Return to Article Details Allegorical Fiction: on the Novel Self (“That”) by Sonallah Ibrahim

السخرية الروائية: محكي تنسيب الحقائق واتساع المفارقات (رواية ذات لصنع الله إبراهيم)

(رواية ذات لصنع ال إبراهيم) Allegorical Fiction: on the Novel Self (“That”) by Sonallah Ibrahim

رشيد طلال *

Rachid Talal *

الملخّص

حاولنا في مقاربة السخرية الروائية في "ذات : لــ صنع الله إبراهيم" أن نقف عند تحققاتها، وذلك من خلال ما تسخره الرواية من امكانات خطابية وصيغ تلفظية، سواء في شكل تعليقات السارد أو تدخلاته الميتاسردية. ولم يكن اهتمامنا مركزا بكيفية أساسية على نظام التعاقب أو التناوب بين مجمل الأشكال الصيغية مادام هناك استحواذ لصيغة الخطاب المسرود على سائر مناحي النص الحكائي، لذلك تعقبنا انتظامات آثار السخرية وأشكال حضورها وفق ما يتيحه النص ذاته من توالد و تناسل في وضعياتها ومواقفها وصورها، وهذا ما آل برواية ذات نحو خلق مجرى هادر بالنقد والتهكم كلما لاح واقع الرواية بتناقضاته ومفارقاته، ومن ثم كان مشروع الرواية وأطروحتها أن تكشف أوهاما وسرابات ظلت تلهت وراءها الشخصيات ولم تتثمر سوى مزيدا من الانهيار و التأزم في نمط حياتها. وبصورة عامة لا ينقطع في نص الرواية سيل تنسيب سلط الخطابات وتقويض الشعارات مخلخلة لحصون حقائقها.

Abstract

Abstract: This paper attempts to analyze the ironic fiction of Self , by Sonallah Ibrahim, through the rhetorical devices and literary techniques available to the writer of ironic fiction. The author applies these devices both in commentary within the narrative itself and with meta-narratives. The research does not focus on the sequencing or alternation of these structural forms but rather looks at the structure of the narrative discourse, which dwarfs every aspect of the narrative text, thus taking a macro-narrative approach. The text has been criticized for the contradictions used by the author as a technique to highlight the illusions of his characters; illusions that ultimately led to the deterioration of their lives. The novel shakes the structures of power discourses to challenge claims of truth.

الكلمات المفتاحية:
  • السرد
Keywords:
  • Allegorical Fiction
  • The Irony
  • Paradox
  • Vision of the narrator
  • Narrative discourse

نظام التعاقب أو التناوب بين مجمل الأشكال الصيغية، ما دام هناك استحواذ لصيغة الخطاب المسرود على سائر مناحي النص الحكائي. لذلك تعقبنا انتظامات آثار السخرية وأشكال حضورها وفق ما يتيحه النص ذاته؛ من توالد وتناسل في وضعياتها ومواقفها وصورها، وهذا ما آل برواية ذات نحو خلق مجرى هادر بالنقد والتهكم كلما لاح واقع الرواية بتناقضاته ومفارقاته، ومن ثم كان مشروع الرواية وأطروحتها أن تكشف أوهامًا وسرابات ظلت الشخصيات تلهث

وراءها، ولم تثمر سوى مزيد من الانهيار والتأزم في نمط حياتها. وبصورة عامة، لا ينقطع في

نص الرواية سيل تنسيب سلط الخطابات وتقويض الشعارات، مخلخلةً لحصون حقائقها.

مقدمة

تنعطف الكتابة الروائية، من خلال استثمارها للخطاب الساخر بتنويعاته وإبدالاته، نحو ثقل المفارقات والتناقضات التي تطمرها حياة الشخصيات الروائية في أصلاب حمأة تجاذباتها. هنا تنبجس السخرية، مبددة السياقات واللغات والمواقف والأوضاع كي تغدو مركبًا روائيًا ضاجًّا

بحوار الظاهر والباطن، وأيضًا بتلك الحمولات المندسة والطيات المغمورة والمهملة في خزان التجربة التذاوتية التي لا تني عن التفاعل والتداخل، باسطة مدارج للانفراج والتوتر. لهذا تشط السخرية الروائية بغمر الكتابة نحو تخوم قصيّة ومفاوز شاسعة، حيث تتلاشى صلابة اليقين، وتتبدد السلط بما يشيعه

الهزل والنقد والتهكم من خلخلات في عوالم استكانت للجمود والبداهة.

الطرح النظري

1. بناءً على التصور الشكلاني: «يمكن تحديد السخرية الأدبية، باعتبارها شكلً من أشكال الخطاب

[...] نجد فيه اختلافًا بين ما نقول حرفيًا [...] وما نريد حقًا قوله [...]، ويأخذ هذا الاختلاف صورة

عكسية، إذ نقول ما نريد حقًا قوله». 2. «لقد تمت معالجة السخرية، كصورة لقلب المعنى Antiphrase) (، نقول « l » كي نسمع غير « l »، والمسؤول عن « l » هو نفسه عن غير « l » إذ يكون التماثل مفروضًا، فالأمر يتعلق، إذن، بصورة تغير المعنى الحرفي الأول، كي نحصل على معنى مشتق [...] والاختلاف الوحيد يكمن في أن التغيير الساخر يكون قلبًا كليًا». يتعذر إعطاء تحديد دقيق للسخرية، وهذا ما نلاحظه انطلاقًا من هذين التحديدين المقدمين، إنهما لا يشملان العديد من الخصائص المرتبطة بالسخرية، نذكر منها بصورة أساسية الطابع الضمني وما يستتبعه من تأويلات. وإلى جانب القيمة التأويلية ثمة تعدد في التأويلات، ومن ثم الدلالات التي يمكن أن تربك متلقيها، فهل خاصية اللبس هي معطى من معطيات السخرية في حالة عدم ظهورها وتجليها؟ أو إن السخرية تقتضي متلقيًا خاصًا لها. وأيضًا، يمكن أن يستوقفنا في التحديدين المذكورين

غياب حدود دقيقة وفاصلة بين السخرية وما يشابهها من أشكال أخرى مثل: الهجائي والهزلي والدعابة السوداء والباروديا وغير ذلك. إن مفهوم السخرية يظل، لأسباب مختلفة، غير قار، وعديم الشكل، وشاسعًا، هذا إن لم نقل إنه تجريد يضعف الاستدلال عليه. ومهما يكن، فالسخرية تقود إلى وضعية تلفظية تغير الخطاب بكيفية

(1) Beda Alemann, «De l’Ironie en tant que principe littéraire,» Poétique , no. 36 (1978), p. 338. (2) Oswald Ducrot, Le Dire et le dit (Paris: Les Éditions de Minuit, 1984), p. 210. (3) Simone Licointe, «Humour: Ironie,» Langue Français , vol. 103, no. 1 (Septembre 1994); Linda Hutecheon, «Ironie et parole: stratégie et structure,» Poétique, no. 36 (1978). (4) D.C. Muecke, «Analyse en Ironie,» Poétique , no. 36 (Novembre 1978), p. 478. (5) D. Sperber & D. Wilson, «Les ironies comme mentions,» Poétique, no. 36 (1978), p. 400.

ما، وذلك لمصلحة ما نريد قوله من دون أن نقوله حقًا، فهناك حضور مستمر لمستويين دلاليين منضدين على نحو لا يحجب أحدهما الآخر. ونشير إلى أن السخرية لا تتوقف عند حدود اعتبارها أثرًا

للتلفظ فحسب، بل إنها أثر للتلقي أيضًا. تميز د. س. مويك داخل التواصل الساخر بين العوامل التالية: العامل الأول: الضحية التي تجهل تمامًا أن الوضعية التي توجد فيها مختلفة عن الشكل الذي تراها به. العامل الثاني: الملاحظ الساخر ironique observateur ’ L الذي يرى ويحكم في الآن نفسه بحسب المظهر الذي تمثله الوضعية بالنسبة إلى الضحية، وأيضًا بحسب ما تمثله بالنسبة إلى وجهة نظر مختلفة وسامية. والملاحظ الساخر يمكن أن يكون هو الآخر ضحية لسخريته. العامل الثالث: الضحية المحتملة Pseudo-victime تضاف إلى الضحية الأولى للسخرية، والتي تؤول بكيفية خاطئة الوضعية التي هي فيها، والضحية المحتملة تؤول هي الأخرى بكيفية خاطئة للنص. تساعدنا الصيغ الخطابية على فهم المظاهر العديدة التي تكتسيها السخرية داخل الرواية، وذلك انطلاقًا من اعتبار الصيغ إمكانات تتحكم في انتظام المادة الحكائية وفي طرائق تقديمها. يفيدنا الاشتغال الصيغي في كشف أشكال العلاقات القائمة بين الملفوظ والتلفظ الروائي.

السخرية ولعبة البحث عن مدخل لقصة «ذات»

تتشكل افتتاحية Incipit نص ذاتمن مقطع واحد يحمل طابعًا ميتاسرديًا Métanarratif في مستهله

عن البداية التي يمكن أن تكون مدخلً لقصة ذات، ومن ثم للنص السردي. وتكمن أهمية الافتتاحية في أنها «تضع في الواجهة شخصية أو شخصيات (وليس دائمًا التي هي أكثر أهمية)، ظروفًا للمكان

وللزمان، محيطًا، مؤشرات جنيسية [...] نبرة عامة للخطاب»، وعلى هذا الأساس تكون الافتتاحية الميتاسردية قد وضعت شخصية ذاتفي الواجهة، جامعة بين لحظة ميلادها وبداية النص، كما أن لفظة قصة تعد تصريحًا بالطبيعة التخيلية لما سيحكى: « نستطيع أن نبدأ قصة ذاتمن البداية الطبيعية، أي من اللحظة التي انزلقت فيها إلى عالمنا ملوثة بالدماء، وما تلا ذلك من أول صدمة تعرضت لها، عندما رفعت في الهواء، وقلبت رأسًا على عقب، ثم صفعت على إليتها [...] لكن بداية كهذه لن يرحب بها النقاد، لأن الطريق المستقيم، في الأدب والأخلاق على السواء، لا يؤدي إلى شيء ذي بال، ولن يتمخض عنه في حالتنا هذه سوى إضاعة وقت كل من القارئ والكاتب، وهو الوقت الذي يستطيعان استغلاله مع التليفزيون، على سبيل

(6) Jean Milly, Poétique des textes , Nathan (ed.), (Paris: Armand Colin, 1992). (7) Licointe, p.105. (8) Muecke, p. 481. (9) Milly, p. 47.

المثال، من موقعين مختلفين، بما يعود عليهما بفائدة أكبر بكثير مما قد تجلبه مئات الصفحات الورقية». اكتفى السارد بتقديم محكي قصير موجز عن لحظة ميلاد ذات، واتخذ من هذا المحكي موضوعًا لإدراكه، ما مكنه من طرح تأملاته الميتاسردية حول بداية النص وسؤال الكتابة عامة، إنه ينظر بكيفية ساخرة لما احتمله عن عدم مقبولية البداية التي وضعها لقصة ذاتمن قبل النقاد، خاصة الذين تقوم نظرتهم إلى الكتابة على أساس احترام المعيارية الأخلاقية، أي ما أسماه السارد ب «الطريق المستقيم في الأدب والأخلاق»، وتعني الاستقامة أن تكون الكتابة محتشمة وخجولة لا تمس «التابوهات» الأخلاقية ولا ما هو خلفها، ومن ثم فهي تحمل في ذاتها عجزها عن اكتناه الجوانب الخفية والمضمرة في حياة الشخصيات الروائية وتعريفها، ويصبح بذلك فعل الكتابة، وأيضًا تلقيها، فارغين من أي غاية (إضاعة وقت كل من القارئ والكاتب). ومن المنطلق الساخر والمتهكم نفسه يجعل السارد وضع الكتابة القائمة على معيارية الأخلاقي أدنى بكثير من وضع «التلفزيون» بالرغم من سلبيات هذه الأدلة التي تخدم سلطة «الأسطورة» Mythe الإعلامية ومفارقاتها. «وبالإضافة إلى هذا فإن النظرة العصرية إلى فن القص هي نظرة حسية ذكورية تمامًا، تساوي بين المداخل المختلفة من حيث أهميتها العملية إياها؛

أي القص، ومن حيث الخاتمة المحتومة التي تنتهي أولً تنتهي بها». تتناول ميتاسردية الافتتاحية النظرة الحديثة (العصرية) إلى الكتابة السردية (فن القص) التي اعتبرها السارد نظرة «حسية ذكورية»، أي أنها ليست أنثوية، كما أنها ليست تأملية أو عقلية. ويمكن هنا أن نطرح الاستفهام التالي: هل تبنى السارد فعلً هذه النظرية أثناء كتابته لقصة ذات؟ نلاحظ انطلاقًا من المداخل المذكورة في النص: «ابتداءً من لحظة ميلاد ذات » (المدخل الأول) إلى

الخاصية الجديدة التي اكتسبها جسمها بوصفها علامة على نضجها (المدخل الثاني)، إلى تلك العملية التي خضعت لها ذات«لاجتثاث النتوء» (المدخل الثالث)، إلى ليلة الدخلة (المدخل الرابع)، أن ما يحكى لا يأتي منسجمًا أو خاضعًا في جوهره لنظرة حسية ذكورية، بالرغم من طبيعة هذه المداخل الحسية. إن كلام السارد في المداخل التي اقترحها علينا يكتسي طابعًا نقديًا ساخرًا، فبعد تهكميته وهجائيته

الواضحة في المدخل الأول، انتقل في المدخل الثاني إلى الكشف عن غياب الثقة أو الوعي، في سن معينة، يهيئ ذاتويمكنها من التعرف على جسدها بكيفية صحيحة، «إن ما ظنته جرحًا عارضًا، إنما

هو خاصية جديدة اكتسبها جسمها، فأصبح قادرًا من الآن على إفراز مياه ملونة بغير اللون الذهبي»،

كما نجد في المدخلين الثالث والرابع استخفافًا وتهكمًا من تلك التقاليد التي ضغطت سلبًا على جسد

(1((صنع الله إبراهيم، ذات (القاهرة: دار المستقبل العربي، 1992)، ص.9 ((1(يرتبط استهلاك الصورة بهيمنة «نظام من القراءة [...] إذ لا تطرح مسألة واقعية العالم وتاريخه، بل فقط الانسجام الداخلي لنظام القراءة، فكل وسيلة إعلامية لا تهتم سوى بمنطقها الخاص، الذي يتميز بتجريده، وانسجامه» عن:

Jean Boudrillard, Société de consommation (Paris: Gallimard, 1970), p. 190.

((1(إبراهيم، ص.9 ((1(المرجع نفسه، ص.10

ذات، ويبدو ضمن السياق النقدي والساخر أن «تساوي المداخل المختلفة» في قصة ذاتلا يحيل إلا على الصدمات التي تعرضت لها ولونت حياتها بنوع من «الرتابة»؛ إنها شخصية يتميز مسار حياتها بتتالي الصدمات. وفي ما يرجع إلى «انتقائية» السارد (ينتقي ما يروق منها) و « مزاجيته» (ما يتفق مع مزاجه) المعلن

عنهما في الخطاب الميتاسردي، أتى توظيفهما في تقديم قصة ذاتملتبسًا بصيغة ساخرة ولعبية، ولقد

مكنتا السارد من «تبرير» انتقالية المعتمد من مدخل إلى آخر، وإذًا «القفز» (سنقفز الآن عبر مجموعة من اللحظات الهامة في حياة ذات) بين لحظات مختلفة في زمن القصة. «لماذا نذهب بعيدًا ولدينا مدخل طبيعي، محمل بقدر عالٍ من الدراما، بل الميلودراما، ونقصد بذلك لحظة الصدمة الكبرى، ليلة الدخلة؟». تندرج مجمل المداخل التي عرضها السارد في بداية النص ضمن إستراتيجية خطابية تعتمد اللعب والسخرية، وتبدو هذه الإستراتيجية في مستواها الأول وكأنها عملية بحث، هدفها الأساسي هو أن تجد مدخلً لقصة ذات، وأيضًا للنص السردي ذاته، وفي هذا السياق يمكن لدعوة السارد التي يحملها الخطاب الميتاسردي داخل المقطع أن تصرف القارئ فعلً عن المستوى الخلفي، الذي يسخر اللعب والسخرية في كشفه عن التناقضات التي عاشتها أو تعيشها شخصية ذات. ويمكن أن يعتقد القارئ، انطلاقًا من المقطع السردي المذكور، أن البحث عن مدخل للنص قد توقف، في حين أن النص لا يمكن أن توضع له بداية أخرى غير التي انطلق منها. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المظهر الساخر واللعبي الذي استند إليه الخطاب الميتاسردي في النص جعل من هذا الأخير خطابًا

«مورطًا» للقارئ، فبدل أن يعرض علينا (الخطاب الميتاسردي) صراحة خطة الكتابة السردية بغير لف أو دوران، نجده يستحيل إلى إمكانية يحتمل أن توقع القارئ في مزالقها ومآزقها، فيصبح هو الآخر ضحية لسخرية السارد. استعاض السرد عن اتجاهه مباشرة لمحكي «الصدمة الكبرى ليلة الدخلة» (وذلك إحقاقًا لما سبق الإعلان عنه ميتاسرديًا في المقطع المذكور) بمجموعة من المحكيات الأخرى مستطردة، تعود كلها إلى فترة سابقة عن «ليلة الدخلة»، وذلك كأن يحكي عن فترة التقارب بين «ذات» و«عبد المجيد» وما حدث فيها من ارتيادهما لأماكن الفسحة، أو عن ملامح شخصية «عبد المجيد»، أو يحكي عن فترة «الآمال والتطلعات» التي كان يتوق إليها هذا الأخير وأيضا «ذات»، وما انتهيا إليه. وحتى تتضح لدينا نوعية العلاقة بين الميتاسردي والسردي في النص، سنحاول التوقف عند أجزاء هامة من المادة الحكائية موضوع الاستطراد: «كانت تلك فترة الآمال العريضة، والتطلعات الجسورة والأحلام: أحلام النوم وأحلام اليقظة بكافة أنواعها [الجاف منها والمبتل]، أمام بركة البط في حديقة الميريلاند قالت له: غسيل الملابس لم يعد مشكلة بفضل الأومو».

((1(المرجع نفسه. ((1(المرجع نفسه، ص 12،.13

إننا حين نقرأ بداية هذا المقطع السردي نشعر بوجود نبرة ساخرة تتلبس الكلام الذي يصف ما كان يميز فترة زمنية من حياة «ذات» قبل زفافها، ويتأكد ذلك من خلال ما نقله السارد من كلام عن «ذات» بشأن «كون غسيل الملابس لم يعد مشكلة بفضل الأومو»، فوجهة النظر هذه قد لا تكون من قبيل «الآمال العريضة، والتطلعات الجسورة، والأحلام»، ويبدو أن السارد الساخر قصد إلى جعل التضخيم والمبالغة في الوصف دالين بكيفية ضمنية وعكسية على محدودية نظرة «ذات» إلى المستقبل وقصورها، هذه النظرة لا تقوم أساسًا على الإنتاج بل على الاستهلاك. سنكتشف في ما بعد أن «ذات» وقعت ضحية

نظرتها تلك. «استقبل عبد المجيد هذا الإعلان عن النوايا بغير حماس، ذلك أن صورة الغسالة. الجالسة أمام الطشت كاشفة عن فخذيها وثدييها عندما تنحني لتقبض بحزن على ياقة القميص». لقد أيقظ ما جاء في آخر كلام «ذات» عن الغسالة صورة لهذه الأخيرة عند «عبد المجيد»، ظلت مترسبة في ذاكرته من ذلك الماضي، ألهبت حواسه وإيروسيته، فانشداده إليها كان وليدًا لما انكشف من جسد الغسالة أثناء عملها «كاشفة عن فخذيها وأحيانًا ثدييها عندما تنحني لتقبض بحزم على ياقة القميص أو قعر الكيلوت»، لقد استهدف الساخر هنا أيضًا أن يظهر استمرارية تحكم هذه الصورة المكبوتة داخل وعيه، في نظرته إلى المستقبل. إنها صورة مليئة بالحس الإيروسي ونازعة إليه. ينعطف الاستطراد في استرساله نحو فترة زمنية ماضية، ليقف بنا عند صورة البيت الذي كان يتطلع إليه «عبد المجيد»، وكان يأمل أن يكون له في المستقبل: «رسم عبد المجيد الحدود بلهجته القاطعة: ثلاث غرف وصالة (فكري في الأطفال) بلكونة على الشارع (لا بد أن نكون على وش الدنيا) الطابق الثاني (خير الأمور الوسط»). أعقب هذا التطلع بجملة من التفاصيل تتصل بلحظة زمنية أخرى لاحقة تحكي عن الصعوبات التي واجهها «عبد المجيد» كي يعثر على شقة، وما استتبع ذلك من إجراءات تخص تأخيرها، بالرغم من أنها ليست بمواصفات الشقة نفسها التي كان يتطلع إليها: «فالشقة المتاحة كانت في الطابق الرابع، ولا تطل على مدخل العمارة، هذه الخاصية الأخيرة دفعت بالدموع إلى عيني ذات، إذ داهمها يقين بأنها قد حرمت إلى الأبد من الإطلال على وجه الدنيا». جمع الاستطراد هنا بكيفية ساخرة بين اللحظتين المشار إليهما، ف « الأحلام» و«التطلعات» و«الآمال» ستصبح صعبة المنال والتحقق في ظل شروط أخرى تحكمت في الواقع الذي تعيشه «ذات» و«عبد المجيد»، ولنقل جيلهما، ومما يؤكد حضور السخرية تكرار عبارة «لا بد أن تكون على وش دنيا» أكثر من مرة إذ نجدها في: «هذه الخاصية الأخيرة دفعت بالدموع إلى عيني ذات، إذ داهمهما يقين بأنها قد حرمت إلى الأبد من الإطلال على وجه الدنيا». «سينقلهما في الوقت المناسب من ظهر الدنيا إلى وجهها».

((1(المرجع نفسه، ص.13 ((1(المرجع نفسه. ((1(المرجع نفسه، ص.14 ((1(المرجع نفسه. ((2(المرجع نفسه، ص.15

إن التكرار يعد عنصرًا أساسيًا في إمكان السخرية أن تعتمد عليه في كشف «الطموح» وإبرازه وهيمنته،

و«التطلع» إلى وضع اجتماعي مغاير في تراتبية الهرم الاجتماعي لدى جيل «ذات»، وذلك من موقع نظرة ضيقة ومتناقضة، كالحصول على شقة مثلً. ومن هذا المنطلق ذاته كان «عبد المجيد» يسعى في تطلعه المستقبلي لتحقيق «قطيعة كاملة مع ماضٍ مليء بالأركان المهملة والوساخة المتراكمة»، إلا أن القطيعة مع الماضي تأخذ صورة مفارقة إذا رجعنا إلى صورة الغسالة التي ظل يحتفظ بها «عبد المجيد» في ذاكرته من الماضي، وفي سياق السخرية تكررت في المادة المستطردة. عبارة: «أبواب المستقبل مفتوحة أمامهم على مصاريعها»، التي تعود إلى سجل الكلام المسكوك. ينتهي الاستطراد بمحكي عن زفاف «ذات» يبدو قريبًا جدًا في زمنيته من «ليلة الدخلة»، التي ظلت

معلقة في النص؛ إذ لم يحك السارد عنها شيئًا نتيجة الاستطراد الذي تحول إلى إستراتيجية سردية، تم الاعتماد عليها مباشرة بعد إعلان السارد ميتاسرديًا عن كون «ليلة الدخلة» مدخلً إلى قصة «ذات». ونجد ما يحكى عن الزفاف الذي يرتبط بالليلة نفسها لا يذكر شيئًا عن لحظة «الصدمة الكبرى» التي يفترض أن يشملها الحكي، ويمكن أن نؤطر تجاوز وتراجع السرد عما يعلن عنه الخطاب الميتاسردي خاصية من خصوصيات اللعب الذي يدرجه المنحى الساخر في النص. يعود السارد مرة أخرى ليتدخل ميتاسرديًا محدِّدًا وضعيته باعتباره مؤلفًا يكتب النص، أي باعتباره ساردًا مؤلفًا. «تمنعنا ظروف النشر الراهنة من التعرض بالتفصيل لواحدة من أخطر اللحظات في حياة كل من ذات وعبد المجيد، لهذا سنتركها بعض الوقت، وقد انهمك عبد المجيد في فض زجاجة ويسكي ليهدئ ما انتابه من روع، ثم نعود إليهما بعد حوالي ساعة. لنجدهما جالسين على حافة الفراش، عاريين تمامًا وهما يبكيان». نستخلص من هذا المقطع، وأيضًا المقاطع الميتاسردية التي سبقت، أن السارد الذي يحكي بضمير المتكلم «ليس شخصية في الرواية، ولكنه من خلال تحكمه في الشخصيات، وفي إعلانه عنها يظهر نفسه كمؤلف لهذا الرواية» ولعالمها التخيلي، وقد تكون هذه الوضعية بالذات هي التي تميزه عن أولئك الساردين المنشغلين فقط بمهمة السرد، لذلك نجده يحدثنا عن ظروف النشر وسلطة الرقابة والمنع، التي تقف وراءها، وعن كونه لن يستطيع معها أن يحكي عن أخطر لحظة في حياة «ذات»

((2(المرجع نفسه. ((2(المرجع نفسه، ص 12، 14،.15 ((2(المرجع نفسه، ص.14 ((2(المرجع نفسه، ص.10 ((2(لا يمكن مماثلته بالمؤلف الواقعي، لأنه يتميز عنه باعتباره مؤلفًا مجردًا Abstrait Auteur ليس له حياة أو وجود خارج العمل

الأدبي، انظر:

J.  Lentvelt, Essais de Typologie Narrative: Le point de vue (Paris: José Corti, 1981), pp. 17-23.

((2(إبراهيم، ص.16

(27) J. Rousset, Littérature, no. 5 (Février 1972), p. 5.

و«عبد المجيد»؛ لحظة استغرقت في نظره حوالي ساعة، ويظهر هنا وكأن السارد يجاري ما تفرضه عليه ظروف النشر في حين يبقى خياره غير ذلك تمامًا. إنه يطلعنا وبصورة موجزة عن «الذي حدث»

في تلك اللحظة، إن السارد بهذه المراوغة يتحايل على السلطة الرقيبة والمانعة: «الذي حدث أن عبد المجيد اكتشف، أو ظن أنه اكتشف، أن البضاعة التي أنفق عليها كل مدخراته، ورهن بها مستقبله، لم تكن سليمة تمامًا، وأن آخر، وربما آخرين، سبقوه للعبث بمحتوياتها أو على الأقل بغلافها». إذا كانت المادة الحكائية المستطردة وسعت، إلى حد ما، السياق السردي في النص، من دون أن تغيب أهدافه الساخرة، وذلك بالنظر إلى إستراتيجية الانتقال بين المداخل التي كانت تحكي عن لحظات مختلفة ومختزلة من حياة «ذات»، فإنها من جهة أخرى أعطت انفراجًا للتوتر الذي أحدثه الخطاب

الميتاسردي، حيث أخبرنا عن مدخل «ليلة الدخلة» وعن طبيعته المحملة «بقدر عالٍ من الدراما، بل الميلودراما»، والتي ميزت بالأخص لحظة «الصدمة الكبرى». تكتسي صيغة الخطاب الميتاسردي أهمية كبيرة بالنظر إلى البنى الصيغية الأخرى التي تنتظم النص الحكائي في ذات، وبما أن السارد -المؤلف هو باستمرار ترهين حاضر السرد، فإن تعاقب الخطاب الميتاسردي وما يحكى من قصة ذاتيحدث تنويعًا في زمن النص، إذ نظل نراوح تبعًا لذلك بين الحاضر والماضي الذي وقعت فيه الأحداث، ويسمح ارتباط الخطاب الميتاسردي بالزمن الحاضر بأن نغير أيضًا علاقتنا بما يحكى «فنكف عن قراءته باعتباره قصة [...] لأجل أن نمتلك المادة التي يخلق منها ونشارك المؤلف كتابه»، ومن ثم كانت ميتاسردية خطاب السارد -المؤلف نافذة نطل من خلالها على سؤال الكتابة في النص انطلاقًا من النص ذاته.

الخطاب المسرود: نقد السارد الساخر وهيمنة تهكماته

تلقي الصيغ الخطابية على أشكال العلاقة التي تربط الملفوظ بالتلفظ الروائي، وتخضع هذه العلاقة في نص ذاتلهيمنة الخطاب المسرود في معظم الفصول الحكائية إذا ما نظرنا إلى مجمل بنيات الخطابات الأخرى الحاضرة في الرواية. ويشكل الخطاب المسرود حالة تشخيصية تكون فيها علاقة السارد بالشخصية على مسافة أكبر،

وبصورة عامة، إنها الحالة الأكثر تحويلً على المستوى التلفيظي Verbal. لذلك، بالرغم من تمثيلية ترهين السارد في نص «ذات»، فقد ظل محافظًا على مسافة جعلته لا يشارك الشخصيات الروائية ما تعيشه من أحداث حكائية.

((2(إبراهيم، ص.16 ((2(المرجع نفسه، ص.10

(30) Rousset, p. 6. (31) Ibid.

(3((التي تحكي قصة «ذات.»

(33) Gérard Genette, Figure III (Paris: Seuil, 1972), p. 191.

يتبين من خلال التحقق التلفيظي للخطاب المسرود أن علاقة السارد بالعالم الحكائي الذي يقدمه ليست قائمة على إلقاء المؤشرات الدالة على ذاتيته، ويكفي لإثبات ذلك احتواء لغة الخطاب المسرود على عبارات وألفاظ من سجلات مختلفة أظهرت بجلاء الازدواجية المنظورية التي يتوازى فيها، في الآن نفسه، الوعي التقويمي الساخر الذي يرجع إلى السارد، والمنظورات المسرودة التي ترجع إلى الشخصيات الروائية. لقد تم نقل كلام الدكتور «عادل» في الرواية بكيفية أسقطت ما كان يرافقه من تفاصيل وإشارات جزئية. كما أن توظيف الجملة الطويلة غايته الإمساك بتعدد الموضوعات، التي انشغل بها إدراك الشخصية أو الشخصيات الروائية، وتجدر الإشارة إلى أن المقاطع المماثلة لهذا المقطع المذكور كان موقعها داخل المادة الحكائية مسيجًا بالسخرية. فإذا ربطنا كلام الدكتور «عادل» بما سبق أن قدمه عنه السارد في النص: «فالدكتور كان من ذلك النوع من البشر الذي وهبه الله ثقافة واسعة وخبرة عريضة، ذاكرة حديدية، ولسانًا عفيًا، ورغبة عميقة في أن يشاركه الآخرون معارفه، لخيرهم بالطبع، أو باختصار كان ماكينة بث من الطراز

الأول». يمكن أن نلمس النبرة الساخرة التي غلفت كلام السارد في عبارة: «لخيرهم بالطبع» وأيضًا في: «ماكينة بث من الطراز الأول» التي استهدفت أساسًا رسم صورة مليئة بالتهكم من «ثقافة» و«معارف» الدكتور «عادل». إن هذه العبارة الساخرة تجعلنا ننظر، من موقع السارد، إلى كل ما يصدر عن الدكتور عادل من كلام كثرثرة (بث) لا يكف عن إلقائها في أحاديثه وحواراته مع الآخرين. يسمح التحويل التلفيظي لكلام الشخصيات من قبل الترهين السارد بحرية هذا الأخير في اختيار اللغة التي يريدها هو حسب القرب أو البعد من لغة الشخصيات، فليس ثمة ما يلزمه بضرورة الحفاظ على لغة بعينها، أو بسجل معين من سجلاتها، وعلى هذا الأساس تميزت لغة الخطاب المسرود في نص ذاتباستعمال سجلات كلامية عدة ومختلفة لتحقيق غايات ساخرة من خلالها. وتأتي عبارة «ميسرة الهدم والبناء»، التي تداولها السجل السياسي الأيديولوجي في لغة السارد باعتبارها استعارة ساخرة من وضعية العمارة التي تسكنها «ذات»، وما طرأ عليها (العمارة) من تغييرات واكبت تهافت سكانها الحالمين بتبوء وضع اجتماعي جديد، يمكنهم من مسايرة التطورات المتسارعة التي تعصف حمأتها بواقعهم، وذلك من دون الالتفات لما يتوارى خلف «طموحاتهم» من تناقضات: «بدأت مسيرة الهدم والبناء في العمارة على يد موظف الزراعة».

(((3 يمكن الجملةَ أن تنبني على دينامية خاصة، كأن تستند إلى لعبة التضمين الداخلي أو التسلسل في التعيينات وهذه الأخيرة بدورها تعين بواسطة افتراضات جديدة فتصبح الجملة طويلة وممتدة، ما يجعلها لا تتقيد بأي تعريف أو تحديد. انظر هنا:

Laurent Jenny, «La phrase et l’expérience du temps,» Poétique , no. 79 (Septembre 1989).

(((3 إبراهيم، ص 332، 333، 346،.347 (((3 المرجع نفسه، ص.233 (((3 قد ترفق السخرية أحيانًا بتغيير في سجل التعبير. (((3 وظفتها أيديولوجيات سياسية ووطنية. (((3 إبراهيم، ص.59

لقد استعملت عبارة «مسيرة الهدم والبناء» بوصفها شعارًا سياسيًا في بعض الخطابات «الأيديولوجية

والوطنية» التي كانت تأمل بناء مجتمع «حديث»، ويبدو أن استعمال العبارة نفسها في النص كان للإحالة على تلك الإصلاحات والتغييرات التي همت أساسًا شكل الشقق، ومنها العمارة التي تسكنها

«ذات»، ونعثر أيضًا على كلمات وعبارات تنتمي إلى سجلات أخرى، وكلها تشارك مجتمعة في تشكيل الدلالة الساخرة والنقدية. وردت عبارتا: «انتقلت الراية» و«القائد الحقيقي» من السجل العسكري والحربي وعبارة: «فتح الله عليه» من السجل الديني. وقد أظهر السارد من خلال السجل الأول أن عملية الإصلاح التي يقوم بها سكان العمارة وكأنها «حرب» أو «معركة» تستلزم «القيادة» و«حمل الراية». فاستخفاف السارد موجه إلى ما خلف سلوك التنافس والتهافت الذي أصبح شائعًا بين سكان العمارة، لكي يدخلوا إصلاحات على شققهم: ف  « ذات» لم تستطع في ظل ارتفاع الأسعار مواصلة إصلاحها للحمام نظرًا إلى محدودية

إمكاناتها المادية.

التفاعل النصي بين قصة «ذات» والمقتطفات الصحفية

يعمد الكاتب في رواية ذاتإلى بنينتها على منطق التناوب بين الفصول التي تحكي قصة «ذات» والفصول التي تتشكل من المقتطفات الصحفية، وفي ما يرجع في الأساس إلى هذه المقتطفات نجدها مقحمة في فضاء النص على أنها ملصقات Collage، سبق أن قدمها الخطاب الصحفي وفق قواعده الخاصة في الكتابة بوصفها نصوصًا مكتوبة، من هذا الجانب تنتمي إلى ما سبق أن كتب، إنها تندرج في إطار «واقع لفظي». ويعمل الترهين الذي يعرض المقتطفات في النص السردي على إحقاق انمحاء كلي للمؤلف الذي يصبح متواريًا خلف مادة المقتطفات المقدمة، وهو ما يستدعي القارئ كي يدرك مباشرة وبسرعة الواقع الذي يخضع لاهتمامه. لقد أخذت المقتطفات الصحفية أشكالً مختلفة، نعثر فيها على الإعلان الإشهاري، والتعليق على الصورة، والتصريحات، والتحقيقات، والبلاغات المضادة، والتقريرات، وبهذا يمكن أن نعتبر المقتطفات «موازيًا-أدبيًا»Paralittéraire يندرج «في فضاء الأدبي كي يصبح عنصرًا أساسيًا يعتمده

النص في شكله باعتباره موضوعًا مفتوحًا، أو بالأحرى، موضوعًا غير ثابت»؛ وذلك أن النص يقبل

أن تقحم فيه أجزاء وشذرات مقتطفة من الصحف، تحيل في مجملها على مرجعيات واقعية، «فكل

(4((المرجع نفسه، ص.69

(41) François van Rossum- Guyon, Critique du Roman (Paris: Gallimard, 1970), p. 72.

(4((يتشكل الموازي-الأدبي من تلك الاستشهادات المختلفة التي تعبر النص أو تخترقه، ولا يمكن أن ينحصر فقط في الشذرات المجتزأة من نصوص أخرى مكتوبة، بل يهم أيضًا العلاقات المباشرة التي يقيمها النص مع واقعه من دون وسيط لغوي أو أسلوبي، انظر:

W. Krysinski, Carrefours de signe: Essais sur le roman moderne (La Haye: Mouton, 1981), pp. 295-309. (43) Ibid., p. 298.

شذرة مستشهد بها تحافظ على صلات بفضائها الأصلي»، فهي وإن كانت تبدو خارجة عن قصة ذات، فإنها من جهة أخرى تبقى موازية لها من حيث الزمن والمكان والأحداث والشخصيات. تتوازى في بناء النص إذًا فصول حكائية تخيلية وفصول المقتطفات الصحفية بناءً على منطق التناوب

في ما بينها. وقد يقصد بالمقتطفات المستشهد بها تحقيق إيهام واقعي، كما يمكن لعملية الاستشهاد بها أن تكون «سننًا code جديدًا يتعارض مع سنن المحاكاة Mimessis، وإذا أردنا فهو سنن الموازي- الأدبي في نطاق ضمانة نقل الإرساليات Messages المباشرة [...] إلا أن هذا السنن يقوم بوظيفته داخل أسنة أخرى ينظمها الروائي قاصدًا بها كلية الواقع من خلال التقطيع Découpage والشذرية Fragmentation والتوليف Montage الدال». فمن حيث التقطيع والشذرية، فالمقتطفات عبارة عن وحدات مستقلة متنوعة ومختلفة، لا ترتبط في ما بينها ارتباطًا خطيًا؛ لأنها منزوعة من سياقاتها

الأصلية، وتطرح أمامنا في مجملها تعددًا صوتيًا، وتعددًا في المعنى. إن وضعها في فضاء النص يتقيد

بالتوليف، الذي ينهض بدور جمع الأجزاء والشدرات التي تم تقطيعها وفكها ليس بهدف استعادتها إلى سياقاتها الأصلية، بل بموقعتها مرة أخرى داخل محيط مغاير تتجاوز فيه مقتطفات تتكلم فيها ترهينات مختلفة عن موضوعات مختلفة. وقد تتماثل في جزء منها أو تتعارض أو تتصادم، «فكل وحدة ملصقة داخل التوليف هي إذن تحيين لنموذج، أثناء عرضه لسنن أو أسنة خارجة عن النص في فضاء الورقة»، ومن ثم شكلت المقتطفات مظهرًا دالً يشهد على تناقضات الواقعي وتصادمه، إلى جانب

ما يطرحه علينا السارد من مفارقات الحياة التي تعيشها الشخصيات التخيلية. لقد بدت فصول المقتطفات وكأنها غير منظمة؛ لأنها احتشدت موضوعات مختلفة وعديدة، وهذا ما يمكن أن يوقعنا في فخ اعتبارها فاقدة لكل أصل أو هدف، لأنها لا تشكل كلً منسجمًا حين نقوم بقراءة «واقعة» وخطية لها، فمن مقتطف لآخر يتغير السياق والحدث والخبر، وتأتي المقتطفات غير مقترنة بتفسير أو تعليق من شأنه أن يدلنا على الترهين الذي يتحمل مسؤولية تقديمها إلينا في النص. إننا نجد السارد يختفي كليًا ليدع القارئ يهتدي إلى تناقضاتها وتضارباتها. وثمة نقاط التقاء عديدة بين فصول المقتطفات وقصة ذات. فمنطق التعارض والتضارب في الأولى يقابله المنحى الساخر والمتهكم في الثانية؛ إذ غاية السارد في هذه الأخيرة فضح سلوك الارتشاء والفساد انطلاقًا مما تعيشه «ذات» والشخصيات الأخرى. قد تستوقفنا هنا محكيات ساخرة عن كل من

(44) André Topia, «Contre points joyciens,» Poétique , no. 27 (1976), p. 353. (45) Roland Barthes, «L’effet de réal,» Communication , no. 11 (1968). (46) Krysinski, p. 299.

(((4 يكاد لا ينفصل التوليف عن «الإلصاق Collage ويختلف التوليف الروائي عن التوليف السينمائي في كونه يأخذ في الاعتبار خصوصية النص الروائي، ويمكن الرجوع في هذا الصدد إلى ما قدمه ف. كريزنسكي في المبحث العاشر «الأدبي والموازي الأدبي» في:

Ibid., pp. 307-309.

وخاصة التوضيحات التي وردت في الهامش.37

(48) Topia, p. 355

«الشنقيطي» ورئيس حي مصر الجديدة، وعن «الحاج قرشي» و«موظف الزراعة»، التي نستشف منها مفارقات المعيش وما تعكسه من فساد اجتماعي وسياسي وأخلاقي. تبرز القصدية التي توجه تقنية التوليف كيف أن المقتطفات ترتد وتنعكس على ذاتها في ظل تصادم بعضها بالبعض الآخر، ويسمح هذا المظهر بفضح تناقضات أشكال الخطاب الرسمي وغيره، لذلك فالاستشهاد بالمقتطفات الذي ينبني على «تداخل التوليف والشدرية يلعب دورًا تنظيميًا مزدوجًا: فمن

جهة يجعل إمساكه بواقع كبير ومتناقض موضوعيًا وحقيقيًا، ومن جهة ثانية يقيم تناصًا قصديًا». حاولنا أثناء تحليلنا لقصة ذاتأن نهم أساسًا بانتظام المحكيات المقدمة، معتبرين صيغها «بنيات خطابية يتميز بعضها عن بعض من حيث طبيعتها وعلاقتها ببعضها»، وتمكننا الملَاقي بين نص الموازي-الأدبي، الذي تمثله المقتطفات، والنص التخيلي من ملاحقة أوجه العلاقات النصية، أو بالأحرى «التفاعلات النصية». تسعفنا الموضوعات التي كانت ملَاقي بارزة بين النصين في استجلاء التفاعل القائم بينهما، إننا نقرأ أخبارًا متضاربة في الفصل السادس عشر عن موضوع شركات توظيف الأموال. وتوافينا الفصول الحكائية أيضًا بصورة أخرى عنها استنادًا إلى ما تعيشه الشخصيات الروائية، نذكر هنا ما حدث ل «ذات» التي أخذ منها «الحاج قرشي» كل مدخراتها بهدف توظيفه إياها، وذلك بعد أن أقنعها «الشنقيطي». وفي هذا السياق يندرج أيضًا ما حدث ل «الدكتور عادل» ول «موظف الزراعة» اللذين كانا من ضحايا شركات توظيف الأموال. ونعثر على الاسم نفسه «الريان» لإحدى شركات توظيف الأموال في الفصل الحكائي الأخير، سبق أن أعلنت عنه المقتطفات (الفصل السادس عشر). وهناك إشارة أخرى في الفصل السابع عشر تتعلق بشعار إشهاري أقحمه السارد في محكي عن برامج «الفوازير»، والشعار نفسه أعلن عنه في مقتطفين، وسوف نعرض لإشارتين ولوضعهما داخل سياق تلاقي قصة «ذات» ومادة المقتطفات. اتجه السارد بنقده الساخر إلى إبراز الطابع السلبي ل «برامج الفوازير» التي كانت تواكب شهر رمضان، وقد تم استعمال كلمة «ديمقراطية» من السجل السياسي وذلك بهدف إحالتنا، بكيفية عكسية ومتهكمة، على المفارقة الكامنة في مثل هذه البرامج، إذ يصبح فيها «الجهل والغباء» متساويين مع «الثقافة والذكاء». تكشف السخرية من خلال برامج «الفوازير» عن التناقض الذي كانت تكرسه وتشجعه شركات توظيف الأموال، التي لم يكن همها الأساسي دعم الثقافة دعمًا جديًا، بل تسخيرها هي الأخرى تسخيرًا مشوهًا،

(49) Krysinski, p. 303.

5(((سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي: النص والسياق (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1989)، ص.91 5(((اعتمدنا «التفاعل النصي» باعتباره مقابلً «للتناص » Intertextualité آخذين بالاقتراح الذي قدمه سعيد يقطين في: الفصل الثاني من انفتاح النص الروائي، ص.1 (5((إبراهيم، ص 263،.272

لغرض آخر غير ثقافي يتمثل في إشهار نفسها والدعاية لمؤسساتها، وهذا ما أراد السارد الساخر تأكيده من وراء إدراج الشعار الإشهاري: «البركة وراء النجاح»، الذي نلمس فيه بجلاء تسخير الدين لغرض الدعاية والإشهار. ونعثر على تماثل في النص بين موضوعات من قصة «ذات» ومادة المقتطفات، وفي هذا السياق ينبغي أن ننظر إلى موضوع شركات توظيف الأموال، وكذلك موضوعات أخرى سوف نعرض لها. إن الملاقي التي أشرنا إليها تمثل جسورًا لتفاعل نصي داخلي بين قصة «ذات» والمقتطفات الصحفية. حملت بعض المقتطفات تصريحات لشخصيات دينية لصالح شركات توظيف الأموال (الفصل السادس عشر)، إلا أن تلك التصريحات ظلت في وضع يشهد بتنسيبها نظرًا إلى التناقض والتضارب

اللذين تحكما في عملية توليف المقتطفات. لقد تفاعل النص الحكائي مع المقتطفات بخلقه لواقع تخيلي ساخر تحضر فيه إلى جانب «ذات» شخصيات أخرى ك «الحاج قرشي» و«الشيخ سلامة و«الحاج عبد السلام» وكلها كانت موضع سخرية وتهكم. ويمكننا اعتبار حكاية العفاريت التي أصبح يظن سكان العمارة أنها مسؤولة عن ضياع حاجاتهم المنزلية واختفائها، وكذلك ما قام به «الحاج عبد السلام» من «محاولات لطردها» تحويلً ساخرًا لدلالة المقتطفين التاليين: «جريدة مايو لسان

الحزب الوطني الحاكم، التي أسسها السادات ويرأسها عبد الله عبد الباري وأنيس منصور: ˈ فضيلة الشيخ الشعراوي يهدي جنًا كافرًا إلى الإسلام ˈ ». و«جريدة مايو: ˈ فضيلة الشيخ الشعراوي يقهر

عفريتًا احتل جسد أحد الشبان ˈ ». إذا انتقلنا إلى موضوع الصرف الصحي سنجد أن أغلب المقتطفات في الفصل السادس تهم مدينة الإسكندرية، وهي عبارة عن إعلانات وتصريحات وتحقيقات يطبعها التنوع والتضارب في ضوء الوضع الذي خصها به التوليف. ونلمس بجلاء تفاعل هذا الفصل من المقتطفات والفصل الحكائي الذي تلاه مباشرة، إذ يحكي عن زيارة «ذات» ل «صفية» بمدينة الإسكندرية. ويأتي تحريك شخصية «ذات» نحو الفضاء الذي همته أساسًا المقتطفات مقترنًا في بعض مناحيه بتحريك مادة هذه الأخيرة حكائيًا؛ كي

تصبح منسجمة داخل سياق الأحداث المتخيلة: «لم تخلُ الرحلة من البث: فالأبراج السكنية الجديدة استدعت من عزيز قصة عبد المنعم جابر، الذي تحول في عشر سنوات من عامل نسيج إلى مالك لخمسة أبراج وشركة مقاولات وأخرى للسياحة قبل أن يهرب بالملايين المقترضة من البنوك، والرائحة الجاثمة في كل الأركان أتاحت لصفية أن تروي مسلسل الصرف الصحي الذي تحولت الإسكندرية في ظله، خلال شهور قليلة، من عروس إلى مباءة».

(((5 المرجع نفسه، ص.211 (((5 المرجع نفسه، ص.279 (((5 المرجع نفسه، الفصل الأخير، ص.343034، (((5 المرجع نفسه، ص.316 (((5 المرجع نفسه، ص.318 (((5 المرجع نفسه، ص.126-125

تنتمي كلمة «البث» إلى السجل الإعلامي، وقد وردت في بداية هذا المقطع السردي بهدف إحالتنا على سياق ساخر ومتهكم، اعتبر فيه السارد الكلام الذي تبادله كل من «عزيز» و«صفية»، في طريقهما إلى الميناء وبرفقتها «ذات»، ثرثرة. وهناك أيضا كلمة «مسلسل» التي تعود إلى السجل السينمائي، استعملت في السياق الساخر نفسه كي تكشف عن حقيقة التعارض المطروح في المقتطفات حول موضوع الصرف الصحي بالإسكندرية. ويخرجنا هنا الصوت الساخر عن دوامة التعارض التي ينتظم وفقها توليف المادة المقتطفة، إنه يستهدف بنقده واستخفافه هذه الأخيرة، وذلك بعد أن أوجد لها مكانًا في محكي قصة «ذات»، وتنطلق هنا من محاولة السارد الساخر في التلميح على لسان «عزيز» إلى قصة «عبد المنعم جابر»، التي نقلتها إلينا إحدى المقتطفات، وأيضًا ما يحتمل أن تكون «صفية» قد حكته عن قضية الصرف الصحي بالإسكندرية. يترتب عن عملية التفاعل النصي بين قصة ذاتوالمقتطفات إغناء سياق الحكي في قصة ذات واستكماله، ويمكن أن نلاحظ في الآن نفسه كيف يتحقق إخراج المقتطفات من سياقاتها المختلفة والمتضاربة في التوليف إلى سياق آخر تبدو فيه أكثر انسجامًا مع أحداث المادة الحكائية. رافقت التغيرات السريعة، التي عرفها واقع الشخصيات الروائية تناقضات ومفارقات كان لها أثر سلبي في حياة هذه الشخصيات، ومما زاد في تعميق «مأساتها» أنها كانت تسعى وراء رغبتها في مواكبة تطورات واقعها المتناقض والفاسد. وهذا ما نصبه السارد الساخر هدفًا لسخريته النقدية والمتهكمة. وتستوقفنا في سياق التفاعل النصي جمل عديدة مماثلة في بنيتها لبنية المادة المقتطفة، يتجلى ذلك في تعدد موضوعاتها واختفائها، وغياب الروابط المنطقية بين أطرافها، إضافة إلى أنها تحمل أحيانًا في أجزائها أخبارًا تلتقي مع ما جاء في المقتطفات. وقد تكون طبيعة التفاعل النصي داخلية بين كتابات صنع الله إبراهيم؛ ففي روايته بيروت بيروت وظف المقتطفات الصحفية، بهدف الإمساك بشتات الخطابات والملابسات التي كانت محيطة بالحرب الأهلية في لبنان. وإذا التفتنا إلى وضع المقتطفات في نص ذات، ندرك أن توليفها لم يكن جمع شتات خطابات فحسب، بل تركيبًا يدمر بعضه بعضًا وفقًا لمنطق التصادم والتضارب، هذا ضمن شرط تفاعلها مع قصة ذات، ما سمح بأن تجد المقتطفات مكانها في السياق الحكائي الساخر، الذي نزع عنها يقينياتها.

(((5 المرجع نفسه، ص 113،.114 (6((المرجع نفسه، ص 223، 233، 235،.236 6(((صنع الله إبراهيم، بيروت بيروت، ط 4 (القاهرة: دار المستقبل العربي،.)1984 (6((السخرية «تغضب Irrite ليس لأنها تستهزئ أن تهاجم، بل لأنها تسلبنا من كل اليقينيات في كشفها عن العالم باعتباره متناقضًا»، عن:

Milan Kundera, L’art du roman (Paris: Gallimard, 1986), p. 159.

عود على بدء

راهنت الكتابة الروائية في نص ذاتعلى اقتحام عالم حميمي مخملي يترنح بين جذب الظاهر والباطن، تكتنفه الخطابات بأوهامها وشعاراتها، لذا لم تكن لغة الرواية مهادنة ومتصالحة، بل معاندة ومبددة ليقينيات واقع الشخصيات الروائية بسُلطه النمطية وبداهاته المقنعة، وذلك من خلال تبني الرواية لأطروحة قائمة على التهكم والسخرية والنقد، قاصدة تعرية الزائف والمخاتل، كاشفة عمق التناقضات والمفارقات. وهذا من دون أن تنأى محكياتها عن انتهاج أسلوب شائق مرح ينمّ في أوسع أحواله عن الهجائي المفعم بالضحك والهزل. وكأن الرواية تختلق دروعها وعتادها المقوض للفساد والتهافت الذي بات مستشريًا في كيان واقعها. لذا اقتحمت السخرية الروائية مناطات حميمة تقبع في جيوبها وأغوارها دلالات تعكس حجم استفحال رتابة الواقع، وأيضًا مسوغات معيشة المستكين للتنافر والتبدد والتلاشي، حين أمسى حالة وعي متصالحة باردة الاستجابة والانفعال، حتى استحالت شخوص الرواية كائنات وُجدت لكي تسكنها التناقضات والمفارقات بلا جدوى.

المراجع

References

العربية

يقطين، سعيد. انفتاح النص الروائي: النص والسياق. بيروت: المركز الثقافي العربي،.1989 إبراهيم، صنع الله. بيروت بيروت، ط.4 القاهرة: دار المستقبل العربي، 1984 _______. ذات. القاهرة: دار المستقبل العربي،.1992

الأجنبية

Alemann, Beda. «De l’Ironie en tant que principe littéraire.» Poétique. no. 36 (1978). Barthes, Roland. «L’effet de réal.» Communication. no. 11 (1968) Boudrillard, Jean. Société de consummation. Paris: Gallimard, 1970. Ducrot, Oswald. Le Dire et le dit. Paris: Les Éditions de Minuit, 1984. Genette, Gérard. Figure III. Paris: Seuil, 1972. Hutecheon, Linda. «Ironie et parole: stratégie et structure.» Poétique. no. 36 (1978). Jenny, Laurent. «La phrase et l’expérience du temps.» Poétique. no. 79 (Septembre

Krysinski, W. Carrefours de signe: Essais sur le roman modern. La Haye: Mouton,

Kundera, Milan. L’art du roman. Paris: Gallimard, 1986.

Lentvelt, J.  Essais de Typologie Narrative: Le point de vue.  Paris: José Corti, 1981. Licointe, Simone. «Humour: Ironie.» Langue Français. vol. 103. no. 1 (Septembre

Milly, Jean. Poétique des textes. Nathan (ed.) Paris: Armand Colin, 1992. Muecke, D.C. «Analyse en Ironie.» Poétique. no. 36 (Novembre 1978). Rousset, J. Littérature. no. 5 (Février 1972). Sperber, D. & D. Wilson. «Les ironies comme mentions.» Poétique. no. 36 (1978). Topia, André. «Contre points joyciens.» Poétique. no. 27 (1976). Van Rossum- Guyon, François. Critique du Roman. Paris: Gallimard, 1970.