Return to Article Details The Role of Genetic Testing in the Preservation of Lineage

دور الاختبار الجيني في حفظ الأنساب

The Role of Genetic Testing in the Preservation of Lineage

محمد نعيم ياسين

Mohammed Naeem Yassin

الملخّص

موضوع هذا البحث رؤية مستخرجة من المبادئ الشرعيّة الدينية للاستفادة من مشروع الجينوم البشري في حفظ الأنساب وتنقيتها من الاختلاط. وخلاصة ما توصّل إليه هو وجوب الاعتماد على الاختبار الجيني في معرفة النسب الحقيقي؛ حيثما كان ذلك لا يؤثر في مؤسسة الأسرة ويضعف فاعليتها في دورها في إصلاح المجتمع، وأن يكون هو الطريق القضائي المعتمد لتحديد الأبوة نفيًا وإثباتًا في غير الحالات التي يكون المولود فيها قد وُلد تحت ظلال حياة زوجيّة عمادها عقد زواج صحيح.

Abstract

Abstract: This study presents a view of how genetics and genomics can contribute to the objective of the preservation of lineage and the purity of bloodlines, based on Sharia principles. The study concludes that genetic testing (DNA paternity) should be employed to know the true lineage whenever this mechanism does not negatively affect the family institution or undermine its efficacy in making society better. Additionally, genetic testing should be recognized as the only judiciary tool to confirm or negate paternity except in the cases where the child is born within marital life based on a valid marriage contract.

الكلمات المفتاحية:
  • الاختبار الجيني
  • فراش الزوجيّة
  • الأب الشرعي
  • الأب البيولوجي
Keywords:
  • Genetic Testing
  • Wedlock
  • Religiously-Recognized Father
  • Biological Father

The Role of Genetic Testing in the

Preservation of Lineage

مشروع الجينوم البشري في حفظ الأنساب وتنقيتها من الاختلاط. وخلاصة ما توصّل إليه هو

وجوب الاعتماد على الاختبار الجيني في معرفة النسب الحقيقي؛ حيثما كان ذلك لا يؤثر في مؤسسة الأسرة ويضعف فاعليتها في دورها في إص ح المجتمع، وأن يكون هو الطريق القضائي المعتمد لتحديد الأبوة نفيًا وإثباتًا في غير الحالات التي يكون المولود فيها قد وُلد

تحت ظلال حياة زوجيّة عمادها عقد زواج صحيح. كلمات مفتاحيّة: الاختبار الجيني، فراش الزوجيّة، الأب الشرعي، الأب البيولوجي.

مقدّمة

موضوع هذا البحث هو بيان موقف الشرع من الدور الذي يجب أن يُعطى لوسيلة علمية

اكتُشِفت في هذا الزمان في تحديد الأنساب، وهي ما يُسمّى «الاختبار الجيني». وهو فحص يُجرى على بعض أجزاء خليّة الإنسان تسمّى « الجينات ». وهي تحتوي على معلومات برموزٍ خَلْقيّة

يشير بعضها إلى خصائص مميّزة لكل إنسان عن أي شخص آخر، وتحدِّد بدقّة تكاد تبلغ اليقين

الشخص الذي تكوّن من ماء آخر (الأبوّة)، وصاحبة البييضة التي تكون منها (الأمومة). ولا يرد على هذا الاختبار في نتائجه أي شك، إذا سلم من الأخطاء المتعمدة وغير المتعمدة. وقد سُمّي هذا التميّز

الجيني عند كثير من الباحثين البصمةَ الوراثية. وقد كتب فيها أبحاث وكتب ورسائل جامعيّة، تتفاوت

في عمقها، وتختلف في بعض مخرجاتها، وتتفق في أكثرها. وقد لاحظنا، مع ذلك، حاجة هذا الموضوع إلى نوع من البحث يركز على التأصيل، ويبيّن بعض التطبيقات على سبيل التمثيل؛ واعتمدنا

فيه على الاستقراء للنصوص والمبادئ والقواعد الشرعيّة والفروع الفقهية، وتحليلها وتركيب معطياتها

في مبادئ وقواعد وأصول يمكن تطبيقها على فروع الموضوع على هذا البحث؛ وأردنا فيه إبراز الحد الذي يمكن الذهاب إليه للاعتماد على هذا الاكتشاف الجديد في تحقيق مقصد من مقاصد الشرع العامة؛ وهو حفظ الأنساب من الاختلاط أو الجهالة. وقد اتّبعنا لتحقيق الهدف المذكور خطة مكونة من ثلاثة مباحث هي: الحالات التي يُمنع فيها استعمال الاختبار الجيني في مجال الأنساب، والحالات التي يجب فيها استعمال الاختبار الجيني في مجال الأنساب، ودور الاختبار الجيني في أحكام «اللعان».

أولا: الحالات التي يحظر فيها اتخاذ الاختبار الجيني للكشف عن الأنساب

الأصل الذي ترجع إليه هذه الحالات هو وجوب تحصيل خير الخيرين، والتخلص من شر الشرين. ويمكن الناظر أن يتبيّن حالات يجب فيها استبعاد الاختبار الجيني لمعرفة الأنساب، ويمكن إرجاعها

إلى سببين هما مقتضى الحفاظ على آصرة الزواج، ومقتضى غلبة مفاسد الاختبار على مصالحه.

1. مقتضى الحفاظ على آصرة الزواج

يُمنع اللجوء إلى الاختبار الجيني، إذا كان ذلك يؤدي إلى توهين رابطة الزوجية وهدم الأسرة بعد تكوينها، وتفكيك روابطها بعد توصيلها، وإضعاف أثرها في التربية الأسريّة؛ بما يجعل النسل فرائس سهلة لأصحاب الأهواء. ويكون ذلك إذا استُعمل هذا الاختبار للكشف عن أنساب الناس والبحث عن أصولهم وفروعهم، إذا كانت تلك الأنساب مستقرّة؛ لأن حوادثها جاءت في ظل علاقة شرعيّة هي

(((فحص يجريه أهل الاختصاص على بعض مكونات نواة الخليّة الإنسانية يُظهر الخصائص والصفات والقابليات التي ورثها عن

أصوله، ويمكن أن يورثها لفرعه. وتدل بعض المعلومات التي يظهرها بصورة تكاد تكون قطعيّة على إثبات الأبوّة أو عدمها.

الزواج؛ لأنه إذا أُتيح لمن شاء أن ينزع من الأسرة شخصًا منها وُلد على فراش الزوجيّة، أو يضيف

إليها شخصًا لم يولد على ذلك الفراش، فإذا حدث مثل ذلك صار رباط الزوجية أوهى من خيوط العنكبوت. وفي هذا ضرر بالغ على رباط النكاح، وهو أصل النسب. والنسب الصحيح يجب أن يتولد من عقد نكاح صحيح. فإن كان عقد النكاح صحيحًا، فإن كل مولود من الزوجة ينسب إلى

زوجها، ولا يُمكّن أحد من ادعاء أبوته غير الزوج. والأصل الشرعي الذي قرر هذه المكانة لعقد الزواج هو حديث «الولد للفراش وللعاهر الحجر»؛ يعني أن ما تلده المرأة ذات الزوج يكون انتسابه

لذلك الزوج، سواء أكان الولد من صلبه أم أدخل على فراشه بارتكاب فاحشة. ومعنى «وللعاهر الحجر» أنّ الزاني بامرأة لها زوج لا ينسب إليه الولد، وليس له إلا الخيبة. وهذا الحديث متفق على صحته، وجميع شراح الحديث والفقهاء متفقون على أن الفراش المقصود هو تعيّن الزوجة لزوجها في الحمل

والولادة، وتعيّن المملوكة لسيدها الذي حملت منه. ولم نعثر عند علماء المسلمين على واحد منهم

بقصر الفراش على مملوكة السيّد الذي حملت منه، وإنما نصوا على شموله النوعين. وفي نظرنا في

إمكان أيّ باحث مسلم، بناء على الحديث واتفاق العلماء على معناه، أن يقرر وقوع إجماع على الحكم المأخوذ منه؛ وهو أن المولود على فراش الزوجية الصحيح يُنسَب إلى الزوج مهما كانت القرائن

الدالة على خلاف هذه النسبة، حتى وإن كانت قطعية؛ لقول «وللعاهر الحجر»؛ والعاهر هو الزاني. ويؤكد هذا المعنى ما ورد في الأخبار الصحيحة أن الرسول لمّا رأى الولد أدرك أنه يشبه الزاني، ومع

ذلك حكم به لصاحب الفراش، وأمر زوجته سودة بالاحتجاب عنه، ولم يعتبره أخاها بالنسبة إلى هذا الحكم، واعتبره أخاها في سائر أحكام النسب كالميراث والنفقة؛ وربما يؤكد ذلك رواية أحمد التي جاء فيها «واحتجبي منه يا سودة؛ فإنه ليس لك بأخ». وإذا كان لا جدال في أن هذا أمر تشريعي، فيلزم أن يكون مصدره الوحي. ولو كان اجتهادًا من الرسول، وأخطأ في اجتهاده لما تركه الله عز وجل من غير تصحيح. وبناء على ما تقدّم، يكون القول بالاعتماد

على البصمة الجينيّة لنفي الأبوّة عن وَلدٍ وُلِد على فراش الزوجيّة قولً مخالفًا للنصّ الثابت ومخالفًا

لإجماع علماء المسلمين. ولا يعني ما تقدّم أن الفقهاء لا ينظرون إلى التولد الواقعي (تولد المخلوقية)؛ بل هو عندهم السبب

(((«فراش الزوجيّة» هو كون المرأة متعينة بعقد الزواج للولادة لشخص واحد، انظر: الجرجاني، كتابالتعريفات (بيروت: نشر دار

الكتب العلميّة، 1995)، ص.166

(((الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلاميّة (تونس/ الجزائر: الشركة التونسية للتوزيع/ المؤسسة الوطنية للكتاب، 1985)،

ص.157 (((الأب الشرعي هو من يعتبره الشرع أبًا؛ والأب البيولوجي هو من جاء الولد من صلبه حقيقة. ويغلب في المجتمع الإسلامي

انطباقهما؛ بحيث يكون الأب الشرعي هو الأب البيولوجي. فإن تفرقا، وجاء الولد من امرأة متعينة شرعًا لرجل بعقد الزواج كان الأب

الشرعي هو زوج تلك المرأة. وإن لم يكن للمرأة زوج شرعي كان الأب البيولوجي أبًا شرعيًّا بحسب أحد الأقوال الفقهية، وهو ما

ترجّح في البحث. (((رواه مسلم، انظر: يحيى بن شرف النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، ج 10 (القاهرة: المطبعة المصرية، 1929)، ص 37؛

أبو سليمان حمد بن محمد البستي الخطابي، معالم السنن، ج 2 (بيروت: المكتبة العلميّة، 1981)، ص.278

(((النووي، 10، ص 37 ج؛ الخطابي، معالم السنن، ج 3، ص.281

الأصلي للنسب، وإنما اعتبر غيره في الأحكام لخفائه في العهود الأولى، وعدم التمكن من معرفته في ذلك الزمان. ومع ذلك فإنهم اعتبروه عندما لا يكون فراش زوجيّة، واشترطوا لتصحيح عقد النكاح

شروطًا يراد بها أن يكون ذلك الفراش مظنة قويّة لحصول التولد الحقيقي (البيولوجي). لكنهم متفقون على وجوب احترام فراش الزوجيّة، وعدم إهماله بحال إلا في اللعان، ووجوب اعتباره في

إثبات النسب وتقديمه على غيره من الأدلة. وفيما يلي بعض التطبيقات على هذا المبدأ فيما يتعلق بوجوب استبعاد أي بحثٍ عن طرق أخرى لإثبات النسب، بما فيها الاختبار الجيني إذا وجد فراش الزوجية الصحيح: طلب الزوج إجراء الفحص الجيني لمجرد التأكد من مولود قبله عند ولادته، وسرى الشك إلى نفسه بعد ذلك، وأراد أن يزيل ذلك الشك. فهذا لا يُلبى طلبه، وإذا رفع أمره إلى القضاء وجب ردّ دعواه، فإن اشتملت على صيغة القذف وجب عليه العقاب الشرعي، ويحرم على هذا الزوج معاملة زوجته وولده بمقتضى شكّه، ويجب عليه معالجة نفسه باللجوء إلى الوسائل المشروعة، وليس الفحص الجيني فيها؛ فإنّ من يُصاب بمرض الوسوسة لا يقف عند حدّ فيها، وبخاصّة ما يُسمّى في علم الأمراض النفسيّة بالوسواس القهري. ومهما كانت درجة الشك فالحكم هو ما قلناه. وهذا ينطبق على كل أب

جاء ولده على فراش زوجيته، ولم يبادر بنفيه عند ظهور الحمل أو الولادة. وله الحق في نفيه عند ولادته أو ظهور الحمل. لكن هل يمكن أن يقوم الفحص الجيني مقام اللعان في نفي الأبوّة عن المولود؟ سنجعل للجواب عن هذا السؤال مبحثًا خاصًّا. ومن التطبيقات على المبدأ الذي ذكرناه منع تفحص أحوال الأسر القائمة على عقد زواج صحيح أو فاسد مشهور بين الناس أو ثبت بحكم قضائي قطعي أو إقرار بشروطه، وما سبق من مقررات الفقهاء في وسائل الإثبات قبل ظهور الاختبار الجيني، وصيرورته دليلً قطعيًا على نفي الأبوة أو إثباتها. وأما الزواج الصحيح فلا سبيل إلى إبطال الأبوة فيه، ولا إلحاق بنوّة فيه بمجرّد الفحص الجيني، إلا إذا

أقيمت البينات على حدوث الولادة على فراش الزوجيّة. وتثبت الزوجيّة بوسائل إثبات ليس منها

الفحص الجيني قطعًا؛ فإنه لا علاقة له بإثبات الزوجيّة. أما وسائل الإثبات الأخرى التي اعتمدها الفقهاء قديمًا، سواء أكانت محل اتفاق أم لم تكن، ما دامت قد عرضت على القضاء وحكم فيها بأحكام باتّة قبل حدوث الثقة التامّة بكفاءة الاختبار الجيني

ودلالته، فيجب أن يبقى الحال الأنْسابي على ما كان عليه في معرفة الأنساب، وصدرت فيها أحكام، أو حازت شهرة الاستفاضة، وكلها كانت مقبولة في إثبات النسب، وكانت دلالتها في الحقيقة على حدوث الولادة في فراش زوجيّة. ويبقى البحث قائمًا في اللجوء إلى الاختبار الجيني في غير قرينة

فراش الزوجيّة.

(((سيأتي في المبحث اللاحق تفصيل لهذه القضية. (((سيأتي الحديث عن ذلك في المبحث التالي.

ولا يجب قبول القول بوجوب خضوع الأشخاص الذين ثبتت بنوتهم أو أبوّتهم بوسائل الإثبات

القديمة بحجة أنها ظنية، وكانت الضرورة مسوغَ قبولها، وقد ذهبت الضرورة، وصار في الإمكان التأكد من الأبوة؛ لأن الأحكام القضائية لا تنقض بعد صدورها إذا استوفت الشروط عند صدورها. ويمكن أن يقاس وضع الناس قبل هذا الاكتشاف على وضع أهل الجاهليّة قبيل قيام الدولة

الإسلاميّة؛ بجامع أن النسب ثبت بقدر الإمكان؛ فلا يفتش في الأنساب لا بسياسة شرعية، ولا

بدعاوى فردّية. ومن التطبيقات على مبدأ «الولد للفراش» أنّ القاضي يجب أن يكون ملزمًا بمسارٍ محدد في نظر دعاوى النسب، سواء أكان المدعي فيها يطلب نفي نسب الأبوة أو يطلب إثباته، وسواء أكانت الدعوى دعوى شخصيّة أو دعوى حسبه، فيجب عليه أن يبدأ هذا المسار من البحث عن ظروف ولادة الشخص

الذي يُراد إثبات نسبه أو نفيه من أجل معرفة إن كان وُلِدَ على فراش زوجيّة أم أنه وُلِدَ على غير فراش

زوجيّة، أم لم يكن هذا ولا ذاك. فإن وجَد القناعة بأن الشخص ولد على فراش زوجية لفلان، كان

حكمه بناء على هذه القناعة، ولا توجد حاجة عندئذٍ إلى الخروج عن قاعدة «الولد للفراش». وإذا تبين له أن الشخص وُلد على غير فراش شرعي، فنرى أن بعض الفقهاء لا يرون أي حاجة إلى معرفة الصلب الذي جاء منه هذا الشخص المختلف في نسبه؛ لأنه لا يثبت نسب لمن ولد على فراش غير شرعي. ومنهم من خالف ذلك؛ ويحتمل هذا الرأي الأخير الحاجة الشرعيّة إلى استخدام الفحص الجيني

لمعرفة صدق انتماء ولد الزنى إلى فلان المتهم أو عدم انتمائه. ومغزى ما تقدّم هو إعطاء فراش الزوجيّة قدره الشرعي في عملية البحث عن الأنساب؛ ومقتضاه أنّ

القاضيَ لا يجوز له الالتجاء إلى الاختبار الجيني إذا حدث عنده قناعة راجحة بوجود الفراش الشرعي.

ولكن إذا فقد تلك القناعة، وجب عليه طلب الحقيقة من الاختبار الجيني. إذا وُجدت ضرورة للفحص الجيني لغاية غير تحديد النسب؛ كالبحث عن أسباب مرض، وجاءت نتيجة الفحص وجود مرض وراثي يغلب على الظنّ وجوده في القريب، اقتضى ذلك التأكد من نسب ذلك القريب، كأخت المريضة مثلً. فإن ظهر أنها أختها اتخذت تلك الوقاية، وإلا فلا يجوز الوقاية إذا كانت تسبب ضررًا كقطع الثدي أو استئصال الرحم ونحو ذلك. لكن في هذه الحالة واحترامًا للفراش الشرعي، فإن الواجب أن تقدر الضرورة بقدرها؛ فلا يُزاد عليها، ولا يجوز إعلام الأخوات والأقارب بما أسفر عنه الفحص الجيني، وإنما قدر الضرورة (إذا لم يكن اكتشاف وضع القريب بغير التفتيش عن نسبه) الإبلاغ عن عدم الحاجة إلى القيام بذلك الإجراء الوقائي من قطع أو استئصال أو تعريض لأي ضرر. ولا يحلّ تمزيق أواصر العائلة من دون ضرورة، وما دامت الأخت قد وُلِدت على فراش الزوجيّة

كأختها المريضة، وجب التزام حكم الفراش، ولا إثم على ستر الحقيقة المادية؛ لأن كشفها لا يفيد شيئًا، وإنما يضرّ كثيرًا، فيكون محرمًا لا واجبًا ولا جائزًا.

(((أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزيّة، زاد المعاد في هدي خير العباد، تحقيق محمد حامد الفقي، ج 4 (القاهرة:

مطبعة السنّة المحمديّة/ نشر رئاسة الإشراف الديني بالمسجد الحرام، 1950)، ص.234

وقد يُقال: كيف يجوز السكوت على أمر يتعارض مع بعض الأحكام الشرعيّة التي مبناها على النسب،

كالتحريم والمحرميّة والميراث وغيرها؟ والجواب أن الشارع قد اعتبر من يولد على فراش الزوجيّة ابنًا

لصاحب الفراش، وإن كان من الناحية الخلْقيّة (البيولوجيّة) لغيره؛ يشير إليه ما تقدّم «وللعاهر الحجر»؛

فاعتبر المولود ابنًا شرعيًا، وإن كان من الواقع ليس في صلب والدِه المعتبر؛ وهذا من باب الاعتبار

«الحكمي»؛ كالتيمم اعتبر طهارة، والمفقود اعتبر ميتًا وإن كان حيًّا في الواقع؛ فهو من الاعتبار الشرعي،

وليس من وضع الناس. وقد يماحك مماحك بأن الرسول أمر سودة بالاحتجاب عمن حكَم له بالنسب من زمعة بناء على الفراش؛ لشبه بين الولد وعتبة بن أبي وقاص. والجواب أن الأمر في هذه الحادثة مختلف عما نحن فيه، وهو أن الأمر وصل إلى القضاء، وكان القاضي الرسول، ولا فائدة من الستر علمًا بأن الطبيب الذي اكتشف الأمر ليس قاضيًا، وعليه الحفاظ على سر المريض ومن في حكمه ممن يعرض عليه، وليس

عليه التبليغ عما وجد إذا كان ضرره أكبر من نفعه، كما في المثال المذكور.

2. مقتضى غلبة مفاسد الاختبار الجيني على مصالحه

لا يجوز اللجوء إلى الاختبار الجيني للكشف عن النسب، إذا كان ذلك لا يحقق مصلحة، أو مصالح موهومة أو يؤدي إلى مفاسد أعظم من المصالح التي يمكن أن يحققها، أو حتى تعادلها؛ لأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح عند التعارض. وهذا المانع يُرجع في معرفته إلى الموازنة بين المصالح والمفاسد، وهي عمليّة يحتاج التنظير فيها إلى بحث مستقلّ، ولكن يمكن أن نتبيّنَ بعض

الحالات والصور التي لا يكون فيها مصلحة في إجراء الاختبار الجيني للكشف عن الأنساب أو تكون مصالح الكشف عنها أقل من مفاسدها، من ذلك: التفتيش عن أنساب الناس من غير جهة مختصّة، والجهة المختصّة الوحيدة في الحكم في الأنساب هي القضاء، وعلى التحديد قضاء الأحوال الشخصيّة؛ لأن السماح لمن شاء بتتبع الأنساب، مهما كان

عليمًا من الناحية الفنيّة، يثير كثيرًا من الفتن بين الناس في هذا الزمان، مما لا يوازيه أو يقترب منه في

الأهميّة من المصالح المتصوّرة. ومن كان ينازع في نسب، فليذهب إلى القضاء. والتفتيش عن الأنساب

ليس من «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» المشروع؛ لأنه يحتمل أن يؤدي إلى منكرات ومفاسد أكبر، وذلك من الحالات التي لا يجوز فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فقد قال العلماء: يُشترط في النهي عن المنكر أن لا يترتب عليه منكر أكبر. إن فتح الباب للبحث عن الأنساب لغير القضاء هو فتح لباب الطعن في الأنساب. وجمهور الفقهاء لا يرون إثبات النسب أو نفيه من حقوق

(1((انظر القصّة وحكم الرسول في: الخطابي، معالم السنن، ج 3، ص.278 (1(30 (مجلة الأحكام العدلية، المادة؛ أحمد بن إدريس الصنهاجي القرافي، الفروق، ج 2، ص 188، 212؛ محمد بن محمد

المقري، القواعد، ج 2، تحقيق أحمد بن عبد الله بن حميد (مكة المكرمة: شركة مكة للطباعة والنشر، [د.ت.])، ص 344؛ الزركشي،

المنثور، ج 1، ص.384 (1((أحمد بن عبد الحليمبن تيمية، الحسبة في الإسلام (المدينة المنورة: مطبعة الجامعة الإسلامية، [د.ت.])، ص.66

الله تعالى. وأغلب الظن أن من ذهب إلى أنه من حقوق الله عز وجل لا يفتح الباب على مصراعيه للطعن في الأنساب، وتغيير ما عرف منها واشتهر، وبخاصّة في زمن كثر فيه الفساد وخراب الذمم، ولالتزموا القاعدة السابقة في النهي عن المنكر (نعني أنه لا يؤدي إلى منكر أكبر). وما تقدّم إنما يخص مجتمعًا يدين بالإسلام، وتشريعاته التي من أهمها تشريعات العائلة، وما تحويه من النظم العادلة، ولا يقاس ذلك بما عليه المجتمعات التي لا تؤمن بتشريعات الإسلام، وجعلت الحرية في العلاقات الجنسيّة أمرًا سائدًا، وضعفت فيها القيمة الاجتماعيّة والتشريعيّة للأنساب؛ بسبب الضعف

الشديد في آصرة النكاح عندهم؛ فصار اهتمام الناس بمؤسسة الزواج وانتساب الأولاد إلى الآباء والأمهات من الكماليات أو أقل منها؛ وإذا وجد فهو أمر يرجع إلى اختبارات الأفراد الشخصيّة. وهذا

مسلك في الحياة الإنسانية يناقض النظرة الإسلاميّة إلى أهمية رابطة الزوجيّة، وآصرة النسب وهو يجعل

تطبيق التشريعات الإسلاميّة المنظمة لأحوال الأسرة أمرًا مستحيلً في الواقع. والمعنى المراد من تلك المقارنة هو تفسير الواقع التشريعي والاجتماعي في المجتمعات المنفلتة جنسيًّا من حيث التهاون في حفظ الأنساب، والسماح باستعمال الاختبار الجيني بحسب طلب الأفراد؛

حيث لا يترتب على نتائجه سوى تلبية رغبات فردية لا شأن للقانون فيها إلا قليلً. فمن أراد أن يعرف أن هذا الولد ابنه من صلبه، أو يعرف إن كانت زوجته تخونه، وجد أمامه من الشركات والمختبرات التي لا تألو جهدًا في الإعلان عن نفسها وتقديم خدماتها لأولئك الطالبين، ولا يترتب على ذلك التزاماتٌ وحقوقٌ مجتمعية إلا قليلً، ولا هدمٌ لأنظمة أسريّة والتزامات مالية أو معنويّة؛ وهو وضع مناقض تمامًا للوضع النظامي والاجتماعي الذي أراده الإسلام للمنتسبين إليه. ومن الصور التي تربو فيها مفاسد الفحص الجيني للكشف عن الأنساب على مصالحه استعمالُه لتعقب أفراد القبائل وأفخاذها وعشائرها؛ بقصد معرفة مدى الصدق في انتماءاتهم النَّسَبيّة المشهورة؛

فقد فشا مؤخرًا في الأوساط الشعبية من يزعم أنه باختباراته وفريقه الفني يستطيعون معرفة انتساب فلان

أو فلانة إلى القبيلة الفلانيّة أو إلى الجد العشرين أو الخمسين، أو أكثر أو أقل؛ وربما سطر ذلك في

كتب. ولسنا نجد في مفكرتنا إلى الآن مصلحة تزيد على مفاسد هذه الممارسة؛ حين يقال: أنت لست من قبيلة كذا أو منها أو من غيرها، أو أصلك من البلد الفلاني أو من أهل ديانة ما. وهكذا يظهر من يصنفون الناس، ويعدِّلون على أنسابهم وتجمعاتهم. وربما تلا ذلك أشكال من العصبيّة، ومن الفتن،

وربما قيل بعد ذلك أن جينات القبيلة الفلانية أعلى في رتبتها من جينات قبيلة أو قبائل أخرى. وهذه العصبيات والقيم ليست في الكفة الممدوحة من ميزان الإسلام، بل إن بعضها في قاع القيم المذمومة؛ فإن التقويم في الإسلام لا يكون بحسب تلك القيم، وإنما على القوة والأمانة، والإحسان والتقوى، ولا شك في أن كلّ ممارسة تؤدي إلى تنحية هذه القيم واستبدال غيرها بها مما لا ينتج من إرادة الإنسان واختياره كالانتساب إلى القبائل والأقوام يجب منعها، ومعاقبة من يتخذها.

(1((انظر تفصيل آراء الفقهاء في هذه المسألة في: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الموسوعة الفقهيّة الكويتية، ج 04 (الكويت:

وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1982)، ص.254–253

وهناك ملحظ آخر يقتضي منع إجراء الاختبارات الجينيّة لمعرفة الأنساب البعيدة، حتى وإن افترضنا

قطعية دلالة تلك الاختبارات في هذا المجال؛ لأن النسب مربوط بفراش الزوجيّة، ودلالته عليه أقوى

من دلالة الاختبار الجيني؛ لأن الشارع الإسلامي جعله أقوى الأدلة، كما طالما ذكرنا من الحديث «الولد للفراش وللعاهر الحجر». وإذا كان الاعتبار في إثبات الأنساب لفراش الزوجية، فكيف يمكن ذلك في الأنساب البعيدة التي درستْ بيناتها، سوى بينة الاستفاضة بين الناس. والاختبارات الجينية لا دور لها إلا في غيبة الفراش، وفرز الأنساب القديمة لا يمكن فيه نفي الفراش بعد استفاضة تلك الأنساب، وإن أثبتت الجينات النسب البيولوجي للشخص؛ لأن الاعتبار هنا من الشرع وليس الإنسان؛ فهو أقوى الأدلة، ولا عبرة مع ثبوته لأي دليل آخر؛ والقاعدة في هذا الأمر أن الأحكام لا تبنى على أدلة تعارضها أدلة أقوى منها. والسياسة الشرعيّة في هذا الأمر تقتضي، بناء على ما تقدم، منع التفتيش عن الأنساب القديمة التي

يتعذر فيها إثبات عدم حدوثها تحت ظلال خيمة الزوجية الصحيحة. وإنما دليل ثبوت فراش الزوجيّة

فيها قائم، وهو الاستفاضة؛ ودلالة هذا النظر تحريم التفتيش في الأنساب القديمة بأي وسيلة مهما كانت. ومن مظان المفسدة الغالبة في الكشف عن الأنساب بوساطة الفحص الجيني الإعلان عنها عندما

تكون من النتائج العرضية لذلك الاختبار؛ فإذا أجريَ ذلك الاختبار أو جماعة بقصد البحث عن بعض الأمراض، وظهر للطبيب أو المختبر أنساب أصحاب العينات، فليس من المصلحة، ولا من اختصاص الأطباء والباحثين التبليغ عن كل شيء يظهر لهم إذا كان في التبليغ عنه فتنٌ بسبب التشكيك في الأوضاع المستقرّة. وقد تقدّم أن النزاع في الأنساب لا يبت فيه إلا القضاء، وإذا وُجدَ مسوغ شرعي

للجوء إلى الاختبار طَلب ذلك، ويكون الهدف عندئذٍ هو معرفة النسب، والقاضي يحكم بمقتضاه. ومن الممارسات التي لا تحظى بغطاء شرعي، أن تقوم الدولة بمسح جيني على مواطنيها هدفه معرفة النسب البيولوجي لكل واحد، وحفظه لاستعماله عند الحاجة إلى بعض التصرفات؛ فهذا أمر خطير جدًا يزرع الخوف والشك في صدور الناس، وبخاصّة إذا صار الفسادُ هو الغالب على مؤسسات الدولة، وهذه الممارسة في حقيقتها فيها تعدٍّ على قاعدة «الولد للفراش» في النسب. فإذا كان للمسح الجيني هدف آخر، كمعرفة الأمراض الوراثية في المجتمع، والبحث عن أدوية وعلاجات، فالأمر المشروع هو اتخاذ كل الاحتياطات للابتعاد عن وسائل الكشف عن الأنساب؛ حيث لا يؤخذ به، فإن

ظهر شيء مها استُبعِدَ وأتلفت المعلومات الخاصّة بالأنساب.ُ يقتضي ما تقدم أن تضبط عمليات الفحوص الجينية الكاشفة عن النسب بإصدار قانونٍ يمنع اللجوء إليها إلا عن طريق القضاء، وتُمنَع المختبرات والأطباء من إجرائها إلا إذا جاءها أمرٌ قضائي، وأن تُفرض

عقوبات رادعة على طالبي الفحص والذين يقومون به، وأن لا يُعترف بأي فحص يُجرى عن غير طريق

(1((الخطابي، معالم السنن، ج 3، ص.280

القضاء؛ فإن فعله شخص أو مختبر عُوقب وكان الولد لصاحب الفراش تجب عليه نفقته، ويتوارثان على أي حال، وروعيت أحكام المحرميّة والتحريم؛ كما جاء في الحديث «واحتجبي عنه يا زمعة»؛ فيعتبر

ولدًا لصاحب الفراش من جهة حقوقه الخالصة، ولا يُعتبر كذلك من جهة حقوق الله الخالصة. وهذا إذا

كانت نتيجة الفحص نفي الأبوة. وإلا كان الزوج قاذفًا لزوجته، ولها الخيار في حق طلب التفريق بسبب قذفه لها، ويحكم لها، وعلى الزوج الوفاء بكامل حقوقها المالية. ومن جهة أخرى يجب أن يُنص في القانون على ردّ دعاوى نفي الأبوّة عمّن وُلدَ على فراش الزوجية سوى في حالة اللعان بشروطه.

ثانيًا: تأصيل الحالات التي يجب فيها اللجوء إلى الاختبار الجيني لمعرفة النّسب

من المعلوم أن الاختبار الجيني يكشف بصورة شبه قطعيّة عن النسب الخَلْقي (البيولوجي)، وهي صلة

التوالد الحقيقي بين الأصول والفروع. ولكن الشارع لم يربط النسب الشرعي بمعرفة النسب الخلقي بصورة مطلقة، وإنما منَح وصف «الشرعي» للنسب الذي ينشأ تحت خيمة الزوجيّة على فراشها.

وثبوت النسب الشرعي مربوط بثبوت نشوئه بين زوجين؛ فكل ما تضعه الزوجة أثناء زواجها من مواليد يكون لزوجها، وإليه نسبه؛ وإن كان الانتماء الخَلْقيّ (البيولوجي) إلى غير ذلك الزواج. وقد تقدّم أن

حكمة ذلك هو احترام آصرة الزواج؛ لإمكان تطبيق نظم العائلة الشرعيّة على أفرادها وتحقيق مقاصدها

التي أشرنا إليها سابقًا. ولكن هل يعني ذلك أن النسب الخَلْقيّ (البيولوجي) ليس له قيمة في إثبات النّسب أو في الأحكام

الشرعيّة؟ والجواب هو النفي؛ لأن الشارع قد أعطى هذا النسب نوعين من القيمة الشرعيّة: الأولى قيمة

إثباتيّة، والثانية قيمة حكميّة. والأولى تعني وجود اعتبارٍ ما لذلك النسب في إثبات النسب الشرعي؛

والثانية تعني أن الشارع بنى بعض الأحكام الشرعيّة على ثبوت ذلك النسب الخلقيّ، بغض النظر عن

ثبوت النسب الشرعي. وفيما يأتي نبيّن هذين النوعين من القيمة الشرعيّة وتطبيقاتهما.

1. القيمة الإثباتية للنسب البيولوجي

تقدّم أن المعتبر في نظام العائلة الإسلامي هو النسب الذي يعترف به الشرع، وأنه هو النسب الذي يتولد عن آصرة الزواج وعلى فراش الزوجيّة، وأن محل الإثبات في وسائل إثبات النسب كلها هو فراش

الزوجيّة. فالشهود يشهدون على أن فلان وُلد على فراش زوجيّة، والاستفاضة هي شهادة سماعيّة من

أناس يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب، ولا شك في أن مضمون الاستفاضة هو الشهادة الجماعية على أن فلانًا ولد على فراش زوجية المشهود له. والقيافة قرينة ذات دلالة على أن فلانًا ولد على فراش زوجيّة لفلان بسبب التشابه الذي يراه القائف دليلً على الانتساب. ثم إن الحكم القضائي يبنيه القاضي على إحدى تلك البينات أو أكثر، وفي قناعته أن المراد من أي طريق يعتمد عليها هو الدلالة على أن هذا الإنسان المحكوم له هو صاحب الفراش الذي وُلد عليه

الشخص الذي يُدَّعَى أبوته أو بنوته؛ فالمدلول عليه من وسائل الإثبات هو الفراش، سواء صرّحَ بذلك

أهل تلك الوسائل أو لم يصرحوا؛ بدليل أن أحد الشهود لو صرح بعدم وجود زواج أو فراش زوجيّة لم

يجز للقاضي أن يحكم بالنسب، وكذلك لو صرح أحدهم أن فلانًا عاشر فلانة من غير زواج، فحملت وولدت لم يجز للقاضي أن يحكم بالنسب؛ لأن الشهادة لم تقع على السبب الشرعي، وهو فراش الزوجية صراحة أو ضمنًا. وقد يفهم مما تقدّم أن الاختبار الجيني لا مجال لاعتباره في إثبات النسب؛ وهذا استعجال في الاستنتاج؛ وذلك أنه في مجتمع لا يسمح بالتناسل إلا مع وجود عقد الزواج والعشرة الزوجيّة، وما تدل

عليه من حدوث الجماع بين الزوج وزوجته، وحدوث الحمل والولادة والنسب الخَلْقي، أدركتَ أن ثبوت النسب البيولوجي بصورة قطعية يكون قرينة قويّة على أن الولد ثمرة جماع حلال بين رجل وامرأة؛ لأن هذا هو السائد في المجتمع، وأن الجماع على غير الطريقة الشرعيّة حرام في عقيدة الناس

وموجب للعقاب الدنيوي والأخروي، عند الله تعالى وفي شريعته. ولعل الذين اعتبروا القيافة قرينة على النسب الشرعي المنبثق من فراش مباح شرعًا هو فراش الزوجيّة؛

والاختبار الجيني هو من جنس القيافة ولكنه أعلاها صدقًا في الدلالة على النسب الخَلْقي (البيولوجي). وينبني على ذلك أن يكون ثبوت النسب الخلقي بذلك الاختبار أقوى القرائن على حدوث سبب النسب الخَلْقي في ظلال عقد زواج صحيح. ولكنه مع ذلك قرينة تقبل إثبات العكس؛ بأن يكون النسب الخَلْقي نشأ عن جماع خارج نطاق الزوجيّة. ومن جهة أخرى، فإننا نرى أن قرينة النسب الخَلْقي (البيولوجي) المستخرجة بالاختبار الجيني أقوى دلالة من سائر الأدلة التي ذكرناها؛ لأن حجية جميع أدلة إثبات النّسَب أو نفيه، بما فيها الشهادة والإقرار والقيافة، ليس محلها العلوق الذي هو السبب الأصلي للنسب كما يقول السرخسي (ت. 904)ه. لكن الاختبار الجيني يعطى دلالة أقوى من إبصار العلوق فضلً عما يسبقه من جماع ونحوه أو دخول. والأدلة الأخرى يدخلها من الظن أكثر من الاختبار الجيني بكثير، إذا اتُّخذت الإجراءات اللازمة لتحقيق صدقيته. وقد رأى ابن قيم الجوزيّة أنّ القرائن قد تكون أقوى دلالة على الحقيقة من الشهادات، ويجب تقديمها عندما تكون كذلك، وأنّ البينات إنما سميت بهذا الاسم لأنها تبيّن الحق، وأن القاضي عليه أن

لا يحكم بالشهادة إذا وجَد قرائن أقوى منها دلالة على الحق.

(1((انظر: أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، الأم، ج 6، ط 2 (القاهرة: دار المعرفة، 1993)، ص 246؛ يحيى بن شرف

النووي، المجموع شرح المهذب، تحقيق محمد نجيب المطيعي، ج 16 (جدة: مكتبة الإرشاد، [د.ت.])، ص 176؛ عبد الله بن

أحمد بن محمد بن قدامة، المغني لابن قدامة، ج 8 (القاهرة: مكتبة القاهرة، 1968)، ص 126؛ أبو عبد الله محمد بن محمد بن

عبد الرحمن الحطاب، مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل، ج 5 (نواكشوط: دار الرضوان، 2010)، ص 207؛ إبراهيم بن الإمام

شمس الدين بن فرحون، تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، ج 2 (بيروت: دار الكتب العلميّة، 1995) ص 91؛

محمد بن أبي بكر بن أيوب بن قيم الجوزية، الطرق الحكميةفي السياسة الشرعية، تحقيق نايف بن أحمد الحمد (مكة المكرمة: دار عالم الفوائد، 2011)، ص.16 (1((محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي، المبسوط، ج 17 (بيروت: دار المعرفة، 1993)، ص.156 (1((ابن قيم، الطرق الحكمية، ص.16

وخلاصة القول في القيمة الإثباتية للاختبار الجيني من الناحية الشرعيّة أنه قرينة مقدمة على جميع أدلة

الإثبات الأخرى، ولا يقدم عليها إلا قيمة فراش الزوجية الصحيح.

2. القيمة الحكميّة للنسب الخَلْقي (البيولوجي)

النسب الخلْقي أمر واقعي، بغض النظر عن اعتراف الشرع به؛ وهو يقتضي وجود أب جاء الولد من صلبه، وأمّ حملته وولدته. والحق عندنا أنّ النسب الشرعي مترتب على النّسب الخلقي؛ لأنه فرع لعلوق الولد برحم المرأة من ماء الرجل؛ فالنسب الخلْقي والنسب الشرعي أصلهما ذلك العلوق، وإنما اعتبر الشرع فراش الزوجيّة، وهو تعيّنُ امرأة لاستقبال ماء زوجها، سببًا ظاهرًا للنسب الشرعي

لاعتبارات وحِكَم ومقاصد ذكرناها في المبحث السابق، ولم يُلغِ السبب الحقيقي؛ وهذا المعنى يظهر عند انعدام ذلك الفراش، فيكون النسب الحقيقي هو المعتبر؛ لأنه هو المتولّدُ عن سبب واقعي هو العلوق المذكور أعلاه. وقد أخذنا هذا المعنى من بيانات الفقهاء المتضمنة لتعليلاتهم التي ساقوها عندما تكلموا في شروط تحقق فراش الزوجيّة الصحيح، وتفسيراتهم لها؛ إذ هم متفقون على أن السبب الحقيقي لتكوّن النسب

يتعذر التحقق منه؛ لأنه أمر يحدث في مكان وظروف لا يكاد الزوجان أنفسهما يعرفانها بيقين، ولا غيرهما؛ لأن ذلك السبب هو اتحاد يجري بين جزء من ماء الرجل وجزء من ماء المرأة، وهو حدث يقع في رحم المرأة في وقت لم يكن ليعرف إلا حديثًا، ولا يعرف منه بدقّة صاحب كل جزء من الماءين إلا بعد اكتشاف القرائن القطعية في هذه الأيام. وهذا السبب الحقيقي للنسب لما كان كما وصفنا في وقت التشريع وزمان الفقهاء، وبنيت على معرفة النسب نظم وتشريعات وحقوق والتزامات مهمة وخطيرة، لذلك قاد الفقهاءَ البحثُ عن مَظنّات تحقق

ذلك السبب الحقيقي واعتبارها بدلً منه؛ فمنهم من رأى اعتبار أقرب الحوادث من ذلك السبب، فقال: هو وطء الرجل زوجته، بل فصّل بعضهم وقال: «هو إدخال حشفة الرجل في فرج المرأة بصورة كاملة»، وقال آخرون: إن هذا أمر متعذر، واعتبروا الدخول الفعلي يكفي لتحقق السبب البديل. ورأى بعضهم أن ذلك متعسر أيضًا؛ فقالوا: إنما هو تمكن الزوج من الدخول، فإن وجد التمكن وجد السبب البديل الشرعي. ورأى الحنفية أن الإمكان نفسه أمرٌ خفي، وأن السبب البديل الشرعي من

السبب الحقيقي (الخلقي) لنشوء الأنساب هو عقد النكاح؛ فهو واضح ولا خفاء فيه.

(1((أبو القاسم نجم الدين جعفر بن حسن الحلي، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، ج 3 (قم: منشورات أمير، 1988)،

ص 94؛ محمد بن يوسف بن أطفيش، شرح النيل وشفاء العليل، ج 6، ط 2 (بيروت: دار الفتح، 1972)، ص.273 (1((أحمد بن عبد الحليم أبو العباس الحراني بن تيميّة، مجموع الفتاوى، تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ج 10،

ط 2 (القاهرة: مكتبة ابن تيميّة، 1980)، ص 34؛ برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن مفلح، المبدع في شرح المقنع، ج 8

(بيروت: المكتب الإسلامي، 1980)، ص.98 (2((محمد بن عرفة الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج 2 (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1912)، ص 604؛

منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع، ج 5 (بيروت: دار الفكر، 1982)، ص.405 ((2(السرخسي، ج 5، ص 5 4؛ علاء الدين أبو بكر الكاساني، بدائع الصنائع، ج 6، ط 2 (بيروت: دار الكتاب العربي، 1982)، ص.243

فكأنهم اتفقوا على أصل السبب في نشوء الأنساب، كما اتفقوا على أن الوصول إلى معرفة ذلك السبب أمر متعذر جدًّا يقترب من المستحيل العادي في عصرهم. ثم اختلفوا فيما يجب اعتباره دليلً عليه؛ وأوضح ما وجدنا من أقوال رؤوس الفقهاء مما يؤيد ما ذكرنا هو كلام للسرخسي؛ حيث قال: «السبب الحقيقي في ثبوت النسب هو علوق الولد برحم المرأة من ماء الرجل، وهذا العلوق أمر خفي لا يمكن معرفته، وكذلك التمكّن من الوطء الذي هو مظنة هذا العلوق أمر خفيٌّ أيضًا لا يمكن الوقوف عليه؛

ولهذا وجبَ تعليق الحكم بالسبب الظاهر، وهو عقد الزواج الذي لا يُعقد شرعًا إلا لهذا المقصود

الذي يتحقق به النّسل، ومتى قام السبب الظاهر مقام السبب الحقيقي أصبح للاعتبار للسبب الظاهر دون الآخر، ودار الحكم مع السبب الظاهر وجودًا وعدمًا». وفي هذا الزمان بعد أن توصل العلم إلى اكتشاف علمي يقيني الدلالة على وجود السبب الخَلْقي (البيولوجي)، يصبح التعليل الذي ذكره الفقهاء من الخفاء في ذلك السبب والحوادث القريبة منه غير وارد، وأظنهم لو كانوا موجودين لاتفقوا على اعتبار الاختبار الجيني لإثبات السبب الحقيقي لتكون أشجار النسب بين الناس. ولكن لا يجوز شرعًا أن تصادر هذه النتيجة ما قلناه في المطلب السابق من ضرورة احترام فراش الزواج الصحيح، وعدم تجاوزه بعد استكمال شروطه وقبل انتهائه. بل إن ما ذكرنا هنا لا يعني قبول الشرع بأي إجراء يعارضه؛ حتى يبقى لعقد الزواج الذي وصفه الله عز وجل بالميثاق الغليظ حرمته، وتحقيق مقاصد التشريع الإلهي في سياسة الأسرة. ثم لا خلاف بين الفقهاء أن الولد ينسَب إلى أمّه التي ولدته بعد أن يكون في بطنها من مائها وماء الأب؛ ويترتب على نسبه لأمّه جميع علاقات النسب والأنظمة التي تحكمها؛ فالولد يرث من أمّه بلا شك، وتناله أحكام التحريم والمحرميّة

الدائرة على الأم. وأما الأب، فإن كانت أم ابنه زوجته فالنسب شرعي وخَلْقيّ ويترتب عليه جميع أحكام الأسرة المقررة

في الشريعة؛ لكن إن لم تثبت الزوجية بينهما كان المولود من زنى، ورأى جمهور الفقهاء أنه يعتبر ولدًا للزاني من حيث التحريم؛ أي لا يجوز للزاني أن ينكح ابنته من الزنى، ولا يحل له نكاح أمها، ولا نكاح أخته من الزنى، وكذلك بنت أخيه وبنت ابنه من الزنى، بأن زنى أبوه أو أخوه أو أخته أو ابنه، فأولدوا بنتًا، فإنها تحرم على الأخ والعم والخال والجد. وهذا مذهب الحنفيّة، والحنابلة والمالكية في أحد

أقوالهم؛ لأن البنت من الزنى هي جزء من الزاني، فهي بنته وإن لم ترثْه ولم تجب نفقتها عليه. وخالف الشافعية، وذهبوا إلى عدم التحريم بسبب الزنى؛ لأنها بنوة غير شرعيّة، وإن كانت بنوة خَلْقيّة؛ أخذًا

بظاهر الحديث «الولد للفراش وللعاهر الحجر». وقد استدلّ ابن القيّم لمذهب الجمهور بقوله: «واختصم إليه صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص

وعبد بن زمعة في غلام، فقال سعد: هو ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إليّ أنه ابنه، انظر إلى شبهه.

وقال عبد بن زمعة: هو أخي؛ ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى

((2(السرخسي، ج 17، ص.156 (2((انظر: أحمد الغندور، الأحوال الشخصيّة في التشريع الإسلامي، ط 2 (الكويت: مكتبة الفلاح، 1982)، ص.108–107

شبهه، فرأى شبهًا بينًا بعتبة، فقال: «هو لك يا عبد. الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة»، فلم تره سودة قط متفق عليه وفي لفظ للبخاري «هو أخوك يا عبد»، وعند النَّسائي «واحتجبي

منه يا سودة فليس لك بأخ» وعند الإمام أحمد «أما الميراث له، وأما أنتِ فاحتجبي منه؛ فإنه ليس لك بأخ»؛ فحكم وأفتى بالولد لصاحب الفراش حملً بموجب الفراش، وأمر سودة أن تحتجب منه عملً بشبهه بعتبة، وقال: «ليس لك بأخ» للشبهة، وجعله أخًا في الميراث؛ فتضمنت فتواه صلى الله عليه

وسلم أن الأمةَ فراش، وأن الأحكام تتبعض في العين الواحدة عملً بالاشتباه، كما تتبعض في الرضاعة، وثبوتها يثبت بها التحريم دون الميراث والنفقة. وكما في ولد الزنى؛ هو ولد في التحريم وليس ولدًا في الميراث، ونظائر ذلك أكثر من أن تذكر؛ فيتعين الأخذ بهذا الحكم والفتوى، وبالله التوفيق». وفي مذهب الجمهور واستدلال ابن القيم لهم ما يشير إلى أن الجمهور ومعهم ابن القيم يرون أن ثبوت النسب الخَلقي (البيولوجي) يترتب عليه حقوق لله تعالى منها تحريم بعض النّساء كمحرمات النسب الشرعي، ولكنه عندهم ليس بولد في الميراث والنفقة وأحكام أخرى، وهي حقوق لله عز وجل تقام دعوى الحسبة لتحصيلها. وبناءً على ما تقدّم، فإن الكشف عن النسب البيولوجي ضروري لتحصيل

طائفة من حقوق الله عز وجل. وهناك قول ثالث هو أن النسب البيولوجي إذا كان مجردًا عن النسب الشرعي، بمعنى أنه لا فراش زوجية فيه، أنه كالنسب الشرعي في الحقوق والالتزامات كلها إذا استلحقه الزاني به، بشرط أن لا يكون هناك فراش لزوج آخر، غير الزاني، كما لو كانت المرأة بكرًا أو أرملة لم تتزوج أو المطلقة طلاقًا بائنًا،

وهذا إذا استلحق الزاني ولده من الزنى، وهذا قول لعروة بن الزبير بن العوام وابن يسار مولى ميمونة أم المؤمنين أحد فقهاء المدينة السبعة، والحسن البصري وإسحاق بن راهويه وابن سيرين والنخعي وابن تيمية؛ وقد أول هؤلاء الحديث «الولد للفراش» على أنه حكم بذلك عند تنازع الزاني وصاحب الفراش؛ ومن أدلتهم ما روى إسحاق عن الحسن البصري في رجلٍ زنى بامرأةٍ، فولدت ولدًا، فادعى الزاني ولدها، فقال: يُجلد ويلزمه الولد. ثم قال ابن القيّم: وهذا مذهب عروة بن الزبير وسليمان بن

يسار، وذكر عنهما أنهما قالا: «أيما رجلٍ أتى إلى غلامٍ يزعم أنه ابن له، وأنه زنى بأمه، ولم يدع ذلك الغلام أحد فهو ابنه». واحتج سليمان بن يسار بأن عمر بن الخطاب كان يليط «يلحق» أولاد الجاهليّة

بمن ادعاهم في الإسلام». ثم قال: «وهذا المذهب كما ترى قوةً ووضوحًا، وليس مع الجمهور أكثر من

«الولد للفراش». وكان صاحب المذهب أول قائل به «يعني تقديم الفراش عند النزاع»؛ ثم قال: «والقياس الصحيح يقتضيه؛ لأن الأب أحد الزانيين، والولد إذا كان يلحق بأمه وينسب إليها وترثه ويرثها، ويثبت النسب بينه وبين أقارب أمه مع كونها زنت به، والولد وُجِدَ من الزانيين، وقد اشتركا فيه

واتفقا على أنه ابنهما، فما المانع من لحوقه بالأب إذا لم يدّعهِ غيره؟ وهذا محض القياس. وقد قال جريج للغلام الذي زنت أمه بالراعي: من أبوك يا غلام؟ قال: فلان الراعي، وهذا إنطاق من الله لا يمكن

(2((ابن قيم الجوزية، زاد المعاد، ج 4، ص.236–233 ((2(تأمل قول الحسن البصري «ويلزمه الولد»؛ فقد اعتبره تبعة تلحق الزاني، وليس كما طالما كرر أصحاب الرأي المخالف من أنه نعمة ولا يستحقها الزاني.

فيه الكذب»؛ وهو يقصد أن الله تعالى سمّى ولد الزنى على لسان الغلام الذي يستحيل أن يقدر على الكلام في العادة إلا أن ينطقه الله عز وجل كما أنطق عيسى عليه السلام وهو في المهد، فسمّى الراعيَ الذي زنى أبًا. وما تقدّم يرجح ما ذهب إليه أصحاب القول الثالث، وهو قول ابن تيمية، كما

ذكرنا. لكن ابن القيم استكمل رأيه المتقدم بذكره حديثين أخرجهما أبو داود، ولكنه اعتبرهما ضعيفين لا تثبت بهما الأحكام، لكنه لم يغلق باب الرأي في هذه المسألة بإحكام، وإنما ختمها بقوله: فإن صح الحديثان فالقول قول الجمهور. وعلى الرغم من أن الجدل الفقهي مستمر حول نسب ابن الزنى، وأن أدلة الفرقاء في هذه المسألة محتملة وليست قطعيّة، فإننا نميل إلى اعتبار النسب الخَلْقي (البيولوجي) نسبًا شرعيًا، إذا لم يوجد

فراش زوجيّة يتعلق بحق المنتسب، وبخاصة إذا استحضرنا بعض المقاصد الشرعيّة المتعلقة بهذا

الموضوع، والتي تُعدّ قيمة شرعيّة إضافية لما ذكرناه، من ذلك: هناك ملحظٌ لا بد من اعتباره عند البحث عن القيمة الشرعيّة للنسب البيولوجي، وهو أن هذا

النسب يعني وجود إنسان بريء لا دخل له في خطيئة أبيه وأمّه؛ وقاعدة الإسلام في العدل تقتضي

أن لا يؤاخذ أحد بجريرة غيره؛ كما في الآية الكريمة ﴿ولَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخْرَى﴾ (فاطرُ: 18)، وفي

الآية ﴿ولَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّ علَيْهَا﴾ (الأنعام: 164)، وهذا الإنسان الذي جاء نتيجة خطأ أو

خطيئة يستحيل أن يغفل التشريع الرباني عن إنصافه، وتركه بلا أب يُلزم به، وعدله أن يكون هذا الأب هو الذي جاء ذلك البريء من صلبه. وهذا حق يختلط فيه حق الله عز وجل وحق العبد. وإذا كان الولد للفراش دائمًا، ويجد ذلك الولد من تجب عليه رعايته، فإن ولدًا جاء على غير فراش شرعي، فإنه لا يفقد حقّه في الرعاية، فإن وجد من يستحق الإلزام بهذه الرعاية وجب تحميله المسؤولية كاملة. ويدخل نسب الوليد بسبب الوطء غير المشروع سواء كان إجبارًا أم اختيارًا؛ لأن حرمانه من الانتساب لأبيه الذي جاء من صُلبه يُضيعه ماديًا ومعنويًا إلا أن يشاء الله تعالى غير ذلك. ولك أن تعجب من بعض الخائفين في هذا الموضوع؛ إذ يستدلون على وجوب حرمان ابن الزنى من الانتساب إلى أي أب، بأن النسب نعمة، ولا يجوز مكافأة الزاني بهذه النعمة، ويجب حرمانه منها عقوبة له. وغرابة هذا التفكير أنه بعيد عن واقع المسألة بعدًا كبيرًا؛ لأنك إذا دققت النظر في أطراف هذه العمليّة

وجدتهم ثلاثة: زان وزانية وولدهما. فأما الأم فقد جُعِلَ عليها المسؤوليّة الكاملة، وكذلك الابن إذا حُرمَ

من الانتساب، والمنتفع فيها هو الزاني؛ إذ يقضى شهوته ولا يكلف بشيء تجاه ابنه، فالنعمة صارت له؛ ولو أنك تمكنت من إجراء إحصاء أو دراسة حول حوادث الزنى لوجدت معظم الرجال الذين يقعون فيه يريدون أن يستمتعوا ويضمنوا عدم وجود أي تكلفة عليهم. فإذا تخلص من الأبوّة حاز مراده،

وشجع هذا الأمرُ غيره، وبخاصّة في غيبة العقوبات الشرعيّة، وحتى مع وجودها فإن أكثر الوقائع تدرأ

بالشبهات وتفتقد وسائل الإثبات الكاملة، فيضيع حق الطفل وحق أمه ويفلت الجاني من جنايته.

(2((ابن قيم الجوزية، زاد المعاد، ج 4، ص 233،.234

وما دام هذا الأمر اجتهاديًا ووجد من بعض أكابر التابعين، وبعض فقهاء المدنية السبعة وغيرهم، وكانت المصلحة من المرجحات القوية ظهر لك قوة القول بالاعتراف بأنساب المواليد الذين ليس لهم فراش زوجيّة. لا شك في أن معرفة السبب البيولوجي تصبح الحاجة إليها أشد وأمسّ، عندما يكثر الفساد والتهاون في العلاقات الجنسيّة بين الناس؛ وقد وصل في هذه الأيام حدًّا لم نسمع به من قبل، وصارت

التشريعات في حال يشجع بصورة غير مباشرة على مثل تلك العلاقات. وفي مثل هذه الأحوال يفشو الزنى بين الناس؛ ويثمر هذا الوضع كثرة الأبناء غير الشرعيين من اللقطاء ونزلاء الملاجئ، وقد يترتب على ذلك فوضى في التناسل، وربما تزوج الرجل أخته وهو لا يدري. ويترتب على ذلك أنواع من الاختلالات في تطبيق التشريعات الأسريّة، من زواج وميراث وحضانة وغير ذلك من الحقوق والالتزامات المتبادلة بين أفراد التجمعات الأسريّة. فإذا لم تشرع التشريعات الوقائية من الوقوع في هذا المستنقع لأسباب كثيرة ليس منها المصلحة، فلا أقل من وضع بعض وسائل التنقية والتخفيف من الفوضى. وقد يكون الكشف عن الآباء والأولاد وإلحاق كل مولود بأبيه، وإلزامه بجميع الالتزامات التي يحملها الآباء تجاه أبنائهم؛ وبخاصّة أن هذا الزمان قد ولَدتْ قرائح علمائه طرائق تدل على حقائق الانتساب البيولوجي، وتقوم بفرز دقيق للأصول والفروع، فلو استفاد المصلحون منها في إسناد كل أصل إلى فرعه، بشرط الابتعاد عن الأسر الملتزمة، والفروع الذين وُلِدوا على فراش أزواج شرعيين. لو كان ذلك لأثمر كثيرًا من مصالح النسل؛ ويمكن أن يكون من بينها تقليل أعداد التائهين المشردين من الشباب

الذين يستثير تشردهم وعدم انتمائهم إلى أسر ترعاهم دوافع لارتكاب المخالفات والجرائم وكثير من أنواع السلوك الشاذة. وذلك يمكن تلاشيه بالتحاق أكبر عدد ممكن من هؤلاء الضِّياع كل بأبيه الذي جاء من صلبه. ومن جهة أخرى فإن لهذه السياسة أثرًا ظاهرًا في الرعاية الصحيّة للنسل؛

وذلك بتحاشي التناكح الأسري أو بين الأقارب؛ فيكون ذلك وقاية من بعض الأمراض الوراثية الخطيرة بسبب ذلك التناكح.

3. تطبيقات على القيمة الشرعيّة للنسب البيولوجي

هذا مطلب التفصيل بعد التأصيل، مضمونه عرض طائفة من الأمثلة التي تعتبر تفصيلً لتلك القيمة الشرعيّة للنسب الخلْقي (البيولوجي)، وهي قضايا واقعية تظهر فيها الحاجات الماسّة إلى معرفة

الخلْقي بصورة شبه يقينية، بالوسيلة العلميّة الوحيدة التي أذن الله للبشريّة أن تعثر عليها في هذا الزمان،

وهي الاختبار الجيني، وفيما يأتي نذكر شيئًا من تلك القضايا. أولً: إذا بدأنا من العلّة التي اتفق الفقهاء على ربط الأبوة بها شرعًا، وهي فراش الزوجية، فإنهم اشترطوا لتحققِه شروطًا كانوا يتبيّنونها بصورة ظنية غالبة، دون اليقين أو ما يقرب منه. ونرى أن الفحص الجيني

قد يكون أضمن وسيلة للتحقق من تلك الشروط، وبيان ذلك في التالي:

اتفق الفقهاء على اشتراط عقد نكاح صحيح وقع بعده الحمل والولادة، وألحقوا به العقد الفاسد والوطء بشبهة، وهي الشبهة التي تدرأ عن «الزاني» حدّ «الزنى»، وبعض الشبهات متفق عليه، وبعضها مختلف فيه، يراه بعضهم شبهة ولا يراه آخرون كذلك. فمن اعتبرها شبهة أثبت النسب بالوطء الذي اقترنت به. وفي بعض الشبهات يحتمل وجود حاجة لمعرفة النسب الخَلْقي، والرجل الذي تكَوّن منه الولد، كما لو وطئ امرأةً ظنّها زوجته، ولم تكن كذلك، ووطئها آخر، ثم حملت،

ولا يُدرى ممن حملت، وكلاهما وطئها بشبهة، وجاءت بالولد في مدة كافية للحمل من الرجلين،

فهل يكون الولد للأول أم يكون للثاني؟ كان الفقهاء يجيبون عن هذا السؤال باللجوء إلى القيافة، ويجعلون الولد لمن شهد القائف له؛ بأن المولود يشبهه، وهذا هو الحل عندهم مهما كان الواطئون بشبهة، وإذا شهد القائف أو القائفون بوجود الشبه المتساوي بين اثنين أو ثلاثة، فقال بعضهم بنسبه من الاثنين وأكثر، ومنهم من قصره على اثنين، ومنهم من حلّ هذه المشكلة بالقرعة. ولا شك في أن هذا الزمان لا يحتمل الحل فيه سوى طريقة واحدة لمعرفة الأب الذي تكون الولد من مائه، ولا يجوز لقاضٍ أن يحكم بغيره، وهو اللجوء إلى الاختبار الجيني بضوابط تمنع التدخلات والأخطاء في نتيجته. والشرط الثاني عند الفقهاء أن يقع الدخول بالزوجة. وعند الجمهور يكفي إمكان الدخول، والحنفيّة

لم يشترطوا هذا الشرط، واشترط جماعة الدخول الفعلي؛ فعند الحنفية يثبت النسب بمجرد وجود عقد سابق، وعند الجمهور بإمكان الدخول على الأقل، وعند آخرين لا بد من الدخول الفعلي لثبوت النسب من صاحب العقد. وحقيقة خلاف الحنفيّة ليس في اشتراط الإمكان، ولكنه في تحديد

ما يُعتبر داخلً في الإمكان وما لا يُعتبر. والأصل في النسب هو نشوء الولد من ماء أبيه؛ فقد تقدم

إجماع الفقهاء على ذلك، وتقدم كلام السرخسي الذي اقتبسناه من المبسوط، وعلم هناك أن الفقهاء يقرّون أنّ السبب الحقيقي في ثبوت النسب هو علوق الولد برحم المرأة من ماء الرجل. وهذا

العلوق أمر خفي لا يمكن معرفته، وكذلك التمكّن من الوطء الذي هو مظنة هذا العلوق أمر خفيّ

أيضًا لا يمكن الوقوف عليه، لتدخل العوارض والأعذار الشخصيّة فيه، ولذلك قال الحنفية: يجب

تعليق الحكم بالسبب الظاهر وهو عقد الزواج الذي لا يُعقد شرعًا إلا لهذا المقصود. وهذا النظر

الدقيق للسرخسي يكاد بقية الفقهاء يتفقون عليه، وإنما كان اختلافهم في درجات الخفاء المؤثرة في انتقال الحكم من السبب الحقيقي؛ فالحنفية قصروا الإمكان على العقد، وكأنهم اعتبروا الإمكان العقلي، وليس مجرد الإمكان العادي؛ والجمهور اعتبروا الإمكان العادي. وأصحاب القول بالدخول الحقيقي اعتبروا الإمكان الأقرب إلى السبب الحقيقي، وهو الدخول الحقيقي. وكل فريق يعلّل مذهبَه بخفاء الدرجة الأقرب إلى السبب الحقيقي من الدرجة التي اعتبرها. فماذا يا ترى يكون رأيهم

لو علموا أن هناك طريقة تفيد العلم اليقيني بحدوث العلوق الذي اعتبره السرخسي وغيره السبب

(2((علي محمد يوسف المحمدي، أحكام النسب في الشريعة الإسلاميّة (الدوحة: دار قطري بن الفجاءة، 1994)، ص.66 (2((عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي، ج 2 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1981)، ص.359 ((2(المحمدي، ص.66 ((3(المرجع نفسه، ص.70–66

الحقيقي لثبوت النسب؟ هل يقبل من أحدهم أن يقول بخفاء الدخول أو إمكانه العادي أو أي درجة من درجات الخفاء؟ الحق عندنا أنّ اعتبار نتيجة الفحص الجيني أمر واجب إذا حفّ بقيود تمنع أي نوع من الغش فيها. ولا يقال: كيف تحيل على الاختبار الجيني مع وجود فراش الزوجيّة؟ والجواب

هنا ظاهر أن الفراش لم يوجد بعد؛ لأننا ما زلنا نبحث في تحقق شرطه، والمشروط له هو الفراش الصحيح، والشرط سابق عن المشروط له. وعليه لو قام من يدعي هذا الولد بوطء فيه شبهة أو أي شخص كان له مصلحة معتبرة شرعًا، وكان من مستنداته أن الدخول لم يقع، أو وجود عيبٍ خلْقيّ

فيه يمنع من الوطء أو الإنجاب، فالرأي عندي أن الاختبار الجيني يمكن به التحقق والحكم بموجبه. ولكن يجب أن تشرع عقوبة رادعة على من يكذبه الاختبار. ومن الشروط التي اشترطها الفقهاء لتحقق فراش الزوجيّة الصحيح أن تضع المرأة حملها في فترة

قدّرها الفقهاء بين أقل مدة الحمل وأقصاها؛ وأن يكون الزوج قادرًا على الإنجاب بأن لا يكون فيه

عاهة أو مرض يمنعه من ذلك. ومع أن هذا الشرط متفق عليه من حيث الجملة بين الفقهاء؛ بحيث إن ولدت الزوجة قبل مرور ستة أشهر في أثناء الحياة الزوجيّة مع صاحب الفراش، فإن الوليد لا

يُنسب إليه. إلا أن الفقهاء اختلفوا في الوقت الذي يبدأ منه احتساب الأشهر الستة بحسب اختلافهم

في الوقت الذي يتكون فيه فراش الزوجيّة. وهذا الاختلاف في وقت البداية يصادر إجماعهم على

أصل الشرط ويدخل عليه الحاجة إلى معرفة الأب الحقيقي صاحب الماء الذي خلق منه الولد، وذلك في حالات كثيرة عندما يتناوب على امرأة واحدة أكثر من زوج بصورة شرعيّة؛ فإن تحديد أقل

مدة الحمل وأقصاه في ضوء اختلافات الفقهاء لا يثمر إلا أنواعًا من الظنون في تحديد الأب الحقيقي. ومثل ذلك يمكن أن يقال في اشتراط القدرة الإنجابيّة، واختلافهم في السنّ الذي تبدأ هذه القدرة، وهي

تحديدات لا تفيد إلى الظنّ، ويمكن أن توجد في تلك التحديدات بالقدر الذي يحتمل أن لا توجد. وهي أمور يجب أن يرجع فيها إلى أهل الخبرة فيما يثبت عندهم من الحقائق الطبية. وقد يقال: ما ذكرت لا يقتضي الرجوع إلى الاختبار الجيني، وإنما يمكن تحديد تلك الأمور، كوقت القدرة على الإنجاب ونحوه، وهذا صحيح من حيث الجملة. ولكننا لا نظن أنّ الطب إذا حدّد عمرًا بالسنين

والأشهر سيكون ذلك يقينيًا، والأفضل في نظرنا أن يُجْعلَ في القانون منطقة حريم في كل تحديد

لموعد تسبقه وتتلوه بأقدار معقولة يحددها أهل الخبرة، كأن يُقال: «أدنى مدة الحمل ستة أشهر

وحريمها نصف شهر قبل ذلك»، أو يقال في سن الإنجاب أنه «اثنتا عشرة سنة وحريمها سنة قبلها وسنة بعدها»؛ فإذا حدثت الولادة في حريم الأوقات في أي تحديد زمني وجب الرجوع إلى الاختبار الجيني لمعرفة الأب الحقيقي. ثانيًا: في مجال إثبات النسب بالطرق الشرعية، البحث في دور الاختبار الجيني في هذا المجال يتوقف

((3(المرجع نفسه، ص 73،.114 (3((محمد جبر الألفي، إثبات النسب ونفيه بالبصمة الوراثية (الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية – كرسي الشيخ عبد الله بن إبراهيم التويجري لدراسات الأحوال الشخصية،.)2015

على إدراك المقصد الشرعي للإثبات وتشريع وسائله، ولا يجب أن يكون خلافٌ في أن مقصد الشارع من تشريع طرق القضاء ووسائل إثبات ما تناط به أحكام الشرع إنما هو بيان الحق إما بذاته وإما بمظناته القويّة؛ ليكون الحكم القضائي موافقًا للحق. والحق عند علماء الإسلام هو الثابت الموجود الذي لا شك في وجوده. فإذا طبقنا ذلك على وسائل إثبات النسب خلا فراش الزوجية الصحيح، الذي استثني لمقاصد شرعيّة سبق ذكرها، فإنا نُقدم البيان التالي: شرع الإسلام الشهادة؛ لأنها دليل قوي على بيان الحق إذا تحققت شروطها، وأهمها العدالة والضبط، ومع ذلك فإن دلالتها على الحق بالمعنى السابق ظنية غالبة إذا تحققت شروطها، ولا يجوز قبولها والحكم بها إذا لم تتحقق وشروطها، كفسق الشاهد بنحو كذب أو تزوير أو غش ونحوه، أو غفلته أو تردده في عبارتها، شروط أخرى غيرها. فإذا لم يكن هناك فراش زوجيّة صحيح، وحدث ادعاء نسب أو تنازع حوله، فنرى أنّ الرجوع إلى الاختبار الجيني المحاط بسياج من القيود والضوابط التي تحول دون الخطأ أو الغش أولى من الشهادة في هذا الزمان. وفي الإقرار، وهو ما اعتبره الفقهاء دليلً على ثبوت النسب إذا كان من الأصل، وهو الأب أو الأم بشروط ذكروها. فإنه عندنا ظني الدلالة على الحق في النسب، وليس قطعيًا؛ وبخاصة أن الأصل في الإقرار بحسب ما عرفه الفقهاء من أنه «إخبار الشخص بحق على نفسه لغيره». والإقرار بالنسب فيه إخبار بحقوقٍ للغير وحقوقٍ لنفسه؛ ذلك أن المقرّ قد يستفيد من إقراره بنسب شخص؛ كما في صورة أنه لم يُرزق بولد، ولا أمل له في ذلك. أو كان للمُقَرِّ له بالنسب قدرات وخصائص وشهرة وأموال ونحو ذلك مما يمكن تصوره من المنافع. وبناءً على هذا النظر، نرى أنّ الإقرار بنسب شخص من الأشخاص لا ينطبق عليه التعريف الاصطلاحي للإقرار تمامًا؛ لأن هذا الإقرار في حقيقته هو إخبار بحقوق للغير وللنفس؛ ففيه معنى الدعوى والإقرار معًا. ومن جهة أخرى فإن فتح الباب للإقرار بالنسب أو الاستلحاق في هذه الأيام التي تهاون الناس فيها في حمل مسؤولية الكلمة التي ترتب حقوقًا والتزامات، وخفت في قلوبهم ذكر الله تعالى والآخرة، فإننا نرى أن هذا الباب بفتحه ينفتح باب التبني، الذي شدد الإسلام في منعه وإبطاله، ويكافح حديث «ليس من رجل ادعى لغير أبيه، وهو يعلمه إلا كفر »...، وحديث «أيما رجلٍ جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضَحه على رؤوس

(3((ابن قيم الجوزية، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، ص 16؛ ابن عاشور، ص 201،.203 (3((علي الخفيف، التصرف الانفرادي والإرادة المنفردة (القاهرة: دار الفكر العربي، 2009)، ص.10 (3((المحمدي، ص 246 وما بعدها. ((3(الجرجاني، ص.33 (3((متفق عليه؛ انظر: «كتاب الفرائض، باب «من ادعى إلى غير أبيه»، في: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح

صحيح البخاري، ج 12 (بيروت: دار المعرفة، 1959)، ص 54؛ انظر: «كتاب الأيمان»، في: مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري،

صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ج 1 (القاهرة: طبعة عيسى البابي الحلبي، دار إحياء الكتب العربية، 1991)، ص 79.

الأولين والآخرين». والذريعة إلى مخالفة النصوص أو مبادئ الشريعة يجب سدّها. ومن جهة ثالثة، فإن ما اكتُشف في هذه الأيام من وسيلة لإثبات النسب بصورة يقينية يجب شرعًا تقديمها على الإقرار، كما قلنا في الشهادة؛ فإذا جاء شخص يدعي أنّ فلانًا ابنه أو أنه أبوه، وأقر الأصل بهذا المدعي، فلا أرى أن يؤخذ بمجرد إقرارهما، وأنه يجب الرجوع إلى الاختبار الجيني بشروطه. وأما ما ذكره الفقهاء من الطرق الأخرى لإثبات النسب، من القيافة، وما ذكروه من اللجوء إلى القرعة، أو الحكم بالنسب الأبوي لأكثر من شخص، كل ذلك يجب، في نظرنا، أن يستعاض عنه باللجوء إلى الاختبار الجيني، والآراء الفقهية في هذه المسألة آراء اجتهادية، ولا تستند إلى نصوص واضحة. وليس هذا تهاونًا في حق أولئك العظماء، وإنما هو التزام لما أكدوا عليه من أن ما دلّ على الحق بيقين مقدم على غيره، وأنهم لو كان عندهم مثلما صار عندنا من وسائل كشف الحق في النسب لما تردّدوا في تقديمه. ونرى أن ما ذكرنا من وسائل الإثبات يجب استعمالها وعدم إهمالها؛ وذلك كقرينة في دعاوى النسب مقتضاها أن تلزم القاضي باللجوء إلى أهل الخبرة، وطلب نتائج الفحص الجيني. النسب الذي صدر فيه حكم قضائي بناء على دعوى خصومة، أو دعوى حسبة، واكتسب الحكم قوة الأمر المقضي، يعني صار نهائيًا غير قابل للطعن، وهذا في التشريعات الوضعيّة. لكن هل يجوز من

وجهة نظر شرعيّة إعادة النظر فيه بناء على توافر وسيلة كانت غير موجودة، ويمكن معرفة الحق فيها

بصورة قطعيّة وإبطال الحكم القضائي؟ القاعدة في الفقه الإسلامي أن الأحكام القضائية إذا فصلت

على الوجه الشرعي فإنها لا تنقضي ولا تعاد. ولكن الفقهاء جعلوا لذلك بعض الاستثناءات لتحقيق التوازن بين مبدأ العدالة ومبدأ استقرار الأحكام القضائية، فجعلوا حصانة للأحكام القضائية من الإبطال والتغيير، وقدروا بعض الاستثناءات التي تحقق العدالة، وتعيد الحق إلى نصابه؛ مسترشدين بقول عمر بن الخطاب في رسالته إلى أبي موسى الأشعري «إن الحق قديم لا يبطله شيء، إن الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل». والذي فهمه الفقهاء من قول عمر أنه خاص بالحال التي يظهر فيها للقاضي أن الحكم القديم يناقض الحق بيقين، ومن ذلك ظهور بينات جديدة قويّة لا يمكن تفسيرها تفسيرًا يحقق التوافق مع الحكم

الصادر، فهل هذه القاعدة تقتضي إعادة المحاكمة في دعاوى النسب التي لم يُرجَع فيها إلى الاختبار

(3((«كتاب الطلاق»، في: أبو داود سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود، تحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرين، ج 2 (حمص: دار

الحديث، [د.ت.])، ص 695؛ «كتاب الطلاق»، في: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النَّسائي، المجتبى من السنن، ج 6

(حلب: مكتب المطبوعات الإسلامية، 1986147)، ص؛ «كتاب الطلاق»، في: أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني بن ماجه، سنن

ابن ماجة، تحقيق وتعليق محمد فؤاد عبد الباقي (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية،.)1952 ((3(ابن فرحون، ج 1، ص 7؛ الشيخ نظام وجماعة من علماء الهند، الفتاوى الهندية في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان،

ج 5 (بيروت: دار الفكر، 1991)، ص 136؛ محمد نعيم ياسين، حجية الحكم القضائي (عمّان: دار النفائس، 2015)، ص.29 (4((من كتاب عمر لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما: رواه الدارقطني من طريقين؛ أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد

الدارقطني، سنن الدارقطني، ج 4 (لاهور: فالكن، 1966) ص 206؛ أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي، السنن الكبرى،

ج 4 (حيدر أباد: دائرة المعارف، 1937)، ص 150؛ محمد بن إسماعيل بن صلاح الصنعاني، سبل السلام، ج 4 (مصر: مكتبة عاطف، 1927)، ص.162

الجيني الذي يحتمل أن يُغيّر الحكم إلى عكسه؟ الرأي عندنا أن الأحكام القضائية الصادرة في دعاوى

النسب قبل اكتشاف البصمة الجينيّة وثبوت دلالتها بصورة يقينية على البنوّة والأبوة والأمومة لا يجوز

تعقّبها. ومثلها الأحكام القضائية في دعاوى النسب قبل أن يصدر تشريع يلزم القاضي بالرجوع إلى هذا الاختبار قبل الحكم الصادر في تلك الدعاوى؛ وذلك حفاظًا على الثقة في القضاء وعلى استقراره، وتمكّن الناس من بناء شؤونهم على أحكامه، وأن لا يكون لهذا التشريع أثر رجعي؛ لأن الرجوع إلى الأحكام السابقة على تشريع يلزم بالاختبار الجيني معناه إعادة النظر في أحكام كثيرة، وبَنى عليها

أصحابُ الشأن حياتهم الخاصّة، وتلك الشؤون ستكون كثيرة ومتنوعة ومعقدة، ولو حدث ذلك لوجب

نقض كثير من الأحكام في المواريث وكثير من أحكام الزواج وسائر أحكام الأحوال الشخصيّة،

وانقلبت الأحوال في كثير من الأسر رأسًا على عقب؛ ويمكن أن يقاس على تعامل الرسول مع أنساب

أهل الجاهليّة، مع أن كثيرًا منها كان مبينًا على غير عقد النكاح الشرعي، وأجراها على ما تعارف عليه

الناس واشتهر بينهم، ثم حرّم عليهم «الزنى» بجميع أنواعه، وجعل الأنساب مرتبطة بعقد الزواج الذي

عُبّر عنه بفراش الزوجيّة، وصار المسلمون في معرفة الأنساب بناء على قاعدة الولد للفراش. فكذلك

في هذه الأيام قبل اكتشاف كشّاف النسب الحقيقي، الاختبار الجيني. ثم إذا صدر تشريع بالرجوع إلى الاختبار الجيني في دعاوى النسب بعد أن يتأكد القاضي من عدم وجود فراش زوجيّة صحيح، فعليه

اتباع هذا الإلزام التشريعي، فإن لم يفعل فالقياس العام في شريعة الإسلام يقتضي أن يكون هذا الحكم باطلً منعدمًا، ولا يجوز أن يُعطى حجية الحكم القضائي ولا قوة الأمر المقضي. ثالثًا: تطبيقات أخرى يجب فيها الرجوع إلى الاختبار الجيني، لا بدّ من تأكيد قاعدة أصوليّة فقهية،

وهي أن الدليل الأقوى يجب إعماله وتقديمه على أي دليل آخر أقل قوة منه. ولا شك في أن نتيجة الفحص الجيني في البحث عن النسب هي أقوى من أي دليل آخر؛ لأنها تكشف بصورة قطعيّة عن

السبب الحقيقي للأنساب، وهو تعلّق الأجنّة في أول نشوئها بجدار رحم امرأة؛ فيكشف بيقين مَن

الرجل والمرأة التي نشأ أي نسب من التفاعل الذي يحدثه الله عز وجل بين ماءيهما؛ وهذا من العلوم الضروريّة التي لا يصح إنكارها إذا كان إجراء ذلك الاختبار سليمًا، ولم تتدخل فيه أهواء الناس.

ويقتضي أن يكون هذا الأمر بإطلاق؛ لأن الشرع لا يمكن أن يسقط من اعتباره الأسباب الواقعية التي تدل عليها التجربة ويحكم العقل بها، ولكن ذلك بشرط أن لا يؤدي التمسك بذلك إلى ضرر بالغ بمصلحة المجتمع؛ ومن أعظم الأضرار على النفس وعلى النسل وعلى الأسرة إذا لم تطبق عليه شرائع الإسلام الحكيمة في إدارة شؤون الأسرة. ومهما كانت مخيّلة شخص أو أشخاص بالغة، فإنها لا

تستطيع الوصول إلى وضع يمكن فيه بناء المجتمع على وحدات مجتمعية متقاربة في عواطفها وعلاقاتها المادية والمعنوية أحسن من الوضع الذي شرعه الإسلام من بناء تلك الوحدات من أسر تأسست بسبب عقد الزواج الذي يبيح للرجل أن يزرع نسله في رحم زوجته. فإذا خضع الناس ومناهجه، وما أضفى من القدسيّة على عقد النكاح، وأن المجتمع المسلم لا يُجيز لأحد أن يعتديَ على زوجةٍ

لآخر، فإنك تدرك حكمة الإسلام في جعل الولد للفراش، وأنه في الحقيقة يجمع بين أمرين بأسلوب معجز؛ وهما المصلحة العامّة التي تقتضي احترام عقد الزواج وفراش الزوجية، والأمر الآخر اعتبار

السبب الحقيقي الذي يجب أن يكون فراش الزوجيّة هو الدليل الأوحد عليه. ولو أن الناس التزموا

شرائع الإسلام في أنظمة الأسرة بصورة شاملة، لما وُجد ابن حرام، ولحَدثَ انطباق سبب فراش الزوجيّة

على السبب الحقيقي للأنساب؛ ولكن من الناس من يتبع هواه، والسوء الذي يَأمر به النفس الأمارة، فيزرع ماءه في امرأة ليست زوجته. أو يكون ذلك بسبب أخطاء يقع فيها الرجل والمرأة، والخطأ طبع في ابن آدم. وفي هذه الحالة لا بد من البحث عن السبب الحقيقي للنسب؛ وهو ما ذكرنا نقلً عن السرخسي وغيره من العلماء. وقد كانت دلائل الحق في معرفة الأنساب ظنية، فأخذوا بالأقوى منها بعد فراش الزوجيّة. وحدث في هذا الزمان طريقة قطعية للكشف عن النسب الحقيقي؛ ولذلك فإن غالب

الظن عندنا يأخذنا إلى القول بأنّ أيّ نزاعٍ يحدث حول النسب، أو أي داع للبحث عنه، فيجب أولً البحث عن الفراش الشرعي، فإن ثبت لدى القاضي، جعله أصلً للنسب. وإن لم يجده أو لم يثبت لديه، وجب عليه الرجوع إلى أهل الذكر في علم الجينوم البشري، وأخذ نتائج الاختبار الجيني. وقد ذكرنا سابقًا تطبيقات على التحقق من شروط فراش الزوجية ووسائل إثبات النسب. وفيما يأتي نزيد القارئ من هذه التطبيقات، مع ملاحظة أن ما مضى وما يأتي كله أمثلة: ثبوت نسب ولد المطلقة البائن من مطلِّقها فيه خلاف معروف: أيكون للزوج القديم أم للجديد إذا جاء في فترة حدودها واختلفوا في تحديدها؟ وسبب الخلاف هو احتمال أن يكون الولد من ماء الرجل الأول أو الثاني. ولم يعتمد الفقهاء إلا على قرائن ليست قطعيّة في الترجيح لا ترقى إلى الاختبار

الجيني. إذا حدث الحمل بحقن مني الزوج في زوجته في المستشفى أو عند الطبيب، وكذلك في أطفال الأنابيب، ربما تقع بعض الأخطاء المتعمدة أو غير المتعمدة، ويشك أحد الزوجين أو كلاهما في الأمر، فيُرفع الأمر إلى القضاء، والاختبار الجيني هو الحل لهذه المشكلة وما شابهها؛ بسبب اختلاط

المواليد. إقرار المرأة بالولد وطلبها إلحاقه بها كالرجل، فيه خلاف كثير بين الفقهاء: أيصح ويؤخذ به أم لا يؤخذ به؟ وسبب الخلاف إمكان معرفة صاحبة البييضة التي شاركت في تكوّن الولد مع الحيوان المنوي أو عدم إمكانها. وبالفحص الجيني يمكن معرفة ذلك وتحديد الأم. إذا أكرهت امرأة متزوجة على «الزنى»، وجاء بعد الإكراه ولد، والشرع يعذرها بالإكراه، وزوجها لا يتهمها بالتعمّد، وإنما يعذرها، ولكنه يرى أن الولد ليس من صلبه، وإنما هو من المغتَصِب، فقد اختلف الفقهاء في حقّه باللعان؛ فقال بعضهم: لا يحق له، ويجب البحث عن طريق آخر، واقترح بعضهم القيافة بديلً، ويغلب على الظن، بل للإنسان أن يجزم أنهم لو كانوا موجودين في هذا الزمان لكان رأيهم اتخاذ الفحص الجيني سبيلً للبحث عن حقيقة أصل الجنين.

4(((كمال الدين محمد بن عبد الواحد بن الهمام، شرح فتح القدير، ج 4، ط 2 (بيروت: دار الفكر، 1977)، ص 352؛ الحطاب،

ج 4، ص 149؛ الخطيب الشربيني، مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج، صححه واعتنى به الشيخ علي عاشور، ج 3 (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 2001)، ص.390

وهناك رجحنا القول بأن ولد الزاني يلحق بوالده إذا لم يكن لأمه زوج، فنرى وجوب التأكد بالفحص الجيني أن الولد للزاني بأمه، سواء كان له منازع أم لم يكن له منازع، فمن شهد له الفحص كانت له الأبوة، وإذا لم يشهد لأي منهما، لم يحكم لأي منهما، لأن ذلك يكون كالتبني، وهو اعتبار من ليس ابنًا كالابن وهذا لا يصح شرعًا. وهناك ملحظ آخر يقتضي معرفة الأب الحقيقي لولد «الزنى» بالاختبار الجيني؛ وهو أن فريقًا من الفقهاء ذهبوا إلى سريان التحريم بسبب «الزنى»، كما في النسب، واحتجوا بأنّ الرسول قال لزوجته سودة: «واحتجبي منه يا سودة»؛ وذلك أنه أمرها بالاحتجاب ممن حكم له بأنه أخوها بمقتضى قاعدة الولد للفراش. ومع ذلك اعتبر قوة الشبه بين الولد والمتهم بالزنى، وفي ذلك قال الخطابي: «وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ‘ واحتجبي منه يا سودة ’ حجة لمن ذهب إلى أن من فجر بامرأة حرمت على أولاده، وإليه ذهب أهل الرأي وسفيان الثوري والأوزاعي وأحمد؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما رأى الشبه بعتبة بن أبي وقاص علم أنه من مائه، فأجراه في التحريم مجرى النسب، وأمرها بالاحتجاب منه»؛ فإذا ترجح هذا الرأي الفقهي، كان القول بوجوب اللجوء إلى الاختبار الجيني لمعرفة انتساب الولد إلى الزاني، لإجراء التحريم بالنسبة إليه كما في ابن النسب الشرعي؛ والتحريم في هذا الباب من حقوق الله تعالى. تقدّم أنّ الزوج الذي يكون كثير الشك والوسواس لا يلبى طلبه إجراء الاختبار بمجرد شكه؛ حفاظًا على حرمة فراش الزوجية وتحصينه. ولكن هناك بعض الحالات يمكن استثناؤها مما سبق؛ كأن يكون الزوج موقنًا بأنه لا يستطيع الإنجاب بشهادة الأطباء المختصين، أو يكون الزوج طلب اللعان، ومات قبل إجرائه، وكذلك فيما يُسمى بأبناء بنوك المني الذي يؤخذ من الأزواج، فهل لهم أن يطلبوا معرفة صدق نسبهم من صاحب ذلك المني للتأكد أنه من الرجل الذي كان زوجًا لأمّه؛ فإن هذه الحالة وكذلك الأولى ليس فيها فراش زوجية. والثانية قد يقال: إن فراش الزوجيّة لم تكتمل شروط صحته،

ومنها قدرة الزوج على الإنجاب؛ حتى قالوا بعدم تحقّقِه لمن كان دون التاسعة أو كان مقطوع الذكر والخصيتين، فلا يكون عندئذٍ فراش زوجته صحيحًا، ولا يكون ملزمًا بلعان، وله أن يطلب إجراء الفحص الجيني للتأكد أن الولد ليس منه.

ثالثًا: دور الاختبار الجيني في أحكام اللعان

يرى كثير من علماء العصر استثناء اللعان من كل ما أوردناه من دور الفحص الجيني في الكشف عن الأنساب الصحيحة وعكسها؛ لأنه قد ورد في القرآن الكريم نصٌّ خاص به فيه تفصيل ما يجب فعله عندما يتهم زوج زوجته بالزنى، أو يريد نفيَ نسب ولدها منه. ومع إيماننا العميق بنصّ القرآن العظيم

حول اللعان وغيره، وضرورة تطبيقه على أحسن وجه ممكن، ومع احترامنا للإخوة العلماء والباحثين الذين رأوا استبعاد اللعان من الاختبار الجيني، فإننا نضع فيما يأتي جملة من الأفكار والتساؤلات على

4(((الخطابي، معالم السنن، ج 3، ص.279

طاولة النقاش؛ لعلها تفيد في الوصول إلى فهمٍ أدق لمراد الله عز وجل من آية اللعان، وموقع الاختبار الجينومي من هذا الفهم: أولً: اشترطت الآية الكريمة التي وردت في اللعان شرطًا واضحًا لوجوب تطبيق اللعان، إذا تخلف

وجوب اللعان وتخلفت صحته لو وقع؛ وهذا الشرط هو عدم وجود شهود على واقعة الزنى غير الزوج

نفسه، وهذا واضحٌ في الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أزْوَاجَهُمْ ولَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهدَاءُ إِلَّ أَنْفسهُمْ فشهَادَةُ

أحَدهِمْ أَرْبَعُ شهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادقِينَ﴾ (النورَ: 6). والسؤال الذي يقتضيه العدل في تفسير الآية

الكريمة عن حقيقة المراد بالآية ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهدَاءُ إِلَّ أنْفسهُمْ﴾، وعلى التحديد حقيقة المراد

بالشهداء؛ وذلك في ضوء ما ذهب إليه بعض العلماء المشهورين، من أن البينة هي كل ما يبيّن الحق

ويظهره. وأحسن من وضح هذا الأمر ابن قيم الجوزيّة، وإننا نثبت كلامه التالي؛ لأهميته في مناقشة

موضوعنا: «وبالجملة فالبينة اسم لكل ما يبيّن الحق ويُظهره، ومن خصها بالشاهدين أو الأربعة أو

الشاهد لم يُوفِّ مسماها حقّه، ولم تأت البينة قط مرادًا بها الشاهدان، وإنما أتت مرادًا بها الحجة

والدليل والبرهان مفردة ومجموعة. وكذلك قول النبيّ صلى الله عليه وسلم ‘ البينة على المدعي ’؛

المراد به أن عليه بيان ما يصحح دعواه ليُحكم له، والشاهدان من البينة. ولا ريب أن غيرها من أنواع

البينة قد يكون أقوى منها، لدلالة الحال على صدق المدعي؛ فإنها أقوى من دلالة إخبار الشاهد». هذا كلام لإمام مشهود له بالتحقيق والتدقيق والفكر العميق. وقد استشهد بكلامه هذا ما لا يُحصى من

العلماء على مرّ القرون التي جاءت بعده. فهل يا ترى إذا أردنا المقارنة بين شهادة الجينوم وأيْمانِ

متخاصمين، أحدهما كاذب قطعًا، والأولى تكاد تكون قطعيّة في تبيين الحق وإظهار الحقيقة،

واعتمدناها في الحكم، نكون قد طبقنا النص أم لا؟ انظر وتأمل ولا تخشَ في الله لومة لائم. ثانيًا: اللعان شرعه الله عز وجل استثناءً من أصول عامّة عدة هي: أصل براءة الذمّة؛ وهو يشهد للزوجة،

وأصل اختصاص المدعى بالبينة، وهو يشهد للمرأة أيضًا ما دام المدعي ليس له شاهدٌ إلا نفسه، وهو في الأصل لا يكفي؛ حتى إنّ الرسول الكريم رفض الاعتماد على قول الصحابي في إحدى الخصومات، وقال له – فيما ورد في الحديث – شاهداك أو يمينه. وكذلك أصل اختصاص المدعى عليه باليمين؛ وهو يشهد للمرأة بأنها هي وحدها المطالبة باليمين، فإن حلفت حكم لها بالبقاء على أصل البراءة. وإنما خولفت هذه الأصول، لما دلت عليه أخبارٌ وردت في سياق أسباب نزول آيات اللعان، وكلُّها يشيرُ إلى أن الرسول الكريم كان يريد تطبيق تلك الأصول العامّة، حتى قال لمن اتهم زوجته: «شاهداك

أو حدٌّ في ظهرك»؛ يعني إما أن تحضر شاهدين يشهدان بما تزعم، وإما أن تعاقب بالعقوبة المخصصة للقاذف. فجادله الصحابي، وقال: سينزل الله ما يدفع عني الحد، فنزلت آيات اللعان. وعبارات الصحابة في تلك الأخبار تشير إلى أن حكمة اللعان هي وجود قرائن «وإن لم تكن قطعيّة» تولّد احتمال

4(((ابن قيم الجوزية، الطرق الحكميّة، ص.16 (((4 متفق عليه: كتاب الرهن، «باب: إذا اختلف الراهن والمرتهن»، في: محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري

(دمشق/ بيروت: دار ابن كثير، 1993)، ص 889؛ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجبالحنبلي، جامع العلوم والحكم في شرح

خمسين حديثا من جوامع الكلم، ط 8 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1999)، حديث رقم.33 (4 كتاب التفسير»، سورة النور، «باب: ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين»، في: البخاري. ((«

الصدق في كلام الأزواج، وهي عجزهم عن إثبات شيء يضرهم في سمعتهم وعرضهم، وهو عجزهم عن إحضار الشهود الذين يشهدون في حادثة الزنى، وأنهم لا يضحون بشيء من كرامتهم لمجرد اتهام زوجاتهم، فكان في ذلك معنى الإقرار على أنفسهم بحدوث ما يمسّ شرفهم، فأتت الآية الكريمة بذلك الإجراء في وقت لم يكن فيه ما يمكن الرجوع إليه للتأكد من صحة دعوى الزوج وإنكار الزوجة سوى أمر يستحيل في الواقع الركون إليه، وهو الشهادة على زنى كامل وقع من الزوجة، بحيث يجتمع على ذلك أربعة شهود؛ فجعل الله عز وجل الأيمان المغلظة لدفع العقوبات عن الطرفين، وجعل للزوج نفي ولد يعتقد أنه لغيره، فإذا ولدَ الزمانُ طريقة علميّة صادقة للكشف عن حقيقة الشخص الكاذب ومعاقبته،

وتبرئة الآخر، في وقت لا يرى معظم الفقهاء إمكان إلحاق هذا الولد بنسبه إلا للملاعن، فإن نتيجة الاختبار الجيني إما أن تكشف أبوة الزوج لهذا الوليد، فيعرف نسبه، ويبقى منتسبًا إلى والده، ولا يجوز

لوالد أن يلفظ نسب ابنه الثابت الموثوق، وفي ذلك أحاديث صحيحة، وإما أن يكشف أن هذا الولد ليس من الزوج وأن أباه شخص آخر، فإن فراش الزوجية قد بطل، ويجوز لذلك الشخص الآخر، بناءً

على قول ابن تيميّة ومن معه، أن يُلحقَه به. وهكذا يظهر في هذه الصورة التي يتصدرها الفحص

المذكور عدلً في الحكم ووضوحًا في النسب، وراحة لكثير من الضمائر. ونرى في هذا المسلك القرآني لمحة من الإعجاز التشريعي والدقة الكاملة في التعبير عن أمر مهم، وذلك في الاستثناء القرآني: ﴿إلِاَّ أنفسهُمْ﴾؛ وكأن فيه احتياطًا لمستقبل يعلمه الله تعالى، ولا يعلمه الحاضرون لنزول القرآن الكريم، بالإشارة إلى احتمال اكتشاف بينات أخرى تكون بمنزلة الشهداء وزيادة. ثالثًا: وأما ما ذهب إليه بعض العلماء المعاصرين أن اعتماد ذلك الفحص في كشف الأبوة أو عدمه فيه تضحية بمبادئ أخلاقية إسلامية كالستر والكرامة والحفاظ على النظام العام. ولسنا نرى في هذا الزعم دقة، ولا نعرف وجه الربط بين كشف عن جريمة قذف أو عن زنى قد يكون مقصودًا أو غير مقصود بسبب نوع الاشتباه، ويكون هذا الكشف بطريقة ذات صدقية كاملة، وبين مبدأ الستر ومبدأ الكرامة، ولا بين ذلك والنظام العام. وكل ما في الأمر كشف كذب كاذب وصدق صادق ومصير طفل. ومما يستحق الإشارة إليه هنا أن الستر يكون مندوبًا بشرط أن لا يوقع ضررًا كبيرًا بصاحب حق، بل

يجب الكشف عن الجريمة عندئذ إذا كان مع الشاهد أدلة كافية؛ كمن يرى سارقًا ومعه شاهد آخر يجب عليه تغيير هذا الظلم الواقع على صاحب المال، ولا يجوز التمسك بمبدأ الستر، ولا يكون واجبًا إلا

إذا كان الشاهد على الجريمة لا يستطيع إثباتها. وهنا توجد في الكشف مصلحة طرف آخر قد يكون الولد وقد تكون أمّه وقد يكون الزوج، وقد يكون اثنين من هذه المجموعة. ويخيّل إلي أن الستر لم

ينظر إليه في اللعان، ولا يعدّ حكمة من حكمه. وإنما حكمته هي ما ذكرناه في الفقرة السابقة، ولو لوحظ فيه حكمة الستر لاعتبره الشرع نوعًا من الشقاق والنزاع يوجب على القاضي التفريق بين الزوجين، وبخاصّة أن مثل هذه القضايا تكون فيها الجلسات سريّة، فيتحقق الستر، ولكن اللعان إجراء مشهود يكون في أشهر مساجد البلدة ويشهده جمعٌ من الناس.

4(((محمد غالي وآخرون، علم الجينوم في منطقة الخليج، إدارة النتائج العرضية من منظور الأخلاق الإسلامية، تقرير خاص بالتعاون مع مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق، ص 36، شوهد في 2018/12/11، في: https://bit.ly/2UxsCC6

رابعًا: جلب نظري موقف الحنفية من علاقة ابن اللعان بالزوج الملاعن في كثير من الأحكام بنوا معظمها على احتمال كذب الزوج الملاعن؛ فقالوا: – يحرم على ولد اللعان الزواج من جميع محارم الزوج الملاعن. – لا تجوز شهادة ولد اللعان للزوج الملاعن، وكذلك العكس. – لا يجوز أن يدفع الملاعن زكاة ماله إلى ولد اللعان، ولا يجوز العكس. – لا يجب القصاص على الزوج الملاعن إذا قتل ولد اللعان. ويكون جميع هذه الأحكام في الأصل بين الأب وابنه، ويرى الحنفيّة أن هذا من باب الاحتياط. لكن

لو اعتمد الفحص الجينومي لحُسِمَ الأمر، ولم يكن مجال للشك ولا للاحتياط. خامسًا: إذا قيل باعتبار الفحص الجينومي في نفي الأبوة، فسيقول كثيرون إن هذا القول سوف يُعطل النص الوارد في القرآن الكريم المتعلق باللعان، ولن يوضع موضع التطبيق. وهذا الزعم يمكن أن يجاب عنه من عدة وجوه: – أن هذا إعمال للنص وليس إهمالً له؛ لأن النص يشترط لوجوب اللعان أن لا يكون مع الزوج شهداء إلا نفسه، وهذا الاختبار يقوم مقام الشهادة وزيادة، كما قال ابن القيم فيما نقلنا عنه سابقًا في اعتبار القرائن القوية، وتقديمها على الشهادة، وهذا الاختبار منها؛ فهو يبين الحق بدلالة أقوى من الشهادة. – أغراض اللعان لا تقتصر على نفي الأبوة، وإنما قد يجب عند اتهام الزوجة بالزنى وإن لم يكن ولد، وذلك إذا لم يكن للزوج شهود عدول. والاختبار الجينومي لا يستعمل في هذه الصورة، ويتعيّن اللعان.

ومثلُ ذلك اتهام الزوجة باللواط من أجنبي عند فريق من الفقهاء. – أن الزوج لا يقبل قوله في نفي الأبوة إلا عن طريق القضاء؛ فيرفع دعوى يطلب فيها الحكم بنفي أبوته عن الولد؛ فهو المدعي، وهو المكلف بالبيّنة. وهو غير مجبر على تقديم أدلة معينة في القضاء؛ فيكون

له الخيار بين طلب الاختبار الجيني وطلب اللعان؛ لأن الزوج قد لا يكون له ثقة في الفحص الجينومي بسبب شبهة قامت عنده؛ كاعتقاده بعدم قدرة الأجهزة المستعملة في بلده، أو عدم أمانة القائمين عليها أو نحو ذلك، فله عندئذ أن يطلب اللعان. – هناك صورة يتوقف القول فيها بوجوب اللعان على مدى قدرة الاختبار الجينومي على إثبات الأبوة؛ فإن لم تكن يقينية أو شبه يقينية، وكانت نتيجة الاختبار لا تشير إلى نفي الأبوة، فهل في هذه الحالة تقطع بثبوت الأبوة؟ أم هل أنها لا تقطع إلا بنفيها؟ فإن كان الجواب سلبيًّا، فإنه يجب اللجوء إلى

اللعان عندئذ؛ لبقاء احتمال عدم الأبوة من المدعي واحتمال كونها لرجل آخر. – يمكن أن يقترح الأخذ برأي الحنفيّة في أن اللعان نفسه لا يُحدث الفرقة ونفي الولد بمجرد الفراغ من

4(((انظر: الموسوعة الفقهية، ج 35، ص 264،.265

الحلف، وأنه يجب عندهم صدور حكم قضائي بذلك؛ حتى قالوا: لو مات القاضي بعد اللعان وقبل إصداره الحكم بنفي الولد والتفريق، لم تقع الفرقة ولا نفي الولد، فلو قلنا، على سبيل الاقتراح، إذا رُفعتْ دعوى اللعان من الزوج أجري اللعان بين يدي القاضي، ثم قرر إحالة الأمر إلى الفحص الجيني؛ فإذا جاءت النتيجة بكذب الزوج ألزمه القاضي بالولد، وبقي نسب الأبوة، وحكم عليه بعقوبة تعزيريّة وليس بحد القذف (كما يرى الحنفية أيضًا بعدم وجوب الحد على أي من الطرفين إذا نكل عن الحلف)، وخير المرأة بين التفريق، لما في اتهامها من الشقاق، وبين البقاء مع الزوج. وإذا كانت نتيجة الاختبار تصدق الزوج، حكم القاضي بنفي الأبوة، وبالتفريق الأبدي بين الزوجين، ولم يُجز للزوج أن يُكذب نفسه، وينسب الولد إلى أمّه إلا أن يستلحقه الزاني؛ لأن فراش الزوجية يكون قد بطل، ويكون الولد بلا فراش زوجيّة ولد عليه، فيجوز للزاني على رأي ابن تيميّة وطائفة من علماء السلف الحكم بالنسب لابن

الزنى إذا لم يكن هناك فراش زوجيّة. سادسًا: من الأمور التي يمكن أخذها في الاعتبار عند البحث عن الأصلح للمجتمع بين الطريقتين السابقتين في التعامل مع نفي الأبوة؛ وهو ما يُسمى في هذه الأيام بجرائم الشرف؛ حيث تتعرض المرأة التي ترتكب الفاحشة إلى القتل أو قتل الولد أو قتل العشيق أو قتل الثلاثة أو اثنين منهم، والسؤال الذي يرد هو: أي الطريقتين السابقتين أكثر تحقيقًا للوقاية من هذه الجرائم؟ المتبادر أن الرجوع إلى الاختبار الجينومي يمكن أن يكشف عن وقوع الفاحشة بالفعل إذا جاءت النتيجة مصدقة لدعوى الزوج، بينما الرجوع إلى اللعان يُبقى الباب مواربًا واحتمال العفّة واردًا، فيكون أكثر وقاية من تلك الجرائم. لكن إذا جاءت نتيجة الاختبار مكذبة للزوج كان ذلك وقاية ظاهرة من تلك الجرائم. وقد يجاب أن هذا الزمان الذي هان فيه على الناس حلف الأيمان لفساد القلوب وغياب ذكر الله تعالى والآخرة، فإن احتمال لجوء الزوج إلى اتهام زوجته لمجرد أنه يكرهها أو يريد أن يضارّها بهذه الطريقة، وقد يكون تصرفه مبنيًا

على شكوك ووساوس كبرت في نفسه لكثرة تفكيره فيها، وقد يحدث مثل هذا لأهل المرأة؛ ما يجعل احتمال وقوع الجرائم ممكنًا ومتساويًا في الطريقتين. وقاعدة الاستدلال في مثل هذه الحالة تساقط الدليلين، والرجوع إلى أدلة أخرى. سابعًا: ومن الأمور التي يمكن اعتبارها في النظر في هذا الأمر العسر في الواقع التشريعي في اللعان وتطبيقه القضائي؛ وبيانه أن قوانين الأحوال الشخصيّة تنص في جملة موادها على اللعان، ولكننا أخبرنا

من طائفة من القضاة الشرعيين أن اللعان لم يطبق في الواقع العملي، وأن القاضي إذا رُفعت إليه دعوى من الزوج يتهم زوجته اعتبرها القاضي دعوى شقاق ونزاع وحكم فيها على هذا الأساس. ولا نرى أن هذا يتفق مع الفقه ولا مع القانون؛ لأن الآثار الشرعيّة للتفريق بسبب النزاع والشقاق تختلف عن آثار

التفريق باللعان، ولأن هذا لا يحل مشكلة نفي الأبوة.

نتائج البحث

يُمنع شرعًا اللجوء إلى الاختبار الجيني إذا كان ذلك يؤدي إلى توهين رابطة الزوجية، وهدم الأسر بعد تكوّنها، وتفكيك روابطها وإضعاف أثرها في التربية الأسريّة. ولذلك أوجب الإسلام على أهله احترام

عقد الزواج وفراش الزوجية، فجعله السبب الظاهر للنسب الشرعي، وجعل النسب البيولوجي بعده لا قبله. وعبر عن ذلك الحديث «الولد للفراش وللعاهر الحجر». من أجل ذلك منع الشرع تفحص أحوال الأسر القائمة على عقد زواج صحيح، ومنع الأزواج من اتباع وساوسهم وشكوكهم ولم يقبل منهم طلب إجراء الفحوص الجينية، بعدما قبلوا أولادهم واستقرت أسرهم. تقتضي قاعدة الأولويات في جلب المصالح ودفع المفاسد التي عبروا عنها بوجوب تحصيل خير الخيرين ودفع شر الشرين استبعاد اللجوء إلى الاختبار الجيني لفحص الأنساب في بعض الأحيان؛ ومن ذلك التفتيش عن أنساب الناس من غير الجهات المختصة. علمًا أن الجهة المختصة بالفصل في الأنساب هي

القضاء، وعلى التحديد قضاء الأحوال الشخصيّة: فإن فتح هذا الباب لمن شاء يثير كثيرًا من الفتن بين

الناس؛ فيجب أن لا يسمح بهذا الأمر إلا لمن يحدّد من الجهات المختصة بتعامل القضاء معه والإحالة إليه. وإلا يمكن أن يكون ذلك طريقًا للطعن في الأنساب. وجمهور الفقهاء لا يرون هذا الأمر من الأمور التي يجب فيها الاحتساب، ولا بد من رفع دعاوى من ذوي الشأن أمام القضاء للفصل فيها. ومن الممارسات التي لا تحظى بغطاء شرعي أن تقوم الدولة بمسح جيني على مواطنيها لمعرفة النسب البيولوجي لكل واحد؛ فهذا أمر خطير جدًا يزرع الخوف والشك في صدور الناس، وبخاصّة إذا انتشر الفساد في مؤسسات الدولة. تلك اعتبارات يترجح معها استبعاد اللجوء إلى الاختبار الجيني، غير أنه يوجد اعتبارات أخرى تؤصل لحالات يجب فيها اللجوء إلى ذلك، وأصلها النظر في القيمة الشرعية التي أعطيت للنسب الخلقي (البيولوجي)، سواء من جهة دوره في إثبات النسب الشرعي، ومن جهة القيمة الحكمية التي تعني اعتبار النسب البيولوجي أساسًا لبناء أحكام شرعيّة عليه مهمّة وخطيرة. خلاصة القول في القيمة الإثباتية للاختبار الجيني من الناحية الشرعية أنه قرينة مقدمة على جميع أدلة الإثبات الأخرى، ولا يقدّم عليها سوى فراش الزوجية الصحيح. بعد اكتشاف البصمة الجينيّة، لم يبق لتعليل الفقهاء لمذاهبهم بخفاء السبب الحقيقي للنسب أي معنى؛

لأن ذلك الاكتشاف لا يبقي خفاء في بيان السبب الحقيقي للنسب؛ وصار الواجب شرعًا تحكيمها في بيان الأنساب.

References

المراجع

ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر بن أيوب. الطرق الحكمية في السياسة الشرعية. تحقيق نايف بن أحمد الحمد. مكة المكرمة: دار عالم الفوائد،.2011 _______. زاد المعاد في هدي خير العباد. تحقيق محمد حامد الفقي. القاهرة: مطبعة السنّة المحمديّة

ونشر رئاسة الإشراف الديني بالمسجد الحرام،.1950

ابن تيميّة، أحمد بن عبد الحليم أبو العباس الحراني. مجموع الفتاوى. تحقيق عبد الرحمن بن محمد

بن قاسم. 2. القاهرة: مكتبة ابن تيميّة،.1980 ط ابن الهمام، كمال الدين محمد بن عبد الواحد. شرح فتح القدير. ط 2. بيروت: دار الفكر،.1977 ابن تيميّة، أحمد بن عبد الحليم. الحسبة في الإسلام. المدينة المنورة: مطبعة الجامعة الإسلاميّة،

[د.ت.]. ابن رجب الحنبلي، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد. جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم. ط 8. بيروت: مؤسسة الرسالة،.1999 ابن عاشور، محمد الطاهر. مقاصد الشريعة الإسلاميّة. تونس/ الجزائر: الشركة التونسية للتوزيع/ المؤسسة الوطنية للكتاب،.1985 ابن فرحون، إبراهيم بن الإمام شمس الدين. تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام. بيروت: دار الكتب العلميّة،.1995 ابن قدامة، أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد. المغني لابن قدامة. القاهرة: مكتبة القاهرة،.1968 ابن قيم الجوزيّة، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر. أعلام الموقعين. القاهرة: مكتبة الكليات الأزهريّة

ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني. سنن ابن ماجة. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية،

ابن مفلح، برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد. المبدع في شرح المقنع. بيروت: المكتب الإسلامي،.1980 أطفيش، محمد بن يوسف. شرح النيل وشفاء العليل. ط 2. بيروت: دار الفتح،.1972 الألفي، محمد جبر. إثبات النسب ونفيه بالبصمة الوراثية. الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية – كرسي الشيخ عبد الله بن إبراهيم التويجري لدراسات الأحوال الشخصية،.2015 البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري. دمشق/ بيروت: دار ابن كثير،.1993 البهوتي، منصور بن يونس. كشاف القناع عن متن الإقناع. بيروت: دار الفكر، 1982. البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى. السنن الكبرى. حيدر أباد: دائرة المعارف،.1937 الجرجاني، الشريف علي بن محمد. كتاب التعريفات. بيروت: دار الكتب العلميّة،.1995

الحطاب، محمد بن محمد بن عبد الرحمن. مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل. نواكشوط: دار الرضوان،.2010 الحلي، أبو القاسم نجم الدين جعفر بن حسن. شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام. قم: منشورات أمير، 1988. الخطابي، أبو سليمان حمد بن محمد البستي. معالم السنن. بيروت: المكتبة العلميّة،.1981 الخفيف، علي. التصرف الانفرادي والإرادة المنفردة. القاهرة: دار الفكر العربي،.2009 الدارقطني، أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد. سنن الدارقطني. لاهور: فالكن،.1966 الدسوقي، محمد بن عرفة. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، [د.ت.]. الزركشي، بدر الدين محمد بن بهادر الشافعي. المنثور في القواعد. ط 2. الكويت: دار الكويت للصحافة،.1985 السَّرْخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل. المبسوط. بيروت: دار المعرفة،.1993 سليمان بن الأشعث، أبو داود. سنن أبي داود. حمص: دار الحديث، [د.ت.]. الشافعي، أبو عبد الله محمد بن إدريس. الأم. ط 2. القاهرة: دار المعرفة،.1993 الشربيني، محمد بن أحمد. مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج. صححه واعتنى به الشيخ علي عاشور. بيروت: دار إحياء التراث العربي،.2001 الصنعاني، محمد بن إسماعيل بن صلاح. سبل السلام. القاهرة: مكتبة عاطف، [د.ت.]. العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر. فتح الباري شرح صحيح البخاري. بيروت: دار المعرفة،.1959 عودة، عبد القادر. التشريع الجنائي الإسلامي. بيروت: مؤسسة الرسالة،.1981 غالي، محمد وآخرون. علم الجينوم في منطقة الخليج، إدارة النتائج العرضية من منظور الأخلاق الإسلامية. تقرير خاص بالتعاون مع مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق. في.: bit:// https

ly /2 UxsCC 6

الغندور، أحمد. الأحوال الشخصيّة في التشريع الإسلامي. ط 2. الكويت: مكتبة الفلاح،.1982 القرافي، أحمد بن إدريس الصنهاجي. الفروق. بيروت: عالم الكتب،.1985 الكاساني، علاء الدين أبو بكر. بدائع الصنائع. ط 2. بيروت: دار الكتاب العربي،.1982

المحمدي، علي محمد يوسف. أحكام النسب في الشريعة الإسلاميّة. الدوحة: دار قطري بن الفجاءة،

مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري. صحيح مسلم. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية،.1991 المقري، محمد بن محمد. القواعد. تحقيق أحمد بن عبد الله بن حميد. مكة المكرمة: شركة مكة للطباعة والنشر، [د.ت.]. النّسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي. المجتبى من السنن. حلب: مكتب المطبوعات الإسلامية،.1986 نظام (الشيخ) وجماعة من علماء الهند. الفتاوى الهندية في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان. بيروت: دار الفكر،.1991 النووي، يحيى بن شرف. المجموع شرح المهذب. تحقيق محمد نجيب المطيعي. جدة: مكتبة الإرشاد، [د.ت.]. النووي، يحيى بن شرف. صحيح مسلم بشرح النووي. القاهرة: المطبعة المصرية،.1929 وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. الموسوعة الفقهيّة. الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية،

ياسين، محمد نعيم. حجية الحكم القضائي. عمّان: دار النفائس،.2015