Return to Article Details The Problem of Determinism and Freedom in History from the Perspective of Ernst Cassirer

إشكالية الحتمية والحرية في التاريخ من منظور إرنست كاسيرر

The Problem of Determinism and Freedom in History from the Perspective of Ernst Cassirer

فؤاد مخوخ

Fouad Makhoukh

الملخّص

يُعتبر التاريخ البشري من المجالات التي تثير الإشكالات أكثر مما تقدم الإجابات، نظرًا إلى طبيعة موضوعه والمناهج المستخدمة في دراسة مكوناته؛ فكلما عاد الباحث إلى الوقائع التاريخية – وهو يطمح إلى إنتاج معرفة علمية ويطمع في الرقي بنتائج بحثه في التاريخ إلى مستوى عال من الدقة والصرامة- وجد نفسه أمام لحظات متعددة منفلتة من كل إمكانية للتوصل إلى مفاهيم عامة ومجردة، لأنها لا تسمح لكل من يقترب منها سوى بأن يقاربها بكيفية «تلائمها » وتصون «حرمتها »، من دون أن يجردها من خصوصيتها أو «حريتها »ويضعها في قوالب نهائية ومطلقة، الأمر الذي يجعل الباحث، في هذا المجال، يقف أمام مفارقات عديدة، من بينها مفارقة متعلقة بدرجة علمية التاريخ ومدى حضور الحتمية والحرية فيه؛ إذ كيف يمكن الجمع بين حرية الإنسان والطموح إلى التوصل إلى الدقة في مجال التاريخ؟ هل إقرار الحرية وإثباتها في التاريخ يحولان فعلً دون بلوغ المعرفة التاريخية مرتبة العلم؟

Abstract

(1) Ernst Cassirer, Logique des sciences de la culture: Cinq études , trad. de l’allemand par Jean Carro avec la collab. de Joël Gaubert; [présenté] par Joël Gaubert, passages (Paris: Cerf, 1991), p. 165.

الكلمات المفتاحية:
  • الحتمية
  • العلم
  • إشكالية
Keywords:
  • Determinism
  • Freedom
  • History

يُعتبر التاريخ البشري من المجالات التي تثير الإشكالات أكثر مما تقدم الإجابات، نظرًا

إلى طبيعة موضوعه والمناهج المستخدمة في دراسة مكوناته؛ فكلما عاد الباحث إلى الوقائع

التاريخية – وهو يطمح إلى إنتاج معرفة علمية ويطمع في الرقي بنتائج بحثه في التاريخ إلى

مستوى عال من الدقة والصرامة- وجد نفسه أمام لحظات متعددة منفلتة من كل إمكانية

للتوصل إلى مفاهيم عامة ومجردة، لأنها لا تسمح لكل من يقترب منها سوى بأن يقاربها

بكيفية «تلائمها» وتصون «حرمتها»، من دون أن يجردها من خصوصيتها أو «حريتها»

ويضعها في قوالب نهائية ومطلقة، الأمر الذي يجعل الباحث، في هذا المجال، يقف أمام

مفارقات عديدة، من بينها مفارقة متعلقة بدرجة علمية التاريخ ومدى حضور الحتمية

والحرية فيه؛ إذ كيف يمكن الجمع بين حرية الإنسان والطموح إلى التوصل إلى الدقة في

مجال التاريخ؟ هل إقرار الحرية وإثباتها في التاريخ يحولان فعلً دون بلوغ المعرفة التاريخية

مرتبة العلم؟ بالعودة إلى تاريخ الفلسفة المعاصرة، نجد مثل تلك المفارقة حاضرة في كتابات كثير من المفكرين،

نذكر منهم على سبيل المثال، لا الحصر، الفيلسوف الألماني إرنست كاسيرر (1945-1874)

الذي يؤكد أن استناد علوم الثقافة إلى مفهومي الشكل والأسلوب، في دراستها لموضوعاتها الثقافية، لا

يُقصي جوانبها التاريخية، وإنما يقتضي استحضار المعرفة التاريخية باعتبارها وسيلة لا غاية في حد ذاتها، عِلْمً

بأن «مهمة» هذه المعرفة لا تكمن فقط «في جعلنا نعرفوجود الماضي وحياته، بل كذلك في جعلنا نتعلم

تأويله. فكل معرفة خام بالماضي تظل بالنسبة إلينا صورة ميتة على لوحة ما إذا لم تُستخدم فيها قوة أخرى

غير قوة الذاكرة المعيدة للإنتاج. وما تخزنه الذاكرة من وقائع وظواهر لن يصير ذكرى تاريخية إلّ إذا أدمجناه

في ذواتنا واستبطناه». لكن بهذا الخصوص، أثيرت لدى كاسيرر أسئلة كثيرة، نذكر منها ما يلي: - إذا كان فهم التاريخ مرتبطًا بتأويلات الإنسان الذاتية، فهل بإمكان المعرفة التاريخية التوصل إلى قوانين

ونتائج موضوعية؟

- وإذا ما اعتبرنا أن التاريخ مجال لتجلي فاعليات البشر الثقافية، وبوجه خاص حرية الإنسان، فهل معنى

هذا أن التاريخ لا يعرف سيرورات منتظمة يمكن التنبؤ بمستقبلها مسبقًا، وأنه لا يخضع لقوانين حتمية

يمكن معرفة طبيعتها وتحديدها؟

- وإذا كان الجواب بالإثبات، فإلى أي حد يمكن اعتبار التاريخ عِلْمً؟ يبدأ كاسيرر، في معالجته هذه الأسئلة، بتناول تطور مفهوم «الحتمية» في العلوم الدقيقة المعاصرة، ويعتبر

أن الهدف الرئيسي من وراء ذلك هو «إبراز نتائج أكسيوم الحتمية الكونية بالنسبة إلى إقامة علوم الثقافة،

وتأثيره في أسس فلسفة الثقافة». ويرى كاسيرر، في هذا السياق، أن انعكاسات مفهوم «الحتمية» في

مجال «الثقافة» تظهر من خلال ثلاثة تصورات لتأسيس «الحتمية التاريخية»، هي كالتالي: التصور الوضعي

والتصور الهيغيلي وتصور شبنغلر. سنعرض، في البداية، بعض أفكار هذه التصورات، ثم سنتطرق إلى رد

كاسيرر عليها.

التصور الوضعي

يُعتبَ أوغست كونت (1857-1798) رائد هذا التصور الذي يتميز بسعيه إلى تفسير الثقافة الإنسانية

من منظور «وضعي»، إذ يرى، استنادًا إلى قانون «الحالات الثلاث»، أن تاريخ الفكر البشري مرَّ بثلاث

مراحل متتالية: «في الأولى، يفسر الفكر البشري الظواهر عن طريق إسنادها إلى كائنات أو إلى قوى

شبيهة بالإنسان نفسه. وفي الثانية، يستحضر كيانات مجردة، مثل الطبيعة. أما في الثالثة، فيكتفي الإنسان

بملاحظة الظواهر وبتثبيت الصلات المنتظمة التي يمكن أن توجد بينها (...)، إذ إنه يتخلى عن اكتشاف

علل الوقائع ويكتفي بإقامة القوانين المتحكمة فيها». وما يجدر التنبيه إليه، في هذا الصدد، هو أن تقسيم مراحل تطور الفكر البشري في التاريخ يرتبط ارتباطًا

وثيقًا بتقسيم العلوم لدى كونت؛ فالانتقال من المرحلة التيولوجية إلى المرحلة الوضعية مرورًا بالمرحلة

الميتافيزيقية لا يتحقق بالدرجة نفسها بالنسبة إلى مختلف العلوم. لذا، لا يكون لقانون الحالات الثلاث

معنى وقيمة إلّ في ضوء تصنيف العلوم. بعبارة أخرى، يمكن القول إن التفكير الوضعي لم يفرض نفسه في العلوم جمعاء دفعة واحدة، وإنما عبر

مراحل، وبحسب خصوصية العلوم؛ فقد ظهر «في وقت مبكر في الرياضيات، والفيزياء، والكيمياء

أكثر مما حدث في البيولوجيا. وفضلً عن ذلك، كان أمرًا طبيعيًا أن تظهر النزعة الوضعية في وقت

متأخر جدًا في العلوم المطبَّقة على المواد الأكثر تعقيدًا. فكلما كانت المادة بسيطة، كان من السهل التفكير

بطريقة وضعية». الهدف الأساسي من وراء تقسيم كونت مراحل الفكر البشري وتمييزه بين العلوم، يتمثّل في سعيه إلى تأكيد

ضرورة اعتماد المنهج الوضعي في العلوم على الرغم من اختلاف موضوعاتها. بمعنى أن «طريقة التفكير

(2) Ernst Cassirer, L’Idée de l’histoire: Les Inédits de Yale et autres écrits d’exil , présentation, trad. et notes par Fabien Capeillères; trad. avec la collab. d’Isabelle Thomas, passages (Paris: Cerf, 1989), p. 31. (3) Raymond Aron, Les Etapes de la pensée sociologique: Montesquieu, Comte, Marx, Tocqueville, Durkheim, Pareto, Weber , bibliothèque des sciences humaines (Paris: Gallimard, 1967), pp. 81-82. (Impression Société Nouvelle Firmin- Didot à Mesuil-sur-l’Estrée, 2007). (4) Aron, p. 82.

التي انتصرت في الرياضيات والفلك والفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، يجب أن تفرض نفسها أخيرًا في

مادة السياسة، والتوصل إلى تشكيل علم وضعي عن المجتمع، أي السوسيولوجيا». يعتبر كونت أن على الرغم من أن السوسيولوجيا تنصبّ على دراسة تاريخ النوع البشري، فإنه ينبغي لها،

إذا أرادت اكتساب صفة العلم، أن تشتغل بالطريقة السائدة، في العلوم الأخرى، استنادًا إلى الملاحظة

والمقارنة... إلخ. يقول كونت في هذا المقام: «تتميز الفلسفة الوضعية (...) بالإلحاق الضروري والدائم

للخيال بالملاحظة التي تشكل الروح العلمية بحصر المعنى، وذلك بخلاف الروح التيولوجية أو

الميتافيزيقية (...). ففي السوسيولوجيا، كما في البيولوجيا، يستخدم الاكتشاف العلمي الأنماط الأساسية

الثلاثة معًا (...) في فن الملاحظة العام: أي الملاحظة الخالصة، والتجريب بحصر المعنى، وأخيرًا المنهج

المقارن». ارتباطًا بذلك، يؤكد كونت ضرورة اعتبار الإنسان لا من منظور فردي وإنما من منظور كلي هو «الإنسانية»،

حيث يرى كاسيرر أن من القواعد الأساسية في فلسفة كونت اعتبارها أن المنهج الخاص بدراسة الإنسان

«يجب أن يكون، في الحقيقة، ذاتيًا، ولكن لا يمكن أن يكون فرديًا؛ لأن الموضوع الذي نريد أن نعرفه ليس

هو الوعي الفردي، وإنما هو الموضوع العام. ولو سمّينا هذا الموضوع باسم ‹إنسانية› فلنؤكد أننا يجب ألّ

نفسر الإنسانية بالإنسان، وإنما نفسر الإنسان بالإنسانية». كما يُبيِّ كونت أن ظواهر العالَ الإنساني متميزة من الظواهر الطبيعية، غير أن هذا لا يعني أن مبادئ

الرياضيات والعلوم الطبيعية عاجزة عن دراسة تلك الظواهر، وإنما هي غير كافية، ويتعين على

عالِالاجتماع أن يأخذ ذلك التميز بعين الاعتبار. لكن على الرغم من ذلك، فإن الظواهر الاجتماعية

والتاريخية تخضع، على غرار الظواهر الطبيعية، لقوانين محدَّدة تحكمها «الحتمية»، حيث يمكن اختزال

«المبدأ الفلسفي» للروح العامة للسوسيولوجيا في «تصور الظواهر الاجتماعية دومًا باعتبارها خاضعة

حتمً لقوانين طبيعية حقيقية». نشير، في هذا الإطار، إلى أن هذا التصور الوضعي سيؤثر في اللاحقين لكونت، إلى درجة جعلت البعض

منهم يعتبر أن الطبيعة والثقافة متماهيتان، عِلْمً أننا لا نلمس، في اعتبارهما هذا، تأثرهم بكونت فحسب،

بل بش (1854-1775ِلينغ) أيضًا، إذ أكدوا إمكانية تفسير الطبيعة والثقافة بطريقة منهجية واحدة. لكن

بخلاف شِلينغ، الذي سعى إلى إضفاء «طابع روحي (» Spiritualisation) على الطبيعة، عمل الوضعيون

على إضفاء «طابع مادي» (Matérialisation) على الثقافة، وذلك من أجل ردم الهوة بين عالَ الطبيعة

وعالَ الثقافة، حيث ينبغي، في نظرهم، «أن تتغلب الكيمياء والفيزياء وعلم الحيوان والنبات والتشريح

والفيزيولوجيا على الميتافيزيقا والتيولوجيا، إذا ما أردنا تشييد علم حقيقي خاص بالثقافة».

(((المصدر نفسه، ص.82

(6) Auguste Comte, Cours de philosophie positive , 2 vols. (Paris: Hermann, 1975), vol. 2: Physique sociale: Leçons 46 à 60 , présentation et notes par Jean-Paul Enthoven, pp. 102-137.

(((إرنست كاسيرر، مدخل إلى فلسفة الحضارة الإنسانية أو مقال في الإنسان، ترجمة إحسان عباس؛ مراجعة محمد يوسف نجم

(بيروت: دار الاندلس، 1961)، ص.129

(8) Comte, vol. 2: Physique sociale , p. 109. (9) Cassirer, L’Idée de l’histoire , p. 32.

يرى كاسيرر أنه إذا كان بالإمكان اعتبار سانت بوف (-1804 1869) أول ممثّل لهذا الاتجاه، فإن تلميذه

هيبوليت تين (-1828 1893) هو من قام بصوغ أفكاره في إطار منهجٍ صارمٍ ومحدَّدٍ بدقة، إذ قدَّم من

خلاله «خطاطة ثابتة» طبَّقها في دراسته للثقافة وتاريخها. وفي هذه الخطاطة، تحدث عن ثلاثة شروط

أساسية متحكمة في جميع الظواهر، ومُفسِّة لها، هي كالآتي: «العرق» و«البيئة» و«اللحظة». ينبغي، في نظر تين، أن يعمل علم الثقافة مثلما تشتغل علوم الطبيعة (علم النبات مثلً)، وذلك بالبحث

عن القوى المتحكمة في الظواهر الثقافية والتاريخية والمكوِّنة لها، شريطة اعتبار هذه القوى «محايثة» لا

«متعالية»، «فحينما نعتبر أن مجموعة من الوقائع فيزيائية، وأخرى روحية أو أخلاقية، فمن الممكن أن

يكون هناك تعبير عن اختلاف في المحتوى. لكن هذا التمييز لا يمس سوى طبيعة معرفتهما؛ لأن المعرفة

لا تستند أبدًا إلى الوقائع المعزولة كما هي، وإنما إلى علاقتها السببية باعتبارها من الطبيعة والقوام المنطقي

نفسيهما في الحالتين معًا». هكذا، يظهر أن أصحاب الاتجاه الوضعي لا يميزون بين الظواهر الطبيعية والظواهر الإنسانية، بل

يؤكدون دراستها كلها بحسب الروح الوضعية ذاتها، ووفق المنظور العلمي نفسه. وتبعًا لمنطق تفكيرهم،

يتم استبعاد مفهوم «الحرية» عند دراسة عالَ التاريخ والثقافة؛ لأن لا فارق، في نظرهم، بينه وبين عالَ

الطبيعة، وما يتحكم في الظواهر الطبيعية يتحكم في الظواهر الثقافية، وما يسري على الأوائل يسري

على الأواخر. وبعبارة أدق، «كل الوقائع التي تحدث في العالَ البشري تكون خاضعة للقوانين العامة

للطبيعة وتنتج من شروط طبيعية ثابتة. فالاستعدادات الفيزيائية والتربة والمناخ، وقوانين الوراثة والتقليد

الاجتماعي، هي العوامل الأساسية (...) للصيرورة التي يتحدَّد بها ذلك العالَ تمامًا ومن دون التباس. ولا

وجود لتلقائية الأنا التي يمكن أن تخرق هذه القوانين وتغير هذه العوامل».

تصور هيغل

يُقدم هيغل (1831-1770) منظورًا فلسفيًا عن التاريخ، مؤسَّسًا على فكرة «الحرية». لكن، في هذا

المنظور، لا يمكن القول إن هذه الفكرة مقترنة بالذات الفردية «المتناهية»، وإنما هي سيرورة لتحرر

الذات المطلقة «اللامتناهية» التي تقوم باستخدام الذوات الفردية كوسائل لتحقيق غاياتها. لذا، نجد

كاسيرر يؤكد أن الذات «المتناهية»، في فلسفة هيغل بشأن التاريخ، «تظل مكرَهة تمامًا؛ لأنها ليست

سوى نقطة عبور في مجرى العالم، ووسيلة في خدمة روح العالَ. فالذات المتناهية غير فاعلة لأفعالها

إلّ في الظاهر، وكل ما هي عليه وما تفعله، تقوم به تحت سيادة الفكرة المطلقة. وفي هذا تكمن ‹حيلة

العقل› بحسب هيغل، حيث يُقدِّم للأفراد باستمرار استقلالية وهمية، ويغويهم بها من دون أن يعطيهم

إياها في الواقع». يتبيّ أن هيغل يحدِّد الحرية، باعتبارها صفة خاصة بما هو «مطلق» لا بالفرد. وهذا التحديد يتعين أخذه

بعين الاعتبار عند قراءة التاريخ لدى هذا الفيلسوف. بناءً عليه، نرى أن الفلسفة الهيغلية تجعل من الحرية

((1(المصدر نفسه، ص.34

(11) Cassirer, L’Idée de l’histoire , p. 35.

((1(المصدر نفسه، ص.36

مفهومًا أساسيًا لفهم السيرورات التاريخية، وموضوعًا رئيسيًا لتاريخ العالَ باعتباره «تقدمًا للوعي

بالحرية»، عِلْمً أن هيغل يؤكد أن بالإمكان إثبات وجود الحرية في أساس الروح وتقدمها في التاريخ،

استنادًا إلى المنهج الجدلي، حيث يقول: «إننا نذهب إلى أن مصير العالَ الروحي (...) هو وعي الروح

بحريتها الخاصة، وهو بالتالي حقيقة تلك الحرية». نضيف إلى ذلك أن هيغل يسعى، في إطار اشتغاله على إشكاليات التاريخ، إلى تخليص فلسفة التاريخ من

التأويلات «التيولوجية»، استنادًا إلى تأويل منطقي للسيرورات التاريخية، حيث لا يحاول إبراز نوع من

التوافق بين التاريخ والعقل فقط، بل إلى البرهنة على وجود «تطابق حقيقي بين الحياة التاريخية من جهة،

والحياة الروحية أو العقلية من جهة أخرى». يشير كاسيرر، في السياق نفسه، إلى أن فلسفة التاريخ جزء من النسق الهيغلي كله، وينطبق عليها ما ينطبق

على باقي أجزاء هذا النسق، ذلك بأنه «إذا لم نقبل بالمبادئ الأساسية للميتافيزيقا الهيغلية، فإن فلسفته عن

التاريخ تنهار كلها. فليس لهذا الجزء من النسق حقيقة ودلالة مستقلتان». وبأخذ هذه المسألة بعين

الاعتبار، يمكننا أن نفهم النقد الذي يوجهه هيغل إلى المبدأ الإتيقي الكانطي، المتمحور حول «الإرادة

الخيرة»؛ فبحسب كاسيرر، لا يَعتبِ هيغل هذه الإرادة سوى «فكرة خرافية»، وحتى وإنْ اعتبُرت قانونًا،

فإن هذا القانون متعلق ب«القلب» وخاص بالحياة الفردية فقط، من دون أن تكون له أي سلطة على الواقع

الحقيقي والتاريخ والدولة. لذا، «لا يمكننا تحديد مجرى العالم والنشاطات السياسية الكبرى تبعًا لنماذج

وعينا الأخلاقي التي لا معنى لها». بناءً على هذا النقد، يعتبر هيغل التاريخ مجالً لتجسيد «الروح المطلقة» وتطورها في «الزمان». واستنادًا

إلى المفاهيم نفسها، يَنْظُر هيغل إلى الدولة باعتبارها «الفكرة الإلهية» المتجسدة على الأرض. يقول في هذا

الصدد: «الدولة عقلية على نحو مطلق من حيث هي التحقق الفعلي للإرادة الجوهرية التي تمتلكها في

وعيها الذاتي بصفة خاصة، بمجرد أن يرتفع هذا الوعي إلى مرحلة الوعي بكليته، وهذه الوحدة الجوهرية

هي غاية في ذاتها مطلقة وثابتة، تصل فيها الحرية إلى حقها الأعلى، وقيمتها العليا، ومن ناحية أخرى فإن

هذه الغاية النهائية لها حق أعلى أو أسمى من الفرد، ذلك لأن واجب الفرد الأسمى هو أن يكون عضوًا

في الدولة». يرى كاسيرر في تصور هيغل هذا موقفًا فلسفيًا جديدًا من عالَ السياسة والتاريخ؛ لأنه «يتخلى عن كل

ادعاء بإصلاح هذا العالَ، وتشكيله وفق صورة جديدة (...)، حيث يجب على الفيلسوف أن يخضع للواقع

الحاضر بالضرورة. فهو ابن زمانه ولا يمكنه تجاوز عصره». ويؤكد كاسيرر في تعليقه على هذا التصور

(1((جورج ويلهام فريدريك هيجل، محاضرات في فلسفة التاريخ، ترجمة وتقديم وتعليق إمام عبد الفتاح إمام، 2 ج (بيروت: دار

التنوير، 1984-1981)، ج 1: العقل في التاريخ، مراجعة فؤاد زكريا، ص.83

((1(المصدر نفسه، ص.83

(15) Cassirer, L’Idée de l’histoire , p. 56.

((1(المصدر نفسه، ص.58

((1(المصدر نفسه، ص.95

(1((جورج ويلهام فريدريك هيجل، أصول فلسفة الحق (الجزء الثاني)، ترجمة وتقديم وتعليق إمام عبد الفتاح إمام، المكتبة

الهيجلية (بيروت: دار التنوير، 2010)، ص.140

(19) Cassirer, L’Idée de l’histoire , p. 95.

الهيغلي للتاريخ والدولة، أنه تصور يجعل الفردية تتوارى، ويَستبعد «الفرد» و«حقوقه»؛ لأن هيغل يرى

أن «الذوات المتناهية» خاضعة لسيرورات تطور «الروح المطلقة» التي تتحكم فيها وفق مبدأ الضرورة،

وليس وفق مبدأ «الحرية».

تصور شبنغلر

بخلاف التصور الوضعي، لا يفسر أوسفلد شبنغلر (-1880 1936) الثقافة انطلاقًا من عوامل فيزيائية،

وإنما استنادًا إلى منظور نفسي، إذ يعتبر أن جميع أطوار الثقافة تُعبِّ عن «مرحلة محدَّدة من الحياة لا يمكن أن

تكون موضوعًا لاستنباطات أو تفسيرات سببية، ويجب اعتبارها معطى أصليًا. لذا، ينبغي عدم التساؤل

عن أصل ثقافة معطاة وتركيبها؛ لأن ولادتها هي دومًا فعل أسطوري». يصف شبنغلر ولادة ثقافة معيّنة بمفاهيم سيكولوجية - شعرية، لا بمفاهيم العلوم «الدقيقة»؛ لأن نشأة

الثقافة، في نظره، مرتبطة بما هو نفسي أساسًا. لذا يؤكد كاسيرر، في هذا الصدد، أن ميلاد ثقافة معيّنة،

بحسب منظور شبنغلر، يتم «عندما تستيقظ نفس كبيرة فجأة من ‹الحالة النفسية الإنسانية الموجودة في

طفولة دائمة›. ومن ثمة، لا يمكن وصف هذا الاستيقاظ بمفاهيم صادرة عن علوم الطبيعة، كما لا يمكن

استشعاره. فليس العلم، وإنما الشعر هو الذي يصبح أداة فلسفة الثقافة». على هذا الأساس، يقدم شبنغلر تفسيره لتاريخ العالَ الإنساني، حيث يقسمه إلى ثقافات عدة، هي

كالتالي: الأبولونية (Apollonienne) والعربية والفوستية (Faustienne) والغوتية (Gothique).

ويرى أن كل واحدة من هذه الثقافات تتميز ب«انغلاقها على ذاتها، ولا يمكن مقارنتها بغيرها أو فهمها

بواسطة ثقافات أخرى، ما دامت هي التعبير عن شكل خاص بنَفْس فريدة تزدهر، ثم تذبل، ولا يمكن

أن تتكرر بالطريقة عينها». يستنتج كاسيرر، في ضوء ذلك، أن تصور شبنغلر للثقافة يتضمن نوعًا من الحتمية والجبرية تنعدم معه كل

إمكانية للتغيير. وبعبارة أدق، إنها «قدَرية روحانية» خاضعة للضرورة والحتمية، إذ لا يمكن الحديث معها

عن إمكانية لتعديل ما هو محدَّد سلفًا. أما في ما يخص «انبثاق كل ثقافة وذبولها فهما قرار في يد القدَر الذي

لا نستطيع ردَّه بأي وجه كان». وما يجدر التنبيه إليه هو أن شبنغلر يؤكد أن ما ينطبق على الثقافة ينطبق على الفرد أيضًا، إذ يختفي كل دور

يمكن أن يقوم به في عملية تغيير القدر أو تعديله. وبعبارة أدق، «إننا لا نستطيع التخفيف من سرعة عجلة

إيكسيون المقيدين إليها، مثلما لا يمكننا أن نحركها في اتجاه آخر. فأمام ‹الانبساطات الرائعة لحياة› نفوس

الثقافات، يختفي كل وجود وإرادة فرديين تمامًا».

((2(المصدر نفسه، ص.35

(21) Cassirer, L’Idée de l’histoire , p. 35.

((2(المصدر نفسه، ص.36

((2(المصدر نفسه، ص.36

((2(المصدر نفسه، ص 36. نشير، في هذا السياق، إلى أن إيكسيون (Ixion) هو ملك، في الأسطورة اليونانية، حكَم عليه زوس بأن

يربطه هرمس «بواسطة الأفاعي إلى عجلة تدور بلا توقف في أعماق تاتار». انظر: طلال حرب، معجم أعلام الأساطير والخرافات في

المعتقدات القديمة (بيروت: دار الكتب العلمية، 1999)، ص.86-85

يُفهَم من هذا القول أن شبنغلر يعلن، صراحة، اعتراضه على الأطروحات القائلة بإمكانية دراسة التاريخ

بكيفية علمية؛ إذ يرى أن إدراكه لا يمكن أن يتحقق إلّ باستخدام أسلوب فني- صوفي. غير أن هذا لا

يعني، لدى شبنغلر، الدعوة إلى الاستغناء عن مناهج العلم تمامًا، فهو، بالعكس، يؤكد صلاحيتها، لكن

في دراسة الطبيعة فقط، وشريطة عدم الادعاء بإمكانية تطبيقها في مجال التاريخ؛ لأن «أُمنية كتابة التاريخ

علميًا تنطوي على تناقض (...). لذا، ينبغي استيعاب الطبيعة علميًا، والتاريخ شعريًا، حيث لا يمكننا

إثبات أي خطة عامة في مجرى الحوادث التاريخية. وبحسب شبنغلر، كل محاولة في هذا الاتجاه هي بلا

جدوى وتافهة». يرى كاسيرر، في هذا الإطار، أن شبنغلر يقدم تصورًا يتحدى، من خلاله، كل النماذج العلمية والتاريخية

السائدة، حيث يدافع عن منهج أو أسلوب جديد لدراسة موضوعات التاريخ والثقافة، بكيفية يظهر فيها

أنه «يتحدث مثل شاعر وصوفي ونبي، معتبرًا أن أسلوبه الصوفي والنبوي هو الممر الوحيد الذي يمكنه أن

يقودنا إلى معبد التاريخ». يتبين أن مع شبنغلر، لا يمكن ادعاء إمكانية تفسير تاريخ الإنسانية باستخدام منهج عقلي منطقي، وإنما

باستعمال أسلوب شعري - صوفي. يقول كاسيرر في هذا المقام: «حين ندرس أفول الغربلشبنغلر،

نشعر في غالب الأحيان بأننا نتجول في معرض للفن، حيث يمكن أن نفتتن، بل وننبهر بتعدد اللوحات

المختلفة وتنوعها وجمالها، لكن ليس هناك أي انسجام بين هذه اللوحات». كما يؤكد كاسيرر أن شبنغلر في أفول الغرب، يضع تاريخًا للثقافة، لكن من دون أن يضع خطة لتغيير

مسارها؛ إذ يعتبر انهيار الأمثلة والنماذج الثقافية السائدة أمرًا حتميًا، ويرى أنه يستحيل على أي تفكير

أن يُغير هذا الأمر، أو يُنِّب الإنسانية وقوعَه. لذا، يمكن القول إن «فكرة الحرية»، في فلسفة شبنغلر،

«عُوِّضَت بفكرة الضرورة والجبرية. فنسقه هو نسق الجبرية التاريخية، وحُكْمه هو أن حياتنا الثقافية مُدَانَة

بصفة نهائية، حيث لا يمكننا الهروب من قدرنا ولا اتقاء الخطر. ومع ذلك، يجب ألّ نفقد الأمل إذا ما عاد

بمقدورنا العيش تبعًا لنماذجنا السابقة الخاصة بالحضارة. لذا، فلنبدأ حياة جديدة»!. على هذا الأساس، نفهم «النصيحة» التي قدمها شبنغلر إلى الجيل الجديد من البشر، إذ نجده يدعوهم إلى

الاهتمام بالتقنية والسياسة بدل الشعر والفلسفة، قائلً: «إذا ما اتجه رجال الجيل الجديد نحو التقنية بدل

الشعر الغنائي، نحو الملاحة بدل الرسم، نحو السياسة بدل الفلسفة، فإنهم سيحققون رغبتي، ولا يمكن

أن نتمنى لهم أفضل من ذلك». يشير كاسيرر في سياق تعليقه على هذه القولة، التي تتضمن دعوة - نصيحة محدَّدة، إلى أنها وجدت صدى

لدى كثير من المفكرين، من بينهم مارتن هايدغر (1976-1889)؛ فبخلاف هوسرل (1938-1859)

(25) Cassirer, L’Idée de l’histoire , pp. 58-59. (26) Cassirer, L’Idée de l’histoire , p. 58.

((2(المصدر نفسه، ص.59

((2(المصدر نفسه، ص.97-96

(29) Oswald Spengler, Le Déclin de l’Occident: Esquisse d’une morphologie de l’histoire universelle , trad. de l’allemand par M. Tazerout, bibliothèque des idées, 2 vols., 3ème éd. (Paris: Gallimard, 1948), vol. 1: Forme et réalité , pp. 52-53 (8eme ed. en 1948, renouvelé en 1976, reproduit par l’Imprimerie Floch à Mayenne 2007).

الذي اختار تحليل مبادئ التفكير المنطقي منطلقًا له، وكان هدفه الأسمى هو جعل الفلسفة «علم

صارمًا»، وتأسيسها على وقائع متينة ومبادئ يقينية؛ فإن هايدغر لم يقبل هذا التصور الهوسرلي،

واعتبره غامضًا ومليئًا بالأوهام، لأن «في نظره، من غير المجدي محاولة بناء فلسفة منطقية (...).

فالانقذاف في الزمان هو السمة الأساسية والثابتة المميزة لوضعية الإنسان، ومن المستحيل الخروج من

هذا التيار ولا تغيير مجراه. لذا، من اللازم قبول شروط وجودنا. ويمكن أن نحاول فهمها وتأويلها؛

لكن ليس تغييرها». في ضوء ما سبق ذكره، يرفض كاسيرر أطروحة شبنغلر، وينفي إمكانية اعتبار أفول الغرب كتابًا عن

التاريخ، وذلك بالنظر إلى أخطائه الكثيرة والظاهرة، وإنما هو كتاب عن «التنبؤ»؛ لأن شبنغلر يدَّعي

فيه اكتشاف طريقة يمكن، بواسطتها، تحديد مجرى الحضارة الإنسانية واتجاهها بكيفية قبلية، حيث يقول:

«لقد تجرأنا، أول مرة في هذا الكتاب، على اختبار تحديد قبلي للتاريخ. ويتعلق الأمر بمتابعة قدَر ثقافة

معيّنة، أي قدَر الثقافة الوحيدة التي توجد في طوْر التحقق الآن على كوكبنا، أي الثقافة الغربية الأوروبية-

الأميركية، في مراحلها التي لم تمر بعد». ويرى كاسيرر، في هذا الصدد، أن هذه القدرة على التنبؤ، التي ادعاها شبنغلر، تنتزع من الأفراد حريتهم

وقدرتهم على الفعل، وتغيير مسار تطور الثقافة، وتخضعهم لحتمية التاريخ. يقول كاسيرر: «بحسب

شبنغلر، تُعتبَ نفس الثقافة (...) آلية يمكننا التنبؤ بحركتها، وتحديدها، في أدق التفاصيل منذ اللحظة

التي نتوصل فيها إلى اكتشاف الدوافع المؤدية إليها. أما الأفراد، فهم مشوشون تمامًا بهذه الآلية، وقدرتهم

الخلاقة ليست سوى وهم». نستنتج، إذن، أن تصور شبنغلر يُقصي مفهوم الحرية من دراسة الثقافة الإنسانية، وينزع عن البشر حريتهم

وقدرتهم على الإبداع، بل ينفي أيضًا كل إمكانية لتحررهم في المستقبل، لأنهم- في نظره - خاضعون

لقدرية وحتمية يستحيل رفعهما أو التخلص منهما.

يرى كاسيرر بعد عرضه تلك التصورات الثلاثة (التصور الوضعي، التصور الهيغلي، تصور شبنغلر)،

أن قاسمها المشترك هو: نزع الحرية عن الفرد وحرمانه من أي قدرة على الفعل والإبداع والتغيير، وهو

ما يثير لديه الإشكال التالي: «أمام هذا الإكراه الثلاثي، كما تبيّنه الفيزياء والسيكولوجيا والميتافيزيقا،

هل هناك منفذ؟ وفي أي مستوى يمكننا التصرف من أجل استرجاع دلالة وقيمة خاصتين بالوجود

والنشاطات الفردية؟».

(3((نشير، في هذا الصدد، إلى أن هوسرل يعتبر أن «الفلسفة كانت، منذ بدايتها الأولى، تطمح لأن تَك ون علمًا صارمًا، بل وأن تَكُون

العلم الذي يستجيب للمتطلبات النظرية العليا، ويسمح، في منظور إتيقي- ديني، بأن نتمكن من عيش حياة خاضعة لمعايير العقل

الخالصة». انظر:

Edmund Husserl, La Philosophie comme science rigoureuse , traduit de l’allemand et présenté par Marc B. de Launay, Epiméthée: Essais philosophiques (Paris: Presses universitaires de France, 1989), p. 11. (31) Ernst Cassirer, Le Mythe de l’Etat , trad. de l’anglais par Bertrand Vergely, bibliothèque de philosophie (Paris: Gallimard, 1993), p. 395. (32) Cassirer, L’Idée de l’histoire , p. 97. (33) Spengler, vol. 1: Forme et réalité , p. 15. (34) Cassirer, L’Idée de l’histoire , pp. 43-44.

((3(المصدر نفسه، ص.37

للإجابة عن هذا الإشكال، يستلهم كاسيرر مبادئ الفلسفة الكانطية عن التاريخ، وفاعلية الإنسان في

التحرر، وإثبات ذاته، وتحقيق وعيه الذاتي، إذ إنه ينطلق مما أكده كانط (-1724 1804) في قوله التالي:

«التنوير هو خروج الإنسان من القصور الذي يرجع إليه هو. القصور هو عدم قدرة المرء على استخدام

فهمه من دون قيادة الغير. يكون هذا القصور راجعًا إلى الذات إذا كان سببه لا يكمن في غياب الفهم،

بل في غياب العزم والجرأة على استخدامه من دون قيادة الغير! Sapere aude، تجرأ على استخدام فهمك

الخاص! هذا إذن هو شعار التنوير». نشير، هنا، إلى أن هذا القول الكانطي صار شعار التاريخ الإنساني برمّته لدى كاسيرر؛ لأن سيرورة

«التحرير الذاتي» تشكل «الشيء الوحيد الذي يمكن أن يُسمّى ‹الصيرورة بمعناها الروحي›. فمن دون

هذه الصيرورة لا وجود للتاريخ، وتكمن دلالة التاريخ ومعناه في متابعة المهمة اللامتناهية لامتداد الأنوار

باعتبارها تحقيقًا للحرية الإنسانية واستعمالا لها في آن واحد». إضافة إلى استلهام أفكار كانط، يحيل كاسيرر إلى هيغل أيضًا، فيأخذ عنه المبدأ الذي يكون التاريخ بموجبه

مجالً لتجلّ الروح وأشكالها المختلفة ومسارًا لبلوغ حريتها. لكن ما يجدر التنبيه إليه، هنا، هو أن هذه

الإحالة لا تجعل من كاسيرر هيغلي النزعة، بالمعنى الدقيق والضيق للكلمة؛ لأنه ينظر، في حقيقة الأمر،

إلى هيغل من منظور كانطي و«يحوِّله» إلى «الكانطية». ويمكن أن نلمس هذا «التحويل» في كون «حرية

الروح»، لدى كاسيرر، هي «حرية الروح الإنسانية، لا حرية الروح المطلقة (...)، حيث تشتغل الحرية

الفردية تمامًا، ويكون الإنسان مسؤولً عن مصيره». يشير كاسيرر، في هذا الإطار، إلى العلاقة الجدلية التي تربط بين كانط وهيغل، بخصوص إشكالية التاريخ

ومفهوم الحرية، إذ على الرغم من اتفاقهما بشأن اعتبار التاريخ سيرورة للتقدم في الوعي بالحرية، فإنهما

يختلفان في معنى «الحرية». بخلاف هيغل، يرفض كانط اعتبار «الحرية» مبدأ نظريًا أو تأمليًا، ويعتبرها «فكرة» و«مصادرة» من

«مصادرات» «العقل العملي»، كما يرفض اعتبارها مجرد معطى من المعطيات الإمبريقية أو الميتافيزيقية،

ويعتبرها «مهمة إتيقية» تتطلب من الإنسان بذل جهد أخلاقي بواسطة إرادته في صيرورة تشييد «مملكة

الحرية»، إذ إنه عند العودة إلى التاريخ الواقعي الإمبريقي، لا يمكن إيجاد الحرية متحققة أو معطاة؛ فهي

«المثال الأكثر سموًا والمهمة النهائية بالنسبة إلى الإنسان، لكن ذلك لم يتحقق قط في التاريخ الواقعي.

فكل الأشكال الإمبريقية للحياة السياسية والاجتماعية (...) قائمة على القوة الفيزيائية، لا على الحرية

(...). لذا، ينبغي أن نغير حالة الأمور البشرية، ونُحوِّل الضرورة إلى حرية، بواسطة إرادتنا الخاصة

ومجهودنا الأخلاقي». بهذا المعنى، فإن تغيير أحوال البشر يفتح إمكانية التفكير في المستقبل الذي يتضمن احتمال تحقيق

الحرية في الواقع. لكن هذا التفكير لا يمكن أن يصل إلى مستوى التنبؤ الدقيق بالمجرى المستقبلي

(3((إيمانويل كانط، «إجابة عن السؤال: ما التنوير؟،» ترجمه عن الألمانية إسماعيل المصدق، فكر ونقد (الدار البيضاء)، السنة 1،

العدد 4 (كانون الثاني/ ديسمبر 1997)، ص.144

(37) Fabien Capeillères, «Présentation,» dans: Cassirer, L’Idée de l’histoire , pp. xviii-xix.

((3(المصدر نفسه، ص xix.

(39) Cassirer, L’Idée de l’histoire , p. 139.

للحوادث التاريخية، «فلا وجود لأي خطاطة منطقية أو خطاطة خاصة بالفكر الجدلي يمكننا أن

نضبط وفقها وقائع التاريخ كُرْهًا على غرار ما يقوم به سرير بروكوست، إذ لا يمكن لأي مفلسف

للتاريخ أن يزعم أنه نبي. ونحن لا نعرف الوسائل الخاصة التي ستصل، عن طريقها، الإنسانية إلى

غايتها الأخلاقية». لتبرير هذه الفكرة، يبتعد كاسيرر عن اليأس أو الشك في إمكانية بلوغ الغاية الأخلاقية للإنسانية، وذلك

بالاستناد إلى مبدأ أخلاقي كانطي يربط القدرة بالواجب. ويعتبر كاسيرر أن هذا المبدأ «يمتلك اليقين

الأكثر علوًا: إنه ليس يقينَ معتقَدٍ(Dogme) نظري (...)، وإنما يقين اعتقاد (Croyance) عملي عقلي.

لذا، يمكن أن تقوم فلسفة التاريخ كلها على مثل هذا الاعتقاد، وهو اعتقاد يجب، تبعًا له، أن يكون بإمكان

الإنسان تحقيق مصيره الأخلاقي، وتشييد مملكة واقعية للحرية». يمكن القول إن منظور كانط للتاريخ ينبني على إيمانه بحرية إرادة الإنسان وقدرته على تغيير وقائع التاريخ

وصيرورته؛ إذ بإمكانه أن يثبت استقلاليته وحرية شخصه. يؤكد كاسيرر، بهذا الصدد، أن في المستقبل

«لن يظل الإنسان مجرد أداة في أيدي القدر، وسيصير سيد عالَه الخاص – عالَ البشرية. وبهذه الكيفية

يستطيع إثبات حريته العملية التي تعني استقلاليته الإتيقية. فالإنسان وحده، هو الذي يمتلك قدرة

تسمو به على ذاته (...). وليست هذه القدرة شيئًا آخر سوى الشخصية (Personnalité)، أي الحرية

والاستقلال تجاه آلية الطبيعة».

يسعى كاسيرر إلى بناء موقف من الحرية في مجال التاريخ بصفة خاصة، ومجال الثقافة وعلومها بصفة

عامة، استنادًا إلى تصور كانط بكيفية أساسية. والدليل على ذلك هو أن كاسيرر ينفي إمكانية تحديد الثقافة

بالاستناد إلى مفهوم «الضرورة»، وإنما بواسطة مفهوم «الحرية». علمً أن من اللازم اعتبار الحرية من منظور

إتيقي واستبعاد فهمها بمعنى «ميتافيزيقي». إضافة إلى ذلك، يعتبر كاسيرر أن الإنسان هو صانع التاريخ، ولا يمكن إنكار استقلاليته وقدرته

على الفعل وإنتاج أشكال ثقافية في مراحل تاريخية معينة، «فالخاصية الأساسية المميِّزة لكل كينونة

خاصة بالإنسان يبدو أنها تتمثّل في عدم ذوبانه، ببساطة، في امتلاء الانطباعات الخارجية؛ لأن

الإنسان يتحكم فيها عن طريق منحها شكلً محدَّدًا، يجد مصدره في ذاته، أي داخل الذات التي تفكر

وتحس وتريد». يتبين أن قدرة الإنسان على الفعل وإنتاج الأشكال الثقافية هي التي تمنحه صفة الذات الحرة الفاعلة في

التاريخ، ويظهر ذلك من خلال «الموضعة» (Objectivation)، حيث يؤكد كاسيرر أن «ما يحققه الإنسان

هو الموضعة، وتأمل الذات، بالاستناد إلى التشكيلات النظرية والاستطيقية والأخلاقية. وتظهر الموضعة

سلفًا في التعبيرات الأولى للغة وتتطور من خلال الاغتناء والتنوع دومًا أكثر فأكثر في الشعر والفنون

((4(المصدر نفسه، ص.139-138

((4(المصدر نفسه، ص.139

((4(المصدر نفسه، ص.140-139

(43) Cassirer, L’Idée de l’histoire , pp. 38-39.

الجميلة والحدس الديني والمفهوم الفلسفي. كل هذا يعبِّ عن القدرة والمهارة الخاصتين بالإنسان، وعن

‹قدرته غير المتناهية»›. في ضوء ذلك، يرى كاسيرر أن التصورات التي تنزع عن الإنسان حريته الذاتية وتدافع عن الحتمية

المتحكمة في سيرورات التاريخ، تدَّعي القدرة على التنبؤ بمصير الثقافة الإنسانية وثقافتها وتاريخها،

وتحديد مستقبلها بكيفية قبلية. بخلاف تلك التصورات، يعتبر كاسيرر أن «هذا التحديد القبلي (...)

غير ممكن عبر الطريقة الإمبريقية – الاستقرائية ولا بواسطة الطريقة الجدلية – التأملية. فهذا النوع من

‹التحديد القبلي› يضع أمامنا، أكثر فأكثر، مشكلات في مجال الوقائع الروحية مثلما يضعها في ميدان

الوقائع الطبيعية. لذا، نجد أنفسنا مجبرين على التخلي، تدريجيًا، عن نموذج التنبؤ الكامل بمعنى

‹روح لابلاس»›. بعبارة أدق، لا يمكن بناء تنبؤات دقيقة بشأن مصير الثقافة، لأن الأمر يتعلق بنشاطات الإنسان المؤسَّسة

على حريته وفاعليته الإبداعية لا على الضرورة والحتمية المتحكمة في الظواهر الطبيعية. يقول كاسيرر

في هذا الإطار: «لا يمكن استباق شكل الثقافة المستقبلي، ولا تحديدها تمامًا بواسطة معرفتنا الإمبريقية

بحاضرها وماضيها التاريخي (...). وإذا كانت الفلسفة النقدية تسعى إلى معرفة التوجهات الكبرى العامة

والأساسية للثقافة، والتوصل إلى فهم المبادئ الكونية لهذا التشكيل، فإنها لا تستطيع أن تتكهن، خصوصًا

حينما لا يكون الأمر متعلقًا بموجودات وحوادث فيزيائية، وإنما بنشاطات بشرية». نشير، في هذا المقام، إلى أن كاسيرر يتجنب القول بالحتمية والقدرة على التنبؤ في مجال الثقافة والتاريخ، بل

يلجأ إلى التصور الكانطي ل«الفكرة» باعتبارها «مهمة غير متناهية»، وذلك من أجل إثبات عدم تناهي

إمكانات الثقافة وتقدمها، وتأكيد دور الإنسان وفاعليته في تقرير مصير تاريخه ومستقبل ثقافته، فيقول:

«إذا عدنا من الدلالة الهيغلية للفكرة إلى دلالتها لدى كانط، أي من الفكرة باعتبارها ‹قوة مطلقة› إلى الفكرة

بوصفها ‹مهمة غير متناهية›، سيكون من الواجب علينا، بالتأكيد، التخلي عن النزعة التفاؤلية للنظرة

الهيغلية إلى التاريخ. لكننا سنتجنب، في الوقت ذاته، النزعة التشاؤمية الجبرية بتنبؤاتها عن الانحطاط

ورؤاها عن الانهيار. فالفعل يمتلك، من جديد، إمكانية اتخاذ القرار انطلاقًا من ذاته وعلى مسؤوليته

الخاصة، ويعرف أن توجه الثقافة ومستقبلها سيرتبطان بطبيعة ذلك القرار». لكن إذا كان من اللازم، بحسب كاسيرر، رفض الحتمية عن التاريخ نظرًا إلى تأسُّسِه على حرية الإنسان

وفاعلياته، فهل معنى هذا أن من الضروري رفض علمية المعرفة التاريخية؟ للإجابة عن هذا السؤال، يقوم كاسيرر بتحليل مقولة «السببية» التي تشكل مع مفهوم «الشكل»

«القطبين» اللذين يؤسِّس الإنسان، انطلاقًا منهما، «فهمه للعالَ»، ويعتبران شرطين ضروريين لتمكن

الفكر من التوصل إلى تشييد صورة للعالَ تتميز بتناغم مكوناتها وانسجام عناصرها. وفي نظره، تنبني

علوم الثقافة، في أساس وجودها، على مفهوم الشكل، إذ يقول: «ما نريد معرفته في اللسانيات أو

((4(المرجع نفسه، ص.39

((4(المرجع نفسه، ص.49-48

(46) Cassirer, L’Idée de l’histoire , p. 49.

((4(المصدر نفسه، ص.50

علم الفن أو الدين هو أشكال محدَّدة ينبغي أن نفهمها في حالتها الخالصة قبل حتى محاولة العودة

إلى أسبابها». لكن هذا لا يمنع من القول إن هناك تكاملً بين «التحليل» المنصبِّ على «الشكل»

و«التحليل السببي». كما يرى كاسيرر أن ظواهر الثقافة متغيرة ويحكمها التبدل؛ لأنها شديدة الارتباط ب«مملكة الصيرورة» أكثر

من الظواهر التي تدرسها علوم الطبيعة. لذا، فإن من اللازم الاهتمام بتاريخ الإنتاجات الثقافية، علمً بأن

دراسة إنتاجات الثقافة تكشف عن وجود تعارض بين نوعين من التحليل: فهناك من جهة «تحليل الصيرورة»

المعتمِد على مقولة السبب والنتيجة، وهناك من جهة أخرى «تحليل العمل (» Analyse de l’œuvre)

و«تحليل الشكل». ويعتبر كاسيرر هنا أن «تحليل العمل» مرحلة أساسية وأولية تسبق تحليل الصيرورة،

وضرورة تلُازِم كل حديث عن تاريخ الثقافة ودراسته، وتكوين نظرة إجمالية وشاملة حول «أعمال الثقافة».

فضلً عن ذلك، يؤكد كاسيرر أن مفهوم «السببية» حاضر في العلوم الطبيعية والتاريخ على حد سواء،

لكنه يتخذ شكلً خاصًا، ويأخذ معنى متميزًا عند دراسة الظواهر التاريخية؛ لأنها ظواهر تتمايز عن

الظواهر الطبيعية، إذ إن «في كل تعليل تاريخي يوجد شيء ما أكثر مما نجده في التعليل الفيزيائي أو

البيولوجي. فليس هناك مجرد تعليل بصفة عامة، وإنما هناك ما نطلق عليه اسم ‹التحفيز›. وبالطبع لا

يتعارض ‹التحفيز›، بأي وجه كان، مع السببية، فهو صورة خاصة منها». يظهر أن مجال التاريخ يستخدم مقولة «السببية» بطريقة خاصة، إذ يرى كاسيرر أن هذا المجال

لا يحصر دراسته للظواهر التاريخية في تحديد الشروط الإمبريقية المنتجة لها والمتحكمة فيها، وإنما

يستند إلى منهج خاص من أجل فهمها. وبعبارة أدق، «إنه منهج يمكننا تحديده بمصطلح ‹التأويل›،

أي [الفهم التاريخي](...). وأقترح استخدام المصطلحات التالية: التفسير، الوصف، التأويل،

باعتبارها إطارًا مرجعيًا عامًا من أجل الولوج، بوضوح أكبر، إلى طبيعة العلم الفيزيائي والمعرفة

البيولوجية والتاريخية». وهكذا، فإن التاريخ لا يمكن أن يكون خارج دائرة العلوم، لأنه بدوره يدرس الواقع ويسعى

إلى تحديد العلاقات السببية بين ظواهره، ذلك أن من الناحية المنطقية الصورية، لا وجود لفرق

أو «خط فاصل للتمييز بين منطق التاريخ ومنطق علوم الطبيعة. فلا وجود سوى لحقيقة واحدة،

ولمنطق عام واحد، حيث إن أشكال الفكر التي ندرسها في المنطق متماثلة مهما يكن الموضوع الذي

ينطبق عليه فكرنا». يمكن القول إن «السببية» مقولة أساسية تستند إليها العلوم كلها وشرط ملازم للمعرفة الإمبريقية، طبيعية

أكانت أم تاريخية، وهي تتميز بكونها مقولة من جنس واحد، الأمر الذي يفرض على المؤرخ «أن يقبل كل

العلاقات السببية الأساسية المدروسة والمُثْبتَة داخل علوم أخرى. فحياتنا البشرية، التاريخية والثقافية،

ليست دولة داخل دولة. إنها مرتبطة بنسق معقد جدًا من الشروط، هي كالتالي: الشروط الفيزيائية (...)،

((4(المصدر نفسه، ص.180

(49) Cassirer, L’Idée de l’histoire , pp. 188-189.

((5(المصدر نفسه، ص.76-75

(51) Cassirer, L’Idée de l’histoire , p. 77.

((5 المصدر نفسه، ص (.77

والشروط الأنثروبولوجية (...)، والشروط الاقتصادية والاجتماعية والسيكولوجية. ومن دون دراسة

يقِظة لكل هذه الشروط، لا يمكن أن يصير التاريخ علمً».

بعد هذا التشديد على اشتراك العلوم كلها في استخدام مقولة «السببية» وضرورة استفادة التاريخ من

العلاقات السببية المكتشَفة من قِبَل العلوم الأخرى، يثير كاسيرر المسألة التالية: «ليس السؤال هو معرفة

ما إذا كان العلم بكل هذه العلاقات السببية، التي اكتشفتها الفيزياء والبيولوجيا والأنثروبولوجيا

والسيكولوجيا والاقتصاد والسوسيولوجيا، ضروريًا بالنسبة إلى المؤرخ، وإنما معرفة ما إذا كانت كافية

له، وما إذا كانت تشكل مهمة التاريخ الوحيدة والواحدة». لمعالجة هذه المسألة، يؤكد كاسيرر ضرورة تناولها بطريقة غير دوغمائية، وذلك بتجاوز النظريات

الأيديولوجية والميكانيكية والسيكولوجية، بغية التوصل إلى تحديد منطق المعرفة التاريخية وشروط عملها،

باعتباره منطقًا قائمً على «التأويل». ولتوضيح العمل التأويلي للمؤرخ، يقدم لنا كاسيرر مثال «روبنسون

كروزو» الذي وجد نفسه في جزيرة خالية من أي أثر للحياة البشرية، وتمكّن من تحويل الأشياء المادية إلى

موضوعات رمزية حاملة لدلالات ومعانٍبفضل عمل «التأويل». يتبيّ أن التاريخ يعتمد على منهج «التأويل» في دراسته للوقائع التاريخية باعتبارها موضوعات ذات طبيعة

فيزيائية في الأصل (وثائق، آثار تاريخية...)، لكن بفضل عمله التركيبي تصير حاملة لدلالات معيّنة

باعتبارها رموزًا ينبغي فهمها في إطار كلي وبوصفها معبِّة عن عالَ الإنسان بدقة؛ لأنها «شهادة على الحياة

الإنسانية الماضية وكشف لها. ولا يمكنه فهم هذه الحياة بكيفية مباشرة؛ لأن كل ما يعرفه عنها ليس سوى

شذرات منفردة ومشتتة. وهنا تبدأ مهمته الفعلية، إذ ينبغي ألّ يجمع هذه الشذرات فحسب، بل يجب أن

يتممها ويركّبها، وأن يُرجعها إلى نظام منسجم، ويبيّ لنا وحدتها وتماسكها (...). وهذا التركيب العقلي

والخيالي هو ما نسمّيه التاريخ». يؤكد كاسيرر، في هذا الصدد، ضرورة أخذ خصوصية الظواهر التاريخية بعين الاعتبار؛ لأنها تنتمي إلى مجال

خاص يتمثّل في العالَ الإنساني. لكننا نسجل هنا أن الإقرار بخصوصية هذا العالَ لا يعني عدم الاستعانة

بنتائج العلوم الطبيعية في دراسة ظواهره؛ لأن، في نظر كاسيرر، «حتى حينما نقارب العالَ البشري، لا

نستطيع الحديث عن تغير مفاجئ، لأننا نجد اتصالً بمعنى بيولوجي، مثلما نجده بمعنى فيزيائي (...).

ومن ثمة، لا يمكن للمؤرخ أن يمتنع عن بحث متيقظ في الشروط الفيزيائية للحياة البشرية». يجدر التنبيه إلى أن هذا القول لا يعني الإقرار بتماثل الظواهر الإنسانية والظواهر الطبيعية، إذ إن من

اللازم تمييز عالَ الثقافة من عالَ الطبيعة، نظرًا إلى اختلاف «المنطق» المتحكم فيهما؛ فما يميز العالَ الثقافي

هو أن الإنسان يعيش داخله، في إطار حياة اجتماعية يخلق، من خلالها، رموزًا من أجل الفهم والتواصل.

((5(المصدر نفسه، ص -78.79

((5(المصدر نفسه، ص.79

(55) Cassirer, L’Idée de l’histoire , p. 83.

((5(المصدر نفسه، ص.74

يؤكد كاسيرر، في هذا الصدد، أن الإنسان «حيوان اجتماعي»، وأن وجوده محدَّد بحياته داخل المجتمع،

إذ «ليس لديه وجود فردي منفصل؛ لأنه يعيش في الأشكال الكبرى للحياة الاجتماعية (...)، كما لا

يمكنه أن يعيش حياته الخاصة من دون التعبير عنها، باستمرار، في تلك الأشكال. فهو يخلق رموزًا

لغوية، ورموزًا دينية، وصورًا أسطورية وفنية، وبواسطة كلية هذه الرموز والصور فقط، وعن طريق

نسقها، يستطيع الحفاظ على حياته الاجتماعية، ويكون بمقدوره التواصل مع الكائنات البشرية الأخرى،

وفهم ذاته». لذا، فإن ما يضفي تميزًا على عالَ الثقافة الرمزي مقارنة بعالَ الطبيعة هو أن رموز العالَ الأول تتميز بالتغير

الدائم أكثر من موضوعات العالَ الثاني، الأمر الذي يستلزم ضرورة إحيائها دومًا عن طريق تأويلها

لكي تصير قابلة للفهم. يقول كاسيرر في هذا المقام: «ينبغي للتاريخ أن يُيي هذه الرموز ويبعثها في حياة

جديدة، ويجعلها مقروءة ومفهومة من جديد (...). ومن دون ذلك، تذبل كل الأعمال البشرية، ويمكن

أن تصير بلا سمة ولا دلالة. ومن ثمة، ليس المؤرخ راويًا يحكي لنا تاريخ حوادث الماضي، وإنما هو

مكتشف الحياة الإنسانية الماضية ومؤوِلّها». يستلزم التاريخ التأويل دومًا من أجل فهم حياة الإنسانية؛ لأن من دونه ستظل مجرد حوادث جزئية

متناثرة وغير مفهومة؛ فالتاريخ هو مجال أساسي لتعبير الإنسانية عن نفسها ولا يمكن فهمها إلّ بفهم

التاريخ، إذ يوجد بينهما ترابط وطيد لا يمكن فكه. يؤكد كاسيرر، في هذا الصدد، أن «الحضارة الإنسانية

تبدع، بالضرورة، أشكالً ورموزًا وأشياء مادية جديدة تجد فيها حياة الإنسان تعبيرها الخارجي. والمؤرخ

يتبع كل هذه التعبيرات حتى أصلها (...)، حيث يكون التاريخ بعثًا للحياة التي يمكن، من دون مجهوده

المستمر، أن تختفي وتفقد قوتها الأساسية. فمن دون هيرمينوطيقا تاريخية، ومن دون فن التأويل الثاوي في

التاريخ، ستكون الحياة شيئًا فقيرًا جدًا». ارتباطًا بذلك، يرى كاسيرر أن التاريخ ليس مجرد كرونولوجيا، وأن الزمان في منظور علم التاريخ ليس

هو الزمان في منظور علوم الطبيعة، وهو ما يجعل طبيعة العودة إلى الماضي مختلفة في هذين المنظورين؛

فالتاريخ «يريد تعليمنا فهم الحياة الماضية (...)، ويسعى إلى المحافظة على شكلها. ولهذا الغرض، يستثمر

غنى مفهومي الشكل والأسلوب اللذين تنتجهما علوم الثقافة (...). فإذا كان بعث الثقافة و‹إحياؤها›

ممكنين، فإنهما يكونان بفضل ذينك المفهومين فقط». ويشير كاسيرر، في هذا المقام، إلى أن ما يُفظ من الماضي من ذكريات ومآثر تاريخية، لا يصير تاريخًا فعليًا،

بالنسبة إلينا، إلّ حينما نعتبرها بكيفية رمزية و«نرى في تلك المآثر الرموز التي لا تسمح لنا بالتعرف

إلى أشكال معيّنة للحياة فحسب، بل تسمح لنا أيضًا بإعادة تشكيلها من أجل ذواتنا ». ف«التاريخ

الحقيقي» يتميز بالرمزية، لأنه يقوم بإعادة بناء الحوادث التاريخية، بطريقة رمزية، ويبعث الحياة في ما

هو «ميت» من آثار الماضي، فيجعلها قابلة للفهم. بعبارة أدق، إن «ما يمنحنا إياه التاريخ، أي التاريخ

((5(المصدر نفسه، ص.83

(58) Cassirer, L’Idée de l’histoire , p. 84.

((5(المصدر نفسه، ص.85

(60) Cassirer, Logique des sciences de la culture , p. 166.

(6((المصدر نفسه، ص.166

الحقيقي، ليس مجرد سرد للحوادث الماضية، وإنما هو بالأحرى إعادة بناء رمزي للشكل السابق الخاص

بحضارة إنسانية ما (...). وتتمثّل مهمة المؤرخ العظيم في جعل شواهد الماضي الصامتة هاته تتكلم، وفي

جعلنا نفهم لغتها». يمكن القول إن هدف المؤرخ، بحسب منظور كاسيرر، يتمثّل في الكشف عن «روح» العصور السابقة،

عن طريق دراسة الآثار المتبقية منها، باعتبارها أشكالً معبِّة تحتاج إلى تركيب لجعلها حية وقادرة على

التعبير عن نفسها من جديد في أشكال جديدة. بعبارة أخرى، من اللازم تجاوز النظرة التبسيطية التي

تعتبر أعمال الثقافة - اللغة والفن والدين...إلخ - مجرد «مادة أولى». وبدل هذه النظرة، ينبغي، بحسب

كاسيرر، البحث في «معنى» تلك الأعمال، من أجل «فهم ما لديها لتقوله لنا. وهذا الفهم يقتضي منهجًا

خاصًا للتأويل، أي ‹هيرمينوطيقا› خاصة، صعبة ومعقدة جدًا». يرى كاسيرر أن بفضل هذه الهيرمينوطيقا، يمكن الشروع في تحليل الأشكال الثقافية وتصنيفها في فئات

معيّنة، والكشف عن الروابط والقواعد المنظمة للعلاقات بين تلك الفئات. وفي هذا الكشف يتم تحديد

«ماهية» كل شكل ثقافي خاص وسيرورة إنتاجه، و«الوظيفة» التي يقوم بها، والعلاقات المتبادلة بينه وبين

باقي الأشكال الثقافية الأخرى. وبهذا التحديد، يطلعنا كاسيرر على نظريته في الثقافة المؤسَّسة على فلسفة

الأشكال الرمزية. وهكذا، يتوصل كاسيرر إلى إثبات مشروعية علوم الثقافة بصفة عامة، والمعرفة التاريخية بصفة خاصة،

وأحقيتها في الانتماء إلى المجال العلمي وامتلاك صفة العلم. نشير، هنا، إلى أن ذلك التأكيد لا يعني تماثل

العلوم وتطابقها؛ لأن كاسيرر يرى أن علوم الثقافة تختلف عن علوم الطبيعة، وهذا الاختلاف مرتبط

بتميز الموضوعات والظواهر المدروسة، وهو ما ينعكس على طبيعة المنهج الذي يدرسها، والمفاهيم

والقوانين...، التي يشتغل بها عالِالثقافة. بخلاف الوضعيين وهيغل وشبنغلر، يرى كاسيرر أن التاريخ هو مجال الظواهر المتميزة بالحرية، وأنه

يتعين على الباحث في تاريخ الثقافة الإنسانية أخذ هذه الحرية بعين الاعتبار، عن طريق دراسة التاريخ

والأشكال الثقافية الحاضرة فيه والملازمة له، وفهم بناها وأساليبها، استنادًا إلى التأويل؛ فالهيرمينوطيقا

هي الأساس الرئيسي الذي يقوم عليه فهم الظواهر الثقافية في التاريخ.

(62) Cassirer, L’Idée de l’histoire , p. 62. (63) Cassirer, Logique des sciences de la culture , p. 189.

نلاعإ نيمأت ءاجرلا اثيدح ردص