ما هي الأيديولوجيا العلمية؟
What is Scientific Ideology?
الملخّص
أدخل جورج كانغيلم تعبير "الأيديولوجيا العلمية" في دروسه منذ نهاية الستينيات بعد أن أخذه عن لوي ألتوسير وميشيل فوكو. ويشير بداية إلى أن التعبير يبدو متناقضا، من باب أن الأيديولوجيا تحرف الانتباه عن الواقع وهي تزعم التعبير عنه، على العكس من العلم. ولرفع هذا التناقض، يعرّف كانغيلم "الأيديولوجيا العلمية" بأنها الخطاب الذي يسبق علمًا قيد التأسيس بالاستناد إلى علم قائم ومحاكاته في مناهجه ومعطياته. فيكتسب من خلال طموحه لكي يكون علما، صفةَ "أيديولوجيا علمية". تشكل هذه الأيديولوجيا بطبيعتها عقبة أبستمولوجية، لكنها في الوقت ذاته تشكل، بما تطرحه من إشكالات وتحرض من نقد، دافعا أمام تأسيس العلم الجديد الذي يطرد هذه الأيديولوجيا، ويظهر ليس تماما في الموقع الذي أشارت إليه، بل بانزياح عنه. وبهذا تختفي هذه المفارقة، ولم تعد "الأيديولوجيا" نقيضا للعلم، بل ترافقه. ولهذا لا غنى للباحث الأبستمولوجي، حين يكتب تاريخ العلوم، من أن يضمّن تاريخه هذه الجوانب اللاعلمية التي ساهمت في نشوء العلم.إن هذا التمييز بين العلم والأيديولوجيا العلمية يفيد في تمييزها عن الأيديولوجيا السياسية كوعي زائف، وكذلك عن العلم الزائف الذي لا يعترف بالخطأ وبالتالي لا تاريخ له، وعن المعتقدات الباطلة أيضا، وأخيرا عن الأيديولوجيا التي يعتنقها رجال العلم كقناعات ذاتية.
Abstract
Abstract: Canguilhem defines «scientific ideology» as the discourse that precedes a science in the process of foundation that itself relies on an existing science whose methodology and suppositions it emulates. In its aspiration to become a science, the discourse acquires the character of a «scientific ideology.» It is in the nature of this ideology to form an epistemological obstacle, but simultaneously through the problems and criticism it raises, the discourse forms the impetus to found the new science, which dislodges this ideology and does not entirely appear in the place the ideology indicated, but rather appears displaced.
- الإبستمولوجيا
- تاريخ العلوم
- العلم الزائف
- نظرية التطور
- الأيديولوجيا العلمية
- History of Science
- Paradox
- Epistemology
- Ideology
- Science
Translated by Eias Hassan ***
ترجمة: إياس حسن **
بعد أن يستند إلى علم قائم، ويحاكيه في مناهجه ومعطياته. فيكتسب من خلال طموحه لكي يكون علما، صفةَ «أيديولوجيا علمية». تشكل هذه الأيديولوجيا بطبيعتها عقبة ابستمولوجية، لكنها في الوقت ذاته تشكل، بما تطرحه من إشكالات وتحرض من نقد، دافعا أمام تأسيس العلم الجديد الذي يطرد هذه الأيديولوجيا، ويظهر ليس تماما في الموقع الذي أشارت إليه، بل بانزياح عنه.
ما الأيديولوجيا العلمية؟ هذا السؤال تطرحه، كما يبدو لي، ممارسة تاريخ العلوم، وربما تكون الإجابة عنه مهمة بالنسبة إلى نظرية تتناول تاريخ العلوم. في الواقع، أليس من المهم أن يُعرف، قبل كل شيء، ما يزعم تاريخُ العلوم أنه تاريخ له؟ من السهل ظاهريًا الإجابة
بأن تاريخ العلوم هو تاريخ هذه الأشكال من الثقافة التي تسمّى علومًا. ومن الضروري أيضًا أن
يشار بشكل دقيق إلى المعايير التي تقرر اعتبار هذه الممارسة أو هذا الميدان، في هذه الحقبة أو تلك من التاريخ العام، علمًا يستحق هذا العنوان أم لا، لأن المقصود بالتحديد هو لقب، أي
استحقاق لا يوهب بسهولة. وبعد ذلك، لا بدَّ من طرح سؤال عن معرفة هل كان على تاريخ العلم
الأصيل أن يَستبعِد، أو يتحمل، أو يتبنّى، ويحوي أيضًا تاريخ علاقات استبعاد غير الأصيل عن
طريق الأصيل. نقول «كف يد» عن قصد بمعنى زوال حيازة قانونية عن ممتلكات مكتسبة بطريقة
مشروعة. لقد توقفنا منذ عهد بعيد عن أن نضع، مثلما كان يفعل فولتير، المعتقداتِ الباطلة والعلومَ
الزائفة في حساب الدسائس والخدع التي اخترعها بطريقة كلبية الدراويشُ الحاذقون وتعهدتها حاضناتٌ جاهلات. من البديهي أن ما يكمن هنا يزيد عن كونه مشكلة تقنية أو منهجًا تاريخيًا يخص ماضي المعارف
العلمية بالشكل الذي أعيد بناؤه به انط قااًا من الوثائق والأرشيفات؛ فالمشكلة في الحقيقة إبستيمولوجية تخص الطريقة الدائمة في تأسيس المعارف العلمية تاريخيًا. طرح البروفسور سوكودولسكي (Suchodolski)، في تقريره المقدَّم إلى الندوة الأولى للمؤتمر
الثاني عشر العالمي لتاريخ العلوم: «عوامل تطور تاريخ العلوم»، سؤالً مماثلً على النحو التالي: «إذا كان تاريخ العلوم بكامله حتى أيامنا هذه تاريخًا ل ‹ضد العلم›، فهذا يثبت بالتأكيد أن تاريخ العلم، بصفته تاريخًا للحقيقة، لا يمكن أن يكون على نحو آخر، وربما لن يكون في المستقبل على نحو آخر... مستحيل الإنجاز. إنها فرضية تنطوي على تناقض داخلي». سيكون علينا أن نعود إلى هذا التصور عنضد العلمونتساءل إلى أي مدى يتوافق أو لا يتوافق مع ما يمكن أن نقصده بأيديولوجيا. في الواقع، يُطرح سؤالنا ضمن ممارسة تاريخ العلوم؛ إذ لو بحثنا لدى مؤرخي العلوم، حتى
الآن، كيف قدموا جوابًا عن سؤالنا، وهو سؤال لا يطرحه كثيرون على أنفسهم، فإننا نلمس
غيابًا مذهً لمعايير تحديد الأيديولوجيا. قلة من مؤرخي الرياضيات تجد مكانًا لدراسة
الخصائص السحرية أو الرمزية ل عأأداد وللأشكال على أنها من اختصاص موضوعهم. وإذا ما وَجد مؤرخو علم الفلك أيضًا حيزًا للتنجيم، رغم أن كوبرنيكوس قلب الأسس الوهمية للأبراج
(((راجع مادة Préjugé«» في المعجم الفلسفي.
(2) Actes: XIIe congrès international d’histoire des sciences, 1. A, colloques, textes des rapports (Paris: A. Blanchard,
رأسًا على عقب منذ سنة 1543، فهذا فقط لأن علم فلك المواقع (position de) مدين لعلم
التنجيم بقرون عدة من المشاهدات. لكن عددًا كبيرًا من مؤرخي الكيمياء متنبّه إلى تاريخ
الخيمياء ويدمجه في تعاقب «مراحل» الفكر الكيميائي. أمّ ا مؤرخو العلوم الإنسانية، كعلم
النفس مثلً، فإنهم يقدمون برهانًا على خلل كبير؛ إذ نجد تاريخًا لعلم النفس، وهو تاريخ برِتْ
(Brett)، يخصص ثلثي صفحاته لعرض نظريات حول الروح والوعي وحياة النفس، وهي في معظمها سبقت ظهور كلمة سيكولوجيا بالذات، وأكثر من ذلك، سبقت تكوين التصور الحديث عنها.
هل تعبير «أيديولوجيا علمية» تعبير موفَّق؟ هل يصلح بشكل ملائم للإشارة إلى، ولتحديد، مجمل الصياغات الخطابية التي تطمح إلى أن تكون نظريات، وجميعِ التمثُلّات المتماسكة إلى هذا الحد
أو ذاك عن العلاقات بين الظواهر، وكاملِ المَحاور المستدامة نسبيًا التي في نهايتها فَسّر الإنسان
تجربته الحياتية، أي باختصار، مجمل هذه المعارف الزائفة التي انكشف زيفها عن طريق واقع، وفقط واقع، أن علمًا يتأسس بشكل جوهري من خلال نقدها؟ تعود حظوة مفهوم الأيديولوجيا، هذه الأيام، إلى أصول لا تقبل التشكيك؛ فالمفهوم هذا يتأتى من تبسيط فكر كارل ماركس. إن الأيديولوجيا تصور إبستيمولوجي ذو وظيفة جدالية، ويُطبَّق على
منظومات من التمثلّات التي تعرب عن نفسها في لغة السياسة والأخ ق والدين والميتافيزيق، وهذه اللغات تقدم نفسها على أنها تعبير عن الأشياء كما هي، في حين أنها وسائل حماية ودفاع عن وضع محدد، أي عن منظومة العلاقات بين البشر أنفسهم وبينهم وبين الأشياء. يشجب ماركس الأيديولوجيات باسم العلم الذي يزعم أنه يؤسسه: وهو علم البشر الذين يصنعون تاريخهم الخاص، من دون أن يصنعوه، مع ذلك، تبعًا لرغباتهم. طرح السؤال عن الكيفية التي شحن بها ماركس مصطلح الأيديولوجيا، المأخوذ من الفلسفة الفرنسية في القرن الثامن عشر، بالدلالة التي يحملها هذه الأيام. لقد كانت الأيديولوجيا تعني، بحسب كابانيس (Cabanis) وديستوت دوتراسي (Tracy de)، علم نشأة الأفكار وتكوّنها.
وكان مشروعها معالجةَ الأفكار بصفتها ظواهر طبيعية تعبّر عن ع قااة الإنسان، بصفته عضوية
حية وحساسة، بمحيط حياته الطبيعي. ومع ذلك، كان الأيديولوجيون، كوضعيين قبل ظهور المصطلح، ليبراليين معارضين للاهوتيين وللميتافيزيقيين. كان سلوك بونابرت السياسي قد أوهم في البداية هؤلاء الليبراليين، إذ كانوا يعتقدون أنه منفّذ وصية الثورة الفرنسية. وعندما أصبح هؤلاء البونابرتيون مضادين لنابليون، صب عليهم جام غضبه بالازدراء وبالمنغصات، فكان هو الذي قلب الصورة التي أراد الأيديولوجيون أن يعطوها عن أنفسهم. وهكذا، باسم الواقعية السياسية،
(((«الازدراء التي أعرب عنه [نابليون] تجاه رجال الصناعة أكمل ازدراءه تجاه الأيديولوجيين:» , La Sainte Famille Karl Marx, VI, III, c ; Combat critique contre la Révolution française.
التي جعلت التشريع يستند إلى معارف القلب البشري ودروس التاريخ، دينت الأيديولوجيا على أنها ميتافيزيقا أو فكر فارغ. نرى إذًا أن ماركس احتفظ، بالمعنى الذي أعطاه لمصطلح «أيديولوجيا»، بفكرة قلب الصلة بين المعرفة والشيء؛ ذلك أن الأيديولوجيا التي كانت تدل في البداية على علم طبيعي يتناول اكتساب الإنسان أفكارًا منسوخة عن الواقع بالذات، أصبحت تشير إلى أي منظومة من الأفكار تنجم عن
وضع محكوم منذ البداية بتجاهل الصلة الحقيقية بالواقع. توجد الأيديولوجيا، بحسب ماركس، حينما تحرف الانتباه عن موضوعها الخاص. لكن هل مفهوم الأيديولوجيا العلمية متضمَّن، من دون تمويه، في المفهوم العام للأيديولوجيا بالمعنى
الماركسي؟ الجواب للوهلة الأولى: كلا؛ ففي كتاب الأيديولوجيا الألمانية يقيم ماركس معارضة صريحة بين الأيديولوجيات السياسية والقضائية والاقتصادية والدينية من جهة، والعلم الاقتصادي من جهة ثانية، وهو العلم الذي كان ينوي إنشاءه. فالعلم يثبت أصالته بتمزيق الحجاب الذي هو كامل حقيقة الأيديولوجيا، وحقيقتها الوحيدة. سيكون تعبير الأيديولوجيا العلمية إذ ا مسخًا منطقيًا
[تناقضًا في التعبير]. وبالتعريف، كل أيديولوجيا هي ابتعاد، بالمعنى المضاعف: البُعد والانزياح،
بعدٌ عن الواقع وانزياحٌ قياسًا بمركز البحث الذي تظن أنها تنبثق عنه. يريد ماركس أن يُظهر أن
الأيديولوجيات الاقتصادية - السياسية كلها، في مقارنتها بعلم الاقتصاد الماركسي، تبدو نتيجةَ وضع طبقي يمنع المثقفين البرجوازيين من أن يروا ضمن ما يعتقدون أنه مرآة، بمعنى علم يؤشر إلى الأشياء بالذات، شيئًا آخر غير صورة مقلوبة للعلاقة بين البشر أنفسهم وبينهم وبين الطبيعة. ولا واحدة من هذه الأيديولوجيات تقول الحقيقة حتى ولو كان بعضها أقل من غيره بُعدًا عن الواقع، كلها
مضلِّلة. علينا بالتأكيد أن نفهم من كلمة التضليل: خطأ أو ازدراء، وتواطؤ، وكذلك حبك خرافة مطَمْئنة لا واعية لحكمٍ توجهه المصلحة. باختصار، يبدو لنا ماركس أنه خصص للأيديولوجيا
وظيفة تعويضية. إن الأيديولوجيات البرجوازية ردود أفعال تشير من خ لاا الأعراض إلى وجود أوضاع اجتماعية تتصف بالصراع، أي صراع الطبقات، وهي تنزع في الوقت ذاته، من الناحية النظرية، إلى إنكار المشكلة الملموسة التي يكمن وجودها وراء ظهور هذه الأيديولوجيات. لكن، كما سيقال عن حق، أليس من اللافت أن ماركس في الأيديولوجيا الألمانية، لا يحسب العلم في عديد الأيديولوجيات؟ إنه أمر لافت في واقع الأمر. ما من شك في أن ماركس، في نقده لفيورباخ (Feuerbach)، يأخذ عليه أنه لم يفهم أن علم الطبيعة الذي يوصف ب «الخالص» يستمد أهدافه
(((يرى ماركس أن الأيديولوجيات السياسية عند الفرنسيين والإنكليز، في القرن الثامن عشر، أقل بُعدًا عن أسسها الواقعية من
الأيديولوجيا الدينية عند الألمان. (((في البيان الشيوعي، يوصَف وهمُ الطبقة البرجوازية بتأبيد الع قااات الاجتماعية التي تكون فيها في موقع الهيمنة،
ب «تصور المستفيد.»
ووسائله من التجارة والصناعة، أي من النشاط المادي للبشر. لكن هل ينطوي ذلك على عدم وجود أي فرق، في الكيان الإبستيمولوجي، بين هذا النمط من الخطاب الأيديولوجي الذي هو، في نظر ماركس، الاقتصاد الحر، وهذا النمط من الخطاب الذي ثبت بالاختبار، على غرار المغناطيسية الكهربائية أو ميكانيك الأجرام السماوية؟ من الصحيح تمامًا أن بناء علم الفلك في القرنين السابع
عشر والثامن عشر اعتمد على صناعة أدوات بصرية ومقياس زمني؛ ففي القرن الثامن عشر كان
تحديد خط الطول في البحر مسألة نظرية تستدعي تقنيةَ صناعةِ الساعات لغاية تجارية. ومع ذلك، ألم يكن ميكانيك الأجرام السماوية النيوتوني سيجد حاليًا، في تقنيات وضع قمر اصطناعي على
مدار حول الأرض وريادة الفضاء، تأكيدًا تجريبيًا هائ، عن طريق تضافر الجهود التي تدعمها
تقنيات واقتصادات متفاوتة المشارب تفاوتًا كبيرًا في ما يخص الأيديولوجيا المصاحبة؟ أن نقول
عن علم الطبيعة إنه ليس مستقلًّ عن الأساليب المتعاقبة لاستثمار الطبيعة وإنتاج الثراء، فهذا لا
يعني أن نرفض استقلالية إشكاليته وخصوصية منهجه، وهذا لا يجعله مرتبط ا على غرار الاقتصاد أو السياسة، بالأيديولوجيا المهيمنة للطبقة المهيمنة، في لحظة معيّنة، ضمن العلاقات الاجتماعية.
وفي كتاب مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي، صادف ماركس ما يسمّيه «صعوبة»، وهو أن الفن،
الذي يرتبط إنتاجه بالظرف الاجتماعي، يستطيع أن يحتفظ بقيمة دائمة في ما هو أبعد من شروطه التاريخية، وبعد اختفائها. هل يمكن الماركسية أن تنكر على الهندسة الإغريقية ما يعترف به ماركس للفن الإغريقي؟ لكن هل يمنعنا عدم القدرة على وضع المعارف العلمية في عديد الأيديولوجيات من أن نعطي تصور الأيديولوجيا العلمية معنى؟ علينا، في مقولة الأيديولوجيا، أن نميز بين المحتوى والوظيفة. يصرح ماركس بشكل واضح بأن الأيديولوجيات ستبلغ نهايتها عندما تنجز الطبقة، التي ستتولى بالضرورة مهمة إلغاء العلاقات الطبقية، واجبها الديالكتيكي، وحينئذ تنتهي وظيفة التضليل الأيديولوجي والسياسي والأخلاقي والديني. وهذا يفترض، ولنلاحظ جيدًا، أن المجتمع المتجانس والسلمي يحافظ على الوصف الصحيح لوضعه في نص ماركس، من دون انق ب ولا قلب [بلاغي] (chiasme). ومع ذلك، فإن التاريخ يستمر، بل علينا أن نقول إنه يبدأ. وهذا التاريخ أصبح تاريخ علاقات محددة مع الطبيعة. علينا إذ ا أن نتساءل عمّا إذا كان يمكن أن تتأسس
علاقات جديدة مع الطبيعة بكل وضوح وتنبؤٍ علميين مسبقين، الأمر الذي يعود بنا إلى التكهن بسير هادئ للعلم ضمن تاريخيته. أليس في الإمكان أن ندعم، في المقابل، أن الإنتاج المترقي للمعارف العلمية الجديدة يحتاج في المستقبل، كما احتاج في الماضي، إلى أسبقية المغامرة الذهنية على العقلنة، وإلى تجاوزٍ واثقٍ بنفسه، تمليه متطلبات الحياة والفعل، لما سيتم التعرف إليه والتثبت منه، بحذر وريبة، لكي يقيم الناس علاقاتهم بالطبيعة تبعًا لصلات جديدة آمنة بالكامل؟
(((أو المقابلة العكسية، أو العكس: أسلوب بديعي إيقاعي، تتقابل فيه عناصر عبارتين بشكل معكوس، كقولك: «يجب أن نأكل لنعيش، لا أن نعيش لنأكل». (المترجم)
في هذه الحالة، ستكون الأيديولوجيا العلمية في آن واحد عقبة أمام إمكانية تشييد العلم، وستكون أحيانًا شرطًا له. في هذه الحالة، سيتوجب على تاريخ العلوم أن يحتوي تاريخًا للأيديولوجيات العلمية المعترف بها بناء على هذه الصفة. ما الفائدة من إعطاء مكانة إبستيمولوجية لهذا التصور؟ لنحاولْ إظهارها.
الأيديولوجيا العلمية ليست وعيًا زائفًا مثلما هي عليه الأيديولوجيا السياسية للطبقة. كما أنها
ليست علمًا زائفًا؛ ذلك أن خاصية العلم الزائف تكمن في أنه لا يلتقي أبدًا مع الخطأ، ولا يتنازل
عن أي شيء، وليس عليه أبدًا أن يبدل لغته. لا توجد بالنسبة إلى علم زائف حالة قبل علمية، ولا يمكن خطاب العلم الزائف أن يتعرض للتكذيب. باختصار، ليس للعلم الزائف تاريخ. أمّا
الأيديولوجيا العلمية، فهي تمتلك تاريخًا: خذ مثل النظرية الذرية التي سنعود إلى حالتها. تصل الأيديولوجيا العلمية إلى نهايتها عندما يكون المكان الذي تحتله في موسوعة المعارف قد تقلَّده ميدان علمي قدَّم إثباتًا عمليًا لصلاحية معاييره العلمية. في هذه اللحظة، يكون قد حُكم على
مجال معيّن من ال علم بالاستبعاد. إننا نقول «لا علم» بدل «ضد العلم» – الذي يستخدمه
سوكودولسكي- فقط لكي ننبّه إلى واقع أن الأيديولوجيا العلمية تتضمن طموحًا صريحًا لكي
تكون علمًا، وذلك بمحاكاة نموذجٍ ما من العلم سبق أن تأسس. يبدو لنا هذا الأمر جوهريًا؛
فوجود أيديولوجيات علمية ينطوي على وجودٍ مواز وسابق لخطابات علمية، وينطوي بالتالي على الفصل الحاصل بين العلم والدين. لنلاحظ حالة النظرية الذرية: يُنزل ديموقريطس وأبيقور
ولوكريس فيزياءهم وسيكولوجيتهم منزلة العلم. إنهم يعارضون «ضد العلم»، وهو الدين ب «ضد الدين» وهو العلم. الأيديولوجيا العلمية بالطبع هي تجاهل المتطلبات المنهجية والإمكانيات العملية للعلم في قطاع التجربة الذي تسعى إلى استكشافه، لكنها ليست الجهل، حيث الازدراء والرفض لوظيفة العلم. وهذا بالتالي يعني أن علينا أن لا نخلط على الإطلاق الأيديولوجيا العلمية مع المعتقدات الباطلة، لأن الأيديولوجيا تحتل، ولو بالتعدّي، موقعًا في فضاء المعرفة لا في
فضاء الاعتقاد الديني. إضافة إلى ذلك، لا يمكن أن تعامَل كمعتقدات باطلة إذا ما اقتصرنا بدقة
على المعنى الاشتقاقي: فالمعتقدات الباطلة superstitions)) هي الإبقاء على اعتقاد من دين قديم لم يؤدّ منعه بفضل الدين الجديد إلى التخلص منه. أمّا الأيديولوجيا العلمية، فإنها تقع
فوق المكان (sur-situé) الذي سيأتي العلم ليحتله؛ ليس فوقه تمامًا، إنما بانزياح عنه (dé-
porté)؛ ذلك أن العلم عندما يأتي ليحتل مكانًا كانت الأيديولوجيا تشير إليه ظاهريًا، فإنه سيكون
مكانًا غير المنطقة المتوقَّعة. مثل، عندما بنت الكيمياءُ والفيزياء المعرفةَ العلمية للذرة في القرن
التاسع عشر، لم تظهر الذرة في المكان الذي كانت الأيديولوجيا الذرية قد خصصته لها، وهو
(((الأصل الاشتقاقي من الجذر اللاتيني superstare، ومنه superstes, superstitis، بمعنى الناجي من الموت. (المترجم)
مكان «عدم القابلية ل نااقسام» [أو مكان الجوهر الفرد]، أي إن ما يجده العلم ليس ما كانت الأيديولوجيا قد اقترحت البحث فيه. لهذا، فإن بقاء الكلمات لا يدل على شيء عندما يكون سياق التوجهات والمناهج مختلفًا بمقدار ما تختلف تقنية ترذيذ المواد الصلبة عن طرائق البحث الذري الحديث، لدرجة أن ما كانت الأيديولوجيا تعلنه بسيط ا يتكشف في حقيقته العلمية عن تماسك التعقيدات. نأمل أن نجد في نظرية ماندل (Mendel) عن الوراثة مثالً آخر مقنعًا للطريقة التي حل فيه العلمُ
محل الأيديولوجيا العلمية. يبحث معظم مؤرخي البيولوجيا لدى موبِرتويس (Maupertuis) عن حدوس بعلم الوراثة، بسبب أنه كان مهتمًا في كتابه Vénus physique، بآلية انتقال الصفات الشكلية،
الطبيعية أو الشاذة، وأنه لجأ إلى حساب الاحتمالات كي يقرر ما إذا كان تواتر شذوذ معيّن في
عائلة ما تصادفيًا أم لا، وأنه فسر ظواهر الوراثة حين افترض أن ذراتِ البذور séminaux)) عناصر
وراثية اقترن بعضها ببعض في لحظة التزاوج. غير أن مقابلة نصوص موبِرتويس مع نصوص ماندل فجّرت كل الفرق الذي يفصل العلم عن الأيديولوجيا التي يطردها. لم تكن الوقائع التي يدرسها
ماندل وقائع تجمعت عن طريق فينومينولوجيا لا على التعيين، بل هي وقائع تحددت بالبحث، والبحث تحدد عن طريق المشكلة، وهذه المشكلة لا سوابق لها في الأدب ما قبل الماندلي. لقد ابتكر ماندل الخاصية «المميزة [الصفة»] caractère)) واعتبرها مبدأ أو عنصرًا لما ينتقل بالطريق
الوراثي، وليس بصفتها عامل مبدئيًا للانتقال. كانت «الصفة»، تبعًا لماندل، تدخل في تنسيقات
[توافيق] مع عدد n«» من الصفات الأخرى، وكان باستطاعة ماندل قياس تواتر عودة ظهورها على امتداد الأجيال المختلفة. لم يُبد ماندل أي اهتمام بالبنية أو بالإلقاح أو بالنمو. ولم يكن التهجين
بالنسبة إلى ماندل وسيلة لإقامة ثبات أو عدم ثبات نمط إجمالي، بل كان وسيلة لتفكيكه؛ إنه أداة للتحليل، لفصل الصفات، شريطة العمل على عدد كبير من الحالات. لم يكن ماندل يولي الهجائن أهمية إلا لكي يرفض الموروث القديم عن الاهتمام بالتهجين. ولم يكن يهتم بالحالة الجنسية، أو بالصراع بين الفطري والمكتسب، أو بالتشكل المسبق والتخلق المتعاقب، لم يكن يهتم إلا بالتحقق، بفضل حساب التوافيق، من نتائج فرضيته. في المقابل، كل ما أهمله ماندل هو الذي حظي باهتمام من ليسوا في الحقيقة أس فااه. إن أيديولوجيا الانتقال الوراثي في القرن الثامن عشر تعجُّ بالمشاهدات، بالقصص التي تخص عرض الهجائن الحيوانية أو النباتية، وظهور
المسوخ. يمتلك هذا الفضول الشره الكثير من الغايات: البتّ بين أمر التشكل المسبق والتخلق المتعاقب، بين النظرية القائلة بالبويضة وتلك القائلة بالحيوان المنوي؛ ومن خ لاا ذلك تقديم حلول للمشكلات القانونية المتعلقة بالتبعية بين الجنسين، والأبوّة، ونقاوة السلالات، ومشروعية
الأرستقراطية. تتقاطع هذه المشاغل مع مشكلات وراثة الصفات المكتسبة النفسية - الفيزيولوجية،
(8) Jacques Piquemal, Aspects de la pensée de Mendel (Paris: Palais de la découverte, 1965).
ومع السجال بين النزعة الفطرية والحواسية؛ فقد لقيت تقنية التهجين دعمًا بسبب اهتمام
المهندسين الزراعيين من أجل البحث عن ضروب أفضل، كذلك بسبب اهتمام علماء النبات من أجل تحديد العلاقة بين الأنواع. إن كتاب فينوس الفيزيائية لموبِرتويس لا يمكن نقله، بفصله عن سياقه في عصره، بغية إقامة تقاطع جزئي مع بحث «تجارب على تهجين النباتات ». لم يقع علم ماندل على محور الأيديولوجيا التي حل محلها، بسبب أن هذه الأيديولوجيا ليس لها محور واحد بل محاور كثيرة؛ ولا واحد من محاور الفكر هذه كان المسارَ المصمم للعلم الذي أتى بعدها،
فقد ورثتها من مخلفات أزمنة متفاوتة؛ فنظرية البويضة ونظرية الحيوان المنوي لا تعودان إلى الزمن ذاته كالذي للحجج الإمبريقية أو الأسطورية التي قُدمت لمصلحة الأرستقراطية. وقياسًا
بعلم الوراثة، تُعتبر أيديولوجيا الوراثة (والكلمة هنا تصعد من العلم صوب الأيديولوجيا، وفي حالة النظرية الذرية، نزلت من الأيديولوجيا صوب العلم) مفرطة في طموحها الذي هو طموح ساذج لحل مشكلات عدة ذات أهمية نظرية وتطبيقية - قانونية، من دون أن تتفحص أساسها. هنا تختفي الأيديولوجيا بالتناقص أو بالتأكّل، لكن بعد زوالها كعلم سيئ التأسيس تظهر كأيديولوجيا. إن توصيف تجمعٍ معيّن من المشاهدات والاستنباطات déduction)) على أنه أيديولوجيا أمر
لاحق لنزع توصيفها كعلم من جهة خطاب يحدد حقل صلاحيتها ويقدم براهينه عن طريق تماسك نتائجه واكتمالها. وإذا كان من المفيد تعليميًا، من أجل إعطاء مكانة للأيديولوجيات العلمية، دراسةُ كيف تختفي،
فإن الفائدة أكبر في دراسة كيف تظهر. إننا نقترح تفحصًا موجزًا لنشأة أيديولوجيا علمية في القرن
التاسع عشر، وهي النزعة التطورية. يقدم لنا عمل هربرت سبنسر حالة من المفيد تحليلها؛ فقد اعتقد سبنسر أنه يستطيع صوغ قانون ميكانيكي للتطور الكوني، عن طريق تطور من البسيط إلى المعقد عبر التمايز المتعاقب. وكان يرى أن الانتقال من الأكثر تجانسًا إلى الأقل تجانسًا، من الأقل تفردًا إلى الأكثر تفردًا، يضبط
بشكل كوني تشكلَ النظام الشمسي، والعضويةَ الحيوانية، والأنواعَ الحية، والإنسانَ، والإنسانية
المتجسدة في المجتمع، وحصيلةَ الفكر والفعالية البشرية، وفي المقام الأول اللغة. يعلن سبنسر أنه حصل على قانون التطور هذا عن طريق تعميم مبادئ علم الأجنّة لكارل إرنست فون بير.) Uber Entwickelungsgeschichte der Thiere. 1828 - حول نمو الحيوانات ()K. E.von Bear(ثم أتت طباعة أصل الأنواع (1859) لتثبّت سبنسر على اقتناعه بأن منظومته في التطور المعمم تظهر
في مستوى من الصلاحية العلمية، مثله مثل مستوى البيولوجيا الداروينية. لكن لكي يقدم سبنسر
(((النزعة الفطرية innéisme)): معتقد فلسفي يعتبر أن البنى العقلية فطرية أو غريزية، تأتي مع الولادة. (المترجم) (((1 النزعة الحواسية (sensualisme): معتقد فلسفي يعتبر أن المعارف البشرية والتصورات الواعية تنبثق عمّا تقدمه الحواس فقط.
(المترجم) (((1 أو Versuche uber Pflanzenhybriden، وهو التقرير الذي كتبه ماندل سنة 1865. (المترجم)
إلى قانون التطور ضمانَ علمٍ أكثر يقينية من البيولوجيا الجديدة، يزعم أنه استنبط déduire)) ظاهرة التطور من قانون حفظ الطاقة عن طريق عدم استقرار المتجانس [لإثبات أن الحالات المتجانسة ليست مستقرة] (l’homogène de Instabilité). وإذا ما تتبّعنا مسار تفكير سبنسر في
تطويره لعمله، يظهر أن بيولوجيا فون بير في البداية، وبيولوجيا داروين في ما بعد، قدمتا له شفيع
الضمانِالعلمي بخصوص مشروعِ مهندسٍ في المجتمع الصناعي الإنكليزي في القرن التاسع عشر، وهو: تأييد المقاولة الحرة والنزعة الفردية السياسية الموافقة لها، وكذا للمزاحمة الاقتصادية. يخلص قانون التمايز إلى تقديم الدعم إلى الفرد في مواجهة الدولة، لكن إذا ما انتهى صراحة إلى ذلك، فهذا ربما لأنه كان قد بدأ بشكل مضمر من هنا. إن توسع علم الميكانيك وعلم الأجنّة التخلقي المتعاقب والبيولوجيا التحولية، إلى خارج حقول النمو المضبوط لكل علم من هذه العلوم، لا يمكن أن يكون مفيدًا لأي منها. وإذا توسعت خلاصاتٌ نظرية تخص نطاقًا محددًا، مفصولةٌ عن إرهاصاتها ومتحررة من سياقها، إلى التجربة البشرية بكاملها، وبالتحديد إلى التجربة الاجتماعية، ماذا ستكون غاية هذا السعي إلى امتداد الطابع العلمي وسريانه؟ إنها غاية عملية؛ ذلك أن الأيديولوجيا التطورية تعمل كتسويغ تلقائي
لمصالح نمطٍ من المجتمع، هو المجتمع الصناعي الذي يخوض صراعًا مع المجتمع التقليدي من جهة، ومع المطالب الاجتماعية من جهة أخرى. إنها أيديولوجيا ضد لاهوتية من جهة، وضد اشتراكية من جهة أخرى. ونحن نعثر هنا على التصور الماركسي ل يأأديولوجيا، بصفتها تَمثًُّ للواقع الطبيعي أو الاجتماعي الذي لا تكمن حقيقته في ما يقوله بل في ما يسكت عنه. بالطبع، لا تُختصر النظرية التطورية في القرن التاسع عشر بأيديولوجيا سبنسر. ومع ذلك، فإن هذه الأيديولوجيا لونت بشكل دائم إلى هذا الحد أو ذاك أبحاث علماء اللغة وعلماء الإثنولوجيا،
وشحنت بمعنى دائم مفهوم «البدائي»، وأمّنت للشعوب المستعم رة راحة ضمير. وما زلنا نجد بقايا
منها تمارِس فعلَها في سلوك المجتمعات المتقدمة تجاه المجتمعات التي تسمّى «نامية»، حتى
بعد أن ظهر أن الإثنولوجيا الثقافية، وهي تعترف بتعدد الثقافات، تمنع أيًا منها من أن تجعل نفسها
معيارًا للتقييم ومقياسًا لدرجة إنجاز الأخرى. وأخذت علوم اللغة والإثنولوجيا والسوسيولوجيا
المعاصرة، بعد أن تخلصت من أصولها التطورية، تقدم البرهان على أن الأيديولوجيا تختفي عندما
(((1 قانون وضعه سبنسر، ورد عنه في الموسوعة العربية: فالتطور عند سبنسر هو «تجمع لأجزاء المادة يصاحبه تشتيت للقوة والحركة، تنتقل المادة في أثناء ذلك من حالة التجانس ال مااحدود إلى حالة ال تااجانس المحدود المتسق »، فهو انتقال الكائن وترقّيه من المتجانس إلى المتنوع وتكامله على هذا النحو، أي تحوله من حال إلى حال، وهو قانون الطبيعة. كذلك: تحدث سبنسر عن نفسه قائ إن «جرثومة فلسفتي ظهرت عندما توصلت الى حقيقة بيولوجية أساسها: إن الأنواع الدنيا من الحيوان تتألف أجسامها من أجزاء متماثلة لا يتوقف بعضها على بعض؛ وأمّا الأنواع العليا من الحيوان، فتتألف أجسامها من
أعضاء متباينة تعتمد في أعمالها ووظائفها على بعضها البعض. وهذه نتيجة استقرائية وصلت إليها من أبحاثي وتجاربي في ميدان الدراسات البيولوجية. وهذه الحقيقة تصدق كذلك على جماعات الأفراد، فكأن المجتمع - شأنه شأن أي كائن حي - يبدأ متجانسًا
ثم يميل إلى التفرد والانتقال من المتجانس إلى اللا متجانس». (المترجم)
تتبدل الشروط التاريخية لإمكانية وجودها. لم تبق النظرية العلمية للتطور تمامًا على ما كانته
الداروينية، لكن الداروينيةَ تُعتبر لحظةً أساسية لا تنفصل عن تاريخ تأسيس علم التطور، في حين أن الأيديولوجيا التطورية هي بقايا مُعطَّلة في تاريخ العلوم الإنسانية في القرن التاسع عشر.
نعتقد أننا حددنا، من خ لاا تحليل بضعة أمثلة، حقل ظهور الأيديولوجيات العلمية وطريقة تكوينها. نؤكد أيضًا، من أجل تحديد خصائصها، أنه ينبغي ألّ تُخلط مع أيديولوجيات رجال العلم، أي الأيديولوجيات التي يأتي بها العلماء عبر الخطابات التي يحاولون بها تعيين تيمات مناهجهم في البحث وعلاقتها بالموضوع، وعبر الخطابات التي يحددون بها الموقع الذي يحتله العلم في الثقافة، قياسًا بالأشكال الأخرى من الثقافة؛ أيديولوجيات رجال العلم هي أيديولوجيات فلسفية.
أمّا الأيديولوجيات العلمية، فهي بالأحرى أيديولوجيات الفلاسفة، أي خطابات ذات طموح علمي
اعتمدها أناس ما زالوا، في المهنة، رجال علم مفترضين أو معتدّين بأنفسهم؛ ففي القرن الثامن عشر كانت فكرتا الطبيعة والتجربة تصورين أيديولوجيين لدى رجال العلم، وفي المقابل كانت
فكرة «جزيء عضوي» (ل بوفون Buffon)، أو فكرة «سلم الكائنات» (ل بون Bonnet) تصورين تِ في الأيديولوجيا العلمية ضمن التاريخ الطبيعي. هكذا نصل إلى الخلاصات التالية: - إن الأيديولوجيات العلمية منظومات تفسيرية، يتصف موضوعها بالمبالغة، قياسًا بمعيار العلمية
الذي تطبقه عليه بالاستعارة. - هناك دومًا أيديولوجيا علمية تسبق العلم في الحقل الذي سيأتي هذا العلم ليتأسس عليه؛ وهناك
دومًا علم قبل أيديولوجيا، في حقل جانبي تستهدفه هذه الأيديولوجيا بشكل موارب. - يجب ألّ تُخلط الأيديولوجيا العلمية مع العلوم الزائفة ولا مع السحر ولا مع الدين. إنها، على
غرارها، تستمد زخمها من حاجة غير واعية للولوج المباشر إلى الك لّية، لكنها إيمانيحيد ببصره صوب علمٍ قد تأسس مسبقًا، وهي تعترف له بالامتياز وتسعى لمحاكاة أسلوبه. علينا، ضمن هذه الشروط، أن نختم من حيث بدأنا، ونطرح نظرية في تاريخ العلوم تضيء له ممارسته. إن تاريخًا للعلوم يتناول علمًا ضمن تاريخه بصفته تعاقبًا لتمفصلوقائع الحقيقة، ينبغي له ألّ ينشغل
بالأيديولوجيات. وإننا نفهم أن المؤرخين في هذه المدرسة يتركون الأيديولوجيا لمؤرخي الأفكار، أو يتركونها للفلاسفة، وهو الأسوأ. إن تاريخًا للعلوم يتناول علمًا في تاريخه كتطهير ل معايير التحققليس أمامه إلا أن ينشغل
بالأيديولوجيا العلمية؛ فالتمييز الذي وضعه باشلار بين تاريخ العلوم البائدة (périmé) وتاريخ العلوم
السائدة [الذي تحقق] (sanctionné) يجب أن ينفصل ويتشابك في آن واحد؛ إذ إن إقرار الحقيقة أو الموضوعية يحمل بذاته إدانة للبائد. لكن إذا لم يخضع ما سيكون في ما بعد بائدًا للتحقق في البداية، فهذا لأن ما من داع لأن يؤدي التحقق إلى إظهار الحقيقة. وهكذا يمنعنا الفصل بين الأيديولوجيا والعلم من إقامة اتصالية في تاريخ العلوم بين بضعة عناصر من أيديولوجيا احتفظ بها العلم ظاهريًا، والبناء العلمي الذي خلع الأيديولوجيا؛ خذ، مثل، البحث
في حلم دالامبير (Rêve de d’Alambert) [لديدرو] عن استباقات ل أصل الأنواع. لكن التشابك بين الأيديولوجيا والعلم يجب أن يمنع إرجاع تاريخ علم ما إلى سطحية عرض تاريخي، أي إلى لوحة من دون ظلال نافرة. على مؤرخ العلوم أن يعمل ويقدم عمله على صعيدين، فإذا لم يحصل العمل ويقدَّم بهذا الشكل، وإذا لم يميز خصوصية الأيديولوجيا العلمية ولم يجد لها مكانًا – وهو مكان على مستويات مختلفة لمختلف صعد الحالة العلمية - فإن تاريخ العلوم مهدَّد بألّ يكون أكثر من أيديولوجيا، وهذه المرة، بمعنى وعي زائف بموضوعه. بهذا المعنى تكون الأيديولوجيا معرفة بعيدة عن موضوعها المعطى بمقدار ما تعتقد أنها ملتصقة به؛ وهذا هو الجهل من حيث إن المعرفة النقدية لمشروعها ولمشكلتها تعلم أنها تقف في البداية على بُعد من موضوعها الذي
تشيد إجرائيًا. ولمن لا يرغب في أن يضع تاريخًا سوى تاريخ الحقيقة، فإنه يضع تاريخًا موه مًا. لقد كان
سوكودولسكي على حق بشأن هذه النقطة: تاريخ الحقيقة وحدها مفهوم متناقض.