Return to Article Details Jurji Zaidan and the Arabic Novel: The Literary Institution and the Creation of Arabic Literature

جرجي زيدان وفن الرواية العربية مؤسسة أدبية تتشكل وأدب يتجدد

Jurji Zaidan and the Arabic Novel

إدريس الخضراوي

Driss El khadraoui

الملخّص

يسعى هذا البحث إلى إبراز المساهمة اللماحة التي نهض بها جرجي زيدان مستفيدًا من هامش الحرية الذي تمتعت به القاهرة في إرساء المؤسّسة الأدبية الحديثة، واعتمادًا على تجربة كتابية ثرّة ومتنوعة ارتبطت ارتباطًا عميقًا بسؤال النهضة وانشغالاتها، وتجلى مفعولها في حقل الكتابة التاريخية وكذلك في كتابة الرّواية والتنظير لها. ويرى الباحث أن مفهوم المؤسّسة الأدبية عند جاك ديبوا يدلّ على مجموع المحدّدات التي تسمح للأدب بأن يتحقق ككتابة، والمؤسسة هذه تشتغل كما تشتغل كل مؤسّسة، ومن ركائزها الكاتب والقارئ والصحافة الأدبية ودور النشر ومؤسسات التوزيع ووسائل الإعلام، وغيرها من المحافل التي تتدخل في عملية إنتاج الأدب وكذلك في إضفاء المشروعية. إن هذا المفهوم يمثّل أداة ملائمة لتفسير الحضور الذي تمتع به جرجي زيدان، وكذلك الشروط التي جعلت عمله قابلًا للانتشار والتداول في حقبة مفصلية من حقب تحوّل الثقافة العربية.

Abstract

Abstract: Jurji Zeidan played a critical role in the creation of the cultural milieu of modern Arabic literature, and was influential not only because of the richness of his experience, rooted in the «Arab Renewal» of the modern era, but also because of the unique atmosphere of intellectual freedom which Egypt afforded to Arab writers during Zeidan’s lifetime. In this insightful paper, the author adopts Jacques Dubois’ conception of the «literary institution», and uses it throughout this paper to help explain the significance of Zeidan’s work to modern Arabic literature.

الكلمات المفتاحية:
  • المؤسسة الأدبية
  • الحقل الثقافي
  • المثقف
  • الرواية
  • الحداثة
Keywords:
  • Arab Renewal
  • the Novel
  • the Intellectual
  • Modernism
  • The Literary Institution

مؤسسة أدبية تتشكل وأدب يتجدد

The Literary Institution and the Creation of Arabic Literature

مقدمة

تتمثّل المسألة المحورية بالنسبة إلى هذا البحث في إبراز المساهمة اللماحة التي نهض بها جرجي زيدان (1861 - 1914)، مستفيدًا من هامش الحرية الذي تمتعت به القاهرة، في إرساء المؤسسة الأدبية الحديثة من خلال تجربة كتابية ثرّة ومتنوعة ارتبطت ارتباطًا عميقًا بسؤال النهضة وانشغالاتها، وتجلى مفعولها في حقل الكتابة التاريخية وكذلك في كتابة الرواية والتنظير لها. إننا نتصور المؤسّسة الأدبية بوصفها مجموع المحدّدات التي تسمح لأدب بأن يتحقق ككتابة، وهي تشتغل كما تشتغل كل مؤسّسة، ومن ركائزها الكاتب والقارئ والصحافة الأدبية ودور النشر ومؤسسات التوزيع ووسائل الإعلام، وغيرها من المحافل التي تتدخل في عملية إنتاج الأدب وفي إضفاء المشروعية أيضًا. وإذا كان هذا التصور المؤسّساتي يؤكد ما قاله سارتر1 عن أن المؤلفين موجودون في التاريخ، فإنه يؤكد أمرًا آخر مفاده أن الأعمال الفكرية تحوي في نفسها صورة القارئ الذي كُتبت له، ومعلوم أن هذه الفكرة هي التي تشكل أساس نظرية ولفغانغ إيزر (Iser W.) بشأن التلقي2. ممّا لا شك فيه أن نهوض جرجي زيدان بالكتابة في أنواع أدبية متعددة وفي موضوعات مختلفة، وكذلك الدور الذي قام به من خلال مجلة الهلال (1892)، يقع في صميم تكوّن هذه المؤسّسة التي لم تجعل من الروائيين نقادًا فحسب، وإنما جعلت تجديد اللغة أيضًا، وبعيدًا عن البلاغة الموروثة ولغايات قومية وطنية وأدبية، معركة حامية الوطيس. كما اتخذت من الرّواية، بوصفها جنسًا أدبيًا جديدًا، أداة إبداعية للدفاع عن الزمن الحديث، وقوامه الحداثة والمغامرة الفردية والحرية والتسامح، في مواجهة ضغوط النص الثقافي التقليدي الذي كان سائدًا آنذاك. لذلك، اقتضى تقديم هذا الشكل التعبيري الجديد للقارئ توفير الشروط الم ئاامة لتداوليته وتلقّيه، وهذا ما اضطلعت به المجلات الأدبية التي ظهرت خلال هذه الفترة، وفي طليعتها الهلال، بالإضافة إلى المقالات وكذلك المقدمات التي كتبها جرجي زيدان لأعماله الروائية. إن الانط ق من التنظيرات المهمة بشأن الأدب منذ النصف الثاني من القرن الماضي، خصوصًا تلك التي بلورها جان بول سارتر ورولان بارت وبيير بورديو وجاك ديبوا الذين استفادوا بمستويات مختلفة من مفهوم المؤسّسة الأدبية، والاسترسال في تجلية أهمية هذه المساهمة بالنسبة إلى التفكير النقدي وطبيعة تصورها لأدب بشكل عام والرواية على وجه التحديد، سيمكناننا من فهم تكوّن الحقل الثقافي العربي في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وتلمّس الخصوبة التي تمتعت بها تصورات جرجي زيدان المبكرة حول الرواية والجدوى من كتابتها في سياق ثقافي عربي تميز بغياب شامل لشروط ظهورها. والدلالة التي يمكن أن نستخلصها من نهوض جرجي زيدان بملء هذه الخانة الفارغة هي تلك التي تؤشر عليها أياديه البيضاء على الأدب

  1. جون بول سارتر، ما الأدب؟، ترجمة وتقديم وتعليق محمد غنيمي هلال (القاهرة: دار نهضة مصر، [د. ت.])، ص.69
  2. Elrud Ibsch, «La Réception littéraire,» dans: Marc Angenot [et al.], dirs. , Théorie littéraire: Problèmes et perspectives (Paris: Presses universitaires de France, 1989), p. 252.

العربي الحديث في الكتابة والتنظير والتأريخ من خ لاا البحث عن أفق نظري مرجعي من داخل العلوم الأوروبية. يتوزع مشهد هذا البحث على ث ثااة محاور: يتعلق بالبناء النظري لمفهوم المؤسّسة، من أولها خ لاا مراجعة أهم التنظيرات في هذا المجال، ويتناول الثانيالمثقف الحديث والمؤسّسة الأدبية، ويتفحص العوامل التي ساهمت في تكوّنها تحت ضغط ضرورات التحرّر النسبي من النموذج التراثي، وإغراءات النموذج الثقافي الغربي، وبالتالي طبيعة التصور الجديد الذي كانت تبلوره بصدد الأدب ووظيفته وجدواه في سياق طبعته شروط سوسيو ثقافية وإستطيقية مختلفة. أمّ ا المحور الثالث، فيتكرّس لتناول الكتابة الروائية بين التنظير والممارسة، ويستجلي مساهمة جرجي زيدان اللماحة في نشأة الرواية العربية وفي تطورها، رغم أن النقد في شقه العربي والاستشراقي لم ينصف هذه المساهمة بقدر ما تبنى موقفًا نقديًا متحيزًا للرواية العربية الواقعية، ممثلة في رواية زينب3.

اعتبارات نظرية

استدرجت قضية أسئلة الع قااات التي تقيمها الحياة الأدبية مع الحياة الاجتماعية، وضمنها أسئلة الكتاب والكتابة الأدبية، وكذلك مفهوم الأدب ودوره وعلاقته بالمجتمع والحقل الثقافي ومؤسّساته في بلدان مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، مقاربات كثيرة تميزت بالاخت ف والتنوع في المنظورات والآليات والأدوات4. ومن اللافت للنظر أن الإنتاجية التي طبعت هذا التفكير، وكذلك التراكمات التي تحققت فيه منذ نهاية القرن التاسع عشر، تجلت في الانتقال من تلك المقاربات التي لم تكن فيها الأبعاد الاجتماعية في الأدب مرئية بشكل واضح، خصوصًا المقاربات التي تَعيّنَ فيها النص بوصفه وسيلة وليس نقطة ارتكاز أساسية في الفهم، إلى مقاربات أدبية أخرى يستحكم بها هاجس بناء العلاقة بين الأدب والمجتمع بصورة أفضل، ومن ثم تنطلق من منظور محايث يتقصى أثر المجتمع في اللغة والبنى الأدبية، كما يتناول بالبحث وقائع الأدب وما تشهده من تغيرات لا تقتصر على شؤون تقنية، وإنما تعبّر عن احتمالات أوسع منها، وفي حراك تاريخي عام5.

  1. بطرس الحلاق، جبران: حداثة عربية: ذات تتكون وأدب يتجدد، ترجمة إياس الحسن وجمال شحيّد (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2013.31)، ص
  2. لا شك أن سؤال العلاقة بين الحياة الأدبية والحياة الاجتماعية قديم جدًّا، وأعمق من أن يُحصَر ضمن نطاق الثقافة الغربية الحديثة التي تطور فيها؛ إذ يعود بنا هذا السؤال إلى أفلاطون في كتاب الجمهورية إذ تساءل عن مكانة الشعراء في المدينة وطالب بطردهم منها بذريعة أنهم يحرفون الفكر عن درب الحقيقة من خلال إخضاعه لإغراء الصور المضللة، ويفتقرون إلى القدرة على التدخل في الشؤون العامة التي تتطلب تفوّق العقل. هذه الإشكالية استعيدت وتجددت عبر العصور، وحقق التفكير فيها تراكمًا كبيرًا من المؤلفات المهمة. انظر: بول آرون وألان فيالا، سوسيولوجيا الأدب، ترجمة محمد علي مقلد؛ مراجعة حسن طلب، سلسلة نصوص (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 20139)، ص، وكريستيان دوميه، جنوح الف ساافة الشعري، ترجمة ريتا خاطر؛ مراجعة جوزيف شريم (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2013.7)، ص
  3. نجد هذا التصور عند الناقد شربل داغر في: شربل داغر، «القصيدة العربية الحديثة: الخروج من نظام الواحدية التمامية،» نزوى (عمان)، العدد 42 (نيسان/ أبريل 2005.32)، ص

في هذا السياق، تُعَدّ المقاربة المؤسّساتية من أحدث المعالجات السوسيولوجية لأدب؛ فهي تنطلق من سؤال مختلف يتبأر حول ما يُمأسِس النصّ بوصفه نصًا أدبيًا، وذلك باستحضار المعايير الجنسأدبية وسنن المقبولية والقيود الشكلية، ومختلف الشروط التي تحفّ بالأدب وتتدخل في حيازة الشرعية أو استبعادها. ومن ثم، فإن الإضافة التي تقدمها هذه المقاربة على مستوى المعرفة بالأدب ونظام إنتاجه تتمثل في تفكيك الآليات التي تمأسسه وتمنحه شرعية الوجود في العالم الاجتماعي. يهمنا ها هنا أن نشير إلى تلك المحاولات النقدية اللماحة التي لفتت الانتباه في التفكير في الأدب منذ النصف الثاني من القرن الماضي، بما نهضت به من جهد في بناء فهم مغاير بالأدب ووضعه الاعتباري والجدوى من كتابته، وذلك في ضوء مقاربة جديدة تتميز بالقطع مع المفاهيم المثالية بشأن الفن والأدب، والجنوح نحو تمجيد العلاقة بين الأدب والمجتمع والتاريخ والطبقات الاجتماعية. وإذا كان الأدب قد ألفَ منذ أف طون أن يكون موضوعًا للتفكير والتأمل ووضع شرعيته موضع تساؤل، كما حدث مع الشعراء في الجمهورية، فإن الإضافة التي تتحصّل من التأمل في ماهيته والتساؤل عن غائية الكتابة من قبل مجموعة من الشعراء والروائيين منذ القرن التاسع عشر، تتمثّل في مساحات الاختلاف التي تفتحها هذه التأملات أمام نظرية الأدب، كما يلاحظ محمد برادة، لتلامس هوية الأدب وعلائقه باللغة وبالعلوم الإنسانية، ولتتساءل عن الأسس الإبستيمولوجية التي تتيح التفكير في الأدب كحدث متميز يوجد في تماس دائم مع بقية الخطابات ويطمح إلى إضفاء مشروعية نظرية على مجاله وأدواته وغاياته6. ومعنى هذا أن على الرغم من أن الأدب مفهوم جامع يستوعب أجناسًا أدبية مختلفة، فإنه يكفّ عن أن يكون منطويًا على محددات ثابتة تقف الذات القارئة على مسافة منها من أجل وصفها موضوعيًا، مع أن هذا التصور، بحسب تيري إيغلتون، لا تظهر أيديولوجيته في أي مكان آخر بالوضوح الذي تظهر به في محاولاته تجاهل التاريخ والسياسة7. من هذا المنظور الذي يكشف ما تشهده الدراسة الأدبية من تحولات وما يطبعها من توجهات جديدة، سواء على صعيد الوضع الإبستيمولوجي أو على صعيد طبيعة تحديد الموضوع (أي الأدب)، يتبين أن ما يقع في صميم هذا التفكير المختلف في الأدب هو كونه ممارسة8؛ إذ إنه لا يوجد إلا من خ لاا محافل تعترف به وتضفي عليه الشرعية بوصفه فعلًاجتماعيًا وثقافيًا مستقلً. وبالتالي، فإن دلالته تتحدد من خلال وجوده في التاريخ وارتباطه بسياق ثقافي يلقي بمفعولاته على أنماط التلقي واستراتيجياته وآلياته التذوقية؛ ذلك أن النص لا يصير أدبًا بالمعنى الدقيق إلا بالتبادل، أي حيث يُقرأ أو يُسمع أو يُرى كأدب، إذن حيث يصير مُجمعَنا. كما أن من كونه عمل لغويًا ليس إلا، يشارك في

  1. محمد برادة، «تحولات مفهوم الالتزام في الأدب العربي الحديث،» نزوى، العدد 25 (كانون الثاني/ يناير 2001.18)، ص
  2. تيري إيغلتون، نظرية الأدب، ترجمة ثائر ديب (دمشق: دار المدى، 2006.310)، ص
  3. يرى بورديو أن الممارسة الاجتماعية ليست مجرد فعل صادر في الزمن الحاضر، بل هي أيضًا فعل موجَّه من الماضي، فعل تاريخي؛ فكما أنه لا بد من أن تتضافر ظروف عدة قبل هطول المطر، كذلك الممارسة، التي هي محصلة خبرات مكتسبة أو موروثة، تتضافر لتقييم الوضع المعيش، وتحديد طبيعة الفعل الملازم في لحظة ما، لحظة الممارسة، أو هطول المطر. انظر: أحمد موسى بدوي، «ما بين الفعل والبناء الاجتماعي: بحث في نظرية الممارسة لدى بيير بورديو،» إضافات (بيروت)، العدد 8 (خريف 2009)، ص.12

هذه الحقيقة الاجتماعية للغاية التي هي اللغة9. وبهذا المعنى لا تنشأ المدارس الأدبية عن غائية ذاتية ساذجة عند قادتها، وهي ليست أثرًا ميكانيكيًا مباشرًا لمحددات اجتماعية، بل تنشأ وفقًا للضرورة الكامنة في المجال والمقتضيات المغروسة داخله عندما تلتقي بالتطبّع الملائم10. ثمة، إذن، علاقة وطيدة بين الكتابة الأدبية بتحققاتها النوعية المختلفة والسياق الثقافي الاجتماعي الذي أُنتجت فيه، لأن الإنتاجات الأدبية تستبطن الميول والاستعدادات التي يمتلكها الجمهور في اللحظة التاريخية التي تظهر فيها، ما يسهل عملية استقبالها والتفاعل معها. لذلك، لا يمكن أن نتصور أن تستجيب الحركة الثقافية لما يبدو جديدًا قياسًا بالأشكال الإبداعية المتحققة من دون توافر قاعدة الارتكاز التي يمثّلها الوعي النقدي الحاد، فهو الذي يوفر لها الشروط الم ئاامة للاستنبات ضمن الحاضنة الثقافية الجديدة. في هذا السياق، نعتبر أن أهمية المقاربة التي يبلورها ديبوا11 تتأتى من عمق التفكير في الكيفية التي تشتغل بها المؤسسة في البنية الاجتماعية، والموقع الذي تشغله فيها، وكذلك كيفية تمفصلها مع العناصر الأخرى؛ ذلك أن المؤسسة تمثّل، في مقابل أنماط الإنتاج وعلاقاته، شكل كبيرًا لبنية الحقل الاجتماعي، كما أنها تنظم مجال البنى الفوقية كله. إن بعض هذه المؤسسات تدوم مدة أطول من دوام أنماط الإنتاج وعلاقاته تلك. وعلى هذا الأساس يرى ديبوا أن طابع المؤسسات التنظيمي، وهو أهم تدخّل يُنسب إليها، لا يمكن فهمه انطلاقًا من تصنيف بسيط؛ ذلك أن تدخّل المؤسسة يتجلى على مستويات عدة، مستويات تنظيمية وأُخرى متعلقة بالتنشئة الاجتماعية وأيديولوجية، وكذلك في العلاقة بين هذه المستويات. ولربما تبدو المؤسسات من ناحية الوظيفة أو الدور الذي تنهض به شكلً كبيرًا للتنظيم يؤمّن عملية اندماج أفراد مجموعة معيّنة في نظام الإنتاج، كما تستجيب هذه المؤسسات لحاجات هؤلاء الأفراد وانتظاراتهم؛ وتغطي كل واحدة منها حقل معيّنًا تنظمه وفق نسق خاص؛ ففي حقل التربية مثلً، تعمل المؤسسة على مأسسة عدد من الممارسات التربوية والبيداغوجية، وكذلك الشأن في الميدان الصحي، حيث يجري إرساء عدد من الممارسات المتعلقة بالصحة والاستشفاء. هذه الوظيفة التي تنهض بها المؤسسة لا تكون ممكنة إلا عندما تتوافر هذه الأخيرة على أساس مادي يسمح لها بأن تمتد في الزمن وأن تتدخل لتقدم صورة فعالة عن نفسها؛ فهي تقوم على وجود موارد بشرية وإدارة وفرق عمل ورأس مال وعدد من الأفعال الملموسة. بالإضافة إلى هذا البُعد التظيمي للمؤسّسة، يشير ديبوا إلى نقطة مهمة تتمثّل في كون أن في إمكانها النهوض بدور الرقابة على مجالها، وهي لا تفعل ذلك إلا من خلال فرض نموذجها والعمل على ضمان تمثله وإعادة إنتاجه، وليس هذا النموذج سوى نموذج للسلطة والأيديولوجيا. هكذا يتبين أن الوظيفة الأهم والأعمق للمؤسسة، والتي تشكل أصالتها، تتمثّل في ضمان التنشئة الاجتماعية لأفراد عبر فرض نموذج من المعايير والقيم.

  1. آرون وفيالا، ص.58
  2. بيير بورديو، قواعد الفن، ترجمة إبراهيم فتحي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2013.14)، ص
  3. Jacques Dubois, L’Institution de la littérature , préface de Jean-Pierre Bertrand, espace nord, références; 227 (Bruxelle: Editions Labor, 2005).

والحال أن هذه الوظيفة تتميز بكونها مُوجَّهة، فهي تندرج في سياق إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية كما تلقي الضوء على الطبقات الاجتماعية للفاعلين. ومن هذه الزاوية التي تنهض فيها المؤسسة بدور تربوي ككل مؤسّسة، تتعين كذلك بوصفها موقعًا للهيمنة وللتطويع الأيديولوجياللذين لا يتجليان، فحسب، في الخطابات التي تسهر على تداولها ونشرها، والسنن التي تعمل على تطبيقها، وإنما كذلك في طرق تصنيف الممارسات الاجتماعية وكيفيات إرسائها، على أساس من الشرعية، للشروط الخاصة بإمكانيةالقيام بتلك الممارسات12. نتبين بوضوح أن خطاب ديبوا عن المؤسسة ودورها الأيديولوجي يجعله واقعًا في صميم مفهوم السلطة وأجهزتها الأيديولوجية كما تقصى ألتوسير أدوارها في المجتمعات الحديثة، إذ يشير إلى أن السلطة تتمثّل بوصفها قوة تنفيذ في خدمة الطبقات المهيمنة؛ فهي تمارس هذا الدور من خلال نمطين من الأجهزة: الأول زجري والثاني أيديولوجي. هذه الأجهزة الأيديولوجية للدولة، وهي تشمل النظام التربوي والأجهزة الثقافية التي يتعين الأدب باعتباره جزءًا منها، تلتقي مع مفهوم المؤسّسة كما يطرحه ديبوا. فالمؤسّسات التي تنبثق من السلطة ليست في الواقع سوى الأدوات التي تمارس الدولة من خ لااها سلطتها وتعطيها طابعًا تنفيذيًا. لذلك، يشدد ألتوسير على أن ما من طبقة تستطيع أن تحقق هيمنتها من دون أن تنجز ذلك على أساس الأجهزة الأيديولوجية ومن خ لاا هذه الأجهزة. كما أن انقياد الأفراد لأيديولوجيا المهيمنة يمرّ عبر هيمنة جهاز أيديولوجي ما على باقي الأجهزة الأخرى. ويطرح ديبوا كمثال على ذلك الطبقةَ البرجوازية التي جعلت سياستها الثقافية في ممارسة السلطة تتمركز على جعل جهاز المدرسة الجهاز المهيمن على مستوى الرقابة الأيديولوجية. بهذا المعنى، يسمح الانطلاق من هذا المفهوم بالتفكير في الأدب بوصفه مؤسسة تنهض بأدوار ثلاثة: فهي تنظيم مستقلونظام للتنشئة الاجتماعية وجهاز أيديولوجي. وهذا ما يتيح تناول الأدب من خلال إدراجه ضمن شبكة من التحديدات التاريخية، وكذلك من خلال وصله بسلطة الدولة. في هذا السياق يشير ديبوا13 إلى ثلاث أطروحات أساسية في مشهد هذا التفكير النقدي المختلف، والأمر يتعلق بالفيلسوف سارتر في كتاب ما الأدب؟، والناقد بارت في كتاب درجة الصفر للكتابة، وعالم الاجتماع بورديو في نظريته بشأن الحقل الثقافي. ورغم أن مقاربات هؤلاء النقاد تطورت ضمنِ سياقات مختلفة، فإن ثمة ما يربط بينها، مفاده أن الأدب مؤسّسة برجوازية، أي ممارسة تاريخية تؤرخ لغد الثورة الفرنسية. هذا الربط بين الأدب والمؤسّسة يجلّي وظيفة الأدب والدور الذي ينهض به في مرحلة تاريخية تطبعها قيم ثقافية وأيديولوجية محددة، وهو ما يعطيه وضعًا اعتباريًا مختلفًا قياسًا بالتصورات السائدة.

  1. Jacques Dubois, «Vers une théorie de l’institution,» dans: Sociocritique , textes de Bradley Berke [et al.]; présentés par Claude Duchet, Nathan université, information, formation. Littérature française (Paris: Nathan, 1979), p. 169.
  2. المصدر نفسه، ص.159

هل معنى هذا أنه لم يتوافر أي إطار مؤسساتي لأعمال الأدبية التي يعود تاريخ إنتاجها إلى مرحلة تاريخية سابقة، كالقرنين السابع عشر والثامن عشر، أي لذلك المتن الذي كان يُنظر إليه في ضوء مفهوم الآداب الجميلة؟ تتمثّل الإجابة التي يقدمها ديبوا في اعتبار عملية إنتاج الأدب خاضعة دائمًا لجملة من المعايير المحددة، سواء على صعيد التصور بشأن الأجناس الأدبية أو على صعيد التلقي. إن الأهمية التي تحظى بها هذه المعايير لا تتمثّل فقط في إضفاء الشرعية التي هي مجال تنافس بين الكتّاب، وإنما كذلك في ارتباطها بعملية التلقي، إذ بها تحلّ شفرة الأدب ويُقرأ، ويشرع في التحدث قاهرًا إرغامات الموت، وكذلك الزمان والمكان14. لذلك، فإن ما يهم في التفكير في الأدب اعتبارًا من مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية هو ذلك التوجه نحو فهم تلك الاستقلالية التي يحظى بها الكاتب والأدب على حد سواء؛ هذه الاستقلالية تتبلور ضمن نطاق عمل يتم في إطار نظام الإنتاج البرجوازي. ومنذ تلك اللحظة، بدأ الوعي بالأدب بوصفه مكونًا مستقل وعالمًا دنيويًا يتطور ويتنامى حضوره بوتيرة متسارعة وبالتزامن مع المحافل الخاصة بإضفاء الشرعية. وهذا ما كان يتمأسس ويحقق لنفسه موقعًا. لعل ما نلاحظه ونود إبرازه ها هنا هو أن هذه الاستقلالية التي بدأ الأدب يلامسها تتعين بوصفها ظاهرة معقدة؛ فهي تكشف، من جهة، عن الوعي بما ينهض به الأدب من وظيفة تدخلية في العالم، وهذا ما يدعوه جاك رانسيير (Rancière J.«) بسياسة الأدب » التي لا تعني التزامات الكتاب الشخصية في صراعات عصرهم السياسية أو الاجتماعية، وإنما تعني أن الأدب يتدخل بوصفه أدبًا في هذا التقسيم لأمكنة ولأوقات وللمرئي ولغير المرئي وللك ماا وللصخب15. ويتجلى فيها، من جهة ثانية، أثر تقسيم العمل الذي يتعين بوصفه عنصرًا أساسيًا مائزًا لنظام الإنتاج الرأسمالي. تجد التحولات التي شهدها الأدب منذ القرن التاسع عشر سندها في منظور سارتر من خ لاا التوقف عند العلامات التي كانت تطبع مفهوم الأدب ووضعه الاعتباري خ لاا القرنين السابع عشر والثامن عشر؛ ففي القرن السابع عشر، تميز الأدب بالتبعية لسلطتين، السلطة الدينية وسلطة المل، كية وبخدمة النظام السياسي والأيديولوجيا، والعمل على الاستجابة لحاجات نخبة معيّنة تتمثّل في الملك وحاشيته. هذه النخبة كان الكاتب ينضوي ضمن مظلتها ويقيم معها علاقات وطيدة ويشارك في خدمتها. أمّا كتّاب القرن الثامن عشر، فلم يكونوا بمنأى عن الأيديولوجيا، بل كانوا يناصرون أيديولوجية الطبقة البرجوازية الصاعدة التي كانوا ينتمون إليها. ويعلق ديبوا على وضع الكتّاب في هذين السياقين المختلفين من حيث إنهم كانوا تحت ضغط قوتين ويعيشون التناقضات بفرح كما لو كان يكفي أن يصرح الكاتب بأهمية الحرية أويعبّر من خ لاا الكتابة، كي يفتح أفقًا جديدًا أمام المجتمع والأدب. لذلك يتعين الأدب في السياقين معًا باعتباره واقعًا تحت المظلة، ومتوحدًا مع

  1. هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج: الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح؛ مراجعة جورج كتورة (طرابلس، ليبيا: دار أويا، 2007.248)، ص
  2. جاك رانسيير، سياسة الأدب، ترجمة رضوان ظاظا (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010.15)، ص

أحلام الحاكمين. وبما أن وساطة الأدب تجري ها هنا في صميم تلك الطبقة، فإنه يبدو بعيدًا عن تلك الاستقلالية التي ستشكل الرهان بالنسبة إلى الكتاب في مرحلة ما بعد الثورة. في هذا السياق يشير سارتر إلى جملة من المحددات تُعتبر دالة على اكتشاف الأدب طريق الاستقلالية عن مختلف الممارسات التي كان يدين لها بالتبعية، خاصة السلطة، سياسية أكانت أم دينية؛ ففي القرن التاسع عشر، أخذ الأدب في التخلص من الأيديولوجيا الدينية، ورفض أن يكون مسخَّرًا لخدمة الأيديولوجيا البرجوازية، وقدّم نفسه ممارسة مستقلة عن كل مكون أيديولوجي، فحافظ بهذا على وضع أكثر تجريدية وسلبية، وهو «لم يُفهم أنه هو نفسه ممارسة أيديولوجية، وبسبب ذلك يبذل الأدب جهدًا كبيرًا في الدفاع عن استقلالية لن يعترف له بها أحد»16. لا شك أن هذه الم حظة التي يبديها سارتر تكتسب أهميتها من جهتين: جهة الربط بين أولاهما الاستقلالية والأيديولوجيا، وهو ما يعني أن استقلالية الأدب لا تعني أنه لا يرتبط بالأيديولوجيا بشكل أو بآخر. وثانيتهما جهة استخلاص تحوّل أساسي في علاقة الأدب بالأيديولوجيا، يتعين بوصفه علامة على اتخاذ الأدب طابع المؤسّسة. ومن ثم، فإن ما يكتسي الأهمية بالنسبة إلى سارتر هو اقتراب الأدب من نفسه، وجنوح الكاتب نحو الانتماء إلى طبقة جديدة تتشكل من النظراء، أي أولئك الذين يشاركونه حرفة الكتابة والانشغال بالشيء الأدبي17. إذا كان سارتر يرى تمأسس الأدب ماثلً في المسافة التي صار يأخذها الكاتب إزاء الطبقة، والانتصار لطبقة جديدة تحيا في عالم الكلمات، فإن بارت الذي يستفيد من بلانشو وسارتر سيوسّع في درجة الصفر للكتابة تحليله للمؤسسة، منطلقًا من حقل اللغة وطرائق توظيف الكتاب لها بأشكال مختلفة، بحثًا عن ذلك السياق المختلف الذي يُجلّي بصمة الكاتب قياسًا بالاستعمال المألوف. يقول بارت: «هذا النظام المقدس لإشارات المكتوبة يطرح الأدب وكأنه مؤسّسة، كما أنه ينزع إلى تجريده من التاريخ لأن أي حرم لا يتأسس بدون فكرة الخلود. إلا أنه في الموضع الذي يرفض فيه التاريخ نجده يؤثر بوضوح أكثر. يكون ممكنًا، إذن، أن نرسم تاريخ إشارات الأدب، كما يمكننا أن نؤمل بأن هذا التاريخ الشكلي سيظهر بطريقته الخاصة التي لا تقلّ وضوحًا، علاقته بالتاريخ العميق»18. إن هذا النظام من العلامات، التي يجسّد الكاتب الحديث من خلالها انتماءه إلى الأدب وقد أصبح مؤسّسة، ويعبّر بها عن هوية جديدة من صميمها أنه (أي الكاتب) يكفّ عن أن يكون شاهدًا على الكوني ليصير وعيًا شقيًا، هذا النظام هو ما يدعوه بارت الكتابة19. ولا بأس في التذكير بأن تصور بارت لهذا الوضع الذي اتخذه الأدب، منتشيًا بحياده وحداثته المتأمّلة، يجد سنده في إشكاليتين

  1. Jean-Paul Sartre,  Qu’est ce que la littérature ? (Situations II) , cité par, J. Dubois, L’institution de la littérature , p. 31.
  2. J. Dubois, L’institution , Op. Cit, p. 34.
  3. رولان بارت، درجة الصفر للكتابة، ترجمة محمد برادة (الرباط: الشركة المغربية للناشرين المتحدين؛ بيروت: دار الطليعة، 1980.28)، ص
  4. Roland Barthes,  Le Degré zéro de l’écriture,  cité par J. Dubois, Op. Cit, p. 36.

جديدتين، تتمثّل أولاهما في الشكل الذي نمّى سلطة ثانية، وأصبح الكاتب يحدد من خ لااه التزامه إمّ ا باستمراره في الكتابة الموروثة عن ماضيه وإمّ ا برفضها، وثانيتهما في اللغة. وبخ ف الفن الكلاسيكي الذي لم يحسّ بنفسه وكأنه لغة، أصبح الأدب منذ سنة 1850، أي حين تكرّس بوصفه موضوعًا، بمثابة لغة متماسكة وعميقة ومليئة بالأسرار، ومقدمة لنا كحلم وكتهديد في آن واحد20. من الملاحَظ أن بارتلا يختلف عن سارتر في هذا التحقيب الذي يجعل من القرن الثامن عشر لحظة مفصلية باتجاه مفهوم جديد لأدب. وقد لاحظ سارتر «أن فلوبير يكتب ليتخلص من البشر والأشياء. فعبارته تحاصر الغرض وتلتقطه وتثبته وتحطمه، ثم ترتج على نفسها داخله وتتحجر وإياه»21، وأوّلَ هذا التحجر بوصفه مساهمة أبطال الأدب الخالص في استراتيجية الطبقة البرجوازية. غير أن بارت عندما يشدد على منتصف القرن التاسع عشر يلمع إلى الأهمية التي يمثّلها رفض الكاتب الفرنسي النهوض بأي دور أيديولوجي بالنسبة إلى طبقته، لأن ما أصبح يشغله هو التأمل في الكتابة التي يمارسها وفي الأدب الذي ينتمي إليه. بهذا المعنى تتحدد الكتابة بالنسبة إلى بارت في تموضعها في صميم الإشكالية التي لا تبدأ إلا معها بوصفها أخ ق الشكل، وبوصفها اختيار المجال الاجتماعي الذي يقرر الكاتب أن يموضع داخله لغته. وبما أن الكاتب أصبح يدرك أنه لا يستطيع تغيير أي شيء في الاستهلاك الأدبي، فإن الكتابة بوصفها حقيقة ملتبسة، تحمل الكاتب من الغائية الاجتماعية إلى المنابع الأداتية لإبداعه فيما يشبه نقلة مأساوية22. هكذا يبرز بارت أن الكاتب البرجوازي الجديد سيجد نفسه في موقف مطبوع بالتناقض؛ ففي الوقت الذي يرى فيه إلى نفسه بوصفه متحررًا من تلك الصورة التقليدية لأدب التي تشتغل كجسد من المعايير الضمنية، فإنه مدعو إلى وضع جهاز ينظم الأدب ويحدده بشكل مؤقت. في هذا السياق يرى ديبوا أن ما يتركه بارت غائمًا وغير محدد هو أن الكتابة ليست سوى تعبير عن بنية المؤسسة. وهذا ما يظهره بورديو انطلاقًا من تصوره للحقل الفني، حيث تتعين الكتابة المتعددة بوصفها أثرًا لهذا الوضع الذي أخذه الأدب بوصفه مؤسّسة منذ القرن التاسع عشر. يتجاوز بورديو التعارض بين التحليل الخارجي والتحليل الداخلي، كما يتجاوز المقاربة الماركسية الانعكاسية، نحو مقاربة تفسر الأعمال الفنية من خلال عبارات تخص الحقل الفني وتبعًا للرهانات الخاصة بهذا العالم، كما تستند إلى سنن من المعايير الجمالية التي تُحدَّد من خلال جهاز من المحافل، كما يُعاد إنتاجها وتغييرها في الوقت نفسه من خلال لعب المدارس الأدبية وصراعاتها. لنقُل إن هذا التصور هو الذي يجعل منه بورديو نقطة الارتكاز في مقاربته لاستقلالية الحقل الفني (الأدبي) من خلال نظريته التي تتكئ على منظورات وتصورات ماركس وفيبر. ولعل ما يتميز به تصوره

  1. بارت، درجة الصفر للكتابة، ص.29
  2. رانسيير، سياسة الأدب، ص.20
  3. المصدر نفسه، ص.38

هو اعتباره أن هذه الاستق لااية كانت تتحقق بنوع من الاطراد في مختلف مجالات الحياة الثقافية خ لاا تاريخ المجتمعات الأوروبية، وهي التي طبعت بقوة نظام ع قااات الإنتاج وتداول الخيرات الرمزية واستهلاكها. لذلك يرسم بورديو مسارًا تاريخيًا لمسألة الاستقلالية منذ العصر الوسيط حتى مرحلة الكلاسيكية؛ إذ يستنتج أن الآداب كانت تابعة لسلطتين نافذتين تمثّلهما الكنيسة والأرستقراطية. وهاتان السلطتان كانتا تحددان للكاتب خطة العمل طبقًا لحاجات أيديولوجية وجمالية. وكان هناك محاولات منذ القرن الخامس عشر للتعبير عن شرعية فنية خالصة، لكن الملكية المطلقة المدعومة من الكنيسة تمكنت من تقويضها طوال قرنين كاملين. ويتابع بورديو أن مع نهاية هذه المرحلة حدثت متغيرات ث ثااة حرّرت جماعات الكتاب والفنانين من هذه التبعية الاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية. وتجسّدت هذه المتغيرات في: أولً ظهور جمهور متنوع اجتماعيًا، وثانيًا اتساع قاعدة المنتجين للخيرات الرمزية، وثالثًا تعدد المحافل المختصة في إضفاء الشرعية والاعتراف بالأدب. يمكن القول مع بورديو إن هذه السيرورة بدأت، منذ القرن التاسع عشر ومع صعود الطبقة البرجوازية والثورة الصناعية وظهور الرومانسية في مجال الفن، تُلقي بأثرها من خلال إرساء نظام جديد لإنتاج والنشر. وتمثّلت معالم هذا النظام في العلاقة التي أصبحت تربط الصحافة اليومية بالأدب، وهو ما سرّع من وتيرة إنتاج الأعمال الإبداعية التي استفادت هي الأخرى من اتساع قاعدة جمهور القراء بفعل تعميم التعليم، وهذا ما أدى إلى إثارة الاهتمام بالأدب لدى طبقة جديدة من القراء، ولا سيما النساء. ولعل ما يكتسي الأهمية والدلالة من منظور بورديو هو أن الأدب أصبح يتعين بوصفه ذلك الفعل الذي تنهض بالقيام به جماعة الكتّاب المستقلين والمتخصصين الذين يسهرون بأنفسهم على تسنين ووضع قواعد العمل والاشتغال. كما يحرصون على تلك المسافة التي يتمسكون بها إزاء المحافل المختلفة، سياسية أو دينية أو أخلاقية. والاستناد إلى شرعية جمالية تتبلور من داخل الحقل الثقافي، وتشتغل من خلال المواقع التي يشغلها المثقفون داخل هذا الحقل23. في هذا السياق يرى ديبوا أن بورديو يعرّف المؤسسة، عندما يتناولها بالتحليل انط قااًا من مفهوم الحقل والنظام، بأنها بنية من العلاقات الموضوعية التي تتحدد في داخلها العناصر المختلفة، وخاصة المواقع التي يشغلها الفاعلون. ومعلوم أن هذا التصور يقوم، عند تأكيده الخاصية التفاعلية لظواهر الإنتاج وإعادة الإنتاج، بإقصاء بعض المحددات الخارجية من قبيل الأصل الاجتماعي للفاعلين. إننا لا نريد الإسهاب في عرض هذه الدراسة المميزة التي قام بها ديبوا، لكننا نشير في عجالة إلى أن على الرغم من التقائها مع جزء مهم من طروحات لوسيان غولدمان في الرؤية للعالم وعلاقة الكاتب بالطبقة الاجتماعية، فإنها تختلف معه في شأن الأولوية التي يعطيها لأبعاد الاجتماعية على الإنتاج الأدبي؛ ذلك أن ديبوا يذهب إلى أن مقاربة غولدمان تركت خانة فارغة تمثّلت في كما لو أن النشاط الأدبي يشكو غياب موقع خاص يتطور فيه ويشتغل، وكما لو أن الكاتب فاعل اجتماعي من دون

  1. Pierre Bourdieu, cité par, J. Dubois,  L’institution,  Op. Cit, p. 43.

وضع اعتباري، وأن العمل الذي يقوم به يبقى مشدودًا إلى محفل أيديولوجي عام، وكما لو أن لا شيء يشرعن الممارسات الأدبية وينظمها في تنوعها24. تختلف نظرية المؤسسة أيضًا مع المقاربات الثلاث لكل من سارتر وبارت وبورديو، رغم أن هؤلاء جميعًا ينطلقون من الفرضية التي تقول بأن الأدب كما نفهمه اليوم يحيل إلى لحظة تاريخية محددة يمكن تحديدها انط قااًا من التشكل الاجتماعي للبرجوازية بوصفها طبقة، كما يحيل إلى فكرة الاستقلالية التي فرضها تقسيم العمل في النظام الرأسمالي. بما أن ما يخصص هذه المقاربة هو وضعها الأدب ضمن شبكة من التحديدات أولً، وربطه ثانيًا بسلطة الدولة، فإنها تفيد في فهم السياق الثقافي العربي الذي واكب مأسسة الأدب بالمعنى الحديث، من خلال جملة من الانتهاكات التي لم تقتصر على مفهوم الأدب، وإنما تجاوزته إلى اللغة التي بدت أقرب إلى الحياة. ومعلوم أن زيدان الذي كتب في التاريخ والحضارة وتاريخ الأدب وكتب الرحلة والرواية واحتفى بها أيما احتفاء، كان في قلب الصراع من أجل ملاءمة الكتابة لروح العصر.

المثقف الحديث والمؤسّسة الأدبية

لا شك أن طبيعة الأدب الإبداعية والتواصلية تجعله شديد الصلة بالمؤسسة؛ فهو يتطور داخلها وفي موازاتها، ومن خ لااها يتغير25. وعلى هذا الأساس تفيدنا هذه النظرية في التعرّف إلى المساهمة اللماحة التي نهض بها جرجي زيدان إلى جانب كثير من المثقفين العرب ذوي الخلفية الحداثية، في المجال الثقافي الخاص، في زمن يمكن وصفه بأن نقاط الارتكاز فيه تهاوت والقيم أصبحت بحاجة إلى التأسيس من جديد، وكذا اللغة ومفهوم الأدب ووظيفة الكاتب التي تطورت مع تنامي النشاط الدنيوي من خلال المعرفة العلمية الحديثة ووسائل الإعلام. تحددت رهانات هذه المساهمة في تأسيس النص الثقافي الحديث، وفي إعادة الخطاب بشأن الأدب إلى الواجهة ومساءلة مفهومه وجدواه في السياق الثقافي العربي، ذلك السؤال الذي يتبأر في السعي إلى مجاوزة التصورات التقليدية المتعلقة بالأدب ووظيفته وطريقة الكتابة التي ارتهنت خلال فترة طويلة من الجمود للجمالية المحضة واللعب المجاني والمغامرة الشكلية، وكذلك محاولة فهم الهوة التي بدت فاصلة بين الذات والآخر. وبالتالي، فإن الأدب والكتابة، وهما يتعينان بوصفهما موضوعي تأمل وتفكير وإعادة نظر، لم يكونا مفصولين عن صدمة الاحتكاك بالغرب التي ردّت الذات العربية إلى الذات لتتأمل الكينونة وتسائل التجربة التاريخية بحثًا عن أفق ممكن. لقد كان هذا التوجه يتبلور في سياق من الهدم للبنى التي كانت قائمة واستبدالها ببنى جديدة، وهذا ما تطلّب من النخب السياسية والثقافية والاجتماعية الصاعدة بذل الجهد لمواجهة التحديات الناجمة عن هذه المقارنة بين الأنا والآخر على صعيد الوعي والوجود في العالم.

  1. Dubois, L’Institution, p. 19.
  2. سعيد يقطين، الأدب والمؤسسة: نحو ممارسة أدبية جديدة (الرباط: منشورات الزمن 2010.19)، ص

الجدير بالذكر أن الوضع الاعتباري الذي اتخذه الأدب في إطار المؤسّسة الأدبية الحديثة مَثلَ خلاصة أساسية لتكون رأس مال نوعيًا خاصًا شجع الكتّاب والمثقفين الحداثيين على النهوض بمراجعة عميقة لوظيفة الأدب وعلائقه بالمبدع والمتلقي؛ تلك العلائق التي تلائم استقلالية الأدب في مجتمع مركّب قيد التشكل، ومن ثم إعادة بناء مفهوم الكتابة انط قااًا من تبئير أسئلتها حول شرط إنساني مرغوب فيه وغائب، ومواجهة التعابير الثابتة والراسخة بفعل التقليد ووضعها موضع تساؤل ومراجعة، وتفكيك ما تنطوي عليه تلك التعابير من توجهات جمالية وأسلوبية، بل سياسية أحادية الجانب. إن هذا الدور الذي نهض به الكاتب الحديث باعتباره فاعًاجتماعيًا، لا يتحدد فقط من منطلق كونه فعلً يُنجز في الحاضر، وإنما من منطلق كونه أيضًا فعلً موجهًا من الماضي، وهو فعل تاريخي بحيث تضافرت عوامل عدة لتقييم الواقع المعيش وتحديد الفعل الملائم في لحظة ما، لحظة ممارسة الفعل المختلف في بنية محددة26. بما أن قيم حقل ما لا توجد إلا بفعل الصراع بين النشطاء، وبما أن ما يميز فنانًا أو كاتبًا ويكرّسه فنانًا أو كاتبًا ينجم عن القيم التي تتيح هذا التميز وعن صراع النشطاء ليتمكنوا من تحديد هذه القيم27، فإن رهان المؤسسة الأدبية الحديثة التي استفادت بقوة من الجدل بشأن المجتمعات العربية، وهو الجدل الذي عُرف باسم « مناظرات النهضة »، تعين بالنسبة إلى الناقد والمبدع ماثلً في ضرورة تفكيك تلك الدائرة المفرغة التي مات بداخلها الأدب القديم، خصوصًا وجهة النظر التي سادت في العصور الوسطى وظلت مسيطرة حتى مراحل متقدمة من القرن التاسع عشر، والتي كانت تعتبر الكتابة إمّا عملية تهذيب أخ قااي وروحي وإما مجرد تسلية عبر إتقان اللغة والمهارات اللفظية28، وذلك بالبحث عن الأشكال التعبيرية الجديدة القمينة بالاستجابة لأسئلة السوسيوثقافية والجمالية المختلفة، وكذلك لأسئلة المثاقفة وما تفتحه من كوى ملائمة لاستقبال جماليات جديدة تتميز بكونها معارضة وغير امتثالية. لم يكن هذا التطلع نحو الحداثة وشرعنتها وتأصيلها عملية سهلة، بل كان مغامرة محفوفة بالأهوال بسبب سيطرة القوى النافذة التي كانت تجد في الوضع القائم مرتكزًا لتعميق هيمنتها وبسط أيديولوجيتها الدينية. لذلك، لم يكن مفاجئًا أن تكون أول ردة فعل عكسية على هذا التطلع هي صدور كتاب عبد الرحمن الجبرتي (1822-1754) الموسوم ب التقديس في زوال دولة الفرنسيس، حيث نعت الفرنسيس ب«غزاة أرض الخلافة» الذين تجاوزوا في ذلك ميادين الإيمان والفكر وطرق العيش، كما وصف دولتهم بأنها دهرية وإلحادية ومارقة عن الدين، وبزوالها تعود الحياة إلى الإيمان والقداسة29.

  1. بدوي، «ما بين الفعل والبناء الاجتماعي،» ص.12
  2. آرون وفيالا، ص.112
  3. محمد مصطفى بدوي، «الخلفية التاريخية،» ترجمة محمد الشوكاني، في: عبد العزيز السبيل [وآخرون]، تاريخ كيمبردج للأدب العربي: الأدب العربي الحديث (جدة: النادي الأدبي الثقافي، 2002.36)، ص
  4. إبراهيم الحيدري، النقد بين الحداثة وما بعد الحداثة (بيروت: دار الساقي، 2012.422)، ص

إن السعي لملامسة مفاعيل هذه المساهمة في الحداثة العربية يتطلب منا التوقف قليلً عند ملامح المرحلة التي تشكلت فيها، والتعرف إلى أنماط الخطابات السائدة فيها، باعتبار ع قااتها بالحقل الاجتماعي والفئات التي تتشكل فيه. في هذا السياق، يميز بطرس الحلاق30 في الحركية المزدوجة التي طبعت الحقل الثقافي العربي خلال مرحلة النهضة، بين مبدأين هما الاستعادة والاستعارة. تمثّلت الاستعادة في عمليات الإحياء التي لم تقتصر على اللغة العربية، وإنما امتدت إلى الأجناس الأدبية. وفي هذا السياق تتعين الجهود التي انطلقت من جرمان فرحات (ت 1732) إلى ناصيف اليازجي (1871 ت) فإلى أحمد شوقي (ت 1931) باعتبارها الحاضنة التي انطلقت منها أهم ورش العمل التي نهض بها مثقفون كثيرون، منها ما تناول اللغة والمعجم (الجاسوس على القاموس) والنحو والصرف (مبحث المطالب) والبلاغة والعروض...، ومنها ما تناول الأجناس الأدبية كافة، فتعاقبت المقامات (مجمع البحرين) والرح تإلى أوروبا والعالم الإس مااي، والإخوانيات، الحقيقية منها والمتخيلة، والشعر بأغراضه كافة. كما انكب الأدباء على شرح دواوين السلف، أو ممارسة أساليب النقد القديم، كما فعل حسين المرصفي (الوسيلة الأدبية إلى علوم العربية،.)1875 مع فارق زمني بسيط، يسجل الحلاق تصاعد الاقتباسمن التراث الغربي، حيث تعرّف الأدب العربي أول مرة على جنسين أدبيين جديدين هما المسرحوالرواية. في ما يتعلق بالمسرح، برزت جهود مارون النقاش في لبنان بدءًا من سنة 1884، وأبو خليل القباني في سورية بدءًا من سنة 1865، وقد استعار الكاتبان معًا مسرحيات موليير وتصرّفا بها لتتلاءم وذوق الجمهور، كما اقتبسا من ألف ليلة وليلة وسيَر بعض الشخصيات التاريخية لمسرحتها. وفي ما يخصّ الجنس الروائي، تبدو جهود سليم البستاني لافتة للنظر؛ إذ ابتدأ منذ سنة 1870 تأليف قصص قصيرة وروايات ذات منحى تاريخي أو اجتماعي أو غرامي، وظهرت بعد ذلك أعمال كثيرة وجدت الطريق سالكة إلى الجمهور. ومع بداية القرن العشرين أصبح تحت تصرف القارئ العربي مئات من المؤلفات المتفاوتة الصنعة، احتلت فيها روايات جرجي زيدان موقع الصدارة31. يمكن القول إذًا، إن بتأثير من نشاط الترجمة ومساراتها، وما عبّرت عنه من ضروب إعادة تملك المعرفة والعلوم الأجنبية، خاصة الغربية منها، في الحقل الثقافي العربي، واعتبار تلك العلوم عنصرًا حاسمًا في تأسيس الثقافة العصرية والتفكير المنطقي ورؤية جديدة للعالم، رغم ما اعترى هذا النشاط الترجمي من تشويه، حيث إن أغلب الذين اشتغلوا في هذا المجال لم يكونوا «يكشفون عن ثقافة أدبية ناضجة، ولا يقدرون قيمة الإنتاج الذي يقدمونه، ولا يفهمون معنى الترجمة، وإنما كانوا أشبه بتجار يلبّون حاجة السوق، ويقدّمون إليه بضاعة فجة أحيانًا، ومسروقة أحيانًا ومشوهة في أغلب الأحيان»32، أصبح الأدب موضوعًا إشكاليًا للتأمل والتفكير ولبناء المعرفة بمفهومها وإشكالاتها

  1. الحلاق، ص.31
  2. المصدر نفسه، ص.32
  3. عبد المحسن طه بدر، تطور الرواية العربية الحديثة في مصر (1938-1870)، مكتبة الدراسات الأدبية؛ 32، ط 3 (القاهرة: دار المعارف، 1977.128)، ص

المعقدة في إطار المؤسّسة الحديثة التي يقوم عملها على جهود فِرَق من المؤلفين والمترجمين والنقاد والمجلات الصادرة عن دور النشر ومؤسسات ومعاهد33، مستفيدة من المثاقفة العربية - الغربية، وما أحدثته من ضروب الحاجة إلى المراجعة الجذرية للتصورات والأفكار التي كانت تستند إلى الضوابط التي تضعها بلاغة الإحياء لتحديد مفهوم الأدب والدور المنوط به، وكذلك الأدب المسموح به34. من أهمّ المجلات التي تعينت باعتبارها دعامة من دعامات هذه المؤسّسة الأدبية الحديثة، يمكن الإشارة إلى الجنان (1870) لبطرس البستاني ثم لسليم البستاني، والمقتطف (1876) ليعقوب صروف، واله لاا (1892) لجرجي زيدان، والجامعة (1899) لفرح أنطون، والروايات الجديدة)1910(والسّفور (1917). وقد كانت المنافسة بين هذه المجلات شديدة في ما يتعلق بنشر المعارف العصرية وغير الدينية، وكذلك المفاهيم والمقولات والمذاهب الجديدة المتعلقة بالأدب والتاريخ، والتحرّر من سيطرة النص التقليدي الذي ينتصر للبلاغة الكلاسيكية ونظرتها إلى ما تعتبره أدبًا رفيعًا. ومعلوم أن ما تقدمه هذه المجلات كان يتعين في إطار هذه المؤسّسة الأدبية بوصفه خيارات ومواقف يتم اتخاذها انسجامًا مع ما يحدّده الحقل الثقافي كخيار م ئاام لجمهور قراء الطبقة الوسطى الذين تعلموا في مدارس حديثة بدل المدارس التقليدية. وبما أن للرواية، التي هي أشد الأشكال الأدبية ارتباطًا بالزمن، طرقها الخاصة للوجود نظريًا وعمليًا، وهذا يعني أنها - حتى في أشد أشكالها فرادة - واقع تاريخي لا شك في أن تمفصله مع لحظته أكثر من التجارب الإنسانية الأخرى رهافة وظرفية وخصوصيةُ35، فإن هذه الدنيوية تؤكد، من منظور إدوارد سعيد، سمتين مميزتين للمؤسّسة الأدبية: تتمثّل الأولىفي التشديد على استقلالية الأدب، ومن ثم على وجوده على مسافة من السلطة والأيديولوجيا، وتتمثّل الثانية في تجذره في اللحظة التاريخية وتشابكه مع أسئلتها المعقدة، بما أن المجتمع يختار ويُسنّنُ الأفعال الأكثر تطابقًا مع أيديولوجيته. وهذا يعني أن الاستقلالية ليست الانفصال الكلي لأدب عن أي شكل من أشكال الدلالة خارج عنه ومتداوَل في السياسة والمجتمع. عندما نقرأ أهم النصوص الإبداعية والنظرية التي كُتبت خلال هذه الفترة، نجد بعض الكتّاب يشددون على سؤال ما هو أدب اليوم؟ بل إن هذا السؤال جعل من الأدب منصة يدور فوقها النقاش والحوار الفريد الذي يؤكد وعي هؤلاء الكتّاب بطبيعة الزمن الحديث واشتراطاته التي تختلف اختلافًا عميقًا عن الأزمنة القديمة. هذا الوعي الجديد بالأدب الذي يتطلع إلى ما هو خارج حدود الذات الثقافية،

  1. بيار ف. زيما، النص والمجتمع: آفاق علم اجتماع النقد، ترجمة أنطوان أبو زيد؛ مراجعة موريس أبو ناضر (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2013.15-14)، ص
  2. في دراسة لماحة تحت عنوان فكر اللغة الروائي، يقدم فيليب دوفور قراءة عميقة لقصة الكلمات في رواية القرن التاسع عشر، وذلك من منظور يزاوج بين المقاربة الشعرية في تقصي الكيفية التي ولدت بها نظرة الروائي الجديدة إلى اللغة أشكالً حوارية جديدة تحمل في طياتها فكرًا جديدًا، وبين المقاربة الاجتماعية للغة التي توضح الطريقة التي يحكي فيها الروائيون قصة الكلمات، المسيطر منها والمت شااية والمكبوحة. وممّا لا شك فيه أن هذه المقاربة ذات أهمية كبيرة في تناول موضوع اللغة في الرواية العربية، خصوصًا في ما يتعلق بتوضيح الانتهاكات التي أحدثها الكتّاب العرب في توظيف اللغة توظيفًا جديدًا. انظر: فيليب دوفور، فكر اللغة الروائي، ترجمة هدى مقنّص (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.)2011
  3. إدوارد سعيد، «النثر والنثر القصصي العربيان بعد 1948،» في: إدوارد سعيد، تأملات حول المنفى ومقالات أخرى، ترجمة ثائر ديب (بيروت: دار الآداب، 2004.57)، ص

ويرفض أن يظل مختزَلً في خطاب السلطة والخطاب التقليدي، يؤسّس لبداية جديدة من أجل إرساء تقاليد مختلفة في التعامل مع الأدب من منظور جديد، ولغايات ومقاصد جديدة36؛ فهذا كرم ملحم كرم (1959-1903)يقول: «أدب اليوم رواية وقصة، فالمنشئون من أي طبقة كانوا لا يعتمدون في معظم مؤلفاتهم على غير الحكاية والرواية، فالفن القصصي هو السائد. وأكثر الأدباء بلغوا القمة في إخ صهم لهذا الفن. ولا بدع، فالرواية محك الأدباء. المنشئ البليغ يظهر فيها، والكاتب الركيك السمج يفضح نفسه إذا توكأ عليها، وأكابر الأدباء في العالم لجأوا إلى القصة يذيبون فيها بلاغتهم وقوة بيانهم»37. يحيلنا هذا القول الذي يفاضل بين الأنواع الأدبية إلى وجود أمارات كثيرة تؤكد الحيز الذي بدأت تحتله الأجناس الأدبية الحديثة، خاصة الرواية، ضمن الحقل الثقافي العربي، وارتباط ا بالمجتمع في مختلف صوره وأشكاله؛ فهذه المكانة التي يحتلها هذا النوع من الخطاب تشك ل محكًّا لأدباء ومجالً للصراع بينهم على بلوغ القمة، الأمر الذي يتطلب إبراز قدراتهم على تمثّل السّمات الجمالية لهذا الجنس الأدبي التي لا تنفصل عن المكونات السّردية التي يقوم عليها. وليس في نظرنا من شيء أوضح من هذا دليلً على واقعية تأثير الرواية في كتّاب هذه المرحلة من أن هذا الرّهان لم يكن خاصًا بالكاتب العربي وحده، بل كان أيضًا رهانًا كونيًا بالنسبة إلى جميع الكتّاب في الثقافات المختلفة، وهذا ما يبين تذوق الوعي العربي الحديث للرواية باعتبارها نوعًا أدبيًا عالميًا يستقطب اهتمامات القراء والكتّاب، كما يوجههم حضورها الكاسح إلى إعادة النظر في الانتظارات التاريخية الأولى التي غمطت الأعمال السّردية، مثل ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة، حقها في أن يُعترف بجمالياتها. وعندما يتمنى كرم ملحم كرم أن يدرك أدباء القصة العربية اليوم شأن القصة، فتعالجها أقلامهم بما يعيد إلى الأدب العربي مكانته الأولى وعزه القديم، فإنه ينطلق في ذلك من إدراك الراهنية التي تحظى بها الرواية؛ فهي حجر الزاوية في كل أدب وكل نهضة وكل دين38. وما كان للرواية أن تختزل في مفهومها الأدب والنهضة، لولا أن بنيتها الحوارية التي تتيح قول الشيء ونقيضه، وتشق صدرها للفئات الاجتماعية المختلفة، وتحتفي بما يشاكس البلاغة الآمرة التي يستحكم بها هاجس إعادة إنتاج الموروث، تُمثّل الشكل الأدبي الأكثر ارتباط ا بالواقع الاجتماعي والملائم للتعبير عن علائق الإنسان الحديث، ليس فقط على مستوى الذات وما يسكنها من شروخ وتمزقات وهواجس، وإنما كذلك على مستوى المجتمع وما يشهده من تحولات وتبدلات. لذلك، لم يكن غريبًا أن تنهض النخبة العربية المتعلمة المستنيرة في المشرق العربي، خصوصًا في مصر التي صارت مركزًا متقدمًا للحداثة العربية خ لاا أواخر القرن التاسع عشر، بدور لمّاح لم يقتصر على انتزاع الكلمات من أيدي أولئك الذين كانوا يستعملونها أدوات للجدل الديني والسياسي ولفرض الأيديولوجيا القائمة من خلال إعادة إنتاج

  1. يقطين، الأدب والمؤسسة، ص.15
  2. كرم ملحم كرم، «ما هو أدب اليوم؟،» في: نظرية الرواية، إعداد وتقديم محمد كامل الخطيب، قضايا وحوارات النهضة العربية؛ 2 (دمشق: وزارة الثقافة،.)1990
  3. المصدر نفسه، ص.128

ما تعلموه بأدواته ولغته ومنظوره، وإنما شمل كذلك إرساء فصاحة جديدة تعارض فصاحة المنبر وتسعى لتحطيمها. وكما يقرر ديبيش شاكرابارتي، فإن الكلمات تأخذ دلالات مباشرة وعملية حين تتجذّر في نشاطات الحياة39. لقد واجهت أعمال اليازجي (1906-1874) على سبيل المثال معضلة اللغة التي كانت القضية الأولى في عصر النهضة، وبالتالي خرقت لأول مرة ذلك المبدأ السائد آنذاك والمتمثّل في العربية لا تتنصر الذي كان يعني بعبارة أخرى أن الأدب العربي لا يمكنه أن يعترف بكتّاب مسيحيين، ليعطي بذلك منفذًا لتلك القوة الثقافية الكامنة التي كانت مكدسة عند كتّاب عباقرة من سورية سرعان ما أخذوا بزمام الأمور وساروا في طليعة الحركة الأدبية40؛ إذ عمد عدد من الكتّاب إلى إسناد الثقافة العربية الحديثة بالمقولات والمفاهيم التي كان يُنظر إليها بوصفها واقعة في صميم الحداثة والتقدم، مثل قضايا الحرية والاستبداد والمساواة والعدالة الاجتماعية، والديمقراطية وحقوق الإنسان والتفاعل الإيجابي مع التراث الإنساني، وإعطاء الاعتبار للذاتية التي يستهدفها دعاة التقليد. لقد كان هذا العمل يتم من خلال المقارنة بين واقع الذات وواقع الآخر، تلك المقارنة التي أنتجت مدونة من الخطابات المتمحورة حول الذاتية الثقافية، والمستبطنة لاهتمامات ونيات متجذرة في الظرف الزمني والوضعي. لا يمكن أن ندرك أبعاد هذا التحديد الثقافي إذا لم نستحضر الخلفية الثقافية الحداثية التي انطلق منها المثقف العصري في تنظير مسألة الكتابة وعلاقتها بأسئلة الذات والمجتمع. لقد مارست تلك الخلفية الحداثية، التي جرى تثمينها ومحاكاتها، تأثيرًا حاسمًا على الذوق العربي وعلى النقاشات الجارية. ويمكن أن ن حظ في هذا السياق أن هذا التأثير يتجلى واضحًا في طروحات جرجي زيدان التي تتعين بوصفها لمّاحة ونفاذة، لما تكتسيه من ملامح الجدة والاختلاف، سواء في تمثّله قضايا التاريخ والتراث واللغة من منظور مقارن، أو في تعرّفه إلى الحداثة الغربية ومنجزاتها على الصعيدين العلمي والثقافي. وقد تحقق لجرجي زيدان ما لم يتحقق لغيره في السياق الذي ظهر فيه؛ فمعرفته اللغات واطلاعه على المناهج الحديثة جعلاه أشبه بهمزة وصل بين الحركة العلمية العربية الناهضة وحركة الاستشراق المتدفقة النشاط في أوروبا وأميركا، وكانت ع قاااته وطيدة بأع ماا مثل تيودور نولدكه ويوليوس فلهاوزن ومارغو ليوت وأغناتس غولد سهير وأمدروز وإدوارد سخاو ووليام رايت ودنكان بلاك ماكدونالد41. بما أن القضية الكامنة في خلفية الجهد الذي بذله جرجي زيدان في أبحاثه في التاريخ الأدبي وتاريخ اللغة، وكذلك في الأعمال الروائية التي راكم فيها تجربة سردية لافتة للنظر، تتمثّل في قدرة المثقف على بلورة تلك المساحة التي تلتقي فيها ضرورة الاستفادة من مظاهر التقدم العلمي والثقافي للغرب

  1. Dipesh Chakrabarty, Provincialiser l’Europe: La Pensée postcoloniale et la différence historique , traduit de l’américain par Olivier Ruchet et Nicolas Vieillescazes (Paris: Éd. Amsterdam, 2009), p. 15.
  2. إكناتي كراتشكوفسكي، الرواية التاريخية في الأدب العربي الحديث ودراسات أخرى، ترجمة وتقديم عبد الرحيم العطاوي (الرباط: دار الكلام للنشر والتوزيع، 1989.24)، ص
  3. جرجي زيدان، تاريخ التمدن الإسلامي، تقديم حسين مؤنس، ج 1(القاهرة: دار الهلال، 1958.7)، ص

الرأسمالي وعدم الإخلال بالانتماء إلى الموروث، فإنه انطلق في السبل التي شقّها لتحقيق هذا الهدف من مجابهة سؤال الكتابة، واجتراح الأجوبة التي تجد سندها في النظرة إلى الكاتب الحقيقي من حيث إنه يتكون ضمن الهامش الذي تصنعه مساحة الاعتراض والاختلاف والتجاوز، وكذلك في الإصرار على أن يكون جزءًا من المتن الذي يشكله التراث الثقافي للمجموعة التي ينتمي إليها. هذه المعادلة الصعبة التي اختبر جرجي زيدان قسوتها وعسرها هي ما يؤكد من منظور المؤسسة الأدبية الحديثة ضرورة إيجاد تعريف جديد للكتابة والكاتب يحرّرهما من اللغة الزخرفية الضيقة التي يولدها الامتثال لثقافة التلقين والاستظهار والخضوع لمرجعية النص، ويجذرهما في لغة الحياة التي هي وحدها كفيلة بإحداث ذلك التماس مع مرحلة تاريخية جديدة تجعل الرغبة في التكرار عارية عن المعنى، وبالتالي فإن تمثيل قضاياها على نحو أعمق لا يمكن أن يكون مجديًا إلا في إطار أدب مختلف على مستويي المفهوم والممارسة. إن ما يلفت النظر، في هذا السياق، هو أن جرجي زيدان لم يكن منظ رًا لأدب عمومًا وللرواية بشكل خاص، ولكنه مع ذلك فك ر في الأدب كما فكّر في الرواية التي كتبها، شأنه في ذلك شأن أبرز كتّاب عصره. ومن هذه الزاوية، ليس غريبًا إذن أن يعتبر جرجي زيدان من يتصدى للكتابة أو التأليف يجعل نفسه خادمًا للمصلحة العامة42. وعندما نستحضر أن الغائب الكبير في مفهوم الكتابة الذي ساد طوال خمسة قرون من الحكم العثماني هو الشعب بكل فئاته وطبقاته، يتضح لنا أن هذا المنظور بصدد الكاتب يحيلنا إلى مفهوم المثقف العمومي الذي يؤمن برسالة الأدب رسالةَ إص ح وتغيير وثورة اجتماعية، كما يرى إلى الكتابة بما هي التزام إزاء الذات والمجتمع؛ فهو مثقف يمتلك ثقافة واسعة، ويكتب وينتج بلغة مفهومة للعموم عن قضايا تهمّ المجتمع، كما أنه يساهم في الفضاء من منطلقه، ولا تخلو مساهمته من مواقف43. وليس في الأمر أي تزيّد عندما نعتبر جرجي زيدان نموذجًا لهذا المثقف العمومي، ليس فقط بالنظر إلى موسوعيته التي كوّنها من خ لاا النهل من علوم كثيرة وثقافات متنوعة، وهذا ما برز في اتساع وتنوع أنشطته التي لا تقتصر على ميدان الأدب وحده، وإنما كذلك بالنظر إلى تأثيره في ظروف الأدب الاجتماعية44. على هذا الأساس يشار إلى أننا عندما نفكر في المكانة التي يحظى بها جرجي زيدان في الحقل الثقافي العربي الحديث، والدور اللماح الذي نهض به في بناء الأفق الملائم لتلقّي المعارف الجديدة، تلفت نظرنا، وقبل كل شيء، خصوصية مفهومه للكاتب، وتميزه في ما يختلف فيه عن سواه من الكتّاب الذين يحصرون الكتابة في شؤون خصوصية، أو يمارسونها لبيان قدرتهم على الإنشاء والغوص وراء المعاني العويصة والغريبة؛ فهو يختار القضايا التي تمثّل هاجسًا لأمة، ويتناولها بأسلوب سهل، ويسلك في التناول مسلك الانتماء إلى الوطن الذي يتعالى على نزعة التحيز لطائفة أو حزب45.

  1. جرجي زيدان، تاريخ آداب اللغة العربية، ج 2 (القاهرة: دار الهلال، [د. ت.])، ص.5
  2. عزمي بشارة، «عن المثقف والثورة،» تبين (الدوحة)، السنة 1، العدد 4 (ربيع 2013.128)، ص
  3. كراتشكوفسكي، ص.35
  4. زيدان، تاريخ آداب اللغة العربية، ص.5

هذا الربط بين وظيفة الكاتب وقضايا الأمة والانتماء إلى الوطن، وهو يتعين بوصفه تجليًا لإبداع الذي يغيّر مفهوم الأدب وأبعاده الأيديولوجية وطريقة تلقّيه، يبيّن أن مفهوم جرجي زيدان للكتابة يستند إلى وعي عميق بها بوصفها شكلً من أشكال التدخل في العالم الذي نسكنه وتظهيره بصورة تجعله مرئيًا بالنسبة إلينا. ولكي تكون ممارستها منتجة، يتعين عليها أن تنطلق من فهم حاجات جمهورها وتهيئته ومدّه بالمفاهيم والتصورات التي تساعده في استقبالها وتمثّلها على نحو أفضل. وهذا ما اضطلع به هذا المثقف في التأليف في الحضارة الإس مااية عندما يقول: «ونظرًا لما نعتقده من افتقار قراء العربية على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم إلى نشر هذا التاريخ فيما بينهم - لأنه تاريخ لسانهم وأمتهم وب دااهم، بل هو تاريخ تمدنهم وآدابهم وعاداتهم- ما فتئنا نختلس الفرص لنشر ما يسهل تناوله وتدعو الحاجة إليه في حينه ممّا يتعلق بهذا التاريخ. وأخذنا نهيئ أذهان القراء على اختلاف طبقاتهم وتفاوت معارفهم ومداركهم لمطالعة هذا التاريخ بما ننشره من الروايات التاريخية الإس مااية تباعًا في [دار] الهلال»46. إن هذا الاهتمام الشديد بحاجات محفل التلقي، أي مجموع المعايير الاجتماعية والثقافية التي يحتاج القارئ إليها بوصفها نقطة الارتكاز في قراءته التي يستدعيها النص ويحتويها إلى حد ما، وهذا الوعي الذي يغذي جهود هذا المثقف الليبرالي العصري يؤكدان المساهمة التي نهض بها باعتبارها متبأرة في السياق الثقافي والاجتماعي الذي تبلورت فيه، وكذلك في اهتمامات وتوجهات الجمهور الذي كانت تخاطبه وحاجته إلى تلك المعرفة التي تتيح له تقبّل المقروء وتذوقه. وبما أن هذا الجمهور هو الذي يحدد الوظيفة الاجتماعية للكاتب ويودع فيها جزءًا من أسئلته وانشغالاته وتوجهاته، فإنه هو الذي يعيّن مساهمة الكاتب هذه بوصفها توقعًا وانتظارًا وفراغًا يُمأ. ومن هذا المنظور يتحدد الأدب باعتباره ردة فعل تناصية على اللهجات الاجتماعية، وعلى الأنساق الناظمة لوضعية اجتماعية لسانية. وبما أنه ممارسة مستقلة، فإنه يتفاعل مع محددات الذوق الأدبي الجديد والحساسية الأدبية الجديدة التي تتشكل في سياق يتميز ب«تكثيف النشاطات الثقافية والفكرية خ لاا العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين. وانعكست عملية تكثيف تلك النشاطات من خلال الإنتاجات الأدبية والإعلامية والإص حات التعليمية، ومن خ لاا نشوء حركة ترجمة مهمة، وتشكل منتديات فكرية ومجتمعات سياسية سرية وتطور حركات وطنية ونسائية»47. مثلت هذه النشاطات ع مااة دالة على التحول في الوعي الثقافي والإبداعي بخصوص سؤال ما الأدب، من خ لاا بلورة جوانب تجد سندها في جملة من الاعتبارات مغايرة للمنظور الب غااي الكلاسيكي الذي استند إلى تصور جامد للغة، لأنها ترتاد أفقًا آخر يصل الأدب بروح العصر. وهذا ما يعبّر عنه محمد يوسف نجم عندما يقول: «وكان في هذا الانصراف المقصود عن عيون الآثار القصصية، إلى فن المقامة، تعطيل لنهضتنا القصصية. فإن المقامة بإطارها الصلب الجامد وبإنشائها

  1. زيدان، تاريخ التمدن الإسلامي، ص.12
  2. إليزابيث سوزان كساب، الفكر العربي المعاصر: دراسة في النقد الثقافي المقارن (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012.37)، ص

المتكلف المرهق، وبحكاياتها التي تتوارى خلف الشغف بالإغراب اللغوي والحرص على تسجيل المعارف والعلوم، لم تكن لتلائم روح العصر الأدبية، ولم يكن مقدرًا لها أن تعيش وتزدهر وتواكب ركب النهضة الأدبية الحديثة. ولذا ماتت المقامة أو قل إنها ولدت ميتة. وعندما بُعثت ثانية لم يكن هذا البعث في لبنان، بل كان في مصر حين ظهرت محاولات المويلحي في «حديث عيسى بن هشام» وحافظ في «ليالي سطيح» ومحمد لطفي جمعة في «ليالي الروح الحائر» وسواها. إلا أن هذه المحاولات اتسمت بميسم الجدة وبرزت في ثوب قشيب لاءم روح العصر إلى حد كبير»48. إن ما يلفت الانتباه في وجهة نظر محمد يوسف نجم هو تأكيده الذائقة الأدبية المغايرة للسائد الذي فقد مقومات الوجود وأضحى مفارقًا لروح العصر واشتراطاته على الكتّاب والمبدعين. من هنا، «لا يضير أمة ألا يكون لها جذور لمعمار فني تمتد إلى القاع.. ولكن يضيرها أن تزورّ عن الفن كلية.. وألا تبذر لنفسها فيه بذورًا تمتد جذورها.. فلا يمضي عليها وقت حتى يعلو جذع ذلك الفن وتمتد ساقه وتفرع غصونه.. ويكون لها حينئذ في هذا الميدان نشاط له طعم وله شخصية وله ملامح يتميز بها»49. وبما أن الأدب الجديد يظهر مكتنزًا بالمعرفة التي لا سبيل إلى حجبها، إذ هو قوة تغيير فعلية للكيفية التي ندرك بها الواقع، فإن في خضم المنافسة بين أنصار القديم والجديد كانت تتفكك الأنواع الأدبية الكلاسيكية تحت مطرقة التصورات الجديدة للكتابة التي تحتفي بالحياة وتشرع أفق الحداثة أمام الأدب العربي وهي تضع أمام تصرفه مادة تكاد تكون جديدة من العلاقات الإنسانية التي تولدها التجربة التاريخية الجديدة للعرب؛ فالتحول الجديد والتغير المستحدث فرضا ذوقًا آخر، وقرّرا حاجة جديدة.. وقامت الظروف تقتضي مادة جديدة في هذا المجال مطبوعة لتُقرأ على نطاق واسع.. فكان دور الصحافة ملبيًا لهذه الحاجة50. هكذا إذ ا تحولت بعض المدن، مثل بيروت والقاهرة اللتين تمركزت فيهما الموارد الأدبية، إلى مراكز لتجسيد الجماليات الجديدة وكذلك القوانين الأدبية على الصعيد العربي. وال فاات ها هنا أن «تأسيس عاصمة أدبية والاعتراف بها على المستوى العالمي - بمعنى كونها المكان الذي ينصبّ فيه أكبر نفوذ وكذلك أعظم عقيدة أدبية - ينتج من آثار حقيقية تنجم عن هذه العقيدة، وعليه توجد هذه العاصمة بطريقة مزدوجة: في التصورات الخاصة بالأعمال التي تنتجها والتي يمكن قياسها وكذلك في واقع هذه الأعمال»51. وإذا كنا قد انطلقنا في قراءة جهود جرجي زيدان في تحديد مفهوم الأدب تحديدًا جديدًا من سياق الوجهة التي اتخذها التفكير في الأدب في فرنسا خ لاا مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهي لحظة متأزمة في منظور كثير من الفلاسفة52، فأن هذا التصور الذي يوسّع أفق نظرية الأدب ليلامس

  1. محمد يوسف نجم، القصة في الأدب العربي الحديث (بيروت: دار الثقافة، [د. ت.])، ص.13
  2. عبد الرحمن ياغي، في الجهود الروائية ما بين سليم البستاني ونجيب محفوظ (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات، 1981[-17)]، ص.18
  3. المصدر نفسه، ص.35
  4. باسكال كازانوفا، الجمهورية العالمية للآداب، ترجمة أمل الصبان؛ تقديم محمد أبو العطا (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2002.31)، ص
  5. إدموند هوسرل، أزمة العلوم الأوروبية والفنومينولوجيا الترنسندنتالية: مدخل إلى الفلسفة الفنومينولوجية، ترجمة وتقديم إسماعيل المصدق؛ مراجعة جورج كتورة (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008.44)، ص

علاقة الأدب باللغة والمجتمع والعلوم الإنسانية هو ذو دلالة قوية على ما للتحديد الثقافي الذاتي من أهمية كبيرة في أوقات الأزمات والتهديدات والتغييرات الخطيرة53. وبهذا المعنى يأخذ هذا التحديد الذاتي أهميته في سياق الثقافة العربية الحديثة، وفي ذروة الاحتكاك المكثف مع أوروبا منذ نهاية القرن التاسع عشر الذي تزامن والغزوات الاستعمارية المتصاعدة آنذاك، حيث تضغط بقوة الأسئلة المتعلقة باستيعاب التطور وفهم الأسباب الكامنة وراء تقدم أوروبا وتفوّقها54. ويكفي أن نستحضر هنا تلك المقارنة اللماحة التي ألمع إليها مي ن كونديرا في تأم تااه حول «فن الرواية »55، حينما وصل بين الفيلسوف ديكارت والروائي الإسباني ميغيل سيرفانتس في استعادة الاهتمام بالوجود الذي نسيه الفكر الغربي طوال القرون السابقة، وتبئير التخييل على الزمن الحديث الذي يتعين بوصفه زمن الكشوفات والنظريات العلمية وتشييد المجتمعات البرجوازية والإقرار بقيمة الفردية، والدخول في متاهة البحث عن الذات، وعن الحقيقة المحفوفة بالالتباس والغرابة المقلقة. وهذا ما يقدم أوفى دليل على الأهمية التي يكتسيها الوضع الاعتباري لأدب من حيث الأصل والأسلوب والبناء والنوع، في اللحظات الانتقالية؛ إذ يتعين بوصفه المرآة الكاشفة لما يحدث في الأرض التي يستنبت فيها من ضروب الصراع والمنافسة بين القديم والجديد من أجل حيازة الشرعية وإرساء السنن التي تيسر عمليات الاستقبال. وبقدر ما جعل سيرفانتس من رواية دون كيشوتأفقًا لإعادة صوغ أجوبة مختلفة عن هذه الأسئلة الملتهبة، نجد الكتّاب العرب خلال أواخر القرن التاسع عشر، خاصة المسيحيين منهم، يصلون بين سؤال ما الأدب ومسألة العصرية. لقد جاء هذا الوصل إذن من مثقفين درسوا في الغرب أو أتيح لهم الاطلاع على الثقافة الغربية، ووقفوا على الفرق بين تطور الغرب وجمود العالم العربي56. هذا الوعي الذي يستند إلى المقارنة هو الذي حفزهم ليس فقط على بلورة تصورات ومقولات جديدة لفهم الأدب وعلاقاته المركبة بالذات والمجتمع، بل حفزهم أيضًا على الحداثة الاجتماعية التي هي شرط توليد الجديد في النقد والأدب؛ فما يعطي لهذا الأدب المختلف دلالة المقاومة والرفض والرد بالكتابة على الأنساق الاجتماعية والثقافية التقليدية يتمثّل في كون «الكتّاب لا يكتبون لأنفسهم وحدهم، أو تحقيقًا لرغبة فيهم فحسب، أو من أجل أن يكشفوا النقاب عن أمر مهمّ ليس إلا، وإنما يكتب الكتّاب، كذلك، من أجل أن يعرّفوا القراء بكتابة جديدة وسط الحقل الأدبي، أو من أجل أن يرافعوا لصالح قراءة خاصة يفضلونها على سائر أنماط القراءة»57. بهذا المعنى صار الأدب العصري، وجرجي زيدان من أقوى نماذجه، يختزل زمن النهضة كله، ويكثفه في الأشكال التعبيرية الجديدة، وفي طليعتها الرواية التي نهضت بوظيفة التحرّر ليس فقط في مواجهة الأنماط السردية التقليدية المتقيدة بقواعدها الشكلية واللغوية، وإنما كذلك في مواجهة

  1. كساب، ص.14
  2. المصدر نفسه، ص.41
  3. ميلان كونديرا، فن الرواية، ترجمة بدر الدين عرودكي (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 20018)، ص -.9
  4. ميخائيل نعيمة، الغربال، تقديم فيصل دراج ([الدوحة]: وزارة الثقافة والفنون والتراث، 2012.10)، ص
  5. زيما، ص 34 -.35

القوى المحافظة الحريصة على التوازن. وإذا كان بول غريمال يقول إن الرواية «في عمقها ليست إلا الحياة ذاتها، يتم الإمساك بها في محاولة لتصليب وتثبيت صيرورتها المرنة»58، فإن هذا الدمج بين الرواية والحياة هو ما نجده بارزًا في تصورات كتّاب الرواية خ لاا هذه المرحلة من مراحل تطورها في الثقافة العربية، حيث كانت تتقدم على ما سواها من صور الأدب؛ ففرح أنطون (-1874 1922) يستهل إحدى مقالاته عن إنشاء الروايات بالقول بأنه «كثر في السنوات الأخيرة وضع القصص العربية، فقلما يمرّ شهر إلا وتصدر بضع منها في البلاد التي فيها مطابع عربية»59. كما أن جرجي زيدان يؤكد هذه الحقيقة من خلال التشديد على ما تمارسه الرواية من تأثير قوي في قرائها حد عجزه عن وصفه أو الإحاطة به، وهذا ما يعكس إيمان الكاتب الجديد بفعالية الرواية، وهي كتابة جديدة، في إسناد عمليات التغيير في الوعي الثقافي والاجتماعي بوصفها مسألة راهنة.

الكتابة الروائية بين التنظير والممارسة

من المشهور عن الرواية العربية أن تاريخها بدأ في سنة 1912 مع رواية زينبلحسين هيكل. وازدادت هذه الشهرة رسوخًا حينما أضحى هذا الوصل بين ظهور هذا العمل الأدبي ونشأة الرواية أشبه بالمسلّمة التي يأخذ بها النقاد من غير قراءة تنافذية تغوص إلى مناطق العمى منها، أو تستهلك الجدل بصددها حتى النهاية. وهذا ما تنبه إليه حديثًا أكثر من ناقد عربي، بعد المياه الكثيرة التي جرت في أنهار النقد، من خ لاا الدعوة إلى التخلي عن تكرار الصيغ الجاهزة، والقيام بمراجعة جذرية لتاريخ الرواية المؤسّس من خلال مقابلة خلاصاته مع ما تقدمه بعض التجارب السردية الكلاسيكية من إمكانات جمالية تتعين باعتبارها شكلً من الرّد على القراءات التي تنكر عليها الحق في أن تكون الأب الشرعي للرواية، أو من خلال إعادة قراءة النصوص السردية السابقة على زينب وإعادة تأويل ما يتحقق فيها من ضروب التمثيل والتخييل في ضوء السمات الكبرى المميزة للرواية، على أساس أن جماليات الكتابة تعتبر مسوغات تعطي لتلك النصوص المشروعية التي تجعل منها لحظة مهمة في سياق نشأة الرواية60. ولا شك في أن التجربة الروائية التي راكمها جرجي زيدان على مستويي الكمّ والنوع تُعتبر من أقوى التجارب وأكثرها اختبارًا لقسوة وظلم تاريخ الرواية العربية الذي جعل من نص زينب البداية الفعلية لتكون الرواية في الحقل الثقافي العربي. وليس هذا فقط لأن جرجي زيدان كتب ما يزيد على عشرين رواية منذ أواخر القرن التاسع عشر، وإنما كذلك لأن تجربته الكتابية نهضت بدور مزدوج؛ فهي أولً استئناسية من حيث كونها تسلط الضوء على بداية التمرّس بالكتابة الروائية الحديثة على الحقل الأدبي العربي، والتدرب على كيفيات كتابتها واستثمار طرائقها السردية من خلال تمثّل النص الروائي الغربي

  1. بيير شارتييه، مدخل إلى نظريات الرواية، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي (الدار البيضاء، المغرب: دار توبقال للنشر، 2001)، ص.30
  2. فرح أنطون، «إنشاء الروايات في العربية،» في: نظرية الرواية، ص.44
  3. من أهم الأعمال التي دشنت هذه المراجعة لتاريخ الرواية العربية يمكن الإشارة إلى: عبد الله إبراهيم، السردية العربية الحديثة: تفكيك الخطاب الاستعماري وإعادة تفسير النشأة (بيروت: المركز الثقافي العربي،.)2003

باعتباره نموذجًا، وهي ثانيًا لأنها تمثّل عتبة أساسية نحو أفق روائي أكثر احتفاء بالتخييل والتميز والاستقلالية سيتجلى بقوة في كتابات الجيل اللاحق. من هنا لم يكن غريبًا أن تتعين تجربته بوصفها نموذجًا يستلهمه كتّاب عصره، وهو الذي تمك ن من أن ينشئ ذوقًا عامًا، وأن يروج لدور الرواية في هذا المجال61. وقد أشار كراتشكوفسكي إلى أن العمل الذي قام به زيدان بعرضه تاريخ الإس ماا في شكل سلسلة روايات أغرى أحد محرري الجرائد وألهمه فكرة كتابة روايات مماثلة عن تاريخ المسيحية62. إن هذه المكانة التي نالها جرجي زيدان بفعل انخراطه في أسئلة عصره هي بالتحديد ما أشار إليه روجر ألن حينما اعتبر أن «جرجي زيدان كان حريصًا فيما يبدو على إط عاا قرائه على السمات التاريخية للعرب والإس ماا (كوسيلة لتشجيع وتبنّي وعي ثقافي جديد)، وفي الوقت نفسه على توفير أعمال روائية تؤمّن المتعة للقراء، شأن الروايات التاريخية الأكثر ميلودرامية في أوربا والتي كانت تُنشر على حلقات في الصحف»63. لذلك، بقدر ما يوحي هذا القول بأن روايات جرجي زيدان كانت متأصلة في التراث الثقافي العربي الإس مااي من خ لاا الأحداث والوقائع التاريخية التي نهض بتمثيلها وشق صدر المتخيل عليها لتقريبها من الجمهور العام الذي اعتاد قراءة الصحف، أو في البيئة المصرية من خلال الرومانيسك le romanesque() الذي التقطت نصوصه بعض تفصي تااه، فإن هذا التبئير للسّرد على المكونين التاريخي والاجتماعي لم يكن لينكر عليها استقلاليتها أو بحثها عن أفق جمالي تتعين فيه الرواية تجربة ثقافية مختلفة، وجنسًا أدبيًا م ئاامًا لسياق سوسيو ثقافي مختلف يبدو في حاجة ماسة إلى الاستنارة. وقد وجد الكاتب في الرواية المجال الذي يمكن فيه المثقف أن يتولى من خ لااه دور الفاعل الاجتماعي، أم في أن يفتح من خ لاا سروده بصيرة القارئ، ويضعه على عتبة التحرر من أشكال الفكر الظ مااي64. على هذا الأساس نعتبر روايات جروجي زيدان دلالة على لحظة فارقة تعين فيها الأدب بالمعنى الحديث بوصفه أحد أهم خطابات المؤسسة الحديثة؛ فقد أفسح كاتب النثر التقليدي، الذي كان همّه إمتاع قلة من المتعلمين المترفين من خ لاا الأخذ من كل علم بطرف أو الكاتب الذي ينمّق رسائل لأصحابه من الكتاب، أو كاتب المقامات، الذي يوشي نثره بأنواع البديع المصطنعة، أفسح السبيل لكاتب المقال أو الصحافي المعني بقضايا مجتمعه والمتقد حماسة لإص ح الشؤون الدينية والثقافية والاجتماعية والسياسية، بما في ذلك قضايا الأدب واللغة.

  1. ياغي، ص.44
  2. يقصد كراتشكوفسكي عبد المسيح أنطاكي باي محرر الجريدة القاهرية «العمران» الذي قام بنشر أول رواية كتبها من سلسلة تحت عنوان «اليهودية الحسناء». وهذا العنوان يبرز مدي تقليد أنطاكي لمؤلفات زيدان. انظر: كراتشكوفسكي، ص.37
  3. روجر آلن، الرواية العربية: مقدمة تاريخية ونقدية، ترجمة حصة منيف، المشروع القومي للترجمة؛ 34 (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1997.50)، ص
  4. ليلى المالح، «لقاء الحضارات في الفن القصصي لدى أمين الريحاني: رحلة الأديب المهاجر بين الموروث والمكتسب،» في: أحمد الشبول [وآخرون]، أمين الريحاني والتجدد العربي: تحديات التغيير في الأدب والفكر والمجتمع، بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع جامعة سدني – أستراليا، تحرير نجمة حجار (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012.328)، ص

كان جرجي زيدان بحق من بين هؤلاء الذين أحدثوا هذا الاختراق الفعال انطلاقًا من جبهات عدة لا تقتصر على الكتابة الإبداعية وإنما تتجاوزها إلى الدراسة النقدية والمقال الصحافي. ورغم أن بعض النقاد لم ينصف هذه التجربة الروائية خصوصًا في سعيها إلى التناص مع الزمن التاريخي العربي وتمثيل قضاياه وأسئلته التي يتعالق فيها السياسي والاجتماعي، مثل طه بدر الذي يذهب إلى «أن القصة التاريخية [عند جرجي زيدان] مثّلت مجرد رغبة في التعرف على التاريخ، ولا ينبع عن إحساس قومي متبلور يندفع إلى محاولة بعث أمجاد الماضي القديم، ولم يظهر هذا الإحساس القومي في ميدان الرواية متبلورًا وواضحًا إلا في الإنتاج الذي ظهر عقب الحرب العالمية الثانية، والذي عبّر عنه نجيب محفوظ وعادل كامل وعبد الحميد جودة السحار وعلي باكثير وغيرهم»65، فإن جرجي زيدان يعدّ من أهم حاملي لواء التجديد في الأدب العربي والدراسات الثقافية، خصوصًا الدراسات التي تناولت قضايا التاريخ الإسلامي والتمدن واللغة؛ ففي لحظة الانبهار بما تقدمه الكتابة الأدبية في الثقافة الغربية من وعود بالنسبة إلى كثير من كتّاب القصة والرواية خ لاا هذه الفترة، يختار جرجي زيدان، الذي كان مطلعًا على أقوى التجارب الإبداعية في عصره، وممتلك ا القدرة على استلام سلطة توليد المعنى ليس من اللغة العربية فحسب وإنما كذلك من لغات غربية عديدة، أن يغوص في التاريخ العربي الإسلامي بحثًا عن جماليات مختلفة يستجيب بها لحاجات جمهوره في التعرف إلى هذا التاريخ وإلى مكامن القوة والهشاشة فيه، لكأنه بذلك كان يؤمّن لكتابته ذلك الموقع الذي يجنبها السطحية في العلاقة بالنص الروائي الغربي بوصفه نموذجًا. وهو إن لم يكن يقتصر في إنجاز ذلك التقصي على الرواية بوصفها جنسًا أدبيًا جديدًا وإنما اختبره في مجالات أخرى مغايرة، فإنه بدا بذلك مثقفًا استثنائيًا يدرك كيفيات تظهير ابتكاريته وأصالته في هذا المجال من خ لاا قدرته على التفكير بنفسه وبمجتمعه، وهو يمزج بين كتابة أعمال تاريخية وأخرى في التاريخ الأدبي وكذلك في السّرد تُعَدّ دليلً على كفاءته في مواجهة ضغوط المؤسسة التقليدية وجمهورها. الجدير بالذكر أن ما يلفت الانتباه عند تقصّي ملامح الابتكارية والأصالة اللتين طبعتا تجربة زيدان الروائية هو ذلك الجانب المرتبط بالتنظير لهذا الجنس الأدبي الجديد في لحظةٍ طبعها فراغ كبير في ما يتعلق بنظريات الرواية التي جاء الاهتمام بها متأخرًا في العالم العربي. لقد تعينت الأفكار والتصورات التي عبّر عنها في المقدمات التي كتبها لرواياته أو في الحوارات التي نُشرت في مجلة الهلال بمثابة العمل الذي مهّد لذلك الإقبال المتزايد على قراءة الرواية والاغتراف من معينها. ولعل ما يكتسي أهمية كبيرة ها هنا هو ما تستبطنه تأملاته من علامات تحيلنا في أثناء التأويل إلى تصورات لم يتعرف إليها القارئ العربي إلا في العقدين الأخيرين من القرن الماضي، مثل تصورات ميخائيل باختين. ولا يعني هذا أننا نقول إن جرجي زيدان كان سباقًا إلى إنتاج تلك الأفكار، وإنما أردنا توكيد ما يطبع منظوره من عمق وجدّة وقدرة على فهم الرواية فهمًا متجددًا؛ فهو يعرّف الرواية فيقول: «نريد بالروايات القصص التي يعبّر عنها الإفرنج بالرّومان. وقد يتبادر إلى الأذهان أنها من الفنون الحديثة التي نشأت مع التمدن الحديث فاقتبسناها نحن في جملة ما اقتبسناه من عوامل هذا التمدن. وربما صح هذا

  1. بدر، ص.131

الزعم عند التخصيص وأمّ ا عند الإط ق، فالروايات قديمة جدًا، بل هي أقدم سائر فنون الأدب لأنها رافقت الإنسان في عهد همجيته وارتقت بارتقائه وتنوعت بتنوع بيئاته وإليك البيان»66. ويتبين من هذا التعريف أن هذا الكاتب المسكون بهاجس إنتاج الرواية التي تستطيع الاستجابة لتصوراته بخصوص عصره ورهاناته الكبرى، لا يحيد عن نظرية الرواية الغربية التي تعتبر هذه الكتابة سليلة التحولات الكبرى الواسعة التي شهدها الغرب منذ عصر النهضة، حيث استبدل بالصورة الموحدة للعالم القروسطي ركامًا غير منتظم من الأفراد الذين لكلٍّ منهم تجربته الخاصة. وإذا كنا نجد أن مفهوم الرواية نفسه يطرح ضمن سياق الثقافة الغربية الكثير من الالتباسات، خصوصًا عندما نتتبع اشتقاقاته ودلالاتها في المعجم، فإن أغلب الظن أن جرجي زيدان يلمع إلى المعنى الحديث الذي تقرّر منذ القرن السابع عشر الذي يرتبط ارتباطًا قويًا بالتخييل الذي يستوحي التجربة الفردية المعيشة في الزمان والمكان. غير أن ما يلفت النظر، قبل كل شيء، في هذا التعريف هو تقاطعه مع الفرضية التي جعل منها المنظ ر الروسي باختين أساس نظريته بشأن الرواية؛ إذ ذهب إلى أن جذور هذا الجنس الأدبي أعمق كثيرًا ممّا يمكن أن نتصور، وتقصّى آثار هذا النوع المحتقر في الملحمة وفي كتابات أخرى كثيرة، لتتعين الرواية في نظريته كتابة ثرية ومتجددة دومًا، والنوع الأعظم حرية على الإط ق67. ومعلوم أن هذه الدلالة [الربط بين نشأة الرواية والمجتمع البرجوازي] التي تقع في صميم النظريات المتمركزة التي تنسب امتياز إنتاج الرواية إلى ثقافة دون غيرها، هي التي يفككها جرجي زيدان عندما يعتبر الرواية منجزًا إنسانيًا عابرًا للثقافات والعصور، لأنه يصدر عن حاجة الإنسان إلى السرد باعتباره الوسيط الذي يجسد من خلاله ذاته، ليس فقط ضمن الجماعة التي ينتمي إليها، وإنما بالنسبة إلى العالم أيضًا. وبما أن السرد يتبأر في الثقافة التي يتكون ضمنها، ويغترف من معين متخيلها ذلك النسغ الذي يمك نه من إضاءة الطريق نحو مجهولات الذات الفردية التي يلاحقها، فإن ما ينتجه الكتّاب من روايات يتباين من حيث ما يميز الثقافة التي يتمثّلونها من تغليب لدلالة أو قيمة معيّنة على ما سواها من الدلالات والقيم؛ «فالشعوب الراغبة في الحرب والشجاعة تكثر في مسامراتها نوادر الحروب والقبائل الميالة إلى التدين تكثر عندها القصص الدينية. وأهل الكرم أكثر حوادثهم عن الكرم والضيافة. وقد تختلف ضروب القصص في الأمة الواحدة باخت ف العصور لاخت ف أدوار تمدنها. وقد تجمع القصة الواحدة الحرب والكرم أو الحرب والتدين أو كل ذلك مع الحب أو غير الحب مما لا يحصره وصف ولكنها في كل حال تمثل آدابهم وأخلاقهم»68. على هذا الأساس يشيد جرجي زيدان نمذجة للرواية يستند فيها إلى الحفر في ذاكرة السرد في ثقافات مختلفة، ومنها الثقافة العربية، ليصل إلى استخلاص العناصر المهيمنة التي تسمح له بإدراج التجارب المختلفة ضمن خانات محددة تدل على تدرّج الرواية منذ العصور القديمة نحو المفهوم الجديد الذي

  1. جرجي زيدان، «الروايات أصلها وتاريخها،» في: نظرية الرواية، ص.33
  2. شارتييه، ص.40
  3. زيدان، «الروايات،» ص.34

اتخذته خلال الفترة الحديثة والذي شكّل فيه الإيهام بالحقيقة حجر الزاوية في رهانات الكتابة. وبما أن الإبداع الأدبي بصفة عامة يتجدد من خ لاا ضروب الانتهاك التي لا يكفّ الكاتب عن إحداثها، سواء في علاقته باللغة من حيث توسيع قدرتها التعبيرية وتجذيرها في عصرها أو في ما يتصل بمعايير الأجناس الأدبية من حيث القدرة على التحرر من إرغاماتها بإنتاج النص الذي لا يكتفي بتثبيت تلك المعايير، وإنما يسائلها ويتطلع إلى تجاوزها، فإن الكتابة الروائية، وهي تراكم عبر تاريخها الطويل تجربة ثرية في ارتياد مناطق الك ماا الممنوع ومجادلة الب غااة الآمرة وتفكيك قوى القمع والكبح، أصبحت تتحدد باعتبارها «أصنافًا يختلف نسق تأليفها باختلاف الغرض المقصود منها، وفيها التهذيبية والتاريخية والعلمية والأدبية وغير ذلك»69. إذا كان جرجي زيدان قد حظي بشهرة كبيرة في مجال الرواية التاريخية التي كرّس لها متنًا مهمًّا ضمن تجربته الكتابية المتنوعة، فإن تلك الشهرة لم تكن لتغطي على الإضافات التي حققها في الكتابة ضمن مغاير آخر من مغايرات الرواية، أي الرواية الاجتماعية التي استوحى فيها الرومانيسك الاجتماعي بشكل يُلمع، ليس فحسب، إلى هواجس وانشغالات الفئات الاجتماعية الصاعدة، وإنما كذلك إلى النشاط الأدبي نفسه، وما يرتبط بالسياق التاريخي للكاتب. وفي هذا الإطار تُعتبر رواية جهاد المحبين)1893(70 نصًّا متميزًا تتأسس حداثته على جملة من المكونات السردية واللغوية التي تردّ على النقد العربي الذي لم يعترف بريادتها قياسًا برواية زينب. ولا بدّ من الإشارة إلى أن التجربة التي حرص جرجي زيدان على ارتيادها في هذه الرواية لم تخضع لسطوة التصورات المنغلقة التي تتحدث عن نقاء اللغة وقداستها، وهو ما أتاح له أن يحقق وصل عميقًا بين اللغة والشخصيات التي تتكلمها. ورغم أن مشهد الرواية تشغله أربع شخصيات أساسية تتمثّل في حبيبالموظف وسليم المحامي وكذلك سلمىوأدما، وهي شخصيات لا تتحدث في همومها وأحلامها وتعثراتها إلا في حضرة السارد العالم بكل شيء، فإن جرجي زيدان استطاع من خلال الشخصيات الأخرى الموازيةِ أن يجعل من هذه الرواية نصًا يحاور التشكيل الاجتماعي وصراع القيم فيه. ومن هذه الزاوية يمكننا أن نتحدث عن مستويات لغوية تجسد التوتر الذي يطبع الرواية ويحقق لها تلك الدينامية التي تحمل إلى السرد صوت الذات المغيبة وسط ضغط التقاليد والأنساق الاجتماعية المضادة للانعتاق والتحرر من الرقابة الاجتماعية التي هي جزء من الرقابة السياسية. لذلك، يمكن أن نتحدث عن تذويت (Subjectivation) اللغة في هذا النص، خصوصًا من خلال المحكيات النفسية التي تسلط الضوء على المناطق الداجية في ذوات الشخصيات الروائية وهي تتحدث عن الحب بوصفه رهانًا أساسيًا وجسرًا للعبور نحو المستقبل الذي تتطلع إليه. إلى هذا يضاف التوظيف التناصي للشعر، وكذلك الرسائل الغرامية والاجتماعية التي تلجأ إليها الرواية لصوغ رؤية عميقة حول ع قااات الشخصيات في ما بينها أو في العالم الاجتماعي الذي تتحرك فيه. وما دام جرجي زيدان يكتب ضمن مرحلة يطبعها، ليس فقط، التعرّف إلى أجناس أدبية جديدة، وإنما

  1. المصدر نفسه، ص.40
  2. جرجي زيدان، جهاد المحبين (القاهرة: هنداوي للتعليم والثقافة، ٢١٠٢.)

تتميز كذلك بالانفتاح على العلوم الإنسانية وتياراتها التي كانت هي الأخرى تخضع للتأسيس، فإن دور الكاتب يتحدد انط قااًا من قدرته على إنتاج تلك المعرفة التي تتعين بوصفها غير منفصلة عمّا تسنّنه المرحلة التي يعيش في إطارها، وهذا ما يتجلى على مستوى الرواية في شكل من التفاعل بين الجوانب التاريخية ذات الصلة بالفضاء الذي تدور فيه أحداث الرواية والجوانب النفسية للشخصيات الروائية. وبما أن هذه الشخصيات تنتمي إلى الطبقة المتوسطة التي تلقى أفرادها تعليمًا مختلفًا عن التعليم التقليدي، ما جعل منها سندًا أساسيًا في عملية التحول الاجتماعي، فإن الرواية، بوصفها كتابة مغايرة، مثّلت ذلك الشكل الأدبي الملائم لبلورة تلك المعرفة التي تسلط الضوء على المغامرة الفردية التي تخوضها الشخصيات الروائية، عارية من كل سند سوى إيمانها بقدرتها على مواجهة العثرات ومعانقة ذلك المطلق الذي تحلم به. من هذا المنظور يمكن تأويل تلك الدلالة التي تكمن خلف التنشئة الاجتماعية التي خصّ بها جرجي زيدان شخصيات هذا النص، خصوصًا ما يتعلق بقراءة الرواية، على أنها علامة من علامات الحداثة التي تسم المشهد الاجتماعي؛ ففي لحظة التأزم والإحساس باللاجدوى التي انتابت سليم وهو يشك في صدقية مشاعر خطيبته سلمى، تقترح عليه شفيقة أخت حبيب أن يقرأ رواية من تلك الروايات التي تحظى بقيمة كبيرة عند حبيب. ولا يعكسُ هذا التعاطي مع الرواية من داخل الكتابة استجابة هذا النص للمزاج الثقافي العام الذي يرى في هذا الجنس الأدبي الجديد تجربة فنية تستقطب اهتمام الجمهور الواسع فحسب، وإنما يتجلى مفعول ذلك التعاطي أيضًا في الوضع الاعتباري للكاتب في إطار المؤسسة الجديدة باعتباره مثقفًا نوعيًا يتدخل في النقاش العمومي من خلال تلك المعرفة التي يمتلكها. وعلى هذا الأساس يحقق الكاتب للكتابة والتمثيل بُعدهما الواقعي71.

خاتمة: على سبيل التركيب

عندما نفكر في الكتابة بوصفها تعبيرًا عن وضعية محددة، ينبغي ألا يحجب هذا التحديد عنا مسألة أساسية مفادها أن هذه الوضعية تحيل إلى جملة من العناصر التي تأخذ دلالة خاصة من الناحية السوسيولوجية. من هذه الزاوية تتجلى لنا الإضافة التي تقدمها نظرية المؤسسة بالنسبة إلى سوسيولوجية الأدب، حيث يتحدد التجدد على مستوى الأدب بوصفه مشدودًا إلى محددات أخرى لغوية وثقافية واقتصادية تفسّر ما يسنّنه المجتمع على المستويين الجمالي والأيديولوجي. وعلى هذا النحو، لا يتعين الإنتاج الأدبي كيانًا معزولً أو مكتفيًا بذاته، بل إن عزله ومؤلفه عن المجتمع ليس أمرًا جيدًا من الناحية المنهجية؛ ذلك أن الشروط الاجتماعية المحيطة تُعتبر محددًا مهمًّا في تحبيذ ظهور أدب مغاير للسائد، أو على العكس، تهميشه وطمسه. وعلى هذا الأساس تُعتبر المرحلة التي برز في إطارها جرجي زيدان مرحلة تجديد أدبي وثقافي، ومرحلة بحث في سبل تحقيق هذا التجديد في التراث العربي وعند الإفرنج

  1. J. Dubois, L'institution , p. 89.

كذلك. وإذا علمنا أن جرجي زيدان نشر قصيدة أمين الريحاني المنثورة «الحياة والموت، أو الخريف وغياب الشمس في لبنان» في مجلة الهلال، وقدَّم لها بمقدمة يقول فيها «إن الشعر عند الإفرنج منظوم ومنثور، والمنظوم قد يكون غير مقفى أو مقفى، والعمدة في تمييز الشعر قوامها الخيال الشعري والمعاني الشعرية»، تبيّنا قوة المساهمة التي نهض بها هذا الكاتب في نطاق المؤسسة الأدبية، ليس فقط على صعيد الكتابة الإبداعية ومحاولة التنظير لها، وإنما كذلك من خلال الصحافة التي تكرّس نشاطها لفتح الباب واسعًا للنقاش في موضوع الأدب ووظيفته والوضع الاعتباري للكاتب. إن ما يهمني إبرازه هو أن شخصيةجرجي زيدان الأدبية التي زاوجت بين النهل من الموروث والاستفادة من الوعود التي تقدمها الثقافة الغربية، تقدم أوفى دليل على ملامح المؤسسة الأدبية الحديثة التي لم يكن هذا التوتر بين الأصالة والمعاصرة عائقًا أمام سعي كتّابها إلى مأسسة الأدب وتخصيصه من خلال مفهوم جديد يقطع مع المفاهيم السابقة. بل إننا نلمس من خلال جرجي زيدان، الذي زاوج بين الاهتمام بالتراث والأجناس الأدبية الحديثة كتابة وتنظيرًا، فعالية هذه الثنائية وهي تتعين بوصفها ملمحًا من ملامح النص الجديد في النقد والتاريخ والأدب والثقافة. والحق أن هذه الهجنة أو التجاذب، من منظور هومي بابا الذي يعيّن تلك اللحظة من التماس بين الهويات والثقافات والأمم والعوالم، ليس سوى نتاج لتجربة استضافة الآخر التي هي محدد أساس لمفهوم الهوية عند جرجي زيدان، كما هي كذلك بالنسبة إلى غير قليل من مثقفي عصره الذين قادوا حوارًا منتجًا بين الأنا والآخر72، يذكّرنا بما يصفه إدوارد سعيد بالتأويل العلماني لمشهد الأمة الحديثة المكتظ، حيث لا يوجد تفسير واحد يُرجع المرء مباشرة إلى أصل واحد يمكن أن يكون كافيًا73. وأعتقد، من هذا المنظور، أن جرجي زيدان يمثّل علامة بارزة ودالة على حساسية ثقافية وجمالية متفردة، لأنه استطاع أن يصهر في زمن الحداثة بين الانتماء إلى التراث العربي والانفتاح على العصر. References

المصادر والمراجع

العربية

آرون، بول وألان فيالا. سوسيولوجيا الأدب. ترجمة محمد علي مقلد؛ مراجعة حسن طلب. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2013. (سلسلة نصوص)

آلن، روجر. الرواية العربية: مقدمة تاريخية ونقدية. ترجمة حصة منيف. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1997. (المشروع القومي للترجمة؛ 34)

إبراهيم، عبد الله. السردية العربية الحديثة: تفكيك الخطاب الاستعماري وإعادة تفسير النشأة. بيروت: المركز الثقافي العربي،.2003

أنطون، فرح. «إنشاء الروايات في العربية،» في: نظرية الرواية. إعداد وتقديم محمد كامل الخطيب. دمشق: وزارة الثقافة، 1990. (قضايا وحوارات النهضة العربية؛ 2)

  1. المالح، ص.322
  2. هومي ك. بابا، موقع الثقافة، ترجمة ثائر ديب (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2000.251)، ص

إيغلتون، تيري. نظرية الأدب. ترجمة ثائر ديب. دمشق: دار المدى،.2006

بابا، هومي ك. موقع الثقافة. ترجمة ثائر ديب. بيروت: المركز الثقافي العربي،.2000

بارت، رولان. درجة الصفر للكتابة. ترجمة محمد برادة. الرباط: الشركة المغربية للناشرين المتحدين؛ بيروت: دار الطليعة،.1980

بدر، عبد المحسن طه. تطور الرواية العربية الحديثة في مصر (1938-1870). ط 3. القاهرة: دار المعارف، 1977. (مكتبة الدراسات الأدبية؛ 32)

بدوي، أحمد موسى. «ما بين الفعل والبناء الاجتماعي: بحث في نظرية الممارسة لدى بيير بورديو». إضافات (بيروت): العدد 8، خريف.2009

بدوي، محمد مصطفى. «الخلفية التاريخية.» ترجمة محمد الشوكاني. في: السبيل، عبد العزيز [وآخرون.] تاريخ كيمبردج للأدب العربي: الأدب العربي الحديث. جدة: النادي الأدبي الثقافي، برادة، محمد. «تحولات مفهوم الالتزام في الأدب العربي الحديث». نزوى (سلطنة عمان): العدد 25، كانون الثاني/ يناير.2001

بشارة، عزمي. «عن المثقف والثورة». تبين (الدوحة): السنة 1، العدد 4، ربيع.2013

بورديو، بيير. قواعد الفن. ترجمة إبراهيم فتحي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.2013 الحلاق، بطرس. جبران: حداثة عربية: ذات تتكون وأدب يتجدد. ترجمة إياس الحسن وجمال شحيّد. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2013

الحيدري، إبراهيم. النقد بين الحداثة وما بعد الحداثة. بيروت: دار الساقي،.2012

داغر، شربل. «القصيدة العربية الحديثة: الخروج من نظام الواحدية التمامية». نزوى: العدد 42، نيسان/ أبريل.2005

دوفور، فيليب. فكر اللغة الروائي. ترجمة هدى مقنّص. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2011

دوميه، كريستيان. جنوح الفلاسفة الشعري. ترجمة ريتا خاطر؛ مراجعة جوزيف شريم. بيروت: المنظمة

العربية للترجمة، 2013.

رانسيير، جاك. سياسة الأدب. ترجمة رضوان ظاظا. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2010 زيدان، جرجي. تاريخ آداب اللغة العربية. ج 2. القاهرة: دار الهلال، [د. ت.].

.______ تاريخ التمدن الإسلامي. تقديم حسين مؤنس. ج 1. القاهرة: دار الهلال،.1958

.______ جهاد المحبين. القاهرة: هنداوي للتعليم والثقافة، ٢١٠٢.

زيما، بيار ف. النص والمجتمع: آفاق علم اجتماع النقد. ترجمة أنطوان أبو زيد؛ مراجعة موريس أبو ناضر. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2013

مصر، [د. ت.].

دار توبقال للنشر،.2001

وعلي حاكم صالح؛ مراجعة جروج كتورة. طرابلس، ليبيا: دار أويا،.2007

القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2002

وتقديم عبد الرحيم العطاوي. الرباط: دار الكلام للنشر والتوزيع،.1989

دمشق: وزارة الثقافة، 1990. (قضايا وحوارات النهضة العربية؛ 2)

دراسات الوحدة العربية،.2012

دراسات الوحدة العربية،.2012

العربية للترجمة،.2008

العربية للدراسات،.]1981[

سارتر، جون بول. ما الأدب؟. ترجمة وتقديم وتعليق محمد غنيمي ه لاا. القاهرة: دار نهضة سعيد، إدوارد. تأم ت حول المنفى ومقالات أخرى. ترجمة ثائر ديب. بيروت: دار الآداب، شارتييه، بيير. مدخل إلى نظريات الرواية. ترجمة عبد الكبير الشرقاوي. الدار البيضاء، المغرب: غادامير، هانز جورج. الحقيقة والمنهج: الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية. ترجمة حسن ناظم كازانوفا، باسكال. الجمهورية العالمية ل دآآاب. ترجمة أمل الصبان؛ تقديم محمد أبو العطا. كراتشكوفسكي، إكناتيز. الرواية التاريخية في الأدب العربي الحديث ودراسات أخرى. ترجمة كرم، كرم ملحم. «ما هو أدب اليوم؟.» في: نظرية الرواية. إعداد وتقديم محمد كامل الخطيب. كساب، إليزابيث سوزان. الفكر العربي المعاصر: دراسة في النقد الثقافي المقارن. بيروت: مركز كونديرا، ميلان. فن الرواية. ترجمة بدر الدين عرودكي. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2001 المالح، ليلى. «لقاء الحضارات في الفن القصصي لدى أمين الريحاني: رحلة الأديب المهاجر بين الموروث والمكتسب.» في: الشبول، أحمد [وآخرون.] أمين الريحاني والتجدد العربي: تحديات التغيير في الأدب والفكر والمجتمع، بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع جامعة سدني – أستراليا. تحرير نجمة حجار. بيروت: مركز نجم، محمد يوسف. القصة في الأدب العربي الحديث. بيروت: دار الثقافة، [د. ت.].

نعيمة، ميخائيل. الغربال. تقديم فيصل دراج. [الدوحة]: وزارة الثقافة والفنون والتراث،.2012 هوسرل، إدموند. أزمة العلوم الأوروبية والفنومينولوجياالترنسندنتالية: مدخل إلى الفلسفة الفنومينولوجية. ترجمة وتقديم إسماعيل المصدق؛ مراجعة جورج كتورة. بيروت: المنظمة ياغي، عبد الرحمن. في الجهود الروائية ما بين سليم البستاني ونجيب محفوظ. بيروت: المؤسسة يقطين، سعيد. الأدب والمؤسسة: نحو ممارسة أدبية جديدة. الرباط: منشورات الزمن،.2010

الأجنبية

1. Angenot, Marc [et al.] (dirs). Théorie littéraire: Problèmes et perspectives. Paris:

Presses universitaires de France, 1989.

2. Barthes, Roland.  Le Degré zéro de l’écriture. Paris: Éditions du Seuil, 1953.

3. ______.  Le Degré zéro de l’écriture , suivi de Nouveaux essais critiques. Paris:

Éditions du Seuil, 2014. (Points. Essais; 34).

4. Bourdieu, Pierre. Les Règles de l’art: Genèse et structure du champ littéraire.

Nouv. éd. Paris: Éd. du Seuil, 1998. Paris: Éd. du Seuil, 1998. (Points; 370)

5. Chakrabarty, Dipesh. Provincialiser l’Europe: La Pensée postcoloniale et la

différence historique. Traduit de l’américain par Olivier Ruchet et Nicolas

Vieillescazes. Paris: Éd. Amsterdam, 2009.

6. Dubois, Jacques. L’Institution de la littérature. Préface de Jean-Pierre Bertrand.

Bruxelle: Editions Labor, 2005. (Espace nord, références; 227)

7. Ibsch, Elrud. «La Réception littéraire.» Dans: Angenot, Marc [et al.] (dirs). Théorie

littéraire: Problèmes et perspectives. Paris: Presses universitaires de France, 1989.

8. Sartre, Jean-Paul.  Qu’est-ce que la littérature?. Paris: Gallimard, 1951.

9. Sociocritique. Textes de Bradley Berke [et al.]; présentés par Claude Duchet. Paris:

Nathan, 1979. (Nathan université, information, formation. Littérature française)

10. Todorov, Tzvetan. Mikhaï l Bakhtine: Le Principe dialogique. Suivi de Écrits du

Cercle de Bakhtine; traduit du russe par Georges Philippenko, avec la collaboration

de Monique Canto. Paris: Éditions du Seuil, 1970. (Collection Poétique ; 31)