من بعيد عبد الله العروي... مثقفًا
Abdallah Laroui: An Intellectual in Perspective
الملخّص
تتوقف هذه الدراسة عند أحد أهم المفكرين العرب المعاصرين، وذلك بالتركيز على موضوع محدّد هو موضوع «المثقف»، أكان في السياق المغربي الذي يستوعب العروي أم في السياق العربي ككل، ولا سيما في ظل مجمل المتغيرات التي فرضها ما اصطُلح عليه ب«الربيع العربي » الذي أفضى إلى «دستور جديد» في المغرب مثلما أفضى إلى استبعاد «دكتاتوريات متصلبة» عن واجهة المشهد السياسي في العالم العربي. تستحضر الدراسة «الوحدة السياقية الكبرى» التي تتشك ل من جميع الجبهات التي يخوض فيها العروي، بدءًا من قلعة التاريخ التي هي مجاله الأثير، ومرورًا بالنقد الأيديولوجي والنقد المفاهيمي، وانتهاء بالرواية. كما تبيّن الدراسة كيف أن العروي لم يكفّ في تحليلاته النقدية وحواراته الفكرية وكتاباته المفتوحة، وبوضوح تام، عن انتقاد «المثقفين العرب» وعن تحميلهم كامل المسؤولية عن إضرابهم (الطوعي) عن «قول ما ينبغي قوله» أو عن الاضطلاع ب«دورهم الأساس» (كما ينعته) في مجتمعاتهم التي لا تزال تعاني ثالوث «العجز الاقتصادي والحصر الاجتماعي والفقر الفكري.» وما يهم، في الدراسة كذلك، هو «دور المثقف»، وعلى نحو ما يضطلع به العروي نفسه، تجاه القضايا الحارقة والزوابع الذهنية. ومن هذه الناحية، فإن الدراسة تعي أن ثمة صعوبة ملحوظة على مستوى استخلاص مثل هذه «التمثلّات» بسبب «الأسلوب» الذي ينهجه العروي في التعامل مع القضايا والموضوعات التي تؤكد «حضور المثقف». هذا بالإضافة إلى أن العروي، وقبل أن يضطلع بدور المثقف، كان، ولا يزال، وخصوصًا في حواراته (المتباعدة، للمناسبة)، يخصّ موضوع المثقف ذاته، أكان في «حضوره الذاتي» أم في علائقه بالأطراف الأخرى، بأفكار وتصورات كثيرة. تشدّد الدراسة على المكانة اللافتة التي يوليها العروي، ومن منظور نقدي صارم، لموضوع المثقف الذي أخفق في الاضطلاع ب«مهماته التاريخية» حتّى تتسنى له المساهمة في بناء «ثقافة عصرية» تُسعف على أن نعيش «العصر» الذي ننتمي إليه، وكل ذلك من خلال مدخل «الحداثة» بمفاهيمها النظرية والعملية التي تصل بين النقد (المعاصر) والتقدّم والعقلانية والحرية والعلمانية ومركزية الدولة الحديثة... إلخ. ذلك كله حتى «نقطع»، وفي الحال المغربية ومن حيث هي حال عربية أيضًا، مع «أصالة الجلابة والكسكس» كما نعتها العروي في كتابه «المغرب والحسن الثاني.»
Abstract
Shedding light on Abdallah Laroui, one of the most important contemporary Arab thinkers to date, and boasting a legacy that spans from his homeland Morocco to the Arab region as a whole, Bin Walid’s study conjures up the “grand contextual unity” of Laroui’s diverse contributions, beginning with history, his primary expertise, moving through intellectual and conceptual critique, and ending with narrative. Bin Walid demonstrates how Laroui remains relentless in his criticism of Arab intellectuals, holding them fully responsible for their conscious resignation from “saying what ought to be said” and their failure to carry out their “fundamental role” in society. Laroui, stresses the author, is steadfast in his critical approach toward the “intellectual” who fails to not only undertake the historic tasks necessary to build a modern culture that helps society live in the “era” it belongs to, but also introduce people to a “modernity” of theoretical and practical concepts that serve to link contemporary criticism with progress, rationality, freedom, secularism, and a centralized modern state. In so doing, he claims, they enable people to “cut ties with “the authenticity of jallab and couscous,” as referred to in Laroui’s book Morocco and Hassan II. The study pleads that the intellectual should not be burdened with more than he or she can bear, especially given the romantic religiosity, or rather religious romanticism, that is often attributed to intellectuals. It concludes that Laroui should not be considered an armchair revolutionary sitting comfortably secluded from the thick of it, nor merely a “committed spectator,” as Raymond Aron put it. Rather, he is a thinker who looks at things in perspective, and at a necessary distance to afford an overview of reality that is, after all, “deeply-rooted and complex.”
- عبد الله العروي
- الحصر الاجتماعي
- المثقفين
- الفقر الفكري
- Abdallah Laroui
- Social Confinement
- Intellectual Poverty
* ناقد وأكاديمي - الجامعة المغربية.
»كلما اشتد الضباب يجب أن نعود إلى الأفكار الأساسية والواضحة« إدوارد سعيد «ومع ذلك يبقى أننا كمغاربة أو كعرب لم نقم بما يجب من إصلاح، أي خلق ثقافة عصرية تواكب العصر الذي نعيشه كما فعلت شعوب أخرى.» عبد الله العروي
عبد الله العروي «مؤرخ همّه الأساس رصد ‹إخفاقات المثقف› و‹تعثرات الدولة ما بعد الكولونيالية› أو ‹الدولة القومية› أو ‹الوطنية›». حتّى لو كان هذا «التوصيف» يستجيب، أو ما هو أكثر من ذلك، لفترة سابقة في مسار العروي، بالنظر إلى «النقد الأيديولوجي» الذي ميّز أعماله وقتذاك، ولا سيما على مدار السبعينيات الصاعدة والنازلة، فإنه لا يزال من الممكن، الآن، وفي سياق مواكبة أعمال العروي، الأخذ بهذا التصنيف لكن في منحاه العام، بالنظر إلى مجمل المتغيّرات التي مسّت العالم بأكمله مثلما مسّت العديد من المفاهيم الأساسية، وضمنها مفهوم «الدولة»... ومفهوم «المثقف» الذي هو مدار هذه الدراسة. ثم إن ما أسماه العروي نفسه - وإن عرَضًا - في مصنّفه اللافت مجمل تاريخ المغرب، ب«الهم النظري »1- الذي ينبغي أن يتسلّح به المؤرخ [والباحث بصفة عامة] - هو ما تعرض بدوره لنوع من «الزلزلة الجذرية»، بالنظر إلى مجمل التحولات والتبدلات التي حصلت في أنساق الفكر والتصور والإدراك، أو النظرية بصفة عامة. هذا وإن لم تحدث في العالم العربي تحولات على أرض الواقع، ومن ناحية «أداء المثقف» و«الدولة ما بعد الكولونيالية»، لأنه «ما من جديد وتستمر الأزمة بمعناها القديم» تبعًا لتعبير غرامشي الشهير، فيما «الأيديولوجيا» التي «تخلق الأرض التي يتحرك عليها الرجال» تبعًا لعبارة أنطونيو غرامشي2، لم يتحقق منها شيء يذكر، إذ سرعان ما سيتم التأكّد، وفي الحال العربية ككل، من أزمة الوعي الأيديولوجي والتاريخي مع هزيمة 1967. وهذه الأزمة - ومن بين ما قيل عنها، وهو كثير - أخرجت العرب من التاريخ، إضافة إلى أنها لا تزال متواصلة حتى الآن. وسواء قبل الهزيمة أو بعدها، فإن «الأساس»، المتمثِّل في «الإصلاح»، هو ما لم يتحقق في العالم العربي ككل، ومن ناحية الثقافة ذاتها. الغاية ممّا سبق هي تأكيد المكانة اللافتة التي يوليها العروي، ومن منظور نقدي صارم، لموضوع المثقف الذي أخفق في الاضطلاع ب«مهماته التاريخية» حتّى تتسنّى له المساهمة في بناء «ثقافة عصرية» تسعف على أن نعيش «العصر» الذي ننتمي إليه، وذلك كله من خلال مدخل «الحداثة» بمفاهيمها النظرية والعملية التي تصل ما بين النقد (المعاصر) والتقدّم والعقلانية والحرية والعلمانية ومركزية الدولة الحديثة...إلخ.
وهذا كله حتى «نقطع»، وفي الحال المغربية ومن حيث هي حال عربية أيضًا، مع «أصالة الجلابة والكسكس» كما نعتها العروي في كتابه المغرب والحسن الثاني3.
لم يكفّ العروي في تحليلاته النقدية وحواراته الفكرية وكتاباته المفتوحة، وبوضوح تام، عن انتقاد «المثقفين العرب» وعن تحميلهم المسؤولية كاملة عن إضرابهم (الطوعي) عن «قول ما ينبغي قوله» أو عن الاضطلاع ب«دورهم الأساس» (كما ينعته) في مجتمعاتهم التي لا تزال تعاني ثالوث «العجز الاقتصادي والحصر الاجتماعي والفقر الفكري.» يقول في حوار معه: «أنا لديّ موقف يرفضه الكثيرون، وهو أنني أحمّل أغلبية المسؤولية للمثقف الحر الذي له إمكانية الجهر بعقيدته. وفي غالب الأحيان لا يفعل ذلك. انظري إلى عدد المثقفين المرتدّين.. لماذا أقول المرتدّين، لأنهم يدافعون عن ما يسمّونه الفكر الحر أو الحداثة إلخ، لكنهم أمس وغدًا، لأسباب كثيرة منها الإغراء المادي، قد يدافعون عن غير ذلك، وهذا الواقع منذ عشرين سنة أو ثلاثين سنة». والعروي يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك حين «يميّز» داخل العلاقة التي تصل بين المثقف والسياسي، وذلك حين يتصور أن «المسؤولية يتحمَّلها المثقف قبل السياسي». وحتى إن كانت «الأمور الضرورية»، بالنسبة إلى «وطننا الصغير أو بالنسبة للأمة العربية عمومًا»، كما يواصل العروي، تتلخص في نقطتين أساسيتين: الإصلاح السياسي والإصلاح الثقافي، ف«إن الإصلاح الثقافي يتقدم على الإصلاح السياسي»4. إننا لم نفعل حتّى الآن سوى أننا أكّدنا مركزية موضوع المثقف في أعمال العروي الفكرية إلى جانب موضوعات أخرى، مثل الدولة والأيديولوجيا والعقل والحرية والتاريخ... إلخ. وهي موضوعات تساهم بدورها في استخلاص مفهوم المثقف عند العروي بالنظر إلى تشابك هذا المفهوم مع هذه المفاهيم. هذا ويجدر هنا ملاحظة أن فكرة بالغة الأهمية هي أن العروي لا يصدر عن أي نزوع تجريدي في التعامل مع المفاهيم، وهذا ما يجعل منها مجرد «عكازات نظرية» تدخل في نطاق «الاستعراض الأكاديمي» أو ما عبّر عنه العروي ب«التوليف البسيط» (Simple Bricolage)5 أو ب«الانتقائية». ويشرح الفكرة الأخيرة قائلً: «أمّا المثقف العربي، وبسبب تكوينه المجرد، يميل إلى اعتناق أي مذهب يظهر في السوق. هذا ما عبّرتُ عنه بالانتقائية التي لا تمثّل ظاهرة انفتاح وتوازن بقدر ما تشير إلى استقلال المثقف عن مجتمعه وعدم تأثيره فيه»6. ومعنى ذلك أن المفاهيم تندرج في «الآلة الفكرية» ذاتها في «مساءلتها» ل«الواقع الاجتماعي». يوضّح العروي الفكرة في مفتتح كتابه مفهوم الحرية، فيقول: «إننا لا نبحث في مفاهيم مجردة لا يحدّها زمان ومكان، بل نبحث في مفاهيم تستعملها جماعة قومية معاصرة هي الجماعة العربية. إننا نحلل تلك المفاهيم ونناقشها لا لنتوصل إلى صفاء الذهن ودقة التعبير وحسب، بل لأننا نعتقد أن نجاعة العمل العربي مشروطة بتلك الدقة والصفاء»7. ما يهمّنا في هذا المقال هو «دور المثقف»، وعلى نحو ما يضطلع به العروي نفسه تجاه القضايا الحارقة أو
«الألغام»، تبعًا للمصطلح الذي يوظّفه المفكر اللبناني علي حرب8 وعادة ما نأخذ به في مقالاتنا المتعلقة بقضايا الفكر العربي بصفة عامة وب«تمثلّات المثقف» بصفة خاصة. والمؤكد أن ثمة صعوبة ملحوظة على مستوى استخلاص مثل هذه «التمثلّات»، في حال العروي، بسبب «الأسلوب» الذي ينهجه في التعامل مع القضايا والموضوعات التي تؤكد «حضور المثقف». هذا بالإضافة إلى أن العروي، وقبل أن يضطلع بدور المثقف، كان، ولا يزال، ولا سيما في حواراته (المتباعدة، للمناسبة)، قد خصّ موضوع المثقف ذاته، أكان في «حضوره الذاتي» أم في علائقه مع الأطراف الأخرى، بأفكار وتصورات كثيرة، وهو ما يمكن استخلاصه من خلال كتاباته التحليلية وتنظيراته النقدية، ومن دون التغافل عن أعماله الروائية التخييلية التي تسعف بدورها على تدبّر دلالات «التشابك» و«التعاسة» و«الإخفاق»... وغير ذلك من الدلالات التي تلوي ب«عالم المثقف.»
على طريق استخلاص دلالات المثقف، لا نجد بدًا من الانطلاق ممّا ورد في حوار مجلة Zamane (العدد 18، نيسان/ أبريل 2012) (الناطقة بالفرنسية والمختصة بتاريخ المغرب المعاصر)، وذلك حين «اشتكى» العروي، «معرفيًا»، من أن يُكتفى بالنظر إليه باعتباره مؤل ف تاريخ المغربفقط، وهو الكتاب الذي وضعه سنة 1969. ويضيف أن العالم تحوّل خلال السنوات الأربعين، وأنه كان مرغمً على أخذ هذا التحول بعين الاعتبار، لكن من دون أن يفرّط في الوفاء لطريقته في التفكير9. والظاهر أن العروي كان قد خلص في نص الخاتمة من مصنّفه المهم هذا، وبعد جهد تحليلي مستحدث وشاق، إلى خلاصة نادرة تمس «الحكم الوطني» في بلاد المغرب، ولا يمكن أن تصدر إلّ عن مؤرخ مثقف يضع نصب عينيه «المستقبل » أو تلك «الطفرة» - كما ينعتها - التي «تأخذنا من زمن وتضعنا في زمن آخر»... وكل ذلك لا يمكنه التحقّق إلّ من خلال «التصالح »10. فكرة التصالح هاته، ومع «الدولة»، وداخل المغرب هذه المرة، هي التي سيعدّها العروي أول تحوّل سيحصل له على مستوى التفكير على مدار الفترة المشار إليها قبل قليل. كما أن هذا التصالح سيكون قرين «الاهتمام» ب«مفهوم الدولة» الذي سيفرد له العروي كتابًا تحت العنوان نفسه ويصدره سنة 1981، من دون التغافل عن كتيبه الصغير والسابق بسنة واحدة، أي الدولة في العالم العربي المعاصر (بالفرنسية)، ولا نعلم ما إذا كان هذا هو الكتيب الذي كان الكاتب والمترجم (المغربي) مصطفى المسناوي قد أقدم على ترجمته في أحد أعداد مجلة المشروع)1980(11. لا يهمنا هنا أن ندخل في عرض تصورات العروي لمفهوم الدولة، أكان من خلال الكتاب المشار إليه من قبل أم من خلال أعماله التاريخية وكتبه النقدية، وهي تصورات لا تخلو من أهمية كبيرة، خصوصًا أن المفكرين العرب لا يهتمون بالدولة، كما يشير إلى ذلك العروي نفسه12، مع أنها تستحق «عناء المحاولة»، كما اختتم العروي في نص «إشكالية الدولة العربية الإسلامية»13. إن ما يهمّنا هو مدى تأثير هذا الاهتمام
في مستوى رسم صورة المثقف لدى العروي نفسه، خصوصًا أن مثل هذه العلاقة تعيد إلى الأذهان علاقة من نوع آخر، وغير بعيدة، وهي علاقة المثقف بالسلطة، وإن يكن هناك من لا يزال يصرّ على تسمية الدولة بدلً من تسمية السلطة، أكان في إطار من الحديث عن أداء المثقف أو في إطار من الحديث عن مفاهيم الفكر السياسي المعاصر بصفة عامة. هناك من يدرج اهتمام العروي بمفهوم الدولة ضمن تحوّل هذا الأخير إلى الاهتمام بالمفاهيم (الإشكالية)، وكأن في هذا الانتقال ما يشي بجبهة جديدة في مسار العروي، ولا سيما مقارنة بجبهة النقد الأيديولوجي التي سبقت الجبهة الأخيرة، وكأن في هذا الانتقال - وهذا هو «القصد» - نوعًا من «المسايرة» أو «الهدنة.» يقول الكاتب السوري الراحل تركي علي الربيعو في هذا الصدد: «وكان مفهوم الدولة (1981) ضروريًا نظرًا إلى الالتباس القائم بين المثقف والسلطة والمثقف والدولة، وتزامن ذلك مع تحوّل العروي عن إيمانه بدور النخبة في عقلنة المجتمع العربي، وتجديد رهانه على الدور الحداثوي الكبير للدولة، والحاجة إلى بناء ‹نظرية في الدولة»›14. لعل ما سبق أن قلناه عن الاهتمام بالمفاهيم جدير بأن ينقض الفكرة الأخيرة وغيرها من الأفكار التي تسير في الاتجاه نفسه. ثم إن ما يجمع بين المفاهيم والعمل النقدي أكبر ممّا يمايز بينهما؛ فالجبهة المفاهيمية مشدودة إلى «الوحدة السياقية الكبرى» التي تتشك ل من باقي جبهات العروي الأخرى. وهذا الأخير نفسه لا يترك مجالً للغموض حين يقول، وبوضوح تام: «فمساءلتي الأولى للواقع الاجتماعي، ثم للمفاهيم في أعلى مستويات التجريد، تم أخيرًا في تطبيق الثانية على الأولى للوصول إلى حكم هادف. وإذا بقي بعد ذلك من شعور بالغموض أو ندم أو بالأسى فأحيله على التعبير الأدبي. لا أخلط أبدًا بين الشعر والفلسفة»15. غير أن البعض لم يحصر المشكل في «الهدنة»، وإنما انصرف إلى ما هو أبعد، وذلك من خلال الفكرة نفسها: «فكرة المصالحة» التي كان العروي نفسه قد دعا إليها في مختتم مجمل تاريخ المغرب، وذلك حين دعا إلى أنه: «آن للمغاربة أن يضعوا حدًّا لعهد التنابذ والتناكر، آن لهم أن يتصالحوا مع الزمن الذي يعيشون فيه والوطن الذي يقيمون فيه إذ لا بناء ولا تعمير بدون ذلك. آن للمغربي أن يصالح نفسه. وأهم من ذلك، أن يهادن أخاه. فلا هيبة ولا شرعية ولا دوام لأية سلطة إذا لم نعمل بحزم وثبات لتحقيق هذا الغرض»16. ومع أن العروي لم يكن يقصد من المصالحة حين دعا إليها حصرها في «مربع الدولة»، فإن «منتقديه» حصروها في «المربع» دون سواه. وفي الإجمال، أشار العروي في أكثر من حوار ومناسبة إلى أن فكرة «التصالح» هاته «أساء» كثيرون فهمها، كما أشار إلى أن «علال الفاسي رحمه الله أخرج العبارة من سياقها.» ويوضِّح: «التصالح الذي أتكلم عليه هو بين الريف والمدينة، بين سوس والشاوية، بين الجزائر والمغرب، إلخ، إلخ... وهذه الدعوة، في سياقها، موجَّهة إلى الجميع، إلى الحكام والمحكومين، فكيف يسار بها إلى ما قلتَ، اعتمادًا إلى تأويل كان، في أحسن الظروف، ناقصًا؟ »17.
والحال أن مفهوم الدولة، وربما بسبب من تأثير هيغل أو بالأحرى الفكر الهيغلي، «مصاحب» في «تحليلات» العروي، وبدءًا من مرحلة «النقد الأيديولوجي» التي ينتظم في إطارها، أو بالأحرى كان في أساس «تشك لها» كتاب الإيديولوجيا العربية المعاصرة (1967). غير أنه لا يمكن حصر الاهتمام بالدولة في الجبهة الفكرية وحدها، لأنه حتى في مجاله الأثير المتمثّل في التاريخ لم يسلم من تأثير مفهوم الدولة. وقد حدث ذلك في مصنَّفه التاريخي الإشكالي مجمل تاريخ المغرب السابق الذكر، والعروي نفسه أشار إلى أن الكتاب تعرض له بعض النقاد الفرنسيين على أنه تاريخ الدولة لا تاريخ الشعب الذي غالبًا ما كان رافضًا لتلك الدولة18. ف«مستقبل النهضة العربية»، وبالتالي «التحوّل إلى الحداثة»، وعلى المستوى العملي، وفي تصوره، لا يمكنه التحقق بمعزل عن «الدولة التاريخية» أو «المركزية»، ومن دون التغافل عن أن الدولة، في تصور العروي، هي ب«معناها الحداثي» الكاشف عن تداخل المجتمع والثقافة والإدارة أيضًا، كما أن بناء دولة ليس مجرد احتمال أنثروبولوجي بسيط يمكنه، وبحسب الأحوال، أن يتحقق أو أن لا يتحقق؛ إنها «ضرورة تاريخية» كما يضيف العروي في مقال «الملك الحسن الثاني وبناء المغرب المعاصر» الذي ساهم به في الكتاب الجماعي بناء دولة معاصرة - مغرب الحسن الثاني)1986(19. كان العنوان الأخير من بين العناوين التي لفتت الأنظار إلى صاحبها العروي. وكان من الطبيعي أن يلفت الانتباه، لأن المغرب لم يكن حتى تلك الفترة قد أقدم بعدُ على الدخول في «النقاش العام» في أفق «طي» صفحة المرحلة السوداء التي كان وزير الداخلية الأسبق، والأشهر، إدريس البصري (1938 - 2007) أحد «مهندسيها». وإدريس البصري هذا سيكون، إلى جانب العروي، أحد المساهمين في الكتاب الجماعي الذي ضمّ مقال العروي. والمؤكد أن ثمة أسماء أخرى ساهمت في الكتاب، مثل عبد الرحيم بوعبيد، غير أن العروي هو الذي لفت الأنظار إليه من خلال سؤال في حجم السؤال التالي الذي يلخص الإشكال: كيف يمكن، ومهما يكن السياق، ل«رجل الفكر» أن يلتقي مع «رجل الدم» (في إشارة إلى الوزير الأسبق)؟ في ضوء هذا السؤال، وعلى ما يوفّره من إجابات التشكيك، ستطلق الباحثة السياسية المغربية هند عروب «النار» على العروي في مقالها «مثقفون في مزادات السلطة» المتضمن ضمن ملف لافت بعنوان «المثقف المغربي والسلطة: آليات الإخضاع والمراقبة» في مجلة وجهة نظر (المغربية) (العدد 24، شتاء.)2005 وكان الملف قد خصّ بالدراسة والنقد والتلميح والإشارة مثقفين مغاربة في مقدّمهم، كما زيّنت ذلك لوحة الغلاف أيضًا، المهدي بن بركة والمهدي المنجرة ومحمد عابد الجابري والعروي، إلى جانب اسمين آخرين لا يحظيان بحضور «ثقافي» قوي خارج المغرب، وهما محمد شفيق (المثقف الأمازيغي) وعبد السلام ياسين (تيار الإسلام الراديكالي.) واللافت للنظر أن الملف تصدّره المقال الأشهر للأكاديمي الأميركي والكاتب الفلسطيني إدوارد سعيد («قول الحق في وجهة السلطة» أو «أن تصدع بالحق أمام السلطة)» (To speak truth to power) والمتضمّن في كتابه صور المثقف (1994). والكتاب هو من الكتب النادرة التي تسعف على التعاطي بموضوع المثقف في العالم المغربي (والعربي بصفة عامة) على الرغم من خلفيته العالمية، شأن كتابات إدوارد سعيد ككل. و«قول الحق»، أو «الصادعين بالحق» (Truth - tellers) بتعبير إدوارد سعيد، هو تقليد عربي
تراثي أيضًا، ولذلك، فإن عبارة من مثل عبارة لوثر كينغ «المصيبة ليست في ظلم الأشرار بل في صمت الأخيار» لا تغني عن قولة الجاحظ «إن الصمت عن قول الحق هو في معنى النطق بالباطل»20.
حقيقةً، لا يخلو استقرار المجلة على عبارة سعيد، وفي ترجمة مغايرة بعض الشيء للعنوان: «المثقف المعاصر وامتحان الجهر بالحقيقة»، من تأكيد امتحان المثقف ومن تأكيد أهمية «قامة أكاديمية» في حجم قامة إدوارد سعيد لفهم مثل هذا الامتحان الشاق والعسير؛ إنها «الحاجة» إلى إدوارد سعيد. ولا نملك، هنا، أكثر من الاحتكام إلى نصيحة ذهبية من إدوارد سعيد نفسه، ومفادها أنه «كلما اشتد الضباب يجب أن نعود إلى الأفكار الأساسية والواضحة»21. ونحن، هنا، في غير محل النظر إلى العروي من منظور سعيد أو المقارنة بينهما22، بقدر ما نحن بصدد تأكيد المزاوجة بين «العمق المعرفي» و«الطابع الأخلاقي» في «أداء المثقف»، وهو الطابع الذي يبلغ حد «العنف الأخلاقي» الذي يطبع كتابات بعض المثقفين وقي مقدمهم إدوارد سعيد نفسه. وأظن أن المزج بين المرتكزين هو ما شددت عليه الباحثة عروب في نقدها للعروي حتى وإن كانت تفصل ما بين المرتكزين، وهو فصل لا نوافق عليه. تقول: «ومصداقية المثقف لا تقاس بحجم المعرفة التي يمتلئ بها دماغه، ولكن بمدى يقظة ضميره، فالمثقف معرفة وإبداع وأخلاق. ويمكن لسماسرة الفكر من المتلاعبين بالكلمات والعقول أن يكونوا مثقفين بأي شكل من الأشكال»23. وتستند الباحثة هند عروب إلى «مرتكز الدولة»، «الدولة العصرية»، التي يقول العروي بوضوح، أكان في نص المقال السالف الذكر أم في كتاب المغرب والحسن الثاني (2005)، إن الملك الراحل كان وراء «تشييدها» في المغرب نتيجة «ثقافته» و«عقليته المنهجية»، وبكلام جامع: «عبقريته». ومعنى ذلك أن العروي، هنا، يعطي الراحل الحسن الثاني «بُعد منظر سياسي ملكي» أو يجعله من «بناة التاريخ» تبعًا لتسمية ستيفان زفايج. ويفيد كلام الباحثة أن العروي تخلى عن «عقله النقدي»، و«المثقف هو الشخص الذي لديه عقل يراقب نفسه» كما يقول ألبير كامو، وسقط بالتالي في «فخ التناقض»، بل تجاوز ذلك نحو «لوثة المباركة». وما يشفع للباحثة، هنا، ومن ناحية «الحدة النقدية» ذاتها، أن العروي نفسه كان قد أخذ على العالم العربي ككل، ومن ناحية «أسلوب الحكم»، انتفاء الدولة ذاتها، أو إذا كان هناك من دولة، فإن هذه الأخيرة لا تعدو أن تكون من «مخلفات السلطنة» كما يمكن أن نقرأ ذلك في كتابه مفهوم الدولة24. والمؤكد أن ما حدث في العالم العربي، ومنذ مختتم سنة 2010، من ثورات شعبية وحراكات اجتماعية واحتجاجات جماهيرية، كان نتيجة انعدام حتى الحد الأدنى من «مفهوم الدولة» في هذا العالم. ونتيجة هذا الغياب، المحكم والمدروس، كان الاستبداد العفن والتسلط المقيت. ومن ثم كان مطلب «الإصلاح السياسي الشامل» الذي بموجبه يتمُّ رهن الدولة، وكما في أبسط تعريف لها، لخدمة الشعب لا غير. ولذلك
كان مفهوم «الدولة»، وعلى نحو ما ساهم فيه العروي نفسه وآخرون، في أساس مطالب الارتقاء بالعالم العربي نحو «نظام عربي جديد»، أو «بديل»، يجري بموجبه وضع حد ل«النزيف السياسي» أو «الاستعمار الداخلي» الذي خلَّفته الدكتاتوريات العربية على مدار نصف قرن من الزمن25. في هذا المنظور أمكننا فهم سيطرة العائلة الحاكمة، أكان في مصر أم في تونس أو ليبيا أو اليمن، على آلة الدولة، بل وإخضاع هذه الآلة لأهدافها ومصالحها. وهي سيطرة ممنهجة ومطلقة، وعلى حساب حق الجماهير في العيش الكريم بثروات البلاد وخيراتها. وقد أفضى تحالف السلطة والثروة إلى فروق صارخة، أو «فلكية» كما نعتها البعض، في مستويات العيش، وأفضى أيضًا إلى ارتهان كامل للقوى الاقتصادية الخارجية في نطاق العولمة التي التهمت - في حال الشعوب المغلوبة - البقية الباقية. الظاهر أن ما انتهى إليه العالم العربي، ومن ناحية الدولة، أو «إشكالية الدولة» كما ينوع العروي في سياق «المفهمة» (Conceptualisation)، تجاوَز الأزمة السالفة الذكر، وتجاوز «الدولة الرخوة» بتعبير جلال أمين، وتجاوز «ما قبل الدولة»، وتجاوز غياب الدولة ذاته. الأمر يعيد، في تصور البعض، بعث التاريخ «المملوكي - العثماني» مغل فًا بشعارات «اشتراكية» و«تقدمية» و«مدنية». وفي متن هذا التحول أعيد الاعتبار إلى «الدولة - السلطانية»، ف«دولة الحزب الواحد» و«دولة العشيرة» و«دولة الطغمة». هي أشكال «محدثة» لتلك «الدولة - السلطانية» كما كتب الكاتب السوري منير الخطيب في مقال «دول تمنع نشوء مقاومات ومقاومات تمنع نشوء دول»26. إن ما أدلى به العروي، وفي حال المغرب، مغرب الملك الراحل تحديدًا، لهو «شهادة» كما قالت الباحثة التي ترى، كما تلخص، «شهادة مزيفة من مفكر لطالما اعتبُر أصيلً، تستوقف القارئ لتضرم التساؤل تلو الآخر. فأي العرويين يعكس حقيقته المفكر العنيد أم الشاهد بالزور؟ هل كان يبحث عن المال، عن الجاه، عن المناصب وهو الذي تغنيه رفعته العلمية عن كل جاه مادي وكل منصب سياسي أو حقيبة وزارية؟ أم كان يتّقي شر السلطة ويطلب تأمين المستقبل؟ ما كانت دوافع صاحبالأيديولوجيا العربية المعاصرة؟ »27. إن تنصيصنا على «أحكام» الباحثة هو في حقيقة الأمر بدافع من الرغبة في توسيع دائرة النقاش بخصوص العروي المثقف؟ وبالتالي النبش في «الدوافع» أو «النيات» ومن خارج ما يسمّيه البعض «علم نفس النيات». ومن هذه الناحية لا يمكن للعروي أن يسلم من النقد وحتى الانتقاد (غير المرضي، للمناسبة)، لأن شهادته تطرح من جديد مشكلة «امتحان المثقف أمام الجهر بالحقيقة»، بما في ذلك «الحقيقة المتحولة» أو «صيرورة الحقيقة»28 التي عدّها العروي من مكونات «الفكر التاريخي» أو «التاريخانية» التي رفع «رايتها». إل أن «كلام» الباحثة يعكس بدوره مدى «تلقّي المثقف» من قبل المهتمين بقطاع الثقافة والسياسة أو المنتسبين إلى الحقلين الأخيرين. ولا أعتقد أن العروي يستحق كل هذا «التشكيك» وهذا «التجريح» اللذينلوّى ب«نقد» الباحثة»، خصوصًا أنه ليس من «النمط» ولا في إطار من «أنماط المثقفين» الذي يمكن أن يستدرج إلى ما يستدرج إليه عادة أنصاف المثقفين. مبدئيًا، العروي حسم الأمر في تثبيت المسافة التي تفصل عادة بين المثقف و«السلطان»؛ لقد كان في إمكان الباحثة أن تناقشه بلغة لا يطغى فيها «الطابع الهجائي» على «الحس السياسي» وكتاب إدوارد سعيد السالف الذكر - وإلى جانب كتل أخرى - من الصنف الذي يسعف على مثل هذا النقد.
تقودنا الفكرة الأخيرة بشأن «صراع الأنماط» إلى الملاحظات النقدية التي وجَّهها كلٌّ من عبد الحميد عقار وعبد الله ساعف وعبد القادر الشاوي، ومن خلال التركيز على المقال نفسه، في حوارهم المطوّل والمحكم مع العروي. والحوار موسوم ب«عبد الله العروي: التحديث والديمقراطية»، وهو منشور في مجلة آفاق (العدد 3 - 4، 1992) (وقد أحلنا إلى الحوار). وأهم ما ورد فيه ما يلي: «مقال في Edifica tion d’un Etat moderne قرئ على أساس أن العروي يدعم فكرة كون الدولة الحالية من منجزاتها أنها أصبحت إدارة، على الأقل أصبحت إدارة، ولم يتورط في إشكال الديمقراطية، سجلت هذه الفكرة وكانت مثار عدة نقاشات». و«يلاحظ في المقال أن العروي يتحدث عمّ أنجز، ولم يلاحظ حديثًا عما يتصل بموضوع الديمقراطية، ونفس هذه الملاحظة قيلت بصدد مساهمة العروي عن الدستور المعدّل.» كما يلاحَظ أن «العروي يتلافى الحديث عن الأشياء التي هي في طور المخاض أو تلك التي يتم تجاهلها من طرف الدولة. فالحداثة ليست في المستوى التقني أو مستوى التجهيزات فقط، بل ينبغي أن يُنظر إليها في مستوى السلوك كذلك، وتحديدًا في مستوى السلوك السياسي»29... إلخ. ليس العروي من الصنف الذي يمكنه أن يصمت، إذ دافع، وبطريقته، عن الكتاب ككل. وقد تصوّر أنه يتمحور «حول الإنجازات طوال ثلاثين سنة من حكم الملك الحسن الثاني»، وأن «الملك الحسن الثاني استطاع أن يجعل من المخزن تلك الدولة التي حاول ملوك القرن الماضي أن يشيدوها ولم يجدوا لذلك سبيلً»؛ و«لا يمكن لأي مؤرخ أن ينكر ذلك» كما يعلق العروي. ويبقى الأهم أنه أشار إلى أن المقال30محكوم ب«الاستكتاب والاستجواب»31. ولكن مع ذلك لم يتنازل فيه العروي عن «عرش التحليل» وعن طريقته في التفكير، وهو ما يطرح مسألة الموقف؟ مهما تكن «حجج» العروي، فإنه كان، في ما يخص العلاقة التي تصل ما بين المثقف والدولة، وفي النصين السالفين، «ساقط ا بين كرسيين» كما يقول الفرنسيون، بل إنه على هذا المستوى بالذات تخلّى عن أهم «مبادئه الفكرية» وفي مقدّمها مبدأ «القطيعة» الذي رآه في أساس «الفكر التاريخي» الذي يفضي إلى الانخراط في «الحداثة». وقد لخ ص الكاتب محمد خصيري، وعلى هامش حوار مجلة Zamane، الموضوع قائلً: «يأخذ كثيرون على العروي قربه من المؤسسة الملكية منذ السبعينيات. رأى في كتاباته أن هذه المؤسسة كانت السبّاقة في كل المجالات، ورائدة التغيير والتحديث في المملكة. حالما يتحدّث عن نموذج الحكم، يخالف العروي منطق القطيعة الذي بني عليه فكره، فيصير تقليديا يؤمن بالاستمرارية. وحين ألّف كتابا عن الحسن الثاني بعنوان ‘ المغرب والحسن الثاني ’ عام 2005، رأى أن نظام حكمه لم يكن سوى محاولة لخلق استمرارية في النموذج التاريخي للحكم في المغرب. كأنه بهذا برّر مجموعة من القرارات السياسية التي اتخذها الحسن الثاني وكلّفت المغاربة غاليا»ً32. أجل، إن السلطة «فائقة العيوب»، ثم إن إصرارها على من يخدمها، ومن منظور التبعية والولاء، لا يَُد. و«الإغراءات» التي يواجهها المثقف، من هذه الناحية، وزيادة على وضعه الاجتماعي الخانق، هي بدورها كثيرة وجارفة. وكما يلخص إدوارد سعيد: «إن التبعية العمياء للسلطة في عالم اليوم هي أفدح الأخطار التي تهدد كينونة حياة فكرية أخلاقية نشطة». ولذلك «ينبغي الحذر الدائم»، ومهما يكن، فإن المثقفين يظلون،
وفي تصور سعيد دائمً، «في موقع يتيح المجال للاختيار، ويقوم أكثر من غيره على المبادئ، بحيث يمكنهم قول الحق في وجه السلطة». وأن يكون المثقف مع السلطة أو ضدها هو مسألة، كما يختم إدوارد سعيد الكتاب، ترتبط بالاختيار كما أسلفنا أو الإرادة (((3. وعلى الرغم من مجمل التغيرات في مجال الفكر، فإن مسألة «القيم»، أو «الإيتيك» (Ethique) كما يعبِّر عنها البعض، لا تزال تفرض ذاتها، وينبغي أل يقال إننا نعيش في عصر آخر غير عصرها. ثم إن «سلاح النقد»، ومن «منظور وعي شامل لمسيرة التاريخ» كما يخصصه العروي (((3، يقع في ما يمكن نعته ب«الأساس التكويني» للمثقف. غير أن ما ينبغي أن يقال في حق العروي، وعلى الرغم من النقد الموجّه إليه، هو أنه ليس «رجل دولة» أو «رجل مؤسسات»، وليس من الصنف الذي يمكن أن يبيع «استشارته» وعلى افتراض أنه مستشار أو خبير؛ فالمؤسسة التي ينتمي إليها هي مؤسسة «التحليل المستحدث والصارم»، وهي المؤسسة التي جعلته لا يكف عن طرح «الأسئلة وبدون كلل أو عياء». غير أن ذلك لا يفيد أي نوع من التمترس وراء الأسئلة التي انايحأو ةهفات ىرخأب الاهدبتسا لعى عجشي دق ةيرهولاج ةلئسلاأ نم برهتلا« نأ كلذ، ضعبلا الوهح ستمرتي تغليطية»، كما قال العروي نفسه في مصنّفه مجمل تاريخ المغرب، وإن في سياق نقدكتّاب عهدالاستعمار33.
أجل، في اللحظة التي خرج فيها العروي على المتابعين والمهتمين ب«جديده»، وبمقاله السالف الذكر، كان المغرب لا يزال يلوِّح بخيار «الدولة التسلطية» في التعامل مع المجتمع، حيث يصعب القول «إن المجتمع يغذّي الدولة بقدر ما تكون الدولة المجتمع». وفي هذا الصدد يحق للباحثة هند عروب أن تختم مقالها بالشكل التالي: «وبينما كان العروي يخط صلوات الشكر، كان معتقلو تزممارت ودرب مولاي الشريف... يئنون صلاة، ويصرخون صلاة، ويصمدون صلاة، ويسألون هم أيضًا الله العلي ‹رؤية شمس الحرية›، أو أن يسمع أنينهم أحد، أو التمدد في راحة أبدية بين راحتي عزرائيل بدلً من قسوة معتقلات دولة قيل إنها ‹عصرية »›34. المؤكد أن «هناك ما حصل، وهناك ما يروى» تبعًا للعبارة الخلدونية، ومن ثم منشأ «الرواية» التي أرّخت ل«المرحلة السوداء» في «تاريخ المغرب المعاصر». ثم إن الدولة بذاتها دخلت على خط جبر الضرر. والمطلوب حاليًا، وهذا ما يسجل نقصًا واضحًا، هو تعميق «الكتابة» التي من شأنها أن «تطوي»، وبمعنى من المعاني، المرحلة، ومن دون أن يفيد ذلك، إطلاقًا، «نسيانها» حتى لا يحدث ما حدث من قبل، وهو ما لا يمكن ل«دلالاته الكبرى» أن تتحدّد إل من خلال كتابات، وبالمعنى المفتوح للكتابة، تصل ما بين الذاكرة والسرد والأمة. أجل، إن «اللقاء»، وخصوصًا لقاء «الضحية» مع «الجلاد»، أمر صعب ومرّ، غير أن الخطو نحو «الأمام» أو «المستقبل» يفرض ذلك، كما تفرض ذلك «سياسة الذاكرة»35 ذاتها. نقول ذلك لأن ما لا يلتفت إليه عادة، أو هو ما يتم تناسيه عن قصد، وهو ما كشفت عنه الثورات والحراكات والاحتجاجات، والكتابات والحوارات والشهادات، هو طبيعة الموقف من الدولة. أجل، لا أحد يوافق على أن تكون الدولة «أداة»
في يد «النظام»، يوظفها متى يشاء وكيفما يشاء، ولا سيما في ما يخص المطالب العادلة والمشروعة للجماهير، غير أنه ينبغي في الوقت ذاته عدم إضعاف الدولة لأن ذلك يفضي إلى «البلقنة» وإلى الحد الذي لا يُعرف فيه القاتل من القتيل. وكما قال العروي: «نقيض نظرية الدولة هي الفوضوية»36. فالدولة مفهوم مركزي في تحليلات العروي الذي يدعو إلى أن يكون حضورها مركزيًا في المجتمعات المغربية ككل، وحتى في مجاله الأثير المتعلق بالتاريخ، كما أسلفنا. وعلى المستوى الأخير، يتصور أن التاريخ، بمعناه العام، يدور حول الدولة، ظهورها وضمورها37. غير أن ما يتوجّب استحضاره هو أن العروي من الصنف الذي لا يترك «بياضًا فكريًا» أو «منهجيًا»، إذ لا تغيب عنه البحوث الأخرى ذات الصلة ب«نظام الإنتاج وحركة المجتمع ومستوى الفكر والثقافة» باعتبارها «بحوثًا شاقة ومستحدثة» ولم يلتفت إليها الباحثون إلّ في مطلع القرن العشرين38. هذا وينبغي أل يخفى أن الانفتاح على مثل هذا التوجه يقود إلى «التشابك» مع الأنثروبولوجيا التي «يقطع» معها العروي وبصرامة، إضافة إلى أن هذه «القطيعة» تقع في صلب اهتمام المؤرخ. إجمالً، إن موطن التركيز عند العروي يظل على الدولة. ومن ثم، فإن الاستعمار ما كان له أن يستعمر بلاد المغرب إلّ بعد «عزل الدولة»، وإلّ بعد انهيار «الدولة التاريخية»، وعلى النحو الذي أفضى إلى «مجتمع مفتَّت مسحوق»، في هذه البلاد. وقد حدث أن انهارت «الدولة التاريخية» في هذه البلاد39، ولاعتبارات لا ترتبط بالاستعمار فقط، وهذا أمر يخرج عن موضوعنا. السؤال الذي فرض نفسه بعد الاستقلال، كما تصور العروي، هو: «على أي أسس يمكن إنشاء الدولة الجديدة، فلم يكن من الممكن العمل على استمرار الوضعية التي كانت سائدة في الفترة الاستعمارية، كما لم يكن بالإمكان إعادة إنتاج الماضي»40. ومن خارج مربع الاستعمار، يهمنا أن نشير إلى أن الدولة تحمي من الانفجار الاجتماعي. وربما هذا ما جعل العروي ينظر بنوع من الشك في الحراك الاجتماعي الذي عرفه المغرب كسائر أغلب بلدان العالم العربي. وكان هذا الحراك الذي تحول إلى ثورات قد انطلق منذ مختتم سنة 2010. وعلى النحو الذي أفضى إلى إسقاط «دكتاتوريات» لم يكن أحد، من الملاحظين أو من المحللين، يتصور إسقاطها في العالم العربي. أجل، صمت العروي بخصوص الموضوع الذي أثار، ولا يزال، سيل من الكتابات والتحليلات والشهادات والحوارات. ولم ينطق بشيء في الموضوع. وفي حوار مجلة Zamane، «انتقص»، ومن وجهة نظر «المؤرخ»، من «حركة 20 فبراير في المغرب»، وخصوصًا من ناحية صلتها ب «الديمقراطية» باعتبارها «موعدًا تاريخيًا ملحًّا». لقد أخطأت الحركة الموعد، وكان الحوار مناسبة للتذكير بأن «الملكية تلعب دورًا ضامنًا للاستقرار، وخصوصًا أنّا تضمن الفصل بين الديني والسياسي». ويبقى الأهم أنه يركز على الدستور، بل يتصوّر أن ما سيتوقف عنده المؤرخون المستقبليون كثيرا هو «نص الدستور الجديد» للمغرب (2011) الذي حررته لجنة تابعة للقصر وفي إطار من «الاستجابة» لضغط الشارع. واستشهد العروي هنا ب«الثورة الفرنسية»، وكيف أن المؤرخين يتوقفون عند المجلس التأسيسي الذي ترك مئات
الأطنان من الوثائق التي يعود إليها الدارسون، وأمّا ما أحاطته الجماهير بالثورة من شعارات، فليس هناك من يذكره، لقد ذهب مع الرياح. فالأهم، إذ ا، هو «الدستور». والظاهر أن التركيز على الدستور جاء تحت تأثير ثقل مفهوم الدولة في منجز العروي، إضافة إلى أن الدستور يحد من تغوّل «الدولة المفترسة» (Prédateur) مثلما يساهم في العقلانية السياسية والاجتماعية. ولكن مع ذلك، فإن مطلب «الدسترة» كان من بين المطالب الأساسية في ثورات العالم العربي إلى درجة أن هناك من نعتها، وضمن نعوت أخرى، ب«ثورات الدسترة»؟ ومع ذلك، يُطرح السؤال حول موقف العروي من «المشاركة الجماهيرية» أو «الضغط الجماهيري»، وكيف أن هذا الضغط صار واقعًا تاريخيًا؟ الظاهر أن هذا ما لا يساير «المثقف» أو «النخب العربية» التي بدت، وفي الأغلب الأعم، معزولة أمام امتحان ما أسماه الإعلام العالمي «الربيع العربي». وكما بدت معزولة أمام «العوام» الذين تخلّصوا من «لجام الخوف» وأسقطوا - بالتالي - أكثر من دكتاتور عربي وفي غضون أسابيع معدودة. إننا في الواقع لا نوافق على أن نحمّل المثقف أكثر ممّا يمكن أن يتحمله، ولا سيما في منظور ذلك الصنف من «التصوّر الرومانسي»، أو بالأحرى «الرومانسي - الديني» الذي ينسب - عادة - إلى المثقفين ما لا يستطيعون القيام به. أجل، في إمكان المثقف التحرك في الشارع، غير أن دوره يظل في مجال آخر غير الشارع وغير مجاراة الجماهير، وذلك كله - وابتداء-ً «حتى لا يضيع وقته» كما يختزل البعض. ولكن: إلى أي حد يمكن للمثقف أن يلتزم «الصمت»؟ ألا يمكنه، ومن داخل هذا الاعتبار، أن يقوم بدور ما؟ وأن يسم ع «صوته»؟ ألا يسعفه المقال من هذه الناحية شأن باقي القنوات؟ في ضوء ما سلف، قد يسهل علينا أن ننفي عن العروي دور المثقف، غير أنه ينبغي أن نعي بأننا لا نصدر، هنا، عن معيار «الاحتجاجات» و«الاضطرابات» في التعامل مع المثقف، وكأن المثقف لا يمكنه أن يؤشر على حضوره النوعي من خارج هذا النوع من «التشابك البطولي». والظاهر أن هذا التصور لا يستجيب للنظر إلى ما كان قد أسماه العروي نفسه، وقبل ما يقرب من أربعة عقود (1974)، «الاختيارات الشخصية»41 فقط، وإنما لا يستجيب أيضًا لمنجز العروي في وحدته السياقية الكبرى التي هي وحدة «الحداثة» ومدى دور المثقف على مستوى المساهمة في التمهيد لولوجها حتى نضمن لمجتمعاتنا نوعًا من الانتساب إلى العصر والمساهمة بالتالي، وكشعوب أخرى، في إنتاج دلالات هذا الأخير. فالأسئلة التي تطرح على العالم العربي تتمحور حول السؤال المركزي التالي: كيف نكون حداثيين42؟ والمثقف، وبما أنه نمط سوسيولوجي، فهو ظاهرة حديثة، أكان مع الحداثة أم ضدها43. غير أن ما سلف لا يفيد البتة أي نوع من «الانغلاق السكولاستيكي» (L’Enfermement Scolastique)44الذي هو قرين «تمركز المثقف حول ذاته»، وهو ما يضاعف من مشكلات هذا الأخير بالنظر إلى الانفصال
عن مشكلات المجتمعات التي ينتمي إليها، وعلى النحو الذي يعمّق انعزال المثقف والسماح - بالتالي - ل«الأصوليات القاتلة» (وعلى اختلاف أنواعها) بالمزيد من «الانغراس» في المجتمع والتمكّن من شبكاته التواصلية التحتية؛ فالعروي ليس من الصنف الذي يضُرب عن الخوض في الألغام، وعندما يتكلم يبدو ممسكًا ب«الخريطة» بأكملها لكن على طريقته الصارمة والمتفردة، ودونما أي نوع من «التنازل » أو «المراوغة»؛ ف«إعطاء التاريخ وزنه» قرين نوع من الإقرار ب«فعالية دور المثقف»45. في السياق نفسه، ليس العروي من الصنف الذي يتستّر وراء «الأزمة»، «أزمة المثقف»، ولا سيما في المدار الذي لا يفارق المنظور السوسيولوجي الاختزالي والتبسيطي، بل إنه يقلب الموضوع أو يخلخله من أساسه. يقول: «ماذا نعني بأزمة المثقف العربي وهو يعيش أكثر من أزمة واحدة؟»46، غير أن الأهم هو أن «أزمة المثقفين ظاهرة عامة: يمكن القول إن ظاهرة الأزمة لا تفارق المثقف في كل مجتمع وفي كل حقبة من الحقب التاريخية، بل إن الأزمة لا تدل في الغالب على انحطاط أمّة ما بقدر ما تواكب نهضة تلك الأمّة من كبوتها وركودها»47. ويبدو لغم السياسة واردًا في تحليلات العروي وكتاباته وحواراته، وعلى النحو الذي يتكشف عنه أن العلاقة التي تصل ما بين المثقف والسياسة «علاقة وجود» لا «علاقة حدود»، وعلى النحو الذي تتكشف عنه السياسة باعتبارها مفهومًا ينأى عن التقوقع في «التنظيم» الذي يحد من التفكير والتأمل والخيال. ومن ثم منشأ العلاقة المركّبة، والتأثّرية المتبادلة بين الطرفين، وفي إطار سلسلة إنتاج الوعي، حيث لا يمكن لأي طرف أن يسلم من الآخر. هذا وإن كانت السياسة، هنا، تظل هي نقطة الجذب. وكما يدعو السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو: «يجب أن نتعلم كيف نفكر في السياسة من دون أن يكون تفكيرنا سياسيًا»48. ويقول العروي، في حوار خاص معه، موضحًا الفكرة نفسها: «الاهتمام بالسياسة ليس معناه العمل داخل زاوية سياسية، كما أن الاهتمام بالفكر ليس معناه الابتعاد عن السياسة»49. ويضيف في حوار آخر: «لم يسبق لي أن عرفت السياسة باعتبارها عملً حزبيًا، أو عملً داخل ‹زاوية›، داخل علاقة الشيخ بالمريد »50. والظاهر أن العروي يتحدث هنا عن المثقف بقدر ما يستجيب لذاته. وأظن أن الفكرة ذاتها وضَّحها، أو بالأحرى لخّصها، عبد السلام بنعبد العالي (وهو أحد أهم المحاورين للعروي) في سياق قراءته للجزء الثالث من خواطر الصباح، وذلك حين أشار إلى «المثقف حينما يكون مهووسًا بالسياسي من غير أن يغرق في ‹السياسة›»، وحين أشار إلى أن العروي «محلل من بعيد يتحاشى الغرق في السياسة أو إصدار الأحكام، أو الميل لكفة ضد أخرى»51. ويتضاعف المشكل أكثر في سياق في حجم السياق المغربي، حيث «الأمية السياسية الطاغية»، وحيث «مكوّنات السياسة عندنا هي في الوقت نفسه موانع السياسة»52.
وعلى مستوى آخر، وفي سياق «خطاطة المثقف والسلطة» التي يرتاح إليها كثيرون عادة، ينبغي أل يُلخَّص العروي في قراءته لعهد الحسن الثاني فقط، وعلى ما تنطوي عليها هذه القراءة من أفكار نقدية عميقة لا تكشف عن نفسها في وضوح؛ إذ يصعب القول إن العروي غطس في «مستنقع المدح»، وهو نفسه أكد في حوار معه أنه لم يمدح الحسن الثاني بالقدر الذي قيل53. ويضيف في الحوار نفسه: «الحسن الثاني كان مصلحًا في العديد من المجالات، لقد شيّد دولة، نظم بيروقراطية، إلخ. لكنه، وهذا ما سجلته جيدًا، لم يجدد الثقافة المغربية، بالمعنى الشامل للكلمة، واكتفى باعتماد ازدواجية ثقافية عقيمة في رأيي. ومع هذا لا يمكنني، كمؤرخ، إل أن أقر أنه كان على انسجام مع أغلبية الشعب المغربي حول هذه النقطة. إن محافظته الثقافية كانت أساس مشروعيته السياسية، ونحن نسعى في إطار نقاشنا الحالي إلى توضيح مشروعيته التاريخية»54. فالمسألة تتعلق ب«مغرب الحسن الثاني» ككل، ذلك أن الملك الراحل من صنف «رجال السياسة» من الذين كانت لهم «قرارات» ينعتها العروي ب«قرارات رجال السياسة» التي عادة ما يكون لها «تأثير.» وهذه القرارات هي ما يسعى المؤرخ إلى فهمها وتحليلها. غير أن العروي ساهم أيضًا بأفكار تخص التجربة السياسية المغربية المعاصرة بصفة عامة، وهو ما يمكن استخلاصه من كتابه من ديوان السياسة الذي تضمّن أفكارًا سياسية في غاية من الأهمية، بل وهو ما يمكن استخلاصه حتى من كتاباته التاريخية ذاتها لكي لا تفوتنا الإشارة إلى كتاباته الفكرية. وتبقى أفكاره في هذا المجال «صادمة»، وعلى الرغم من تنوع صيغها الأسلوبية، فإنها تخدم «الخطاب» ذاته. ومن ثم، فإن أفكارًا من مثل «كل ثورة ثقافية تتضمن خطرًا بالغًا بعدم الاستقرار» و«بن بركه قدره تعرض للتهشيم» و«وتراني أتساءل أحيانًا، هل ترغب غالبية المغاربة حقًا، في التغيير، أم تخشى أن تتكبد في سبيله التضحيات، وتبذل المجهودات الجسام، وتلاقي الاضطرابات الاجتماعية؟» و«الديمقراطية عندنا كلام كثير وعمل قليل»، وغيرها من عشرات الأفكار بشأن النخبة والدستور والديمقراطية والإصلاح، جديرة بأن تعكس صنف «المثقف النوعي» الذي يجعل من «النقد» سندًا محايثًا له في تمظهراته.
المؤكد أن كل فكرة من الأفكار الأخيرة قابلة للمناقشة على امتداد مقال مستقل، ولذلك يهمنا، وفي سياق تأكيد «صور المثقف» ومدى اقترابه من الحرائق، أن نعرّج على موضوع ثان لا يخلو من أهمية بالغة في هذا السياق. ونقصد، هنا، موضوع الدِّين ومدى الموقف من مجمل الخطاب الذي ينتج حوله، أكان في المغرب أم في العالم العربي ككل أو حتى في الغرب. ومن هذه الناحية، ساهم العروي بأفكار عديدة وقوية، سواء في كتابه السنّة والإصلاح (2008) الذي أثار ردودًا عديدة، أو في باقي كتاباته وحواراته. كنا قد أشرنا في الدراسة الأولى «عبد الله العروي ونظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي» إلى موقف العروي من «المناظرة الدينية»، ويهمنا هنا أن نستعيد كلامه في سياقه العام الذي ورد في حوار معه على هامش إصدار كتابه السنّة والإصلاح. يقول (ونستحضر نصه على طوله): «[...] عمومًا لا أريد أن أدخل في صراع ضد الفكر الديني، لأن المناظرة الدينية عندنا تدخل على بساط الفكر الديني التقليدي؟ ذلك أنني أعتبر أن المناظرة، أو النقد، تعيد كلام الشيعة والسنّة، وما يدور حولهما في الماضي، لأن ما يمكن أن يقال في هذا المضمار قد قيل وسجّل في
كتب الملل والنِّحل. فإذن إن كل ما يمكن اعتباره نقدًا حديثًا هو في الواقع عودة إلى نقد قديم ظهر وازدهرِ ثم خفت لأسباب تاريخية معيّنة، فلذلك أفضل أن يكون الكلام انطلاقًا من مفهوم المصلحة فقط. ما جدوى الكلام عن القيم التقليدية أو الأصلية؟ في حين أن المشكل الذي يواجهنا هو الفقر الاجتماعي من ناحية، والضحالة الفكرية من ناحية العلم، والركود الاقتصادي». ويواصل، في الحوار نفسه، وعن المثقف هذه المرة: «أقول بصراحة أنه إذا لم يتوجب بالضرورة نقد الفكر الديني، يتوجب بالمقابل الإفصاح عن الموقف، موقف كلمثقف، وكل مواطن أمام الانزلاقات التي تؤدي إلى الانتحار في عالمنا الحاضر. فهناك مواقف، وهناك دعاوى وحركات تؤدي إلى بلورة الفكر الانتحاري بصورة واضحة»55. على الرغم من أن العروي يتجنّب المناظرة، فإن أفكاره تمسّ المناظرة، بل وتخلخل بنيان «الإسلام السياسي». لذلك، عندما يقول في حوار معه: «لو كان الإسلام هو الحل بالمنطق السياسي لوجدنا الحل منذ أربعة عشر قرنًا»56 فإنه يلخص «الحكاية» بأكملها. والمشكل، هنا، ليس في الدِّين في حد ذاته، وإنما في السياسة ذاتها. يقول: «لا يمكن أن يقال إن الدِّين عندنا يتجه بطبيعته إلى السياسة، بل السياسة هي التي تبحث عن الدِّين لإدخاله في حلبة الصراع. ثم يحصل ما يحصل بعد ذلك»57. هذا بالإضافة إلى صعوبة التعايش في إطار من «التعددية السياسية» بسبب من التشظ ي الاجتماعي في مظاهره المتعددة58، وبسبب من «التقليد» الذي هيمن في المغرب وعبر تاريخ هذا الأخير. يقول: «ينبغي أن نعترف بأن المغرب لم يكن أبدًا أرض تجديد فكري، هذا واقع بحيث إن كل الأفكار قد أتته من الخارج: إمّا من الشرق أو من الغرب [...] أمّا التجديد الفكري، أي الثورة التي تنبع من الأرض، فهي لا تبدو أنها من سجايا المغاربة [...] المغربي عادة يميل إلى التقليد. هذا واقع. والمغرب أرض خصبة للتقليد». وحتى «العلم» الذي من المفروض أن يُستنَد إليه في التعامل مع الدِّين، يُفرَغ من محتواه أو «يُستعمَل». وفي هذا الصدد يطالب العروي المثقف بالتركيز على «العلم الكاشف»59 الذي يفيد من العلوم الاجتماعية ككل، وعلى النحو الذي لا يضر بالعلاقة التي يمكنها أن تصل بين العلم ذاته والالتزام؛ ف«كل تفكير جدّي اليوم يجري تحت مراقبة العلم، أكان واعيًا بذلك أو لا»، هذا وإن كان العروي يميل أكثر إلى «النقد» الذي لا نعدم فيه تأثير الفلسفة وعلم الاجتماع. إجمال: لا يركز العروي على «التأخر التاريخي» فقط، وإنما يركز على «التأخر النقدي»60 أيضًا. ومن ناحية النص القرآني، فإن الاستناد إلى التاريخ في النظر إلى النص الأخير، وباعتباره «قراءة» أيضًا، لا يمكنه إل أن يكون «صادمًا». أجل، إن هذا التوجه غير جديد، لقد تكلّم البعض في الموضوع61، ومن منظور «النقد المعاصر»62 كما يطالب العروي نفسه، وعلى النحو الذي أفضى بالبعض إلى أن يكونوا عرضة لمتاعب63، غير أن العروي يظل وفيًّا لأسلوبه الذي ينأى عن «التدرج» و«المعمارية» أو البلاغة التي تطغى على المنطق، هذا بالإضافة إلى أنه لا يبدو منشغلً - وفي المقام الأول - بنقد العقل الديني أو الخطاب الديني.
في ضوء ما سلف، يصعب نفي دور المثقف عن العروي، لكن على طريقته كما أسلفنا؛ فهو غير منعزل عن «المقلاة»، وهو غير «متفرج ملتزم» بتعبير ريمون آرون كما تصور البعض. الفرق هو أنه ينظر إلى الأشياء «من بعيد» مثلما يأخذ المسافة اللازمة حتى يقف على «الجذور العميقة والمتشعبة». وإذا كان هناك من درس يُستخلص من تجربته، فهو كامن في دور المثقف الذي يمكن أن يؤديه المؤرخ بدوره شأن الكاتب والشاعر والروائي والرسام والمخرج السينمائي... إلخ. فالانتساب إلى «الحقل الأكاديمي» لا يعني «الانسلاخ» عن القيام بدور المثقف، والاهتمام بالمنهج لا يعني الانغلاق في «عبادة المناهج» أو في «الصنمية المنهجية.» وفي هذا الصدد لا يخفي العروي خيبته، يقول: «لا يُتصور أن تكون هذه الطوابير الهائلة من الدارسين، ومنهم حذاق وموهوبون، قد سارت كلها في دهاليز التيه»64. وكما يصر على القول «إن المثقف المغربي ينقصه الخيال»65، وفي حال السياسي يتجاوز الأمر النقصان نحو اليباب الجارف. كما أنه يمكن أن نفيد من العروي من ناحية الاعتقاد في «آلة التحليل» ب«المفاهيم» التي تقي من «الثرثرة» أو «الشقشقة اللفظية»، كما نعتها العروي في أكثر من مناسبة. وحتى إن كنّا قد تحدثّنا عن صلة العروي بالمفاهيم، فإن ذلك لا يحول دون تأكيد أن المفاهيم تظل في حاجة إلى ذلك الصنف من الشخصيات المفهومية التي تساهم في إعطاء تعريف لها كما قال كلٌّ من جيل دولوز وفيليكس غاتاري في كتابهما المشترك ما هي الفلسفة66؛ وهذا ما يمكن نأخذ به، في تصورنا، في حال العروي. أجل، إن العروي ليس نموذجًا للمثقف الذي يشتغل بالمقال كما أسلفنا، وليس نموذجًا للمثقف الذي يسعى إلى توجيه الرأي أو أن يكون له أتباع. لكن مع ذلك، يمكن أن نفيد منه في الاضطلاع بدور المثقف، بما في ذلك ناحية التعليق وكتابة المقال باعتبارهما شكلين دالّين على قياس حضور المثقف في وقتنا الراهن. وحتى المثقف الخبير الذي صار علامة على العصر مدعو بدوره إلى الإفادة منه، خصوصًا أن العروي لفت الانتباه إلى أن هذا المثقف أدى دورًا إيجابيًا تارة، ودورًا سلبيًا طورًا، وعلى المؤرخ يقع بيان هذا الأمر67. ومعنى ذلك أنه ينبغي ألّ ننظر أبدًا إلى المثقف الخبير بعين من التشكيك، ما دام أنه هو أيضًا يضطلع بدور متعيّ داخل جوقة المثقفين. ثمة فكرة أخرى في غاية الأهمية في نظرنا، وذات صلة بسيرة العروي هذه المرة؛ فهو نموذج للمثقف الذي لا ينجذب إلى «السلطان» و الإضراب - بالتالي - عن الخوض في الألغام. وهو نموذج للمثقف الذي لا يكترث بالانتشار في الفضاء العام، ونموذج للمثقف الذي ينأى عن الغرور السياسي والمشيخة الفكرية ولوثة الشعبوية... إلخ. بكلام جامع: لا يندرج ضمن «أمراض الحالة المغربية» كما اصطلحنا عليها من خلال سلسلة من المقالات المتداولة في «عالم النِّت». وحتى إن كنّا لا نعدم لديه نوعًا من «الاستعلاء المعرفي»، فإن هذا الاستعلاء ينأى عن «ثقافة الكراهية» و«التدمير» و«الادعاء»... إلخ. ومع ذلك، وكما يذكّرنا العروي نفسه، كل واحد يقيم الاختلاف بين العلماء المزيفين والعلماء الحقيقيين، وبين المثقفين والمأجورين أو المرتزقة (Mercenaries)68.