مختصر تاريخ العدالة لدايفيد جونستون
A Summary of Justice History
الملخّص
عرض مؤلف مختصر تاريخ العدالة جانبًا من فكرة العدالة كما تبدو بحسب الرؤية الغربية، وهو ما ألحق بجهده نقصًا فادحًا. وقد أوضحنا أن هذا النقص يطاول المستويين التصوري والمنهجي، حيث يبدو الخلل واضحًا في تصوّر جونستون لفهم العدالة ومفهوم العدالة، تمامًا كما يُلحق الضررَ البالغ بالكتاب قفزُه على مساهمة الحضارة العربية الإسلامية.
Abstract
The author of A Brief History of Justice presents an aspect of the idea of justice, from a "western" perspective, leading his effort to fall short. This article postulates that this shortcoming encompasses the conceptual and the methodological, since the flaws in Johnston's understanding and concept of justice are clear. His leaping over the Arab-Islamic contribution is also damaging to his book.
- العدالة
- الرؤية الغربية
- الحضارة العربية
- المساواة
- Justice
- Western Perspective
- Arab Civilization.
الكتاب: مختصر تاريخ العدالة الكاتب: ديفيد جونستون ترجمة: مصطفى ناصر مكان النشر: الكويت تاريخ النشر 2012: الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب عدد الصفحات 310:
تأتي ترجمة كتاب مختصر تاريخ العدالة الأميركي ديفيد جونستون، ضمن السياق العربي الجديد بعد سنة 2011؛ إذ وجد المترجم مصطفى ناصر في الكتاب مساهمة نظرية في الإجابة عن سؤال «العدالة» الذي أضحى سؤال المرحلة عند الشعوب العربية. أجمل المؤلف جونستون دوافع تأليفه للكتاب برغبته في وضع خريطة مختصرة ودقيقة للأفكار الأساسية التي لها صلة بالعدالة، إضافة إلى سعيه للمساهمة في ابتكار أفكار عن العدالة انطلاقًا من «رسم صورة للعدالة تركز على طبيعة علاقات البشر، وفي وسعها أن تؤدي دورًا مؤثّرًا في إعادة صياغة أفكارنا»، وذلك عبر عرض لتاريخ نظرية العدالة منذ البابليين واليونانيين حتى العصر الحديث، ومن خلال تناول جهود أهم الفلاسفة الذين أسست نظرياتهم لمفهوم العدالة، مثل أفلاطون وأرسطو، مرورًا بتوماس هوبز في القرن السابع عشر، وصوالًالى آراء أدم سميث وبيكاريا وبنثام وجون ستوارت مِل، ثم الفيلسوف إمانويل كانط. في حين بقيت التجربة الإسلامية غائبة عن مضمون الكتاب.
قدَّم المؤلف مضامين كتابه عبر تمهيد، وثمانية فصول، وخاتمة. ناقش في التمهيد العلاقة بين النموذج المعياري Normative() للعدالة والإحساس الإنساني بها، وكيف أن قصة العدالة بدأت منذ اللحظة التي امتلك فيها الإنسان القدرة على الإحساس بالعدل. أمّا فصول الكتاب، فجاءت متتالية تحت العناوين التالية: البيئة الاجتماعية للعدالة؛ الغائية والوصاية في «جمهورية» أفلاطون؛ نظرية أرسطو في العدالة؛ من الطبيعة إلى الصنعة: من أرسطو إلى هوبز؛ ظهور مذهب المنفعة؛ نظرية إيمانويل كانط في العدالة؛ فكرة العدالة الاجتماعية؛ العدالة بوصفها إنصافًا. وختم جونستون كتابه بمحور عنوانه: من العدالة الاجتماعية إلى العدالة العالمية. سنحاول مراجعة الكتاب من خلال مستويين: المستوى الأوليتناول نقاشًا في الرؤية التصورية المؤطرة لمقاربة المؤلِّف، والمستوى الثاني يعالج منهج المؤلِّف في كتابته لهذا المختصر. بينما ستتكفل الخاتمة بتكثيف الخلاصة والاستنتاجات.
العدالة بين الفهم والمفهوم
جاء في لسان العربأن الفَهْم هو معرفتك الشيء بالقلب، وفَهِمْت الشيء: عقَلتُه وعرَفْته. ويعتقد إدغار موران أن الفهم حقل «واسع وسع المعرفة الإنسانية، لأن كل ما يتم من طريق التماثل والتصورات ذو طبيعة فهمية، بيد أن التطورات الأصلية للفهم في المجال النفسي يحركها الإسقاط/ والمماهاة وتتمحور حول العلاقات والأوضاع البشرية». وبخصوص المفهوم، ورد في الموسوعة الفلسفية أن المفاهيم هي عادة تلك الوسائط التي تربط العقل بالعالم، وهي أفكار وأدوات يمكننا من خلالها تصنيف الأشياء. وتُعَرِّفموسوعة لالاند الفلسفية مدخل «مفهوم» على أنّه فكرة بوصفها مجردة وعامة، أو على الأقل قابلة للتعميم. وقد برز هذا الفارق بين الفهم والمفهوم بشكل واضح في عمل جونستون ضمن كتابه، وتجلىّ عبر مسارين أساسين، الأولهو تلك التحولات التي لحقت الفهم البشري للعدالة، في أسسه وأهدافه، والثانيهو التطوّرات التي عرفها مفهوم العدالة من حيث هو نتيجة مباشرة للفهم، وهنا نتحدث بشكل دقيق عن المحصول الذهني الذي أنتجه النشاط العقلي وهو ينظر في «العدالة» ضمن بيئة اجتماعية وتاريخية معيّنة. في فهم العدالة في المسار الأول، يعتقد جونستون أن الفهم البشري لموضوع «العدالة» ظل خاضعًا لتأثير البيئة الاجتماعية منذ بدء التاريخ، أو على الأقل منذ بدء التدوين؛ ف«إذا كان التصوّر السائد عن العدالة وسط مجتمع معنيّ يستند إلى التبادل غير المتوازن بين أفراد غير متساوين، وإذا كانت حالات التفاوت بين أفراد المجتمع تستند إلى مكانتهم ومواقعهم ضمن النظام الاجتماعي، عندئذ سوف تقود التغريّات التي تطرأ على ذلك النظام، أو البيئة الاجتماعية، إلى تغريّات في الأفكار المتداولة عن العدالة، والتي تحظى بالقبول والتأييد في ذلك المجتمع، وبشكل مماثل، إذا كانت بيئة مجتمع معنيّ، أو التصور السائد عن تلك البيئة الذي يشترك في تقبّله كل أفراده، تختلف جذريًا عن تصور البيئة في مجتمع آخر، فينبغي أن نتوقع وجود اختلاف في هذين المجتمعين بشأن الأفكار السائدة عن العدالة أيضًا». يعيدنا هذا التفسير إلى نقاش الفكر والواقع، وعلاقة كل واحد منهما بالآخر. ويبدو أن الكاتب ينسجم هنا مع الماركسية في موقفها من هذه العلاقة، فهي التي ترى بأسبقية الواقع على الفكر، وبتعبير آخر، أسبقية البنى الاجتماعية المادية على البنى العقلية المعنوية. يقول ستالين: «حياة المجتمع المادية، أو وجود المجتمع هو أيضًا العنصر الأول، أمّا حياة المجتمع العقلية، فهي عنصر ثان مشتق، وإن حياة المجتمع المادية هي موضوع موجود بصورة مستقلة عن إرادة
الإنسان، أمّا حياة المجتمع العقلية، فهي انعكاس هذا الواقع الموضوعي». تعرَّض موقف الماركسية القائل بأسبقية الواقع على الفكر لكثير من النقد، لذلك نفضّل عدم الدخول في تفاصيل مناقشته، في حين سنتوقف قليالً مع مقاربة جونستون لفهم «العدالة»، في ضوء هذا المعطى. قبل أن يقول جونستون بخضوع فهم الناس للعدالة لتأثير البيئة المجتمعية، فإنه بالضرورة يفترض انفصاالً بين الفهم والبيئة المجتمعية، ودليله على ذلك ما لاحظه من تغريّ للفهم يوازيه تغريّ ظروف البيئة المجتمعية. يقول جونستون: «إن تاريخ الأفكار المتداولة عن العدالة، في جانب كبير منه، هو تاريخ التغريّات التي تحصل في الطريقة التي تفهم بها بيئة المجتمعات»، وهذا تصوّر يفترض منا التسليم مسبقًا بالطبيعة المادية للفهم والإدراك البشري، أي إن ما ينطبق على المجتمعات من تحولات تبدو مادية في عمومها، ينطبق أيضًا وبالضرورة على الذهن البشري، وهذا في اعتقادنا غير صحيح، لعدة أسباب، أهمها أن الفارق شاسع بين القوى العقلية الإدراكية البشرية، والبنى الاجتماعية المادية في ظاهرها، فالأولى فردية ذاتية، غير مقيدة وغير محسوسة، لا تنضبط بأي شكل من الأشكال لمقاييس المادة وأبعادها، بينما الثانية جماعية وغير ذاتية، ومحسوسة، وينضبط جزء مهمٌ منها لمقاييس المادة وأبعادها. ومن المستبعد جدًا أن يكون فهم الناس للعدالة قد خضع بشكل ميكانيكي وشرطي لتأثير البيئة الاجتماعية، بدليل بروز أفكار مختلفة بشأن العدالة في مرحلة تاريخية واحدة، وفي بيئة اجتماعية واحدة، وبدليل تضحية مفكرين وأتباع مذاهب شتّى بأنفسهم وما يملكونه من رأس مال رمزي ومادي، من أجل إقرار العدالة. هنا، ستبدو العدالة منفصلة عن المجتمع ومتصلة به في الآن ذاته؛ منفصلة لأنها ليست صنيعة المجتمع وحده، ومتصلة لأن وجود المجتمع من لوازم العدالة الإنسانية، وهي ضرورية لاستمرار هذا المجتمع وسعادته. إن الاستناد إلى رؤية فاصلة بين الفكر والواقع هو الذي أدى بالكاتب إلى هذا التصور للفهم البشري، ذلك أن «صورة العالم التي حيُيَّد فيها المُلاَحِظُ، بله الجانب النفسي، هي صورة غير متكاملة، ولا تنسجم إالّ مع المظهر السطحي والأولّي للعالم، ذلك المظهر البسيط الذي ينسجم مع ملاحظات الإنسان البسيط، إنها صورة غير متكاملة، لكنها واقعية، لأنها جزء من الواقع وليست كل الواقع، وإذا أريد تعميمها حينئذ فقط تكون خاطئة وغير واقع». نعتقد أنه ينبغي مقاربة الفهم البشري للعدالة خارج ثنائية الفصل أو الوصل بين الفكر والواقع، باعتبار وجود فهم العدالة وتفاعله داخل فضاء زماني ومكاني واحد، وخضوعه لصيرورة التطور، والتأثير والتأثر. هناك حالة وسطية بين الفصل والوصل مع الواقع الاجتماعي والتاريخي في فهم الإنسان للعدالة؛ حالة لامادية ذات خصائص فيزيائية، وهي الخاصية التي تميّز ماهية «الفهم» نفسها، باعتبارها حالة تداخل بين ما هو فيزيائي دماغي وما هو روحي ونفسي، بمعنى أن فهم «فهم العدالة» ينبغي أن يمر عبر قناة يتوازى فيها التعليل السببي الذي يقوم عليه العلم الدقيق، والإدراك الشعوري الإنساني الذي يجعل الإنسان في عمق العملية. في مفهوم العدالة إذا كان جونستون قد حاول تفسير فهم البشرية للعدالة في المسار الأول من كتابه، فإنه حاول بشكل مرتبط ومتداخل أن يبرز نتاج هذا الفهم وطبيعته وتطوراته في المسار الثاني، ويرتكز عمله في هذا المسار بالأساس على منهج التحليل التاريخي، مع تسجيل بعض الملاحظات والاستنتاجات النقدية. أوضح جونستون منذ البداية أن تتبّعه لتاريخ العدالة هو تتبّع لتاريخ التفكير في العدالة، وميّز بين مرحلتين من هذا التاريخ، مرحلة تبدأ من النصف الأول للتاريخ المدوّن، ومن بعدها مرحلة بدأت مع أعمال فلاسفة اليونان، حيث الاتجاه نحو الأفكار الأكثر
منهجية عن العدالة. يقول أمارتيا سِن إن متطلبات نظرية العدالة تشتمل «على إعمال العقل في تحليل العدل والظلم، وقد حاول الذين كتبوا في العدالة، على مدى مئات السنين، في مختلف أرجاء العالم، تقديم أساس فكري للانتقال من الإحساس العام بالظلم إلى التحليل الفكري الدقيق له، ومن ثم إلى تحليل طرق إعلاء العدل، ولتقاليد التفكير في العدل والظلم تاريخ طويل – ومدهش - في العالم أجمع». ويعترف جونستون بعجز العلماء عن تحديد أصول قدرتين صاحبتا وجود الإنسان: قدرته على اللغة، وقدرته على الإحساس بالعدالة، لذلك فهو يعتمد على أقدم ما وصل إلينا من سجلات قديمة تدوّن نوعًا من التطور في شعور الإنسان بالعدالة. ويقصد هنا ما وصل عن تجارب السومريين والأكديين والبابليين والأشوريين في بلاد وادي الرافدين القديمة، إذ وصلت مجاميع من القوانين يعود تاريخها إلى أواخر الألفية الثالثة، وأوائل الألفية الثانية قبل الميلاد. وهو يستمر في عرضه التاريخي لتلك الأفكار حتى القرن العشرين ويترك مساحة لتوقّعاته بخصوص تطوّرات مفهوم «العدالة» المستقبلي، بعد أن وقف عند أهم محطات مفاهيم «العدالة» التي تناقلها مسار القرون الطويل. إن الملاحظة الأهم التي نسجّلها هنا هي التي ترصد تعامل جونستون مع مفهوم «العدالة» باعتباره أداة، وعلى هذا الأساس تتبَّع تاريخ سيرورة ذلك «المفهوم» في الفكر البشري، فوجد أنه يتحول، ويخضع لتأثير البيئة وموازين المصلحة والتبادلات بين الأطراف؛ إذ يبدو هذا التعامل الأداتي واضحًا في أكثر من محور وفقرة، فهو يقول في الصفحة 15 من الكتاب: «... فكرة العدالة ماهي إالّ أداة اخترعها البشر وقاموا بتحسينها وتشذيبها، ولكن هذه الأداة، مثلها مثل غيرها من الأدوات، لا تتسم بمرونة لانهائية، ولا يمكن إعادة تشكيلها بما يتماشى مع رغبات الإنسان، على الأقل ليس إذا أردنا لها أن تؤدي نوع الوظيفة التي وجدت فكرة العدالة بالأصل لكي تؤديها». يتكرر هذا الاعتقاد عند الكاتب بتعبير آخر، في الصفحة 268، إذ يقول: «.. فهي أداة تم اختراعها وتعديلها مرارًا وتكرارًا من قِبل البشر، كثير من البشر الذين تُعتبر مساهماتهم في صياغة أو التعبير عن مفهوم العدالة حصيلة عرضية من الأفكار والممارسات التي تهدف في حقيقتها إلى أغراض أخرى». ويثير التصوّر الأداتي للعدالة عند جونستون أسئلة خلافية لسبين: الأولهو أن «العدالة» في طبيعتها الأولية هي تكوين عقلي شعوري مرتبط بالوجود الإنساني، وعلى هذا الأساس يصعب التعامل معها كأداة مفهومية مجردة تم اختراعها وخضعت للتعديل كأي قطعة غيار في أي مصنع. السبب الثانيهو أن للعدالة تجليات أخرى غير بشرية، يمكن ملاحظتها في الكثير من العناصر الكونية المحيطة بنا، في عالم النباتات، والحيوانات، وعالم الكواكب والنجوم، هناك نوع من «العدالة» يحكم حياة وحركة هذه الموجودات، ونحن نشعر بهذه العدالة، ونثق بها، ونستطيع تقويمها. وعليه، يكون أي تصوّر يحصر العدالة في العلاقات الاجتماعية فقط، تصوّرًا قاصرًا. من الواضح أن تأثر المؤلف بالتصوّر المادي للفهم البشري أدى به إلى التعامل الأداتي مع مفهوم «العدالة»، ويجد هذا المنهج جذوره عمومًا في التراث الفكري والفلسفي الغربي، الذي رَاكمَ على مدى قرون طوال جملة نقاشات عقلية بشأن مفاهيم مركزية، وكانت مساهمة عصر التنوير الأوروبي كبيرة جدًا في هذا النقاش، خاصة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حين ساهم نمط الإنتاج الصناعي الجديد في تكريس توجّه عقلي يرغب في الإمساك بالمفاهيم واستخدامها كأدوات محسوسة، تمامًا كما تُستخدم الآلات في المعامل والمختبرات. ويرجع هذا الوضع بالأساس إلى تأثير النظريات الطبيعية والفيزيائية على العلوم الإنسانية، حيث ذهب التجريب العلمي في اتجاه صوغ الدراسات الإنسانية على غرار العلوم الطبيعية، وهو ما جعلنا في النهاية أمام نوع من الضياع العقلي والعقم العلمي. ويمكن القول بصفة عامة إن الفكر العلمي، وكذا
الفكر الفلسفي، قد بقي، طوال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر داخل بنيان الفيزيائي إسحاق نيوتن، إلى درجة أن النظريات التي ظهرت خلال المدة المذكورة، لم تكن تُقبَل، أو على الأقل لم يكن يُنظر إليها بعين الارتياح، إالّ إذا كانت مندرجة في النظام العام الذي أقامه صاحب نظرية الجاذبية. وعلى الرغم من وعي نخب من العلماء والباحثين في الغرب بهذا الاستلاب المنهجي للعلوم المادية ضد العلوم الإنسانية، فإنهم لم يستطيعوا التخلص الكلي من تبعاته وآثاره. لقد أدّى التوظيف الأداتي للمفاهيم في التراث النظري الغربي إلى نشوء ثقافة غربية تتعامل مع الوعي الإنساني بمنهج لا يخلو من التسطيح والتبسيط. وفي هذا السياق، يندرج تعامل الكثير من الأعمال النظرية في مجالي العلوم السياسية والاجتماعية مع مفهوم العدالة، حيث نلاحظ استخدام العدالة كأداة بمفاهيم متعددة، وبحسب ظروف زمانية ومكانية متفرقة. وقد برزت بوضوح نتائج هذا الاختيار المنهجي في وقت مبكر مع التوسع الإمبريالي الغربي منذ القرن التاسع عشر، واستمر حتى اليوم، حيث يثبت واقع الحوادث في الساحة الدولية اليوم أن مفهوم «العدالة» في الثقافة السياسية الغربية يبيح ارتكاب الكثير من المظالم والتجاوزات في حق الشعوب والدول الأخرى، كما يبيح ارتكاب تجاوزات خطِرة في حق البيئة الطبيعية. على المستوى السياسي والاجتماعي، تشكّل فلسطين نموذجًا حيًّا وصارخًا في هذا الشأن. لقد أغمضت «العدالة» الغربية الأداتية عينيها عن جميع أنواع الظلم الصهيوني، بل ألبست الاغتصاب والقهر لبوس الشرعية، فمنذ 96 سنة والعالم يشهد سلوك هذه العدالة التي تعطي الحق للمغتصب، ولا تهتم بالضحية. نستطيع أن نلمس هنا بوضوح كبير درجة التحوّل والازدواجية في مفهوم العدالة الغربية الذي يتبدل بحسب الأغراض والمصالح. قد تكون هذه «العدالة» مقنعة للفكر الغربي، لكنها لم ولن تكون مقنعة تمامًا للضمير الإنساني، الذي يمثّل الفهم الأزلي والكوني لمعنى «العدالة». لا نريد أن نمضي بعيدًا في استعراض باقي الأمثلة، ومنها إصرار القوى الاستعمارية القديمة على عدم الاعتذار للشعوب التي استعمرتها وألحقت بها الأضرار، وصوالً إلى كارثة احتلال العراق وتدميره، وإصرار بعض الدول الكبرى على تدمير شبكة الأوزون، واستنزاف الغابات والبحار، وامتلاك الكثير من الدول للقنابل النووية التي تكفي إبادة الحياة من كوكبنا، إذ يبرر الكثيرون في الغرب هذه الأعمال غير العادلة، ويعتبرونها عادلة تمامًا بحسب مفهوم «العدالة» كما تصنعه القوة المادية والاستهلاكية.
العدالة الإسلامية: الغائب الحاضر
أرجع المؤلف سبب تركيزه على الأفكار الغربية في موضوع العدالة إلى ضيق المجال المتاح لدراسته، فإلى أي حد يمكن تفهّم هذا العذر لتبرير تجاهل تجربة الحضارة الإسلامية ومساهماتها في فكرة العدالة؟ ركّز جونستون جهده على تتبّع فكرة العدالة عند البابليين والأشوريين والعبرانيين واليونانيين، كي ينتقل مباشرة إلى عصر النهضة الأوروبية، ليربط مكتسبات الفكر الغربي عن العدالة مباشرة بالمنبع اليوناني، فهل تستقيم هذه القراءة معرفيًا ومنهجيًا؟ لم تقم فكرة العدالة في الإسلام على عدم، كما أنها لم تنطلق من فراغ، بل هي استمرار وتعزيز لمفهوم العدالة الإنسانية كما عرفته البشرية قبل ظهور الإسلام، إالّ أن هذه «الفكرة» اكتسبت في الفضاء الإسلامي خاصيات جديدة نابعة في الأساس من تعاليم القرآن الكريم والممارسة النبوية، وهي خاصيات: الألوهية والإنسانية والكونية، ووردت بألفاظ وصور متعددة، منها: «العدل»، «القسط»، «الميزان». في سورة النحل مثالً جاء الأمر الإلهي
رابطًا بين العدالة والاندماج الاجتماعي، في قوله تعالى: ﴿ إنَّ اللهَ يأْمرُ بالِْعَدْلِوَالإِحْسَانِوإيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ويَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ والْمُنْكَرِ والْبَغِي يَعِظكُمْ لعَلّكُمْ تذكَّرُون ﴾. وفي سورة الرحمان نلاحظ البُعد الكوني للعدالة: ﴿ وَالسّمَاءَ رفَعهَا ووَضعَ الْمِيزَانَ. أَلاّتَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ. وأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ ولَا تُخْسِرُوا الْمِيزَان ﴾. فالقرآن ينظر إلى العدالة على أنها قضية إنسانية تعلو «فوق كل أشكال التحيّز، فالله هو إله كل الناس، وليس إلهًا لجماعة معيّنة أو شعب معيّن، والعدل مطلوب لكلِّ الناس من حيث المبدأ من دون استثناء (...) والإسلام يذكّرنا بأن العدل قيمة مطلقة، ويحثّنا على الوقوف بجانبه في كل مكان، وفقط من أجل تحقيق أهداف خاصة، فالعدوان في المفهوم القرآني ليس فقط هو العدوان على حقوق الآخرين، بل يشمل أيضًا العدوان الذي يرتكبه المرء في حق نفسه». وقد كانت فكرة العدالة موضوعًا لاشتغال مدارس وتيارت كلامية إسلامية، وانقسم البحث في مفهوم العدالة عند المتكلمين بين محورين أساسين، هما أولا: قضية الجبر والاختيار، وثانيًا: سؤال الماهية العقلية أو الشرعية للتحسين والتقبيح. وقام الخلاف بين العلماء في هذا الإطار حول حق الله باعتباره خالقًا، وحق الإنسان باعتباره مسؤولا. ويُعتبر مطلب العدالة محورًا أساسًا في التجربة السياسية والاجتماعية الإسلامية، حيث قامت ثورات، وسقطت دول، وتشكّلت إمارات، بفعل تأثير فكرة العدالة. على الرغم من الإخفاقات القاتلة التي عرفتها العدالة في تاريخ المسلمين، نجحت التجربة الإسلامية في تحقيق نماذج استثنائية نقلت فكرة العدالة من مستواها النظري إلى واقع الممارسة. وقد ساعد البُعد الإلهي الأخروي للعدالة في الإسلام على هذا الانتقال، فالأفراد والمجتمعات يطلبون العدالة ويحاولون تحقيقها ليس فقط لمنافعها الدنيوية، ولكن أيضًا لما يبتغونه من أجر عند الله. وقد قَدَّم الإسلام فكرة العدالة في تجلياتها السياسية والاجتماعية على العمل التعبّدي المحض، حيث تم تقديم حق الناس على حق الله، وفي الحديث النبوي جاء: «يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة، وحد يقام في الأرض بحقه أزكى فيها من مطر أربعين يومًا». وفي هذا الإطار، يجد الأصفهاني في مفهوم «الإحسان» القرآني مستوى عاليًا من طلب العدالة الإنسانية، حيث رأى في قوله تعالى «إن الله يأمر بالعدل والإحسان» تقديامً للإحسان على العدل، لأن العدل يعطي ما عليه ويأخذ ما له، أمًا الإحسان فهو أن يعطي أكثر ممّا يأخذ، والإحسان مفردة قرآنية متعددة المعاني، ومن أهم معانيها الإتقان ونفع الناس، وهما، بلا شك، من لوازم مفهوم العدالة. لقد كان الكسب الإسلامي النظري والعملي بخصوص فكرة العدالة، موضع اكتشاف واهتمام مجتمع ومؤسسي النهضة الإنسية في أوروبا القرنين الرابع عشر والخامس عشر، حيث اشتغل الرحالة والتجار الأوربيون بتسجيل مشاهداتهم عن العالم الإسلامي وكيفية تدبيره لقضية العدالة، كما كان المترجمون ينقلون النصوص من العربية إلى اللغات الأوروبية، ويعززون بذلك الانفتاح الأوروبي على فكرة العدل ومشتقاتها في الفضاء الثقافي الإسلامي. ومن هذا المنطلق يُعتبر التراث الأوروبي الفكري والعلمي، وبشكل كبير، هو «ما انتهت إليه خلاصة التراثات الأخرى، وهو ما يحمل التعزيز القطعي المتواصل لأسطورة الغرب على نسيانه، ومن المؤكد أن هذا التراث الأوروبي كان ليكون تراثًا استثنائيًا، لو لم ينغمس في نرجسية منغلقة على نفسه بهذا الشكل». ومن الواضح أن تجاهل المؤلف للمساهمة العربية الإسلامية لا يخرج عن عموم ما يطبع أعمال الكتّاب الغربيين المتأثرين بوهم المركزية الغربية، وهي المعضلة التي ألحقت الكثير من الضرر بجهود وأبحاث أكاديمية، ادّعت الموضوعية والعلمية، لكنها لم تستطع التحرر من عقدة الذات، حيث بلغ استعلاء أوروبا أقصى درجاته، ف«أعلنت دون حرج
أن فكرها هو الفكر، وطفق منظ روها يعيدون كتابة تاريخ الإنسانية انطلاقًا من طموحاتهم المتمثّلة في مزيد من السيطرة على العالم، وهكذا أصبح ظهور العقلانية اليونانية في نظر هؤلاء المنظّرين يؤرخ لانطلاق العقلانية الغربية (...) وعند معاينة تطور الفكر والعقلانية عبر التاريخ يتم تهميش الدور الحضاري الإسلامي، أو يُنظر إليه أحيانًا كترجمة محرّفة ومشوّهة للعقلانية اليونانية المنظور إليها كأصلٍ أول للعقل، وللعقل الغربي بالذات». إن تجاهل جونستون للمساهمة العربية الإسلامية في تاريخ العدالة يعكس جانبًا من الخلل الذهني الغربي في نظره إلى التاريخ، وفي رؤيته للعالم. ويسمي جي. م. بلاوث هذا العطب ب «نفق الزمن»، ويشرحه قائالً: «إن جدران هذا النفق هي الحدود المكانية لأوروبا الكبرى، إن التاريخ هو محاولة النظر للوراء من خلال نفق الزمن الأوروبي (...) في التاريخ النفقي تم تجاهل الشكل القديم للعالم غير الأوروبي، فقد خصصت المقررات الدراسية والأطالس صفحات قليلة للمناطق خارج أوربا الكبرى »... هذا العطب كرّس في الفكر الغربي انحرافًا يقوم على مفهوم «الآخر»، أو الآخر كما يراه الغرب، حيث راكمت الثقافة الغربية طوال القرون الماضية رصيدًا مُه من الأفكار والمفاهيم المركزية عن العالم غير الأوروبي، في ما يشبه صناعة الوهم والخيال، وقد كان للعالم العربي والإسلامي الحظ الأوفر من منتوجات هذه الصناعة. وهنا، يقف جورج قرم متسائالً: «ما هو هذا الشرق الذي كان للغرب أن ابتدعه ليضمن بناء أفضل لهويته على حطام وركام التنوع البشري العظيم والمدهش في أوروبا، وعلى الفيض الخلاق، وعلى الغزارة والحيوية الفكرية التعددية التي عرفتها الشعوب الأوروبية منذ القرن الخامس عشر؟ لقد أصبح الشرق ضرورة يستحيل تفاديها أو تجاهلها في الخطاب الأسطوري الغربي، الذي أقبل عليها لكي يرتقي بنيانه مكتسبًا المصداقية، ممّا يسمح له بالاستيلاء على النفوس والاستحواذ على العقول». برز التأثير الخطِر للمركزية الغربية في الفضاء العربي الإسلامي عندما أصبح جزء كبير من النخب العربية عالة على محصولات الغرب الفلسفية التي قادت بجماعة من المثقفين والمفكرين إلى منهج تقليدي منغلق يدور في فلك الغرب، وهو ما يحرم الثقافة العربية عنصر التجديد والإبداع، ويقلل فرص التعددية في الفكر الإنساني. كيف يصدّق العقل العربي أن تاريخ العدالة في الفكر الإنساني غير معني بمساهمة الحضارة العربية الإسلامية؟ وكيف سيكون العقل العربي منسجامً مع ذاته وهو يستهلك مثل هذه القراءات المتعسفة لتاريخ الفكر الإنساني؟ إن مثل هذه الانتكاسات الكبرى في المنهجية الغربية هي التي دعت مفكرين أمثال جورج قرم إلى الشك في مستقبل الحضارة الغربية، وقدرتها على إدارة التعددية الإنسانية. يقول قرم: «.. من هنا الضرورة القصوى في السير نحو انفتاح فكري أوسع، وإعادة قراءة نقدية لكبار الأدباء والفلاسفة والمؤرخين الذين صاغوا وعيًا غربيًا، بالإضافة إلى ضرورة إدراك التاريخ البشري بمنح مكانتها الصحيحة للحضارات الأخرى، ولما قدمته في تاريخ الإنسانية، هكذا سنتمكن من إعادة النظر في (استثنائية) التاريخ الأوروبي عندما نضعها في سياق الألفيات الطويلة من تاريخ الإنسان».
خلاصة وخاتمة
عرض مؤلف مختصر تاريخ العدالة جانبًا من فكرة العدالة كما تبدو بحسب الرؤية الغربية، وهو ما ألحق بجهده نقصًا فادحًا. وقد أوضحنا أن هذا النقص يطاول المستويين التصوري والمنهجي، حيث يبدو الخلل واضحًا في تصوّر جونستون لفهم العدالة ومفهوم العدالة، تمامًا كما يُلحق الضررَ البالغ بالكتاب قفزُه على مساهمة الحضارة العربية الإسلامية.
إن مراجعة الكتاب وتقويمه من داخل دائرة ثقافية مغايرة للدائرة الغربية سيكشفان لا محالة أعطاله، لكن سيبقى على كل حال منسجامً مع معطيات بيئته الثقافية، حيث سيطرة نظرية المركزية، وتراجع العلوم الإنسانية لمصلحة العلوم الطبيعية، واستحواذ النمط الاستهلاكي والمادي على مجالات الحياة والفكر. وللإنصاف، يبقى جهد الفلسفة الغربية مشهودًا في مجال التنظير لمفهوم «العدالة»، بينما تبقى الحاجة ملحة إلى نظرية لهذا المفهوم تكون عربية معاصرة ومتكاملة. ختامًا، إن يقظة الشعوب العربية الأخيرة لا يمكنها أن تجد أجوبتها الكاملة والناجعة إالّ باستنادها إلى مؤهلاتها الذاتية، نظرًا وعمالً؛ فالتحولّات الإنسانية الكبرى كانت نابعة من مقوّمات الذات، لذلك كانت الثورة الثقافية والعقلية شرطًا من شروط نجاح الثورات. وعليه، نعتقد أن استفادة النخب العربية من الكسب الغربي وغير الغربي في نهضتها ينبغي أن يكون ضمن تصوّر نسبي ومرن، يجعل مستقبل العقل العربي مفتوحًا على الإبداع والتعددية، وغير مرتهن لسقف معنيّ، أكان في الماضي أم في الحاضر.