المسألة الدستورية وإشكالية الانتقال الديمقراطي: حالة المغرب
The Constitutional Question and the Problem of Democratization: The Case of Morocco
الملخّص
يُعدّ البحث في موضوع المسألة الدستورية وبناء الدولة الديمقراطية، في أيّ مجتمع، على قدر كبير من الأهمية، أكان على مستوى المعرفة العلمية أم على مستوى المعرفة الإجرائية، وذلك باعتبار أن الدولة هي الكيان الدائم والمستقر القانوني لإرادة المجتمع، وأن الحكم الديمقراطي هو أسمى أساليب الحكم.
Abstract
Researching the topic of constitution, and the topic of forging a democratic state, is considered of the utmost importance in any society. This is true on the level of scientific knowledge as well as at procedural level. This is also based on the fact that the state is the eternal and stable legal entity encompassing the will of society and that the democratic style of governing is the noblest.
- المسألة الدستورية
- المغرب
- الانتقال الديمقراطي
- الدولة
- Constitutional Question
- Democratization
يُعدّ البحث في موضوع المسألة الدستورية وبناء الدولة الديمقراطية، في أيّ مجتمع، على قدر كبير من الأهمية، أكان على مستوى المعرفة العلمية أم على مستوى المعرفة الإجرائية، وذلك باعتبار أن الدولة هي الكيان الدائم والمستقر القانوني لإرادة المجتمع، وأن الحكم الديمقراطي هو أسمى أساليب الحكم. يؤدّي بناء الدولة على أسس الحكم الصالح إلى إرساء دعائم المجتمع الصالح، وترسيخ مقومات الفضيلة فيه؛ فالدولة، كما يقول هارولد لاسكي، «هي اللب نة الأولى التي ترتكزِ عليها قبة الهيكل الاجتماعي. إنها تصوغ وتشكل ملايين الأنفس البشرية في مظهرهم وجوهرهم»1. غير أنه ينبغي ألّ يُنظَر إلى الانتقال الديمقراطي من منظور أحادي بوصفه مجرد صوغ دستور ديمقراطي وإقامة مؤسسات فحسب، بل ينبغي التحرك وفق معادلة التوازن والتوافق بين التكوين السياسي والتكوين الاجتماعي؛ فالمكونات الاجتماعية في أي دولة هي التي تهيئ الظروف الموضوعية اللازمة لبناء الديمقراطية. ودراسة الديمقراطية بمفهومها السياسي تظل منقوصة إذا تمت بمعزل عن تحليل مضمونها الاجتماعي. ما عادت الديمقراطية، في مفهومها، إجراءات سياسية أو حصيلة عددية لنتائج العملية الانتخابية، وإنما كمنظومة قيم وأنماط من التفكير؛ إذ إنها تُبنى على أسس ثقافة الحوار والتفاوض واحترام الآخر والاختلاف في وجهات النظر. ف«الديمقراطية المستدامة» ترتبط بالنسق الثقافي للمجتمع، وتعتمد على القيم الاجتماعية ومعتقدات المواط ين2.
مقدّمة
يبدو جليًا أن التحوّل الديمقراطي ليس عملية ميكانيكية تتطلّب منا أن نضغط على آلة التحكّم للقول بأننا تحوّلنا ديمقراطيًا، وإنما هو صيرورة تاريخية تُبنى على تراكمات إصلاحية في مجالات عدة، مفعمة بإرادة حقيقية تجعل من شعارها التزام الشفافية والمصداقية والموضوعية3. وتتصل قضية الديمقراطية بالمسألة الدستورية في بلد من بلدان العالم بأكثر من صلة؛ فالقول في الديمقراطية، نظرًا وممارسة، لا يمكن أن يغفل النظر في الأحوال المعيشية -الاقتصادية والاجتماعية- في البلد موضوع الحديث والدراسة. كما يجب أل يصُرف الانتباه عن الشروط الكونية التي تسير، أسرع فأسرع، في اتجاه التبدل والتغير4. وقد اعتبُرت الوثيقة الدستورية المتعاقَد على مضامينها من بين أهم شروط نجاح الانتقال الديمقراطي، وذلك عبر الاتفاق على مجموعة من التدابير المكتوبة التي تكرّس مبدأ الفصل بين السلطات، وتضمن الحقوق والحريات العامة وسيادة أحكام القانون، وتعترف بحق المواطن في اختيار من يحكمه، وتؤسس لمبدأ تداول السلطة سِلم5. يتحول النص الدستوري كمدخل للانتقال الديمقراطي إلى وثيقة للحقوق والحريات، والى صكّ لتجسيد الاتفاق السياسي، وكذا إلى برنامج عمل للمقررين ومجال لاستلهام محددات السياسات العمومية. لقد أدى تراكم الأبحاث والجهود النظرية لتفسير عمليات الانتقال إلى الديمقراطية إلى إنشاء ما سمّه الباحثون مدرسة علم الانتقال الديمقراطي. غير أن مقولات الانتقال الديمقراطي وُجدت في الحقيقة قبل أن تؤسس المدرسة التي حملت هذا الاسم، وذلك بداية في كتابات توكفيل أو جون ستيورات ميل، ثم في ما بعد بظهور مدرسة أُطلق عليها «مدرسة الشّطية الاقتصادية»، وهي تنطلق من مسلَّمة مفادها أن الساكنة الفقيرة غير قادرة على توفير أساس صلب للديمقراطية، فهي تشعر بحاجتها إلى ضمان العيش أكثر من حاجتها إلى الديمقراطية6. بناء عليه، يمكن القول إن الجديد بالنسبة إلى الانتقال الديمقراطي هو علاقته بالزمن، فإذا كانت عملية الانتقال الديمقراطي تتطلب قرنًا ونصف قرن في الديمقراطيات الرائدة، فإنها لا تستمر في الأنظمة الجديدة إلّ خمسة أعوام أو ستة أعوام7. يمكن اختزال شروط الانتقال الديمقراطي، أو ما يسمّيه بعض الباحثين «الجيولوجيا السياسية للانتقال»، في قيام ثقافة سياسية جديدة لدى السلطة ولدى المعارضة على حد سواء، تسمح ببناء وعي جديد بالمجال
السياسي وبعلاقات السلطة داخل المجتمع. إنها «الثقافة التي ت لُّ التوافق والتراضي والتعاقد والتنازل المتبادل محل قواعد التسلط والاحتكار والإلغاء»8. ليست عملية الانتقال الديمقراطي بسيطة ولا سهلة ولا خطية، أو أحادية الاتجاه، وإنما هي صيرورة مركّبة ومتشابكة ومتعرجة ومتداخلة الأصعدة، فهي تفترض التحوّل من حالة غير ديمقراطية، أو ما قبل ديمقراطية، إلى حالة ديمقراطية ضمن مسار تتفاعل فيه جميع المكوّنات الأساسية للجماعة الوطنية، اعتمادًا على قيادات تمتلك ما يلزم من الكفاءة والنزاهة والصدقية، من أجل تعبئة ما هو مشترك بين جميع المكوّنات والتيارات والحساسيات والقوى، وبالتالي بلورة مرجعية ديمقراطية. ويمكن تحديد «الانتقال الديمقراطي» اعتمادًا على طريقتين متكاملتين: تشير الأولىإلى التحوّل من نمط التنظيم السياسي التسلطي إلى نظام غير «ديمقراطي»، أو بشكل أدق، في طريقه إلى «الدمقرطة»، أي انتظار لحظة «الديمقراطية» باعتبارها نظامًا راسخًا في الأفكار والممارسات والمؤسسات. وتبدو الطريقة الثانية أكثر شمولية، فهي تقضي بالقول إن الانتقال الديمقراطي يملي تطورًا وسطًا يؤشر إلى القطع مع نظام سلطوي لتبنّي قواعد نظام ينحو في اتجاه «الدمقرطة»9. ولمعاجلة الإشكالية التي تُطرح في هذا السياق، سوف نحاول الإجابة عن السؤالين التاليين: هل ت سِّد الوثيقة الدستورية المغربية (2011) معالم الانتقال الديمقراطي؟ وما هي آليات هذا الانتقال الديمقراطي ومظاهره ومعوقاته؟ سنحاول في هذه الدراسة قراءة الدستور المغربي من حيث سياقه العام، ومرتكزات الإصلاح الدستوري، ومدى توافر الوثيقة الدستورية الجديدة للانتقال نحو الديمقراطية، وذلك على اعتبار أن المسألة الدستورية تُعتبر مدخلً أساسًا ومحوريًا في مقاربة دمقرطة هياكل الدولة ومؤسساتها وبنى المجتمع. وعليه، ستجري دراستنا للموضوع وفق محورين أساسيين: يتناول المحور الأولالسياقات العامة التي تبلور من خلالها التعديل الدستوري لفاتح تموز/ يوليو 2011 ومرتكزاته، قبل الانتقال في المحور الثانيإلى إبراز مختلف مظاهر ذلك الانتقال ومعوقاته في التجربة المغربية. السياق العام للتعديل الدستوري ومرتكزاته تتصل قضية الديمقراطية بمسألة التحولات الاجتماعية -في بلد من بلدان العالم- بأكثر من صلة؛ فالقول في الديمقراطية، نظريًا وممارسة، لا يمكن أن يغفل النظر في الأحوال المعيشية -وسيما الاقتصادية والاجتماعية- أو أن يصرف الانتباه عن الشروط الكونية التي تسير بسرعة متزايدة في اتجاه التبدل والتغير10. وليس من الاعتباط في شيء نماء وتراكم مختلف نماذج الولاء الجزئي والتقليدي، بمعنى تنامي الولاء الفردي والاجتماعي نفسًا وذهنًا لكيانات ما قبل الدولة، مثل الانتماء الجهوي والطائفي والقبلي والديني11، فهي مظاهر تشير من الناحية العامة إلى وجود خلل في شرعية الدولة العربية الحديثة، وإلى إشكالية الأزمة
السياسية فيها أيضًا. وهو واقع جعل الأزمة تشمل كلًّ من النظام السياسي والدولة في آن واحد. وهي أزمة تجد تعبيرها في نمو مختلف مظاهر الاحتجاج تجاهها، من السلمي إلى العلني12. لعل أهم مظاهر هذا الضعف في هذا الصدد، هو عجز الدولة عن إرساء أسس العلاقة الطبيعية مع المجتمع على أرضية الشرعية والقانون، وبالتالي عجزها عن إدارة مواردها وتعبئتها بفاعلية. وقد ترتب على ذلك استفحال عجزها عن اتخاذ السياسات العامة وتنفيذها لمواجهة المشكلات الداخلية والتحديات الخارجية. أمّا النتيجة، فهي ضعف الدولة أو عدم قدرتها على تحقيق الاستقلال الوطني الفعلي والدفاع عنه، ومن ثم الحد من تبعيتها للعالم الخارجي. يضاف إلى ذلك فشلها في تحقيق إجماع وطني في القضايا العامة والكبرى. بعبارة أخرى، تُظهر المفارقة الكبيرة بين تضخم أجهزة الدولة العربية الحديثة وتطاول دورها في الاقتصاد والمجتمع من جهة، وضعف أدائها ونجاعتها في مختلف ميادين الحياة العامة من جهة أخرى، أنها تعكس حالة الاغتراب الفعلي بين شكل الدولة ومضمونها، وهو اغتراب يتجسد في تدنّ إنجازاتها وضعفها، وبالأخص في ما يتعلق بقضايا العدالة الاجتماعية والديمقراطية السياسية والتنمية الاقتصادية والتقدم العلمي والاستقلال الوطني والوحدة، وهي النتيجة التي تتجسد في ضعف شرعيتها أمام مجتمعها المحلي والدولي13. وإذا كانت الإشكاليات مشتركة بين البلدان العربية، فإن لكل بلد خصوصيته، ولا سيما في ظل اختلاف تركيبته الاجتماعية والفئوية والدينية والطائفية والمذهبية والإثنية، الأمر الذي اتخذت فيه مسارات التغيير أشكالً وطرقًا مختلفة في طبيعتها ومنعرجاتها، حسمً أو مخاضًا أو انتظارًا، وإنْ جمعتها بعض المشتركات، وخصوصًا المطالبة بالحريات والكرامة ومحاربة الفساد. تقوم «نظرية» الاستثناء المغربي على مقولتين: أولاهما، مقولة خاطئة ومناقضة للواقع تدّعي أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المغرب أفضل كثيرًا ممّا هي عليه في تونس ومصر وغيرهما من البلدان العربية، وأن لا معنى لأي حركة احتجاجية سوى أن يكون هدفها التقليد فحسب. أمّا المقولة الثانية، فتشير إلى أن في المغرب نظامًا ملكيًا يقوم على إمارة المؤمنين، الأمر الذي يمنحه شرعية دينية وتاريخية وترفعًا عن أي نقاش محتمل بشأن استمراريته. أثار هذا الخطاب الرسمي حفيظة المطالبين بالتغيير في المغرب، خاصة أن الأرقام الحكومية تناقض ادّعاء الرخاء الاقتصادي للمغرب، إضافة إلى ما تعرفه الأوضاع السياسية والاجتماعية منذ أعوام من انسداد وتأزم14. وفي ظل التشابك والتعقيد السياسي، لا يمكن الاكتفاء بوصف المشهد السياسي العام والنظر إلى القرارات تبعًا لمواقع الفاعلين في صناعة القرار فقط، بل يستلزم الأمر تحليل معمقًا يتجاوز المشهد الإدراكي لفهم طبيعة التوازنات والتغيرات السياسية الاجتماعية في المغرب، ومسار التحول الديمقراطي البطيء فيه15.
في ظل الحياة الدستورية التي عاشتها التجربة المغربية على مدى نصف قرن من الزمن، كان مختلف قوانينها الأساسية للسنوات 1962 و 1970 و 1972 و 1992 و 1996 يعكس واقع موازين القوى المتسم بصراع المؤسسة الملَكية وأحزاب الحركة الوطنية، ومآله إلى غلبة التصور الملكي للحكم المبني على إقرار ملَكية شبه رئاسية يسود فيها الملك ويحكم على أساس أن العرش المغربي ليس بأريكة فارغة، بل هو ملَكية حاضرة في جميع أرجاء الجسم السياسي المغربي16، الشيء الذي أكّدته مختلف المواثيق السياسية المؤطِّرة للتجربة المغربية، باعتبارها مواثيق للاستقرار لا مواثيق للانتقال الديمقراطي، وبحكم خضوعها لميزان قوى مختل لفائدة الملَكية وتوظيفها لإدامة استمراريتها بالرغم من التغيير الذي يطاول تركيبتها (نخب قروية، حضرية، تكنوقراطية...)، وطبيعة القواعد السياسية المنشأة في أعقابها، مفتوحة أو مغلقة، والغايات الآنية التي توضع في خدمتها17. إلّ أن موازين القوى أصبحت مرجَّحة لمصلحة الشعوب؛ إذ تعيش الأمة العربية ربيعًا سياسيًا يحمل في رحمه جينات تحولّات عميقة قد تحتاج إلى زمن لاستيعاب أسسها ومقوماتها وسياقاتها. ولعل أهم هذه الجينات هي انتقال شرارة الثورات العربية إلى صلب الأنظمة الملَكية المحصَّنة بمقتضى «شرعيات إضافية » بالقياس إلى الجمهوريات، وهو الشيء الذي يمكن رصده من خلال الحركات الاحتجاجية داخل النظام المغربي. في ظل الحراك المجتمعي الذي عرفه عدد كبير من الأقطار العربية، أفرزت احتجاجات يوم 20 شباط/ فبراير 2011 التي شهدتها مختلف المدن المغربية مجموعة من الأسئلة في علاقتها بمدى جدّية الإصلاحات المختلفة التي شرع المغرب في إجرائها في الأعوام الأخيرة، ومدى فعاليتها وأهميتها في توفير شروط دعم الانتقال الديمقراطي وأسسه، وترسيخ حقوق الإنسان، مع وجود مجموعة من مظاهر الاستهتار بالقانون ومظاهر مختلفة من الفساد18. جاءت حركة 20 فبراير أخيرًا، وبعد نقاش مستفيض دار حول التأثير الذي يمكن أن يمارسه «الربيع العربي» على المغرب، لتلغي أسطورة الاستثناء المغربي، ولتؤكد في الوقت نفسه أن المغرب جزء لا يتجزأ من الامتداد العربي، يتأثر بما يقع في جواره العربي. هكذا، إذن، تحركت عجلة التغيير بعد أن ظنّ الجميع أن التجربة السياسية المغربية محصَّنة غاية التحصين، ولن تكون كغيرها في مهب رياح التغيير، لأنها تمتلك مقومات تاريخية ودينية تسندها19. في هذا السياق العام، جاء خطاب الملك محمد السادس في التاسع من آذار/ مارس 2011، الذي دعا فيه إلى تعديلات دستورية داخل إطار ثوابت الملَكية وإمارة المؤمنين، محددًا سبعة مرتكزات أساسية لهذه التعديلات، وواعدًا بدستور ديمقراطي يفصل بين السلطات، ويعطي صلاحيات أكبر لكلٍّ من رئيس الحكومة والبرلمان.
لقد ساهمت حركة 20 فبراير في جعل فئات كثيرة من الشعب المغربي تعبّ عن مطالبها وحقوقها جهرًا لا سرًا، على عكس ما كانت تفعل من قبل. ومن جهة أخرى، جعلت وتيرةَ الإصلاح تتحرك بسرعة بعدما كانت بطيئة ومؤجلة إلى حين. ويمكن اليوم الإعلان بكل ثقة أن حركة 20 فبراير حرّكت مياهًا راكدة تحت جسر المعمار الحزبي والسياسي المغربي، وجعلت دستور 2011 يخرج إلى الوجود. ولولا ذلك، لانتظرنا أعوامًا أخرى، بدليل غياب أي إشارة تفيد بتحرك مسطرة مراجعة دستور 199620. لا نجادل في أن الوثيقة الدستورية تحتمل أكثر من قراءة ومن زوايا متعددة، بيد أننا ننطلق في قراءة الوثيقة الدستورية من زاوية قد لا يعيرها البعض أهمية، خصوصًا أنها لم ترد البتة في الخطاب المل كي الذي حدّد الخطوط العريضة للتعديل الدستوري. إنها زاوية قد تبدو في أعين بعضهم بسيطة أو غير ذات أهمية، مقارنة بقراءات أخرى تجزم بانتقالنا إلى دستور الحقوق والحريات وإلى الحسم في انتقالنا إلى ملَكية برلمانية. ومع أننا لا نستهين بأهمية التعديلات الدستورية الأخرى في قراءة الوثيقة الدستورية، فإننا نعني بهذه الزاوية في الباب الثالث عشر المتعلق بمراجعة الدستور، أي السلطة التأسيسية الفرعية، لأننا نعتبرها ركنًا أساسيًا في فهم الوثيقة الدستورية، بل المدخل الأساس الذي يمك ن من الوقوف على منعرجاتها والإلمام بأبعادها بالتعديلات التي عرفتها، ومن تحديد المسافة التي ما زالت تفصلنا عن الملَكية البرلمانية. يولي فقهاء القانون الدستوري شكل تعديل الوثيقة الدستورية اهتمامًا بارزًا، لأنه معطى محدد في ديمقراطية الوثيقة. لذلك كان التنازع على أشده حول شكل الإصلاح الدستوري في المغرب، أي حول الطريقة الديمقراطية لوضع الوثيقة الدستورية أو لمراجعتها. والتوجه الأولهو مطلب الجمعية التأسيسية، والتوجه الثانيهو مطلب التوافق مع الملَكية21. لكن من خلال القراءة التركيبية لفصول الدستور، نسجل مجموعة من الملاحظات: • دسترة جميع حقوق الإنسان كما هو متعارَف عليها عالميًا. وقد نص الدستور المغربي «الجديد» على مجمل حقوق الإنسان الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى تكريس سمو الاتفاقات الدولية كما صادق عليها المغرب، وعلى التشريعات الوطنية، والتنصيص على العمل على ملاءمة هذه التشريعات مع مقتضياتها22؛ • حل مشكلة الفصل التاسع عشر من الدساتير الخمسة السابقة الذي أثير بصدده الكثير من الجدل، عبر استبدال الفصل المذكور بفصلين، أحدهما يتناول الصلاحيات الدينية الحصرية للملك، والآخر يتناول الملك كرئيس للدولة؛ • الانبثاق الديمقراطي للسلطة التنفيذية بقيادة رئيس الحكومة، الذي يتم اختياره من الحزب الذي يتصدّر الانتخابات؛ • تراكم الرئاسات لدى الملك واستمرار تحكّمه في توجيه مسار السلطة التنفيذية ومضمون قراراتها، فالملك هو رئيس المجلس الوزراء، ورئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ورئيس المجلس العلمي الأعلى، ورئيس المجلس الأعلى للأمن؛
• إثقال النص بمجموعة من القوانين التنظيمية (أكثر من 20 قانونًا تنظيميًا)، وبالهيئات والمؤسسات الاستشارية الخاصة؛ • الطابع التوافقي الإرضائي، كما ينص على ذلك الباب الأول الخاص بالأحكام العامة: «نظام الحكم بالمغرب نظام ملَكية دستورية ديمقراطية برلمانية اجتماعية.» من خلال هذه الوثيقة الدستورية، وبمقتضى المنهجية المتّبعة في صياغتها والدعائم المرصودة لعملها، يمكن اعتبارها منحازة إلى الدولة، لأنها تشكل إجابة جزئية عن بعض المطالب الفئوية من دون أن تكرس بشكل واضح سيادة الشعب، إذ نلاحظ غياب مفهوم السيادة الشعبية، وحضور كلمة شعب في التصدير مرة واحدة، وبشكل عَرضَي. عمومًا، على الرغم من أن الدستور المغربي 2011 أعلن مجموعة من المبادئ والحقوق التي لم تكن موجودة في الدستور السابق، ولا يمكن لعاقل أن ينكر أهميتها كقرينة البراءة وضمان شروط المحاكمة العادلة وتَ ريم التعذيب والاختفاء القسري والاعتقال التعسفي وجميع أشكال التمييز والممارسات المهينة بالكرامة الإنسانية، والحق في الولوج إلى المعلومة وحق تقديم العرائض. مع هذا كله، فإنه، لم يوفر ضمانات مؤسساتية حقيقية لصون الحقوق؛ ولم يعمل على تقييد السلطة الملكية على الرغم من الترتيبات التي أدخلها على السلطة التنفيذية. والخلاصة التي انتهينا إليها هي أن النص الدستوري الجديد لا يوفر الحد الأدنى الذي يحْدث قطيعة مع نظام السلطة الدستورية الذي يسود فيه الملك ويحكم23. يمكننا الجزم بكون الوثيقة الدستورية المغربية هي مجمع المتناقضات ومرتع المتضادات، إذ تقرّ ببرلمانية الدولة في حين تخوّل الملك الممثل الأسمى للدولة، وفوق المؤسسات الدستورية كلها، وظهائره24 فوق كل القوانين الصادرة عن هذه المؤسسات، كما أنه يرأس المجلس الدستوري الذي يناقش فيه أهم النقاط الاستراتيجية للدولة25.
تجليات الإصلاح الدستوري (دسترة هيئات الحكامة الجيدة)
لقد برزت ظاهرة الهيئات الإدارية المستقلة في الساحة القانونية الدستورية في البلدان المتقدمة والديمقراطية منذ حوالى أربعة عقود، حين برزت في فرنسا سنة 1978 اللجنةُ الوطنية الأولى للمعلومات والحريات. وتوالت عملية إنشاء هذه الهيئات في فرنسا حتى بلغت أكثر من 40 هيئة وطنية مستقلة، عمل المشرّع على تطويرها بالتدريج، مميّزًا بين ثلاثة أنواع منها: الهيئات المستقلة والهيئات الإدارية المستقلة والهيئات العمومية المستقلة. ويختلف عدد هذه الهيئات الوطنية المستقلة بين بلدان تبالغ في إنشاء أكبر عدد منها،
كهولندا (حوالى 200 هيئة) وألمانيا (قرابة 189 هيئة)، وبلدان تتحفظ في الإكثار منها، كالولايات المتحدة الأميركية التي لا تعترف عامة - على الرغم من كثرتها العددية- بحوالى ثماني هيئات منها تحت اسمإلّ «الوكالات المستقلة أو الوكالات الضبطية»، وبلجيكا (حوالى 3 هيئات)، والنمسا (هيئة واحدة)، بينما أنشأ المشرّع في النرويج عددًا كبيرًا من الهيئات من دون الاعتراف بصفتها الدستورية. لقد عملت البلدان الديمقراطية غالبًا على إنشاء هذه الهيئات في القطاعات الاستراتيجية الحساسة والحيوية، إذ نظرًا إلى طابعها هذا، أضحى من الصعب تركها في يد الحاكمين والفاعلين السياسيين في الحكومة أو البرلمان، وهو ما تعيّ معه دسترتها وتحصينها باستقلالية تامة عن هاتين السلطتين التشريعية والتنفيذية، مدبرة لقطاعاتها الحيوية بعيدًا عن النزعات الحزبية والسياسية الضيقة. هكذا عملت التجارب الإنسانية - ولا سيما الديمقراطيات المعاصرة- على بناء أنماط جديدة للتعبير الديمقراطي، لمحاصرة «فساد النخب المنتخبة»، من قبيل إنشاء هيئات إدارية مستقلة تؤدي أدوار الضبط وضمان الإنصاف/ العدالة26، بل تتحول أحيانًا إلى سلطات مضادة، تراقب الإنتاج التشريعي (كما هي حال المجالس الدستورية أو مجالس الدولة، مثل ما يحصل في فرنسا)، أو تراقب صرف المال العام (كما هو الشأن بالنسبة إلى مجالس الحسابات.) لذلك يتعيّ على المغرب تطوير الرقابة على المال العام، وترسيخه في الممارسة المؤسسية، والتحكم في ما من شأنه إنتاج اختلالات تضر بالتوازنات المتعلقة بحقل من الحقول الأساسية للدولة والمجتمع، مسنودة في ذلك بقضاء مستقل ونزيه ومشارك في بناء دولة القانون، فضلً عن تجارب ما ينعت ب«ديمقراطية المشاركة » التي تستهدف تجاوز اختلالات التداول الانتخابي على السلطة والمسؤولية، أو ما أصبح يفرض ذاته من نمط جديد في التعبير والمشاركة، بل التأثير في الانتخابات والفعل السياسي بواسطة الأدوات التواصلية الرقمية الجديدة، وهو ما يستوجب إعادة النظر في النمط الكلاسيكي للعمل الحزبي والسياسي27. بالرجوع الى الوثيقة الدستورية المغربية، ولاسيما الفصل 90 منها، وبناء على المرسوم الرقم 44-12-2 الصادر في 14 من ربيع الآخر 1433 (7 آذار/ مارس 2012) بتفويض بعض الاختصاصات والسلطات إلى الوزارة المكلفة بالشؤون العامة والحكامة، تم إنشاء وزارة تهتم بالحكامة28 لتعزيز المحاسبة والمراقبة تسمّى «وزارة الشؤون العامة والحكامة»، وقد حددت اختصاصاتها ومهامها في المحاور التالية: - اقتراح جميع التدابير من أجل توطيد قيم النزاهة والشفافية والحكامة، وتحسين مناخ الأعمال، ومحاربة الرشوة في تدبير الشأن العام، وتتبّع تنفيذها؛ - وضع آليات تتبُّع وتقييم مدى نجاعة السياسات والبرامج العمومية ودرجة تكاملها وانسجامها والتقائيتها؛ - تتبُّع مختلف التقارير الصادرة عن مؤسسات المراقبة العمومية، وكذا عن المؤسسات والهيئات الدولية المتعلقة بمناخ الأعمال والحكامة، ومتابعة تنفيذها.
في هذا السياق، أُصدر الميثاق المغربي للممارسات الجيدة والحكامة للمنشآت والمؤسسات العامة29 بناء على مجموعة من المعايير الدولية والوطنية في مجال الحكامة الجيدة. ويهدف هذا الميثاق أولً إلى نشر وتكريس الممارسات الجيدة لحكامة المنشآت العامة المبنية على أفضل المعايير؛ و ثانيًا، إلى تشجيع قيم وممارسات الشفافية والتواصل والتشاور؛ و ثالثًا، تقوية دور ومهنية المجالس التداولية لهذه الهيئات، وتجسيد مبدأ الربط بين مسؤولية المسيّين والمحاسبة. وترتبط الحكامة الجيدة بمبادئ الشفافية والمسؤولية، ومحاربة الرشوة، والأخلاقيات، والمحاسبة30. وقد جرت دسترة عدد من الهيئات التي تضمنتها فصول الدستور، بما في ذلك: المجلس الأعلى للحسابات (الفصول 147 إلى 150)؛ المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (151 الى 153)؛ المجلس الوطني لحقوق الإنسان (الفصل 161)؛ مؤسسة الوسيط (Ombudsman) (الفصل 162)؛ مجلس الجالية المقيمة في الخارج (الفصل 163)؛ الهيئة المكلَّفة بالمناصفة ومحاربة جميع أشكال التمييز (الفصل 164)؛ الهيئة العليا للسمعي البصري (الفصل 165)؛ مجلس المنافسة (الفصل 166)؛ الهيئة المغربية للوقاية من الرشوة (الفصل 167)؛ المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي (الفصل 168)؛ المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة (الفصل 169)؛ المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي (الفصل.)170 وقد جمع المشرّع الدستوري الهيئات العشر أعلاه في الباب الثاني عشر، تحت عنوان عريض غير متجانس هو: «مؤسسات وهيئات حماية الحقوق والحريات والحكامة الجيدة والتنمية البشرية والمستدامة الديمقراطية التشاركية»، وصنّفها في ثلاث خانات: الخانة الأولىتضم هيئات حماية حقوق الإنسان والنهوض بها، وهي: المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والوسيط، ومجلس الجالية المغربية في الخارج ثم الهيئة المكلفة بالمناصفة ومحاربة جميع أشكال التمييز؛ الخانة الثانية تضم هيئات الحكامة الجيدة والتقنين، وهي: الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، ومجلس المنافسة، ثم الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها؛ وفي الخانة الثالثة ثلاث هيئات للنهوض بالتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية التشاركية، وهي: المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، والمجلس الاستشاري للأسرة والطفولة، والمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي؛ متسائلين في الأخير عن عدم إدراج المشرّع الدستوري للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ضمن هذه الهيئات الحكامية العشر، بالرغم من كون قانونه الأساسِ لا يختلف البتة عن قوانين بعض الهيئات الوطنية المستقلة، واختصاصاته الدستورية هي نفس اختصاصات هذه الأخيرة31.
لم يحدد الدستور طريقة تشكيل الهيئات ولا كيفية تعيين رئيسها، وإنما ترك ذلك للقانون، حيث نص الفصل 171 على أن «يحدد بقوانين تأليف وصلاحيات وتنظيم وقواعد تسيير المؤسسات والهيئات المنصوص عليها في الفصول 160 إلى 170 من هذا الدستور، وكذا حالات التنافي عند الاقتضاء»، الأمر الذي لا يمكن أن نستنتج من خلاله، بأي حال من الأحوال، أن الملك هو من يعيّ رؤساءها، بل يعيّنهم رئيس الحكومة أو باقتراح منه، وهو ما يتوافق وروح الدستور بناء على مبدأ «ربط المسؤولية بالمحاسبة.»
مظاهر ومعوقات الانتقال الديمقراطي من خلال الوثيقة الدستورية
رغم ما جاء فيها من تأكيدٍ على أن نظام الحكم في المغرب ديمقراطي، لم ينطوي دستور عام 2011 على إرساء دعائم نظام حكم ديمقراطي بمعايير الديمقراطية التي أسستها و أرست أعرافها «الديمقراطيات العريقة.«
مظاهر الانتقال الديمقراطي
أجرى المغرب في الفاتح من تموز/ يوليو 2011 تعديلً دستوريًا تضمّن إعادة صوغ مهمات السلطات في إطار يسمح بقدر من التوازن والوضوح في الصلاحيات، ويتجاوز جميع الإشكالات المرتبطة بغموض النصوص في الدستور السابق، أو بتداخل السلطات التي أفرغت المسؤولية الحكومية من مدلولها وفتحت باب التأويلات الواسعة. كما عمل المغرب على دعم الحقوق والحريات الفردية والجماعية للمواطنين والتفصيل فيها، وكذا إعادة الاعتبار إلى سلطة القضاء32. ويبدو أن السياق الذي واكب هذا التعديل على مستوى التحولات السياسية في المنطقة، والحراك المجتمعي الداخلي الذي انطلق مع حركة 20 فبراير 201133، أو تم من حيث الشكل عبر استشارة عدد من القوى السياسية والحزبية والنقابية والأكاديمية والحقوقية، انعكس بصورة ملحوظة على مضمون الوثيقة الدستورية المعدّلة؛ فقد خصصت هذه الأخيرة بابًا مستقلً تضمّن 21 يعزّز المكانة الدستورية لعدد فصلً من الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والبيئية والتنموية34. غير أنّه يبقى السؤال الجوهري: هل المقاربة الدستورية هي الحل للمعضلة السياسية في المغرب؟ توالت تقارير هيئات الحكامة في الآونة الأخيرة، بعضها يُصدر تقارير تتعلق بوضعية حقوق الإنسان، وأخرى تتعلق بالنزاهة ومحاربة الرشوة وبالإعلام... وهي القضايا الأكثر ارتباط ا بقضايا المواطنين. ومن المؤسسات التي ساهمت تقاريرها في السياسات العمومية نجد:
المجلس الوطني لحقوق الإنسان
إن ما ميز المجلس الوطني لحقوق الإنسان سنة 2012 إصداره تقريره بشأن وضعية السجون والسجناء، وهو بعنوان: «أزمة السجون مسؤولية مشتركة: 100 توصيةمن أجل حماية حقوق السجينات والسجناء»، بتاريخ 30 تشرين الأول/ أكتوبر 2012، وذلك خلال ندوة صحافية نُظِّمت في مقره المركزي في الرباط. وصف التقرير وضعية السجون والسجناء في المملكة ب«المتأزمة والخط رة»، معتبرًا أن معالجتها «مسؤولية مشتركة». وأكد التقرير أن «السجناء والسجينات يتعرضون للمعاملة القاسية وغير الإنسانية والحاطّة35من الكرامة في أغلب السجون المغربية»36. ومن ضروب هذه المعاملة القاسية والمهينة للكرامة الإنسانية «الضرب والصفع والتجريد من الملابس أمام باقي السجناء، والتعليق بالأصفاد، والعبارات الحاطة من الكرامة، والكي والانتقام عن طريق الترحيل الإداري.» استند التقرير إلى «الشهادات المتكررة التي تصف أماكن وأدوات التعذيب، إضافة الى زيارات ميدانية لهذه الأماكن، وملاحظة أدوات قد تكون استُعملت في التعذيب». كما رصد التقرير انتهاك حقوق القاصرين والنساء والمعوقين والمرضى النفسيين والسجناء الأجانب والمدمنين والمصابين بأمراض مزمنة، معتمدًا المعايير الدولية التي سطّرتها الأمم المتحدة في هذا المجال، إضافة الى القوانين الوطنية. ومن توصيات التقرير ترشيد الاعتقال الاحتياطي، وإعمال الرقابة القضائية وجعلها إلزامية، مع الحد من الحكم بالعقوبات القصيرة واستبدالها بالموقوفة التنفيذ أو الغرامة، في انتظار سَنِّ عقوبات بديلة فعالة، وتسريع بتِّ قضايا المعتقلين الاحتياطيين، وتفعيل الإفراج المقيّد بشروط للحد من حدة ظاهرة الاكتظاظ التي تُعتبر أمَّ المشكلات التي تتفرع منها معضلات خطِرة أخرى. كما أوصى المجلس في تقريره بضرورة احترام القواعد الخاصة بعدالة الأحداث الجانحين، وتفعيل التلقائية في تغيير التدابير من طرف القضاة والمستشارين المكلَّفين بالأحداث، علاوة على تعيين قضاة متخصصين بعدالة الأحداث.
الهيئة المغربية للوقاية من الرشوة
قدمت الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة يوم الجمعة 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 لقاء صحافيًا في الرباط، حضرته مجموعة من المنابر الإعلامية، إلى جانب فعاليات المجتمع المدني، لتقديم تقرير برسم سنتي 2011 و 201037. أقرَّت الهيئة باتساع رقعة الرشوة في البلاد، وأكدت الفساد المستشري فيها، مشدّدة على أن الظاهرة آخذة في التوسع والامتداد داخل كثير من مجالات تدبير الشأن العام. كما أشار أقصبي في حديثه إلى أن الحكومة
تواجه الحقائق الصادمة للتقارير الدولية بالبهرجة «والهضرة»، وأن شعار عفا الله عمّ سلف تحول شعارًا للمفسدين وترخيصًا باستمرار الفساد38. ورصدت الهيئة مجموعة من الاختلالات التي تعرفها السياسات العامة في المغرب، في غياب البُعد الاستراتيجي الكفيل بإرساء سياسة لمكافحة الفساد على درجة من الفعالية وذات أهداف محددة. وقال رئيس الهيئة إن «الوقاية من الرشوة» رصدت كثيرًا من مَواطن الضعف والاختلالات بخصوص محاربة الفساد والرشوة، من بينها غياب البُعد الاستراتيجي الكفيل بإرساء سياسة فعالة لمكافحة الفساد، بالإضافة إلى عدم ملاءمة المنظومة الجنائية والقضائية لمتطلبات مكافحة الفساد. وأضاف أن هذا التقرير يأتي في ظرف دقيق، وضمن سياق تاريخي غير مسبوق. وما يميزه هو أن المغرب، على غرار باقي دول المنطقة العربية، شهد حراكًا اجتماعيًا تلازمت فيه مطالب اجتماعية واقتصادية وسياسية، على رأسها المطالبة بوضع حد للفساد وتقديم المفسدين للعدالة. وأكد التقرير أن القطاعات التي تشهد انتشارًا كبيرًا للرشوة مرتبطة بالداخلية ثم العدل والأمن، وبعدها القطاع العقاري والضرائب ثم التجارة والصناعة. ولم يفُت التقرير التنبيه إلى محدودية آليات الحكامة السياسية، إنْ على مستوى مراقبة استخدام الأموال العمومية الممنوحة للأحزاب وتمويل الحملات الانتخابية39، أو على مستوى نواقص الممارسة البرلمانية التي حالت دون مزاولة الرقابة السياسية بالفعالية المطلوبة. وإذا كان التقرير الأول للهيئة قد اعتمد مقاربة شمولية لتشخيص ظاهرة الفساد السياسات الحكومية في هذا المجال، فإن التقرير الجديد عمل على تعميق تشخيص الظاهرة بالاعتماد على ثلاث مقاربات تتمثّل في: - مقاربة شمولية تتأسس على مختلف المؤشرات التي تسمح بملامسة تفشّ هذه الظاهرة والقطاعات الأكثر عرضة للفساد، وتبرز انعكاساته على الحكامة والتنافسية والتنمية البشرية؛ - مقاربة قطاعية سمحت بتشخيص اختلالات الحكامة في القطاعين العام والخاص وفي الحياة السياسية؛ - مقاربة جهوية سمحت برصد تجليات الفساد على مستوى ممارسة الشأن المحلي. وقد أفضى هذا التشخيص إلى خلاصة مفادها أن رقعة الفساد تتجه نحو التوسع والامتداد إلى مختلف مجالات تدبير الشأن العام، وهو ما يعكس الوضعية التي يوجد فيها المغرب40، والتي لم تتحسن بالرغم من الجهود التي بذلها من أجل تطويق الظاهرة خلال العقد الأخير.
الهيئة العليا للسمعي البصري
شكّل القطب العمومي حلبة المبارزة بامتياز بين التيار المخزني وتيار الإصلاح، حيث أطيح رئيس الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا) السابق أحمد الغزلي، نظرًا إلى مصادقته السريعة على دفتر التحملات الجديدة آنذاك. بعد هذه الإقالة، أعيدت دفاتر التحملات إلى المختبر المخزني لتعيين رئيس لجنة تقدمي لمراجعاتها. وتم تعيين رئيسة جديدة ومدير جديد، واستمر التجاذب السياسي بين التيارين، حتى حسم المخزن في صيغة صادقت عليها الرئاسة الجديدة التي عيّنها. وقد أصدرت الهاكا41 خلال الفترة المحتسبة (من 27 كانون الثاني/ يناير إلى 30 حزيران/ يونيو 2012) المتعلقة بمداخلات الشخصيات العمومية، 3778 مجلة إخبارية، بُثت في مجموع الخدمات الإذاعية والتلفزة الخاضعة للتتبع. وبلغ الحيّز الزمني الإجمالي لمجموع هذه المجلات.2136.51.05 وانتقدت الهاكا عدم احترام مبدأ الإنصاف بين الحكومة والمعارضة استنادًا إلى نتائج بيان مداخلات الشخصيات العمومية في وسائل الاتصال السمعي البصري الخاصة بالنشرات الإخبارية خلال الفصل الثاني من سنة.2012 وأفادت الهيئة43 بأن إجمالي مدة تدخلات الشخصيات السياسية والمهنية والنقابية، المخصصة للتعددية السياسية بالخدمات السمعية البصرية العمومية والخاصة، وصل خلال النصف الأول من سنة 2012 إلى أزيد من 675 ساعة. وسجّل التقرير وجود تفاوت بين الخدمات السمعية البصرية من حيث احترام مبدأ الإنصاف بين مختلف فئات الحصص الأربع، وهي: الحكومة، أحزاب الأغلبية البرلمانية، وأحزاب المعارضة البرلمانية، والأحزاب غير الممثَّلة في البرلمان، في ما يتعلق بمداخلات الشخصيات السياسية والنقابية والمهنية في برامج وسائل الاتصال السمعي البصري في المجلات الإخبارية والبرامج الأخرى خلال النصف الأول من سنة.2012 في ظل غياب مضاعَف للحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية واللغوية، لجأت المؤسسة الملَكية الى استثمار الفصل التاسع عشر لإنشاء هيئات/ مؤسسات استشارية، يبدو ظاهريًا أنها ستعالج الخلل الذي كرسته الممارسة السياسية للعهد القديم. لكن الطابع الاستشاري لهذه الهيئات يمنعها من القيام بدور فاعل في هذا التعويض، خصوصًا أن السؤال الحقيقي الذي تسعى الى التغطية عليه مرتبط بطبيعة نظام الحكم في المغرب، والذي يستمد مشروعيته من التاريخ والدِّين، الأمر الذي يجعله مانحًا للحقوق ومانعًا لها في آن، من دون أي رقابة مؤسساتية تستمد شرعيتها من دستور مدني متعاقَد عليه44. وعلى الرغم من التعارض الذي يمكن أن يحصل بين وظائف المؤسسات الدستورية التي تكرس مكانة «مانح للحقوق»، فإن الأسبقية تكون دومًا للمؤسسات التي تستمد شرعتيها من مؤسسة إمارة المؤمنين. أمّا المؤسسات الدستورية، فإن أغلبيتها لا تكون شرعية إل في حالة الانسجام التام بينها وبين المؤسسة الملَكية. غير أن المؤسسة الملَكية في المغرب لا تقبل نفسها إلّ متفردة في سدة السيادة العليا، لا شريك لها ولا منافس، وهي المؤسسة الوحيدة الفعلية45.
وإذا كان ظاهر الأمر يؤكد أن هذه المؤسسات جاءت لسد فجوات خلّفها العهد القديم في ما يخص منظومة الحقوق والحريات، فإن حقيقة الأمر تؤكد أن هذه المؤسسات جاءت بهدف ترسيخ طابع المل كية المانحة للحقوق والحريات، وذلك من منظور مؤسسة إمارة المؤمنين لا من منظور المؤسسة الملَكية الدستورية46. ومن منطلق «الملك المانح»، لجأت المؤسسة المل كية، اعتمادًا على سلطات إمارة المؤمنين المطلقة في فترات مختلفة، إلى إشراك باقي الفاعلين السياسيين من خلال بعض القنوات التي «توهم» الآخرين بالمشاركة في السلطة، وذلك من خلال التواصل الدائم مع المحيط السياسي، ومن خلال التعبير عن الرغبة الدائمة لدى الملك في احتواء جميع الفعاليات وإشراكها في صناعة القرار السياسي، ودفعها إلى الاهتمام بالشؤون العامة47.
عوائق الانتقال الديمقراطي
إن الانتقال الديمقراطي يُعتبر مسارًا حقيقيًا للتغيير يتم بواسطة الانتقال من وضع سياسي إلى آخر يُدخل تغييرات على الوضعية الاقتصادية والاجتماعية، وعلى المؤسسات القائمة والفاعلين السياسيين. ويُعتبر الانتقال الديمقراطي عملية معقدة وصعبة كشفت التجارب أنها كبيرة، وتسببت في مقاومات وصراعات بين القوى القديمة والقوى الجديدة، وبين مراكز النفوذ وشبكات المصالح، وهو الأمر الذي يفرض على الأطراف تقديم عدد من التنازلات، والتفاوض على مجموعة من التوافقات48. كما يفيد الانتقال الديمقراطي بكوننا أمام كيفية جديدة لوعي المجال السياسي، وأمام أسلوب جديد للممارسة السياسية والسعي إلى السلطة49. ويُستعمل مفهوم الانتقال الديمقراطي لوصف التحولات الجذرية التي تقع في نظام سياسي يتميز بطبيعته الشمولية. وقد تأخذ هذه التحولات أشكال متعددة، وتتم على مستويات مختلفة بحسب تجارب الانتقال الديمقراطي التي عرفها بعض المجتمعات في الربع الأخير من القرن العشرين50. كما يمكن وصف الانتقال الديمقراطي بكونه مسارًا يتم فيه العبور من نظام سياسي مغلق، ولا يسمح بالمشاركة السياسية، أو تكون فيه الحقوق المرتبطة بالمشاركة السياسية مفيدة لنظام سياسي مفتوح يتيح مشاركة المواطنين والتداول على السلطة51. وتؤسس عملية الانتقال الديمقراطي لفترة انتقالية تستوجب ضرورة توفير ضمانات عدم العودة إلى الممارسات اللاديمقراطية، وهو ما يجعل الوثيقة الدستورية تركن إلى فلسفة قانونية تنبني على مجموعة من القيم السياسية التي جاءت من أجل تنظيم العلاقات بين الحاكمين والمحكومين استنادًا إلى نظرية
المأسسة، وذلك بالانتقال من شخصنة السلطة إلى دولة المؤسسات التي ترتكز أساسًا عل سيادة القانون وفصل السلطات. على الرغم من اعتبار الدستور الجديد نصًّا متقدمًا على دستور 1996، حيث إنه عزّز اختصاصات عدد من المؤسسات، فإنه لم يحقق فصل السّلطات. وعلى الرغم من أن هذا المبدأ أ قر أول مرة في دستور 1970، فإنه لم يُفعَّل في نصوصه. ويظهر جليًا أن إقراره تم استجابة لمطالب حركة 20 فبراير المعزَّزة بمطالب بعض الأحزاب السياسية والجمعيات الحقوقية والديمقراطيين. غير أن طبيعته الدستورية ما هي إلّ تصريحية، لأن السلطة الرئيسة في النظام السياسي هي الملك، وما السلطات الأخرى إلّ فرعية تابعة للسلطة الملَكية. وإذا كانت وظائف الدستور تتمثّل أساسًا في إقرار المشروعية الديمقراطية ودولة الحق والقانون، فالدستور الجديد لا يستجيب لهذه الشروط ويبقى أصل دستور برنامج ودستورًا يؤطر مختلف المؤسسات من أجل ضمان الملَكية الحاكمة وخدمتها. وهكذا تبدو النّزعة إلى اختزال جميع المعضلات والأمراض والآمال في المسألة الدستورية محدَّدة في النقاش العام المغربي، وكأنها المدخل الوحيد للإصلاح السياسي. إل أن الدستور لا يشكّل الحلّ الفاصل والحاسم لجميع المعضلات السياسية التي تطبع الحياة السياسية للمجتمعات. وفي إمكاننا أن نبي -عبر النص الدستوري- عدم التطور، بل التراجعات التي ينطوي عليها، مقارنة بما كانت عليه الأوضاع في مرحلة سابقة. كما يمكن أن نبيّ العكس، أي جميع القفزات وخطوات التقدم الكامنة داخله. والواقع أن ما نضعه في النصوص نادرًا ما يتُرجَم عمليًا في الحياة السياسية. ثم إن كثيرًا من النصوص تبقى حبرًا على ورق. ومن هنا تأتي روح نصوص دستورية كثيرة عبر التاريخ كونها تقدِّم التغيير، وتزعزع الهرم المؤسساتي القائم، وتتجاوز عددًا كبيرًا من الكوابح، وتفتح الطريق أمام التطور الإيجابي. وكثيرًا ما تدل نا هذه الأخيرة على ما تعنيه الظاهرة الدستورية52. حاولت الوثيقة الدستورية 2011 أن تكفل بعض الضمانات التي من شأنها أن تقطع مع الممارسات الماضوية، وذلك من خلال الجمع بين دفتيها كلٍّ من صك الحقوق وفصل السّلطات، والمزاوجة بين الحرية والمسؤولية وفق المقتضيات الدستورية، لترصد بذلك ضمانات قانونية وأخرى حقوقية، وثالثة مؤسساتية ورابعة زمنية، والإسراع بسن القوانين التنظيمية قبل انتهاء آخر ولاية تشريعية للبرلمان الجديد، أي قبل انصرام الأعوام الخمسة المقبلة. وفي سياق توافر الضمانات، رُصدت سيادة القانون واعتباره أسمى تعبير عن إرادة الأمّة، مع العمل على ضرورة احترام دستورية القوانين وتراتبيتها53 بمقتضى مراقبة هذه الدستورية من طرف المحكمة الدستورية54، حمايةً للحقوق والحريات من تعسف المشرّع العادي، ومراقبة شرعية الانتخابات والاستفتاء، والحرص على احترام توزيع الاختصاصات بين السلطة العامة.
وفي إطار صلاحيات رئيس الدولة، خوَّل الدستور هذا الأخير إمكانية الاستئثار بالحقل الديني والمؤسسات المهيكلة له55، وحل البرلمان بشروط معيّنة، وإعفاء أعضاء الحكومة من مهامهم. كما أنه القائد الأعلى للقوات المسلحة الملَكية، ورئيس المجلس الأعلى للقضاء، وصاحب حق العفو، ومحتكر جميع السّلطات في ما يُعرف بفترة الدكتاتورية المؤقتة المحدثة بمقتضى حالة الاستثناء. كما خوّلت الوثيقة الدستورية رئيس الدولة حق مبادرة التعديل الدستوري56. في ضوء ما سبق، يتمثل التحدي المستقبلي لمرحلة الانتقال الديمقراطي في المعوقات السياسية؛ إذ تُطرح إشكالية كيفية المراهنة على العمل الحزبي للقيام بدوره الكامل في تأطير وتوعية المواطن في نطاق تعددية حقيقية تعكس بشكل أو بآخر الوضوح الأيديولوجي، ونوعية البرامج السياسية المقدّمة في المعترك الانتخابي المقبل57. إن مفهوم الانتقال الديمقراطي - الذي هو جزء من لُمة الدينامية المجتمعية - لا يمكن اختزاله فقط في وجود وثيقة دستورية، بل لا بد من اتخاذ إجراءات مصاحبة في اتجاه تأمين مسار الانتقال الديمقراطي وضمان مشاركة فعالة لجميع الفاعلين السياسيين، لأن من شأن هذه التدابير (سياسية، حقوقية، اجتماعية، اقتصادية، ثقافية، بيئية...) أن تعبّد الطريق لتجسير الفجوة بين النخب السياسية والمجتمع، وإعادة الثقة في مفهوم المشاركة السياسية بهدف تقويم الترهل الفكري والأيديولوجي للمشهد الحزبي المغربي، وبلورة مشاريع مجتمعية جديدة تتماشى مع الدينامية المتغيّة للمجتمع المغربي58.
خاتمة عامة
لا يكفي، في السياق المغربي، أن نتوفّر على وثيقة دستورية مكتوبة متقدمة عن سابقتها حتى نطمئن على المسار الديمقراطي لبلادنا، ذلك أن الممارسة العملية تكشف وجود تصرفات تتجاوز روح الدستور ومنطوقه بشكل مباشر، وهو ما يعني أن هناك معوقات بنيوية تعوق تطبيق الدستور على نحو سليم. إننا اليوم أمام دستور «جديد»، لكن الثقافة السياسية التي تصاحبه لا تزال تنهل من معين قديم، وهو ما يستلزم ضرورة التنبيه إلى أن تفعيل الدستور الجديد يستلزم تنشئة سياسية مواكبة ومتشبعة بمبادئ الممارسة الديمقراطية الحديثة، وعلى رأسها سمو مبادئ الوثيقة الدستورية كمبدأ الفصل بين السّلطات، وربط المسؤولية بالمراقبة والمحاسبة. عمومًا، لا يمكن للدستور «الجديد» أن يكتسب مفعوله الديمقراطي المنشود، إذا لم تتخلص المؤسسة الملَكية من طابعها التنفيذي والاقتصادي، ولم تتحرّر من ثقل الممارسات التقليدية التي لا تنسجم مع روح الدستور «الجديد.»
غير أن ما يلاحَظ هو أن الدولة أرادت أن تجعل من تدبير السياسات العمومية مدخلً لفعل الانفتاح الاجتماعي، وتطوير الحقل السياسي، وبالتالي تزكية شرعية الإنجاز كمصدر من مصادر الشرعية التي لا يمكن الاستغناء عنها أيًا تكن المصادر الأخرى التي يعتمد عليها أي نظام سياسي59. إذا أردنا تحويل النظام السياسي المغربي إلى نظام يحظى بثقة الشعب، فمن الضروري أن يرتكز- في منظورنا- على: - دستور يخضع للمسطرة الديمقراطية عند إعداده؛ - انتخاب لجنة أو هيئة تأسيسية لوضع اللبنات الضرورية لصوغ دستور ديمقراطي؛ - أن تحصل الوثيقة الدستورية المقترحة من طرف اللجنة أو الهيئة التأسيسية على توافق بين مختلف القوى السياسية في البلاد؛ - احترام الوثيقة الجديدة للإرادة الشعبية من خلال عرضها على استفتاء شعبي تتوافر فيه شروط النزاهة والشفافية. إن نجاح الانتقال الديمقراطي رهن توفير ميزان قوى يرفده ويحميه ويفتح المسارب والأنفاق أمام تدفق حركته. ومسؤولية الديمقراطيين وجميع القوى الفاعلة في المجتمع هنا عظيمة وتاريخية. فالديمقراطية ليست مؤسسات وآليات مجردة، بل هي ترتكز أيضًا على مدى إدراك المواطن أهمية الفعل الديمقراطي في حياته اليومية والمجتمعية. لذلك، لا يتم الانتقال الديمقراطي على مستوى البنى المؤسسية والقانونية فحسب، بل يوازيه أيضًا انتقال على المستوى الثقافي والقيمي والفكري للمجتمعات، بالقطع مع الأبوية التقليدية في إدارة الحياة المعيشية. في جميع الأحوال، وكما يقول محمد نور الدين أفاية، فإن التجارب التاريخية تبيّ أن الثورات لا تحقق أهدافها على المدى القصير؛ فقد كان على الفرنسيين أن ينتظروا أكثر من قرن لكي تعطي الثورة الفرنسية نتائجها ومكتسبات ذات طابع الاستدامة، وأن يتغلبوا على جميع مصادر «الثورة المصادرة» والعوائق والمقاومات، السياسية والثقافية. ويظهر أن مجتمعاتنا في حاجة إلى أعوام وعقود لكي تقطع مع ترسبات الاستبداد وقوى الارتداد والانتقال من واقع الفساد والزبونية إلى منطق الاستحقاق، ومن المحسوبية إلى تكافؤ الفرص، ومن الذهنية الاستبدادية إلى المرجعة الديمقرطية، ومن إذلال الشباب والنساء إلى الاعتراف لهم بقدراتهم الكبيرة على التغير والمشاركة في الشأن العام.
مراجع إضافية
عربية
كتب
أتركين، محمد. الدستور والدستورانية: من دساتير فصل السلط إلى دساتير صك الحقوق. تقديم عبد اللطيف أكنوش. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2007. (سلسلة الدراسات الدستورية) بلقزيز، عبد الإله. رياح التغيير في الوطن العربي: حلقات نقاشية عن مصر - المغرب- سورية. بيروت: مركز دارسات الوحدة العربية،.2011 الزياني، عثمان. رهانات الإصلاح الدستوري في المغرب: مقاربة على ضوء الخطاب الملكي المؤرخ في 9 مارس 2011. الرباط: منشورات مجلة الحقوق المغربية، 2011. (سلسلة الأعداد الخاصة) الكراوي، إدريس (مشرف.) التحولات الاجتماعية في العالم العربي: وقائع وتساؤلات: تجارب مقارنة، أشغال اللقاء الثاني لجهة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للمجلس العالمي للعمل الاجتماعي. [الدار البيضاء]: مطبعة البيضاوي،.2012 واتربوري، جون. الملكية والنخبة السياسية في المغرب. ترجمة ماجد نعمة وعبود عطية. بيروت: دار الوحدة،.1982
دوريات
بندورو، عمر. «العلاقات بين السلط فصل أم خلط في السلط؟». وجهة نظر: العدد 24، شتاء.2005 _______. «المعوقات الدستورية للانتقال الديمقراطي بالمغرب». وجهة نظر: العدد 23، خريف.2004 ساعف، عبد لله. «في المشروع المجتمعي». دفاتر سياسية: العدد 79، آذار/ مارس.2006 عبد العالي، عبد القادر. «التغيير الجديد في الوطن العربي، وفرص التحول الديمقراطي». المستقبل العربي: السنة 35، العدد 406، كانون الأول/ ديسمبر.2012 المسكي، محمد. «إشكالية الإصلاح الدستوري ورهان التحديث والديمقراطي». مسالك في الفكر والسياسة والاقتصاد: العدد 3،.2005 مصدق، رقية. «وهم التغيير في مشروع الدستور الجديد». دفاتر وجهة نظر: العدد 24،.2011 المومني، ندير. «الإصلاحات المؤسساتية في سياق ما بعد سلطوي: حالة المغرب». أبحاث: العدد 57، صيف.2007
رسائل
زين الدين، محمد. «المسألة الدستورية في مغرب: الأمس واليوم، 1996-1906.» (رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء،.)1998
وثائق
«تعديل الدستور في المغرب: إصلاح أم احتواء للإصلاح الديمقراطي؟.» (تقدير موقف، المركز العربي للأبحات ودراسات السياسات، الدوحة، 24 تموز/ يوليو.)2011 سالم، بول. «الربيع العربي من منظور عالمي: استنتاجات من تحولات ديمقراطية في أنحاء أخرى من العالم.» (مقال تحليلي، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012)، على الموقع
أجنبية