نهاية السرديات الصغرى في تجاوز أطروحة ما بعد الحداثة
The End of Small Narratives: Transcending the Postmodernist Thesis
الملخّص
تؤسس هذه الدراسة لأطروحة تتجاوز ادعاء ما بعد الحداثة القائل بأن زمن السرديات الكبرى( التقدم، والتنوير، والثورة...)إلخ، وأن الزمن الراهن هو زمن السرديات الصغيرة التي تتمحور حول الاهتمام بالذات ورعايتها، وحول سعي البشر من أجل «التمتع الفردي بالسلع »،وتأمين جودة الحياة لأنفسهم كأفراد أو كأُسر ومجموعات صغيرة، وذلك بمنأى عن أي مسعى جماعي لتأمين الحياة الجيدة والخيّرة للجميع .
Abstract
The postmodernist claim is that the time for grand narratives on progress, enlightenment, revolution, and the like is over. It also claims that the present age is one of smaller narratives that revolve around nurturing the self, the pursuit of “individual enjoyment of commodities,” and securing a desired quality of life for themselves as individuals, families, or small groups. Kadhim’s study is premised on the fact that smaller narratives have, however, played themselves out and become mute. He notes that although it is true that current developments have played their part in the erosion of grand narratives, and a decline in the spirit of enlightenment, liberation, revolution, and change, this debilitating “spirit of the times” does not stop with the collapse of collective hope and breaking the “utopian spirit”. This exhaustion, he maintains, has also crept over the smaller narratives and the regular, everyday lives of people, including their right to “individual enjoyment of commodities,” products, services, and goods. If the concepts of enlightenment, liberation, revolution, and world change have lost their legitimacy, become lackluster, and no longer have justification to exist, many smaller narratives have too, in turn, suffered the same fate.
- السرديات الصغرى
- التنوير
- الذات
- ما بعد الحداثة
- التقدم
- Progress
- Enlightenment
- Smaller Narratives
- Postmodernism
تؤسس هذه الدراسة لأطروحة تتجاوز ادعاء ما بعد الحداثة القائل بأن زمن السرديات
الكبرى (التقدم، والتنوير، والثورة...إلخ) انتهى، وأن الزمن الراهن هو زمن السرديات
الصغيرة التي تتمحور حول الاهتمام بالذات ورعايتها، وحول سعي البشر من أجل «التمتع
الفردي بالسلع»، وتأمين جودة الحياة لأنفسهم كأفراد أو كأ سر ومجموعات صغيرة، وذلك
بمنأى عن أي مسعى جماعي لتأمين «الحياة الجيدة والخيّة» للجميع. والافتراض الذي تقوم عليه هذه الدراسة هو أن هذه السرديات الصغيرة وصلت إلى
طريق مسدودة، بحيث صارت عصية، وتتفل ت من بين أيدي أغلبية الأفراد. صحيح أن
التطورات الجارية كلها قد فعلت فعلها في تآكل السرديات الكبرى، وتراجُع روح التنوير
والتحرير والثورة والتغيير، لكن المفارقة التي حدثت هي أن «روح العصر» المنهكة لم
تقف عند حدود انهيار الأمل الجماعي وانكسار «الروح اليوتوبية» فحسب، بل إن هذا
الإنهاك أخذ يزحف أيضًا حتى على تلك السرديات الصغرى وعلى حيوات الناس اليومية
والصغيرة والعادية، بما في ذلك حقهم في «التمتع الفردي بالسلع» والمنتجات والخدمات
والخيرات. فإذا كانت مفاهيم التنوير والتحرير والثورة وتغيير العالم قد فقدت مشروعيتها
وانطفأ بريقها الأخّاذ، وما عاد هناك مبرر لوجودها، فإن كثيرًا من السرديات الصغرى، في
المقابل، انتهت إلى المصير ذاته.
يبدو أن ثورات «الربيع العربي» جاءت مع مطلع سنة 2011 لتضع حدًّا لفكرة كانت شائعة
ومهيمنة لدى أدبيات ما بعد الحداثة، وهي القائلة إن عصر الثورات انتهى، وإن مستقبل الثورات
بحدّ ذاته بات مشكوكًا فيه، وخصوصًا بعد أن تلاشت المرجعيات والمحركات والأيديولوجيات
والسرديات الثورية الكبرى في العالم. والحقيقة أن هذه الفكرة ترجع بجذورها إلى ريمون آرون، وذلك حين شنّ في هجومه الواسع ضد اليسار الذي كان يمثّل «أفيون المثقفين» و»جحيمهم» آنذاك، كما يقول.
وبحسب آرون، فإن اليسار والثورة والبروليتاريا لم تكن سوى ثلاث خرافات أو أساطير «أثبتت فشلها، سواء من ناحية الإخفاقات المتكررة التي رافقتها أو حتى من ناحية النجاحات التي تزعمها». أمّا نقطة
ضعف اليسار الأساسية، فتكمن في «منطلق أفكاره» الذي كان يستبطن إحساسًا ب»التفاؤل السياسي»
لكون «العالم يسير في طريق التقدّم، أي إن الفترات التاريخية المتلاحقة كانت التالية منها أحسن من
سابقتها»، في حين أن الحاصل، بحسب آرون، هو أنه «زالت فكرة تقدّم التاريخ في خط مستقيم في
الوقت الحاضر، واحتلّ مكانها نظرة جديدة أخرى هي النظرة القائلة بضرورة الاتزان بين قوى الإبداع وقوى التخطيط». والمسألة، بالنسبة إلى فرانسوا ليوتار، أبرز منظ ري ما بعد الحداثة، تتجاوز اليسار وخرافاته إلى كامل خرافات الحداثة الغربية التي سيُطلق عليه اسم «السرديات الكبرى». ويمكن القول إن ما فعله ليوتار
هو أنه سحب نقد آرون على كامل السرديات الكبرى، أكانت سرديات اليسار (الثورة والتحرير والعدالة الاجتماعية) أم سرديات اليمين (التنوير والعقلنة). وقد بنى ليوتار أطروحته الأساسية عن «الوضع الما بعد الحداثي» على افتراض مؤداه أن وضع المعرفة في الغرب سوف «يتغيّ بينما تدخل المجتمعات ما يعرف
بالعصر ما بعد الصناعي، والثقافاتُ ما يعرف بالعصر الما بعد الحداثي». إل أن ليوتار ينطلق من هذا
الافتراض ليقرّر أن هذا التغيّ في وضع المعرفة سيضع حدًّا للسرديات الكبرى من قبيل التنوير، والتغيير
والثورة والتقدّم وتحرير الذات...إلخ.، وهي السرديات التي كانت بمنزلة العمود الفقري للحداثة
الغربية برمّتها. وليوتار يعرّف ما بعد الحداثة بأنها «التشكك إزاء الميتا - حكايات»، أي إزاء السرديات
الكبرى، وأن «هذا التشكك هو بلا شك نتاج التقدم في العلوم». لقد منحت هذه السرديات الكبرى
المعنى والحيوية للفعل البشري في العصر الحديث، كما كانت هي ذاتها غاية هذا الفعل ومقصده، إل أن التقدم في العلوم وازدهار التقنيات والتكنولوجيات دمّرا هذه السرديات الكبرى ونزعا عنها مشروعيتها.
وبلهجة تذكّر بأطروحات آرون ودانيال بيل وآخرين، وتستبق أطروحة فرانسيس فوكوياما بأكثر من عقد من الزمان، يعلن ليوتار أنه يمكن النظر إلى أفول هذه السرديات الكبرى على أنه «أحد آثار إعادة نشر الرأسمالية الليبرالية المتقدمة (...) وهو تجدد ألغى البديل الشيوعي ومنح قيمة للتمتع الفردي بالسلع». وبناء على هذا، ستصبح الأولوية، في عصر ما بعد الحداثة، للسرديات الصغرى التي يعتبرها ليوتار
«الشكل الجوهري للابتكار الابداعي، وبالأخص في العلم». كما سيحلّ التنافس بين هذه السرديات الصغرى المتنوعة محل الشمولية أو الكلية التي كانت تميّز حقبة السرديات الكبرى الآخذة في التلاشي.
(((ريمون آرون، أفيون المثقفين، ترجمة قدري قلعجي (بيروت: دار الكتاب العربي، [د. ت.])، ص.121
(((المصدر نفسه، ص.116
(((المصدر نفسه، ص.122
(((جان فرانسوا ليوتار، الوضع ما بعد الحداثي، ترجمة أحمد حسان (القاهرة: دار شرقيات للنشر والتوزيع، 1994)، ص.27
(((المصدر نفسه، ص.24
(((المصدر نفسه، ص.56
(((المصدر نفسه، ص.75
قبل أن يبلور ليوتار تصوره عن السرديات الكبرى، كان هربرت ماركيوز قد قدّم صيغة مكتملة لتفسير
حالة أو استحالتها في المجتمعات الصناعية الحديثة. لم يكن ماركيوز يتحدث عن نهاية سرديات كبرى
كما فعل ليوتار، ولا عن خرافة الثورة كما قال آرون، بل كان يسعى إلى تفسير هذه الحالة الغريبة التي
كانت محرجة بالنسبة إلى النظرية النقدية آنذاك، وهي الحالة التي تتمثّل في أن الثورة باتت ضرورة ملحة،
وعواملها متوافرة، ومع هذا كانت الثورة مستحيلة. وهذا تناقض بحاجة إلى تفسير: فكيف أصبحت
الثورة مستحيلة في المجتمع الحديث على الرغم من ضرورتها وتوافر عواملها وفاعلها التاريخي:
البروليتاريا الصناعية؟ والجواب، عند ماركيوز، هو أن المجتمع الصناعي المتقدّم تمك ن من تطوير قدرته
على الضبط والسيطرة من جهة، وضاعف من جهة أخرى من قدرته على خلق شعور عام بالرضا لدى
فئات عريضة داخل المجتمع، وهو رضا يتحصّل بسبب قدرة هذا المجتمع الصناعي على إنتاج خيرات
التمتع الفردي وتوزيعها على نطاق واسع، الأمر الذي نجح (أو أوهم الناس بأنه نجح) في تحقيق الإشباع
لحاجاتهم الأولية، في حين أن الشرط الأساس للثورة والتغيير هو عدم الرضا، فعندما يشعر الناس بعدم
الرضا عن واقعهم، تتول د لديهم الحاجة إلى رفض هذا الواقع والتمردّ عليه وطلب تغييره وتجاوزه، فتنفجر
الثورة عندئذٍ، لتضع حاجة إلى التغيير الشامل موضع التنفيذ. إلّ أن هذه الحاجة إلى التغيير والنابعة من
عدم الرضا هي، بالذات، «التي يسعى المجتمع القائم إلى قمعها، بتناسب مطرد مع قدرته على إنتاج
الخيرات وتوزيعها على صعيد أوسع وباطراد». وبهذه الطريقة لا يبدو هذا المجتمع الحديث قادرًا على
وضع العراقيل أمام الثورة والتغيير الشامل فحسب، بل إنه صار قادرًا أيضًا على «الحيلولة دون أي تبدل
اجتماعي، أي دون أي تحوّل بالمعنى الكيفي يؤدي إلى قيام مؤسسات مختلفة اختلافًا جوهريًا، وإلى ظهور
اتجاه جديد لعملية الإنتاج وطرز جديدة للحياة». ربما ابتدأت هذه الحكاية من كميّة السلع المتوافرة، حيث تمك ن المجتمع الصناعي من القيام بثورة في ما
يتصل بكمية السلع المنتجة، وهي ثورة سبق لكارل ماركس وفردريك إنغلز أن رصدا أبرز معالمها في
«البيان الشيوعي» (1848)، وذلك حين لاحظا أن البرجوزاية تعمد إلى «التحسين السريع لكل أدوات
الإنتاج» التي ازادات ضخامة، بما سمح لهذه الطبقة بإنتاج كميات هائلة من المنتجات وبأسعار رخيصة.
وقد كانت هذه «الأسعار الرخيصة لسلعها هي المدفعية الثقيلة التي تُدكّ بها الأسوار الصينية كلها ».
إلّ أن «البيان الشيوعي» كان يقرأ هذا كله على أنه وباء يتفشّى في أوقات الأزمات، وأنه سحر سينقلب
على الساحر حين يعجز عن السيطرة على القوى الجهنمية التي استحضرها. كانت قناعة «البيان الشيوعي»
أن هذا الإنتاج الضخم سيتسبب في «أزمات تجارية دورية» وفي تمردات عمالية، الأمر الذي سيهدد وجود
المجتمع البرجوزاي نفسه؛ لأن هذا المجتمع سيضطر، في ظل في الأزمات والتمردات، لا إلى إتلاف «جزء
كبير من المنتجات فحسب، بل يُتل ف أيضًا قسم من القوى المنتجة القائمة. وفي الأزمات يتفشّى وباء
مجتمعي ما كان ليبدو، في كل العصور السابقة، إلّ لا معقولً، وهو وباء فائض الإنتاج ». وقد بقي هذا
(((هربرت ماركوز، الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة جورج طرابيشي، ط 3 (بيروت: منشورات دار الآداب، 1988)، ص.30
(((المصدر نفسه، ص.28
(((1 كارل ماركس وفردريك انجلز، البيان الشيوعي، دراسة وتحليل هرمان دونكر؛ ترجمة عصام أمين (بيروت: دار الفارابي،
2008)، ص.62
(((1 المصدر نفسه، ص.65
الوباء، في عصر ماركيوز، لا معقول، إلّ أنه وباء استحكم وبلغ مستويات متقدمة جدًا وقضى نهائيًا على
حالة «ندرة السلع والخيرات» التي كانت سائدة من قبل. أصبح الجهاز الإنتاجي قادرًا على إنتاج كميات هائلة جدًا من السلع والخيرات وبأسعار رخيصة وفي
متناول الفئات العريضة داخل المجتمع، بما في ذلك العمّل أنفسهم. إل أن هذا كله لم يتحول إلى وباء
أو أزمات أو تمردات، بل أصبح، وعلى الضد من هذا التوقّع، قادرًا على خلق حالة من الرضا بين هذه
الفئات، بل وأكثر من هذا، أصبح قادرًا على خلق وهم التماثل بين الجميع، الأمر الذي يعني انعدام التفاوت
الطبقي وزوال الطبقات. هكذا، وكأن الرأسمالية الصناعية تمك نت من تحقيق النبوءة الماركسية القائلة إن
دخول المجتمعات في مرحلة الشيوعية سيضع حدًّا للصراع الطبقي، إل أنها حققت هذه النبوءة بأداوتها
وبطريقتها الخاصة. أمّا كيف تمّ ذلك؟ فالجواب هو أن المجتمع الصناعي تمك ن من توفير كميات هائلة
من «الخيرات» المصمّمة للتمتع الفردي، وتمك ن، كذلك، من توزيعها على نطاق واسع، بحيث صارت في
متناول جميع الطبقات، البرجوازية والعمالية سواء بسواء، فإذا «كان العامل وربّ عمله يشاهدان نفس
البرنامج التلفزيوني، وإذا كانت السكرتيرة ترتدي ثيابًا لا تقلّ أناقة عن ابنة مستخد مها، وإذا كان الزنجي
يملك سيارة من طراز كاديلاك، وإذا كانوا جميعًا يقرأون الصحيفة نفسها»، فإن هذا يدل على التماثل
أو على الأقل يوهم بالتماثل وبزوال الطبقات. بالتوازي مع هذه الثورة في عالم «إنتاج الخيرات وتوزيعها»، وربما بسببها، تمك نت السلطة السياسية
من إحكام سيطرتها المطلقة على فضاءات الحياة الاجتماعية و«على الصيرورة الميكانيكية وعلى التنظيم
التقني للجهاز» الذي صار قادرًا على الرقابة والتنظيم والاستيعاب. بناء على هذا، أصبحت «حكومات
المجتمعات الصناعية والمتقدمة والمجتمعات التي في سبيلها إلى أن تصبح كذلك، تحافظ على بقائها وتحمي
وجودها»على نحو لم يكن متاحًا لأي نظام من قبل؛ لأن هذا المجتمع أصبح «يحرّم النقد من أساسه
الحقيقي، فالتقدم التقني يرسّخ دعائم نظام كامل من السيطرة والتنسيق»، وهو نظام بات قادرًا على إبطال
«جدوى كل احتجاج باسم الآفاق التاريخية، باسم تحرر الإنسان»، وعلى امتصاص قوى المعارضة
واستعابها في داخله أو تحويلها إلى عمل عبثي أو مستحيل. صار هذا النظام، باختصار، محصنًّا ضد عوامل
التهديد المحتملة أو إنه جعل إمكانية تحطيمه أكثر صعوبة. وبتعبير ماركيوز، فإنه «كلما أصبحت إدارة
المجتمع الاضطهادي عقلانية، منتجة، تقنية وشاملة، تعذّر على الأفراد أكثر فأكثر تصور الوسائل الكفيلة
بتحطيم أغلال عبوديتهم وبوصولهم إلى حريتهم»، لأن النظام ما إن يصير «كليًا استبداديًا» حتى يحول
«دون أي تغير نوعي»، أي دون أي ثورة. وبهذه الطريقة أصبحت الثورة مستحيلة. لم تكن هذه التحولّات بمعزل عن تغيّ طرأ على طريقة التفكير؛ لأن أي تحرر ينطوي، بالضرورة كما يقول
ماركيوز، على «وعي العبودية»، عبودية الأفراد للنظام، أي على وعي بأن الواقع سيئ وغير محتمل وينبغي
(((1 ماركوز، الإنسان ذو البعد الواحد، ص 44. وبالنسبة إلى ماركيوز فإن هذا لا يدل على التماثل أو زوال الطبقات، بل على مدى
قدرة المجتمع الحديث على تحديد الحاجات السائدة بما يضمن تحقيق وهم التماثل عبر قدرته على إشباع هذه الحاجات الزائفة.
(((1 المصدر نفسه، ص.39
(((1 المصدر نفسه، ص.28
(((1 ماركوز، الإنسان ذو البعد الواحد، ص.43-42
(((1 المصدر نفسه، ص.182
تجاوزه. وهذه مسألة أساسية في تفكير ماركيوز، وهي السبب الذي قاده إلى هيغل في محاولة منه لتلمّس
الصلة القائمة بين «العقل والثورة». وبحسب ماركيوز، فإن العودة إلى هيغل لا تستهدف إحياءه بقدر ما
تستهدف إحياء ملكة/قدرة عقلية، أو طريقة في التفكير صار يُشى عليها من خطر الضياع والتلاشي،
«ألا وهي القدرة على التفكير السلبي»بمعناه الهيغلي، أي جرأة العقل على نقد الواقع الماثل أو نفيه
ورفضه والتفكير في تجاوزه. والتفكير السلبي هو الذي يقول إن الواقع الماثل هو نظام حياة قائم، إلّ
أنه قابل للتجاوز لأن الواقع ينطوي على العديد من الاحتمالات والإمكانات والبدائل الأخرى، وليس
الماثل أمامنا سوى واحد من هذه الاحتمالات البديلة الممكنة، وهو احتمال سيئ، الأمر الذي يستوجب
رفضه وتجاوزه طلبًا لبدائل أخرى تكون أكثر ملاءمة لشروط التحرر والانعتاق. لكن المشكلة هي أن هذه
الطريقة في التفكير السلبي والنقدي أصبحت مهددة بالضياع وغريبة في العالم الحديث بحكم قدرة الإنتاج
الصناعي على «تقديم كل الوسائل اللازمة لإشباع الحاجات البشرية»، واستبعاد كل الاحتمالات
الممكنة المتعارضة أو استيعابها في كلٍّ أشمل أو الإيهام بالقدرة على استبعادها أو استيعابها، وذلك بحكم
قدرته على تحطيم «قوة العقل النقدية» أو الوعي النقدي الذي كان يراهن على إمكانية رفض الواقع القائم
وتحطيمه وتجاوزه من أجل بدائل أخرى. لقد حلّ التفكير الإيجابي محل التفكير السلبي، والتفكير الإيجابي
تفكير امتثالي يقبل بالواقع كما هو، بل يسلّم له بتفوقه، ويصادق على قدرته ونجاحه أو الإيهام بنجاحه في
إشباع الحاجات الفردية. ومسألة الإيهام هنا مسألة مهمة، فماركيوز يجادل بأن الثورة ما زالت ضرورية، وأن التغيير ما زال ملحًا؛
لأن الحرية ما زالت غير موجودة، كما أن الواقع ما زال على سوئه، بل يزداد سوءًا يومًا بعد آخر. إل أن
الذي جرى هو أن «دولة الرفاه» في المجتمع الصناعي المتقدم أصبحت قادرة على خلق «حاجات زائفة»
وإيهام الناس بنجاحها في إشباع هذه الحاجات، بما يحملهم على الشعور بالرضا عن مستواهم المعيشي
وعن واقعهم. وقد بلغت قدرة هذه الدولة على خلق حالة من الرضا مستويات متقدمة بسبب تطور
وسائل الإعلام التي هي، بالدرجة الأساس، وسائل لصناعة الرضا أو وسائل ل«صناعة القبول» كما
سمّها نوام تشومسكي وإدوارد هرمان، وذلك حين جادل هذان الأخيران بأن هذه الوسائل تحوّلت من
وسائل إعلام تنقل الخبر بحيادية إلى وسائل دعم أيديولوجي «تخدم، وتقوم بالدعاية والترويج بالنيابة عن
المصالح المجتمعية القوية التي تتحكم فيها وتمولّها». بتعبير آخر، الواقع سيئ لكن الناس لا تشعر بأنه
سيئ، والسبب هو أن المجتمع الصناعي طوّر من قدرته على صناعة القبول أو الإيهام بالرضا أو الخداع،
مستعينًا في ذلك بأدوات عديدة تأتي «صناعات الثقافة» في مقدمتها، ووسائل الإعلام على رأسها، بل هي
الأساس الذي لو انهدم فسينهار النظام برمّته؛ لأنه «لو كفّت أجهزة التلفزيون ووسائل الاتصال المتحالفة
عن العمل، لأمكن، آنذاك، أن يشُرع بالتحقق ما لم تتوصّل التناقضات الملازمة للرأسمالية إلى تحقيقه:
تفسّخ النظام».
(((1 هربرت ماركوز، العقل والثورة: هيجل ونشأة النظرية الاجتماعية، ترجمة فؤاد زكريا (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،
1970)، ص.17
(((1 المصدر نفسه، ص.29
with، Manufacturing Consent: The Political Economy of the Mass Media (19) Edward S. Herman and Noam Chomsky, xi. p. 2002),،Books Pantheon York: (New a New Introduction by the Authors
(((2 ماركوز، الإنسان ذو البعد الواحد، ص.256-255
كان واقع المجتمعات الصناعية في الستينيات، كما يحلله ماركيوز في كتاب الإنسان ذو البعد الواحد،
يستجيب، جزئيًا، لتصورات النظرية الماركسية، إل أنه، كذلك، يكذبّها في الصميم، وخصوصًا في ما يتعلق
بتحليلاتها للثورة؛ لأن كل شروط الثورة كانت موجودة، وكانت كل «الوقائع المطلوبة متوافرة للتدليل
على صحة النظرية الماركسية عن هذا المجتمع وعن تطوره المحتوم»، إل أن الثورة لم تقع! وبحسب
النظرية الماركسية، فإن الرأسمالية تنطوي على تناقضات خط رة، وإن الإنتاج الصناعي الرأسمالي يخلق حالة
من تغريب العمال - وهم المنتجون الفعليون والمباشرون للسلع والمنتجات - عن الجهاز الإنتاجي نفسه
لأنه جهاز ليس في ملْكيتهم بل هو مملوك ملْكية خاصة، الأمر الذي سيخلق لديهم حالة من عدم الرضا
عن هذا الواقع وشروطه، وهو ما سيدفع بهم إلى الثورة عليه طلبًا لتغيير هذه الشروط المجحفة بحقهم.
كان العمال هم «حفاري قبر البرجوازية» كما تصوّر «البيان الشيوعي»، لكن الذي حصل كان على الضد
من ذلك. ليس تغريب العمال عن هذا الجهاز الإنتاجي هو الذي كفّ عن التحقق، بل إن هذا الجهاز هو
الذي صار قادرًا على تعطيل المفاعيل السلبية المتوقعة من الشعور بالتغريب؛ لأن العمال الكادحين ما عادوا
كادحين بفعل التقدم التكنولوجي الذي غيّ من طبيعة العمل الشاق، الأمر الذي حمل ماركيوز، لاحقًا،
على القول بأن الطبقة العمالية ما عادت فقط غير مؤهلة للثورة، بل تحوّلت أيضًا، وبسبب «مشاركتها في
الحاجات التي توطّد للنظام استقراره، إلى قوة محافظة وحتى مضادة للثورية ». ثم لماذا تثور هذه الطبقة
على النظام ما دام قادرًا على إشباع حاجاتها وتلبيتها؟ ما عاد ثمة داع للثورة، بل حتى التغريب أو «المجال
الداخلي الذي يتم فيه التعالي التاريخي»ويقود، في العادة، إلى الثورة، حتى هذا أصبح مجالً مسدودًا. ليس «المجال الداخلي» وحده هو الذي أصبح مسدودًا، بل إن العالم السياسي أصبح منغلقًا، ونظام
الإنشاء أصبح منغلقًا، وأفق التغيير والثورة أصبح مسدودًا، والوجود صار مهدّأ، والميول الانفجارية
التي كان في إمكانها التعجيل بالثورة جرى وأدها في مهدها. فما الحل أمام هذا الوجود - الكابوس؟ لا
يخلو كتاب ماركيوز من التشاؤم الخانق، إل أنه يرى أنه ما زال ثمة أمل، ما زال ثمة بدائل وممكنات
للتحرر والانعتاق، لكنه أمل معلّق لا على البروليتاريا التي جرى استيعابها داخل النظام، ولا على أساليب
النضال والاحتجاج التقليدية التي كفّت «عن أن تكون ناجحة وفعّالة»، بل على مجموعات هامشية
وطبقات المنبوذين واللامنتمين من الأعراق والألوان الأخرى والعاطلين من العمل أو العاجزين عنه
والطلاب، فهؤلاء هم القادرون على وضع حدّ لهذا النظام؛ لأنهم غير مستوعبين داخله، بل يقفون خارج
اللعبة السياسية، ويصرّون على عدم لعب اللعبة، وتعبّ حياتهم «عن الحاجة الملحّة والمباشرة والواقعية إلى
وضع حدّ للشروط والمؤسسات التي لا تطاق أو تحتمل. وعلى هذا، فإن معارضتهم ثورية حتى وإن لم
يكن وعيهم ثوريًا. إن معارضتهم تسدد الضربات إلى النظام من الخارج، ومن هنا كان عجزه عن دمجها
به»واستيعابها بداخله. وحين اندلعت احتجاجات الطلاب في أيار/مايو 1968، انتعش أمل ماركيوز
(((2 المصدر نفسه، ص.263
(((2 هربرت ماركوز، نحو ثورة جديدة، ترجمة عبد اللطيف شرارة (بيروت: دار العودة، 1971)، ص.36
(((2 ماركوز، الإنسان ذو البعد الواحد، ص.59
(((2 انظر: المصدر نفسه، ص.55
(((2 انظر: المصدر نفسه، ص.121
(((2 ماركوز، الإنسان ذو البعد الواحد، ص.266
(((2 المصدر نفسه، ص.267
بالتغيير والثورة، إذ جدّد هؤلاء الطلاب المحتجّون مشروع الثورة والتحرير والانعتاق، ولهذا أهداهم
كتابه نحو ثورة جديدة. لقد جاءت هذه الاحتجاجات لتؤكّد فكرة ماركيوز القائلة بأن البدائل الأخرى
ما زالت موجودة، إل أن مقاومة النظام القائم ما عادت متاحة ولا ناجحة إلّ من خارجه، وتحديدًا من
طرف تلك الفئات الهامشية التي تقف خارج اللعبة وترفضها برمّتها. وذلك على الرغم من وعي هؤلاء
بأنهم «يعرّضون أنفسهم للكلاب والحجارة والقنابل والسجن ومعسكرات الاعتقال وحتى للموت.
ولكن إصرارهم على عدم لعب اللعبة بعد الآن هو اليوم حقيقة واقعة تشير على الأرجح إلى نهاية مرحلة
وبداية أخرى».
كان هربرت ماركيوز يحلّل، في منتصف الستينيات، وتحديدًا في سنة 1964، حين صدر كتابه الإنسان ذو
البعد الواحد، أوضاع المجتمعات الصناعية المتقدمة، تمامًا كما فعل ليوتار مع مجتمعات ما بعد الحداثة في
أواخر السبعينيات. إلّ أن الهواجس التي كان يثيرها كتاب ماركيوز في سنة 1964 لم تكن لتقف عند حد
المجتمعات الصناعية المتقدمة، بل إن أصداء هذه الهواجس وصلت إلى حدود مجتمعات نامية كان تصنيفها
بأنها «مجتمعات حديثة» موضع شك، إن لم يكن موضع إنكار، حتى إن بعضهم آثر تسميتها، بالنظر إلى
نهاياتها السعيدة المتوقعة، «المجتمعات السائرة على طريق التحديث»، والعالم العربي كان واحدًا من هذه
المجتمعات. وفي لقاء نادر جمع سارتر وسيمون دي بوفوار بالرئيس المصري جمال عبد الناصر في 9 آذار/ مارس
1967، سأل سارتر جمال عبد الناصر عن القضية التي تشغله الآن أكثر من غيرها، فردّ عبد الناصر:
«العالم كله يحاول إخراج الشباب من السياسة، ويحاولون إلهاءهم بأنواع من الرقص الجديد ويحوّلون
اهتمامهم إلى الرياضة، وأنا أرى ذلك خطرًا كبيرًا. القضية التي أتمنى لو استطعت أن أركّز عليها هي أن
يشعر الشباب أن السياسة هي عملية صنع مستقبله، وأن اهتمامه بها ومشاركته فيها هما أكبر ضمانات
المستقبل». وفي السنة ذاتها، انتقدت مجلة الطليعة المصرية في آب/ أغسطس 1967 ما كان يجري،
آنذاك، من تعميم ل«روح الميوعة» بما يهدد «روح النضال والكفاح». وهذه حالة، كما تقول المجلة، غير
مسبوقة في دولة اشتراكية؛ لأن «الحقيقة أن دولة اشتراكية ما، لم تشهد هذا السباق على اقتناء السيارات
والثلاجات ووسائل الترف والرفاهية الأخرى في السنوات الأولى من الإجراءات الاشتراكية مثلما وُجد
لدينا، بحيث عمّت روح الميوعة على روح النضال، والتطلع الترفيهي على الحياة الكفاحية».
ربما كانت هذه الإشارات أول جرس إنذار عربي يحذر من تآكل «السرديات الكبرى» وتراجع اهتمام
الشباب بالسياسة وأفول «الروح النضالية والكفاحية» بسبب صعود «السرديات الصغرى»، والانتشار
الكاسح لنمط حياة يعطي الأولوية لإشباع حاجات الأفراد ولحقّهم في الترفيه والتمتع بالسلع والمنتجات
ووسائل الترف والتسلية والتلهي بأنواع الرقص الجديد والرياضة، وحتى اقتناء السيارات والثلاجات
وغيرها من الأجهزة. وقد أثبتت سيرورة الحوادث لاحقًا أن هذا التحذير كان في محله، وأن مواجهة
(((2 المصدر نفسه، ص.367
(((2 محمد حسنين هيكل، الانفجار 1967: حرب الثلاثين سنة (القاهرة: مركز الأهرام، 1990)، ص.415
((3(الطليعة (مصر) (آب/ أغسطس 1967)، ص 28. نقلً عن: صادق جلال العظم،، ط النقد الذاتي بعد الهزيمة 4 (بيروت: دار
الطليعة، 1970)، ص.173
هذا النمط من أساليب الحياة المعمّم بفضل التوسع الرأسمالي العابر للقوميات، أصبحت مهمة تزداد
صعوبة يومًا بعد آخر؛ فقد أصبح هذا التوسّع تيّارًا جارفًا، أكان في سيروراته الفعلية على الأرض أم حتى
في انعكاساته الفكرية بحيث كانت ثلاثة عقود من عمر هذا التيار الجارف كافية لأن يأتي «مفكر عربي»
ليطالب، جهارًا نهارًا، بالكفّ عن التطلع لإصلاح العالم أو الأمّة أو حتى الوطن، بحكم أن هذه كلها
«عموميات ومطلقات» لن تأتي لنا بالتقدّم؛ لأن «جوهر التقدم الحديث بالذات لا يتحقق إل بالاهتمام
بالتفاصيل والجزئيات والدقائق». ويترتّب على هذا الكشف «التاريخي» عن «جوهر التقدم» المزعوم
أن يعي الفرد العربي أنه مجرد فرد لا يستطيع أن يصلح العالم والأمة والوطن، لكنه قادر، كفرد، على توعية
نفسه وإصلاحها، وقادر، كذلك، على إصلاح الأسرة والأبناء والدائرة الصغيرة. وبتعبير آخر، أصبح
المتاح أمام الفرد العربي، اليوم، هو فقط النجاح في الإصلاحات الصغيرة المتواضعة، أمّا الإصلاحات
الكبرى فهي، في أسوأ التقديرات، ليست أكثر من وهم وخرافة، وهي، في أحسنها، عملية تاريخية صعبة
وطويلة جدًا. بالتزامن مع هذا التشديد على الإصلاحات الصغيرة المتواضعة، كانت تقارير التنمية البشرية التي شرع
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في إصدارها بدءًا من سنة 1990، قد وضعت حدًا لمفاهيم
الإصلاح والتغيير والتقدم الكبرى، وذلك من خلال إعادة تعريف مفهوم «التقدم الإنساني» بربطه بمفهوم
التنمية البشرية المتمثلة في مؤشرات «جودة الحياة». وتشمل هذه المؤشرات جزئيات ودقائق تمتد على نطاق
واسع من تفصيلات الحياة البشرية «الصغيرة» و«العادية» من قبيل فرص الحياة عند الولادة، وفرص
الحصول على مسكن وعمل، ومعدل التلوث في كل بلد، ومعدل الإنجاب عند المرأة، ومؤشر المساواة بين
الجنسين، والإلمام بالقراءة والكتابة، ونصيب الفرد من المياه الصالحة للشرب والكهرباء والتعليم والصحة
والإعلام وغيرها. وبتعبير «تقرير التنمية البشرية لسنة 1990» نفسه، فإن التنمية البشرية تعرّف على أنها
«عملية توسيع لخيارات الناس. وأبرز هذه الخيارات أهمية هي أن يعيش الناس حياة طويلة وصحية،
وأن يكونوا متعلمين، ويتمتعون بمستوى معيشي لائق. كما تشمل الخيارات الإضافية الحرية السياسية،
وحقوق الإنسان المضمونة، واحترام الذات أو ما يسمّيه آدم سمث بالقدرة على الاختلاط مع الآخرين في
الحياة العامة من دون الشعور بالخجل». لقد فعلت كل هذه التطورات فعلها في تآكل السرديات الكبرى، وتراجع روح التنوير والتحرير والثورة
والتغيير، لكنّ المفارقة التي حدثت هي أن «روح العصر» المنهكة لم تقف عند حدود انهيار الأمل الجماعي
وانكسار «الروح اليوتوبية»، بل إن هذا الإنهاك أخذ يزحف حتى على تلك السرديات الصغرى وعلى
حيوات الناس اليومية والصغيرة والعادية، بما في ذلك حقهم في «التمتع الفردي بالسلع» والمنتجات
والخدمات والخيرات. فإذا كانت مفاهيم التنوير والتحرير والثورة وتغيير العالم قد فقدت مشروعيتها
وانطفأ بريقها الأخّاذ، وما عاد هناك مبرر لوجودها، فإن كثيرًا من السرديات الصغرى، في المقابل، انتهت
إلى المصير ذاته.
(((3 محمد جابر الأنصاري، انتحار المثقفين العرب وقضايا راهنة في الثقافة العربية (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،
1998)، ص.259 (((3 انظر: المصدر نفسه، ص.264
(33) United Nations Development Programme (UNDP), Human Development Report, 1990 , New York: Oxford University Press, 1990), p. 10.
يمكن القول إن الاهتمام بالذات ورعايتها وسعي البشر من أجل «التمتع الفردي بالسلع»، وتأمين جودة الحياة لأنفسهم كأفراد أو كأسر صغيرة، وذلك بمنأى عن أي مسعى جماعي لتأمين «الحياة الجيدة والخيّة» للجميع، كان (أي الاهتمام) هو السردية الصغيرة التي وجهّت الضربة القاضية على كل الأهداف
الكبرى التي انطوت عليها السرديات الكبرى. إن انغماس البشر في التمتع الفردي بالسلع والمنتجات يقضي على الإحساس بعدم الرضا الذي هو العامل الأساس الذي كان يدفع الناس إلى الرفض وطلب التغيير والثورة. لكن المشكلة أن هذه السردية الصغيرة بدت وكأنها وصلت إلى طريق مسدودة، بحيث
صارت عصية وتتفلّت من بين أيدي أغلبية الأفراد؛ لأنه لا يوجد «سوى 1.8 مليار مستهلك يستطيعون تحمّل تكاليف المنتجات والخدمات المعروضة في السوق العالمية من بين إجمالي سكان العالم»، أمّا بقية
سكان العالم الذين يزيد عددهم على خمسة مليارات إنسان، فإنه ما عاد لهم سوى التفرّج على «واجهات
المحلات» بعد أن أخذت الفرص تتضاءل وتضيق أمام الراغبين منهم في تأمين جودة الحياة الملائمة، أكان في التعليم أم السكن أم الصحة أم العمل أم حتى الغذاء والماء، وهي مؤشرات جودة الحياة الأساسية.
إلّ أن السؤال هو: إلى متى سيبقى هؤلاء الخمسة مليارات إنسان يتفرّجون على «واجهات المحلات» من
دون أن يندفعوا إلى تحطيمها؟! الجواب عن هذا السؤال عربيًا تتوزّع عناصره على عناوين الأخبار العربية الرئيسة في كانون الثاني/ يناير
2011. ويكفي أن نلقي نظرة سريعة على هذه العناوين حتى نقتنع بأن سردية «التمتع الفردي بالسلع» وجودة الحياة الملائمة ما عادت في متناول فئات عريضة داخل العالم العربي، وأنها سردية كانت آخذة في التلاشي، الأمر الذي كان من شأنه أن يعجّل بتصاعد حالة من الاستياء العام وعدم الرضا بين هذه الفئات
العريضة من المتفرّجين «على واجهات المحلات»، وهذه عينة عشوائية من بين أمثلة عديدة من الأخبار
المستقاة من بلدان عربية مختلفة، وذلك قبل أن تنفجر ثورات «الربيع العربي» مع مطلع سنة:2011 - أحزاب المعارضة في السودان تهدد بالتظاهرات الحاشدة احتجاجًا على ارتفاع أسعار السلع الأساسية،
حيث لجأت حكومة السودان إلى «رفع أسعار السكر ومشتقات البترول، وقالت إن هذه الإجراءات ضرورية لمواجهة ارتفاع حجم الدَّين ووقف تدهور الجنيه السوداني.» - تظاهرات حاشدة في الأردن احتجاجًا على ارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية. - تصريحات رسمية في البحرين عن عزم الحكومة على رفع الدعم عن المحروقات والسلع الأساسية. - 200 شخص يعتصمون في مسقط احتجاجًا على الغلاء وارتفاع الأسعار. - مصادمات في الجزائر بين الشرطة ومحتجين على البطالة وارتفاع أسعار السلع الأساسية. - احتجاجات حاشدة في تونس على الغلاء والبطالة. وهذه هي الاحتجاجات التي تُوّجت بالثورة
التونسية التي أطاحت، في 14 كانون الثاني/ يناير 2011 نظام حكم زين العابدين بن علي، وأطلقت إشارة الانطلاق ل «الربيع العربي.»
(((3 أزوالدو دي ريفيرو، خرافة التنمية: الاقتصادات غير القابلة للحياة في القرن الحادي والعشرين، ترجمة عمر الأيوبي (أبوظبي: هيئة
أبوظبي للثقافة والتراث، مشروع كلمة، 2011)، ص.107
هذه، بالفعل، أخبار عن حوادث متفرقة، إل أنها تؤكّد حقيقة مهمة، وهي أن الدعامة التي كانت تحمي
النظام القائم من الانهيار، بحسب تحليل ماركيوز، أي قدرته على إشباع حاجات الأفراد وتأمين التمتع
الفوري بالسلع الوفيرة، هذه الدعامة بدأت تنهار عربيًا، كما بدأ يتعمّم، بين قطاع عريض من الناس،
إحساس عام باليأس والإنهاك وقلة الحيلة وعدم الرضا وفقدان الأمل في المستقبل. إل أن هذا يبقى، في
الوقت نفسه، إحساسًا قابل للانفجار في أي لحظة. وإذا كان النظام قادرًا على تحصين كيانه بحكم قدرته
على إيهام الناس بالرضا وصناعة القبول عن حياتهم ومستوى معيشتهم، فإن الإحساس العام باليأس
وفقدان الحيلة ونقص الإشباع أو انعدامه سيولّد، في المقابل، حالة من السخط والرفض والاحتجاج.
والسؤال الذي سيبقى مطروحًا هو متى ينفجر هذا السخط ليعلن نفسه في صورة انتفاضات الخبز أو
ثورات جياع؟ لنحاول، أول، رسم حالة الإحساس باليأس وفقدان الحيلة وخيبة الأمل في القدرة على تأمين تفصيلات
الحياة الصغيرة أو مؤشرات جودة الحياة في المستقبل. والحاصل أن هذا إحساس عام، ويمكن رصده على
أكثر من مستوى. فإذا أخذنا مستوى الصحة، على سبيل المثال، فتكفي مقارنة سريعة بين توقعات الناس
(وليس لواقعهم الفعلي الذي أخذ يضيق وبقساوة) في ما يتعلق بمستقبلهم الصحي، وبين ما كانت عليه
الحال قبل قرن. من المؤكّد أن التقدم الطبي، آنذاك، كان محدودًا، والخدمات الصحية كانت متواضعة،
والأمراض الوبائية والمعدية (الجدري والتيفوئيد والكوليرا والحصبة والطاعون والملاريا...) كانت
تحصد أرواح الناس حصدًا، وتهدّ بنية أجسادهم وتحفر عليها أوشامها الثقيلة التي لا يمحو أثرها إلّ
الموت، كل هذا صحيح، إل أن الصحيح، كذلك، هو أن توقعات الناس تجاه مستقبلهم ومستقبل أبنائهم
كانت إيجابية وعالية قبل حتى نصف قرن من الآن؛ فقد كان المستقبل يمثّل، بالنسبة إلى هؤلاء، مستودع
آمالهم وأحلامهم، وحامل البشارات والمفاجآت. ومن المؤكّد أن هذه الثقة في المستقبل لم تأت من فراغ،
بل كان ثمة ما يبررها على أرض الواقع، فالناس كانوا يشاهدون الخدمات الصحية المتواضعة، آنذاك،
تتوسّع وتكبر ببطء. كما كان العلم يحمل إليهم، بين الفينة والأخرى، أنباء سارة عن أدوية أو لقاحات كان
يجري اكتشافها وتطويرها لعلاج كثير من الأمراض المستعصية، وذلك في تأكيد حيّ ومتجدد للفكرة التي
تقول إن العلم الحديث، والطب على نحو أخص، يتقدم إلى الأمام باستمرار وعلى نحو تراكمي بما يحقق
السعادة والرخاء للبشرية جمعاء. وهي فكرة تعود جذورها إلى عصر التنوير الأوروبي، وقد عبّ عنها جمال
الدين الأفغاني حين كتب متفائلً بالعلم والصناعة: «فكل مستحيل اليوم في الطب والصناعة سوف يكون
غدًا ممكنًا». وهي الفكرة ذاتها التي صاغها فرح أنطون عبر تشبيه العلم بالطفل الذي سيكبر ويسود
الدنيا كلها، وذلك حين يقول: «العلم لا يزال في الأرض طفل صغيرًا يا بُني، ولكن سيأتي يوم يسود فيه
هذا الصغير الدنيا كلها (...) [كما] إننا ننتظر من العلم أن يقلب الإنسانية التعيسة إنسانية سعيدة».
(((3 يُرجع الدبلوماسي البيروفي أزوالدو دي ريفيرو ظهور الحركات العنيفة والأصولية حول العالم إلى الإحباط الناجم عن عدم قدرتها
على الوصول إلى المستويات الاستهلاكية التي يقال إنها في متناول الجميع حول العالم. انظر: المصدر نفسه، ص.39 (((3 نقلنا العبارة عن: حسن حنفي، «الأعمال الفكرية للعقلانية في الفكر العربي المعاصر،» في: حسن حنفي [وآخرون]، حصيلة
العقلانية والتنوير في الفكر العربي المعاصر: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت: مركز
دراسات الوحدة العربية، 2005)، ص.28 (((3 فرح أنطون، أوروشليم الجديدة أو فتح العرب بيت المقدس (الإسكندرية، مصر: [د. ن].، 1904)، ص.47
وقد كانت إنجازات الطب الحديث، طوال القرن العشرين، كافية لتعميم التفاؤل السعيد بالعلم الوليد الذي يكبر، ويتقدّم إلى الأمام، ويقضي على الأمراض بشكل مطرد ومتصاعد. وتذكر إحصاءات
البحرين لسنة 1937، على سبيل المثال، أن 20 في المئة من الأهالي كانوا مصابين بالملاريا، إل أن هذه النسبة انخفضت حتى أصبحت أقل من 1 في المئة في سنة 1956، وذلك بفضل تقدم الخدمات الطبية والرعاية الصحية. وما ينطبق على الملاريا في البحرين ينسحب على الكثير من الأمراض الأخرى في بلدان عربية أخرى. هذا ما كانت عليه توقعات الناس تجاه مستقبلهم الصحي، إلّ أن هذه التوقعات انقلبت رأسًا على عقب،
وصارت غارقة في سلبية كئيبة ومخيفة. وعلى الرغم من التقدم المذهل في مجال الطب والخدمات الصحية، وهو التقدم الذي ظهرت آثاره على رفع متوسط أعمارنا المتوقعة لعقدين من الزمان؛ إذ قفز العمر المتوقع للبشر من نحو 48 سنة في أوائل خمسينيات القرن العشرين إلى نحو 68 سنة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وطرأ انخفاض حاد في معدل وفيات الرضع من نحو 133 حالة وفاة بين كل 1000 مولود في خمسينيات القرن الماضي إلى نحو 46 حالة وفاة في الفترة بين سنتي 2005 و 2010، وأدت حملات التحصين إلى خفض معدلات انتشار أمراض الأطفال حول العالم. على الرغم من هذا كله، فإنه ليس سوى جانب واحد من الصورة، فيما بقية الصورة تكشف عن جوانب أكثر قتامة وتتمثّل في
الانتشار المخيف لكثير من الأمراض المزمنة والخطِرة والقاتلة، وهو ما حمل الكثيرين على الاعتقاد (وهو
اعتقاد مشوب بأمل خافت) بأن مرضًا ما (وغالبًا ما يكون خط رًا وقاتلً) بات ينتظرهم على الأبواب وفي
المستقبل القريب. وعلى هذا، صار كل ألم غريب أو تورم مفاجئ أو نتوء طارئ في جهة ما من جسمنا،
كافيًا لإثارة الرعب بأن «سرطانًا خبيثًا» من نوع ما بات يتربّص بنا، فيسارع بعضنا، في هلعٍ، إلى إجراء
الفحوصات الطبية، فيما يقف الآخرون واجمين ومستسلمين في انتظار أن تحلّ بهم الكارثة بصمت فتحقق النبوءة نفسها، أو أن تحصل لهم معجزة بحيث تختفي الأعراض لوحدها حتى يشعر الواحد من هؤلاء
بالامتنان وكأن عمرًا جديدًا قد كُتب لهِ.
أمّا الجهات الصحية الدولية والمحلية، فلا تكف من جهتها عن تذكيرنا، وبشكل متكرر بما يكفي لإثارة
الهلع الجماعي، بأن المستقبل الصحي الذي ينتظرنا، وقريبًا جدًا، مستقبل لا يبعث على الاطمئنان. فقد
كشفت دراسة حديثة أن أعداد المصابين بمرض السرطان ستتضاعف في أنحاء العالم كافة على مدى العشرين عامًا المقبلة بسبب أسلوب الحياة غير الصحي الذي يتّبعه الناس، وأن «عدد الحالات الجديدة
المصابة بالسرطان في أنحاء العالم كافة والتي بلغت 12.7 مليون حالة خلال العام 2008، سترتفع إلى 22.2 مليون حالة بحلول العام 2030، أي بنسبة تزيد عن »%75. وفي السياق ذاته، يشير تقرير منظمة الصحة العالمية بشأن إحصاءات الصحة في العالم لسنة 2012، وهو يتضمن بيانات من 194 دولة، إلى أن عدد المصابين بارتفاع ضغط الدم والسكري في ازدياد في الدول
(((3 انظر: صندوق الأمم المتحدة للسكان، حالة سكان العالم 2011: البشر والإمكانات في عالم تعداده 7 بلايين نسمة (نيويورك:
الصندوق، 2011)، ص.4-3 ((3(العرب اليوم،.2012/6/3
المتقدمة والنامية على حدّ سواء، وأن شخصًا من بين كل ثلاثة أشخاص في العالم مصاب بارتفاع ضغط
الدم، وواحدًا من كل عشرة مصاب بالسكري. ويخلص تقرير بعنوان «مرض السكري في الإمارات:
مشكلة أم فرصة للوقاية؟»، أعدّته شركة United Health Group، وهي شركة دولية تعمل في مجال
الصحة والرفاه، إلى أن نسبة انتشار مرض السكري وأعراض ما قبل السكري على المستوى العالمي
ارتفعت «بشكل كبير على مدار العقدين الماضيين، وذلك بالتوازي مع ازدياد نسبة السمنة على المستوى
العالمي، حيث إن هناك أكثر من 285 مليون شخص يعانون من مرض السكري في جميع أنحاء العالم. وإن
لم يتم تدارك هذا الأمر فإنه من المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى 438 مليون شخص في غضون 20 عامًا»،
الأمر الذي يعني أن عدد المرضى سيرتفع بأكثر من 54 في المئة خلال العشرين عامًا المقبلة. أمّا على صعيد
دولة الإمارات العربية المتحدة، فيخلص التقرير إلى أن ثلث سكان الإمارات، أو نحو 32« في المئة من
السكان البالغين في البلاد - بمن فيهم مواطنو الإمارات العربية المتحدة والمغتربون - قد يصابون بمرض
السكري أو بأعراض ما قبل السكري بحلول العام 2020، وهو ما سيكلف البلاد مبالغ تصل إلى 8.52
مليار دولار أميركي على مدار العقد القادم إذا ما استمر الحال على ما هو عليه». كما أظهرت إحصاءات
صحية كويتية أن 88 في المئة من الكويتيين يعانون السمنة، وأن 10 في المئة من دخل هؤلاء الشهري
يُنفَق على علاج هذه المشكلة. وذهب أحد المسؤوليين الصحيين في مجلس وزراء الصحة لدول مجلس
التعاون إلى التحذير من أن «الوضع في دول الخليج من حيث انتشار مرض السكري أشدّ حدة، مشيرًا إلى
أن خمس دول خليجية هي الإمارات، والسعودية، والبحرين، والكويت، وسلطنة عمان ضمن قائمة أعلى
عشر دول ذات معدلات إصابة مرتفعة بداء السكري»، وذلك وفقًا لبيانات سنة 2011 الصادرة عن
الاتحاد العالمي للسكري. هذه تقارير وأخبار وتصريحات كافية لإثارة الهلع الجماعي، إل أنها كافية، كذلك، لحمل الناس على
الكفر بهذا المستقبل الذي ينتظرهم، وعلى العمل من أجل تأخير مجيئه إلى أقصى حد ممكن. وهذا يعني أن
الحاضر، على الرغم من قساوته، يبقى أفضل من المستقبل، وأن تكرار الحاضر وإدامته صارا غاية المنى، أمّا
الماضي فيجري تصوّره، في مخيلة الكثيرين، كما لو كان عصرًا ذهبيًا. وهذا، بالفعل، قلب جذري لما كانت
عليه الحال في الأجيال السابقة وموجات الأمل الكبرى الثلاث (التنوير والثورة والتحول الديمقراطي.)
فالأجيال السابقة كانت تنتظر مقدم هذا المستقبل الموعود بفارغ الصبر، بل كانت مستعدة للقفز إليه بقفزة
تاريخية اسمها الثورة. كان هذا المستقبل يمثّل، بالنسبة إلى هذه الأجيال، قِبلة آمالهم و«موعد مهرجانهم »
المنتظر وحامل البشارة لهم، ثم إذا به يتحوّل إلى مستودع لكوابيسهم ونقطة البداية لكوارثهم المرتقبة.
ويرتسم هذا المستقبل الكئيب الذي تتوعدنا به هذه التقارير والأخبار الصحية في مجال آخر لا يقل خطورة
عن المستقبل الصحي للبشر، وهو المستقبل الوظيفي والمهني الذي يتصل، بشكل مباشر ووثيق، بالحالة
المعيشية للبشر وبقدرتهم على تأمين حياة جيدة (بمؤشرات جودة الحياة) أو حتى حياة قابلة للاحتمال.
(((4 انظر الموقع الخاص بأنباء الأمم المتحدة على الموقع الإلكتروني:
<http://www.un.org/arabic/news/fullstorynews.asp?NewsD=16629&utm_source=twitterfeed&utm_medium=twitter>.
((4(الوسط (البحرين)،.2011/1/8 ((4(الأنباء (الكويت)،.2012/8/21 ((4(الاتحاد (الإمارات)،.2012/11/16
وفي هذا السياق تحديدًا، يلاحظ راسل جاكوبي، أن أعراض - وربما كانت نتائج وتداعيات - موت
«الروح اليوتوبية» وانطفاء التوهّج الذي كان يلازم الأفكار اليوتوبية الكبرى في أواخر القرن العشرين،
تتمثّل في صعود «الواقعية والعملية»، إذ جرى تحوّل الطلاب والشباب، بشكل شامل، نحو «الشؤون
العملية» ونحو الاهتمام الكلي بمستقبلهم الوظيفي. وبحسب جاكوبي، فإن «ما أدى إلى هذه الوثبة في توجه
الطلاب نحو المستقبل الوظيفي والعلمي ليس انهيار الاقتصاد، الذي لم يحدث، ولكن انهيار الاعتقاد بأن
المستقبل يمكن أن يكون مختلفًا. إن الاقتناع بأن المستقبل سوف يكون تكرارًا للحاضر هو ما يخنق أنفاس
التطلعات اليوتوبية». غير أن ما لم يتنبأ به جاكوبي الذي صدر كتابه سنة 1999 هو أن أزمة مالية عالمية
عاتية سوف تضرب اقتصادات العالم في خريف 2008، وأن نتائج هذه الأزمة سوف تصبّ، في النهاية، في
تهديد المستقبل الوظيفي للكثيرين في مشارق الأرض ومغاربها، بحيث باتت الولايات المتحدة «تعاني من
أسوأ ركود اقتصادي يمرّ بها منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي»، وخسر اقتصادها، بحسب
وزارة العمل الأميركية، 263 ألف وظيفة في أيلول/ سبتمبر 2009، وارتفعت نسبة البطالة إلى 9.8 في
المئة في آب/أغسطس من السنة ذاتها. وبحسب «مكتب الإحصاء التابع للاتحاد الأوروبي»، فإن «سوق
العمل فقد 273 ألف وظيفة في الدول الست عشرة المكونة لمنطقة اليورو، وهو أعلى رقم سجل منذ العام
1999». وبحسب المكتب الإحصائي ذاته، فإن معدل البطالة في منطقة اليورو بلغ 11.3 في المئة من اليد
العاملة الفعلية في تموز/ يوليو 2012، أي 18 مليون شخص. أمّا عالميًا، فقد أفادت منظمة العمل
الدولية بأن أعداد الأشخاص العاطلين من العمل في أنحاء العالم ارتفعت إلى معدلات تاريخية لتبلغ 212
مليون شخص. وقدّرت المنظمة، في التقرير السنوي بشأن العمالة في العالم، أن 34 مليون شخص انضموا
إلى صفوف العاطلين من العمل في سنتي 2008 و 2009، وهو ما دفع بأعداد العاطلين إلى أرقام غير
مسبوقة. ثم تعود وثيقة أخرى صادرة عن منظمة العمل الدولية في مطلع أيلول/ سبتمبر 2012 إلى
التأكيد بأن «معدلات البطالة بين الشباب ستزداد سوءًا على الصعيد العالمي بسبب تسرب أزمة اليورو من
الاقتصادات المتقدمة إلى الاقتصادات الناشئة»، وأن المنظمة «تتوقع أن يرتفع معدل البطالة العالمية بين
الشباب ب %12.7 في عام 2013، أي حوالي أربعمائة ألف من الباحثين عن عمل من الشباب في جميع
أنحاء العالم منذ العام الماضي». وأمّا أكثر المناطق تضررًا، فستكون «شمال أفريقيا والشرق الأوسط حيث
يبلغ معدل البطالة بين الشباب حوالي %25، ولكن حتى المناطق الأخرى التي تعتبر أقل تأثرًا بالأزمة، مثل
شرق آسيا وجنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ، ستشهد تأثيرًا متزايدًا من الأزمة العالمية». ويكشف
أحدث تقرير لمنظمة العمل العربية بشأن التشغيل والبطالة في الدول العربية أن عدد العاطلين من العمل
زاد على 17 مليونًا، بارتفاع فاقت نسبته 16 في المئة مقارنة بتقديرات سنة 2010، مشيرًا إلى أن البطالة
(((4 راسل جاكوبي، نهاية اليوتوبيا: السياسة والثقافة في زمن اللامبالاة، ترجمة فاروق عبدالقادر، عالم المعرفة؛ 269 (الكويت: المجلس
الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2001)، ص.187 (((4 انظر: الأيام (البحرين)،.2012/9/1 (((4 انظر في هذا الشأن: مركز أنباء الأمم المتحدة على الموقع الإلكتروني:
.>http://www.un.org/arabic/news/fullstorynews.asp?newsID=12413<
(((4 - مركز أنباء الأمم المتحدة، على الموقع الإلكتروني:
.>http://www.unmultimedia.org/arabic/radio/archives/83289/?utm_medium=twitter&utm_source=twitterfeed<
هيكلية لا دورية ولا موسمية. ويشير إزوالدو دي ريفيرو، الدبلوماسي البيروفي، إلى أن %30« من
القوة العاملة العالمية تعاني من البطالة أو البطالة الجزئية»، كما أن نسبة الفقراء، ممن يعيشون على أقل من 1.25 دولار في اليوم، في ازدياد مطرد في كل أنحاء العالم، فهناك حوالى 1.5 مليار فقير حول العالم حتى الآن. وليست حال الغذاء والماء، المصدرين الأساسيين اللازمين للبقاء - مجرد البقاء - على قيد الحياة، بأفضل من حال الصحة وفرص العمل، إذ تشير التقارير الدولية إلى أن الموارد الغذائية والمائية أصبحت شحيحة وتتضاءل بما لا يكفي لسد حاجات عالم يتزايد سكانه ويتمددون حضريًا بشكل غير مسبوق في التاريخ
البشري بأكمله. وتذكر إحصاءات الأمم المتحدة أن سكان المدن كانوا 3 في المئة قبل قرنين، ثم قفز العدد في سنة 2010 ليصبح 3.5 مليار شخص، أي بنسبة 50.5 في المئة. وترجّح مؤشرات «معهد
وُرْلد وُتش»الحيوية أن يقفز هذا العدد إلى 6.3 مليار في سنة 2050، موزّعين بين 85.9 في المئة
في البلدان الصناعية، و 64.1 في المئة في البلدان النامية. وستنعكس هذه الزيادة الحضرية المهولة سلبًا
على حاجات الناس من الغذاء والماء. وبحسب أحدث تقرير صادر عن منظمات دولية معنية بالغذاء عن حالة انعدام الأمن الغذائي في العالم، فإن حوالى 870 مليون إنسان ما زالوا يعانون الجوع ونقص التغذية المزمن خلال الفترة -2010 2012، «ويمثّل هذا الرقم 12.3 في المئة من سكان العالم، أو واحدًا
من بين كل ثمانية أشخاص. والغالبية العظمى من هؤلاء، أي 852 مليونًا، يعيشون في البلدان النامية، حيث يقدّر الآن نقص التغذية بنسبة %14.9 من مجموع السكان». كما أن هناك 100 مليون طفل
ممن هم دون سن الخامسة عشرة يعانون مشكلة نقص الوزن، وأن سوء التغذية في مرحلة الطفولة هو سبب الوفاة لأكثر من 2.5 مليون طفل كل عام. والمؤشرات تقول إنه «بحلول العام 2015 يجب أن
يرتفع الإنتاج الزراعي بنسبة %75 لإشباع ما يقرب من 8 مليارات جائع في الأرض». وفيما يتعلّق بالماء، فإن توقعات اليونسكو تشير إلى أن «نحو نصف سكان العالم سيعانون نقصًا في مياه الشرب بحلول
العام 2030»، وذلك في ظل ارتفاع معدلات النمو السكاني الحضري وزيادة الاستهلاك والتغير المناخي. وبحسب تقرير للأمم المتحدة تحت عنوان «إدارة المياه في ظروف صعبة ومحفوفة المخاطر»، فإن الطلب على المياه في العالم ازداد بشكل غير مسبوق، وبحلول سنة 2070 سيصبح النقص المائي ملموسًا حتى في
وسط وجنوب أوروبا بحيث سيؤثر في 44 مليون نسمة من سكانها. وأكّد «المنتدى الاقتصادي الدولي»
(((4 صدر التقرير يوم الاثنين 24 سبتمبر 2012. وانظر المزيد عن التقرير على الموقع الإلكتروني:
.>4a8b-a5bf-afd63ce11141?GoogleStatID=9-4da9-http://www.aljazeera.net/ebusiness/pages/d7d84612<
(((4 ريفيرو، ص.107
(50) « Urbanizing the Developing World, » (Worldwatch Institute, 11 December 2012), on the Web: <http://vitalsigns.
worldwatch.org/vs-trend/urbanizing-developing-world>. (51) Food and Agriculture Organization of The United Nations (FAO), The State of Food Insecurity in the World, 2012:
Economic Growth Is Necessary but not Sufficient ([s. l.]: FAO, 2013), p. 8.
(((5 ريفيرو، ص.213 (((5 - انظر خلاصة التقرير على موقع اليونسكو الإلكتروني:
<http://www.unesco.org/new/ar/media-services/single-view/news/-da1675e152>.
أن «تدهور الوضع في مجال الموارد المائية في السنوات ال 15 إلى 20 المقبلة قد يؤدي إلى أزمة غذاء
عالمية طاحنة». وقد بلغ التهديد أقصاه لا حيال مستقبل البشر الصحي أو الوظيفي أو الغذائي فحسب، بل حيال مستقبل
كوكب الأرض برمّته أيضًا، وهو الذي بات يواجه مخاطر كبرى تهدّد بقاءه وبقاء الوجود البشري أصلً،
أكانت هذه المخاطر ناتجة من تغيرات مناخية أم من إنتاج واستهلاك جماعيين مفرطين ولا حدّ لهما. وقد
أصبحت هذه التهديدات الجدّية مؤهلة لتكوين سردية كبرى جديدة اسمها سردية إنقاذ العالم أو «إنقاذ
كوكبنا»، وهي سردية أصبحت الشغل الشاغل للدول والمنظمات الدولية وغيرها بعد أن كانت السرديات
الكبرى العتيقة (التنوير والثورة والتحول الديمقراطي) شاغلة النخب الفكرية، ومالئة دنيا عامة الناس،
وساكنة وعيهم ومخيلتهم، ومحركة حماستهم وتضحياتهم. لقد بدأ القلق العالمي بشأن «تغيّ المناخ» في نهاية الستينيات، كما انعقد مؤتمر المناخ العالمي في سنة 1979،
ثم مؤتمر المناخ العالمي الثاني في سنة 1990. وبدأت الأمور تأخذ مسارًا أكثر وعيًا بأن الخطر بات يهدد
الأرض على نحو جدّي مع مناقشات «قمة الأرض» في ريو دي جانيرو (البرازيل) في سنة 1992، وفي
مؤتمر كوبنهاغن (الدنمارك) في سنة 2009، وفي مؤتمر كانكون (المكسيك) في سنة 2011. وستُعقد
مؤتمرات وملتقيات دولية أخرى لمناقشة هذه االمخاطر، إلّ أن من الصعب، في ظل غياب الإرادة الدولية،
توقع حدوث تغيير لا يعيد الأرض إلى ما كانت عليه، بل تغيير يضع حدًّا لهذا التدهور المطرد. وبحسب تقرير أعدته منظمة «دارا» (Dara) بمشاركة أكثر من خمسين متخصصًا بالمناخ والاقتصاد ورسم
السياسات، وبتكليف من منتدى Vulnerable Forum Climate الذي يضم في عضويته 20 دولة نامية
مهدَّدة بسبب تغيّ المناخ، فإن التكلفة الاقتصادية والإنسانية التي ستدفع بسبب التغيرات المناخية ستكون
باهظة، وأن ثمة «أكثر من مئة مليون شخص سيموتون خلال عشرين سنة بدءًا من العام 2010 وانتهاء
بالعام »2030. كما أن ضعف هذا العدد سيصابون بالأمراض، وسينخفض النمو الاقتصادي العالمي
إلى أكثر من 3 في المئة بحلول سنة 2030، وذلك إذا فشل العالم في حلّ مشكلة تغير المناخ. وقدّر التقرير
الذي رصد تأثير تغيّ المناخ في 184 دولة خلال الفترة 2010 - 2030، أن خمسة ملايين إنسان سيموتون
سنويًا بسبب تلوث الهواء والجوع والأمراض نتيجة تغيّ المناخ وتزايد الاعتماد على الاقتصاد الكربوني
(القائم على إحراق الكربون)، وأن هذا العدد قد يرتفع إلى ستة ملايين سنويًا بحلول سنة 2030، حيث
سيموت حوالى 5.5 مليون إنسان بسبب الاقتصاد الكربوني، وحوالى 600 ألف إنسان بسبب تغيّ المناخ.
كما أن أكثر من 90 في المئة من هذه الخسائر في الأرواح ستكون في الدول النامية. وقد كشف تقرير آخر
أعده لمصلحة البنك الدولي «معهد بوتسدام» المتخصص بدراسة آثار المناخ والتحليلات المناخية، ونشر في
تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 تحت عنوان «خفّضوا الحرارة: لماذا يجب تفادي ارتفاع درجة حرارة الأرض
بمقدار 4 درجات مئوية؟»، أن العالم يمضي نحو ارتفاع درجة الحرارة بمقدار 4 درجات مئوية في نهاية هذا
القرن، وأن الوعود الحالية المتعلقة بالحدّ من انبعاثات غازات الدفيئة لن تحدّ كثيرًا من هذا الارتفاع، الأمر
الذي ينذر بتغيرات كارثية ومدمّرة «على البلدان النامية، وخاصة الفقيرة منها. إن عالم ا ترتفع فيه الحرارةً
(((5 يوليا بوغدانوافا، «نصف سكان العالم سيعانون نقصًا في المياه عام 2030،» الحياة،.2012/10/5
(55) Climate Vulnerability Monitor: A Guide to the Cold Calculus of A Hot Planet (Madrid: DARA and the Climate Vulnerable Forum, 2012), p. 24.
4 درجات مئوية سيكون عالما من موجات الحرّ غير المسبوقة، والجفاف الشديد، والفيضانات الكبرىً
في العديد من المناطق، مع تأثيرات خطِرة على النظم الإيكولوجية والخدمات المرتبطة بها ». وسوف
تشمل هذه التغيرات الكارثية: الارتفاع الشديد في درجات الحرارة بمعدلات غير مسبوقة، وتقلّص
مخزون الغذاء العالمي، وتراجع إنتاجه بحيث يؤدي إلى ارتفاع معدلات الجوع وسوء التغذية وتحوُّل الكثير
من المناطق الجافة إلى مناطق أكثر جفافًا. أضف إلى هذه الكوارث كوراث أخرى هي ارتفاع مستوى مياه
البحار من نصف متر إلى متر واحد بحلول سنة 2100، مع إمكانية حدوث ارتفاعات أكثر من ذلك،
وتفاقم ندرة المياه في كثير من المناطق، وزيادة حدة الأعاصير المدارية، وفقدان التنوع البيولوجي. ولن تكون الدول العربية بمنأى عن هذا المصير الكابوسي الذي ينتظر الكوكب بأسره؛ فالمنطقة العربية
تُعتبر، بحسب «تقرير حال الأمة العربية لسنة 2011/2010»، من «المناطق المهدَّدة بقوة بانعكاسات
الاحتباس الحراري، رغم أن بلدانها لا تساهم إلّ بنسبة لا تزيد عن%5 من انبعاث غازات الدفيئة
المتصلة بالاحتباس الحراري». ويرجع السبب في هذا التهديد إلى «وجود %90 من البلدان العربية في
مناطق جافة وشبه جافة تتصف بفقر في الموارد المائية، وقلة ما يسقط عليها من أمطار، إضافة إلى اعتمادها
بشكل كبير على الأنشطة الزراعية، ووجود عشرات ملايين السكان على سواحل المدن المهدَّدة بالغرق
في حال ارتفاع منسوب البحار والمحيطات». وينقل هذا التقرير عن تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي
أن «فترات الجفاف ستزداد تواترًا في العالم العربي، مصحوبة بانخفاض في معدل تساقط الأمطار بقرابة
%30، وارتفاع في درجة الحرارة بمعدل 4 درجات مئوية»، الأمر الذي سيجعل هذه المنطقة «أكثر قحط، ا
ويهددها بجفاف الأنهار والأودية». أمّا المناطق الساحلية، فيتوقع التقرير أن يؤدي ارتفاع سطح البحر
إلى غمرها ونزوح سكانها إلى مناطق أخرى. وممّا يزيد في قتامة هذه اليوتوبيا المقلوبة أو الديستوبيا التي تنتظر العالم العربي أن البلدان العربية تتميز
بمعدلات خصوبة عالية، الأمر الذي سينعكس في زيادة مهولة في عدد السكان. وتشير الإحصاءات
إلى أن عدد سكان العالم العربي ازداد ثلاثة أضعاف خلال الأربعين سنة الأخيرة، فارتفع العدد من 128
مليونًا في سنة 1970 إلى أكثر من 340 مليونًا في سنة 2010. ويتوقع أن يتضاعف هذا العدد ليقفز إلى
600 مليون إنسان بحلول سنة 2050، و«هي زيادة سكانية تفوق سكان القارة الأوروبية بأكملها».
ما هذا المستقبل الذي ينتظرنا؟! أتراني بالغت في رسم صورته الكارثية والكابوسية؟ للأسف لا، لأن
الصورة قد تكون كابوسية أكثر ممّا هي عليه في المؤشرات السابقة. وقد دفعت هذه الحقيقة المؤلمة كاتبًا
من طراز أمين معلوف إلى المجاهرة بقلقه ومخاوفه على العالم بعد أن بات «يعاني اختلال كبيرًا، وفي عدة
ميادين معًا - اختلالً فكريًا، اختلالً ماليًا، اختلالً مناخيًا، اختلالً جيوسياسيًا، اختلالً أخلاقيًا ».
(56) « The Turn Down the Heat: Why a 4°C Warmer World Must be Avoided, » (A Report for the World Bank by the
Potsdam Institute for Climate Impact Research and Climate Analytics, International Bank for Reconstruction and Development, Washington, DC, November 2012), p. xiii.
(((5 أحمد يوسف أحمد ونيفين مسعد، محرران، حال الأمة العربية، 2011-2010: رياح التغيير (بيروت: مركز دراسات الوحدة
العربية، 2011)، ص.281 (((5 المصدر نفسه، ص.282 (((5 أمين معلوف، اختلال العالم: حضاراتنا المتهافتة، ترجمة ميشال كرم (بيروت: دار الفارابي، 2009)، ص.11
وهذه جملة اختلالات باتت تهدّد الإنسانية برمّتها على نحو غير مسبوق في التاريخ البشري كله، بل إن
ثمة «علامات كثيرة تحمل على الظن بأن اختلال العالم وصل إلى طور متقدّم، وبأن الحؤول دون التقهقر
سيكون أمرًا عسيرًا». وما زال إدغار موران يحتفظ بتفاؤله المستلهَم من «روح التنوير» التي راهنت
دومًا على أن ما هو غير محتمل قد يحدث لينقذ البشرية من اندفاعها المجنون باتجاه الهاوية، تمامًا «كما حدث
كثيرًا خلال التاريخ فيمكن لغير المحتمل أن يقع». إل أن موران، مثله مثل أمين معلوف، لا يكتم مخاوفه
من المصير الذي بات يتهدد الإنسانية جمعاء، وأنه إذا بقي هناك أمل في «الخلاص»، فإنه ليس أكثر من
بصيص أمل، من فسحة أمل ضيّقة جدًا، ولا سيما أن «مسلسلات التراجع والتخريب اليوم أكبر وأعظم
وبات المحتمل كارثيًا» في المستقبل على المدى المنظور.
ليس مصدر الخطر في هذا أن المستقبل المحتمل أصبح مجهولً بالنسبة إلينا كما كانت حاله طوال التاريخ
البشري، بل على النقيض من هذا، بل إنه يكمن في كون المستقبل أصبح معلومًا، وربما معلومًا أكثر ممّا
ينبغي، الأمر الذي دفع بنا إلى الاعتقاد بأننا صرنا على أعتاب تحوّل جذري في علاقتنا بالزمن، وتحديدًا
في علاقتنا بحاضرنا الماثل بكل ثقله وبؤسه، وبمستقبلنا الذي كنا ننتظره بتوق رومانسي كبير. لقد كانت
الأجيال السابقة تعيش (وتفهم وتتعامل كذلك) مع حاضرها على أنه لحظة انتقالية، ومحطة عبور باتجاه
مستقبل تتوقع أنه سيكون أفضل. ربما كان هذا الحاضر طويل وشاقًا، إلّ أنه لا يمكن أن يكون رازحًا
ومتوقفًا ومتجمّدًا إلى الأبد؛ لأن الأبد هو آخر نقطة على مسار مستقبل لا يكفّ عن مفاجأتنا دائمً. بل
يمكن القول إن الفعل البشري الخلاّق في التاريخ الحديث على الأقل، كان كله مسكونًا بهمّ إنجاز الحاضر
بوصفه عبورًا وانتقالً- وانتقالً متلهفًا ومشبوبًا - إلى مستقبل أفضل مقبل لا محالة، ويتجدّد باستمرار،
وتُعلّق عليه كل الآمال الكبيرة. فهل فقد المستقبل سحره حقًا؟ وهل تحوّل إلى كابوس؟ ثم ما معنى أن
يفقد المستقبل سحره أصلً؟ ربما يكون ماكس فيبر أول من صاغ مفهوم «فقدان أو إزالة السحر»، وذلك حين تحدث عن الحداثة
بوصفها عملية عقلنة متصاعدة في المجتمعات الغربية الحديثة، وأن هذه العقلنة المتصاعدة تعني «تنامي
أهمية العلم العقلاني (العقلانية الأداتية) في الحياة اليومية»، واتساع الميادين التي باتت تخضع للقرارات
العقلانية بدءًا بالتنظيم الاقتصادي والإداري وانتهاء برؤية العالم. وبالتوازي مع هذا، كان ثمة «تآكل
للسلطة الدينية (...) وذلك بالتوازي مع أفول السلطات الكاريزمية». ومن أجل فهم سيرورة هذه
العقلنة المتصاعدة في المجتمع، استعار فيبر تعبير فردريك شيلر في ما يتعلق ب «نزع السحر عن العالم.»
و«نزع السحر عن العالم» عملية تتجسد، بحسب فيبر، «في الليبرالية وفلسفة التنوير اللتين شك لتا تاريخ
الإنسان بوصفه تقدّمًا خطيًّا باتجاه الكمال الأخلاقي (التسامي)، أو باتجاه العقلنة التكنولوجية». إل أن
هذه العملية تسبّبت في ظهور مشكلة جديدة في المجتمعات الحديثة، وهي «مشكلة المعنى» في حياة البشر
(لماذا الشرّ، والألم، والموت...؟). لقد كانت الأديان والمنظومات الأسطورية والسحرية والتقليدية قادرة
على تقديم إجابات مريحة وكافية عن هذه المشكلة، حيث كانت هذه الأنظمة، كما يقول كليفورد غيرتس
(((6 المصدر نفسه، ص.14
(((6 إدغار موران، هل نسير إلى الهاوية، ترجمة عبد الرحيم حزل (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2012)، ص 32.
(62) Max Weber, From Max Weber: Essays in Sociology , Translated, Edited and with an Introduction by H. H. Gerth and C. Wright Mills, Routledge Sociology Classics (London: Routledge, 1991), p. xxiv.
((6(المصدر نفسه، ص.51
في شرحه لفكرة فيبر، «تعالج تلك الهموم حين تحين الفرصة لذلك ومع نشوء المناسبة في كل حالة من الحالات - كل حالة وفاة، كل إخفاق للمحصول، وكل حادثة مؤسفة طبيعية أو اجتماعية - باستخدام أحد الأسلحة المتاحة لها، من ضمن ترسانتها المليئة بالأساطير والسحر». ربما اكتسب المستقبل كثيرًا من سحره من غموضه ومن كون البشر عاجزين عن توضيحه ومعرفة الكثير
عنه. وبتعبير آخر، اكتسب المستقبل سحره من وجوده، تحديدًا، خارج إطار عملية العقلنة والتوضيح
التي تحدّث عنها فيبر. إل أن هذا لن يطول، فالمستقبل لن يبقى بمنأى عن عملية العقلنة المتصاعدة، كما
أن التفكير في المستقبل وإخضاعه للفحص لمعرفة ما يمكن أن يستمرّ أو يتغيّ أو يستجدّ فيه من حوادث
واتجاهات ومتغيرات، وإخضاع كل هذا للدرس والتحليل والتفكير العقلاني، ذلك كله يصب في صلب اهتمام فرع مستجد من المعرفة، وهو فرع كثر الحديث العربي عنه بدءًا من ثمانينيات القرن العشرين، وهو
«علم المستقبل» أو «دراسات المستقبل» أو «المستقبليات» أو «الدراسات المستقبلية». إل أن هذا النوع من «عقلنة المستقبل» وإزالة الغموض الذي كان يمنح المستقبل الكثير من سحره الخاص، بقي محدودًا
ومعزولً وبعيدًا عن التوسّع العمومي القادر على تشكيل «مزاج» عامة الناس، وذلك بحكم انكفاء هذا
المجال المستجدّ إلى مجال منغلق على لغة تقنية واختصاصية وملغزة ومعنية، بالدرجة الأولى، بالبرامج
والإجراءات والسياسات والسيناريوات والبدائل العملية ذات الطابع الجزئي والدقيق. لكن العامل الأهم في «إزالة السحر عن المستقبل» يكمن في تآكل السرديات الكبرى التي كانت تملأ أرواح البشر بالأمل الكبير في قدرتهم على بلوغ أهداف عظيمة ستتحقق في المستقبل: التنوير، الثورة، التغيير، العدالة، الديمقراطية...إلخ. وقد شخّص راسل جاكوبي هذه الظاهرة بأنها حالة من تلاشي «الروح اليوتوبية» في الزمن الراهن. وجاكوبي يدرك أن كلمة «يوتوبيا» تعرّضت لسوء فهم جعل منها، في أذهان
الكثيرين، قرينة الجنون والانفصال عن الواقع حينًا، وقرينة الأنظمة الشمولية والدكتاتوريات حينًا آخر؛
ولهذا يسارع إلى تحديد ما يقصده بهذه الكلمة، فاليوتوبيا تعني، بكل بساطة، «الاعتقاد بأن المستقبل يمكن أن يتجاوز الحاضر بصورة أساسية»؛ هذه «الروح اليوتوبية» إمّا أنها تلاشت وإمّا أنها آخذة في التلاشي
تحت ضغط «الإجماع الجديد» الذي يعمّم الاقتناع بأن التاريخ وصل إلى نهايته، وأنه ما عاد ثمة من «بدائل
أخرى»، وأن المستقبل صار صورة طبق الأصل من الحاضر، ومن ثم لا جديد ولا مفاجآت تنتظرنا في هذا المستقبل. هذا إذا كنا محظوظين ولم ينزلق هذا المستقبل إلى ما هو أسوأ من الحاضر نفسه، بحيث يكون الآتي أسوأ! ما عاد المستقبل، إذن، يوتوبيا بل انقلب إلى عالم مضاد لليوتوبيا أو عالم من اليوتوبيا المقلوبة أو
الديستوبيا، وكُتب على البشر أن يعيشوا، هذه المرة، بلا سرديات، لا صغرى ولا كبرى! لكن المفارقة الكبرى هنا هي أن ثورات «الربيع العربي» انفجرت في ظلّ صعود هذه الديستوبيا وتلاشي السرديات الكبرى والصغرى معًا، وهذه مفارقة تحتاج إلى قراءة أخرى نأمل أن تكون موضوعًا لدراسة
أخرى قريبًا.
((6(كليفورد غيرتز، تأويل الثقافات: مقالات مختارة، ترجمة محمد بدوي؛ مراجعة بولس وهبة (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،
2009)، ص.366 (((6 جاكوبي، ص.8