علمنة الأخلاق وظهور مجال الضمير مقارنة بين السياقين الغربي والعربي
Secularization of Ethics and the Emergence of Conscience
الملخّص
تروم هذه الورقة مناقشة الرأي الذي يقول بالاتصال والاستمرارية بين النظريات الأخلاقية القديمة والنظريات الأخلاقية الحديثة. مقابل هذا الرأي الشائع ستدافع الورقة على أطروحة الانقطاع بين الفلسفات الأخلاقية القديمة والحديثة حول أمرين نراهما أساسيين: أوّلا، أن الأخلاق الحديثة تقوم على قواعد سلوك يتحدّد من خلالها مدى أخلاقية الفعل على خلاف أخلاق القدامى التي تبحث في الفضيلة وفي السعادة كغاية للفعل. وثانيا، أن الأخلاق الحديثة تعتبر الإنسان قادرا على تمثلّ القاعدة الأخلاقية والاهتداء بفعل النور الداخلي دون توجيه خارجي زمني كان أو لا زمني. وهذه التطوّرات هي تتويج لمسار فكري احتلّ من خلاله مفهوم الضمير بوصفه وازع جوّاني يفترض الحرية وحقّ الفرد في السيادة على نفسه وعلى أفعاله. مقابل هذه التطوّرات التي عرفتها النظريات الأخلاقية في الفكر الغربي الحديث وأدّت إلى علمنة مجال القيم والمعايير الأخلاقية لم نرصد تطوّرات مماثلة على صعيد الفكر الأخلاقي العربي والإسلامي أدّت إلى تجسيد فكرة سيادة الفرد على نفسه وإقرار مبدأ حرية الضمير الأخلاقي.
Abstract
** Professor of Moral and Political Philosophy at the University of Tunis.
- علمنة
- قاعدة
- فضيلة
- ضمير
- قانون
- Morality
- Freedom of Will
- Morals
- Secularism
- Secularization
مقارنة بين السياقين الغربي والعربي
A Comparison between the Western and Arab Contexts
يتعلق موضوع هذه الورقة بمسألة شائكة من الناحية الفلسفية وشديدة الحساسية في سياقنا العربي والإس مااي، بحيث إن معالجتها تبدو لنا حاسمة اليوم لفهم مسار علمنة القيم والقواعد الموجِّهة للفعل في الغرب، وتبيّن الطرق المسدودة والمآزق التي تردّى فيها هذا المسار في ثقافتنا العربية والإس مااية، وكذلك لإجراء استشراف أفضل لآفاق تطوّر الحداثة بوصفها سياقًا عالميًا نشكل نحن العرب جزءًا منه. ويتعلق رهان هذه المسألة بمدى إمكان تجديد الثقة التي وضعها التنوير الأوروبي في الإنسان باعتباره فاعلً أخلاقيًا وصاحب حق وسيّد ذاته وحاكم نفسه، ومسؤولً عمّا يأتيه من أفعال، في الوقت الذي تتعالى أصوات محذّرة من خطر المنعرج الذي اتخذه مسار الحداثة منذ العصر الكلاسيكي مع ديكارت ومنذ التنوير مع كانط، عندما وضعت الحداثة ثقتها في قدرة الإنسان على أن يكون ذاتًا عالمة وسيّدًا للعالم وشخصًا أخلاقيًا، بما له من قدرة على التمييز والتحديد الذاتي. قبل الخوض في تفصي ت هذه المسألة، نودّ بادئ ذي بدء جلب الانتباه إلى أن العنوان الذي وضعناه لهذه المداخلة يجب ألّ يوحي بأن ما وصّفناه علمنة لأخ ق مساق خطيّ يأخذ اتجاهًا تصاعديًا متّصلً، أو بأن الجدل الفلسفي في شأنه حُسم وقُضِي الأمر فيه، إذ يمكن ذكر على الأقل عَلمين مهمين من أع ماا التفكير الفلسفي المعاصر في الأخ ق يعارضان إما إيجابيته على صعيد اتساق النظريات الأخ قااية في العصر الحديث وقدرتها على توجيه العمل نحو ما يكون فيه خير للذات وللجماعة، وإما مطابقة هذا المفهوم لحقيقة الأخ ق المعاصرة؛ فالفيلسوفة الإنكليزية المعاصرة إليزابيث غرتريد أنسكومب مثًاعتبرت أن أخ ق العصر الحديث علمانية فعً؛ إذ إن الفلسفة الأخ قااية الحديثة باتت، وعلى نحو بيّن مع كانط، في غنى عن فرضية المشرّع الإلهي ما دام الإنسان ككائن عاقل، وإن ظلّ متناهيًا، قادرًا على أن يضع لنفسه قوانين عق نااية لفعله، وأن يلزم نفسه بها من دون حاجة إلى توجيه خارجي، غير أن العلمانية تؤدي، في رأيها، إلى إفراغ الأخلاقية من معنيي الواجب Duty)) والالتزام Obligation))، فهي ترى أن القانون الأخلاقي الذي يضع الواجبات ويفرض الالتزامات لن تكون له أهمية حاسمة في مجال الأخ قااية ما بقي غير مسنود بفكرة أساسية هي وجود مشرّع فوق بشري، أي إلهيّ، له سلطة الإجبار وفرض الواجبات على البشر1. أما فيلسوف الأخ ق الأميركي جيروم شنويند، فيرفض أن تكون النظريات الأخ قااية الحديثة، التي تدافع عن مبدأ حاكمية الذات لذاتها، جزءًا من مشروع شامل لف سفة الأنوار من أجل ترسيخ أركان مجتمع معلمن secularized society))؛ إذ يرى أن فلاسفة التنوير كانوا في معظمهم يرومون إصلاح الكنائس والإكليروس، وتأكيد مبدأ سيادة الفرد على نفسه، ولم تكن غايتهم تأسيس أخ ق علمانية ولا إخ ءاا حياة الناس من الدين. فمعاداة الإكليروسية ورفض تدخّل القساوسة في المسائل الزمنية ليسا ال داايانية في نظر شنويند، إذ يقول: «وباختصار، إن زعم أن الجهد الرئيسي
للفلسفة الأخ قااية في القرن الثامن عشر انصبّ على عَلمنة الأخ ق لا يصمد أمام الفحص الأكثر سطحية»2. لذلك، لا يبدو فكّ الارتباط بين الدين والأخ ق في النظريات الأخ قااية المعاصرة مسألة حُسم الخلاف فيها. وإذا أضفنا إلى ذلك أن مفهوم العلمنة، بما يعنيه من توقّف الدّين بالتدريج عن أن يكون سلطة موجِّهة ومتحكّمة في سلوك الناس وفي حياة المجتمعات بقدر ما يصبح البشر، والجماعات التي ينتمون إليها، أكثر حداثة، تعترضه اليوم كثير من الصعوبات على صعيد النظرية السوسيولوجية، نفهم تردّد الكثيرين في أخذ موقف قاطع حيال هذه المسألة وتبنّي أطروحة العلمانية. وليس أدلّ، في رأينا، على هذا الارتياب في سداد مفهوم العلمانية وفي كفايته على توصيف حالة الع قااة بين المقدّس والدنيوي اليوم، من رواج أطروحة نزع العلمنة Desecularization)) ودعاوى إعادة السحر إلى العالم كما عبّر عنها عالما الاجتماع الأميركيان بيتر برغر وديفيد مارتن، وهي تلقى اليوم قبولً واسع النطاق، وكذلك الدعوة الملحّة التي أطلقها بعض الفلاسفة الليبراليين للتسامح مع وجهات النظر الدينية وقبول أساليب حجاجها في القضايا العامة وفي الفضاء العام. لقيت الأطروحة التي دافع عنها برغر ومارتن صدى إيجابيًا وترحيبًا لدى كثير من الف سفة، نذكر منهم - على وجه الخصوص - هابرماس الذي سارع إلى توصيف اللحظة الراهنة للفكر المعاصر بلحظة ما بعد العلمنة، وإلى اعتبار أن أطروحة العلمنة في انحسار كبير الآن وتعاني صعوبات ومآزق في مجالات عدة3. وعلى المنوال نفسه نسج الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور، الذي بدا أنه وجد في أطروحة نزع العلمنة فكرة مسنودة بأدلّة إمبيريقية لاستخدامها في سجاله ضد الليبرالية (وتحديدًا ليبرالية جون رولز ورونالد دْوُركين وكانط) التي يراها مسؤولة عن التسويغ الفلسفي لسياق الفردنة والتذرير وتفتيت الروابط الاجتماعية في المجتمعات ما بعد التقليدية، ويراها مسؤولة أيضًا عن هذه الصورة المشوّهة للحداثة التي نعيش في سياقها4. ويبدو أن مسوّغات أطروحة نزع العلمنة تثير لدى كثير من الباحثين ارتيابًا في مدى انسجام مفهوم العلمنة مع وقائع عصرنا اليوم، وخاصة مع عودة المقدَّس بقوة في حياة الناس، وانتشار ظاهرة التديّن، والحضور القوي للفِرق والجماعات الدينية في الفضاء العام في بلدان ديمقراطية تعترف دساتيرها بالتعددية الثقافية والإثنية وتضمن حقوق الأقليات الدينية. سوف لن نسهب في نقاش هذه النقطة، بل سنكتفي بالإشارة إلى أن هناك ضربًا من الدراسات يقع عند مساحة التراكب overlapping area)) بين جملة من الاختصاصات، وهي الفلسفة والنظرية السياسية والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا وسيكولوجية الأخ ق؛ هذه الاختصاصات التي ميّزت أعمال
بيبا نوريس ورونالد إنغلهاردت وروبرت بوتنام، ويمكن أن نعدّها بمثابة التكذيب الإمبيريقي، بمعنى التكذيب الذي نجده في إبستيمولوجية كارل بوبر لأطروحة نزع العلمنة؛ فنتائج دراسات إنغلهاردت ونوريس تفضي إلى نقدٍ جوهري يستند إلى الوقائع، ويتناول أطروحة نزع العلمنة وأفول عصر العلمانية التي دافع عنها كلٌّ من برغر ومارتن، وحظيت باهتمام هابرماس وتايلور وتقديرهما5. أما دراسة بوتنام بشأن تعطّل مسار التنمية وبطء نسق النمو في جهات جنوب إيطاليا، بعد إرساء نظام الحكم المحليّ والجهوي في نهاية سبعينيات القرن الماضي، فتبيِّن أن سيطرة الكنيسة على الحياة العامة، إلى جانب عوامل أخرى، يستفيض بوتنام في تحليلها، عطّلت عقلنة مناحي الحياة وتغلغل القيم المدنيّة في النسيج المجتمعي6. ويبدو لنا أن هذا المسلك في البحث مهمّ جدًا، وهو يفضي إلى إعادة تأكيد أطروحة العلمنة من خ لاا حجج تأييد إمبيريقية لا إلى نفيها. لكن لا بد أن تظل إعادة تأكيد العلمنة اليوم بعيدة عن الروح التبشيرية بعالم هجره المقدّس نهائيًا وتسوده العقلانية المطلقة التي شابت أطروحة العلمنة وأفول المقدّس عند ظهورها وتبلورها مع ماكس فيبر ودوركهايم وماركس. هذه الملاحظات كلها قدّمناها كي لا يوحي العنوان الذي اخترناه لهذه الورقة بأننا نستخدم مصطلح أخ ق عَلمانية على نحو غير نقديّ، أو أنّنا غير مدركين مدى قوّة الاعتراض الذي تواجه به اليوم فكرة أخ ق قادرة على أن تستقيم بنفسها من دون دعم وتحفيز دينيين أو انشداد إلى أفق لاهوتي. لكننا سندافع في ما يلي عن أطروحة القطيعة والافتراق بين النظريات الأخلاقية القديمة والنظريات الأخ قااية الحديثة ضد أطروحة الاتصال والاستمرارية، وهو ما يدعم في رأينا أطروحة العلمنة في مجال الأخ ق رغم اعتراضات شنويند الشديدة7. ولئن اختلفت آراء دارسي تاريخ الفلسفة الأخلاقية، كما أسلفنا، حول مدى جواز توصيف أخلاق الحداثة بأنها أخلاق عَلمانية وحول إن كانت العلمانية تتضمن بالضرورة قدرًا من المادية يؤدي إلى إخراج المقدّس من حياة البشر، وبالتالي إلى ضرب من اللاديانية Atheos))، فإنّهم يُجمعون عمومًا على فوارق عميقة تفصل بين الفكر الأخلاقي القديم والفكر الأخ قااي الحديث. ولا تتعلق هذه الفوارق بمدى اقتران الأخلاقية بالتديّن؛ فمعظم فلاسفة الأخلاق المحدثين، من لوك وكانط إلى ستيوارت مِل، يقرّ بما بين الأخلاق والدين من اتصال، وإنما تتعلق بأمرين نراهما أساسيين، وهما: أولً، أن الأخ ق الحديثة تقوم على قواعد تتحدّد من خلالها أخلاقية الفعل، وهو ما يجعلها مؤسّسة للقانون المدني الوضعي كما يتجلى ذلك بوضوح لدى كانط، حيث يظهر الأمر الأخلاقي القطعي في وجهين، وجه أخلاقي جوّاني يتّصل بالنيّة وبحسن الإرادة، ووجه قانوني خارجي يقترن بملكة القسر والإكراه. ثانيًا، أن الأخ ق الحديثة تفترض أن
الإنسان بوصفه كائنًا عاقلً، وإن ظل متناهيًا وخطّاءً، قادر على تمثّل القاعدة الأخلاقية والاهتداء إليها بنفسه بفعل النور الداخلي الذي حباه الله به من دون حاجة إلى توجيهٍخارجي من أي سلطة، زمنية أكانت أم غير زمنية، وهو ما يعني ظهور الضمير بوصفه وازعًا داخليًا لا تكون له قيمة إلا إذا اعتُرف للفرد بالحقّ في السيادة الكاملة على نفسه. في مقابل هذه التطوّرات المهمة التي عرفتها النظريات الأخلاقية في الفكر الغربي وأدّت، في نظرنا، إلى علمنة مجال القيم والمعايير الأخلاقية، لم نرصد على صعيد الفكر الأخلاقي العربي والإسلامي تطورات مماثلة أدّت إلى تجسيد فكرة سيادة الفرد على نفسه وإقرار مبدأ حرية الضمير الأخ قااي، وهذا ما سنحاول بيانه في الجزء الأخير من هذه الورقة.
قبل أن نتعرض لموضوع علمنة المجال القيمي والأخ قااي، لا بد من توضيح الصلة بين الديني والأخلاقي في النظريات الأخلاقية الحديثة، وعلى وجه الخصوص لدى كانط الذي شهدت فلسفته الأخلاقية اهتمامًا متزايدًا في الأزمنة الأخيرة بعد تراجع ألق الفلسفة الهيغلية، وانحسار تأثير الماركسية، والعودة القوية لفكرة حقوق الفرد الصورية. وسنعتمد لتوضيح هذا الأمر على مقاربتين لتاريخ الفلسفة الأخلاقية: الأولى هي لرولز، والثانية لشنويند في الكتاب الذي أسلفنا ذكره8. يستند رولز إلى تمييز الفيلسوف الإنكليزي سيدجويك (1838 – 9001)، في كتاب أصدره سنة 9051 تحت عنوان Ethics of Methods (مناهج الأخ ق)، بين فلسفة الأخ ق الإغريقية وفلسفة الأخ ق لدى المحدثين9، مع تنبيه من سيدجويك إلى أننا لن نتمكّن من فهم الفلسفة الأخ قااية اليونانية إذا اعتمدنا تصوّرات قانونية تبحث في مدى تطابق الفعل مع قواعد تضفي عليه الشرعية. فحينما نكتفي فقط بالسؤال: «ما هو واجبنا وعلى ماذا يتأسس؟» بدل أن نسأل: «ما هي الأشياء التي يقدّر الناس أنها خير هي حقًا كذلك أو هي الخير الأسمى؟»، وبدل «أن نبحث في العلاقة بين الخير الذي نعدّه فضيلة وصفات السلوك والخُلق التي نوصي بها ونعجب بها وفي صلته بالأشياء الخيّرة الأخرى»، نكون عندها نفكّر من خلال المدوّنة الأخلاقية الحديثة لا القديمة، أي اليونانية والإسلامية والقروسطية المسيحية10. يشير رولز في معرض شرحه رأي سيدجويك إلى أن الفلسفة الأخلاقية الإغريقية تتصف بالسّمات التالية: - أن الإغريق كانوا منشغلين بفكرة الخير الأسمى باعتباره مثالً أعلى وحريًّا بأن يُطلب غاية للفعل؛ - هذا الخير هو خير الفرد؛ فأرسطو مثل لا يقول عندما يدافع عن فكرة العدالة إنه يتعيّن علينا التضحية بخيرنا الخاص من أجل تحقيق مقتضياتها، وإنما بتأكيد أننا سنفشل في تحصيله إذا رفضنا الخضوع
لإكراهات العادل. وما يصحّ هنا على أرسطو ينطبق أيضًا على مقاربة سقراط وأف طون للفعل الأخ قااي؛ فالعمل الفاضل هو بالنسبة إليهما خير يستحق مكانًا إلى جانب خيرات أخرى تؤلّف الحياة الجيّدة، وفكرة خير أسمى تمثّل مقياسًا للتعرّف إلى الخيرات التي تحقّق هذا المثال الأعلى للحياة الجيّدة؛ - تصوُّر لأخ ق تقوم على الإعمال الحرّ والمنظّم للعقل، ولا تستند إلى وحي باعتبار أن الديانة اليونانية كانت ديانة مدنيّة تعبّر عن نفسها على نحو خاص من خ لاا ممارسة اجتماعية عامة ل حتفالات العمومية إحياء لذكرى حوادث مهمة في حياة المدينة. وما دام الفرد يشارك في هذه الممارسات، ويلبّي ما تنتظره الجماعة منه، ويحترم الأعراف والطقوس الجاري العمل بها، والتي تنص عليها تلك الديانة، فإن تفصيلات معتقداته وتصوّراته ليست موضوعًا ذا شأن. هذه الديانة لم تكن ديانة خلاصية كما هو الشأن في المسيحية، ولم توجد لدى الإغريق فئة متميزة من الكهنة ورجال الدين تحتكر وسائل نيل الرحمة والفوز بالخ ص11؛ ففكرتا الخلاص وخلود النفس لم تكن لهما أهمية كبرى في الثقافة اليونانية الك سيكية، ولم تكن الثقافة المدنية الدينية الإغريقية في العصر الكلاسيكي تستند إلى كتاب مقدّس مثل التوراة أو القرآن. وقد اصطدمت فلسفة الأخلاق منذ سقراط، وفي بحثها عن مَثل أعلى أخلاقي يكون أفضل انسجامًا مع المجتمع والثقافة الأثينية للقرن الخامس قبل الميلاد من ذلك الذي كرسّه العصر الهوميروسي والثقافة والقيم المرتبطة به، بالمثل الأعلى لهذه الثقافة المتمثل في المحارب البطل كما تقدّمه لنا قصيدتا الإلياذة والأوديسا. لذلك أكدت الفلسفة الأخلاقية الإغريقية من البداية استقلاليتها عن جملة العناصر المؤثرة في الثقافة الإغريقية، وأصرّت على اعتماد العقل، ونفت كلّ سلطان للتقليد12. أما الفلسفة الأخ قااية الحديثة، فتختلف في نظر رولز عن الفلسفة الأخ قااية القديمة؛ إذ يرى أن السياق الثقافي والتاريخي قد حدّدته تطورات مهمة هي: أولً، الإص ح البروتستانتي في القرن السادس عشر؛ فهو ساهم على نحو كبير في تشكّل مَعالم العالم الحديث، إذ عصف بالوحدة الدينية للعالم المسيحي في القرون الوسطى وأدخل التعدّديّة الدينية مع جميع الاستتباعات التي ترتّبت عنها والتي لم تكن بالضرورة مقصودة ممن أطلقوا هذا المسار13. وكما يلاحظ هيغل في الفقرة 027 من أصول فلسفة الحق، جعلت التعدّدية الحرية الدينية أمرًا ممكنًا رغم أنه لم يكن في نية لوثر ولا كالفن تحقيقها14. ثانيًا، تطوّر الدولة الحديثة بإدارتها المركزية؛ فالدولة تُعتبر في صورتها الحديثة أمرًا جديدًا بدأ يتأكد، كما يقول لنا كوينتن سكنر، منذ حوالى القرن السادس عشر ميلادي، بعد أن كان الحكم مقسّمًا وموزّعًا بين سلطات متعدّدة دينية وإقطاعية وأرستقراطية وعشائرية وبطريركية. وكان مصطلح الدولة بال تااينية Status)) يحيل إلى الحالة التي يكون عليها الحاكم أو الوضع الذي تكون عليه
الأمة، ولم يكن يحيل إلى وضع دائم غير مقترن بشخص الحاكم كما أصبح عليه الأمر في ما بعد15. وفي نهاية القرن السادس عشر كانت السلطة المركزية نظامًا قارًّا وثابتًا في أوروبا في بلدان مثل إنكلترا وفرنسا وإسبانيا، ولم يتحقّق في ألمانيا وإيطاليا إلا في القرن التاسع عشر. أما العنصر الثالث الذي ميّز ظهور النظرية الأخلاقية الحديثة، فيتمثل، في نظر رولز، في تطور العلم الحديث مع القرن السابع عشر بصورة خاصة. والمقصود هنا الثورة الكوبرنيكية والغاليلية والفيزياء النيوتنية والحساب الرياضي مع ليبنتز. ويعتبر رولز أن الإصلاح الديني كان له الأثر البالغ في ظهور صورة جديدة لأخلاق؛ فالنتيجة الحتمية لانقسام دين خلاصيّ ذي نزعة توسعية تسنده سلطة مُمَأسسة هي بروز سلطات دينية متنافسة داخل كل مجتمع، تدعو كلّ منها إلى الخلاص على طريقتها، وتتميّز بجملة من الخصائص تجعلها مختلفة عن الدين الأصلي الذي انشقّت عنه، وتحتفظ في الوقت نفسه بنقاط مشتركة معه. وقد أنتج الإص ح الديني نزاعات خطِرة كانت أهمّها الحروب الدينية التي لم يعرفها الإغريق؛ ففي حين كان السؤالان الأساسيان للفكر الأخلاقي في أثينا ينحصران في معرفة كيف ينبغي أن نعيش؟ وما هو أفضل أسلوب في الحياة؟ أصبحا في الفكر الحديث، بعد الإص ح الديني، كيف نتعايش مع أشخاص ينتمون إلى ديانة تحمل رسالة خلاصيّة يحملها الدين الذي نؤمن به ويؤمن بها كثير من الناس ولها نفوذ عليهم؟16 لهذا اجتهد الفكر الفلسفي الأخلاقي الحديث في الإجابة عن هذا السؤال الجديد من خلال نظريات كبرى عقلانية ومتّسقة. وفقًا لهذه الوجهة، لا غرابة إذًا في أن نرى ابتداء من القرن السابع عشر عددًا كبيرًا من المؤلفين يعمل على تأسيس معارفنا على مبادئ مستقلة عن سلطة كلّ كنيسة وتكون في متناول إدراك ومعرفة كلّ فرد «عادي» يتحلّى بملكة التمييز والبصيرة. انطلاقًا من ذلك، حاول هؤلاء المؤلفون والفلاسفة أن يصوغوا جملة من المفاهيم والمبادئ تكون قادرة على تحديد معنيَي الاستقلالية الذاتية والمسؤولية الشخصية. وعندما نقارن هذه الوجهة مع الوجهة التقليدية للكنيسة المسيحية التي تعتبر أن في غياب الوحي الإلهي والشرح الجيّد له لا نستطيع أن نتعرّف إلى مبادئ الخير والشر التي تضبط لنا واجباتنا والتزاماتنا، يبرز لنا بون شاسع. وباعتبار أن القدرات الذهنية متفاوتة وأن الجمهور العريض غير قادر على فهم النصوص المقدّسة واستخلاص مبادئ العمل الصالح منها، لا بد، وفق الوجهة الدينية، من أن تنير الأقلية العالمة، من رجال الدين تحديدًا، جموع الناس وتهديهم إلى سواء السبيل، أما هؤلاء فيؤدون فرائضهم الدينية وواجباتهم الأخلاقية خوفًا من العقاب وطمعًا في الجزاء في الآخرة. وفي سياق مشابه لسياق تحليل رولز، يؤكد مؤرّخ الفلسفة الأخلاقية شنويند أن الصفة الجوهرية المميّزة للنظريات الأخلاقية الحديثة لا تتمثّل في علمانيتها بقدر ما تكمن في الجهد الدؤوب لوضع حدود
للرقابة التي يمارسها ربّ أعلى على حياة البشر، والتي ظلّت تُعتبر أساسية لقوام الأخ ق طوال العصور الوسطى17. لذلك، فإن العنصر الحاسم في تشكّل الفلسفة الأخلاقية الحديثة هو، في نظره، الوفاق الذي تبلور بين النظريات الأخلاقية المختلفة بشأن مبدأ أساسي هو مبدأ حكم الذات لذاتها government) Self)، أي أن يكون المبدأ المحدّد للفعل قائمًا في الفاعل ذاته مهما تكن طبيعة ذاك المبدأ، سواء اعتبرها بعض الفلاسفة عاقلة (العقلانيون عمومًا) أو عاطفية أو غريزية أو انفعالية (الإمبيريقيون). وقد كانت هذه النظريات في الوقت نفسه من صنع فلاسفة دينيين وفلاسفة لا دينيين أو حتى مناهضين للدين18. تكتسي النظرية الأخلاقية الكانطية أهمية خاصة في تاريخ الفلسفة الأخلاقية الحديثة في هذا المجال؛ إذ إنها وُفّقت في الصياغة النسقية والمُتّسقة لمفهومين أساسيين للفلسفة الأخ قااية الحديثة. هذان المفهومان هما الإرادة الحرّة باعتبارها مبدأ تشريع ذاتي، والاستق لااية من حيث هي ناموس ذاتي (nomos Auto) في مقابل التبعية لناموس خارجي nomos) hetero). وتكمن أهمية كانط، كما يرى شنويند، في أن انخراطه المعياري في الدفاع عن تصوّر لأخلاقية بوصفها حُكم الذات لذاتها جعله ينتهي إلى فكّ الارتباط بين الأخ ق والإبستيمولوجيا وكذلك الأخ ق والأنثربولوجيا. فمن جهة يجعل الانقطاع بين أحكام الوجود وأحكام الوجوب تعرّف الشخص إلى واجبه الأخلاقي لا يشترط علمًا ومعرفة نظرية؛ فالحدّ الأدنى من كفاية التمييز يجعل المرء قادرًا على إدراك الأمر الأخ قااي القطعيّ ومطابقة سلوكه وفق مقتضياته، ومن جهة أخرى اعتبار الفعل الأخلاقي فعلً حرًّا جعل كانط يرفض تأسيس الأخلاق على الأنثروبولوجيا؛ فمهما تكن المعرفة التي لدينا بالإنسان كما سوّته الطبيعة، أي كواقعة ضمن نظام للوقائع يخضع بالتالي للحتمية الطبيعية، يظلّ الفرد بالنسبة إلى كانط، بوصفه كائنًا عاقلً ومتناهيًا، قادرًا دومًا على اقتلاع نفسه من نظام الأسباب ليلج نظام الغايات، وليجعل سلوكه نابعًا من إرادة حرّة ومن مبدأ تحديد ذاتي. من هنا يصبح من اليسير على كانط أن يقيم الأخلاقية على هذه النواة الصلبة المتمثلة في قانون يلزم به البشر أنفسهم، جاعلين منه الدافع لفعلهم. ويسمّي كانط هؤلاء الناس فاعلين مستقلين بذواتهم وحاكمين أخلاقيًا لأنفسهم19. لكن إذا كان كانط قد أقام الأخ ق على مبدأ استقلالية الإرادة، فلماذا تكون الأخ قااية في حاجة لكي تحافظ على معناها إلى المصادرات الثلاث للعقل العملي، ونعني بها خلود النفس ونهاية العالم ووجود الله؟ كيف يعيد كانط ربط الأخلاقية بالتديّن بعد أن فكّ الارتباط بينهما على صعيد الفعل؟ لا يمكن بطبيعة الحال تصوّر أهمية الدين لأخلاق لدى كانط على النحو الذي تصوّره لوك مثلً، الذي أكد في رسالة في التسامح أن مبدأ التسامح يجب ألّ يشمل فكرة اللادين Atheism)) وغيرها من الأفكار «الضارّة»، وإنما يكون حضور الدّين في الفلسفة الأخ قااية الكانطية فقط لسدّ عجز الأخ قااية في
العالم المادي عن ضمان تحصيل السعادة20؛ فالفاعل الأخلاقي المستجيب لأمر القطعي لا ينعم بالسعادة في العالم الحسيّ، ولا يمكنه أن يأمل فيها، وأقصى ما يطمح إليه هو أن يكون جديرًا بها لكن في العالم الآخر. لذلك يعطي الدّين أمً بسعادة في عالم آخر، وبالتالي بتحقيق التناسب بين الفضيلة، بما هي فعل عن واجب وليس مجرّد فعل وفق الواجب، والسعادة بالمعنى الحسيّ، إذ يقول كانط: «ليست الأخ ق بالمعنى الصحيح العلم الذي [يعلّمنا] كيف نجعل أنفسنا سعداء، بل كيف علينا أن نجعل أنفسنا جديرين بالسعادة. وعندئذ فقط، إذا أضيف الدين إلى ذلك، يدخل الأمل أيضًا في أن نحظى ذات يوم بالسعادة بالقدر الذي كنّا فيه حريصين على ألّ نكون غير جديرين بها»21. ويرى كانط أن العقل البشري لا يستطيع أن يتصوّر طريقة لبلوغ التناسب بين الفضيلة والسعادة غير افتراض أنه عمل صانع للكون كليّ العلم، يعرف ما خَفي في الصدور ويقرأ النيات ويكون على كل شيء قديرًا وتامًّا أخ قاايًّا. فالله هو الوحيد القادر على الاطّعاا على ما في القلوب وما خفي في النفوس، وعلى إعطائنا بالتالي النصيب الذي نستحقّ من السعادة. لكن لئن كان الله يضمن التناسب بين الفضيلة والسعادة، فإنه لا يتدخّل لتوجيه إرادة الإنسان كي يجعله يفعل عن واجب وإلّ بطُل مبدأ الاستقلالية الذاتية في فلسفة كانط الأخلاقية التي جعلته عماد الأخلاقية. ولئن تطوّرت هذه المفاهيم، مثل علمنة الأخ ق وحُكم الذات لذاتها والعقل العمليّ بوصفه سلطة تشريع ذاتيّ في سياق تاريخ الفكر الأوروبي، فذلك يعود، في رأينا، إلى تبلور مفهوم بات مركزيًا منذ القرون الوسطى، حينما يتعلّق الأمر بالحكم على مدى أخلاقية الأفعال الفردية، وهو مفهوم الضمير. ويرى دارسون أنه لم يكن لهذا المفهوم أن يرى النور وأن يحتلّ مثل هذه المكانة في الفلسفة الأخلاقية والقانونية إلا بحصول جملة من التطورات على صعيد العقيدة الرسمية للكنيسة الكاثوليكية، وتحديدًا في تلك الفترة التي حصلت فيها ما يسمّيه مؤرخ القانون هارولد بيرمن الثورة البابوية الغريوارية، نسبة إلى البابا غريوار السابع؛ فقد تبلور في هذه الفترة الممتدة من سنة 0751 إلى سنة 1221 أول معالم منظومة قانونية حديثة لتشكِّل ما بات يُعرف بالقانون الكنسي الجديد (Novium Jus). وقد تزامن ذلك الانفصال الذي حدث في تلك الفترة بين الكنائس المشرقية والكنائس الغربية مع جهد الكنيسة الغربية لجعل أسقف روما الرئيس الأوحد للكنيسة، وتحرير رجال الدين مِن سلطة الأباطرة والملوك والنبلاء الإقطاعيين22. ويشير بيرمن إلى أن في هذه المرحلة مِن تشكّل ما عُرف في ما بعد بالتقليد القانوني الغربي، احتلت نظرية القانون الطبيعي أهمية أساسية؛ إذ ساد الاعتقاد أن القانون البشري ينحدر من مصدر سَني) Ultimate) هو القانون الطبيعي، وينبغي أن يُفحص ويُقيّم في ضوئه من خ لاا العقل والضمير. فكلّ قانون، سواء أكان وضعيًا أم عُرفيًا، لا بد من أن يتطابق مع القانون الطبيعي وإلا فقد صحّته القانونية وفاعليته العملية، ويصبح قابلً للخرق. وتستمد فكرة القانون الطبيعي أصولها
من ال هااوت المسيحي وكذلك من الفلسفتين الأرسطية والرواقية اللتين عرفتا انتشارًا في أوروبا في الفترة التي تلت الثورة الغريوارية. وقد شدّد شنويند على دور الفلسفة الرواقية في صقل مفهوم القانون الطبيعي الذي استمدّ منه القانون الروماني أركانه وأفاد في ما بعد في بلورة قانون الشعوب jus gentium)) الذي حرص على تجسيد الأفكار المتعاهد عليها، والتي يتقاسمها جميع الناس، من صدق ونزاهة وإنصاف في المعاملات التجارية، يُفترَض أن تقبل بها جميع الشعوب المتحضّرة في العالم. كما يشير شنويند إلى أن فكرتي قانون الشعوب والقانون الطبيعيّ انصهرتا في كلٍّ موحّد منح من جهة خصوصيةً ومضمونًا واقعيًا لوجههما الفلسفي والمجرّد، ومنح من جهة أُخرى قدرة على تصحيح المعاملات القائمة حتى ترتقي إلى مستوى الإنصاف بمعناه الكوني والمجرّد23. وقد وجد الفكر المسيحي تأصيلً دينيًا ولاهوتيًا لفكرة القانون الطبيعي حينما أدمجها القديس بولس في العهد الجديد في أحد المقاطع الأكثر تأثيرًا وشهرة، لفرط ما يستشهد به، من رسالة إلى الرومانحين يقول: «لأن الأمم الذين ليس عندهم ناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس، فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم. الذين يظهرون عمل الناموس مكتوبًا في قلوبهم وشاهدًا أيضًا ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة»24. وعندما استرجعت الكنيسة دورها في العالم الغربي في إثر الإص ح الذي قاده البابا غريوار، قام الفقهاء الكنسيون بتقنين الممارسات والأعراف والقواعد والإجراءات القانونية الجاري العمل بها في ذلك الوقت، متخذين لهم من عمل فقهاء القانون المدني الروماني نموذجًا. وقد توّج هذا العمل في كتاب مرجع ألّفه في سنة 0114 راهب من مدينة بولونيا الإيطالية يُدعى غراشين، وحظي منذ ذلك التاريخ بسلطة الكتاب المرجع في القانون الكنسي؛ إذ عمد غراشين في عمله إلى البحث في مدى التطابق بين القانون الطبيعي بوصفه القانون الذي ينقاد البشر إلى الاعتراف به بحكم حسّ أو غريزة طبيعية، والتعاليم الواردة في التوراة من جهة والقانون المشترك الذي يخضع الجميع له من جهة أخرى. وقد عرفت فكرة القانون الطبيعي تعميقًا وتطويرًا من المدارس اللاهوتية المختلفة طوال القرون الوسطى مع القديس توما الإكويني والقديس بيتر أبيلار وغيرهما، حيث وقع التخلّي، كما يشير بيرمن، عن الاعتقاد الأوغسطيني من أن «مدينة الأرض» منذورة للانحلال والزوال من دون أمل في عودتها من جديد، وتعويضه بالإيمان بأن المؤسسات الاجتماعية قادرة على أن تنبعث وأن تنمو وتعيد إنتاج نفسها وأن تدوم. هذه التطوّرات وجدت صياغة متطورة لها في العصر الكلاسيكي الحديث بعد حركة الإصلاح البروتستانتي في أعمال فقهاء قانون ولاهوتيين أمثال سواريز (1617-1548) وتوماسيوس (8-1655172) وغروثيوس (1645-1583) قبل أن تجد طريقها إلى أعمال فلاسفة معروفين أمثال هوبز ولوك واسبينوزا وغيرهم؛ فسواريز مث، الذي أكد جملة من الصفات أصبحت اليوم ملازمة للقاعدة القانونية، من قبيل أن تكون إلزامية وأن تكون عامة وموجهة إلى جماعة ككلّ أو إلى فئات بعينها، وألّ تستهدف شخصيات فردية، وألّ تطلب من البشر ما لا طاقة لهم به، يميّز بعد ذلك بين القانون المدني والقانون الموسوي والقانون الكنسي والقانون الطبيعي. فالقانون المدنيّ
يتميّز بقوة إلزام وإجبار لرعايا حاكم ما في حين لا يكون مُلزمًا لمواطني نظام سياسي مُغاير ويقتضي إطاعة خارجية لا وازعًا داخليًا، في حين أن للقانون الموسوي قوّة إجبار لليهود وليس للمسيحيين، بينما يكون القانون الكنسي الوضعي المنظم للطقوس والاحتفالات والأعياد الدينيّة وإدارة الكنيسة مُلزمًا للمسيحيين لا لغير المؤمنين بالديانة المسيحية. أما القانون الطبيعي، فله قوّة إجبار يقع تحت طائلتها الجميع. ولأن القانون الطبيعي يحّدد كذلك جانبًا من شروط الخلاص في العالم الآخر، فإنه لا يقتضي فقط إطاعة خارجية وإنما يقتضي أيضًا وازعًا ودافعًا داخليًا خاصًا به25. أما المفهوم الثاني الذي أشرنا إليه وورد في رسالة القديس بولس إلى الرومان، إلى جانب مفهوم القانون الطبيعي، فهو مفهوم الضمير26؛ فنحن ندرك القوانين ونستوعب مضامينها لأن مبادئها مزروعة في ذلك الجزء من وعينا الذي يسميه القديس توما «سنتريسيس» Synteresis))، وهي الكلمة اليونانية التي ترجمها القديس جيروم إلى اللاتينية بلفظ conscientia؛ فللجميع معرفة ما بالقانون الطبيعي الأساسي، وإن تباينت قدراتهم على إدراكه وعلى الإلمام به على أحسن وجه وتطبيقه كما ينبغي على الحالات الخاصة. وإذا كان فهم القانون الطبيعي وتأويله على نحو سليم يقتضيان علمًا ومعرفة لا تكون، بالنسبة إلى القديس توما، متوافرة لجميع الناس، فسنرى في ما بعد، أي مع حركة الإص ح البروتستانتي، تركيزًا على أحقيّة كلّ فرد في استخدام قواه العقلية لفهم القانون الطبيعي وتأويل الكتاب المقدّس والاجتهاد وتحكيم ضميره الخاص في الجوانب العملية. لكن إذا جرت الأمور على هذا النحو في الفلسفة القانونية والأخلاقية الغربية، فما هو الاتجاه الذي سار فيه التفكير العربي والإسلامي؟ ثم لماذا كان المجال الذي سُمح فيه للفرد بتحكيم عقله وضميره ضيّقًا في ثقافتنا إلى حدّ لا يكاد يذكر؟
لن نستفيض في عرض تفصيلات الجواب عن هذا السؤال في ورقتنا هذه، وسنكتفي بتقديم وجهة نظر دارسَين نراها صائبة، ويمكن أن تكون منطلقًا لتعميق البحث في هذه المسألة، وهما توبي هف في كتاب أنجزه سنة 9931 ونُقل إلى العربية سنة 000 2 تحت عنوان فجر العلم الحديث، وجوزف شاخت في عمل مشترك نقل إلى العربية تحت عنوان تراث الإس ماا. وتتفق الدراستان على تأكيد الاختلاف بين الوجهتين اللتين سلكهما في القرون الوسطى الفكر الكلاسيكي في التشريع الإسلامي، والفكر المسيحي في المسائل المتعلقة بالقانون؛ فبينما نزع الأول إلى التضييق على العقل البشري بصفته مصدرًا من مصادر التشريع، وحتى إلى إلغاء دوره، مضى الثاني في اتجاه مغاير، وحثّ على استخدام العقل وتحكيم الضمير وتحمّل تبعات ذلك. وبينما اتّخذت، كما أسلفنا، النظم القانونية الغربية منذ العصور الوسطى من العقل والضمير وفكرة القانون الطبيعي معايير عليا للحكم على صواب مبدأ أو قاعدة قانونية ما أو ممارسة حُكمية وقضائية ما، اختارت الشريعة الإسلامية «النقل» وإجماع الفقهاء؛
إذ يلاحظ هف، في إثر مقارنة بين مساري الفكر الغربي ومسار الفكر الإسلامي في ما يتعلق بتحكيم العقل والضمير في المسائل العملية، ما يلي: «أما الفكر الديني الشرعيّ في الإسلام [...] فيصرّ فوق كلّ شيء على أن قوى التفكير الإنساني أضعف من أن تصلح لهدايتنا في الأمور الأخلاقية والدينية الشرعية. وقد أُعطيت أوامر الله لإنسان بشكل مكتوب، هو القرآن، وللمؤمن أن يستخدم كلّ قواه في التحليل اللغوي والنحويّ وحتى الاستدلال بالقياس لفهم القرآن والأحاديث النبوية. لكن هذا المؤمن ليست لديه القدرة - ولا هو مخوّل - لإضافة أي شيء (أو حذف أي شيء) من هذا الكيان المعرفيّ، لأن إجماع الفقهاء أوصل معرفتنا الفقهية والشرعية إلى درجة الكمال». وحين تختلط على الإنسان المؤمن السبل عند ظهور مشكل تطابق بين تعاليم الدين المتضمّنة في القرآن والسنّة، من حديث وسيرة نبوية، والحالات الخاصة، لا يجوز له أن يلجأ إلى تحكيم عقله وضميره لأن ذلك سيقوده إلى الابتداع، إذ يضيف هف: «وليس للبشر أن يبتدعوا (فالبدعة في الدين ضلالة)، حيث يعجز العقل عن الفهم، إذ على المؤمن عند تلك اللحظة أن يلجأ للتقليد. والأهم من ذلك كلّه أن الله لن يضل قومه، ولذا فإن هناك دائمًا من سيهدي المؤمنين». أما الضمير وفق فهم أوروبيي القرون الوسطى، فيقول عنه هف: «لا تعرفه الشريعة الإس مااية ولا يعرفه نظام الأخ ق الإس مااي، وقد خلت اللغة العربية الكلاسيكية من هذا المصطلح»27. يمكن القول إجمالً إن العقل الأخلاقي الحديث يختلف عن العقل الأخلاقي القديم اليوناني والروماني والوسيط العربي الإسلامي والمسيحي في أنه عقل تشريعي يسعى إلى ضبط السلوك من خلال قواعد ومساطر تمكن الفاعل من التعرّف إلى واجبه الأخلاقي وتبيّن المساحة المجازة لفعله وليس هاجسه تحصيل السعادة وتمييز الخيرات بعضها من بعض ومعرفة أيها تستحق عن جدارة توصيفها بأنها خير وأيّها تمثل خيرًا أسمى، وترتيب الفضائل والاستعدادات الخلقية وفق مراتب الخير ودرجات السعادة. وحري بالتنويه أيضًا أن معالم هذا العقل الأخ قااي الحديث أخذت في التبلور منذ ظهور القانون الكنسيّ والإصلاح الغريواري للكنيسة المسيحية، كما أسلفنا استنادًا إلى دراسة مؤرخ القانون هارولد برمن، إلا أنها لم تتضح جليًا إلا بعد حركة الإصلاح الديني وتشكّل مقوّمات الدولة الحديثة وبروز الفرد بوصفه ذاتًا عالمة وفاعلة ومصدرًا لمطالب أخلاقية مشروعة. وبطبيعة الحال، يعني ذلك أيضًا أن المبدأ المحدّد للفعل ما عاد خارج الذات الفاعلة وإنما هو قائم فيها، وهذا ما يجعل فكرة حرية الضمير على الصعيدين الأخلاقي والديني نتيجة حتمية لكلّ هذه التطورات. ولئن لم نجد أثرًا لهذه الفكرة في المأثور الفقهي الإس مااي وفي العقل الأخ قااي العربي ما قبل عصر النهضة، كما أوضح هف، فإنها أخذت تشق طريقها إلى التكريس القانوني والدستوري في كثير من الدول العربية والإس مااية في صيغة اعتراف بالتعددية الدينية وبحريّة المعتقد الديني وبحقوق الأقليات الدينية؛ فمعظم الدساتير التي أُقرّت بعد الحرب العالمية الثانية وبعد صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، نصّ على التزام الدول احترام حق الشخص في حرية المعتقد، كما أن العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية لسنة 1966 والهيئات التابعة لأمم المنبثقة عن هذا الميثاق تعمل باستمرار على إلزام الدول على احترام حقوق مواطنيها من الأقليات الدينية على قاعدة الحرية والمساواة والحق في الاختلاف،
وهو ما جعل عددًا كبيرًا من الدول الإسلامية تكيّف تشريعاتها لتأخذ هذا المقتضى في الاعتبار. ولا نرى أن في الالتزام بكونية حقوق الإنسان وبحريّة الضمير خطرًا على الهوية الخصوصية لشعب غالبيته من المسلمين؛ فالآباء المؤسّسون للدستور التونسي لسنة 014 2 مثلً لم يجدوا تضاربًا بين تأكيد الهوية العربية الإس مااية للشعب التونسي في ديباجة الدستور وبين الانخراط في منظومة حقوق الإنسان بمعناها الكوني وما تعنيه من احترام للحقوق والحريات الفردية والعامة، وعلى رأسها حرية الضمير وحق الفرد في السيادة على نفسه. فالفصل السادس من هذا الدستور الذي ينص على حرية الضمير والمعتقد أتى منسجمًا عمومًا مع المادة 81 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لأمم المتحدة التي تنصّ على ما يلي: «لكل شخص حقّ في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه أو معتقده، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبّد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام المأ أو على حدة»، وكذلك مع العهد الدولي للحقوق المدنية لسنة 1966 ومادته 81، وتحديدًا الفقرة:2 «لا يجوز تعريض أحد لإكراه من شأنه أن يخلّ بحرّيته في أن يدين بدين ما، أو حريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره»28. ونعتقد أن تحصين حرية الضمير من خلال رفعها إلى مقتضى دستوري سيؤسس لفكرة ذات معنوية تكون سيّدة نفسها ومسؤولة عن أفعالها واختياراتها، ويضع كوابح لاستبداد الأغلبية بالفرد. References
المصادر والمراجع
العربية
بوتنام، روبرت د. كيف تنجح الديمقراطية: تقاليد المجتمع المدني في إيطاليا الحديثة. ترجمة إيناس عفت. القاهرة: الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية،.2006
سكنر، كوينتن. أسس الفكر السياسي الحديث: عصر الإص ح الديني (الجزء الثاني). ترجمة حيدر حاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2012
كانط، إمانويل. نقد العقل العملي. ترجمة غانم هنا. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2008
نافعة، حسن وكليفورد بوزورث. تراث الإس ماا (الجزء الثاني). ترجمة حسين مؤنس وإحسان صدقي العزم؛ مراجعة فؤاد زكريا. عالم المعرفة؛.234 الكويت: مجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1998 هف، توبي أ. فجر العلم الحديث: الإسلام – الصين – الغرب. ترجمة محمد عصفور. عالم المعرفة؛ 260. الكويت: مجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2000
هيجل، ج. ف. ف. أصول فلسفة الحق. ترجمة وتقديم وتعليق إمام عبد الفتاح إمام. القاهرة: مكتبة مدبولي،.1996
الأجنبية
Books
Periodical