي

تسمح بمجموعة واحدة من معايير التسويغ، قد يصبح تعريفه للفلسفة بوصفها نقدًا تعريفًا مُقِّيّدًا لها.

ومع ذلك، فإنّ فهم التنظير الفلسفي المُستمد من ملاحظات لورد، إذا اعتُبر أنه يشتمل على مجموعة

معايير التسويغ الوحيدة المتاحة سيكون مُقِّيّدًا بالقدر نفسه. وإنّ ثقافة التسويغ وافتراضها لمعايير

تسويغية شائعة ذات صلة متينة يجعل أي فهم للاشتغال الفلسفي مُقِّيّدًا. أما ضمن ثقافة الممارسة، فإنّ

تعريف بريست غير ممكن تعميمه. ونتيجة لذلك، في هذه الثقافة، يمكن دراسة تعريفه لمعرفة الطرائق التي يكون فيها مفيدًا لبعض المشاريع وغير ذي جدوى لمشاريع أخرى. وبخلاف العنصر الأول، ليس العنصر الثاني لثقافة الممارسة سمةً من سمات النظريات الفلسفية نفسها. إنّه عنصرٌ ينبغي أن يتجلى في بيئات الفلسفة الاحترافية التخصّصية نفسها. وعلى سبيل

المثال، ربما لا يكون فهم بريست للفلسفة بوصفها نقدًا، وما يتبعه من تصديقات منهجية، صلة بالمواقف المنبثقة من ممارسة فلسفية قائمة على مواقف لورد. لكن هذا لا يعني بالضرورة فشل فهمه للفلسفة، بل يُشير ببساطة إلى مواضع ربما لا ينطبق فيها. بمعنى آخر، يعُدُّ تثمين أشكال

متعددة من التصديق التخصصي ضابطًا لما تنطوي عليه تعريفات الفلسفة من قابلية التعليم، وما ينتج منها من معايير تسويغية، وهي غالبًا ما تُترجم إلى تعريفات فلسفية مُقِّيّدة، وأحيانًا

عرقية، إلى جانب معايير تسويغية يُفترض خطأ أنّها شائعة ومتينة الصلة. وإنّ انتشار التسويغات

التخصصية، التي تُحدد كيفية إسهام عمل الفرد (بما في ذلك المنهجيات التي تُشكّل إسهامه وتعريفه له)، من شأنه أن يُسهم، إلى حدّ بعيد، في خلق بيئة تُصبح فيها مشاعر عدم التوافق مج لًا

للاستكشاف. وبما أن ثقافة الممارسة تثمّن المساهمة، وتضمّ مرجعيات متعددة وأشك لًا متنوعة

من التحقق التخصصي، فستكون مرنة على نحو كافٍ لتحديد الاشتغال الفلسفي وفقًا لمجموعة من العوامل. ونتيجةً لذلك، فإنّ وجود هذه الثقافة ضمن الفلسفة الاحترافية سيوفر خيارات أكثر جدوى، إلى حدّ بعيد، مما هي عليه الآن.

شكر وتقدير

أودّ أن أشكر أنيتا ألِن على دعوتها إلى توجيه نظرة نقدية إلى مهنة الفلسفة، نظرًا إلى ما تقدمه هذه

المهنة أو تقصر في تقديمه للنساء السوداوات. أتقدم بالشكر أيضًا إلى كايل وايت، وجيم نيلسون، وساندرا هاردينغ، ومارلين فراي، وطلاب الدراسات العليا في الفلسفة في الندوات التمهيدية لعامي 2009 و 2010 في جامعة ولاية ميشيغان (وخاصة سامانثا نول، وجون دومبروفسكي، وإيان ويركهايزر)، والحضور في مؤتمر إيدا بي ويلز للفلسفة لعام 2009 في جامعة ممفيس، والمراجعين الثلاثة المجهولين لمجلة الفلسفة المقارنة على تعليقاتهم المثيرة للتفكير على مسودات مختلفة من هذه الورقة.

المراجع References

Alcoff, Linda & Elizabeth Potter (eds.). Feminist Epistemologies. New York: Routledge,

Allen, Anita L. et al. "Situated Black Women’s Voices in/on the Profession of Philosophy." Hypatia. vol. 23, no. 2 (2008). Bailey, Alison & Chris Cuomo (eds.). The Feminist Philosophy Reader. New York: McGraw–Hill, 2008. Baily, Alison. "Privilege: Expanding on Marilyn Frye’s 'Oppression'." Journal of Social Philosophy. vol. 29, no. 3 (1998). Bryd, Rudolph, Johnnetta Betsch Cole & Beverly Guy–Sheftall (eds.). I Am Your Sister: Collected and Unpublished Writings of Audre Lorde. New York: Oxford University Press, 2009. Code, Lorraine. "Is the Sex of the Knower Epistemologically Significant?" Metaphilosophy. vol. 12 (1981). Davidson, Maria Del Guadalupe, Kathryn T. Gines & Donna–Dale L. Marcano (eds.). Convergences: Black Feminism and Continental Philosophy. Albany: SUNY Press,

Dotson, Kristie. "Concrete Flowers: Contemplating the Profession of Philosophy." Hypatia. vol. 26, no. 2 (2011). Garry, Ann & Marilyn Pearsall (eds.). Women, Knowledge, and Reality: Explorations in Feminist Philosophy. New York: Routledge, 1996. Gines, Kathryn T. "Being a Black Woman Philosopher: Reflections on Founding the Collegium of Black Women Philosophers." Hypatia. vol. 26, no. 2 (2011). Godlovitch, Stan. "What Philosophy Might Be About: Some Socio–Philosophical Speculations." Inquiry. vol. 43, no. 1 (2000). Gracia, Jorge J. E. Hispanic/Latino Identity: A Philosophical Perspective. Malden: Blackwell, 2000.

__________. Latinos in America: Philosophy and Social Identity. Malden: Blackwell,

Harding, Sandra (ed.). The Postcolonial Science and Technology Studies Reader. Durham: Duke University Press, 2011. Harris, Leonard (ed.). The Philosophy of Alain Locke: Harlem Renaissance and Beyond. Philadelphia: Temple University Press, 1997. Haslanger, Sally. "Changing the Ideology and Culture of Philosophy: Not by Reason (Alone)." Hypatia. vol. 23, no. 2 (2008). Hord, Fred Lee & Jonathan Scott Lee (eds.). I Am Because We Are: Readings in Black Philosophy. Amherst: University of Massachusetts Press, 1995. Jones, William R. "The Legitimacy and Necessity of Black Philosophy: Some Preliminary Considerations." The Philosophical Forum. vol. 9, no. 2–3 (1977–1978). Kitcher, Philip. "Philosophy Inside Out." Metaphilosophy. vol. 42, no. 3 (2011). Nye, Andrea. "'It’s Not Philosophy'." Hypatia. vol. 13, no. 2 (1998). Outlaw Jr., Lucius & Michael D. Roth. "Is There a Distinctive African American Philosophy?" Academic Questions. vol. 10, no. 2 (1997). Outlaw Jr., Lucius. On Race and Philosophy. New York: Routledge, 1996. Pittman, John P. (ed.). African–American Perspectives and Philosophical Traditions. New York: Routledge, 1997. Prabhu, Joseph. "Philosophy in an Age of Global Encounter." APA Newsletter on Asian and Asian American Philosophers and Philosophies. vol. 1, no. 1 (2001). Priest, Graham. "What Is Philosophy?" Philosophy. vol. 81 (2006). Salamon, Gayle. "Justification and Queer Method, or Leaving Philosophy." Hypatia. vol. 24, no. 1 (2009). Sanchez, Carlos. "Philosophy and Post–Immigrant Fear." Philosophy and the Contemporary World. vol. 18, no. 1 (2011). Solomon, Robert. "'What Is Philosophy?' the Status of World Philosophy in the Profession." Philosophy East and West. vol. 51, no. 1 (2001). Struhl, Karsten J. "No (More) Philosophy without Cross–Cultural Philosophy." Philosophy Compass. vol. 5, no. 4 (2010). Tiwald, Justin. "A Case for Chinese Philosophy." APA Newsletter on Asian and Asian– American Philosophers and Philosophies. vol. 8, no. 1 (2008). Valian, Virginia. "Beyond Gender Schemas: Improving the Advancement of Women in Academia." Hypatia. vol. 20, no. 3 (2005). Walker, Margaret Urban. "Diotima’s Ghost: The Uncertain Place of Feminist Philosophy in Professional Philosophy." Hypatia. vol. 20, no. 3 (2005). Yancy, George. African–American Philosophers: 17 Conversations. New York: Routledge, 1998.