تعـريف المـدرسة
Definition of Madrasa
الملخّص
الغاية المقصودة من هذه الدراسة تعريفُ المدرسة في العصور الإسلامية تعريفًا من شأنه الوقوف على ماهية هذا المفهوم الملتبس الذي تعرّض للكثير من التشويه والذي يُستعمل استعمالات مغلوطة. إنها محاولة لمراجعة التعريفات المتداولة التي لا تزيده إلّا غموضًا واضطرابًا؛ لأنها تعريفات بالجنس لا ترقى إلى مستوى التعريف بالفصل؛ أي لا تُنبئُنا عن خصوصيته ولا تجيبنا عن سؤال: أي شيء هو في جوهره؟ ومعالجةً لإشكالية التسمية، واعتمادًا على مقاربة لغوية مفاهيمية، سنسعى إلى بيان التعالق بين المنطوق اللغوي والمفهوم الاصطلاحي لمُسمّى "المدرسة" بغرض تأكيد أن ما يميزها ويفصلها، بالمعنى المنطقي، عن المؤسسات الأخرى، خاصية واحدة هي التدريس ولا شيء غير ذلك، معتمدين، من أجل ذلك وعلى نحو خاص، على مجموعة من كتب التراجم والمناقب والطبقات في العصر الوسيط الإسلامي.
Abstract
Abstract: This paper seeks to define the concept of Madrasa in the Islamic Middle Ages - a concept that underwent serious distortion. It then reviews the current definitions that do not reflect its true essence. It is an attempt to review the current definitions, which only add to the ambiguity and confusion, because they do not relay its specificity and do not answer the question of what the essence of the concept is. Based on a conceptual linguistic approach, the study will clarify the correlation between the linguistic and conventional aspects of the concept of school, in order to emphasize what distinguishes it from other institutions, namely, teaching and nothing else. The study relies upon a collection of books of translations, manuscripts and classes in the Islamic Middle Ages.
- المدرسة
- التدريس
- الفقه
- Madrasa
- Teaching
- Jurisprudence
تقديم
استقطب موضوع مؤسسة المدرسة في العصر الوسيط الإسامي اهتمام الباحثين والدارسين الذين تعددت مقارباتهم واختلفت أطروحاتهم حول هذا الموضوع الإشكالي المتعدد المنافذ والأبعاد، والذي يمثّل نقطة تقاطع السياسات والممارسات الثقافية والإستراتيجيات المختلفة لمأسسة العلم1 ولآليات تبليغه2 «ولإنتاج المعرفة وإعادة إنتاج النخب»3. ثمة، إذ ا، مقاربات مختلفة ودعاوى متخاصمة بخصوص الظاهرة المدرسية أسفرت عن أفهام وأحكام متباينة؛ لكن المستقرئ لتلك المقاربات والدعاوى سيجد أن ثمة حقيقة مُسلّمًا بها من الجميع، والإجماع حولها منعقد، هي أن لفظ المدرسة لم يظهر على نحو واضح وكمُسمّى لا يتطرق إليه الشك إلا في القرن الحادي عشر الميادي (القرن الخامس الهجري) في المشرق زمن الساجقة الأتراك، وفي القرن الرابع عشر الميادي (القرن الثامن الهجري) في الغرب الإسامي زمن بني مرين. إذا استقرأنا تلك الأبحاث والدراسات ابتغاء الوقوف على تعريف موحد لمُسمى المدرسة يُنبئنا عن خصوصيته وتميزه من المؤسسات العلمية – التعليمية الأخرى التي وُجدت قبلها كالكتّاب والمسجد والجامع ودور العلم والزوايا والخوانق والمكتبات والبيمارستانات ودور القرآن والحديث وغيرها، لا نجد إلا تعاريف بالجنس لا تزيد اللفظ إلا غموضًا واضطرابًا، ولا ترقى إلى الحد التام الذي لا يتم إلا بذكر الجنس والفصل والموصل إلى تصور حقائق الأشياء؛ فالقول إن المدرسة «مؤسسة حضرية لا توجد إلا في الحواضر الكبرى» أو «مؤسسة فقهية» أو «وقفية» أو «المؤسسة التي تجمع بين الإيواء
والتدريس» ليس إلا مجرد عرض لخصائص مشتركة لا تفيد الفصل الذي يحدد، بلغة المناطقة، جوهر الشيء و«يحمل على الشيء في جواب: أي شيء هو في جوهره»4. إن هذه المنازعة على حدود اللفظ هي التي حدت بجوناثان بيركي، الذي يُعد أحد أبرز الباحثين في الموضوع، الذي نحن بسبيله، إلى الاعتراف باستحالة إيجاد تعريف دقيق للفظ المدرسة5. مقصودنا في هذه المقالة هو محاولة تعريف المدرسة من خال بيان تعالق المنطوق اللغوي والمفهوم الاصطاحي لمُسمّى «المدرسة»، معتمدين، بغرض تأكيد أن ما يميزها ويفصلها، بالمعنى المنطقي، عن المؤسسات الأخرى، خاصية واحدة هي التدريس ولا شيء غير ذلك، على مجموعة من كتب التراجم والمناقب والطبقات في العصر الوسيط الإسامي. علمًا أن وظيفة التعريف، بوصفها إحدى السمات الرئيسة للتفكير العلمي، هي «تبديد اللبس الناتج من الاستعمالات المختلفة للغة»6.
أولا: الأصل اللغوي للفظ المدرسة
يُستفاد من مختلف القواميس العربية والأعجمية أن لفظة المدرسة لفظة عبرانية، وهي دخيلة على اللسان العربي. إنها تصحيف للفظة «مدراش» Midrash التي تفيد، في أصلها اللغوي، معنى «التعمق في دراسة النص وتفسيره»7. وقد استعملت اللفظة عند اليهود بمعنى المعهد الذي تدرس فيه التوراة وكل ما له عاقة بالديانة العبرانية. ويطلقون عليها «بيت هامدراش» Medrash – Ha – Beth أي «بيت المدراش»، و«بيت ها تلمود» أي «بيت التلمود»، تمييزًا لها من بيت الك تّاب حيث يتعلم الأطفال القراءة والكتابة والمبادئ الأولية للمعرفة. لقد دخلت لفظة «مدرسة» اللسان العربي، إذًا، من «الوجهة الدينية »8 وأُطلقت على المكان الذي تدرس فيه التوراة، «فصار بمنزلة المدرسة، يقصده اليهود للتفقّه فيه والتعلّم»9. نقرأ في لسان العرب: أن المدرسة (مفرد مدارس) وهو «اسم مكان من فعل درس على وزن فعل. والمُدرّس اسم فاعل. وهو المُدرس للفقه»10. كما نقرأ أيضًا: «المدراس: البيت الذي يدرس فيه
القرآن»11. كما ورد في القاموس المحيط: «والمدراس: الموضع الذي يقرأ فيه القرآن، ومنه مدراس اليهود»12، أي «المدراس: بيت تدرس فيه التوراة»13. والجدير بالإشارة أن المكان المخصص لمثل هذه الدراسات عند المسيحيين كان يسمى «سكوليه» Skholé؛ المكانُ الذي يجتمع فيه رجال الدين المسيحيون في أماكن الدرس المعروفة باسم «سكوليه» من أجل (دراسة) نص مشهور من نصوص القدماء14. والجدير بالإشارة، أن كلمة «سكوليه»، اليونانية الأصل، كانت ترتبط عند اليونانيين بالزمن؛ أي ذلك الزمن المخصص للنشاطات الدراسية من طرف علماء متفرغين يتمتعون بكل شروط الراحة والسكينة15. وهذا ما أسماه ابن جبير، لاحقًا، في رحلته ب «راحة البال»16. وهذا هو القاسم المشترك الأساس بين مدْراش اليهودي وسْكوليه المسيحي والمدرسة الإسامية.
ثانيًا: الفروق بين الإقراء والتعليم والتدريس
1. الإقراء
الإقراء عملية استظهار واستماع بين المقرئ والمستمع بغاية الحفظ، وهي مهمة يمكن أن يقوم بها صغار السن17. يتعلق الأمر بإقراء القرآن، على وجه الخصوص، بغاية الحفظ؛ إنه تلقين لكتاب الله من أجل حفظه كما ورد عند أبي بكر بن العربي في كتابه الأحكامحيث يقول: «وللقوم في التعليم سيرة بديعة، وهي أن الصغير منهم إذا عقل بعثوه إلى المكتب، فإذا عبر المكتب أخذوه بتعلم الخط والحساب والعربية، فإذا حذقه كلّه أو حذق منه ما قدر له خرج إلى المقرئ فلقنه كتاب الله فحفظ منه كل يوم ربع حزب أو نصفه أو حزبًا حتى إذا حفظ القرآن خرج إلى ما شاء الله من تعليم أو تركه»18.
في معرض حديثه عن دور العلم، يشير يوسف العش إلى وجود «دار القُرّاء [وهي] بناء مخصص لقرّاء القرآن الكريم»19. ومن ثمة، فإن القراءة دون درجة الدراسة20؛ لكن عندما تكون الغاية هي الفهم والتفقُّه وليس مجرد الحفظ، تكون القراءة أقرب إلى الدراسة وبمنزلة تقرّؤ أو مُقارأة: تصديقًا لما ورد عند الأصفهاني: «وتقرّأتُ تفهّمْتُ، وقارأْتُه دارسْتُه »21، كما أن إقراء الفقه في المدرسة، إنما يُقصد به الإماء22، أما القراءة فهي، كما ورد عند البلوي، «قراءة تفقّه وبحث»23، تصديقًا لما جاء في لسان العرب: «قرأتُ: تفقّهْتُ»24.
2. التعليم
عبارة عن عملية تلقين تتم بين مالك العلم (المعلم) وطالبه (المتعلم) في الك تّاب، وهي عملية لا غنى عنها للصبيان (الأولاد). والغاية منها إكساب المتعلم مهارة عملية؛ حول تعليم الصبيان بالباد المشرقية في القرن السادس الهجري. يقول الرحالة المغربي ابن جبير: «وتعليم الصبيان للقرآن بهذه الباد المشرقية كلها»25. وهكذا يتم «تعليم الأولاد»26 صنعة من الصناعات كالحياكة والنسج27. كما قد تكون الغاية تلقين السنن والفرائض الواجب تعلمها، لكن الحفظ هو المراد تحقيقه عندما يتعلق الأمر بتعليم العلوم، وهكذا يمكن الحديث عن تعليم الفقه أو القرآن أو النحو أو الحساب، غير أن تعليم الفقه ليس
كتدريسه؛ الأول غايته الحفظ والمحاكاة والثاني غايته الفهم. كما نقرأ في جذوة الاقتباس أن الفقيه المقرئ إبراهيم أحمد اللمطي الفاسي (ت. 988 ه): «كان رجل صالحًا فاضلً يعلم أولاد المسلمين القرآن والنحو بمكتب عقبة السبيطريين»28. وبصفة عامة فالتدريس يستهدف الطلبة، بينما يستهدف التعليم الصبيان. وهذا ما عبّر عنه ابن جبير بوضوح حين ميّز بين «تدريس الطلبة وتعليم وتلقين الصبيان»29. والمنهج المتبّع في ذلك هو التكرير والتكثير، إذ إن «التعليم اختص بما يكون بتكرير وتكثير حتى يحصل منه أثر في نفس المتعلم»30. وحول مهمة معلم الكتَّاب والشروط الواجب أن تتوافر فيه، يقول السبكي في معيد النعم ومبيد النقم: «وينبغي أن يكون صحيح العقيدة، فلقد نشأ صبيان كثيرون عقيدتهم فاسدة، لأن فقيههم كان كذلك. فأول ما يتعيّن على الآباء الفحص عن عقيدة معلم أبنائهم قبل البحث عن دينه في الفروع، ثم البحث عن دينه في الفروع. ومن حق معلم الصغار ألا يعلمهم شيئًا قبل القرآن، ثم بعده حديث النبي، صلى الله عليه وسلم، ولا يتكلم معهم في العقائد، بل يدعهم إلى أن يتأهلوا حق التأهل، ثم يأخذهم بعقيدة أهل السنة والجماعة، وإن هو أمسك عن هذا الباب فهو الأحوط. وله تمكين الصبي المميز من كتابة القرآن في اللوح وحمله، وحمل المصحف وهو محدث»31.
3. التدريس
مهمة التدريس مهمة ينهض بها العلماء من أجل تكوين الفقهاء. وهي مهمة تعليمية وليست مجرد مهمة تربوية32. والطلبة بهذه المدارس يسمون فقهاء33، لكن ليس كل طالب يستحق صفة الفقيه. يقول صاحب الديباج المذهب: وكان [...] لا يرى أن يسمى طالب العلم فقيهًا حتى يتكهّل، ويكمل سنه ويقوى نظره، ويبرع في حفظ الرأي، ورواية الحديث، ويتميز فيه، ويعرف طبقات رجاله، ويحكم عقد الوثائق، ويعرف عللها، ويطالع الاختاف، ويعرف مذاهب العلماء، والتفسير، ومعاني القرآن. فحينئذ يستحق أن يسمى فقيهًا، وإلا فاسم الطالب ألْيقُ به إلى أن يلحق بهذه الدرجة، ودعاء الداعي له باسم الفقيه: سخرية»34.
إن العلماء هم الذين يتولون مهمة التدريس بالمدارس. نقرأ في الشهب اللامعة: «كان الوزير نظام الملك قد بنى دور العلم للفقهاء، وأنشأ المدارس للعلماء، وأسس الرباطات للعبادة، والزهاد، وأهل الصاح والفقراء»35. وتصديقًا لذلك يقول التنبكتي إن المدرسة «أنوه مواضع التدريس»36. وفي إشارة عابرة، يذكر جورج مقدسي أن ثمة تداخل بين لفظي «الدرس» و«الفقه»، فهناك كلمات من جذر: «فقه»، وجذر: «درس». ك «تفقّه على»، «درس على»، «درس الفقه على»، «أخذ الفقه عن»،» قرأ الفقه على»، و«سمع الدرس على»، وهي كلها عبارات تعني دراسة الفقه على مدرس الفقه37. وهذا معناه أن التدريس يعني أساسًا تدريس الفقه، أو العلوم الشرعية، وما يتطلبه ذلك من جدل وخاف ومناظرة38. وكما يقول القلقشندي في صبح الأعشى في صناعة الإنشا «التدريس [...] موضوعه إلقاء المسائل العلمية للطلبة وذلك ليستنبط المسائل وليجيب بالأدلة المسائل وليرجح المباحث»39. أي إن الأمر يتعلق بمسائل الفقه التي هي مسائل علمية40 «تتطلب دراسة وبحثًا دقيقين»41 في «المدارس التي جُعلت لاشتغال بالعلم»42.
يتحصّل لنا مما تقدم أن المدارس وُجدت من أجل تدريس مسائل الفقه لفئة مخصوصة يعول عليها أن تتولى الخطط الشرعية في المستقبل، وهي خطط ينالُونها بالفقه43. وفضل عن ذلك فإن مهمة التدريس تتطلب الضلوع في العلم والتفقه في المادة المُدرَّسَة. وأصحاب التدريس على أربعة أصناف: «المحدّثون والقرّاء والفقهاء وشيوخ النحو»44، كما أن هدفه الفهم وليس الحفظ، فهم المسائل عبر تكرارها وإعادتها «حتى يفهمها الخاص والعام»45. أي «المدارسة» بغاية «فهم الدقائق» كما عبّر عن ذلك ابن مريم46. وعليه، فإن التدريس بهذا المعنى يقوم على الجدل والمناظرة47. في معرض حديثه عن الانتقال من المسجد إلى المدرسة، يقول آدم متز: «وكان تغير طريقة التعليم سببًا في إيجاد نوع جديد من المؤسسات العلمية، ذلك أنه لما انتشرت طريقة التدريس نشأت المدارس، ولعل من أكبر الأسباب في ذلك أن المساجد لم يكن يحسن تخصيصها للتدريس بما يتبعه من مناظرة وجدل قد يخرج بأصحابه أحيانًا عن الأدب الذي تجب مراعاته للمسجد»48.
أ. المُدرّس
جاء في العباب الزاخر49: «ورجل مُدرّس: أي مُجرّب»؛ ووظيفته شبيهة بوظيفة الأستاذ50، بحيث يجب عليه، كما يقول تاج الدين السبكي: «أن يُحسن إلقاء الدرس، وتفهيمه للحاضرين»51؛ وموضوع التفهيم والتحقيق، كما هو معلوم عند أهل الاختصاص، من صميم «مشكات الفقه»52. ولمّا لاحظ وجود متطفلين على هذه المهمة وغير جديرين بها وليسوا مؤهلين لها، عبّر عن ذلك
بقوله: «ومن أقبح المنكرات مدرس يحفظ سطرين أو ثاثة من كتاب، ويجلس يلقيها ثم ينهض. فهذا إن كان لا يقدر إلا على هذا القدر فهو غير صالح للتدريس، ولا يحل له تناول معلومه، وقد عطل الجهة، لأنه لا معْلوم لها. وينبغي ألا يستحق الفقهاء المنزلون معلومًا، لأن مدرستهم شاغرة من مُدرس»53. وفي السياق نفسه، وبخصوص المشكلة نفسها، قال التنبكتي معلقًا على قول سابق للمقري حول دور المدارس المرينية في فساد العلم: «ولعمري لقد صدق في ذلك وبر. فلقد أدى ذلك إلى ذهاب العلم بهذه المدن المغربية، والتي هي باد العلم من قديم الزمان كفاس وغيرها حتى صار يتعاطى الإقراء على كراسيها من لا يعرف الرسالة أصلً فضلً عن غيرها، بل من لم يفتح كتابًا للقراءة قط، فصار ذلك ضحكة، وبسبب ذلك أنها صارت بالتوارث والرئاسات، أعاذنا الله حتى خلت الساعة ممن يعتمد عليه في علمه»54. يستفاد مما سبق أن المدرسة موضع لفئة مخصوصة وليس للعامة. يقول ابن الحاج في المدخل: «المدرسة ليست للعامة». إن القصد من إنشاء المدارس كما يذكر ابن الحاج دائمًا: «أن يأتيها غالبًا من قصد العلم أو الاستغناء»، فليس كل من دخل الجامع أو المسجد يريد أن يتعلم بالضرورة، «ولكن كل من دخل المدرسة يريد أن يتعلم بالضرورة»55. وتصديقًا لقول التنبكتي، فإن بعض الواقفين اشترطوا على المدرس أن يكون بالغًا سن الأربعين56. وبحسب الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن موسى العبدوسي يجب أن يكون عمر الطالب في المدرسة عشرين سنة فما فوقها57. و«عند ابن عرفة أن إطاق لفظ المدرّس على ناقل كام الناس بدون كشف وبحث مجاز لا حقيقة»58.
ب. الدّرس
نقرأ في لسان العرب: «والدَّرْسُ: أَثر الدِّراس، ودرسَ الكتابَ يَدْرسُه دَرْسًا ودِراسَةً ودارسَه، من ذلك، كأَنه عانده حتى انقاد لحفظه. ودرَسْتُ الكتاب أَدْرسُه دَرْسًا أَي ذللته بكثرة القراءة حتى خفَّ حفظه عليَّ، من ذلك؛ قال كعب بن زهير: وفي الحِلم إِدْهانٌ وفي العَفْوِ دُرْسَةٌ، وفي الصِّدْقِ مَنْجاةٌ من الشَّر
فاصْدُقِ، قال: الدُّرْسَةُ الرِّياضَةُ، ومنه درَسْتُ السورةَ أَي حَفظتها »59، وذلك لن يتأتى إلا بمداومة القراءة. وقد جاء في المفردات في غريب القرآن: «درس الكتاب ودرست العلم تناولت أثره بالحفظ. ولمّا كان تناول ذلك بمداومة القراءة عبّر عن إدامة القراءة بالدرس»60. إن الدرس الفقهي، إذ ا، «قراءة بحث وتحقيق»61. يقول ابن مريم في ترجمته لأحد المدرسين: «يبدأ أولً بإيضاح صورة المسألة حتى يفهمها كل أحد، ثم بعد ذلك يتسع في نقل كام الشُرّاح ويبحث معهم، ثم بعد ذلك ينقل من الأمهات والدواوين الكبار كاللّخمي وابن رشد والنوادر ونحوها يحقق بها فقه المسألة»62. ولأن الدرس موجه إلى الكبار يتكفل به «رجل يدرس العلم ويدرّسه»63، وعلى الرغم من أن الدرس في العصر الوسيط الإسامي كان يقصد به درس الفقه64، فإن التدريس قد يهم أصول الدين وأصول الفقه. «وحدثني أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم: حدثني أبو علي سالم بن سامة السوسي أن أبا الفضل لما قدم سجلماسة نزل مسجد ابن عبد الله ليدرس أصول الدين وأصول الفقه»65. وهكذا فإن دراسة ومُدارسة القرآن معناهما التعمّق والتبحّر أي التفقّه، وهذا أمر يحتاج إلى الاعتكاف66.
خاتمة
بالالتفات إلى ما تقدم، يتضح أنه، بالرجوع إلى كتب التراجم والمناقب والطبقات في الفترة التي ظهرت فيها المدارس، نجد أن ثمة تعالقًا بين المنطوق اللغوي والمفهوم الاصطاحي للفظ المدرسة. كما نجد حرصها على التمييز الدقيق بين الإقراء والتعليم والتدريس؛ فإذا كان الإقراء والتعليم للصبيان، فالتدريس خاص بالطلبة، يدرسون الفقه في «أنوه مواضع التدريس»، والتي تتنزل منزلة التعليم الجامعي الإسامي، كما مثّل ظهورها في الحضارة الإسامية الوسيطية حدثًا تاريخيًا ترتب على وضع
ديني – اجتماعي – قانوني معين، كما ترتّبت عليها نتائج تربوية وفكرية عميقة بما هي مؤسسة أصبحت، منذ القرن الحادي عشر الميادي في المشرق زمن الساجقة والقرن الرابع عشر الميادي في الغرب الإسامي زمن المرينيين، تحتل موقعًا مركزيًا وحاسمًا في دائرة الانتظام الاجتماعي والسياسي. وهذا ما لم ينتبه إليه جلّ، إن لم نقل كلّ، «المُتنازعين على حدود اللفظ» من الباحثين المعاصرين الذين تناولوا بالدراسة والتحليل الظاهرة المدرسية لخلطهم بين المدلولات والمصطلحات من جهة، ولجهلهم بالمصادر التي اعتمدناها في إعداد هذه المقالة، أو لتجاهلهم إياها من جهة أخرى. من كل هذا، نخلص أول إلى أن المدرسة لم تكن تلك التسمية التي يمكن إطاقها على كل موضع علمي؛ بل هي تلك المؤسسة الحضرية التي لم توجد، خافًا للمؤسسات العلمية والتعليمية الأخرى، إلا في الحواضر الكبرى، وهي موضع الدراسة العليا المتخصصة، وما الإيواء إلا استمرار لتقليد قديم من أجل توفير راحة البال للطلبة. وهي مؤسسة لا يتولى مهمة التدريس فيها، من حيث المبدأ، إلا من بلغ مرتبة المشْيخة. وهذا ما تؤكده الأصول اللغوية – الإيتيمولوجية للفظة «المدرسة.» كما نخلص ثانيًا إلى أن تعريف المدرسة بالفصل والماهية لا بالجنس والنوع، هو المدخل الرئيس، والذي لا سبيل إليه إلا بالاعتماد على كتب التراجم، والطبقات، والمناقب، والنوازل الفقهية، وكتب الرحات بجمع شواردها وحسن استثمار مادتها الغنية من أجل سد الفراغات التي تركتها المصادر التاريخية المعتادة، من أجل معرفة أحوال هذه المدارس، خاصة فيما له صلة بالمواد والبرامج المقررة، ونظم الإدارة والتسيير، وسير المدرسين بها، وطرق تبليغ العلم، ومن أجل فهم رهاناتها السياسية والأيديولوجية.
References
المراجع
العربية
ابن بطوطة. رحلة ابن بطوطة المسماة: تحفة النظّار في غرائب الأقطار وعجائب الأمصار. علّق عليه محمد السعيد محمد الزيني. القاهرة: المكتبة التوفيقية، [د. ت.].
ابن جبير الأندلسي، أبو الحسين محمد بن أحمد. رحلة ابن جبير في مصر وبلاد العرب والعراق والشام وصقلية عصر الحروب الصليبية. تحقيق حسين نصار. القاهرة: مكتبة مصر،.1992
ابن خلدون، عبد الرحمن. شفاء السائل وتهذيب المسائل. تحقيق محمد مطيع الحافظ. دمشق؛ بيروت: دار الفكر المعاصر،.1996
.________ التعريف بابن خلدون ورحلته غربًا وشرقًا. سوسة: دار المعارف للطباعة والنشر،.2004 ابن سحنون، أبو عبد الله محمد. كتاب آداب المعلمين. تحقيق حسن حسني عبد الوهاب ومحمد العروسي المطوي. مراجعة الطبعة الثالثة إبراهيم بن مراد. تونس: المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون «بيت الحكمة»، [د. ت.].
بدوي، عبد الرحمن (جمع وترجمة.) التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية. ط 4. بيروت: دار القلم؛ الكويت: وكالة المطبوعات،.1980
البلوي، خالد بن عيسى. تاج المفرق في تحليّة علماء المشرق. مقدمة وتحقيق الحسن السائح. ج.1 المحمدية: صندوق إحياء التراث الاسامي المشترك بين المملكة المغربية والامارات العربية المتحدّة، [د. ت.].
ابن مريم التلمساني، أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد. البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية،.1987
بهجت، منى محمد بدر محمد. أثر الحضارة السلجوقية في دول شرق العالم الإسلامي على الحضارتين الأيوبية والمملوكية بمصر. القاهرة: مكتبة زهراء الشرق،.2002
البوسكاوي، سعيد (منسق.) العلم والتعليم في بلاد المغرب من القرن التاسع إلى القرن الثاني عشر الهجري. سلسلة ندوات ومؤتمرات 7. وجدة: مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، ابن الزيات، أبو يعقوب يوسف بن يحيى التادلي. التشّوف إلى رجال التصوّف وأخبار أبي العباس السبتي. تحقيق أحمد التوفيق. ط 2. الرباط: منشورات كلية الآداب،.1997
التنبكتي، أحمد بابا. نيل الابتهاج بتطريز الديباج. حماه الله ولد سالم. بيروت: دار الكتب العلمية، ابن قنفد القسنطيني، أبو العباس أحمد الخطيب. أنس الفقير وعزّ الحقير. اعتنى بنشره وتصحيحه محمد الفاسي وأدولف فور. سلسلة الرحات 2. الرباط: المركز الجامعي للبحث العلمي،.1965 الراغبالأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد. المفردات في غريب القرآن. راجعه وقدم له وائل أحمد عبد الرحمن. القاهرة: المكتبة التوفيقية، [د. ت.].
زريوح، عبد الحق. «المدرسة والكتّاب وأصولهما اللغوية والتاريخية.» مجلة التراث العربي. العدد 95 زيادة، نقولا. دمشق في عصر المماليك. بيروت: مكتبة لبنان؛ نيويورك: مؤسسة فرنكلين للطباعة والنشر،.1966
السبكي، تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين. معيد النعم ومبيد النقم. القاهرة: جماعة الأزهر للنشر والتأليف؛ دار الكتاب العربي بمصر،.1948
شير، السيد ادّى. كتاب الألفاظ الفارسية المعربة. ط 2. القاهرة: دار العرب،.1988–1987
العش، يوسف. دور الكتب العامة وشبه العامة لبلاد العراق والشام ومصر في العصر الوسيط. ترجمة وتحقيق نزار أباضة ومحمد صباغ. بيروت؛ دمشق: دار الفكر المعاصر،.1991
علي، جواد. المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام. بغداد: منشورات الشريف الرضي، [د. ت.]. الغزالي، أبو حامد. معيار العلم في المنطق. شرحه أحمد شمس الدين. بيروت: دار الكتب العلمية،.________ إحياء علوم الدين. علق عليه جمال محمود محمد سيد. القاهرة: دار الفجر،.1999
غوتاس، ديمتري. الفكر اليوناني والثقافة العربية: حركة الترجمة اليونانية – العربية في بغداد والمجتمع العباسي المبكر. ترجمة وتقديم نقولا زيادة. بيروت: المنظمة العربية للترجمة؛ مركز دراسات الوحدة العربية،.2003
الفاسي، علي بن أبي زرع. الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس. راجعه عبد الوهاب بن منصور. ط 2. الرباط: المطبعة الملكية،.1999
القلقشندي، أحمد بن علي. صبح الأعشى في صناعة الإنشا. تحقيق محمد شمس الدّين [وآخرين.] بيروت: دار الكتب العلمية،.1987
المالكي، ابن فرحون.الديباج المذهّب في معرفة أعيان المذهب. تحقيق وتعليق محمد الأحمدي أبو النور. ط 2. القاهرة: دار التراث للطبع والنشر،.2005
المالقي، عبد الله بن يوسف بن رضوان. الشهب اللامعة في السياسة النافعة. تحقيق علي سامي النشار. الدار البيضاء: دار الثقافة،.1984
متز، آدم. الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري. ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة. تقديم مصطفى لبيب عبد الغني. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2008
معلوف، لويس. المنجد في اللغة والأدب والعلوم. ط 19. بيروت: المطبعة الكاثوليكية، [د. ت.]. المعموري، الطاهر. جامع الزيتونة، جامع الزيتونة ومدارس العلم في العهد الحفصي والتركي من سنة 1206/603 إلى سنة 1705/1117. القاهرة: الدار العربية للكتاب،.1980
المكناسي، أحمد بن القاضي. جذوة الاقتباس في ذكر من حلّ من الأعلام مدينة فاس. الرباط: دار المنصور للطباعة والوراقة،.1973
المقري، أحمد بن محمد. أزهار الرياض في أخبار عياض. تحقيق مصطفى السقا وإبراهيم الإباري وعبد العظيم شلبي. القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر،.1939
الونشريسي، أبو العباس أحمد بن يحيى. المعيار المغرب والجامع المعرب عن فتاوى أهل أفريقية والأندلس والمغرب. الرباط: نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسامية،.1981
الأجنبية
Berkey, Jonathan Porter. The Transmission of Knowledge in Medieval Cairo: A Social
History of Islamic Education. Princeton: Princeton University Press, 1992.
Chamberlain, Michael. Knowledge and Social Practice in Medieval
Damascus:1190–1350. Cambridge: Cambridge University Press, 1995.
Grandin, Nicole & Marc Gaborieau (eds.). Madrasa: Transmission du Savoir dans le
Monde Musulman. Paris: Arguments, 1997.
Legorburo Ibarra, Yunersy. «Espacios del conocimiento, muros del silencio:
fundamentos arquitectónicos de la madrasa en el Islam oriental, siglos XIV–XVI.»
Estudios de Asia y Africa. vol. 41. no. 3 (Septiembre–Diciembre 2006).
Makdisi, George. «Muslim Institutions of Learning in Eleventh–Century Baghdad.»
Bulletin of the School of Oriental and African Studies. vol. 24, no. 1 (1961).
Perrin, André. «Éducation et instruction.» Philo pour tous. at: http://bit.ly/2IQBEaG
Rickert, Heinrich. Théorie de la définition. Marc de Launay & Carole Prompsy (trad.).
Paris: Gallimard, 1997.
Marroco, Bilal & Luca Mattei. «La Madraza yusufiyya en época andalusíun: diálogo
entre las fuentes árabes escritas y arqueológicas.» Arqueología y territorio medieval.
no. 16 (2009).
Urvoy, Dominique. Le Monde des Ulémas andalous du V/XI au VII/XIIIe siècle: étude
sociologique. Genéve: Librairie Droz, 1978.
Vajda, Georges. La Transmission du Savoir en Islam: VIIe–XVIIIe siècles , Nicole
Cottart (ed.). London: Variorum Reprints, 1983.
Van Renterghem, Vanessa. «Les élites dans le monde arabo–musulman medieval:
L’exemple de Bagdad sous les Seldjoukides.» Hypothèses. vol. 4, no. 1 (2001).