في وجوديّة عبد الرحمن بدوي ونقد الجابري لها: ماهية العدم ومركزيّة الزمان
On the Existentialism of Abdel Rahman Badawi and al–Jabri’s Critique: The Meaning of Nothingness and the Centrality of Time
الملخّص
تُعنى هذه الدراسة بالتنقيب في النتاج الفلسفي للمفكر المصري عبد الرحمن بدوي (1917-2002)، بُغية الكشف عن ماهية مقولتي العدم والزمان في فلسفته، ومن أجل تحليل طبيعة العلاقة بينهما على اعتبار أنها شكلت الناظم الرئيس في تكوين رؤيته لبنية الوجود. لذا تتوزع على ثلاثة أجزاء رئيسة، حيث تعالج في الجزء الأول تحليل بدوي لإشكالية العدم وسياقات تناولها تاريخيًا، إضافةً إلى الرابط ما بين العدم من جهة ومفاهيم الفردية والحرية والإمكان من جهة ثانية، ثم تنتقل في الجزء الثاني إلى تحديد تركيبة الوجود في فلسفته وموقع كل من الزمان والعدم فيها، أما في الجزء الثالث فتناقش طبيعة النقد الذي وجهه المفكر المغربي محمد عابد الجابري إلى آلية تلقي بدوي للفلسفة الوجودية الأوروبية في سياق الفكر العربي.
Abstract
Abstract: This study explores the philosophical work of the Egyptian intellectual Abdel Rahman Badawi in order to uncover the meaning of the narratives of time and nothingness in his philosophy and in order to analyse the nature of the relationship between the two concepts. This relationship formed the main component governing the formation of his vision of the structure of existence as a whole. This study will be divided into three main sections. The first section will deal with Badawi’s analysis of the problem of nothingness and its historical context, as well as the link between nothingness on the one hand and between the concepts of individuality and freedom on the other. The second section defines the structure of existence in his philosophy and the location of both time and nothingness. The third section will discuss the nature of the criticism presented
- الوجود
- العدم
- الزمان
- الإمكان
- الفردية
- الحرية
- التوتر
- الجابري
- بدوي
- نقد
- Existence
- Nothingness
- Time
- Possibility
- Individuality
- Freedom
- Abdel Rahman Badawi
- Mohammed Abed al-Jabri
by the Moroccan thinker Mohammed Abed al–Jabri of Badawi’s reception of European existential philosophy in the context of Arab thought.
مقدمة
على الرغم من اعتناق بدوي المذهب الوجودي، فإن مؤلفاته التي عُنيت بمعالجة قضايا الفلسفة الوجودية لم تتعدَّ أربعة كتب، هذا إذا ما قمنا بمقارنة عددها بعشرات الكتب والدراسات في شتى حقول الفلسفة، وهذه الكتب هي: الزمان الوجودي (1945)، والموت والعبقرية (1945)، والوجودية والإنسانية في الفكر العربي (1947)، ودراسات في الفلسفة الوجودية (1961). بيدَ أن البُعد الأصيل لإسهام بدوي يظهر أساسًا في كتابه الزمان الوجودي1، والذي يُشك ل العمود الفقري لفلسفته الوجودية برمّتها، وذلك لما يتضمنه من رصانة في البحث، ولما يحتويه من مقاربات جديدة لمجموعة من المقولات التأسيسية في الفلسفة الوجودية مثل مقولات: الوجود والعدم والزمان والحرية، وغير ذلك. ولقد حدّد بدوي الخط العريض لمشروعه الفلسفي في بداية هذا الكتاب بقوله: «غاية الموجود أن يجد ذاته داخل ووسط الوجود. وها هنا صورة إجمالية لمذهب فسّرنا فيه الوجود على أساس الزمان، وحاولنا تحقيق هذه الغاية للإنسان»2. وإنّ هذا التحديد يستند إلى تبني بدوي سؤال الوجود انطاقًا من فكرة أولوية السؤال الأنطولوجي التي قال بها مارتن هايدغر3؛ على اعتبار أن هذه الأولوية متأتية من نزوع الموجود إلى محاولة فهم موقعه في العالم وفهم تركيبة الوجود الذي يحيط به. إذًا، في سياق جهده المنصب على إقامة مذهب يفسّر فيه الوجود على أساس الزمان، عالج بدوي مشكلة العدم وقام بتحليلها، مقدّمًا قراءة نقدية في آليات تناولها ضمن السياق التاريخي لكلٍّ من الفلسفة اليونانية والرؤية الدينية. وبناءً على نقده للمعنى الذي أخذه على العدم في فلسفتي هنري برغسون وهايدغر، بلور بدوي نظريته الخاصة حول هذه المشكلة، كما سيتبين لنا في القسم الأول من هذه الدراسة. إنّ من شأن تتبع مركزية مقولة الزمان في فلسفة بدوي، والذي سنقوم به في القسم الثاني من هذه الورقة، أن يقودنا إلى فهم رؤيته لماهية الوجود على امتداد تاريخ الفكر الفلسفي، إضافةً إلى الإحاطة بنظرته إلى العاقة التي تربط بين مجموعة من المقولات المركزية في فلسفته، مثل مقولات: الإمكان، والفردية، والطفرة، والآنية، والزمانية، والعدم، وغير ذلك. هذه المقولات التي من شأنها أن تفتح لنا المجال إلى إدراك ماهية الزمان وطبيعة عاقته بالوجود، وإلى الإحاطة بالمنطق الذي تبناه وسمّاه
منطق التوتر، والذي ترتّب على رؤيته لتركيبة الوجود من جهة، ولطبيعة العقل البشري من جهة أخرى. كل هذه القضايا مهدت الطريق لبدوي ليكوِّن موقفه المعرفي من الزمان، والذي يقوم على اعتباره خالقًا، وعلى أنه علّة الاتحاد بين العدم والإمكان. وفي القسم الأخير من دراستنا نعكف على دراسة النقد الذي وجهه المفكر المغربي محمد عابد الجابري (2010–1935) إلى فلسفة بدوي، وإلى طبيعة تلقيه أطروحات الفلسفة الوجودية الغربية في سياق الفكر العربي، ونقوم بتفنيد النقاط التي ركّز الجابري نقده عليها، والتي تتمحور حول مسألتين مركزيتين: الأولى هي موقف فلسفة بدوي من العقل ودوره في تشكيل المعرفة الإنسانية المتوجهة إلى فهم طبيعة الوجود، والثانية هي نمط الاشتغال الفلسفي الذي تبناه بدوي، وموقع هذا النمط من سؤال النهضة العربية. إن ما يدفعنا إلى تناول نقد الجابري لوجودية بدوي يندرج في إطار سعينا للنظر إلى تجربة بدوي الفلسفية في سياق الفكر العربي المعاصر، وفهم آليات تلقيه للفلسفة الأوروبية ومحدداته، وفحص مدى صواب هذه المحددات من وجهة نظر الجابري. وتأتي أهمية معالجة هذه المحددات من كونها تعكس رؤية كل منهما لطبيعة الفلسفة ووظيفتها وماهية عاقتها بالسياق الاجتماعي والثقافي الذي تنشأ فيه.
أولا: ماهية العدم في فلسفة عبد الرحمن بدوي الوجودية
1. العدم وفق الرؤية الدينية ومن وجهة نظر الفلسفة اليونانية
يعتقد بدوي أن كلتا النظرتين الدينية والفلسفية اليونانية ربطت ما بين الخلق والزمان، وقد اختلفت ماهية هذا الربط باختاف رؤية كلٍّ منهما للعدم. حيث لم تعط الفلسفة اليونانية العدم معنى ما هو خالٍمن الوجود، بل نظرت إليه بوصفه الاوجود، هذا الاوجود يكون بمعنى عدم التعيّن وهو الهيولى الخالية من كلِّ صورة4، ويقول بدوي إن من طبيعة هذه الهيولى أنها عابرة، وذلك «لأنها حال انتقال بين صورة تزول وصورة تحل. والخلق تبعًا لهذا هو الانتقال من حالة التعيّن بصورة، بالنسبة إلى الهيولى، إلى حال الأخذ بصورة ما، أي أنّه التغيّر بالمعنى العام»5. وهذا التغيّر (الخلق) لا يمكن أن يتم بين الوجود والعدم، لأنّ كل تغيّر لا بد أن يجري بين طرفين يتعاقبان على موضوع غير معيّن، ومن ثمّ فإنّ هذا التغيّر الذي هو فعل الخلق هو انتقالٌ من وجودٍ إلى وجود، وليس انتقالً من العدم إلى الوجود، وسبب ذلك أن كل تغيّر يستلزم نقطة بدء وجودية، وعليه يكون الخلق بوصفه تغيرًا غير قابلٍ أن يكون من العدم لأنه يستلزم بالضرورة نقطة بدءٍ وجودية. وانطاقًا من ذلك قالت الفلسفة اليونانية بأن العدم لا يحدث عنه شيء6.
وعلى العكس من النظرة الفلسفية اليونانية، تقول الرؤية الدينية بالخلق من العدم، كما يرى بدوي، على الأقل الرؤية الدينية للديانات السماوية، فالله قام بفعل الخلق الأول من العدم وأوجد منه الوجود. هذا العدم ينظر إليه الموقف الديني على أنه عدمٌ مطلقٌ ينافي كل وجود. وكما ربطت النظرة الفلسفية بين العدم والزمان، كذلك فعلت النظرة الدينية، فقالت بأن الزمان مخلوق، وذلك لأن الحركة والتغير حادثان ومخلوقان، في حين أن الزمان أزلي من وجهة نظر الفلسفة اليونانية، وسبب ذلك أن الحركة أزلية نتيجة أن التغير أو الخلق أزلي بدوره أيضًا. ويعتقد بدوي أن الرّبط الذي قامت به كلتا النظرتين – الدينية والفلسفية اليونانية – بين الزمان والخلق هو ربطٌ خارجي؛ لأن كلتا النظرتين لم توضّح ماهية العدم بذاته، فالنظرة الدينية عُنيت بالمعدوم ولم تُعنَ بالعدم بوصفه عدمًا، أي أنها اهتمت بالأشياء في حالة العدم وليس بالعدم نفسه. ويستشهد بدوي بالخاف الذي نشب بين المعتزلة والأشاعرة حول مسألة الوجود والماهية، والذي تركز حول سؤال: هل المعدوم شيء أم ليس بشيء؟ فقد ذهب المعتزلة إلى القول بأن الوجود غير الماهية، وبذلك أمكنهم تصوّر الماهية على أنها غير موجودة، وسمّوها في تلك الحالة بالمعدومة7. في حين قال الأشاعرة إن المعدوم ليس بشيء وأن الوجود هو عين الماهية، وبذلك انطلق الموقفان رغم تعارضهما، من البحث في الأشياء في حالة العدم وليس من البحث في العدم نفسه. وفي المقابل فإن الفلسفة اليونانية لم تتعمق في معنى العدم لأنها استبعدته، فهي بحسب بدوي حاولت تفسيره لا كما هو في ذاته، حيث حمل في الفلسفة اليونانية ثاثة معان وردت في كتاب أرسطو ما بعد الطبيعة، وهي: الاوجود تبعًا للمقولات ويقصد به السلب8، والاوجود بمعنى الباطل، وكذلك الاوجود بوصفه القوة في مقابل الفعل9. وعليه، فإن بدوي يعتقد أن كل من الرؤيتين الدينية والفلسفية القديمة (اليونانية) لم تتمكنا من الاقتراب من كنه العدم ودراسة بنيته دراسة فلسفية عميقة، بمعنى ظلّ تناولهم له من خارج بنيته وليس من داخلها.
2. العدم في فلسفة هنري برغسون
يعتقد برغسون (1941–1859)، في كتابه التطور الخالق، أن العدم ليس سوى فكرة مزعومة تثير حولها أفكارًا مزعومة10، وأن العدم مجرد تصوّر باطل، ويشبّهه بتصور دائرة مربعة، ويورد على رأيه هذا مجموعة أدلة، منها: أولً، أنه ليس في وسعنا تخيل العدم وذلك لأن تخيل زوال أي إدراك خارجي أو
داخلي أمرٌ غير ممكن، لأنّ شيئًا ما لا بد أن يبقى مُدركًا وإن كان بصورة غير واضحة؛ ثانيًا، أنه من المستحيل إدراك العدم عقليًا، لأن إلغاء أي موضوع من الذهن يعني ضمنيًا إحال موضوع آخر مكانه، وبذلك يمتنع إلغاء الكل، حيث لن يكون ثمّة ما يحل محل الكل الذي قمنا بإلغائه؛ ثالثًا، أن مجرد التفكير في شيء يعني افتراض وجوده11. انطاقًا من الحجج السابقة يقول برغسون إن السؤال: لماذا كان الوجود ولم يكن العدم؟ سؤال لا معنى له، لأنه يفترض انتصار الوجود على العدم في حين أن العدم تبين أنه ليس بشيء. يعتبر بدوي أن ما ذهب إليه رأي برغسون في العدم يشير إلى أنه ينظر إلى العدم من الناحية العقلية، وذلك لأنه يعتبره ضمنًا، وهذا ما يظهر في تحليله «إسقاط ا لكل تصور ذي موضوع، وأنه يأتي عن طريق نوعٍ من التجريد المستمر. ومن الواضح أنه إذا كان الأمر كذلك فالتجريد لن ينتهي، ولا مناص إذن من أن يبقى ثمة شيء، ولا يلغي الكل بأسره»12. وهذا ما دفع برغسون، كما يرى بدوي، إلى تفسير سؤال: «لماذا كان الوجود ولم يكن العدم؟» تفسيرًا ساذجًا بحسب تعبيره لا يحل المسألة في شيء. في المقابل، يعتقد بدوي أنّ هذا التساؤل هو تساؤل ميتافيزيقي أصيل، وهو منبثق من السعي لمعرفة معنى الوجود، وأنه متعلق بأساس الوجود وبمبرره الأول.
3. العدم في فلسفة مارتن هايدغر
يمكننا القول إن فلسفة هايدغر (1976–1889) شكلت القاعدة التي بنى عليها بدوي أفكاره في الفلسفة الوجودية؛ حيث تبنى الجهاز المفاهيمي الذي تضمنه النسق الفلسفي الهايدغري، فكانت المقاربات التي قدمها في فهم بنية الوجود أشبه بجهدٍ يسعى لخلق رؤية منبثقة من المقولات الأساسية لهايدغر ومن أهمها تنظيره لمشكلة العدم. فكان أن اعتبر أنّ هايدغر هو أوّل من تناول دراسة المدلول الوجودي والميتافيزيقي لفكرة العدم، حيث انتهت فلسفته إلى القول بأن العدم داخل في بنية الوجود وتركيبته نفسها، فالوجود ينتقل من حالة الوجود الماهوي إلى الآنية13، ولكي يتم هذا الانتقال لا بدّ لهذا الوجود من «العلو»، وذلك بالخروج من الإمكان إلى التحقق14، وبهذا الخروج يحصل سلب لإمكانيات كان من الممكن أن تتحقق، ولكن تم انتزاع وسلب لهذه الإمكانيات من الوجود عندما تحققت إمكانية غيرها، إنّ عملية السلب هذه هي العدم15. ومن دون هذا السلب (العدم) لا يمكن لإمكانية أن تتحقق، أي لا يمكن لشيء أن يكون موجودًا، وبذلك يكون العدم في فلسفة هايدغر شرط ا لوجود الموجود.
يعتقد بدوي أن أهمية رؤية هايدغر لمسألة العدم تكمن أولً، في أنه نظر إليه نظرة وجودية، جعلته في نهاية المطاف يعتبر العدم عنصرًا ماهويًا في تركيبة الوجود وشرطًا لتحققه، وذلك كما قلنا من خال فكرة «السلب». ثانيًا، في أنه نظر إليه نظرة أدت إلى اعتبار الميتافيزيقا جزءًا داخلً في تكوين طبيعة الإنسان، إذ يقول بدوي إن الآنية (الدازاين) «لا يمكن لها أن تكون على صلة بالموجود إلا إذا استبقت نفسها داخل العدم. وعلو الموجود يتأرخ (أي يأخذ طابع التاريخية) في ماهيّة الآنية»16. إذ ا، إن عملية العلو هي خروج الموجود من حالة الإمكان إلى حالة التحقق، وبتحققه فإنه يتكشف أمام الدازاين أي أنه يتزّمن (يتأرخ) ويكتسب موقعًا في الزمان17، وذلك من خال اتصاله بالدازاين. هذا الاتصال يبدأ مذ كان الموجود في حالة الإمكان عن طريق استبقاء الدازاين لنفسه في العدم، إن عملية العلو تلك هي الميتافيزيقا بعينها كما يعبّر بدوي، لأن علو الموجود يتأرخ في ماهية الدازاين (الآنية)، وبالنظر إلى الإنسان بوصفه «دازاينًا»، تكون الميتافيزيقا جزءًا من تكوين طبيعة الإنسان. وعلى الرّغم من أن بدوي يصّرح بأنه يأخذ بنظرة هايدغر في مسألة العدم، فإنه لا يقف عند الحدود التي رسمها هايدغر لهذه المسألة، بل يتخطاها ليكوّن رؤيته الخاصة، والتي تشك ل في رأينا إضافة أصيلة وجهدًا فلسفيًا خلّقًا. ذلك أن بدوي ينظر إلى التناهي الذي ينتج عن العدم على أنه تناهٍخالق، ونظرته هذه كما يقول ليست مضادةً لما ينتهي إليه تفسير هايدغر للعدم، بل إنها النتيجة الضرورية له18.
4. نظرية عبد الرحمن بدوي في ماهية العدم
يرى بدوي أن الخطأ الذي نشأ في فهم ماهية العدم على امتداد تاريخ الفكر الفلسفي جاء من أنه إما يُتصور تصوّرًا مكانيًا، باعتباره الخاء، وأن هذا الخاء هو إطار أو حاوية يدخل فيها الوجود فيملؤها، وكأنه مكانٌ خالٍيشغله الوجود، وهذا تصور الرؤية الدينية، وإما يُنظر إليه على أنه نوع من عدم التعيّن والذي يمتلك قابلية للتعين من خال قبوله لصورة ما، وهي نظرة الفلسفة اليونانية بعامة وفلسفة أرسطو بخاصة. وانطاقًا من هذا يقول إنه في وسعنا «أن نسمي العدم متصورًا على هذا النحو باسم العدم المكاني. وتبعًا لهذه النظرة، أنكرت النظرة الفلسفية وجوده، كما أنكرت وجود الخاء»19. ويوجه بدوي نقدًا لجزئية أساسية في تصور هايدغر للعدم، وهذا النقد سيشكل الخطوة الأولى في اتجاه بلورة أطروحته الخاصة حول ماهية العدم. فهو يعتقد أن ما فعله هايدغر بالنسبة إلى فكرة العدم يشبه إلى حدٍّ بعيد ما فعله كانط مع فكرة الزمان؛ إذ إن هايدغر لم ينظر إلى العدم بوصفه موجودًا، بل قال بأنه يُلصق بجوار الموجود، ورأى أن الموجود يظهر نتيجة مقاومته للعدم «إن الموجود يعمل بقوة
على مقاومة الإمكانية المتطرفة والصارمة للعدم»20. ويستشهد بدوي بقول هايدغر: «إن العدم هو الشرط الذي يجعل ممكنًا ظهور الموجود بما هو موجود بالنسبة إلى الآنية»، وهذا ما يشبه قول كانط بأن الزمان شرطٌ قبلي يُمكّن الظواهر من أن تتعاقب. يبني بدوي تصوره لماهية العدم انطاقًا من تصوره لبنية الوجود؛ حيث يرى أن نسيج الوجود مكوَّن من وحدات منفصلة، ويستدل على هذا بالنتائج التي توصلت إليها الفيزياء الحديثة في نظرية الكوانتم، ويفصل بين هذه الوحدات « هوّات » لا يمكن تخطيها إلا من خال ما يسميه ب « الطفرة»21، ويعتبر بدوي أن هذه الهوات ليست خاءً بل إنها العدم بعينه. إن مقولة «الكمّات المنفصلة» في الفيزياء الكوانتية تشكل المرتكز الرئيس لمقولة بدوي بأن هذه الهوات هي العدم، حيث يقول: «ما دمنا هنا بإزاء واقعة لا شك فيها وهي أن الوجود مكون من وحدات منفصلة بينها هوات مطلقة. فكيف نفسّر هذه الواقعة؟ أمّا نحن فا نفسرها إلا على أنها تدل على وجود العدم في نسيج الوجود، عنصرًا جوهريًا مكونًا له»22. وبهذا المعنى يكون العدم موجودًا ومركبًا أساسيًا في بنية الوجود، وما دام كذلك فمن الجائز في رأي بدوي إذا نظرنا إلى العدم من هذا المنظار أن نطلق عليه اسم «العدم الوجودي.» ويجدر بنا الإشارة هنا إلى أنّ بدوي يضع في مقابل الوجود الفيزيائي ما يسميه «الوجود الذاتي»، ولمّا كانت هذه الهوات – التي هي العدم – تفصل بين الوحدات (الذرات) في الوجود الفيزيائي، كانت أيضًا تفصل بين الذوات في الوجود الذاتي؛ وبذلك يكون العدم داخل في تركيب بنية الوجود الذاتي ويفصل الذوات بعضها عن بعض، وعليه فإن العبور من ذات إلى أخرى يكون فقط بوساطة الطفرة.
5. العلاقة بين العدم وبين الحرية والفردية والإمكان
يعتبر بدوي أن العدم هو أصل كل من الفردية والحرية23، ويبني مقولته على أن العدم هو الأصل في الفردية على اعتبار أن الهوّات التي تفصل الذوات بعضها عن بعض هي الأساس في الفردية. ولما كانت الذاتية أو الفردية تقتضي الحرية بالضرورة، كان العدم هو الأصل في الحرية. إن الصلة التي يقيمها بدوي بين العدم من جهة والفردية والحرية من جهة ثانية تتقاطع مع آلية ربطه بينهما وبين الموت في كتابه الموت والعبقرية. ويأتي الربط هنا من اعتباره أنّ الحرية تعني استقال الذات عن غيرها من الذوات، فعندما تكون الذات وحيدة داخل نفسها في حالة من الانفصال الكامل
عن غيرها من الذوات إنما تكون في حالة من الحرية المطلقة، ولمّا كان سبب هذا الانفصال هو الهوّات التي هي ليست سوى العدم، كان العدم هو أساس كل من الفردية والحرية. وعليه، فإن بدوي يرى أن الحرية تنقص كلما انتقلت الذات من حالة العزلة أو الانفصال إلى حالة الاتصال، ويذهب في رؤيته هذه إلى حد القول بأن أقل البشر حرية هم أكثرهم ارتباطًا بالناس وبالأشياء، وأكثرهم حرية أقلهم ارتباطًا بغيرهم. وعلى ما يبدو، إن رؤية بدوي للعاقة بين الذات والآخر تتقاطع إلى حد بعيد مع قول سارتر إن وجود الآخر مجرد ضرورة عرضية بالنسبة إلى الذات24. يربط بدوي كذلك بين فكرة الإمكان، التي تعد فكرة مركزية في مذهبه الوجودي، وبين وجود العدم، ودليله على هذا الربط قوله: «إن الإمكان هو أصل الفعل، والفعل لا يتم إلا بطفرة الذات في الغير، وهي طفرة لا تقوم بها الذات إلا لأن ثمة عدمًا، وإل لكان ثمة اختاط تام وكمال في التحقق للذات الواحدة منعزلة دون فعل، أو للذوات كلها متحدة بغير عدم»25. وهنا نجد أن بدوي يخالف سارتر الذي يرى أن أساس الفعل هو الحرية، وأنه بالرغم من الارتباط الوثيق بين الإمكان والفعل فإنه يبقى مجرد دافعٍ له26. إذًا، إن العدم هو أصل الإمكان لأن الإمكان أساس الفعل، والفعل بدوره يقتضي العدم، لأن إمكانية الفعل مرهونة بوجود هوّات (العدم) بين الذوات المختلفة والذات الفاعلة؛ حيث إنّ الفعل يتحقق بسبب وجود انقسام وانفصال داخل الوجود الذي يجري فيه، فانفصال الذات الفاعلة عن غيرها هو الذي يُمكنها من القيام بالفعل الذي يتم بحسب تعبير بدوي من خال طفرة الذات في الغير. وعلى الرغم من أننا نرى أن ربط بدوي ما بين العدم من جهة وما بين الفردية والحرية من جهة أخرى ليس إلا إسقاطًا لا يستند إلى حجج كافية وسحبًا اعتباطيًا يفتقد إلى تبريرٍ منطقيٍّ كافٍ، فإننا لا ننكر أن أهميته تكمن في استثمار وتوظيف ما توصلت إليه الفيزياء الحديثة في البحث في إشكاليات فلسفية كبرى. لكن لا بدّ من الإشارة إلى أنّه على الرغم من أهمية توظيف بدوي لنتائج الفيزياء الكوانتية في تدعيم رؤيته لماهية العدم، فإنه لم يكن دقيقًا إلى حد ما في مضمون هذا التوظيف؛ فالفيزياء الكوانتية متخصصة في فهم بنية المادة على المستوى الميكروسكوبي (المجهري) وليس على المستوى الماكروسكوبي27، وبذلك لا يمكن تعميم نتائجها على كل مستويات الوجود، في الوقت الذي تُعنى فيه بالبحث في مستوى واحد من مستويات هذا الوجود.
ثانيًا: مركزيّة الزمان في فلسفة عبد الرحمن بدوي
1. ماهية الوجود في سياق تاريخ الفكر الفلسفي
ينقسم الوجود وفق بدوي إلى نوعين: وجود مطلق ووجود معيّن، ويمتاز الوجود المطلق بثاث خصائص رئيسة كانت تبلورت على أيدي فاسفة المدرسة الإيلية: الأولى أنّ تصوره هو أعم التصورات، ويعّرفه أرسطو في كتاب ما بعد الطبيعة بأنه أكثر الأشياء عمومية وكلية، وأن هذه الكلية ليست جنسًا يشمل الموجودات وإنما هي كلية فوق كل جنس؛ والخاصية الثانية للوجود المطلق هي أنه ليس له حد، وهذا نابع من كون ماهية الوجود غير معروفة؛ أما الخاصة الثالثة، فتكمن كما يعبر بدوي في أن هذا الوجود المطلق هو أظهر الأشياء، ولكن من ناحية آنية فحسب28، بينما هو أخفاها من جهة ماهيته29. وبهذه الخصائص الثاث يتكشف البعد الإشكالي في فكرة الوجود؛ حيث إنها لا تقدّم أي فكرة واضحة عن بنية الوجود وماهيته، ولمّا كانت كذلك كانت مشكلة الوجود المطلق مثار اهتمام الفاسفة وانشغالهم على امتداد تاريخ الفكر الفلسفي. وقد انقسم إزاءها الفاسفة إلى قسمين: الأول أراد إلغاء الوجود المطلق بناء على اعتبارهم أن الوجود الحقيقي ليس سوى ذاك الوجود العيني المتحقق في الأشياء الموجودة في الواقع، وسمي هؤلاء بفاسفة النزعة الاسمية؛ أما القسم الثاني، فيضم أولئك الذين اعتبروا أن الوجود الكلي المطلق هو الوجود الأسمى من حيث المرتبة الوجودية، وكان هؤلاء فاسفة النزعة الواقعية. وثمة بعض الفاسفة الذين راوحوا بين النزعتين، ويأتي في مقدمتهم أرسطو الذي قال بطبيعة الحال بوجود الوجود المطلق30. ويعتقد بدوي أن هذا الوجود العام «المطلق» كما فهمه الفاسفة، من فاسفة المدرسة الإيلية وحتى هيغل، ليس له وجود حقيقي؛ وذلك لأنه إما أنه كان وجودًا محددًا بعيدًا عن كل تعيّن ولا يمكن الوصول إليه إلا بالتجريد من الواقع، وإما أنه كان وجودًا كليًا على هيئة الروح المطلقة، كما في فلسفة هيغل، ويرى بدوي أن هذا التصور وإن كان أقرب إلى التعين من التصور الأول فإنه يبقى شكل آخر من أشكال التجريد، إذ إن الفرد يفنى في هذا الكلي الغامض، فنفقد بذلك المعنى الحقيقي لفكرة الحرية، وهذا هو جوهر النقد الذي وجهه بدوي إلى الفلسفة المثالية الألمانية وعلى رأسها فلسفة هيغل؛ حيث يعتقد أن الثورة الحقيقية التي أعادت الاعتبار إلى الوجود بصفته موضوعًا للفلسفة وأولويةً لها، بعد أن أخذ الفكر هذا المكان في الفلسفة المثالية، هي التي حصلت على يد الفيلسوف الدنماركي سورين كيركيغارد (–1813 1855)، الذي رفض القول بأسبقية الفكر على الوجود31، ونظر إلى الوجود باعتباره وحدة واحدة لا تتجزأ.
وبناء على ذلك، يرى بدوي أن الخطوة الأولى لإيجاد حل حقيقي لتحديد الوجود المطلق، والنظر إليه من منظار صحيح، من شأنه أن يكشف عن وجوده الحقيقي الذي يتمثل في «نبذ فكرة الكلي، والقول بالجزئي أو الفرد، فالوجودية معناها الفردية، والفردية معناها الذاتية، والذاتية معناها الحرية، والحرية معناها وجود الإمكانية»32، إذ ا فإن الانقاب على الفلسفة المثالية وتبني الفلسفة الوجودية والاشتغال على العاقة بين مقولات: الحرية، والفردية، والذاتية، والإمكانية، هو ما يدعو إليه بدوي من أجل وضع أُسس أولى لفهم البنية الأساسية للوجود بما هو وجود. وهنا لا بد من العودة إلى الحديث عن النوع الثاني للوجود وهو الوجود المعين، والذي ينقسم بحسب بدوي إلى ثاثة أقسام: الأول وجود الموضوع والذي هو وجود الموضوعات خارج الذات العارفة وقد تموضعت في الزمان والمكان؛ والقسم الثاني هو وجود الذات وما يميز هذا النوع من الوجود هو أنه يعي ذاته، وتكمن قيمته المعرفية في عاقة الذات أو الأنا مع نفسها؛ أما القسم الثالث، فهو الوجود في ذاته، وهو بمعنى الشيء في ذاته من منظور الفلسفة الكانطية والذي سماه كانط ب «النومين» وهو ما لا يمكن معرفته في ذاته. ويرى بدوي أن النظر إلى الوجود على هذا النحو يدخل ضمن نطاق نظرية المعرفة لا ضمن نطاق نظرية الوجود. وفيما يخص وجود الموضوع ووجود الذات، فإن بدوي يقول إن رد الذات إلى الموضوع كما تفعل المادية، ورد الموضوع إلى الذات كما تفعل المثالية، لن يؤديا بنا إلى الوصول إلى فهم حقيقي لأي من الذات والموضوع؛ حيث لا يمكن الوصول إلى معرفة حقيقة وجود أحدهما عن طريق الآخر. وناحظ هنا رفضًا مضمرًا من بدوي لفكرة «الاختزالية» القائمة على رد وجود الشيء وماهيته إلى شيء آخر، وهذا الرفض يقود بطبيعة الحال إلى رفض تقسيم الوجود في حد ذاته إلى ذات وموضوع.
2. الإمكان والواقع
من عاقة الذات بالموضوع يجترح بدوي أطروحة الإمكان؛ حيث إن وجود الذات لا يمكن له أن يكون بمعزل عن عالم الموضوعات، إذ في هذه المجموعة من الموضوعات تتمظهر إمكانية تحقيق الذات عن طريق الفعل في العالم33، وتبرز وتظهر حرية الذات بوصفها ممارسة، وتنتقل ماهيتها من حالة الإمكان إلى حالة الواقع. وهنا ينظر بدوي إلى وجود الذات من منظور هايدغر بوصفه سقوط ا في العالم، من شأنه ألا يبقيها مجرد إمكانية معلقة وغير متحققة، وبتعبير آخر فإن تحقق الإمكانية المعلقة يعني وجود الذات في هذا العالم. ويرى بدوي أن معنى الذات يمنعنا من النظر إليها على أنها موضوع من جملة الموضوعات الموجودة في الواقع، وأنها واحدة في مقابل مجموعة من الذوات الأخرى؛ لأن هذا المعنى يحوز على صفة
مميزة ألا وهي الإرادة. وهذه الإرادة تفترض بالضرورة وجود الحرية، فا وجود للإرادة بمعزل عن الحرية والفعل، وبذلك يكون الشعور بالذات هو الشعور بما يسميه ب «الأنا المُريد.» وإذا كانت الإرادة تقتضي الحرية ولا تقوم إلا بها، كان الشعور بالذات يقتضي الشعور بالحرية، وبناء على ذلك تصبح «الذات والإرادة والحرية معان متشابكة يؤيد بعضها بعضًا، ولهذا فإن الشعور بالذات يزداد بمقدار ما يزداد الشعور بالحرية»34، إذ ا يتبنى بدوي أطروحة تقول بأنّه كلما كانت الذات منعزلة ومفصولة عن غيرها من الذوات كان شعورها بالحرية أشد. وهنا تأتي فكرة الإمكانية، التي تستمد وجودها وحضورها من فكرة الحرية التي تفترض وجود اختيار بين مجموعة ممكنات، ولذا فإن بدوي يعتبر أنه في الوقت الذي تكون فيه الحرية هي جوهر الذات، فإن الإمكانية تكون ماهية هذه الذات. وهنا لا بد من الإشارة إلى نقطة حساسة فيما يخص مسألة الإمكانية، وهي أن طبيعتها ليست مطلقة، بمعنى أنه لا بد لها أن تتحقق، وتحققها يعني اختيارًا بين الممكنات، وبحصول هذا الاختيار تنتقل الذات من حالة الحرية إلى حالة الضرورة، ويستشهد بدوي لتدعيم هذه النقطة بمقولة كيركيغارد في كتابه المرض حتى الموت، وهي أن الحرية ليست سوى ديالكتيك لمقولتين، هما الإمكان والضرورة. وهذه الضرورة هي تحقق للإمكانية في العالم وحصولها على هيئة ووجود فيه. إذًا، إن هذا الوجود يكون أشبه بالسقوط في العالم بحسب التعبير الهايدغري، وهذا السقوط يحصل بانتقال الذات من حالة الوجود الممكن أو الماهوي إلى حالة الوجود العيني المتحقق في العالم، وهذا الانتقال من الإمكان إلى الواقع يحصل بفضل الحرية، فبفضلها تستطيع الذات أن تختار بعضًا من أوجه الممكن، بحسب تعبير بدوي، وتُحقِّقه عن طريق الإرادة، وإن نزوع الذات نحو التحقق هو ما يسميه هايدغر بالدازاين.
3. الزمانيّة بوصفها معنى وجود الدازاين
لمّا كان الدازاين نزوعًا نحو تحقيق إمكاناته المعلقة35، وكان تحقيقها مرتبط ا بالمستقبل، كان الزمان هو الذي يحدد المعنى الحقيقي لوجود الدازاين، فهو عنصر أساسي في تكوينه. وحول هذه الجزئية المهمة في فلسفة هايدغر يقول علي إسبر في كتابه مارتن هيدغر أو الفشل المنهجيإن جوهر وجود الدازاين يعني «نزوع الدازاين نحو الوجود خارج ذاته، والخروج هنا يكون من أجل الانوجاد في العالم ويكون ذلك عن طريق تحقيق الإمكانيات في العالم، وبما أن الإمكانية تنتظر التحقيق، فهذا يعني أنها تُفهم في أفق المستقبل، وهنا بالضبط يأخذ الانوجاد طابع الزمانية من حيث هو اتجاه نحو المستقبل بقصد تحقيق الإمكانيات»36. وبناء على ذلك، يكون التزّمن هو معنى نمط وجود الدازاين، وفهم
وجود هذا النمط وتحليله يقتضي لدى هايدغر البحث في الزمانية بوصفها المنطلق لفهم معنى الوجود وماهيته37. والزمانية Temporality التي يقول عنها هايدغر بأنها: «معنى كينونة ذاك الموجود الذي ندعوه دازاين»38ليس معناها في نظر بدوي الوجود في الزمان، بل معناها الأساسي مرتبط بفكرة «العلو» والتي هي سلب للإمكانيات التي كان من الممكن أن تتحقق، ولكن تم انتزاعها وسلبها من الوجود عندما تحققت إمكانية غيرها. إذ ا، إن عملية السلب تلك هي الأصل في وجود الموجود وحيازته خصيصة الزمانية، أي تزمنه بالآنات الثاثة التي هي الماضي والحاضر والمستقبل، لذلك اعتبر هايدغر وجود الدازاين شكلً من أشكال التزمن سمّاه الزمانية، وهنا يقول بدوي بهذا الخصوص: «الزمانية لا تكون بل تتزمن. إنها تتزمن ابتداء من المستقبل، بوصفه الاتجاه الأمامي للزمان، والزمانية الأصلية متناهية، لأنها تتزمن ابتداء من مستقبل متناه، لأن هذا المستقبل محكوم عليه بالفناء، إذ الموت له بالمرصاد»39، فالدازاين بوصفه تزمنًا ونزوعًا مستمرًا نحو الإمكانات الكامنة في المستقبل ينتهي بمواجهة النهاية المطلقة للإمكانيات كلها، وهي الموت. وتمتلك الزمانية بوصفها الطابع الأصيل للدازين ثاث خصائص مركزية يحددها بدوي على النحو التالي: الأولى الانفصال، ومعنى ذلك أن تركيب الزمانية يتصف بالانفصال أي أنها مكونة من وحدات منفصلة، يوجد بينها هوات مطلقة، ويستند بدوي في أطروحته هذه إلى النتائج المترتبة على الفيزياء الكوانتية وعلى النظرية النسبية التي أثبتت عدم وجود شيء يدعى الأثير. ويشرح بدوي الصفة الثانية، والتي هي الإمكان، فيقول: «فمعناه أن الوجود الذاتي في حالة تصميم لما يمكن أن يكون عليه، وهو سابق على التحقق بالضرورة»40، فهو من ثمّ ما يعطي الزمانية الأسبقية على التحقق الفعلي، أما التوتر فهو الصفة المنبثقة من الانتقال من نطاق الإمكان إلى نطاق التحقق، والناتجة من العاقة بين العدم والوجود، وسوف نُفصّل في هذه النقطة في الآتي من بحثنا.
4. منطق التوتر
يقسّم بدوي الوجود إلى نوعين: فيزيائي وذاتي، الفيزيائي هو الذي يضم كل شيء ما عدا الذات. أما الوجود الذاتي، فيعرّفه بأنه «وجود مستقل بنفسه، في عزلة تامة من حيث الطبيعة عن كل وجود للغير، ولا سبيل إلى التفاهم الحق بين ذات وذات، إذ كل منهما عالم قائم وحده»41. ويتم كسر جدار العالم المغلق لكل ذات بوساطة الفعل، فعن طريق الفعل تحقق الذات إمكاناتها، وهذا الفعل يفترض وجود الغير، ولذا تحتم على الذات أن تفعل لكي تتصل بهذا الوجود المغاير. ولمّا كانت هذه الهوّات تفصل
بين الوحدات (الذرات) في الوجود الفيزيائي، كانت أيضًا تفصل بين الذوات في الوجود الذاتي، وبذلك يكون العدم داخلً في تركيب بنية الوجود الذاتي ويفصل الذوات بعضها عن بعض، وعليه فإن العبور من ذات إلى أخرى يكون فقط بوساطة «الطفرة» كما ذكرنا، وهو مفهوم استعاره من كيركيغارد، ويعني الوثبة التي تخرج بها الذات من كينونتها نحو الله، ووظفه هنا بمعنى الوثبة التي عن طريقها يمكن الانتقال بين هذه الذوات المنفصلة وتجاوز الهوّات المطلقة (العدم) التي تفصل بين الوحدات المكونة لنسيج الوجود. ولتقسيم الوجود إلى فيزيائي وذاتي تداعيات ومقتضيات عديدة من أهمها أن الوجود الذاتي لا يمكن إدراكه عن طريق العقل، إنما يتم التعامل معه عن طريق الوجدان، حيث يقول بدوي: «يُكوّن الوجدان عالمًا للإدراك يختلف تمامًا عن عالم الإدراك الذي يكوّنه العقل»، وهذا لا يعني أن هناك مجالين مستقلين للإدراك، إنما يعني أن مجال الإدراك العقلي وسيلة في مجال الإدراك الوجداني، وبهذا ناحظ كيف يصبح العقل تابعًا للوجدان ويفقد سلطته المركزية التي أعطته إياها الفلسفات المثالية بعامة. فالعقل يصبح هنا مجرد أداة في يد الوجدان، ومن ثم فإن الخطأ الجسيم الذي وقع به الفاسفة غير الوجوديين في رأي بدوي هو جعل العقل الحكم الأول في كل من الوجودَين الذاتي والموضوعي، فهم بذلك قاموا بإفناء الذات في الموضوع، وهذا ما منعهم من الاقتراب من إدراك كنه الوجود الحقيقي42. وسيرتكز نقد الجابري لفلسفة بدوي على نحو رئيس كما سنرى على مقولة الإدراك الوجداني التي تحد من دور العقل وتقوّض مكانته. وفي مقابل مبدأ عدم التناقض الذي يحكم العقل، يضع بدوي مبدأ التوتر الذي يقوم عليه منطق الوجدان، فمنطق العقل ينطبق على الوجود الفيزيائي، أما ضمن نطاق الوجود الذاتي فإن هذا المنطق ينهار، لأن الزمان هو العنصر الرئيس في الوجود الذاتي، ومبدأ عدم التناقض وكذلك مبدأ الهوية لا ينجحان بحسب بدوي إلا في العلوم الخارجة عن الزمان. أما منطق التوتر، فيأتي في مقابل مبدأ عدم التناقض لقدرته على احتواء التناقض، والذي يشكل أساسه التقابل بين الوجود والعدم وبين الإمكان والتحقق. يدعو بدوي إلى تأسيس هذا المنطق الجديد بسبب عقم المنطق الذي يحكم العقل وفشله في إدراك كنه الوجود الذاتي وأقسامه، ويقول إن أول الأصول في هذا المنطق الجديد هو: «أن الزمان عنصر جوهري مقوّم للوجود، فيجب بالتالي أن يكون داخلً في التقويم المنطقي للحقيقة الوجودية »43، وهنا يحدد بدوي الزمان بوصفه التناهي، وهذا التناهي لا يعبر عنه سوى العدم. ولإيضاح المعنى التأسيسي لفكرة التوتر، والذي يتركز حول مسألة أن التوتر هو نسبة تجمع بين الوجود والاوجود، لا بد من التوكيد على مقولة بدوي بأن العدم جزء مكوّن للوجود وداخل في تركيبه الجوهري، ومعناه بالمعنى الإيجابي هو الاوجود، ولمّا كان كذلك، يقول بدوي كان «عنصرًا مكونًا
لجوهر الوجود، فالوجود والاوجود إذن لا يفترقان بالنسبة إلى كل ما هو متحقق في الوجود العيني. واتحاد الوجود والاوجود في موضوع واحد هو ما نسميه بالتوتر. والتوتر إذن هو طابع الوجود الذاتي. ولذا كان منطق هذا الوجود منطق التوتر»44، وعليه يؤكد بدوي أن التوتر نقيض الهوية، وذلك لأن الهوية تنشد المتساوي والمؤتلف في الوقت الذي يقصد فيه التوتر الامتساوي والمختلف. وتأتي أهمية فكرة الزمان في أنها المؤسس لمنطق «التوتر»، أو على الأقل هذا المنطق الذي يدعو بدوي إلى تأسيسه؛ إذ إن عملية انتقال الموجود من الإمكان إلى التحقق تعني تزمّنه، أي اكتسابه موقعًا في الزمان ودخوله في حيز الحضور. ولتوضيح معنى منطق التوتر أكثر ومدى تناقضه مع المنطق العقلي، سنأتي على المثال التالي الذي يبين طبيعة الحكم في كل منهما، حيث يجب ألا نفهم من مقولة أن منطق التوتر هو النسبة التي تجمع بين الوجود والاوجود (العدم)، بأن هذه النسبة هي بين طرفين، كما العاقة بين الموضوع والمحمول في المنطق العقلي، إذ في منطق التوتر لا يتم تجزئة الحكم إلى حدود منفصلة تربط فيما بينها روابط، بل إن الحكم في هذا المنطق هو «فعل واحد» كما يعبّر بدوي، فعل واحد يمثل وحدة، هذه الوحدة هي الحال الوجودية. وبناء على ذلك، يرى بدوي أن قصور المنطق العقلي يكمن في أنه جعل من الحكم أجزاء، واعتبر أنه بمجرد أن نضيف شيئًا إلى آخر يتركب كائن أو صفة وجودية، ويعطي بدوي مثال على هذه الآلية يتمثل في القول بإضافة المنطق أو العقل إلى الحيوانية ليتكون لدينا إنسان، حيث يقول بأن: «الموجود أو الصفة الوجودية ليست مجموعة مقادير يضاف بعضها إلى بعض ليتكون منها شيء»45، وبناء على ذلك فإن عملية الإضافة التي تحصل في الأحكام المتأتية من المنطق العقلي غير صحيحة لأن الجمع في الرياضيات يجري بين وحدات من نوع واحد، أما هذه الأحكام فإنها تضيف مقادير من أنواع مختلفة، فالحيوانية غير النطق من حيث النوع، والسبب الثاني لعدم نجاعة عملية الإضافة التي تقوم عليها هذه الأحكام وتشكل من خالها ما يعرف ب «القضايا الحملية»، هو كما يقول بدوي: «أن جمع الأشياء لا يتكون عنه مركب جديد مختلف عن الأصل في جوهره، بينما نحن نرى هنا أن الإنسان يختلف في جوهره عن الحيوان وعن النطق، فأي جمع بينهما لن يؤدي بنا إلى مفهوم الإنسان»46. وعليه، فإن الخلل الذي يتشكل برأيه من خال عمليتي الجمع والإضافة، واللتين ليستا سوى عمليتين اعتباطيتين تقوم عليها الأحكام في المنطق العقلي، يزول عند اعتماد مبدأ التوتر، والذي لا يتشكل من خال الجمع والإضافة، وإنما كما يعبر بدوي فإن منطق التوتر هذا «هو حال واحدة يلبسها الوجود دفعة واحدة، أو هو تركيب (لا من أجزاء) واحد هو والبساطة سيان من حيث عدم التجزئة، أو بعبارة أدق من هذا كله: هو وحدة من الوجود والاوجود لا تقبل التجزئة بحال»47.
ولذلك، فإنه بعد القول بوحدة الحكم، يتحدد معنى «الحمل» في منطق التوتر والذي هو نسبة الوجود والاوجود. ولإيضاح معنى الحمل وفق هذا التعريف، ينطلق من مقولته الرئيسة وهي أن الاوجود أو العدم هو الشرط الضروري للتحقق، وهذا التحقق هو بطبيعة الحال الانتقال من الإمكان إلى الواقع، أو بمعنى آخر الانتقال من القوة إلى الفعل، والفعل هنا ليس سوى إيجاد شيء لم يكن، ومن ثمّ فإن هذا الفعل هو الخلق بعينه. وبذلك، يجب فهم وظيفة الحمل على أنها «التحقق منظورًا إليه من ناحية القول أو اللوغوس، وعلى هذا فإنه لما كان التحقق خلقًا، فالحمل يدل على الخلق»48. وهنا يقول بدوي أنه لم يضع سوى المقدمات الأولية والخطوط الرئيسة ل «منطق التوتر» الذي يدعو إليه، والذي يرى أنه مؤهل لكي يكون بمنزلة آلية ندرك من خالها أساس الوجود الذاتي وماهيته.
5. العلاقة بين الزمان والعدم (الزمان الخالق)
كما ذكرنا سابقًا، إنّ العدم يرتبط بحسب التصوّر الهايدغري ببنية الوجود وتركيبته؛ حيث إن الوجود عندما ينتقل من حالة الوجود الماهوي إلى حالة الوجود المتحقق يحتاج إلى ما يسميه هايدغر ب «العلو»، وجوهر هذا العلو هو عملية الانتقال من الإمكان إلى التحقق، وعند حصول تحقق لإمكانية ما فإن ما يحصل في الوقت نفسه هو سلب لإمكانات أخرى كان من الممكن لها أن تتحقق49. إن هذا السلب وفق فلسفة هايدغر كما ذكرنا سابقًا هو العدم50. ومن دون هذا السلب (العدم) لا يمكن لإمكانية أن تتحقق وأن تكتسب صفة الحضور في هذا العالم، وبهذا المعنى يكون العدم هو الشرط الأساسي لوجود الموجود وعنصر ماهوي في بنية الوجود. ثمة جزئية ذات أهمية خاصة فيما يخص فكرة العلو عند هايدغر، ويجب الانتباه إليها لأنها تمهد للعاقة الصميمية التي تربط بين العدم والزمان والإمكان في فلسفة بدوي، هذه العاقة التي ستشكل فعل خلق الوجود المتحقق كما سنرى. وهي أن عملية «علو» الموجود، أي تحققه كإمكانية وسلب غيره من إمكانات (استبقاء باقي الإمكانات في العدم)51، تعني تكشُّف الموجود وتمظهره أمام الدازاين أي أخذه صفة الحضور، وهذا التكشف يتم عن طريق تزمّن الموجود، أي اكتسابه موقعًا في الزمان، وبناء على ذلك يصبح الزمان هو علة تحقق الموجود، وعلة انتقاله من الإمكان إلى العالم المتحقق، لأنه هو الذي يتيح لعملية «العلو» أن تنتزع الموجود كإمكانية من العدم، ليدخل حيّز التحقق وينوجد في العالم، ووفقًا لما سبق يتحدد الملمح الأساسي لماهية العاقة بين الإمكان والعدم، الذي هو الزمان.
وعليه، يعتبر بدوي أن العلة الفاعلة لاتحاد بين الوجود والعدم لتكوين الدازاين، أو كما يسميه بدوي الآنية، هو الزمان؛ إذ إن الوجود والعدم يشكان نسيج الوجود المتحقق، «فبدخول الزمان في الوجود الماهوي اتحد العدم مع الوجود، العدم الذي يمثل الزمان بوصفه مصدر التناهي، والوجود الذي يمثله الوجود الماهوي بوصفه الإمكان المطلق، فتكوّن عنهما الوجود على هيئة الآنية، أي هذا الوجود في العالم»52 إذًا، لولا الزمان لما كان ثمة وجود على الإطاق، وبهذا المعنى يعطي بدوي الزمان صفة الخالق، أي أن العلة في تحقق هذا الوجود كما يتمظهر في العالم، فيصبح فعل ومعنى الخلق بحسب هذا التصور «اتحاد العدم مع الإمكان بواسطة الزمان»53. وهذه هي القاعدة الأساسية التي يتبناها بدوي، والتي جعلت الزمان يحتل دورًا مركزيًا في فلسفته الوجودية برمتها، وجعلته يطلق على هذا الزمن وفقًا لهذه الرؤية اسم «الزمان الوجودي.» وعليه، اعتبر بدوي أنه من المستحيل استبعاد الزمان من تفسير الوجود؛ ذلك لأن الزمان هو العلة الأساسية في تحقيق الإمكان، ولمّا كان هذا الإمكان لا متناهيًا، وكان من المستحيل اجتيازه، كان تحقيق كل الإمكانات مستحيلً. فبالزمان وحده يتم تحقيق الفعل الذي هو خروج الذات نحو غيرها، وتحقيق هذا الفعل ليس سوى تحقيق إمكانية وسلب لإمكانات أخرى ومنعها من التحقق، أي منعها من الوجود.
ثالثًا: نقد الجابري لوجوديّة بدوي
يرى المفكر المغربي محمد عابد الجابري في كتابه الخطاب العربي المعاصر، أن ظهور الفلسفات الوجودية في أوروبا كانت شكلً من أشكال الانعكاس الأيديولوجي للواقع على الفكر، أي ثمة عوامل في الواقع الأوروبي بررت ظهور هذه الفلسفات، وبناء على ذلك يتساءل الجابري: «هل نستطيع أن نجد في الواقع العربي الحديث والمعاصر ما يبرر الدعوة إلى فلسفة (وجودية)؟»54، ويعتقد الجابري أن هذا السؤال يكتسب مشروعيته، إذا نظرنا إليه من زاوية عاقة الفكر بالواقع وما تتضمنه من تعقيدات وتناقضات ضمن الإطار الاجتماعي والثقافي العربي. من وجهة نظر الجابري، إن الفلسفة الوجودية في أوروبا جاءت لتعلن فشل الفلسفة المثالية الألمانية بخاصة من ناحية، ولكي تطرح مقولاتها حول الحرية وأسبقية الوجود على الماهية من ناحية أخرى. وبناء على ذلك، يرى أنه إذا كان لا بد للفلسفة الوجودية أن تجد أصداء لها في الفضاء الثقافي العربي نظرًا إلى الاحتكاك الثقافي مع الغرب، وكذلك بسبب الأوضاع المأساوية للواقع العربي، «فإن المنطق – والمنطق النهضوي على الأقل – كان يفرض أن يتردد في عالمنا الفكري الجانب (الرافض) في الوجودية، أعني أطروحاتها حول الحرية والالتزام [...]، لا الجانب الاعقاني فيها [...] وبعبارة
أخرى: إنه من الممكن أن يفهم المرء لماذا ترددت أصداء أطروحات وجودية معينة في العالم العربي مثل تلك التي تطرح قضية الحرية، كما حصل في مجال الأدب لاحقًا، ولكن الذي لا يمكن المرء أن يجد له مبررًا ما هو تبني الأطروحات الظامية في الفلسفات الوجودية»55. ويعتبر الجابري أن بدوي قد تبنى في أواسط الأربعينيات من القرن العشرين أكثر الأطروحات غير العقانية في الفلسفات الوجودية، وهو بذلك، أي بدوي، تجاهل كل الأفكار التي من شأنها أن تخدم «النهضة» بحسب تعبيره، وبهذا لم يدرك التناقض بين وجوديته «المفرطة في ذاتيتها»56، والإطار الفكري النهضوي الذي تتحرك فيه. يتمحور نقد الجابري لفلسفة بدوي ولآلية تلقيه، وطريقة تفاعله مع الفلسفة الوجودية كما ظهرت في أوروبا، حول كتابه الزمان الوجودي، وينطلق في نقده هذا إلى القول بأن بدوي حينما قام بتقسيم الوجود إلى وجود ذاتي ووجود فيزيائي أهمل ما يسميه بالوجود الاجتماعي الذي يتضمن المجتمع والتاريخ، وفي رأينا أن بدوي لم يخطئ بعدم تضمين ما يسميه الجابري ب «الوجود الاجتماعي»؛ ذلك لأن المستوى الوجودي الذي يتحدث عنه بدوي خاص ببنية الوجود وماهيته، ولذا فإن إقحام البعد الاجتماعي لن يكون مائمًا، فمجال الأنطولوجيا منفصل عن مجال السيسيولوجيا. ويعترض الجابري على جعل بدوي «مبدأ التوتر» الذي يقوم عليه المنطق الخاص بفهم الوجود الذاتي، بديل من مبدأ عدم التناقض الذي يقوم عليه المنطق الخاص بفهم الوجود الفيزيائي، حيث يتساءل: هل من الجائز أن يتحرر خطاب ما من مبدأ عدم التناقض؟ ويتابع فيقول: «أظن أن الحديث عن ‘منطق الوجود’ لا يمكن أن يتم بغير ‘منطق العقل’ [...] وبالتالي لا بد من التقيد بمبدأ عدم التناقض [...] وإلا لكان هذا الحديث حديثًا متناقضًا، بل ‘متهافتًا’ باصطاح الغزالي»57. ويتابع الجابري متسائلً عن الطريقة التي يمكن من خالها ممارسة الفهم في إطار الامعقول الذي رسمه بدوي، هذا الامعقول الذي يرى الجابري أنه المسؤول عن إنتاج «الهشاشة والضعف» في خطاب بدوي، والتي تظهر على نحو صريح حينما يستدل ويؤيد العديد من أطروحاته بالنتائج التي توصلت إليها الفيزياء الحديثة، فكيف يستند بدوي إلى العلم بعد أن قام بتقويض إمكانيات العقل ومجالاته؟ هكذا تساءل الجابري، وأضاف، مشيرًا إلى بدوي: «لا يتردد صاحبنا في التماس السند لمذهبه الوجودي من العلم، أي من العقل ومملكته»58. فيما يخص الجزئية السابقة، نعتقد أن الهشاشة ليست موجودة في خطاب بدوي، بل إنها تضرب في عمق نقد الجابري لبدوي في هذه النقطة، حيث إنه يسيء فهم طبيعة العلم الذي يستدل به بدوي على أطروحاته، وهو الفيزياء الكوانتية والنظرية النسبية، إذ إنّ في النتائج المترتبة على كلتيهما ما دفع إلى مراجعة المبادئ الأساسية التي يقوم عليها المنطق الذي يستند إليه العقل الذي يدعو إليه الجابري،
وأقصد بهذه المبادئ خاصةً مبدأ الهوية ومبدأ عدم التناقض. فالعقل الذي يتحدث عنه الجابري ليس سوى العقل بالمعنى الديكارتي، والذي يتعامل الجابري معه على أنه المعنى النهائي والشامل للعقل وأن معاييره مطلقة، فخطابه يستخدم مفهوم العقل من حيث إنّه ينطوي على المبادئ السابقة التي أعيد النظر فيها بعد نتائج الفيزياء الكوانتية، ونتائج إعادة النظر هذه هي ما قام بدوي بالتقاطها وأخذها في الاعتبار. إذ على سبيل المثال، إن مبدأ عدم التناقض لم يعد ذا معنى في كثير من القضايا والفرضيات الخاصة بفيزياء الكوانتم. وتجدر بنا الإشارة إلى ضرورة الانتباه إلى أن بدوي لا يثبت أطروحته من خال نتائج الفيزياء الكوانتية، وفحوى ما قاله أن الفيزياء تسير في سياق موازٍ للنسق الفلسفي الذي يعمل من داخله، فليس ثمة من علموية مبطنة في خطاب بدوي كما يقول الجابري؛ لأن بدوي ببساطة لم يبنِ فلسفته على فرضية علمية، إنما بعد أن أقام نسقه كامل باشتغالٍفلسفي خالصٍ وأصيل على فلسفة هايدغر تحديدًا، قام بالإشارة إلى أنّ استنتاجاته تتوافق مع نتائج الفيزياء الحديثة59. ويشير الجابري إلى نقطة أخرى في خطاب بدوي، وهي أن المادة العلمية التي ارتكز عليها هذا الخطاب تتألف من جملة من المعطيات والمقولات ترجع إلى خطابين متنافرين، كما يصفهما الجابري، وهما «معطيات ومقولات الخطاب العلمي، ومعطيات ومقولات الخطاب الوجودي بشقيه الاهوتي (كيركيغارد) والميتافيزيقي (هايدغر»)60، وعليه فإن الجابري يرى أن الجانب الأصيل في خطاب بدوي «ينحصر في محاولة التوفيق بين هذين النوعين من المعطيات [...] ومن سوء الحظ فإن عملية التوفيق هذه غير ذات موضوع»61، ومعنى أنها غير ذات موضوع كما يوضح الجابري أنه ليس ثمة تبرير لهذه التوفيقية. ويُجمل الجابري رأيه في وجودية بدوي، فيقول إنها نقلت معركة الفلسفة الوجودية من معركة ضد الفلسفات العقلية، وفي مقدمتها مثالية هيغل، إلى معركة ضد العقانية عمومًا، وضد العقل في كل زمان ومكان. ونحن هنا إذ لا نتفق مع الجابري في طرحه، ونرى أنه أساء فهم المعنى الذي تناول به بدوي «العقل»، ذلك أن بدوي يقول بعد دعوته إلى فصل منطق الوجدان الخاص بالوجود الذاتي، عن منطق العقل الذي يحصره في الوجود الفيزيائي: «لا يجب أن يُفهم موقفنا من العقل على أنه موقف تحقير لشأنه. بل العكس تمامًا. إنما نحن نريد التفرقة الدقيقة بين ميدانه وميدان غيره، وليس في هذه التفرقة مطلقًا أي معنى من معاني التقويم، وكل ما هنالك أننا نحول دون طغيانه على ميدان غيره، ونلزمه حدوده التي ليس له أن يتعداها في الإدراك»62، وعليه فإننا نرى أن قولة بدوي هذه تدحض انتقادات الجابري حول دور العقل في عملية المعرفة. وهكذا، نعتقد أن الجابري يكيل الاتهامات لبدوي جزافًا، ويستخدم في نقده لغة مبتذلة لا ترتقي إلى مستوى الحوار الفكري الرصين، إذ يظهر
الجابري وكأنه ناقم على كل فلسفة لا يتم توظيفها أيديولوجيًا أو اجتماعيًا أو حضاريًا، وفق «منطق النهضة» الذي يريده أن يرسم حدود التفكير الفلسفي، وأن يصنف الموضوعات الفلسفية ذات «الأولوية» بالنسبة إلى المفكرين العرب، وفي هذا كما نعتقد تفريغٌ لمعنى الفلسفة ولماهيتها ولموضوعاتها التي ترسخت عبر الزمن.
خاتمة
بالاعتماد على فلسفة هايدغر، رأينا في هذه الدراسة كيف قام بدوي، في كتابه الزمان الوجودي، بمحاولة لتقديم مقاربة تسعى لفهم بنية الوجود ككل، وقد استهدف من خالها الكشف عن ماهية العدم وموقعه في هذه البنية، وذلك بعد أن قام بمراجعة نقدية لتاريخ تناول هذه المشكلة. فرأى أن الفلسفة اليونانية نظرت إلى العدم على أنه نوع من عدم التعين، في حين رأته الديانات أقرب إلى الخاء الذي يشغله الوجود بفعل عملية الخلق. ثم انتقل بدوي إلى الفلسفة الحديثة، ورفض موقف برغسون الذي اعتبر أن سؤال: لماذا كان الوجود ولم يكن العدم؟ لا معنى له، في حين رأى فيه بدوي سؤالً ميتافيزيقًا أصيلً. وعلى الرغم من تبني بدوي تصور هايدغر لبنية الوجود، فإنه اعتبر أن هايدغر لم ينظر إلى العدم، بوصفه موجودًا، بل قام بإلصاقه بجوار الموجود. لم يوافق بدوي على ذلك، واعتبر أن الوجود مكوّن من وحدات منفصلة، يفصل فيما بينها «هوّات» مطلقة، وأن هذه الهوات هي العدم. وقد قام بدوي بالربط بين العدم والحرية؛ حيث قال بأن العدم هو الأصل في الفردية على اعتبار أن الهوّات هي ما يفصل بين الذوات، وأن هذه الهوات ليست شيئًا آخر سوى العدم. ولمّا كانت الحرية تفترض الفردية وكان العدم الأصل في الفردية، كان العدم أساس الحرية. من جهة ثانية، اعتبر بدوي أن كل المذاهب التي تناولت مشكلة الوجود على امتداد تاريخ الفكر الفلسفي لم تتمكن من تقديم فكرة واضحة حول بنيته وماهيته. ويقول إن السبيل إلى تحديد الوجود المطلق يتمثل في الابتعاد عن فكرة الكلي التي قالت بها الفلسفة المثالية، وتبني الفلسفة الوجودية والقول بالجزئي أو الفرد. وانطاقًا من ذلك، حاول بدوي الاشتغال على العاقة بين مقولات الحرية، والفردية، والذاتية، والإمكانية، والزمان، من أجل التوصل إلى فهم بنية الوجود بما هو وجود. رفض بدوي تقسيم الوجود إلى ذات وموضوع، وردِّ الذات إلى الموضوع كما تفعل المادية، أو رد الموضوع إلى الذات كما تفعل المثالية، فمن غير الممكن في رأيه معرفة حقيقة وجود أحدهما عن طريق الآخر؛ حيث إن إمكانية تحقيق الذات عن طريق الفعل تتمظهر في مجموعة الموضوعات الموجودة في هذا العالم، وبهذا الفعل تنتقل ماهية الذات من حالة الإمكان إلى حالة الواقع. وهنا يتبنى بدوي تصور هايدغر لوجود الذات، على أنه سقوط في العالم، وتحقق للإمكانية المعلقة. وإن انتقال الذات من الإمكان إلى التحقق يحصل نتيجة الحرية؛ حيث لولاها لما تمكنت من الاختيار بين
الممكنات، وسعي الذات للتحقق في إحدى هذه الممكنات بفعل الإرادة هو ما يسميه هايدغر الدازاين. إن الزمانية هي الطابع الأصيل لوجود الدازاين من جهة أنه تطلعٌ للتحقق في المستقبل، وبوصفها نمط وجود الدازاين تمتلك الزمانية ثاث خصائص مركزية يحددها بدوي على النحو التالي: الانفصال، وتعني أنها مكونة من وحدات منفصلة بينها هوات مطلقة؛ الخاصية الثانية هي الإمكان، وهي المرحلة التي تسبق التحقق الفعلي للذات في أحد موضوعات العالم؛ أما الخاصية الثالثة، فهي التوتر، وتتأتى من عملية انتقال الذات من الإمكان إلى التحقق، وهي ناتجة من العاقة بين العدم والوجود. ويقسّم بدوي الوجود إلى وجود فيزيائي ووجود ذاتي، وهذا الأخير لا يمكن إدراكه بوساطة العقل وإنما عن طريق الوجدان الذي يقوم على مبدأ التوتر، وهو مبدأ يضعه بدوي في مقابل مبدأ عدم التناقض لقدرته على احتواء التناقض الذي يشكل أساس التقابل بين الوجود والعدم وبين الإمكان والتحقق. وبهذا يدعو بدوي إلى تأسيس منطق التوتر، ليتم إدراك ماهية الوجود الذاتي عن طريقه، ويشدد على ضرورة أن يكون الزمان أحد العناصر الرئيسة في هذا المنطق من جهة تمثيله للتناهي الذي يترتب على وجود العدم. حينما تحصل عملية انتقال الوجود من حالة الوجود الماهوي إلى حالة الوجود المتحقق، تتحقق إمكانية بعينها ويتم سلب لإمكانات أخرى كان من الممكن أن تتحقق، إن عملية «السلب» هذه هي العدم وفق فلسفة هايدغر؛ حيث لا يمكن أن تتحقق الإمكانية وتكتسب صفة الحضور من دونها، أي من دون العدم، وعليه يكون العدم شرط ا لوجود الموجود. وإنّ اكتساب الموجود صفة الحضور وتكشّفه أمام الدازاين يعني أن يأخذ موقعًا في الزمان؛ وبهذا يصبح الزمان علة تحقق الوجود أو علة حضور الموجود المتحقق. وبناءً على ما سبق، يتكون الدازاين نتيجة الاتحاد بين الوجود والعدم، والعلة الفاعلة لهذا الاتحاد هو الزمان؛ ولذلك يعطي بدوي الزمان صفة الخالق بما هو علة حضور الموجود في العالم، وبذلك يعبر عن عملية الخلق بوصفها اتحاد العدم بالإمكان بوساطة الزمان. في القسم الثالث والأخير من هذه الدراسة، عرضنا موقف المفكر المغربي محمد عابد الجابري من رؤية بدوي الفلسفية التي تبلورت في كتابه الزمان الوجودي. ويرى الجابري أن هذا الموقف كان أشبه بمعركة شاملة ضد العقل والعقانية؛ حيث رفض دعوة بدوي إلى تشييد منطق الوجدان الذي يقوم على مبدأ التوتر من أجل فهم الوجود الذاتي في مقابل المنطق العقلي القائم على مبدأ الهوية ومبدأ عدم التناقض. فالجابري لا يعتقد بوجود أي إمكانية لفهم بنية الوجود إلا في سياق منطق العقل، فا يمكن الوصول إلى معرفة حقة من دون التقيد بمبدأ عدم التناقض. وقد قمنا أعاه بتفنيد انتقادات الجابري لفلسفة بدوي، ووضحنا كيف أن بدوي لم يقف ضد العقل إنما أراد تحديد دوره ووظيفته. وفي رأينا إن مآخذ الجابري على توجهات بدوي الفلسفية تتمخض عن المنظور الأيديولوجي الذي يتبناه ويعتمده في تقديم مقارباته للعاقة بين الفكر والعلم والفلسفة والمعرفة عمومًا من جهة أولى، وبين حال الواقع العربي على شتى المستويات من جهة ثانية. ونحن بدورنا نرى ضرورة أن تُعنى
الفلسفة بالمشكات الاجتماعية والفكرية والسياسية للمجتمع الذي تنشأ فيه، لكن هذا لا يعني على الإطاق جعل «سؤال النهضة» معيارًا نحدد من خاله ما يجب أن تتناوله الفلسفة وما يجب أن تبتعد عنه في هذه اللحظة التاريخية أو تلك. والسؤال هنا: كيف يمكن وفقًا لهذا المعيار أن نصنف أي الموضوعات الفلسفية يخدم مشروع النهضة وأي منها لا يفعل؟ وبناءً على ما تقدم من أفكار ومعطيات، يمكننا القول إنه ليس من الجور التساؤل حول مدى أصالة فلسفة بدوي الوجودية في كتابه الزمان الوجودي، ويكتسب هذا التساؤل مشروعيته من زاوية النظر إلى العاقة بين أطروحات بدوي وفلسفة هايدغر؛ حيث يكاد يبدو جهده المرتبط بقضايا الفلسفة الوجودية ليس أكثر من مجرد اشتغالٍهامشيٍّ على المتن الهايدغري. بيد أننا نعتقد أن ذلك لا يُنقص من أهمية هذه الاشتغالات، بوصفها فعل خاقًا استطاع بدوي من خاله أن يسّخر الجهاز المفاهيمي الذي ركّبه هايدغر في تطوير أفكاره الخاصة حول بنية الوجود. وما يلفت النظر أن بدوي حين قام بذلك في أطروحته للدكتوراه عام 1943 – والتي نُشرت بعد سنتين في كتاب الزمان الوجودي– لم يكن قد تجاوز السابعة والعشرين من عمره بعد. وبناءً على ما سبق، نعتقد أن بدوي استطاع أن ينتج محاولة فلسفية فريدة، نبعت من قلب ماهية الفلسفة ومن أعماق موضوعاتها. وعلى الرغم من اعتقادنا أنّ هذه المحاولة يكتنفها الكثير من الشطط، والاستنتاجات والاقتضاءات غير المنطقية والتي لم تمتلك تبريرًا كافيًا، مثل الربط بين العدم والفردية والحرية، والقول بأن العدم هو الأصل في الحرية، فإن عنصر الأصالة التي انطوت عليه أطروحات بدوي، وعلى الأخص في تقديم تصور لبنية الوجود يقوم على العاقة القائمة بين كل من العدم والإمكان والزمان، لا تنبع من تلقيه للفلسفة الوجودية الأوروبية وفهمها ونقدها وامتاك الجرأة للإضافة إليها فحسب، بل تنبع كذلك من قدرته على ممارسة الفعل الفلسفي الخاق، وعلى إنتاج مغامرة فلسفية قادرة على تقديم مقاربات جريئة، بغض النظر عن متانة النتائج التي توصلت إليها. وختامًا، يمكننا القول إن الأفكار والأطروحات الرئيسة التي نسج بها بدوي فلسفته قد ارتبطت على نحو وثيق برؤيته لماهية العدم، والتي شكلت في اعتقادنا المدخل المركزي لفهم فلسفته الوجودية برمتها. إن هذه الإضافة التي انبثقت من رحم التصور الهايدغري للعدم، واستلهمت من النتائج التي توصلت إليها الفيزياء الكوانتية في النصف الأول من القرن العشرين، تمكنت من إنتاج مقاربة جديدة كانت بمنزلة خطوة خاقة في محاولة فهم بنية الوجود والعدم والزمان وماهية العاقة الرابطة بينها.
References
المراجع
العربية
إسبر، علي محمد. مارتن هيدغر أو الفشل المنهجي. دمشق: دار التكوين للطباعة والنشر والتوزيع، بدوي، عبد الرحمن. الزمان الوجودي. ط 2. القاهرة: مكتبة النهضة المصرية،.1955
.________ دراسات في الفلسفة الوجودية. ط 4. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، برجسون، هنري. التطور الخالق. ترجمة محمد محمود قاسم. مراجعة نجيب بلدى. تقديم رمضان بسطاويسي محمد. سلسلة ميراث الترجمة 1780. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2015
الجابري، محمد عابد. الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية. ط 5. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1994
راشد، رشدي (منسّق.) دراسات في تاريخ علم الكلام والفلسفة. سلسلة دراسات تاريخية في الفلسفة والعلوم في الحضارة العربية – الإسامية 1. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2014
سارتر، جان بول. الكينونة والعدم: بحث في الأنطولوجية الفينومينولوجية. ترجمة نقولا متيني. مراجعة عبد العزيز العيادي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2009
الضاهر، سليمان. «فلسفة الموجود عند أفاطون.» مجلة جامعة دمشق. المجلد 21. العدد 4+3 غرين، برايان. الكون الأنيق: الأوتار الفائقة، والأبعاد الدفينة، والبحث عن النظرية النهائية. ترجمة فتح الله الشيخ. مراجعة أحمد عبد الله السماحي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2005
فرنر، شارل. الفلسفة اليونانية. ترجمة تيسير شيخ الأرض. بيروت: دار الأنوار،.1969
هايدجر، مارتن. مدخل إلى الميتافيزيقيا. ترجمة عماد نبيل. بيروت: دار الفارابي،.2015
الأجنبية
Heidegger, Martin. Basic Writings. David Farrell Krell (ed.). London; New York:
Routledge, 2011.
_______. Being and Time. John Macquarre & Edward Robinson (trans.). foreword by
Taylor Carman. New York: Harper perennial, 2008.
Moran, Dermot. «What Does Heidegger mean by the Transcendence of Dasein?»
International Journal of Philosophical Studies. vol. 22, no. 4 (2014).
Reynolds, Jack. Understanding Existentialism. 2 nd. Understanding Movements in
Modern Thought Series. Stocksfield: Acumen publishing, 2007.