Return to Article Details “Unpacking my Library” by Walter Benjamin: A Talk about Book Collecting

فالتر بنيامين فَلْفَشَةُ مكتبتي كلام على جمْع الكتب

“Unpacking my Library” by Walter Benjamin: A Talk about Book Collecting

ثائر ديب

Thaer Deeb

الملخّص

أُفَلْفِش مكتبتي. أجل، «أُفلفشها ». الكتب ليست على الرفوف بعد، ولم يمسّها ملل الترتيب الخفيف. ولا يسعني أن أطوف صفوفها صعودًا وهبوطًا مستعرِضًا إيّاها أمام جمهور صديق. فلا حاجة بكم لأن تخشوا أيّ شيء من هذا القبيل. وبدلً من ذلك، عليَّ أن أسألكم أن تنضموا إليّ وسط فوضى الصناديق التي خُلِعَت، والهواء المترع بغبار الخشب، والأرضية التي اكتست بمِزَق الأوراق، أن تنضموا إليَّ بين أكوام الكتب التي ترى ضوء النهار من جديد بعد سنتين من الظلام

Abstract

I am unpacking my library. Yes, I am. The books are not yet on the shelves, not yet touched by the mild boredom of order. I cannot march up and down their ranks to pass them in review before a friendly audience. You need not fear any of that. Instead, I must ask you to join me in the disorder of crates that have been wrenched open, the air saturated with the dust of wood, the floor covered with torn paper, to join me among piles of volumes that are seeing daylight again after two years of darkness.

الكلمات المفتاحية:
  • جمع الكتب
  • فلفشة
  • الرفوف
  • الخشب
Keywords:
  • Book Collecting
  • Papers
  • Unpacking
  • Shelves
  • Walter Benjamin

كلام على جمْع الكتب

ترجمة: ثائر ديب **

«أ فَلْفِش» مكتبتي. أجل، «أُفلفشها». الكتب ليست على الرفوف بعد، ولم يمسّها ملل

الترتيب الخفيف. ولا يسعني أن أطوف صفوفها صعودًا وهبوطًا مستعر ضًا إيّاها أمام

جمهور صديق. فلا حاجة بكم لأن تخشوا أيّ شيء من هذا القبيل. وبدلً من ذلك، عليَّ أن أسألكم

أن تنضموا إليّ وسط فوضى الصناديق التي خُلِعَت، والهواء المترع بغبار الخشب، والأرضية التي

اكتست بمِزَق الأوراق، أن تنضموا إليَّ بين أكوام الكتب التي ترى ضوء النهار من جديد بعد سنتين

من الظلام، لعلكم تتهيأون بذلك لأن تشاطروني شيئًا من المزاج الذي تبعثه هذه الكتب لدى جامع

أصيل؛ مزاجٌ من المؤكّد أنه ليس مزاج تفجّع بل مزاج تطلّع؛ ذلك أن مثل هذا الرجل حين يتحدّث

إليكم، يثبت لدى التمحيص الدقيق أنه لا يتحدّث سوى عن نفسه. أما كان صلَفًا مني لو رحت أعدّد

لكم الأقسام الأساسية في مكتبةٍ أو أزكّي كتبًا منها، أو رحت أعرض لكم تاريخها أو حتى نفعها

لكاتب، كي أظهر بمظهر الموضوعية والواقعية المُقن ع؟ ما يدور في خلدي شيء أقلّ غموضًِا من

ذلك، وأكثر ملموسية، وما يشغلني حقًا هو إعطاؤكم فكرة عن علاقة جامع للكتب بمقتنياته، فكرة عن عملية الجمع لا عن حصيلتها. ولو فعلت ذلك من خلال الإسهاب في شتّى طرق التحصّل

على الكتب، لكان ذلك أمرًا تعسفيًا تمامًا؛ فهذا التدبير، كسواه من التدابير، هو مجرّد سدّ يقف

في وجه فيض الذكريات الدافق لدى أيّ جامع وهو يتأمّل مقتنياته. وكلُّ شغف يتاخم الشواش،

لكن شغف الجامع يتاخم شواش الذكريات. بل إن المصادفة والقسمة اللتين تغمران الماضي أمام

عينيّ تحضران صراحةً في اختلاط هذه الكتب المعتاد. وما عساه يكون هذا الجمع من الكتب إن

لم يكن فوضى اعتادت عليها العادة إلى الحدّ الذي يمكن أن تبدو عنده كأنها نظام؟ لا بد أنكم

جميعًا سمعتم بأناس أسقمهم فقدان كتبهم، أو بأولئك الذين غدوا مجرمين كي يتحصّلوا عليها.

هذه بالضبط هي المواضع التي يكون فيها أيّ نظام فعلَ توازنٍبالغ الهشاشة. وقد سبق لأناتول

فرانس أن قال: «المعرفة الدقيقة الوحيدة الموجودة هي معرفة تاريخ نشر الكتاب وقَطْعِه». حقًّا،

إنْ كان ثمّة نظير لاختلاط مكتبة من المكتبات، فهو نظام فهرسها. ثمّة في حياة الجامع، إذًا، توتر ديالكتيكي بين قطبي الفوضى والنظام. ومن الطبيعي أن يكون

وجوده مقيّدًا إلى أشياء أخرى كثيرة أيضًا: إلى علاقة بالغة الغموض بالمُلكية، الأمر الذي سيكون

لدينا المزيد مما نقوله عنه لاحقًا؛ وكذلك إلى علاقة بالأشياء لا تلحّ على قيمتها الوظيفية، النفعية

– أي على فائدتها – بل تدرسها وتحبها بوصفها مشهد قسمتها، ومنصّة تلك القسمة. وأعمق افتتان

لدى الجامع هو انحباس المقتنيات داخل حلقة سحرية تتثبّت فيها إذ تعبرها الارتعاشة الأخيرة،

ارتعاشة التملّك. ويغدو كلُّ ما يجري تذكّره والتفكير فيه، كلُّ ما هو واعٍ، ركيزةً لمُلكية هذا الجامع،

وإطارًا، وأساسًا، ورتاجًا لها. فالفترة، والمنطقة، والصنعة، والمُلكية السابقة – أي، بالنسبة إلى جامع

حقيقي، كامل خلفية مُقتنى من المقتنيات – إنما تنضاف إلى موسوعة سحرية لُبَابُها القسمة التي

أصابها الشيء الذي اقتناه. وفي هذا الموضوع المحوَّط قد نحزر، إذًا، كيف تحوّل علماء الفراسة

– والجامعون علماءُ فراسةِ عالم الأشياء – إلى مؤوِّلين للقسمة. وليس على المرء سوى أن يراقب

جامعًا وهو يتلمّس الأشياء في صندوقه الزجاجي. إنه يبدو، وهو يحملها بين يديه، كأنه يرنو من

خلالها إلى ماضيها البعيد كما المُلْهَم. كلُّ هذا عن الجانب السحري للجامع، أو صورة شيخوخته،

كما قد أدعوها. Habent sua fata libelli: لعلّه قُص دَ بهذه الكلمات أن تكون قولً عامًا عن الكتب. وبذلك يكون

لكتب مثل الكوميديا الإلهية والأخلاقلسبينوزا وأصل الأنواع مصائرها. غير أن جامعًا لَيؤوِّل هذا

القول اللاتيني المأثور على نحو مختلف. بالنسبة إليه، نُسخ الكتب أيضًا لها مصائرها، لا الكتب

وحدها. وبهذا المعنى، فإن أهمَّ مصير لنسخة هو لقاؤها به، وبمجموعته. ولست أبالغ حين أقول إن

التحصّل على كتاب قديم هو بالنسبة إلى جامع حقيقي ولادة جديدة لهذا الكتاب. وهذا هو العنصر

الطفوليّ الذي يمتزج لدى الجامع مع عنصر الشيخوخة؛ ذلك أنه يمكن للأطفال أن يجددوا الوجود

بمئات الطرق الناجعة. وليس الجمع، لدى الأطفال، سوى واحدة فقط من عمليات التجديد؛ فمن بين العمليات الأخرى ثمّة رسم الأشياء، وقصّ الصور، ولصق الملصقات؛ تلك السلسلة الكاملة من

أساليب التملّك الطفولية التي تتراوح بين لمس الأشياء وإسباغ أسماء عليها. وتجديد العالم القديم هو الرغبة الأعمق لدى الجامع حين يندفع إلى نيل أشياء جديدة، وهذا ما يجعل جامع الكتب القديمة أقرب إلى ينابيع الجمع من مقتني الطبعات الفاخرة. والسؤال الآن: كيف تعبر الكتب عتبة مجموعة

لتغدو ملكًا لجامع؟ إن تاريخ تملّكها هو موضوع الملاحظات التالية. من بين سبل التحصّل على الكتب كلّها، يعدُّ قيام المرء بكتابتها بنفسه أشدّ الطرائق جدارة بالثناء.

وهنا سوف يلذُّ لكثير منكم أن يتذكّر تلك المكتبة الضخمة التي تحصّل عليها بالتدريج ناظر

(((بيت شعري يعود إلى سنة 1286، صاحبه الكاتب والنحوي تيرينتيانوس موروس، ويعني حرفيًا «بحسب قدرات القارئ، تكون

قسمة الكتب». (المترجم)

المدرسة البسيط البائس فوتس في عمل جان باول، بأن كتب، هو نفسه، جميع الكتب التي لفتته عناوينها في قائمة معرض للكتب؛ ذلك أنه ما كان ليقوى على شرائها. والكتّاب في الحقيقة أناس يكتبون الكتب لا لأنهم فقراء، بل لأنهم غير راضين عن الكتب التي يستطيعون شراءها لكنها لا

تروقهم. ولعلّكم، تعدّون هذا، أيّها السيدات والسادة، تعريفًا للكاتب غريبًا، لكن ما ما يقوله الجامع

الحقيقي غريب بأكمله. ومن بين أساليب التحصّل المعتادة، يبقى الأسلوب الأنسب للجامع هو

استعارة كتاب مع نيّة ألّ يعيده. ومستعير الكتب المُعْتبَر الذي نتصوره هنا يثبت أنه جامع عريق

للكتب لا بسبب الحميّة التي يحرس بها كنوزه المستعارة والأذن الصماء التي يديرها تجاه كل ما

في العالم اليومي ممّا يذكّره بالحق، بل بسبب تقصيره عن قراءة تلك الكتب. وإذا ما كان لخبرتي أن

تقف دليلً على هذا الصعيد، فإنه رجل يُحْتَمل أن يعيد كتابًا مستعارًا عند الاقتضاء أكثر مما يُحْتمَل

أن يقرأه. سوف تعترضون قائلين: وهل يُفتَرض بعدم قراءة الكتب أن تكون سمة للجامعين؟ هذا

جديد علينا، قد تقولون، لكنه ليس جديدًا البتة. وسوف يصدّقني من لديهم الخبرة لو قلت إنه أقدم شيء في الدنيا. ويكفي أن نقتبس ردّ أناتول فرانس على كاره للثقافة عبّر عن إعجابه بمكتبته ثم

خَلُصَ إلى السؤال المعهود: «وهل قرأت هذه الكتب كلّها، سيد فرانس؟» «ولا عُشرها. لا أحسب

أنّك تستخدم أطباقك الصينية كلَّ يوم.» كنتُ، بالمناسبة، قد وضعت صحّة هذا الموقف قيد الاختبار. وعلى مدى سنوات، وفي الثلث الأول

على الأقلّ من وجود مكتبتي، لم تكن أكثر من رفّين أو ثلاثة، وكان ارتفاع الكتب يزداد كل عام بضعة سنتمترات فحسب. كان ذلك عصرها المتشدد، حين لم يكن يُسمَح لكتاب بأن يدخلها من

دون شهادة أنه لم يسبق لي أن قرأته. وبذلك لعلّه ما كان لي قطّ أن أمتلك مكتبة تبلغ من الحجم ما يكفي جعْلها جديرة بهذا الاسم لو لم يكن هنالك تضخّم. فجأة انزاح التركيز، واكتسبت الكتب قيمة

فعلية، أو صَعُبَ الحصول عليها. على الأقل هذا ما بدا عليه الأمر في سويسرا. وفي اللحظة الأخيرة،

أرسلتُ إلى هناك أولى طلباتي الكبرى من الكتب، وتمكنت بهذه الطريقة من تأمين أشياء لا تعوّض

مثل Der blaue Reiter وعمل باخوفن Sage von Tanaquil اللذين كان لا يزال من الممكن الحصول عليهما من الناشر في ذلك الوقت.

(((المقصود هو كتاب حياة ناظرة المدرسة السعيدة ماريا فوتس في أونتال Leben des vergnuegten Schulmeisterlein Maria (

) Wutz in Auenthal لجان باول، واسمه الحقيقي يوهان باول فريدريش ريشتر، وهو كاتبألماني ولد سنة 1763 في فونزيدل، وتوفي

سنة 1825 في بايرويت. كان ابنا لمدرسّ، وعاش في ظروف شديدة الفقر، وتوفي والده مبكرا. وكان من المفروض أن يدرس علم

اللاهوت في لايبزغ، إلّ أنه اتجه إلى الكتابة والتأليف. وبعد فترة إعداد طويلة ورفض دور النشر لأعماله، كتب جان باول أعمالً

شهرته سنوات قليلة. وعندما كتب أحب أعماله إلى قلبه، تيتان، سنوات المراهقة، لم يجد نجاحا يرُذك، فاعتزل الحياة وعاش على

عمره من والستين الثانية في توفي أن إلى هامشها. (المترجم)

(((الفارس الأزرق، حركة فنية ظهرت في أوروبا، أسسها كل من الفنانين التشكيليين فاسيلي كاندينسكي وفرانز مارك في مدينة

ميونيخ الألمانية سنة 1911. جاء الاسم من كون كل منهما يحب استخدام اللون الأزرق في أعماله الفنية، وكان مارك يهوى رسم

الخيول بينما كان كاندينسكي يفضّل رسم الفرسان. (المترجم)

(((ملحمة تاناكويلليوهان جيكوب باخوفن (1887-1815)، القانوني وفقيه اللغة والأنثروبولوجي السويسري، درّس القانون

الروماني في جامعة بازل من سنة 1841 إلى سنة 1845. وتُعد مساهمته بشأن «المجتمع الأمومي» أهمّ مساهماته. (المترجم)

حسنٌ، قد تقولون إنه بعد اكتشاف هذه الطرق الفرعية كلّها، لا بد أن نبلغ في النهاية الطريق السريع

الواسع لتملّك الكتب، ألا وهو شراؤها. وهذا طريق سريع واسع بالفعل، لكنه ليس بالطريق المريح. والشراء الذي يقوم به جامع الكتب لا يشترك إلّ بأقل القليل مع شراء طالب كتابًا مدرسيًا من مكتبة،

أو شراء رجل عادي هدية لامرأته، أو شراء رجل أعمال كتابًا بقصد تزجية الوقت بانتظار القطار.

إن عمليات الشراء التي أتذكرها أكثر من سواها هي تلك التي قمت بها في أثناء السفر، على نحو عرضي. الملْكية والتملك ينتميان إلى عالم التكتيك. والجامعون أناس ذوو غريزة تكتيكية؛ تعلّمهم تجاربهم أنهم حين يبلغون مدينة غريبة، فإن أصغر دكّان للأنتيكات يمكن أن يكون حصنًا من الحصون، وأبعد مخزن للقرطاسية يمكن أن يكون موقعًا مهمًا. ويا لعدد المدن التي تكشّفت لي

وأنا أسعى وراء الكتب! لا تقوم عمليات الشراء الأهمّ على مقترحات البائع، فالقوائم تؤدي دورًا أكبر كثيرًا. ومع أن الشاري

قد يكون على علم تام بالكتاب الذي طلبه من قائمة، فإن النسخة المفردة تبقى مفاجأة على الدوام، كما يبقى الطلب ضربًا من المغامرة. وثمة خيبات فاجعة، لكن هنالك أيضًا مكتشفات سعيدة. وأذكر،

مثلً، أنني طلبت مرة كتابًا فيه رسوم توضيحية ملوّنة لمجموعتي القديمة من كتب الأطفال لمجرد

احتوائه على حكايات خرافية لألبرت لودفيغ غريم، وكان قد صدر عن غريما، في تورنغن، وهي الدار التي صدر عنها أيضًا كتاب حكايات خرافية حقّقه ألبرت لودفيغ غريم نفسه. وكانت نسختي من هذا الكتاب، برسومها التوضيحية الستة عشر، المثال الوحيد الباقي من الأعمال الباكرة لرسّام الكتب

الألماني العظيم ليزر الذي عاش في هامبورغ أواسط القرن الماضي. حسنٌ، لقد كانت ردّة فعلي حيال

تطابق الأسماء صحيحة. وفي هذه الحالة أيضًا اكتشفت عمل ليزر، أعني رسومه في كتاب ألبرت

لودفيغ غريم Linas Marchenbuch، وهو عمل بقي مجهولً لكتّاب سيرته ويستحق إشارة مفصّلة

تتعدّى إشارتي الأولية هذه. ليس التحصّل على الكتب مسألة مال أو معرفة خبيرة فحسب. ولا يكفي هذان العاملان، ولو اجتمعا

معًا، لإنشاء مكتبة فعلية، هذا الأمر المستغلق على الدوام والفريد في الوقت ذاته. وكلُّ من يشتري

على أساس القوائم لا بد أن يكون لديه ذوق علاوةً على الصفات التي ذكرتها. ولا بد لتفاصيل،

مثل التواريخ وأسماء الأماكن والقَطْع والمالكين السابقين والأغلفة وما شابه، أن تفضي له بشيء، لا بوصفها وقائع جافة معزولة، بل بوصفها كلًّ منسجمًا؛ وعليه أن يكون قادرًا على تبيّن ما إذا كان

كتاب ما كتابًا له أم لا، من نوعية هذا الانسجام وقوّته. ويقتضي المزاد أن يتوفّر الجامع على مجموعة

أخرى من الصفات. وعلى الكتاب نفسه أن يتحدّث إلى قارئ القائمة التي يَر دُ فيها، وربما على مالكه

السابق أن يتحدّث إلى قارئ القائمة إذا ما كان مصدر النسخة معروفًا. وعلى من يرغب في المشاركة

(((ألبرت لودفيغ غريم (1872-1786)، كاتب ألماني وجامع ومحقق للأساطير والقصص الخرافية، مثله مثل الأخوين غريم،

جيكوب وفلهلم، اللذين لم يكن قريبًا لهما. أمّا الرسام ليزر، فهو يوهان بيتر ثيودور ليزر (1870-1803). (المترجم)

في مزاد أن يولي القدر ذاته من الاهتمام إلى الكتاب ومنافسيه، علاوةً على تمالك أعصابه كي لا

ينساق بعيدًا في المنافسة؛ ذلك أنه كثيرًا ما يقع لأحد ما أن يَعْلَق عند سعر مرتفع بسبب دأبه على

رفع السعر، بغية إثبات الذات أكثر منه لنيل الكتاب. ومن جهة أخرى، فإن واحدة من أجمل ذكريات جامع الكتب هي تلك اللحظة التي ينقذ فيها كتابًا لم يسبق أن خطر له ببال، فما بالك أن يكون قد

رغب فيه، لأنه وجده وحيدًا مهجورًا في السوق، واشتراه كي يهبه حريته، على نحو ما يشتري الأمير

جارية جميلة في ألف ليلة وليلة. وكما ترون، فإن الحرية الحقّة لجميع الكتب هي، بالنسبة إلى جامع الكتب، في مكان ما على رفوف مكتبته. لا يزال كتاب بلزاك Peau de chagrin [الجلد المسحور] يبرز، إلى هذا اليوم، من بين صفوف طويلة من الكتب الفرنسية في مكتبتي كتذكرة بتجربتي الأشدّ إثارة في مزاد. كان ذلك في سنة 1915 في مزاد من مزادات Rümann أقامه إميل هيرش، وهو واحد من أعظم خبراء الكتب والباعة المميزين. كانت الطبعة المعنية قد صدرت في سنة 1838 في باريس، لدى Place de la Bourse، وإذ ألتقط نسختي، لا أرى رقمها في مجموعة Rümann فحسب، بل حتى علامة المكتبة التي اشتراها منها مالكها الأول قبل نحو تسعين عامًا بسعر يكافئ واحدًا على تسعين من سعرها الحالي «Papeterie I.

Flanneau». كان ذلك عصرًا جميلً يمكن فيه شراء مثل هذه النسخ الفاخرة من عند بائع قرطاسية!

أمّا النقوش المعدنية على هذا الكتاب، فمن تصميم فنان فرنسي شهير ومن تنفيذ نقّاشين بارزين.

لكني سأخبركم كيف حصلت على هذا الكتاب. كنتُ قد مضيتُ إلى إميل هيرش كي أعاين مسبقًا أربعين أو خمسين كتابًا واستكشفها؛ وأثار لدي ذلك الكتاب على وجه التحديد رغبة مشبوبة في أن

أمتلكه إلى الأبد. وأتى يوم المزاد. وشاء الحظ أن تسبق هذه النسخة من الجلد المسحور في وقائع المزاد مجموعة كاملة من رسومها التوضيحية المطبوعة على نحو مستقل على ورق هندي. جلس

المزايدون إلى منضدة طويلة، وكان قبالتي قطْريًا الرجل الذي تركزت عليه الأنظار كلّها في المزايدة

الأولى، الجامع الشهير البارون فون سيمولين من ميونيخ. كان عظيم الاهتمام بهذه المجموعة من الرسوم، لكن كان ثمة مزايدون راحوا ينافسونه عليها. باختصار، كان هناك تنافس محتدم أفضى إلى

أعلى مزايدة في المزاد كلّه، فاقت الثلاثة آلاف مارك بكثير. ولم يكن أحد يتوقع مثل هذا الرقم،

وخيّمت الإثارة على جميع الحاضرين. أمّا إميل هيرش، فلم يبد اهتمامًا، وانتقل إلى البند اللاحق

من دون أن ينتبه أحد، بغية كسب الوقت ربما، أو لاعتبار ما آخر. وحين أ علن السعر، أعلنتُ سعرًا

أعلى قليلً وقلبي يخفق بسرعة لعلمي التام أنني عاجز عن منافسة أيّ من أولئك الجامعين الكبار.

وتابع هيرش كالمعتاد – «هل من مزايد؟» – لكنه لم يُثر اهتمامهم، فما كان منه إلّ أن طرق بمطرقته

ثلاث مرات، بدا أن أبدية كاملة تفصل واحدتها عن تاليتها، ثم أكمل مضيفًا الرسوم المترتبة للبائع. كان المبلغ لا يزال كبيرًا بالنسبة إلى طالب مثلي. ولن أحكي عمّا حدث في الصباح التالي في محل

الرَّهن، وأفضِّ ل أن أحكي عن حادثة أخرى عليَّ أن أدعوها «عكس المزاد»، وقعت السنة الفائتة في

مزاد في برلين.

كانت الكتب المعروضة شتّى من حيث نوعيتها وموضوعاتها، ولم يكن جديرًا بالاهتمام بينها

سوى عدد من الأعمال النادرة حول الإيمان بالخوارق والفلسفة الطبيعية. وزايدتُ على بعضها،

لكنني كنت ألحظ في كل مرة سيدًا في الصف الأول بدا أنه لا يفعل سوى انتظار مزايداتي كي

يزيد عليها، وبدا جاهزًا لأن يطيح كل عرض أقدمه. وبعد أن تكرر ذلك مرّات عدّة، تخلّيت عن

كل أمل في الحصول على الكتاب الذي كنت مهتمًا به أشدّ الاهتمام في ذلك اليوم. وكان ذلك

شذرات فيزيائي [Fragmente aus dem Nachlass eines jungen Physikers هو الكتاب النادر

شاب منشورة بعد وفاته] الذي نشره يوهان فيلهلم ريتر في جزأين في هيدلبرغ سنة 1810. ولم

تُعَدْ طباعة هذا الكتاب قطّ، لكني لطالما اعتبرت مقدمته أهمّ قطعة في النثر الشخصي طلعت بها

الرومانتيكية الألمانية؛ تلك المقدمة التي يحكي فيها المؤلّف - المحقق قصة حياته في هيئة نعي

لصديق مُفْترَض لا نعرف له اسمًا، لكنه متطابق معه كل التطابق. وما إن ذُك رَ هذا البند من بنود

المزاد حتى خطر لي خاطر؛ خاطر بسيط بما يكفي: ما دامت مزايدتي ستودي بالكتاب إلى الرجل

الآخر من كلّ بدّ، عليّ ألّ أزايد مطلقًا. وتمالكت نفسي ولزمت الصمت. وحدث ما كنت آمل أن

يحدث: لم يكترث بالكتاب أحد أو يزايد عليه، ووُض عَ جانبًا. ورأيت من الحكمة أن أمرِّر أيامًا

عدّة، وحين رجعت بعد أسبوع، وجدت الكتاب في قسم الكتب المستعملة، وأ فدتُ في حصولي

عليه من عدم الاكتراث به. يا للذكريات التي تتزاحم عليك ما إن تدنو من جبال الصناديق كي تُخرِج منها الكتب إلى ضوء النهار،

أو الليل، بالأحرى! ما من شيء يُبرز فتنة «الفلفشة» بالوضوح الذي تبرزها فيه صعوبة وقف هذا الفعل.

كنت قد بدأت ظهرًا، وحلَّ منتصف الليل قبل أن أبلغ الصناديق الأخيرة. ها أنا أضع يديّ الآن على

كتابين مغلّفين بغلافين باهتين ليس مكانهما صندوق كتب، إذا أردنا الدقة: ألبوما صور ملصقة كانت أمي قد ألصقتها وهي بعدُ طفلة ثم ورثتُهما. وكانا بذرة مجموعة من كتب الأطفال التي لا تزال تنمو

باطراد إلى اليوم، وإن لم يكن هذا النمو في حديقتي. ما من مكتبة حيّة إلا وتؤوي عددًا من المخلوقات

الشبيهة بالكتب من مناطق متاخمة. قد تكون ألبومات صور ملصقة أو ألبومات عائلية، أو أوتوغرافات

أو ملفات تحوي كراسات، أو نصوصًا دينية؛ كما يتعلّق بعض البشر بالبيانات والنشرات، في حين

يتعلّق آخرون بنسخ مكتوبة باليد أو مطبوعة على الآلة الكاتبة من كتب يتعذّر الحصول عليها؛ ولا

شكّ أن الدوريات يمكن أن تشكّل الحواف الموشورية لمكتبة من المكتبات. لكنّا إذا ما عدنا إلى

ذينك الألبومين، فإن الوراثة هي، فعليًا، أ سْلَم طريقة للحصول على مجموعة منها؛ ذلك أن موقف

الجامع حيال مقتنياته ينبع من الشعور بالمسؤولية الذي لدى المالك حيال ممتلكاته. وكذلك هو، في

أرفع معانيه، موقف الوارث، وتبقى السمة الأبرز التي تميّز مجموعة هي قابليتها لأن تُنْقَل. ويجب أن

تعلموا أنني حين أقول هذا أدرك تمامًا أن مناقشتي الجوّ الذهني المحيط بعملية الجمع سوف تؤكّد

(((يوهان فيلهلم ريتر (1810-1776) كيميائي وفيزيائي ألماني. ولد في هاينو بسيليزيا في بولندا. يعود إليه الفضل في مجال

الكيمياء الكهربيةواكتشاف الأشعة فوق البنفسجيةوالقضيب الجاف للبطارية الكهربائية. توفي صغيرًا في ميونيخ، ويبدو أن السبب

هو أنه كان يستعمل جسده للتجارب الكهربية. (المترجم)

لكثير منكم قناعتهم بأن هذا الهوى قد تقادم، كما ستؤكّد لهم ما لديهم من عدم الثقة بصنف الجامعين. ولا شيء أبعد عن ذهني من هزّ قناعتكم تلك أو عدم ثقتكم هذه. لكن هنالك شيئًا تجب ملاحظته وهو

أن ظاهرة الجمع تفقد معناها حين تفقد مالكها الشخصي. ومع أن المجموعات العامة قد تكون محل قبول اجتماعي أكبر وفائدة أكاديمية أوفر قياسًا بالمجموعات الخاصة، فإن الأشياء لا تنال ما تستحقه

إلّ في الأخيرة. وأنا أعلم أن زمن الصنف الذي أناقشه هنا وأعرضه أمامكم بحكم عملي هو زمن

ينفد بعض الشيء. وكما أن بومة منيرفا لا تبدأ طيرانها إلّ في الغسق كما يقول هيغل، كذلك لا يمكن

الإحاطة بالجامع إلّ عند انقراضه. ها أنذا عند الصندوق الأخير الذي أُفرِغَ نصفه، وقد تجاوز الوقت منتصف الليل. ثمة أفكار أخرى تملأني غير التي تحدثت عنها. ليست أفكارًا، بل صور وذكريات. ذكريات مدن وجدت فيها أشياء

كثيرة: ريغا، نابولي، ميونيخ، غدانسك، موسكو، فلورنسة، بازل، باريس؛ ذكريات حجرات روزنتال

الفخمة في ميونيخ؛ ذكريات ستوكتُرم غدانسك؛ ذكريات قبو الكتب الرطب لسَس نْغَتْ في شمال

برلين؛ ذكريات الحجرات التي آوت هذه الكتب، جحري وأنا طالب في ميونيخ، حجرتي في برن، عزلتي في إيسلتوالد على بحيرة برينز، وأخيرًا حجرة صباي، الموضع السابق لأربعة أو خمسة

آلاف فقط من بين آلاف الكتب الكثيرة المكومة من حولي. بُور ك الجامع، بُورِكَ سيد الرفاه وتزجية

الوقت! السيد الذي لم نتوقع من أحد أقلّ ممّا توقعنا منه، وليس لدى أحد إحساس يفوق إحساسه

أكبر بالرفاه إذ يقدر أن يواصل وجوده المرذول في قناع «عثّة الكتب» الذي رسمه سبيتزويغ؛ ذلك أن

في داخله أرواحًا، أو جنًّا صغارًا على الأقل، رأوا أن التملّك بالنسبة إلى جامع – أعني جامعًا حقيقيًا،

جامعًا كما يجب أن يكون الجامع – هو العلاقة الصميمية التي يمكن المرء أن يقيمها مع الأشياء.

ولا يعني ذلك أنها تغدو حيّة فيه، بل تعني أنه هو الذي يحيا فيها. وهذا ما دفعني إلى أن أقيم أمامكم

واحدًا من مساكنه بأحجار بناء هي الكتب، وها هو يمضي كي يختفي داخل ذلك المسكن الذي لا

يليق به سواه.

محمد بن سباع

تحولات الفينومنولوجيا المعاصرة

مرلو-بونتي في مناظرة هوسرل وهايدغر