عمل الحدّ: قراءة مختلفة للصهيونيّة
Borderwork: Towards a Different Reading of Zionism
الملخّص
يسعى هذا البحث إلى "نزع السحر" عن الحركة الصهيونية، عبر دراسة بنيتها الأيديولوجية، معتمدًا على تطوير إمكانية دراسة البنية الأيديولوجية الصهيونية من خارجها، وذلك بتطوير نقاط ارتكاز استشرافية متعددة الروافد المعرفية. ويتوسل البحث ثلاث نقاط ارتكازية أساسية هي: المادة، والفضاء، والزمن، ويقوم بتطبيق هذه المحاور التحليلية على البنية الأيديولوجية الصهيونية ليردها إلى إحداثياتها الأساسية، ومن ثم إعادة تركيبها لاستخلاص مبدئها الناظم، وتصوير عملها ككل واحد. ويخلص إلى أن الأيديولوجيا الصهيونيّة تعتمد علاقة "الدم" باعتبارها المادّة التي تُبنى منها الجماعة الصهيونيّة المتخيَّلة، ودولة - القوميّة بهيئة "غيتو متخيل" كفضاء هذه الجماعة، والزمن "المقدّس" كزمن هذه الجماعة. المداخلة الرئيسة هي أن هذه المحاور البنيوية الثلاثة تتفاعل لتبني الصهيونية كحالة حدودية، ليس فقط جيوسياسيًا، بل إن بنيتها العميقة هي مبدأ ناظم يقوم على عمل الحد. يطرح البحث تفسيرات عدة لديناميكيات عمل الحد، منها النفسي - الاجتماعي، والوعي الجمعيّ، والبيئة الثقافية الفكرية التي مكّنت تشكل عمل الحد بهذه الصيغة. تحيل هذه التفسيرات المختلفة إلى جانب مفصليّ في انبناء المشروع الحداثيّ/ الرأسمالي، وامتداداته التوسعية، هو مبدأ التشكيل بحسب منطق خطيّ. إن عمل الحد بصيغته الصهيونية هو اشتقاق من مبدأ التشكيل الخطيّ الحداثي/ الرأسمالي.
Abstract
Abstract: The aim of this article is to disenchant the Zionist movement by studying its ideological structure. The article is built on developing the possibility of exploring the Zionist ideology from outside its discursive formations. This is
- الأيديولوجيا الصهيونية
- علاقة "الدم"
- الغيتو المتخيل
- الزمن المقدس
- عمل الحد
- الخطيّة
- Zionist Ideology
- ‘Blood’ Relations
- Imagined Ghetto
- Sacred Time
- Boarder-Work
- Linearity
done by carving observing positions with different historical genealogies other than the Zionist ones. We start with three analytical concepts: matter, space, and time as the most basic observing positions in any scientific research. We then apply these concepts to deconstruct the Zionist ideological structure into its basic coordinates, only to reassemble them to extract their organizing principle. It turns out that the Zionist ideology is built on the "blood" relation, as its matter, and the "imagined ghetto" as its space, and "sacred time" as its time. The main intervention in the article is that the interactions between these three layers cohere to build Zionism as a border state. It is not only a border in the geo–political sense, but rather a deep structure that operates as an organizing principle in the shape of borderwork. We offer several interpretations of the Zionist borderwork, psych–social, collectivity dynamics, and the intellectual and cultural conditions that enabled its construction in the first place. These interpretations lead us to one of the major formative principles of modernity\capitalism, linearity. The Zionist version of the borderwork is derivative of the of the "line" as a formative principle of modernity’s mode of construction.
مقدمة
قد تخلق دراسة الصهيونيّة للباحث العربيّ، عامّة، والفلسطينيّ، خاصّة، تحدّيًا من نوع «استثنائيّ». فمنذ أن تأسّست الحركة الصهيونيّة، قام مفكّرون وباحثون عرب بتحديد علاقات شتّى معها، من قبول، ورفض، وانخراط، وتأييد ضمنيّ، ومقاومة، وغيرها. وانعكست هذه المواقف في المدوَّنة المعرفيّة التي أنتجها هؤلاء بشأن الحركة الصهيونيّة، والدولة والمجتمع الإسرائيليَّيْن. فمنها ما يقوم بدور تعريفيّ – قاموسيّ، ومنها من يطرح بحثًا تاريخيًّا، وآخر يقوم بتحليل جانب محدّد منها، ومنها ما تشكّل المعرفة له رداء لمشروع سياسيّ، وَ/ أو تصبح السياسة هي المعرفة، وغير ذلك1. وإحدى الإشكاليّات الأساسيّة في هذه المدوّنة أنّ أغلبها يتوسّل، دونما إدراك منه لذلك، الخطابَ المعرفيّ الصهيونيّ ليقوم بعرض الصهيونيّة، ولو بحثًا وتمحيصًا ومقاومة، من خلال العدسة التي تقوم عَبْرها الصهيونيّة بتسويق/ عرض ذاتها للعالم، على أنّها حالة «استثنائيّة» حقًّا2. وهذا المأزق دفع بنا
إلى أن نحاول دراسة البنْية الأيديولوجيّة الصهيونيّة، عَبْر البحث عن نقاط ارتكاز خارج هذه البنْية وما توفّره سياقاتها الاستعماريّة المباشرة من تشكيلات خطابيّة عن ذاتها3. فالمحور المركزيّ لهذا المقال هو تفكيك البنْية الأيديولوجيّة الصهيونيّة إلى إحداثيّاتها الأساسيّة، وإعادة تركيبها لاستخلاص مبدئها الناظم، ومن ثَمّ تصوير عملها ككلّ واحد. في خضمّ الصراع المفصليّ بين الحركة الصهيونيّة والنهضة الحداثيّة العربيّة الإسلاميّة، تطوّر نوع من علاقات القوى الحقيقيّة، أحيانًا، والمتخيَّلة، في أغلب الأوقات. عبر تاريخ من مفاصل هذا الصراع، تقعّدت هرميّة علاقات القوى هذه بحيث كانت الغلبة للحركة الصهيونيّة وما تمثّله، وكما هو شأن العلاقات فالغلبة في جزء منها حقيقيّة، لكنها في أجزاء أخرى متخيَّلة. وهكذا انبنت لدى قِطاع واسع من «المغلوبين» هالة من «السحْر» حول الحركة الصهيونيّة ووليدتها دولة إسرائيل، هي ركن أساسيّ في عمليّة الصراع وإدارته وتحديد مآلاته. وانعكست هذه الهالة في طرق التفكير في الحركة الصهيونيّة والمواقف تجاهها من قِبل النخَب العربيّة والمسلمة، فضلً عمّا يجري تداوله في المستويات الشعبيّة. وما يهمّنا، في سياق هذا البحث، هو أنّ استخدام الخطاب المعرفيّ الصهيونيّ لبحث الحركة الصهيونيّة هو جزء من تجلّيات هذا «السحْر»، بمستويات الممارسة العمليّة. ولذلك فإنّنا سنحاول هنا نزع «السحْر» عن الحركة الصهيونيّة عَبْر دراستها من خلال خطاب معرفيّ آخر؛ أي إنّ نقاط ارتكازه تعود إلى مسارات معرفية وتاريخيّة مختلفة. من المهمّ التشديد هنا أنّ هناك العديد من الأبحاث والدراسات العربيّة التي قامت بهذه المحاولة، وبعضها نجح فيها بدرجات متفاوتة، وأغلبها لم يكن واعيًا بأنّه يقوم بنزع «السحْر» عن الحركة الصهيونيّة في سياق العالمَيْن العربيّ والإسلاميّ، وذلك بسبب من شروط إنتاجه بوصفه جزءًا من ديناميكيّات الصراع في طَوْر معيّن4. في مقالة ماكس فيبر Weber Max 920–1864(1) الشهيرة «العلم كحرفة» (في البداية أُلقِيتْ كمحاضرة في شتاء عام /1918 9191)، يستخدم الكاتبُ العالِمُ مقولة «نزع السحْر عن العالم»، راميًا إلى توضيح أنّ «التحصيل المتنامي والعقلنة» يعزوان مركز تفسير الحياة والطبيعة إلى الإنسان بحالته الاجتماعيّة، نافيًا وجود قوى ما وراء طبيعيّة فاعلة فيه5. وفي سياق دراستنا هذه للأيديولوجيا الصهيونيّة، ممّا لا شكّ فيه أنّ المعرفة المتحصّلة من دراسات سابقة، وإخضاع الظاهرة لإجراء بحثيّ نقديّ، يسهمان في نزع غشاء «السحْر» عنها لدى «المغلوبين»، إلّ أنّ ذلك لا يكفي في حدّ ذاته.
فكما أنّ السياق الذي ارتكز عليه فيبر، التفسير العلميّ مقابل الغيبيّ الدينيّ، هو الحداثة الأوروبيّة، فسنقوم هنا أيضًا بردّ الصهيونيّة إلى الثالوث غير المقدّس: الرأسماليّة – الحداثة – الاستعمار، مدّعين أنّ الحركة الصهيونيّة هي تحوير على نسق عضويّ من هذا النظام الاجتماعيّ التاريخيّ. والآن من هنا، في هذا الطور/ اللحظة المتأخّرة من تراكم التجارب والمعارف في العلاقة التي بين العالمَيْن العربيّ والإسلاميّ من جهة، وهذا الثالوث من جهة أخرى، قد نستطيع أن نقوم بتمرين نزع السحر عنه، ومن ثَمّ عن الجزء الصهيونيّ فيه. وسنقترح مجموعة من الخطوات لنزع السحْر عن الصهيونيّة، بوصفها جزءًا من الثالوث، ونترك للقارئ إمكانيّة تعميمها على الرأسماليّة – الحداثة – الاستعمار ككلّ، وتحويرها بما يلائم ذلك. والخطوة الأولى في هذه العمليّة تفكيك موقع الحركة الصهيونيّة كمحطّ للرغبة/ للهدم/ للامتلاك، أي تغيير شكل ارتباط الباحث مع علاقات القوى الاستعمارية عبر تغيير شكل الوعي بها6. أمّا الخطوة الثانية، فهي بِنَحْت نقطة ارتكاز خارج المجال الاجتماعيّ تحت مبحث الأيديولوجيا الصهيونيّة، مع التشديد أنّ هذه نقطة متحرّكة باستمرار؛ فالحقيقة أنّ الارتكاز هو على الحركة بين النقاط لا على النقاط في حدّ ذاتها، وحركتها هي ما ترسم حدود المجال وتدفُّقه وتشعُّباته. تكون الخطوة الثالثة بتحويل المجال الاجتماعيّ إلى موضوع للبحث تراكمت حوله معرفة، وتطبيق الإجراء البحثيّ عليه ككلّ بذاته. الخطوة الرابعة إعادة الانخراط في العالم عبر معرفته تمهيدًا للإسهام في بنائه من جديد. ستؤسّس هذه الخطوات لما سيَلي في هذا البحث، وسيجري استخدامها تزامنًا حيث نرى أنّها، مجتمعةً، تشكّل آليّة عمل متناسقة تبتغي نزع السحر عن أيّ انشباك يبحث في علاقات قوى ما. بداية، ما يلفت النظر هو أنّ أيديولوجيا الحركة الصهيونيّة مَوْضَعت الصهيونيّة في خانة الحالة «الاستثنائيّة» في الحداثة/ الاستعمار، في التّماسّ بين التاريخ والأسطورة الدينيّة. فهي لا تعطينا ذاتها للفهم كحالة حداثيّة «عاديّة»، أي قائمة في الآن/ الهنا المتدفّق من الحاضر باتّجاه المستقبل7. صِيغَ هذا «الاستثناء» على أنّه إيجابيّ جدًّا، بل أحيانًا يتعدّى ذلك باتّجاه نوع من الحالة الأخلاقيّة، أي إنّه «الخير» المتحقّق في التاريخ الحداثيّ الغربيّ، ومن ثَمّ فإنّ الصهيونيّة هي تاريخ يتحوّل إلى «خير» رأسماليّ/ حداثيّ. ومن هنا، أصبحت الصهيونيّة، وما تمثّله، محطَّ الرغبة عند البعض، وَ/ أو الهدم عند البعض الآخر، والامتلاك عند فئة ثالثة، وهذه – معرفيًّا – سواء8. في مقابل ذلك، الحركة
الصهيونيّة ليست استثناءً ونجاحًا وانتصارًا وخيرًا، بل هي سرديّة حداثيّة/ استعماريّة تُبنى على أنّها كذلك كجزء من إدارة الصراع الحداثيّ/ الاستعماريّ ذاته. فهي، إذًا، ليست إلّ قوّة ضمن مجموعة من القوى التي كانت متصارعة، بدايةً، على جزء محدّد من «الكعكة» الاستعماريّة، ولاحقًا الما – بعد استعماريّة9. يحيلنا هذا الفهم لتفكيك البنْية الأيديولوجيّة الصهيونيّة إلى ثلاث نقاط ارتكازيّة خارجها، لكنها نابعة من «أَرْضَنة» الرأسماليّة/ الحداثة/ الاستعمار. النقاط الثلاث هي المادّة والفضاء والزمن؛ وهي مفاهيم مجرّدة، غير مرتبطة بالحركة الصهيونيّة وَ/ أو أيديولوجيّتها، وجرى اختيارها لكونها القاسم المشترك الأدنى لكلّ الظواهر الرأسماليّة/ الحداثيّة/ الاستعماريّة والقوى الفاعلة فيها10. وسنقوم هنا باستخدام هذه المفاهيم نقاط ارتكاز، والحركةُ في ما بينها ستمكّننا من تحديد ملامح الأيديولوجيا الصهيونيّة وحدودها. بصفتها أيديولوجيا حداثيّة/ استعماريّة، فما ينتج عن ممارسة الحركة بين نقاط الارتكاز هو أنّ الأيديولوجيا الصهيونيّة تعتمد علاقة «الدم» باعتبارها المادّة التي تُبنى منها الجماعة الصهيونيّة المتخيَّلة11. ودولة – القوميّة كفضاء هذه الجماعة، والزمن المقدّس كزمن هذه الجماعة. هذه التعيينات للمادّة والفضاء والزمن هي حداثيّة/ استعماريّة بامتياز، ونرى أنّها مشتركة لجلّ الحركات القوميّة/ الاستعماريّة، فالدم/ دولة–القوميّة/ المقدَّس هي وحدات البناء الأساسيّة في كلّ مشروع جماعيّ سياسيّ حداثيّ، إن أراد أن يكون قابلً للحياة في النظام الرأسماليّ ومنظومة تداولُاته12. وسؤال هذا المقال الرئيس، هو: كيف تعمل كلّ من هذه الإحداثيّات الثلاث في الأيديولوجيا الصهيونيّة؟ ومن ثمّ ما شكْل عملها مجتمِعةً، أي بوصفها بناءً كليًّا؟ تمهّد الإحداثيّات الناتجة عن الحركة بين نقاط الارتكاز المختلفة لتحويل الأيديولوجيا الصهيونيّة من مجال ممارسة اجتماعيّة إلى موضوع للبحث قابل لتطبيق الإجراء البحثيّ عليه. فظاهرة البحث بالنسبة إلينا هي عمليّات تَشكُّل الأيديولوجيا الصهيونيّة من خلال مَحاور المادّة والفضاء والزمن وتفاعلاتها
في طور نضجها واكتمالها كنسق خطابيّ13؛ ليصبح سؤالنا الرئيسيّ في سياق هذا المقال هو: كيف تعمل كلّ من هذه المَحاور الثلاثة في الأيديولوجيا الصهيونيّة، بحيث يشكّل عملُها – مجتمِعةً – البناءَ الكليّ لها؟ يتركّب هذا السؤال الرئيس من مجموعة من الأسئلة الفرعيّة تخصّ كلّ محور من المَحاور في تعيُّنه إمبريقيًّا، فلدينا علاقة الدم بما هي المحور الماديّ، ولدينا دولة – القوميّة بما هي تركيبة الفضاء، ولدينا المقدّس الزمنيّ بما هو تعيين للزمن كمفهوم مجرّد. أمّا السؤال الفرعيّ الرابع، فيخصّ المبدأ الناظم للأيديولوجيا الصهيونيّة بما هو تفاعل هذه المَحاور الثلاثة، والذي في الإمكان تسميته الحالة «الحدوديّة»، وتسمية مبدأ عملها «الحَديّة» Borderwork14. تشير النتائج في هذا البحث إلى أنّ المبدأ الناظم لعمل الأيديولوجيا الصهيونيّة يحيل ظاهريًا إلى الحدّ الجيوسياسي، ونسقيًا إلى بنى عميقة تضبط أشكال ارتباط الجماعة الصهيونيّة اليهوديّة وإدراكها لذاتها وللعالم من حولها، وسنشير هنا إلى ثلاثة من تمَظْهُراتها البنيويّة – التاريخيّة15. التمظهر الأوّل أنّ عمل
الحدّ، مثَله في ذلك كمثَل عمل الحلم بالمعنى الفرويدي Dreamwork، لا يتبع مبدأ الواقع بالضرورة حيث هو عمل أيديولوجيا، وغير محصور بأيديولوجيا واحدة، الصهيونيّة وَ/أو غيرها16. تتمَظْهر بنْية عمل الحدّ الصهيونيّة على شكل علاقة تفضيل/ عقاب بين الجماعة الصهيونية اليهودية وبين الكيان الجيوسياسيّ الأوروبيّ، ولاحقًا الأميركيّ (التفضيل)، كما مع الكيان العربيّ – الإسلاميّ (العقاب). ومن فحص معمّق لهذه العلاقة، نرى أنّ بنْية الأيديولوجيا الصهيونيّة لم تحلّ التناقضات التي أشارت إليها ميلاني كلاين في مرحلة تشكُّل الذات المسمّاة Paranoid–Schizoid Position" "، ولذا فهي تُقَسِّم العالم من حولها إلى «جيّد» وَ«سيّئ»، كفصم مطلق بين أجزاء الواقع المعيش المختلفة17. أمّا التمظهر الثاني، فيتجلّى في تميُّز عمل الحدّ الصهيونيّ بشقّه الإمبريقيّ بحالة من المرئيّة Visibility. نوع من الحقل المرئيّ الصهيونيّ هو مسرح ممارسة عمل الحدّ على شكل «قلعة»، هي الحدّ في الوقت ذاته. أمّا التمظهر الثالث، فهو الشقّ المجرَّد في عمل الحدّ الصهيونيّ، وهو يحيل إلى الخطّ بما هو مبدأ ناظم لنوع محدّد من عمليّات التشكيل في الرأسماليّة – الحداثة – الاستعمار، أي إنّ الحدّ هو حالة عينيّة من الخطّ بما هو مبدأ عامّ. على وجه التحديد، المنطق الخطيّ في التشكيل يربط ما بين الفلسفة والفنّ والصناعة، من خلال ربط مجال التصميم الفنيّ الإبداعيّ، ومجال الإنتاج الجماهيريّ للبضائع Production Mass، وذلك كما بيّنت دراسة التجربة الفنيّة – الصناعيّة الألمانيّة منذ أواسط القرن التاسع عشر حتّى أواسط القرن العشرين18. يقوم هذا المقال على التحدّي التحليليّ بربط هذه المستويات المختلفة من ظاهرة الأيديولوجيا الصهيونيّة، وذلك كمدخل لإعادة الانخراط في العالم، والإسهام في بنائه من جديد.
أولا: صهيونيّة الحدّ/ حدّ الصهيونيّة
ليس من قبيل المصادفة أنّ المادّة، والفضاء، والزمن، وعلاقات هذه الثلاثة، كما إمكانيّة التمييز بينها تحليليًّا، هي الإحداثيّات الأساسيّة في تشكيل الظواهر الحداثيّة ذات الطابع المحوريّ في النظام العامّ السائد. ويعود ذلك إلى كون الحداثة، بمنطلقاتها المركزيّة، سعيًا في بناء منظومة مستقلّة عن الطبيعة ومسيطرة عليها بالوقت ذاته، ومستقلّة كذلك عن المجال الميتافيزيقيّ عبْر أَرْضَنته قدر الإمكان. لسنا بصدد تفصيل هذه الآليّات وتجلّياتها بالمادّة والفضاء والزمن، وإنّما نحن بصدد توضيح اختيار
هذه القواسم المشتركة كإحداثيّات، ومَوْضَعة الحركة الصهيونيّة في سياق المقوّمات التي انبنت منها. وابتغاء قياس هذه الإحداثيّات، سنقوم بالتمييز بين سُلّمَيْن والامتداد بينهما: الأوّل سلّم الأفقيّة Horizontality، وهو ذو منطق تعاقبيّ تتتالى عليه الأحداث التاريخيّة ممارسة عمليّة، بحيث تتحدّد قيمة الإحداثيّة على السلّم بحسب مركزيّة التعاقب في تشكيلها؛ والثاني سلّم العموديّة Verticality، وهو ذو منطق تزامنيٍّ الحدثُ فيه ثابت في هيئة بنْية تتجاوز القوى الفاعلة في بيئتها، بحيث تتحدّد قيمة الإحداثيّة على السلّم بمركزيّة الثبات في تشكيلها19. ننطلق من الافتراض أنّ الحالة الحدوديّة، بما فيها الحالة التي ندرسها هنا (الصهيونيّة، بشكلها النموذجيّ)، ستأخذ قيمة صفريّة على سلّم الأفقيّة، وقيمة كاملة على سلّم العموديّة20. تتبدّى هذه الإحداثيّات الثلاث على نحوٍ واضح ومباشر في الطرق التي تقوم بها الحركة الصهيونيّة بإعادة تعريف وبناء علاقات جماعة اليهود مع ذاتها، كما مع جماعات سياسيّة واجتماعيّة خارجها. في هذا السياق، سنقوم بالتركيز على ثلاث طرق في تشكيل الجماعة الصهيونيّة بما هي إعادة تعريف لجماعة اليهود21. الطريقة الأولى في التشكيل تتعلّق بالمادّة، وهي الدم، ففي الأساس؛ الفردُ هو عضو في الجماعة فقط في حال كونه ابنًا/ بنتًا لأمّ يهوديّة، أي علاقة «بيولوجيّة»، مطلقة، حدّ الأسطورة وخارج التاريخ التعاقبيّ للأحداث22. أمّا الطريقة الثانية، فهي تخصّ الفضاء، عمليّة الانتقال من الغيتو في هامش المدينة الأوروبيّة، والذي يجري تخيُّله عبر الخطاب الاستعماريّ الصهيونيّ كجماعة محليّة قبل حداثيّة، إلى الغيتو الحداثيّ المتخيَّل في هامش الفضاء الجيوسياسيّ للجسد الحداثيّ الغربيّ، أي موقع فلسطين من منظور جيوسياسي أوروبيّ23. الطريقة الثالثة، تتعلّق بإحداثيّة الزمن، وهي تؤسّس لأصل يعمل كحدث الأصل الأوّل من الناحية الزمنيّة، ويتطلّب قدسيّة المكان ليتحقق
اكتماله كأصل. البداية، لحظة تأسيس الديانة اليهوديّة كبداية التوحيد بصيغته التي تطوّرت في أوروبا المسيحيّة، تلك النقطة الزمن – الحدّ للوجود التاريخيّ الاجتماعيّ، تتطلّب شكلً معيّنًا، جرى تقديسه، من إعادة إنتاج مادّة – فضاء الحدث في الحاضر24. وإذا أردنا استخدام خطاب المقولة الأيديولوجيّة، فأرض إسرائيل هي مقدّسة في كلّ لحظة معطاة، وذلك أنّ لحظة تأسيس جذور الحضارة الغربيّة تمّت فيها، ولذا فاليهود، جماعة الدم المقدّس، «شعب الله المختار»، يطالبون بملْكيّة، غير قابلة للمساءلة، على اللحظة التأسيسيّة المقدّسة كما على المكان المقدّس في كلّ لحظة ستأتي بعدها على محور الزمن التاريخي25. كما سنرى، هذه الطرق الثلاث – الدم، الغيتو المتخيَّل، الأصل – على اختلاف أجهزتها، هي العمود الفقريّ لعمل الحدّ في الأيديولوجيا الصهيونيّة. لذا، فإنّ تنفيذَ عمل الحدّ وتجسيدَه يخضعان لعمليّات تاريخيّة اجتماعيّة. المقولة أنّ عمل الحدّ هو جزء من عمليّات اجتماعيّة تاريخيّة تهدف، أوّلً، إلى إزالة الحجاب عن مستويات الواقع التي تقف في أساسه؛ وثانيًا، ستمكّننا من دراسة تطوُّر عمل الحدّ الصهيونيّ في اتّجاه مستقلّ جزئيًّا عن الشروط التي انبثق منها في اللحظة المفصليّة من تأسيس الحداثة الأوروبيّة الغربيّة.
1. حدّ الدم: الحدّ النازف
طريقة تشكيل الجماعة الصهيونيّة اليهوديّة التي نحن بصددها تبدو بسيطة بمستواها الإمبريقيّ، وذلك من حيث إمكانيّة تحديد مميّزاتها ومركّباتها المختلفة. الدم هو الحدّ الماديّ الذي يجري عبره تعريف هذه الجماعة، وهنالك تقنيّات بيروقراطيّة محدّدة تفحص ملاءَمة الدم الداخل، والموجود، والخارج من هذه الجماعة26. تشير الدراسات المختلفة بشأن هذا الموضوع إلى أنّ أهميّة الدم لم تنحصر في كونه حارس بوّابة الدخول/ الخروج من الجماعة، بل تجاوزته إلى بناء الجماعة ذاتها في اتّجاهين: الأوّل تطوير
البنْية التحتيّة الطبيّة وآليّات استنساخ «الدم» عبْر الإنجاب والمعرفة الطبيّة والتكنولوجيّة والعمليّة الخاصّة به27، والثاني تطوير نموذج الجسد الفرديّ الصهيونيّ بناء على ملامح الجسد «الآريّ» المتخيَّل، والبنْية التحتيّة المؤسّساتيّة التربويّة والعسكريّة وسوق العمل لإنتاجه من جديد بحسب هذا النموذج28. للوهلة الأولى، حدّ هذه الجماعة واضح، موضوعيّ، بل مطلق كذلك لا يمكن الاستئناف على «بيولوجيّته»29. في المقابل، هنالك عدم قدرة الحركة الصهيونيّة، ولاحقًا دولة «إسرائيل»، على رسم حدود جماعة الدم الجيوسياسية، ولهذا أيضًا حدود الجماعة التي تسيطر عليها وتدير شؤونها30. فمنذ بداية الحركة الصهيونيّة بهيئتها السياسيّة، نرى بين أقطابها المختلفين نقاشات مختلفة حول مواقع الجماعة الجيوسياسية وحدودها، هي ذات طابع استقطابيّ، ممّا يدلّ على تناقضات بنيويّة في الخطاب ذاته31. أمّا في الواقع المعيش، فالحركة هي في الأساس توسُّعيّة استعماريّة، لم تتوقّف منذ نهاية القرن التاسع عشر عن احتلال الأرض، ممّا أدّى إلى حالة استنزاف مستمرّة على مستوى دم أفراد الجماعة. هذان الموقعان – حدود الجماعة بحسب الدم، وعدم القدرة على تحديد الحدود الجيوسياسية لذات الجماعة ممّا يؤدّي إلى نزيف دم متواصل لأفراد الجماعة – يشكلّان بؤرًا لإنتاج توتّر، غير قابلة للحلّ، والتي تتكرّر على نحوٍ يوميّ في حياة الجماعة، فضلً عن الأزمنة والأمكنة التي تعرَّف على أنّها مقدّسة وعن الأزمات العميقة ذات الانعكاسات التحويليّة، والتي تعرّف من جديدٍ أشكال إدراك وإدارة الجماعة ككلّ32. من هنا، يمكن الادّعاء أنّ هذين الموقعين يرسمان محورًا مركزيًّا ببناء الجماعة الصهيونيّة اليهوديّة كجماعة تتحقّق وتعمل بحسب منطق عمل الحَديّة. ذلك أنّ هذا المحور يشير إلى مركزيّة التقاء حدّ المادّة/ الدم، من جانب، مع حدّ جماعة الدم الجيوسياسي، من جانب آخر، ليشكلّا منطق عمل الجماعة، الحَديّة. يصبح السؤال، إذًا، بشأن طبيعة العلاقات غير المفهومة ضمنيًّا بين هذين الموقعين، أي: ما هي طريقة عمل المحور الحَديّ لتحديد شكل الجماعة الصهيونيّة اليهوديّة؟
من الممكن معالجة هذا السؤال من خلال المقترح الأيديولوجيّ الصهيونيّ، والذي يقرّر أنّ حدّ الجماعة الجيوسياسي هو تابع لحدّ جماعة الدم ومشتقّ منه. في المعتاد، تجري صياغة هذه المقولة الخطابيّة كحقّ الشعب اليهوديّ على أرضه، والتي ترتّب خطابيًّا داخلها بشكل هرميّ: الحدثُ الصهيونيّ، بما هو حدث تاريخيّ في الأسفل، ثمّ فوقه تمثيله رمزيًّا وسيميائيًّا، ومن ثَمّ في قمّة الهرم أسطورة الدم/ الحدّ، والتي بدورها تسعى إلى تصفية الحدث التاريخيّ التعاقبيّ عبْرَ تصفيره33. وعلى الرغم من أنّ التمثيل المؤسطِر للجماعات القوميّة لا يميّز الصهيونيّة عن غيرها، فإنّ أسطرة الحدث القوميّ كدمٍ، والذي يعني حدًّا مغلقًا ومطلقًا، هو من دون شك من أبرز مميّزات الصهيونيّة كحالة حدوديّة. من الممكن القول إنّ حركات قوميّة واستعماريّة مختلفة سخّرت الأسطورة لاستخدام تاريخيّ، ولكن هذا التسخير أخذ أشكالً مختلفة بحسب الظروف الخاصّة بكلّ حركة منها. الحالة الحدوديّة الصهيونيّة تعمل بناءً على منطق أنشأ أسطورة مقابل التاريخ وفوقه كشرط لتاريخيّة تَحقُّقها، وبعمله هذا بنى الشيء محطّ الرغبة خاصّتها، الدم كحدّ الجماعة لقيامها من جديد، وذلك عبْر إزاحته إلى تخوم الأسطورة، والتي تظهر بمبنى تاريخيّ، ولكن ظهورها يُعرض كضرورة لاتاريخيّة كنتيجة للشيء الصهيونيّ محطّ الرغبة. الضرورة اللاتاريخيّة، قيام جماعة الدم الصهيونيّة اليهوديّة الدوريّ، في زمن تاريخيّ لا يمكنها إلّ أن تعمل كحدّ التاريخ، لأنّها تنفي من طبيعتها الشيء التاريخيّ، ولكنّه ليس نفيًا جدليًّا بالمعنى المتعارَف عليه، أي التقدّميّ. لذا، يبدو التاريخ التعاقبيّ القوميّ الاستعماريّ على أنّه تركيبة من علاقات نفي سابقة، كان الدم هو أحد مركّباتها. في سياق الأيديولوجيا الصهيونيّة، يصبح استحضار الدم وقيام جماعته كالشيء الصهيونيّ محطّ الرغبة هو بمنزلة إحياء أرواح شرّيرة جرى تنويمها عنوة عبر منظومة من الإجراءات البيروقراطيّة خاصّة النظام الحداثيّ الجديد. ككلّ «الأرواح الشرّيرة»، أي التناقضات التي لم يجر حلها سابقًا، يكسر الدم نسق التصنيفات القائم، أي التاريخيّ – العقلانيّ، ويقيم مذبحًا خاصًّا به يحتّم أضاحي من نوعه، بوصفه دمًا، أي من ذات مادة التناقضات غير المحلولة. في الحياة اليوميّة، يستنزف حدّ الدم دم الحدّ الجيوسياسي المتغيّر، أي للحفاظ على الجماعة الصهيونيّة اليهوديّة كجماعة مغلقة بحسب من يملك «الدم» ومن يصنف خارجه، تُدار حروب تؤدي إلى استنزاف مستمر للجسم المادي لأفراد أعضاء هذه الجماعة. بتكرار لا يتوقّف، تُقدَّم على مذبح «طرد الأرواح» أجزاءٌ من الجماعة على شكل لحم ودم، أي جرى تحويل هذا الاستنزاف إلى طقس تأسيسي في عملية انبناء هذه الجماعة، والمثال الأبرز على ذلك هو مكانة الجسد والجثث في المجتمع الإسرائيليّ في سياقات طقوسيّة الذاكرة/ البطولة34. ولكن، إن قمنا بفحص لهذه الصورة، التي تشكّلت عبْر الكاميرا أوبسكيورا Obscura Camera المؤسطِرة، من زاوية إمبريقيّة عقلانيّة، فستتبيّن لنا قصّة تاريخيّة بسيطة جدًا: نتيجة لعمليّات محدّدة من احتلال ومقاومة وتناقضات متعدّدة، الكيان الصهيونيّ الجيوسياسي لا يستطيع تحديد حدوده، على الأقلّ ليس بشكل
معقول كما سائر الكيانات السياسيّة الأخرى، ممّا يتطلّب دفع ثمن غالٍ جدًّا من ناحية الاقتصاد السياسيّ لقيمة تأسيس جماعة الدم وثمن صيانتها. لذا، لا مفرّ، على المستوى الأيديولوجيّ، من إقامة بنْية سيميائيّة تولِّد حالة مطلقة وصلبة وغير قابلة للاختراق لكي تستطيع أن تحتوي الجماعة النازفة دمًا فعليًّا، وفي هذا السياق ما من مرشّح أفضل من أسطورة الدم البيولوجيّة للقيام بهذا الدور. هاتان القراءتان، الأسطوريّة والإمبريقيّة – العقلانيّة، تفضيان إلى تشخيص مفاده أنّ الأيديولوجيا الصهيونيّة تعمل بحسب منطق عمل الحَديّة، وأنّ طريقة بناء جسد الجماعة الصهيونيّة اليهوديّة مادّيًّا، في الحقيقة، هي المحور الممتدّ بين حدّ الدم والحدّ النازف35. إنّ طريقة الدم، بما هي إحدى عمليّات تشكيل الجماعة الصهيونية، تؤدّي إلى قيمة عموديّة مطلقة وإلى أخرى أفقيّة بدرجة الصفر، أي إنّ الشيء الصهيونيّ محطّ الرغبة، كيان قوميّ – استعماريّ يتكوّن عبْر حدّ الدم، يصبح ذا بعد واحد، إما تملك الدم أو لا تملكه. من جانب آخر، فإن الحدّ النازف بما هو واقع معيش، قيمته العموديّة صفريّة وقيمته الأفقيّة كاملة، أي تتالي الأحداث التي تساهم في إعادة بناء الجماعة، هو عامل ثان في تشكيلها. العلاقات المركبة بين هذين العاملين تحيل إلى الدافع – المتضمّن في بنْية العلاقات الاستعماريّة – للتوسّع والسيطرة على أنواع من الفضاء وأزمنة جديدة. ينظّم، إذًا، حدّ الدم والحدّ النازف مادّة جسد الجماعة، ويجري ذلك في فضاء وزمن محدّدَيْن. سنبدأ بالفضاء، وسنصطلح على تسميته «الغيتو المتخيَّل».
2. الغيتو المتخيَّل
منذ تأسيسها، انبنت الحركة الصهيونيّة على المبادرة إلى تهجير «اليهود»، بما هم فئة صهيونيّة، من الشتات إلى أرض فلسطين وتنظيمها اقتصاديًّا وسياسيًّا ومؤسّساتيًّا، وذلك كحلّ لِما بات يُعْرَف بالمسألة اليهوديّة36. ولأهميّة هذه الهجرة، فإنّ العديد من الباحثين يقرؤون الصهيونيّة وتاريخها عبْر هذه الهجرات المتتالية وتبعاتها على الفاعلين المختلفين في بلد المَنشأ، أي بلدان أوروبية مختلفة، كما في فلسطين العثمانيّة ومن ثَمّ الانتدابيّة، ولاحقًا «إسرائيل»37. بَيْدَ أنّ قلّة فقط تؤطّر هذه المسألة ضمن سياقها الفعليّ، وهو أنّ هذا النوع من الهجرة المنظّمة، من المركز الأوروبيّ في اتّجاه المستعمرات لجاليات وَ/ أو فئات اجتماعيّة اقتصاديّة وسياسيّة مختلفة، كان جزءًا من المشهد التوسّعيّ الأوروبيّ
في القرن التاسع عشر38. لم تكن الحركة الصهيونيّة استثناءً مميّزًا في هذا الخصوص، بل كانت تحويرًا له وممارسة لتقليد قائم، وإن كانت الفئة المستهدَفة ذات مميّزات خاصّة بها، مقارنةً بفئات أخرى في فضاء المدينة الأوروبيّة في ذلك الوقت. إنّ فحص الفضاء الجيوسياسي للجسد الحداثيّ الأوروبيّ الغربيّ يُظهِر أنّ الكيان الصهيونيّ الجيوسياسي جرَتْ مَوْضعَتهُ في الحدّ الشرقيّ – الجنوبيّ له39. إذا تخيّلنا، بصريًّا، هذا التمَوْضُع في الفضاء في موقعه المحدَّد، فسنرى أنّ تهجير الشتات اليهوديّ على يد الحركة الصهيونيّة هو حركة منظَّمة قامت بنقل الغيتو اليهوديّ من هامش المدن الأوروبيّة إلى هامش الأوروبيّة الجيوسياسية الواقعيّة والمتخيَّلة على السواء40. بعبارة أخرى، ادّعاؤنا في هذا البحث هو أنّ الصهيونيّة لا تشكّل نفيًا للغيتو اليهوديّ في أوروبا، بل هي استمراريّته في هيئته «الحداثيّة» في المستعمرة الأوروبيّة. المَوْضَعة الجديدة للغيتو في «هنا»، فلسطين العثمانيّة ومن ثَمّ الانتدابيّة، تشير إلى الانتقال من شكل من العلاقات الجيو – فضائيّة مبعثر، جاليات يهوديّة على هوامش مدن أوروبيّة مختلفة، إلى شكل آخر من العلاقات الجيو – فضائيّة المركّزة، إسرائيل بما هي نظام دولة – قوميّة، في مواجهة أنواع مختلفة من المنفى التاريخيّ والمتخيَّل. الموقع الجديد هو جزء من عمليّات التحوُّل التي مرّت بها، ولا تزال، المجتمعاتُ الأوروبيّة من مرحلة ما قبل الحداثة إلى مرحلة الحداثة، وهو ذو مميّزات ووظائف محدّدة ضمن هذا الإطار. على وجه التحديد، الصهيونيّة – على العكس من مزاعمها المعلنة والمقبولة بحثيًّا كَ «مفهوم ضمنيّ» – قامت بذلك، في الحقيقة، ضمن موقعها على سلّم تقسيم العمل الرأسماليّ – الحداثيّ الغربيّ41. هذه العمليّات من تقسيم العمل في الفضاء ليست ثانويّة، أو ناتجًا عرَضيًّا لعمليّات تحوُّل في أنماط الإنتاج والتأسيس لمنظومة توليد معانٍ جديدة، وإنّما تشكّل جزءًا مفصليًّا في التحولّات التي مرّت بها المجتمعات الغربيّة بانتقالها التدريجيّ من الإقطاع إلى نمط الإنتاج الرأسمالي42. في النظام الحداثيّ الجديد للمجتمعات الأوروبيّة الغربيّة في القرن التاسع عشر، انبنى سياق يُمَكِّن
من وجود أنظمة مشتقّة منه فقط، تتعلّق به من ناحية وجودها الماديّ، ومن ناحية أجهزة توليد المعاني للوجود الاجتماعيّ العينيّ43. مرّت هذا المجتمعات، وفئاتها المختلفة، بعمليّات إخضاع، وتفكيك، وتركيب من جديد لأشكال وجودها الاجتماعيّة التاريخيّة الما – قبل – الحداثيّة؛ ومنذ ذلك الحين لبست أردية مختلفة، نحو: نهضة قوميّة، وتطوّر عضويّ لحركة التاريخ الإنسانيّ، وغيرها. هذه العمليّات طُبِّقَت على الفضاء الأوروبيّ الداخليّ، كما على أنواع الفضاء الخارجيّ له المختلفة، وقد اختلفت أدوات الإخضاع، والتفكيك، والتركيب من جديد من فضاء إلى آخر44. الجماعات الما–قبل–الحداثيّة، والتي كانت جزءًا مفصليًّا من المجال الأوروبيّ الذي مرّ بتغييرات راديكاليّة، إذًا، لم تستطع مقاومة هذا التيّار الذي جرفها، وهي أيضًا مرّت بعمليّات إخضاع، وتفكيك، وتركيب من جديد بحسب المعايير التي تمأسست منذ أواسط القرن التاسع عشر. كجزء من هذه العمليّات، الجماعات اليهوديّة ذات النظام الما–قبل–الحداثيّ، والتي تحدّثت بِ «لغة» مختلفة عن الحداثة الصاعدة، كان عليها أن تمرّ بعمليّة تحويل أساسيّة غيّرت مبناها الجماعيّ45. حمل الانتقالُ من الفضاء الزمن الما–قبل–الحداثيّ إلى ذلك الحداثيّ العديدَ من الإمكانيّات لبناء أنظمة اجتماعيّة جديدة للجماعات اليهوديّة، راوحت بين الاندماج والانفصال ولكن على أسس حداثيّة فقط. تشكّلت في أوساط الجماعات اليهوديّة وخارجها تيّارات اجتماعيّة وثقافيّة وسياسيّة مختلفة تطرح حلولً شتّى بناء على هذه الإمكانيّات والتحويرات المنبثقة منها (على سبيل المثال: حركة الهَسْكلَاه؛ التيّار الدينيّ الأرثوذكسيّ، وغيرهما46). الحركة الصهيونيّة السياسيّة كانت تيّارًا واحدًا من عدّة تيارات أخرى آنذاك. اتّسمت العلاقات بين هذه التيّارات المختلفة بالصراع أحيانًا، وبالحِوار في أحيان أخرى، وفي أحيان غيرها بالاندماج وإعادة البناء، وغير ذلك. من المهمّ التشديد هنا أنّ هذه التيّارات ومواقفها المختلفة، كما سلوكها السياسيّ العينيّ، هي حداثيّة أوروبيّة بامتياز، أي هي بنت شرطها التاريخيّ، وليست خارجه، انبثقت من عمليّات التفكيك وإعادة البناء التي تطرّقنا إليها آنفًا. صعود التيّار الصهيونيّ السياسيّ واحتلاله تدرُّجًا لموقع الصدارة مقابل إمكانيّات متعدّدة أخرى، مرتبط ارتباطًا مباشرًا بكونه حركة سياسيّة مبنيّة بحسب المنطق الحداثيّ لِما هو نظام اجتماعيّ اقتصاديّ، ممّا مكّنها من الاندماج في حقل التناقضات الذي أنشأ النظام الحداثيّ الصاعد والعمل فيه47. معنى ذلك أنّ الصهيونيّة هي حداثيّة بامتياز، حيث استطاعت أن تحلّ تناقضاتها التأسيسيّة عن طريق مَأْسَستها
ببنى جماعيّة تسهر على توازن حقل التناقضات الذي تقف عليه48. والحلّ الذي اقترحته الصهيونيّة هو تصدير تناقض أساسيّ في المجتمعات الأوروبيّة ليجري حلّه في المستعمرات البعيدة، وهو أحد الأنماط الرئيسة لهذه المجتمعات في ذلك الطور من تشكُّلها كجزء من النظام الرأسماليّ الصاعد49. وتنبع أهميّة هذا الحلّ الصهيونيّ، في السياق الأوروبيّ، من أنّ الظاهرة التي تُسمّى نهضة قوميّة/ حركة وطنيّة/ دولة قوميّة، كجزء من المشروع الاستعماريّ وممارساته، شكّلت في الحالة اليهوديّة تحدّيًا وعائقًا بنيويًّا تأسيسيًّا للقوميّة الأوروبيّة. وتجلّت هذه الديناميكيّة بين الجماعات اليهوديّة والتيّار الصهيونيّ والنظام الاجتماعيّ السياسيّ الأوروبيّ في خمس ميزات رئيسة: الميزة الأولى، هي أنّ الجماعة اليهوديّة موزَّعة في كلّ أوروبا وليست محصورة في بلد أوروبي بعينه. الميزة الثانية، هي أنّ البنْية الداخليّة لهذه الجماعة وموقفها تجاه العالم الخارجيّ مختلف من النواحي الاجتماعيّة والدينيّة عن سائر بنى الجماعات الأخرى، مثل جماعات القرابة والمهنة والقرية وأحياء المدن، وما إلى ذلك. هذا الاختلاف شكّل تحدّيًا أمام الحركات الوطنيّة في النظام الأوروبي بوضعه عوائق خلال عمليّة المَعْيَرة Standardization وخلق التجانس الداخليّ، للجماعات التي بدأت تسيطر عليها وتديرها. أمّا الميزة الثالثة، فهي أنّ الصهيونيّة انبنت، جزئيًّا على الأقلّ، عبْر عمليّات جيو – اقتصاديّة ضمن الازدهار الإمبرياليّ آنذاك، وتمَوْضَعت داخله كفاعل مركزيّ. الميزة الرابعة تتعلّق بتركيبة بنْية الوعي البينذاتيّة بين الجماعات الدينيّة المسيحيّة وتلك اليهوديّة، أي طُرق إدراك الجماعات الدينيّة المسيحيّة الأوروبيّة تلك اليهوديّةَ التي تقطن ذات الفضاء الجيوسياسي، وبالعكس أيضًا50. الميزة الخامسة، وهي لم تُبحث تقريبًا حتّى الآن، وظائف الإزاحة والحلول الرمزيّة للتناقضات غير القابلة للحلّ في الفضاء الحداثيّ/ الإمبرياليّ الذي تمأسس في نهاية القرن التاسع عشر، والدور الذي قامت به الحركة الصهيونيّة في معالجة هذه التناقضات حلًّ وإدارة. هذه ليست تناقضات في المجال السياسيّ، وإنّما بمستويات أعمق من الاقتصاد السياسيّ لتأسيس الجماعة المتخيَّلة مقابل الواقع الماديّ لذات الجماعة، علاقة الجماعة مع ذاتها كجماعة تاريخيّة، ومنظومة علاقاتها مع جماعات أخرى، حقيقيّة ومتخيّلة على السواء. انبثقت هذه الميزات الخمس من عمليّات التحوّل في الفضاء الاجتماعيّ الاقتصاديّ الأوروبيّ،
وأسهمت في الوقت ذاته، وجزء منها لا يزال يسهم، في إعادة ترتيب الفضاء ذاته وتصميمه. من هنا، ليس مفاجئًا أنّ الحركة الصهيونيّة، ولاحقًا بطريقة مُمَأْسَسة أكثر دولة «إسرائيل»، بما هي تحقُّق للغيتو المتخيَّل، تقوم بوظيفة مزدوجة. الشقّ الأوّل منها هو في عمليّة مراكمة رأسمال ماديّ بحسب قوانين حركة رأس المال بين المركز والأطراف، بينما الشقّ الثاني منها عملها كحدّ هو بمنزلة مصفاة تقوم بترتيب اللاأوروبيّ الداخليّ بغية تقوية الأوروبيّة مقابل الجماعات الخارج – أوروبيّة51. يعني هذا، في ما يعني، أنّ هذه العمليّات التي تبدو للوهلة الأولى كثنائيّة أو تناظريّة، هي في الواقع نتاج أجهزة إزاحة التناقضات ذاتها التي تقف في أساس البنْية الرأسماليّة/ الحداثيّة. من هذه البنْية انبثقت الحركة الصهيونيّة، على الأقلّ بالمستوى المؤسّساتيّ، وهي ذات البنْية بعملها كالشرط الموضوعيّ لوجود الصهيونيّة كمثال/ نموذج لتحقيق منطقها في العمل الحَديّ. المثال الأبرز في هذا السياق هو حركة رأس المال العمليّة في اتجاه المشروع الصهيونيّ بتحقُّقه كدولة إسرائيل، من جانب، وتأطير هذا الكيان السياسيّ كحدود التماسّ بين المشروع الأوروبيّ الحداثيّ والجسد العربيّ – الإسلاميّ الغريب/ النقيض/ الآخر. أفضت هذه الديناميكيّات إلى بناء الفضاء كحالة عموديّة ذات قيمة مطلقة، بحيث تقوم الصهيونيّة بعملها كحدّ الجسد الحداثيّ الغربيّ. فهي العلامة التي تشير إلى ما لا يوجد وراء هذا الجسد، أي الأفقيّة بدرجة الصفر، شيء يشبه الجدار الذي يفصل بين الأنا والآخَر المطلق. هذا ممّا يخلق توتّرًا بمستوى إحداثيّة الزمن في النظام الرأسماليّ القائم على التوسّع، وتسخيره لحالة زمنيّة مربحة. من هنا، جاءت أهميّة حدّ الزمن في الحركة الصهيونيّة، على الأقلّ بمستوى النسق الأيديولوجيّ.
3. حدّ الزمن: زمن الحدّ
تتجلّى إحداثيّة الزمن في الحداثة بالعديد من المجالات وعلى هيئات مختلفة، وبتفاعل مع المادّة والفضاء قد لا يكون جليًّا ومباشرًا في عديد من الأحيان52. ومن ضمن عمليّة التقسيم والتخصّص في العمل، جرت مَأْسَسة تناول الزمن خطابيًّا في إطار بروز التاريخ كعلم حديث. وليس من قبيل المصادفة أنْ شكّلت كتابة التاريخ محطّ صراعات مختلفة للسيطرة على الزمن في الحاضر وامتلاكه مستقبَلً من قِبل قوى سائدة وهامشيّة على السواء. ليس من المفاجئ، إذًا، أنْ دخلت الحركة الصهيونيّة منذ تأسيسها في صراع من أجل السيطرة على هيئة محدَّدة من الزمن، ليصبح ملْكًا لها، أي احتكار إنتاجه وتداوله ضمن المنظومة الرأسماليّة/ الحداثة. في هذا السياق، من أهمّ المحاور التي تَستثمر بها الحركة الصهيونيّة على نحوٍ ملحوظ إعادةُ كتابة التاريخ كفعل امتلاك، جزئيّ على الأقلّ، للحظة تأسيس الحضارة الغربيّة، وذلك كبنْية خطابيّة حداثيّة، وكأنّ مُلْكِيّة لحظة التأسيس هي شرط ضروريّ
للملْكيّة على المكان في كلّ لحظة تليها53. يدلّ هذا الاستثمار الزائد على مركزيّة رسم حدّ الزمن/ الأصل الأوّل في تأسيسٍ متخيَّل للجماعة الصهيونيّة اليهوديّة، يجري تداوله من قِبل الجماعة، وكذلك من قِبل الجماعة الأوروبيّة الأمّ. واللافت للنظر أنّ تحديد الزمن هذا يُرفَع إلى درجة التقديس الدينيّ – القوميّ، وهي قدسيّة ستحدّد الزمن والمكان اللذين سيتلوانها، وهو ما يخلق للوهلة الأولى إرباكًا؛ إذ إنّ الرأسماليّة/ الحداثة، في ظاهرها على الأقلّ، لا تفرد مساحة للتقديس، بل تدّعي نفيه54. سؤال الأصل، كما هو معروف الآن، ليس بسؤال عن الأصل، وإنّما هو في الأساس بناء الحاضر من مجموعة من العلاقات المركِّبة له، يكون فيها الأصل عبارة عن علاقة ما بالحاضر، أي إنّ الأصل يُبنى بحسب منطق الآن/ الهُنا55. موقع سؤال الأصل «المقدَّس» في البناء الأيديولوجيّ الصهيونيّ، إذًا، مرتبط بحاضر هذا البناء وبطريقة معيّنة في بنائه الرأسماليّ/ الحداثيّ. لذا، سؤالنا يتعلّق بأشكال عمل الأصل «المقدّس» بما هو حدّ الزمن الذي يحدّد زمن الجماعة – نقطة بداية الآن الخاصّة بالجماعة بما هي انبثاق من النظام الرأسماليّ وفاعلة فيه عبر احتكار إنتاج وتداول هذا الأصل «المقدّس»56. يحمل سؤال الزمن في الحداثة عدّة مستويات لافتة للنظر تحليليًّا، وهي في الغالب ذات تركيبة مليئة بالنتوءات الناتجة عن إشكاليّات وتناقضات بنيويّة؛ وذلك على الرغم من العنف الكبير الممارَس من قِبل الماكنة الرأسماليّة، على أطوارها المختلفة، ابتغاءَ تنظيم الزمن من جديد كقيمة تبادليّة والسيطرة عليه بهيئة الملْكيّة الخاصّة57. ويجري تحقيق هذا الهدف عبْر عمليّة تأطير مستويات الزمن المختلفة، وذلك من خلال تحويل العمل الاجتماعيّ المنتِج إلى هيئة زمنيّة موحَّدة (زَمْنَنة، إن جاز التعبير) تشبه التسليع. ولكن بسبب نوعيّة المادّة الزمنيّة وموقعها في النظام الرأسماليّ وشكل ترميزها في الحداثة أصبحت هذه العمليّة شموليّة، أي لا يمكن لأيّ وجود حداثيّ أن يكون خارج أشكال الزمن القابلة للتبادل. لذا، الزَّمْنَنة هي نسق من الطرق التي تعيد تنظيم العمل الاجتماعيّ المنتِج بحسب سلّم كونيّ ذي بعد واحد، وقياس بحسب معايير القيم التبادليّة السائدة. من نافل القول أنّ هذه العمليّة ليست خطيّة، موحّدة أو متجانسة؛ فهي مركّبة، وهجينة، ومليئة بالتناقضات والصراعات المختلفة. أحد
مفاصل الاحتكاك والتوتّر في هذه العمليّة هو زَمْنَنة الشكل المقدّس للزمن، أي إخضاع الزمن المقدَّس وتفكيكه، وتركيبه من جديد بحسب المنطق التبادليّ؛ وفي هذا المفترق تمَوْضَعت الصهيونيّة58. من الممكن القيام بتفكيك المقدَّس بعدّة أشكال. الفاعل الاجتماعيّ التاريخيّ الذي يفكّك يستطيع أن يرتدي هُويّات عدّة، علمانيّة أو دينيّة أو أخرى. عندما يكون الفاعل المفكِّك مقدّسًا ينفّذ مهمّته بطريقة مقدّسة، يصبح زمن التفكيك والتركيب في حدّ ذات كل منهما فضاء من القدسيّة. الصهيونيّة، ولاحقًا «دولة إسرائيل»، احتكرت هذا النمط، وانبنت عبره، وطوّرته إلى حدّه الأقصى، حتّى غدا من الصعب التفكير فيها خارج حدود زمن تفكيك المقدَّس وفضائه، بما هو تنظيم من جديد للزمن المقدَّس على شكل قيمة تبادليّة. اللافت للنظر في الحالة الصهيونيّة ليس فعل التفكيك والتركيب بحدّ ذات كل منهما، فهو شائع جدًّا، بل إنّ هذه العمليّة تُحَلّ على شكل مصفوفة رباعيّة: المقدّس قابل للتبادل (وهو ما تمثّله الصهيونيّة)/ التبادل قابل للتقديس (وهو ما تمثّله التشكيلة الرأسماليّة)59. جاءت ضرورة هذه المصفوفة للنظام الرأسماليّ كجزء من حلّ مسألة عدم شرعيّة حسم الرأسماليّة صراعها مع الأنظمة القديمة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر اقتصاديًّا وسياسيًّا لمصلحتها، حيث كان الحسم لصالح سيطرة الرأسماليّة على راهن المجتمعات وتاريخها نتيجة استخدام القوّة والعنف. تمَفْصُل نسق الزَّمْنَنة الصهيونيّ في هذا المفترق من بنْية النظام الصاعد، وارتقاؤه ضمن عوامل أخرى بالتناقض، حسم فعليّ للصراع لكنّه غير شرعيّ بعد، إلى مستوى التركيبة Synthesis، أي التقديس قابل للتبادل/ التبادل قابل للتقديس، وهذا ممّا شَرْعنَ النظام الرأسماليّ برداء القدسيّة الدينيّة، ورسّخ سيطرته الاقتصاديّة السياسيّة. هذا تمامًا ما كانت تحلم به أجهزة السوق ونظامه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر60. الأصل، إذًا، كحدث زمنيّ يسجّل حدّ زمن بداية ما هو قائم في الحاضر، يُلزم شكلً من الزمن المقدّس لكي يقوم بأداء دوره ببناء الهُويّة الجماعيّة في مقابل ذاته والآخرين خارجه. لذا، فإنّ بناء المصفوفة الصهيونيّة وصيانتها أدّيا إلى الأصل المقدّس، إلى تلك اللحظة من بناء قاعدة الآن التبادليّ/ المقدّس. وهكذا فإن كانت لحظة المقدَّس، أي الأصل، بملْكيّة الجماعة الصهيونيّة اليهوديّة، فمن الممكن توليد هذا المقدَّس في كلّ لحظة تلي ذلك، هذا من جانب، والذي يحتّم مكانًا مقدَّسًا، والذي من طبيعته هو غير قابل للنسخ كما الزمن، ولذلك فهو بملْكيّة الجماعة دائمًا، من الجانب الآخر. هذا التموضع يمكّن
من صيانة المصفوفة بشكل مستمرّ في الزمن التاريخيّ المتواصل، وذلك مقابل وعبْر علاقات السوق الرأسماليّة التبادليّة التي تولّد سوقًا من دون أيّ نوع من التقديس، ولذلك من دون مكانٍ ما أيضًا، وإنّما في فضاء قابل للتوليد والاستنساخ، ومن هنا توسّعها السريع والهدّام. بعبارة أخرى، من أجل أن تصبح المصفوفة الصهيونيّة قابلة للصيانة، اختارت مكانًا يأخذ صفة المقدَّس، وبذلك أصبحت لحظات المقدَّس قابلة للتبادل، ويتحقّق التبادل من خلال تقديسه. بهذه الطريقة يُنسَج الأصل «المقدَّس» جسرًا رابطًا بين أجزاء الحاضر المتناقضة والخفيّة، وذلك عبْر وضع حدود زمن البداية، التي – على نحوِ ما وضّحنا في ما سبق – هدفُها المركزيّ هو نسج أصل يعمل كحدّ يتشكّل الحاضر به ومن خلاله. بناء حدّ الزمن الأوّل، الأصل، هو جهاز ينظّم الزمن بحسب منطق عموديّ، أي إنّ لحظة المقدَّس التبادليّ/ التبادل المقدَّس تأخذ قيمة عموديّة كاملة، وتُصفّر قيمة كلّ عمليّة تغيير أو تحويل أفقيّة أخرى. فكلّ عمليّة أفقيّة، نجسة، كاحتلال أرض أو قتل أصحابها، مثلً، تُحوَّل للحظة عموديّة، مقدَّسة؛ وهذا هو منطق عمل الحدّ. ذلك أنّ ملْكيّة المقدَّس في زمن التبادليّة هي التي تتيح وجود ملْكيّة مقدّسة للتبادل النجس تبني فعل تطهير وتقديس التبادل، أي النظام القائم الآن. طرق عمل الصهيونيّة الثلاث (الدم الواحد، الغيتو المتخيَّل، الأصل الواحد «المقدّس»)، التي تناولنا كلًّ منها على نحوٍ منفصل تحليليًّا حتّى الآن، هي غير منفصلة في الواقع الملموس، وإنّما تعمل معًا كنسيج واحد ذي طبوغرافيا غير متجانسة، تبرز كلّ طريقة محدّدة منها على خلفيّة عمل الطريقتين الأُخريَيْن. سيمكّننا فحص هذا النسيج بعمله ككلّ من تحديد ملامح الصهيونيّة بما هي حالة حدوديّة، ومن ثَمّ محاولة استخلاص الحَديّة كمبدأ عمل شموليّ. معرفيًّا، قد تكون لهذه الخطوات من التحليل والتركيب أهميّة بذاتها، غير أنّ فهمها المعمّق يُلزِمنا بإعادة التفكير فيها من خلال الشروط الاجتماعيّة الاقتصاديّة التي أفرزتها بهيئة أيديولوجيّة قابلة للتداول المقدَّس في النظام الرأسماليّ بامتداده الاستعماريّ.
ثانيًا عمل الحدّ
هنالك طريقتان رئيستان شائعتان من البحث لفهم الحدّ، وهما ما نريد نفيه هنا. الطريقة الأولى، هي أنّ الحدّ موقعٌ ما، قد يصبح ممكنًا تبعًا لعلاقته مع مركزٍ ما. الطريقة الثانية، وهي جزئيًّا اشتقاق من الأولى، ترى أنّ الحالة الحدوديّة هي إشكاليّة؛ وذلك أنّها تحمل تناقضًا «داخليًّا» وَ/ أو «خارجيًّا»، ويجب حلّ هذا التناقض المولِّد للتوتّر، والذي ينعكس على مركز النظام ذاته بإشارته إلى إمكانيّة حالة لانظاميّة كخيار تاريخيّ فعليّ61. من الناحية الأنطولوجيّة، ربّما علينا التفكير في الحدّ بعلاقته مع مركزٍ ما، إلّ أنّ فهم الحدّ بهذه الطريقة سيَحُول دون قبول الإمكانيّة التي أريد أن أطرحها هنا، وهي أنّه في سياقات تاريخيّة محدّدة أصبحت الحالة الحدوديّة حياة اجتماعيّة قائمة بذاتها، «مستقلّة»62. فكما تبيّن معنا آنفًا، في دراسة الحالة الصهيونيّة، الوجود الاجتماعيّ الحَديّ أصبح ذا قيمة تبادليّة، بحيث من الممكن
التفكير فيه بذاته في لحظة عمله لذاته. هذا النمط يطرح إمكانيّة خلط العلاقات النسبيّة بين المركز الحدوديّ، والحدّ المركزيّ، أي إنّ المركز لم يعد يُعرَّف عبر حدوده، والحدود لا تُشكَّل من خلال مركزها، أو في الحقيقة إنّ كلّ بنْية بما هي جزء من عمليّة تاريخيّة تلزم تركيبةً ما من مركز وحَدّ، بحيث نُضطرّ إلى البحث عن مفاهيم تحتويهما وتتجاوزهما في آن. بناءً على ذلك، سننطلق في مسعانا هذا من أنّ مميّزات عمل الحدّ تنقل إشكاليّة البناء الاجتماعيّ خطوة واحدة إلى الأمام: لا حاجة إلى التمييز بين الحدّ والمركز؛ فعمل الحدّ هو، في الوقت ذاته، كلاهما وشيء آخر إضافيّ. إذا تخيّلنا حجمًا مركَّبًا من محورَيْن، أفقيّ وعموديّ، فعمل الحدّ هو حركة تقود المحور الأفقي في اتجاه العموديّ. صحيح أن اتّجاه هذه الحركة يمكن أن يكون بأشكال وبطرق متعدّدة، إلّ أنّه سيبقى دائمًا مزدوجًا، أي من جانب تصفير، ومن الجانب الآخر تكثيف. هذا الإطار من التحليل سيمكّننا من القيام بفحص مختلف لنسيج عمل الحدّ الصهيونيّ المكوّن من دم واحد، وغيتو متخيَّل، وأصل مقدّس، وسنقوم لاحقًا بمحاولة تفسيرها بثلاثة مستويات: نفسيّ – اجتماعيّ، وبنْية العمليّات المشكِّلة للجماعيّة الصهيونيّة اليهوديّة، والسياق الثقافيّ التاريخيّ الذي أتاح صعود الصهيونيّة كحالة حدوديّة ومنطق عملها الحَديّ.
1. البناء النفسي - الاجتماعيّ الموازي لعمل الحدّ الصهيونيّ63
بناءً على مكوّنات الحالة الحدوديّة الصهيونيّة وأنماط عملها التي استخلصناها، في الإمكان تشبيه العلاقة بين الحركة الصهيونيّة والجسد الجيوسياسي الأوروبيّ الحداثيّ كعلاقة الابن بالأمّ64. فهنالك المادّة/ الدم الذي ينتقل بالولادة فقط، والفضاء/ الغيتو المتخيَّل بما هو شكل الجسد المتولّد، والزمن/ الأصل المقدَّس بما هو إعادة صياغة لطاقة الموت/ الحياة بهيئتَيْها الفناء/ التوليد وما بينهما، وكلّها تحمل قيمًا عموديّة مكثّفة قصوى ومطلقة، كما علاقة الإنجاب «البيولوجيّة»65. تأخذ هذه المكوّنات تحويرًا بنيويًّا محدّدًا على العلاقة بين الابن والأمّ؛ فهي ليست علاقة «عاديّة» – إن جاز هذا التعبير – بل هي علاقة تفضيل/ عقاب من نوع خاصّ كما تشير الأحداث التاريخيّة الخاصّة بها66. الابن المفضَّل والابن المعاقَب من قِبَل أمه، هذا الذي يصبح التفضيل/ العقاب المحور المركزيّ بعلاقتهما وبشخصيّة الابن، يتموضع في أطراف المادّة والفضاء والزمن غير الممكنة بعلاقات الابن والأمّ. ذلك أنّه، في حالة التفضيل، هنالك جسم واحد غير متمايز، هو جسم الأمّ، والذي لا يُمَكِّن من انفصال جسم
الابن عنه؛ وفي حالة العقاب، حيث يبدو أنّ هنالك تمايزًا حادًّا بينهما، لدينا في الحقيقة جهاز تابع لجسم الأمّ الذي يعمل وَفق منطق التفضيل، ولكن في هذه الحالة يُفضِّل ذاته على أجزائه المختلفة، وأحدها هو جسم الابن الذي تولّد عنه67. إذا بدأنا في الحفر الأوّليّ في علاقة التفضيل/ العقاب بين الابن والأمّ، نرى أنّها تُرَدّ بطريقة شبه مباشرة إلى منظومة العلاقات التي أشارت إليها الباحثة والمحلّلة النفسيّة ميلاني كلاين عند تطرُّقها إلى مميّزات مرحلة الشهور الأولى من حياة الطفل والتي اصطُلِح على تسميتها Paranoid–Schizoid Position68. وترى كلاين أنّ ما يميّز هذه المرحلة هو بداية تشكُّل الأنا Ego" "، حيث يجري ذلك في الأساس بحسب العلاقة مع جسم الأمّ الذي يوفّر أوّلًالغذاء، وثانيًا العاطفة والأمان. وعمليّة البناء الأساسيّة تجري من خلال علاقة الطفل تحديدًا بثدي جسم الأمّ، حيث يجري التمييز من قِبل الطفل بين الثدي «الجيّد» الذي يوفّر الغذاء من خلال الرضاعة، والثدي «السيّئ» الذي يمنع الغذاء بالامتناع عن الرضاعة. يَنتج عن هذا التمييز ثلاثُ آليّات دفاعيّة – تشكيليّة هي الأساس في عمليّة إنشاء الأنا الخاصّة بالطفل: فَصْم Splitting الشيء – الثدي إلى جيّد وسيّئ ومن ثَمّ تنفصم، تبعًا لذلك، الأنا إلى شقّين، على الأقلّ، من خلال آليّتَيِ الإسقاط الداخليّIntrojection والإسقاط الخارجي Projection. تقوم عمليّة الإسقاط الداخليّ للثدي «الجيّد» بتركيب أرضيّة الأنا، بينما تكتمل عمليّة البناء بتوحيده مع الشقّ الآخر، السيّئ. تتمفصل هذه الآليّات وديناميكيّاتها (والكلام لكلاين) مع غريزتَيِ الحياة والموت الفرويديّتين، ومن هنا فإنّ الطفل يعيش حركة بندوليّة بين الإشباعِ وفانتازيا Idealization العودة إلى حالة ما قبل الولادة من الثدي الجيّد، ولاحقًا القدرة على الارتباط مع أشخاص آخرين بطريقة إيجابيّة، والهجومِ الفمويّ – الساديّ على الثدي السيّئ المحبِط ممّا يؤدّي إلى خوف أساسيّ من الملاحقة Fears Persecutory قد يتطوّر لاحقًا إلى عدم القدرة على الارتباط مع الآخرين، ومن ثَمّ ضرورة هدمهم العنفيّ الساديّ، وَ/ أو هدم الأنا التي قد ترتبط بهم. بحسب الأرضيّة التحليليّة التي تقف عليها كلاين، التحدّي يكمن في دمج الشقَّيْن وصورهما الداخليّة ليتمكّن كلّ من «الأنا» وَ«الأنا الأعلى» من التطوّر تطوُّرًا سويًّا. من هذا الإطار التحليليّ نبتت عدّة تفرّعات نظريّة وتحليليّة مختلفة، أهمّها بالنسبة لسياقنا، بداية، هو ما اصطُلِح على تسميته نمط الشخصيّة الحدوديّة والنرجسيّة المرَضيّة بما هما متلازمتان طُوِّرتا بناء على أشكال من عدم القدرة على الدمج بين الثدي «الجيّد» والثدي «السيّئ»، وما يرتبط بهما من غريزتَيِ الحياة/ الموت الفرويديَّتَيْن69. في انتقالنا من عرض هذه المداخلات من مجال علم النفس التحليليّ إلى الحالة التي ندرسها (الأيديولوجيا الصهيونيّة)، سنقوم بالتركيز على شكل علاقات التناظر البنيويّة بينها، لا على المضمون بالضرورة.
إنّ تاريخ العلاقات المركّبة بين الجاليات اليهوديّة في فضاء المدينة الأوروبيّة والفئات السائدة فيه، ولاحقًا تمَوْضُع الصهيونيّة لتحتكر هذه العلاقات وتاريخها، خلَقا أنماطًا من التفضيل/ العقاب يبدو فيها العقاب مركزيًّا أكثر من التفضيل لغاية صعود هذه الأخيرة، أي الصهيونيّة. واللافت للنظر في هذا السياق هو تبدُّل جسد الكيان الجيوسياسي الأوروبيّ من ثدي «جيّد» و«سيّئ» بذات الوقت، وبالتناوب، في أماكن ومواقع مختلفة، إلى أن جرى حصر العلاقة بِ «الجيّد» عبْر الأيديولوجيا الصهيونيّة كتعويض عن «السيّئ» وتراكماته التاريخيّة، ممّا اضطرّها إلى فصم «الثدي» كحلّ بنيويّ، أو شرط لوجودها وصيانته. بَيْدَ أنّ هذا الفصم شبه المطلق في الجسد الأوروبيّ حتّم إسقاطًا خارجيًّا للثدي «السيّئ»، وذلك لخلق التوازن في البنْية الحدوديّة بين الابن والأمّ. لذا، نرى أنّ البنْية الأيديولوجيّة الصهيونيّة، كحالة حدوديّة، قائمة على عمليّة الفصم «المطلق» في كلّ من الإحداثيّات الثلاث وقِيَمها العموديّة والأفقيّة، بحيث لا يمكن لها أن تدمجها في تركيب جديد. فمن جانب، هنالك العلاقة مع الثدي «الجيّد» وهو الكيان الجيوسياسي الأوروبيّ الأمّ، ولاحقًا الأوروأميركيّ، والذات الصهيونيّة اليهوديّة الحدوديّة – النرجسيّة التي تطوّرت في هذه العلاقة. ومن جانب آخر، هنالك تركيبة الثدي «السيّئ» التي يجب إسقاطها خارجيًّا عبر إزاحتها إلى شيء «سيّئ» جديد. في هذا التقاطع، أصبح الكيان الجيوسياسي في العالم العربيّ الإسلاميّ هو الشيء «السيّئ»، والذي أصبح محطّ العنف الساديّ المدمِّر الذي يجب أن يؤدي إلى «تفتيت» الشيء بحسب اصطلاح كلاين. خلال هذه الديناميكيّة، تقوم آليّة الإسقاط الداخليّ (الصهيونيّة هي «أوروبيّة – أميركيّة» الثقافة والأصل)، وآليّة الإسقاط الخارجيّ (العرب المسلمون يريدون القضاء على جماعة اليهود وتدميرها)، بالعمل المكثّف لصيانة الانفصام المطلق بين شقَّيِ «الثدي». تطوّرت هذه الديناميكيّة من العلاقات إلى مستوى بنيويّ أُضيف على تركيبة مرحلة Paranoid–Schizoid Position، وهو ما يمكن تسميته «الابن الموهوب»، حيث هو بسبب السياق التاريخيّ التوحيديّ المقدّس، وتقاطعه مع مصفوفة المقدّس قابل للتبادل/ التبادل قابل للتقديس، أصبحت الحركة الصهيونيّة اليهوديّة حالة حدوديّة مفضَّلة وموهوبة. والقصد بِ «الابن الموهوب» هو المعنى الذي طوّرته إليس ميلر، حيث التعلّق التامّ من قِبل الابن بوالدَيْهِ يُفضي به إلى نفي ذاته ورغباتها، وإعادة تشكيل هذه الذات والرغبات بناء على ما يقرؤُه كرغبات الوالدين70. وفي سياق الحركة الصهيونيّة اليهوديّة، فإنّ صيانة الثدي «الجيّد» وما يتبعه من تفضيل، يحتّم تطوير هذا المستوى البنيويّ، «الابن الموهوب»، وما يتبعه من مَأْسَسة العنف الساديّ والمدمّر تجاه الثدي «السيّئ» وإسقاطه الخارجي تجاه الشيء الذي يمثّله، أي الكيانيّة العربيّة الإسلاميّة في فلسطين. تأتي حتميّة هذا المستوى في العلاقات بسبب ضرورة صيانة التفضيل من قِبل الحركة الصهيونيّة على المستوى التاريخيّ التعاقبيّ؛ فمن جانب يمكن للبنْية الثنائيّة «تفضيل/ عقاب» أن تنقلب إلى عقاب في سياق عينيّ مستقبليّ، ومن جانب آخر هنالك العديد ممّن يتنافسون على موقع التفضيل، وإنْ كان يحمل عقابًا ما.
2. الجماعيّة الصهيونيّة: مرئيّة القلعة
تعتمد الحالة الحدوديّة في بنائها لذاتها، لفضائها الداخليّ، على القيم العموديّة المطلقة التي تكتسبها على هذا السلّم. بذا، فالبناء الداخليّ هو تزامنيّ في الأساس، ومن هنا مركزيّة الحقل البصريّ/ المرئيّ Field Visual في الحالات الحدوديّة71. لا تختلف الصهيونيّة من هذا الجانب، من حيث مركزيّة المرئيّة Visibility في بنائها لذاتها داخليًّا، إلّ أنّ هذا لا يستنفد منطق عمل الحدّ كآليّة بناء داخليّة، والذي يحتوي جوانب من الإنتاج الاجتماعيّ الماديّ ويُمَوْضِع ذاته كتركيبة تحتوي الإنتاج وتوليد المعاني وتتجاوزها. ففي الحالة الصهيونيّة، يُعبِّر عن هذه التركيبة نوع محدَّد من الحدث هو حركة تحقُّقها، كونها تحدث هو أهمّ ما فيها. الادّعاء هو أنّه لكي تأخذ المادّة، والفضاء، والزمن قيمة صفر بالأفقيّة الخاصّة بهنّ (بمعنى مكان واحد، ودم واحد، وأصل واحد)، على التفريغ المفروض عنوةً أن يصبح الحركة المشكِّلة الوحيدة الممكنة والمؤسِّسة بذات الوقت. من هنا يمكن فهم تشكيلات خطابيّة مختلفة داخل الصهيونيّة: المجاز بشأن الجينات اليهوديّة ليس بطهارة بل هو تطهير، وحول المكان الفارغ (أرض بلا شعب تنتظر شعبًا بلا أرض) هو في الحقيقة تفريغ، وبشأن وحدة زمن تزامنيّة ومتجانسة بامتداد ألفَيْ عام ونقيّة من أيّ بقايا تاريخيّة هي ليست مقدّسة بل تقديس بأثر رجعيّ. لذا، فإنّ حقل المرئيّة Visibility الصهيونيّ، الذي هو في الوقت ذاته تعبير عن عمليّة التشكيل والعمليّة نفسها، مبنيّ على تكرار شكل الحدث ذاته، حركة إلى داخليّة Interiority الحركة ذاتها72. في حقيقة الأمر، الحركة هي داخليّة لا تعترف بأيّ نوع من الخارجيّة Exteriority، أي وجود خارجيّ. هذه الصفة شبه المطلقة لحقل المرئيّة هي بالضرورة عمى جرى تعريفه على أنّه رؤية، ويُنتِج عنفًا جارفًا يعمل على هدم كلّ ما سيُلزِم الحركة البانية للذات الصهيونيّة بالتغيير، أو حتّى تقليل حدّة دافعيّة المنطق الحَديّ في اتجاه الداخليّة. هذا الجهاز التشكيليّ الذي يخصّ الصهيونيّة لا يستطيع أن يصمد إزاء تقلّبات تاريخيّة، ولكن في المقابل عليه أن يصمد في وجه التناقضات، والتوتّرات المختلفة الناتجة عن أفقيّة (سلاسل من الأحداث التاريخيّة المتغيّرة) الحياة الحقيقيّة. في أعقاب ذلك، يفعِّل هذا الجهاز بعمله، وهو بتوتّر عالٍ جدًّا مقابل الأفقيّة، تقنيّتَيْن (وذلك بحسب السياق): الصرامة والإزاحة. والصرامة هي مَطّ قدرات عمل الحدّ إلى أطرافها القصوى الممكنة، ممّا يتطلّب استثمارًا زائدًا في صيانة موقع «التفضيل». والتفضيل هنا هو التوجّه إلى الكيان الجيوسياسي الأوروأميركيّ للحفاظ على ذاته؛ ويتجلّى ذلك في تاريخ المساعدات من قِبل دول أوروبيّة مختلفة، والولايات المتحدة الأميركيّة،
وغيره. التقنيّة الثانية هي الإزاحة، وهي مبنيّة على ترجمة ما لا يمكن تفكيكه، من الخارجيّة إلى الداخليّة، فكلّ حدث أو حركة أفقيّة تُفكَّك وتُبنى من جديد كداخليّةٍ ما تخصّ الحركة، والتي هي في حد ذاتها شكل من الداخليّة؛ فكلّ حدث تاريخيّ ملزَم بأن يُعاد تركيبه لكي يصبح ذا صلة بِ «اليهود» بما هم صنف صهيونيّ متخيَّل73. إنّ الحركة إلى الداخليّة بتحقُّقها كتراكم يبني حقل المرئيّة الصهيونيّ تصبّ عدسة تعمل بحسب منطق القلعة74. وذلك أنّ هذه الحركة، كما تقنيّاتها مقابل الأفقيّة، هي دائريّة مغلقة، وذات دوريّة عالية لكي تستطيع أن تبقى كما هي. تُحصَّل الصرامة عن طريق تكرار قهريّ للحركة ذاتها وبإيقاع سريع لدرجة الدوران. وهكذا أيضًا إيقاع الإزاحة/ الترجمة الذي عليه أن يعمل من دون توقّف مقابل الخارجيّة المتكاثرة بطبعها. في مستوى الوعي الجمعيّ الصهيونيّ الحَديّ، تراكُم الحركة إلى الداخليّة هو ذو شكل ذي بعدَيْن، من غير حجم؛ إذ إنّ عمليّة تراكُم ذات الشيء، الواحد، تتميّز بعدم التخصّص من حيث الجودة والكميّة. ذلك أنّ كلّ ما سيأتي هو نسخة طبق الأصل عمّا كان. لذا، فحقل المرئيّة هو مسطّح يعمل كمصفوفة الواحد، الذي يحدَّد بناءً على الإحداثيّات: دم واحد؛ غيتو متخيَّل واحد؛ أصل واحد.
3. شروط إمكانيّة وجود عمل الحدّ الصهيونيّ وتحقُّقه
في هذا الجزء من البحث، سنُمَوْضِع عمل الحدّ الصهيونيّ في سياق الشروط الاجتماعيّة والثقافيّة، أو منطقها، التي مكّنَت بناءه بالهيئة التي عرضناها في الأجزاء السابقة من هذا البحث. ولكن قبل أن نناقش المناخ الثقافيّ الذي ساد في الفضاء الأوروبيّ الهجين من النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتّى بداية القرن العشرين، والذي شكّل الخلفيّة لفكرة الصهيونيّة السياسيّة وأيديولوجيّتها، سأوضّح بعض الجوانب المنهجيّة والنظريّة التي ستساعدنا على فهم التراكيب التي تقف في أساس تشكُّل الظاهرة على خلفيّة مناخ ثقافيّ وكجزء منه، وفي الوقت ذاته من الممكن وصفها بأنّ لها درجةً ما من الاستقلاليّة عن هذه الشروط. كذلك إنّنا لا نستطيع التحدّث عن ظاهرةٍ ما، من دون التطرّق إلى السياق الذي أفرزها؛ إذ لا نستطيع التحدّث عن علاقة سببيّة كشرح يستنفد مُجْمَل جوانب هذه التراكيب.
فكلّ جرد أوّليّ لهذا النوع من الظواهر سيشير إلى تعدّد أنواع العلاقات؛ فجزء منها دائريّ، وجزء آخر عكسيّ، وثالث قد يكون بؤرة وخلفيّة، وغيرها. وممّا يجعل الأمور أكثر تعقيدًا أنّنا نعمل على ظواهر تقوم بصيانة ذاتها؛ في ما يبدو مستقلًّ عن الخلفيّة العامّة، في حين أنّ هذه الخلفيّة تعمل على نحوٍ تنافذيّ، وأحيانًا ضبابيّ، ومن دون بؤرة تحقُّق واحدة. لذا، تبدو العلاقات التناظريّة Homology ملائمة أكثر لمرحلة بداية عمليّة الفحص هذه. تمكّننا العلاقات التناظريّة من أن نرى، تحليليًّا، كيف أنّ مجالات اجتماعيّة ثقافيّة ذات مبادئ ناظمة داخليّة مختلفة قد يتأثّر بعضها ببعض، وإنْ بطرق غير مباشرة أو متماثلة75. من الجانب النظريّ للموضوع الذي نبحث فيه هنا، وكما تَبيَّن معنا سابقًا، سنتحرّك بين مستويين من المَفْهَمة النظريّة؛ أوّلهما مستوى الظاهرة ذاتها. أمّا في المستوى الثاني، فسنحاول فحص ما إذا كانت مَفْهَمة عمل الحدّ الصهيونيّ تلائم بمستوى أعمّ مَفْهَمةَ ظواهر أخرى، هذا بحيث إنّ تحليل عمل الحدّ الصهيونيّ سيمكّننا من فهم المُناخ الثقافيّ الأوسع الذي أنتجها، أو على الأقلّ الأجزاء ذات الصلة بموضوعنا76. ثمّة ظاهرتان من المناخ الثقافيّ ذاته تبدوان لنا ذاتَيْ صلة بموضوعنا، هما: الأولى مكانة الشيء The Object بعلاقته مع الفرد الحداثي Subject Modern The، وذلك كما تعبّر عنها في الفنّ77 وفي الفلسفة78. والثانية تطوّر الشكلانيّة Formalism في عدّة مجالات من الممارسة الاجتماعيّة، وما يمت لنا بِصلة مباشرة هو صعود الخطّ كوسيلة تشكيليّة بالصناعة وبالإنتاج الجماهيري Production Mass، وكذلك بالتصميم وبالفنّ، ومن ثَمّ كطريقة في إدراك الواقع والانشباك معه79. هذه الظواهر مترابطة في ما بينها، وبعلاقاتها مع عمل الحدّ الصهيونيّ أسهمت في بنائه وتأثّرت به بطرق تناظريّة مختلفة80.
يُحتمل أنّ ما يبدو كعمليّة انفصال الفرد عن عالم الأشياء بدأت خاصته مع الإرث الديكارتيّ، لكن من الواضح أنّ جوانب من هذا الإرث تحقّقت بطريقةٍ مُثلى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وذلك عندما توقّف الشيء الذي يُعرَّف كخارج الفرد عن التداول، وجرى تبديله بأشكال مختلفة من عمل الفرد كشيء، أو لحظات الفرد بعمله كشيء لذاته وعبْرها81. هكذا، في الحقيقة، فُتحت الطريق أمام إمكانيّة الهدم العنيف لكلّ ما هو شيء غير منتَج على يد الفرد، مقابل الإعلاء والتقديس للممارسة ومنتوجات الفرد كأشياء لها وجود مستقلّ مقابل أنواع الواقع المختلفة التي مكّنتها في المقام الأوّل. لذلك داخليّة الشيء الفرديّ، أي الذي انبنى على يد الفرد وقائم عبره، أخذت قيمة وجود مستقلّ، بدّلت الواقع الخارجيّ وتحوّلت إلى الأفق المرجعيّ الوحيد للجماعة82. هذا الترتيب ساد في العديد من المجالات الاجتماعيّة ذات الطابع العمليّ الممارساتيّ، وأصبح إلى حدّ بعيد جزءًا من روح الفترة والمُناخ الثقافيّ السائد في أوساط الطبقات السائدة. من هنا، في الإمكان مَوْضَعة تشكُّل عمل الحدّ الصهيونيّ، وبخاصّة الحركة إلى الداخليّة التي تميّز أجهزتها التشكيليّة وتتغاضى عن كلّ ما هو ليس هي، كجزء عضويّ من هذا المناخ الثقافيّ، من جانب، وكمجال ممارسة اجتماعيّة متمايز وذي مميّزات خاصّة به، من جانب آخر. في هذا الصدد، الصهيونيّة تتميّز بالمضامين والعلاقات بين قِيَم الإحداثيّات الثلاث: الدم، الغيتو المتخيَّل، الأصل، والتي في مبناها وطرق عملها تحيل إلى الظاهرة الثانية، صعود الشكلانيّة وارتباطها الوثيق مع التفاعلات بين الفن والفلسفة والصناعة في تلك المرحلة، أواسط القرن التاسع حتى النصف الأول من القرن العشرين. ثمّة عدّة جوانب علينا التطرّق إليها عند الحديث عن الظاهرة الثانية من مَأْسسة الشكلانيّة وصعودها إلى الواجهة كطريقة تفكير وكمبدأٍ ناظمٍ لعمل مجالات اجتماعيّة شتّى، وتبديل الشكل بالخطّ كوسيلة تشكيل رئيسة في عمليّة الإنتاج والتفكير فيه83. من الممكن رؤية مميزات الإحداثيات الصهيونيّة الثلاث المشار إليها، كاشتقاق عينيّ لهذه الجوانب العامة من التيار الشكلانيّ، تحديدًا ما اصطلحنا عليه ب «البعد التزامنيّ العمودي» في البنية الأيديولوجيّة للجماعة الصهيونية اليهودية. الجانب الأوّل، أنّ الشكلانيّة هي مَفْهمة لنسق عميق من العلاقات يتجاوز حدثًا، أو زمنًا، أو مكانًا، أو مجالً معيّنًا. الجانب الثاني، في اللحظة التي جرى فيها استخلاص هذا النسق من العلاقات، عند ذاك من الممكن أن نفهم عبْرها عددًا غير نهائيّ من الظواهر التاريخيّة العينيّة. الجانب الثالث، هو أنّ الشكلانيّة مبنيّة بحسب نموذج منطقيّ – رياضيّ، وفي الوقت ذاته متجذّرة في عمليّات اجتماعيّة
اقتصاديّة. الجانب الرابع، الشكلانيّة ترى البنْية الداخليّة – سواء أكانت هذه لغة أم لوحة أم ماكنة/ مُوتورًا – وحدة قائمة بذاتها، وتقوم بصيانة ذاتها كوحدة مولِّدة لمعنى قابل للتداول الاتّصاليّ. البنْية الداخليّة هي أنساق من العلاقات المترابطة في ما بينها بطرق مختلفة، وطريقة الربط هي التي تحدّد عمل البنْية والمعاني والمنتوجات التي في الإمكان الاشتقاق منها. الجانب الخامس، البعد الأخلاقيّ المتضمَّن في الشكلانيّة ينظر إلى النسق العامّ ويبنيه على أنّه الشيء محطّ الرغبة الأخلاقيّة، بحيث يجب السعي إليه بمستوى طرق العمل وبمستوى طرق التأمّل الاجتماعيّة في الإنسان وفي المجتمع. في المجال الاجتماعيّ – الاقتصاديّ، القيمة التبادليّة هي علاقة شكلانيّة بامتياز، وبما أنّه لا أهميّة للقيمة الاستعماليّة للشيء أو علاقات عمل معيّنة، تصبح إمكانيّة وجودها الاجتماعيّ متعلّقة بقيمتها التبادليّة، والتي هي عبارة عن علاقات شكلانيّة تنفع لكل مادّة – حدث، ومكان – زمن، ومجال اجتماعيّ ما84. ترابطت هذه الجوانب الخمسة من الشكلانيّة في ما بينها على خلفيّة عمليّتَيْن تستطيعان تأطير العلاقات بين الصهيونيّة والمُناخ الثقافيّ الذي نبتت فيه في نهاية القرن التاسع عشر. العمليّة الأولى سيطرة السوق الرأسماليّة والفكر النقديّ حولها، والذي أسّسه ماركس وآخرون85. العمليّة الثانية، هي بناء نقاط تماسّ جديدة بين مجالات اجتماعيّة مختلفة، وفي الأساس الفنّ والفلسفة والصناعة86. هذا اللقاء المثير ولّد تيّارات مختلفة وأحيانًا متناقضة في هذه المجالات الثلاثة. صعودُ الخطّ كوسيلة تشكيل أساسيّة، والفكرُ الخطيّ، مرتبطان ارتباطًا عضويًّا بهذه العمليّات. على وجه التحديد، اللقاء بين الشكلانيّة والصناعة خلق في هذه المجالات ديناميكيّة تحويليّة أدّت إلى الصناعة الشكلانيّة، أي الإنتاج الجماهيريّ، وإلى الشكلانيّة الصناعيّة، وإلى الفكر والإبداع المنطقيّ – الرياضيّ الخطيّين، كما يلائم نسقًا مغلقًا ومستقلًّ. المثال الأبرز في هذا السياق هو التطوُّرات التي حصلت في القرن التاسع عشر مع Werkbund Deutscher في ألمانيا، وما جرى تطويره لاحقًا في Bauhaus. في هذا الصدد، كانت هنالك حركة نشطة من البضائع والبشر والأفكار في المساحة الممتدّة بين روسيا وألمانيا. فنّيًّا، من أبرز الأمثلة على ذلك انخراطُ فاسيلي كاندنسكي في هذه الحركة وتأثيره فيها جماليًّا وفكريًّا، من خلال مجموعة Rider Blue The وغيرها87. أما من ناحية الأيديولوجيا الصهيونية، بنية ومضمونًا، فلقد شاركت النخب الصهيونية في هذه الحركة الاجتماعية – الثقافية النشطة في المساحة بين روسيا وألمانيا، بما هو شرط وجودها التاريخي، مما انعكس مباشرة في صياغتها لهذه الأيديولوجيا وآليات عملها في تشكيل الجماعة الصهيونية اليهودية وآفاق تحققها تاريخيا ك «مستعمرة» بما هي حل
للمسألة اليهودية88. هذه التطوّرات درسها باحثون وباحثات من مجالات عدّة، وأنواع الفهم الناتجة عن هذه الدراسات تشير إلى أنّها عمليّات منفصلة، كلّ منها ذات مبدأٍ ناظمٍ داخليّ مختلف، ولا يمكن أن تقيم علاقة تأثيرٍ أو تبادلٍ ما في ما بينها. في مقابل هذا الإرث، هنالك توجُّه عبْر – مجاليّ يمكّننا من تشخيص مسار صعود الخطّ، مقابل النقطة والشكل، كوسيلة التشكيل الأساسيّة وكمجاز للوجود الاجتماعيّ عامّة89. إنّ عمل الحدّ الصهيونيّ هو موقع اجتماعيّ تاريخيّ أمكنَ وجودُه على خلفيّة الظاهرة الثانية، لقاء بين مجالَي قوى صعود الشكلانيّة والصناعات الحديثة التي جاءت في أعقابه. تصفير الإحداثيّات الثلاث لعمل الحدّ الصهيونيّ (الدم، الغيتو المتخيَّل، الأصل)، وبناؤها كقيمة واحدة لا تتغيّر، هي هيئة مَفْهَمة شكلانيّة تبني نسقًا يتجاوز الحدث، والزمن، والمكان، والمجال. استخلاص هذا النسق أدّى إلى إعادة كتابة التاريخ اليهوديّ بحسبه، أي حتميّة حركة التاريخ في اتّجاه واحد ووحيد، بحيث تكون الصهيونيّة هي التتويج لهذه الحتمية ومالكته، ولفهم وبناء البنْية الداخليّة للجماعات اليهوديّة كمنظومات مغلقة ومستقلّة، وبربطهنّ يصبحن وحدة توليد مَعانٍ قائمة بذاتها. في هذا السياق، هذا النسق المغلق للجماعات اليهوديّة كان ممكنًا، وأخذ شرعيّة إضافيّة، من الظاهرة الأولى نفي الشيء الخارجيّ والإعلاء من شأن الشيء الفرديّ بدلً منه. كما حاولنا التبيان في الجزء السابق بشأن مصفوفة العلاقات، المقدَّس القابل للتبادل والتبادل القابل للتقديس، فعمل الحدّ الصهيونيّ تجذّر بهذه الطريقة في أجهزة التبادل الرأسماليّة كجزء عضويّ فيها. تزامن صعود الخطّ كوسيلة تشكيليّة ومجازيّة مع صعود الصهيونيّة كإمكانيّة قابلة للتحقُّق، ولاحقًا كإمكانيّة وحيدة للحلّ للجماعات اليهوديّة في أوروبا، وندّعي أنّ هذا التزامن ليس من باب المصادفة. فلقد غذّت كلّ ظاهرة منهما الظاهرةَ الأخرى، وفي مرحلة ثانية كانت الصهيونيّة المثالَ العينيّ لهذا النوع من التشكيل، وذلك عبر تغذية راجعة إلى النسق الذي يدّعي كونيّة المبدأ الخطيّ التشكيليّ. كما حاولنا التوضيح في الأجزاء السابقة من هذا المقال، الحدّ هو تحقُّق عينيّ، حدثٌ مشتقّ من الخطّ، ومنطق عمل الحدّ هو منطق التشكيل الخطيّ. ومع العوامل الأخرى التي ذكرناها، نضج عمل الحدّ الصهيونيّ وأصبح يعمل على مسرح التاريخ الحداثيّ، المسرح ذاته الذي أنتجه، ولكن أُنتِج مِن تحقُّقه في الوقت ذاته.
خاتمة
حاولنا في هذا المقال معالجة دراسة الصهيونيّة كظاهرة اجتماعيّة تاريخيّة حداثيّة، وذلك من خلال فحص المبدأ الناظم لعملها كظاهرة، وهو ما ألزمنا بالهجر المتدرّج للأدوات والمفاهيم التي يوفّرها لنا الخطاب الأكاديميّ الراهن. طُرق الهجر صاغت محاولتنا في بناء أدوات ومفاهيم بديلة، وأعطت مثالً واضحًا لضرورة بناء قواعد تفحص إمكانيّة ربطٍ بين ما يبدو غيرَ مرتبطٍ ومختلفًا. وبذا، فالمحاولة هي في نحت نقطة الارتكاز؛ ليس فقط خارج ظاهرة البحث، لرؤيتها ككلّ، وتجاوزها، بل كذلك خارج المنظومة المعرفيّة التي أُنتجت منها وعنها. لقد قمنا بترتيب البحث في خطوتين رئيستين؛ الأولى كانت عرض الأضلاع الرئيسة الثلاثة في بنْية الأيديولوجيا الصهيونيّة، في بناء الجماعة الصهيونيّة اليهوديّة. فالبنْية تعمل على أنّ الجماعة ذات دم واحد، وأنّ الغيتو المتخيَّل هو شكل الكيان السياسيّ الوحيد الممكن لها، وأنّها ذات أصل واحد مقدّس. ألزمت هذه الإحداثيّات تمَوْضُع توليد المعاني في سلّم القياس العموديّ كقيم مطلقة، بينما في ذلك الأفقيّ كقيم صفريّة، وهذا ما يميّز عمل الحدّ عامّة، وذلك الصهيونيّ تحديدًا. كانت الخطوة الثانية في هذا البحث، على أساس النتائج المستخلصة من الخطوة الأولى، طرح ثلاثة مستويات لتفسير عمل الحدّ الصهيونيّ في الشروط التاريخيّة التي مكّنت تطوُّره بالطريقة العينيّة التي ظهر لنا بها. فهنالك مستوى البنْية النفسيّة الاجتماعيّة Paranoid–Schizoid Position، والبنى الموازية له في الوعي الجماعيّ الصهيونيّ بما هو تجلٍّ محدَّد لبنْيةِ الحركة الصهيونيّة الأيديولوجيّةِ. في المستوى الثاني، هنالك الجماعيّة الصهيونيّة وحركتها الداخليّة والتي تقوم على التزامن، بحسب اعتمادها على القيم العموديّة المطلقة، ممّا يؤدّي إلى مركزيّة الحقل المرئيّ في عملها الداخليّ، وإلى تطوُّر «القلعة» كمبدأ عملها الذي يضبط الأبعاد الداخليّة والخارجيّة فيها. أمّا المستوى التفسيريّ الثالث، فهو البيئة الثقافيّة الصناعيّة المباشرة التي نبتت فيها الصهيونيّة، والتي التقت فيها المجالات التالية: الفنّ والفلسفة والصناعة، ممّا أدّى إلى ترابطها عبْر الإنتاج الجماهيريّ، بشكل موازٍ لصعود الخطّ كمبدأ في التشكيل. الادّعاء المركزيّ هنا أنّ الصهيونيّة نبتت في هذه البيئة، وعمل الحدّ الصهيونيّ هو حال عينيّة من مبدأ التشكيل الخطيّ الذي ساد في ذلك الطور من النظام الرأسماليّ/ الاستعماريّ. هذه القراءة البنيويّة التي اقترحناها هنا تُفضي إلى عدد من أشكال الفهم التي تفتح أبوابًا لأبحاث مستقبليّة أخرى بشأن عمل الحدّ عامّة، والصهيونيّة خاصّة. الباب الأوّل أنّ مُجْمَل الأبحاث حول الصهيونيّة تحتّم علينا خطوات من التغريب Estrangement لكي يستطيع الباحث أن يقف في نقطة ارتكاز خارجيّة بما هي موقع استشراف، أو تحليل، جديد كمثل ذاك الذي اقترحناه هنا. الباب الثاني، البنيويّة هي تاريخيّة، أي إنّها جزء من عمليّات بناء تاريخيّة، وهي ليست لاتاريخيّة كما قد تبدو لبعضنا. إنّ الإشكال في بحث البنْية التاريخيّة هو بتطوير أدوات مفاهيميّة، تمكّن من استخلاص التركيبة المتشكّلة من الإنتاج وتوليد المعاني. الصهيونيّة، كما حاولنا توضيحه، هي من نوع الظواهر ذات البنْية التاريخيّة. لذا، فهي، بوصفها ظاهرة، تتطلّب تطوير أدوات مفاهيميّة وتحليليّة تمكّننا من دراستها من
دون أن نُبلَع فيها بوصفها موضوع بحث. الإحداثيّات الثلاث (الدم الواحد، الغيتو المتخيَّل، الأصل الواحد) هي مجموعة من العلاقات البنيويّة التي أصبحت كجزء من عمليّات تاريخيّة؛ دَوْرها البنيويّ هو سياقيّ. ثمّة عمليّات اجتماعيّة تاريخيّة وضعت الإحداثيّات الثلاث الصهيونيّة بحيث تقوم بوظيفتها التاريخيّة، أي تحقيق حلول داخليّة للتشكيلة الرأسماليّة على يد حركة في فضاءات جيوسياسية استعماريّة. الباب الثالث، الذي يبرز من هذا البحث، مرتبط بأشكال استخدامنا لمجالات المعرفة المختلفة. يتبيّن لنا على نحوٍ قاطع هنا أنّ ثمّة نوعًا من الظواهر لا يمكننا دراسته باستخدام نوع واحد من المعرفة. مبنى تركيب الظاهرة الداخليّ يُلزِمنا أحيانًا أن نبني، ونحن نقوم بالبحث إجرائيًّا، معرفة منهجيّة – نظريّة مرتبطة بالظاهرة التي نبحث فيها. ممّا لا شكّ فيه أنّ الصهيونيّة هي من هذا النوع من الظواهر التي تتطلّب نظرًا يتجاوز التقسيمَ المجاليّ المعرفيّ، ونحْت أدوات نظر وتحليل جديدة. ختامًا، بالعودة إلى ما افتتحنا به هذا المقال، ممّا لا شكّ فيه أنّ نحْت نقاط ارتكاز خارجيّة يتطلّب امتلاك وسائل الإنتاج المعرفيّة الحداثيّة، والقدرة العمليّة على تفعيلها بأداء متقَن وجَوْدة عالية، إلّ إن كان امتلاكها ضرورة لعمليّة النحت هذه؛ فهو غير كافٍ بحدّ ذاته لإنشائها. فالعديد من الباحثين الفلسطينيّين والعرب يمتلكون وسائل الإنتاج المعرفيّة الحداثيّة، ويفعّلونها بأداء متقن وبجودة عالية، ولكن انشباكهم المعرفيّ مع الحركة الصهيونيّة، وَ/ أو قوى استعماريّة حداثيّة غربيّة أخرى، يؤدّي في الغالب إلى معرفة عنها هي صورة منسوخة عمّا تقوله هي عن ذاتها معرفيًّا. والتحدّي، كما تنادي به تيّارات نقديّة عدّة، هو بإنتاج معرفة نابعة من تاريخ الذات الباحثة وموقعها في العالم في لحظة انعتاقها من هذه المنظومة من علاقات القوى، وهو ما يشكّل الأرضيّة للشرط الثاني لنحت نقاط الارتكاز. فهذا الشرط يتعلّق بنوعيّة ملْكيّة وسائل الإنتاج المعرفيّة الحداثيّة الغربيّة، أي موقع هذه الأدوات وشكل علاقاتها مع سائر فضاء وزمن وهيئات الذات الباحثة. التفكيرُ الانعكاسيّ النقديّ في عمليّة البحث التي أنتجت هذا المقال، وكذلك الاطلّاعُ على تجارب بحثيّة نقديّة لباحثين آخرين، يقوداننا إلى تحديد «نوعية الملْكيّة» بحسب قدرة الذات الباحثة على استخدام هذه الوسائل كإمكانيّة ضمن تشكيلة من الإمكانيّات الأخرى لإنتاج معرفة عن العالم، وكذلك القدرة على التحرّك بين هذه الإمكانيّات والوسائل المرتبطة بها، وتجاوزها عند الضرورة. بخصوص الشأن الفلسطينيّ، خيار استخدام وسائل الإنتاج المعرفيّة الحداثيّة لدراسة الحركة الصهيونيّة ودولة إسرائيل يأتي في سياق الصراع للتحرّر من هذا النظام الاستعماريّ الصهيونيّ. التحدّي هو في شكل المَنفَذ الجديد الذي تمكّنه هذه المعرفة، الناتجة عن استخدام هذه الوسائل، للولوج من جديد في عمليّة التحرّر، تحديدًا، وفي العالم بما هو إمكانيّة مفتوحة للممارسة عامَّةً.
References
المراجع
العربية
أمين، سمير. التطوّر اللامتكافئ: دراسة في التشكيلات الاجتماعيّة الرأسماليّة المحيطيّة. ترجمة برهان غليون. بيروت: دار الطليعة، 980.1
بروزاتين، مانليو. قصّة الخطوط. ترجمة السنوسي استيته. المنامة: هيئة البحرين للثقافة والآثار،.2018 بشارة، عزمي، «دوّامة الدين والدولة في إسرائيل». مجلّة الدراسات الفلسطينيّة. مج 1، العدد 1). 990(3. «مائة عام من الصهيونيّة: من جدليّة الوجود إلى جدليّة الجوهر». الكرمل. العدد 53 (خريف 997.)1
درّاج، فيصل. ذاكرة المغلوبين: الهزيمة والصهيونيّة في الخطاب الثقافيّ الفلسطينيّ. بيروت: المركز الثقافيّ العربيّ،.2001
الشلبي، سهيلا سليمان. المشروع الصهيونيّ وبدايات الوعي العربيّ لمخاطره (1897–1917). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة،.2016
الشيخ، عبد الرحيم. «متلازمة كولومبوس: جينيولوجيا سياسات التسمية الإسرائيليّة للمشهد الفلسطينيّ». مجلّة الدراسات الفلسطينيّة. مج 21، العدد 83.)2010(
فخر الدين، منير [وآخرون] (محرّرون)، دليل إسرائيل العام 2020. بيروت: مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة، 2020.
فيبر، ماكس. العلم والسياسة بوصفهما حرفة. ترجمة جورج كتورة. بيروت: المنظّمة العربيّة للترجمة، قاسميّة، خيريّة. النشاط الصهيونيّ في الشرق العربيّ وصداه (1908–1918). بيروت: مركز الأبحاث، منظّمة التحرير الفلسطينيّة، 973.1
ليڤي ستروس، كلود. الإناسة البنيانيّة. ترجمة حسن قبيسي. بيروت: المركز الثقافيّ العربي،.1995 المسيري، عبد الوهّاب. الأيديولوجية الصهيونيّة: دراسة في علم اجتماع المعرفة. ج.1 سلسلة عالم المعرفة 0.6 الكويت: المجلس الوطنيّ للثقافة والفنون والآداب، 982.1
المسيري، عبد الوهّاب. الأيديولوجيّة الصهيونيّة: دراسة في علم اجتماع المعرفة. ج 2. سلسلة عالم المعرفة.61 الكويت: المجلس الوطنيّ للثقافة والفنون والآداب، 983.1
ناشف، إسماعيل. (محرّر). النفي في كتابة إسرائيل. رام الله: مدار – المركز الفلسطينيّ للدراسات الإسرائيليّة، 2011.
. العتبة في فتح الإبستيم. ط 2. بيروت: دار الفارابي، 2014.
. اللغة العربيّة في النظام الصهيونيّ: قصّة قناع استعماريّ. الدوحة/ بيروت: المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات،.2018
هارفي، ديڤيد. حالة ما بعد الحداثة: بحث في أصول التغيير الثقافيّ. ترجمة وتحقيق محمّد شيّا. بيروت: المنظّمة العربيّة للترجمة،.2005
وولف، إريك. أوروبا ومَن لا تاريخ لهم. ترجمة فاضل جتكر. بيروت: المنظّمة العربيّة للترجمة،
العبرية
آيزنشتات، شموئيل نوح. استيعاب الهجرة: بحث سوسيولوجيّ. القدس: حمولاش،.1952
________. المجتمع الإسرائيليّ: خلفيّة، وتطوّر، ومشاكل. القدس: ماغنس،.1967
راز–كركوتسكين، أمنون. «منفى في سيادة – نحو نقد ‘نفي المنفى’ في الثقافة الإسرائيليّة». تِيئورْيا ڤُِبقورِت. العدد 1).993(4
شنهاف، يهودا (محرّر). فضاء أرض بيت. تل–أبيب: هَكِيبوتس هَمِئوحاد ومعهد ڤان لير، 2003.
ليفي، نيسيم. أطبّاء أرض إسرائيل (1799–1948). ط.3 زخرون يعقوﭪ: إيتاي بحور، 2017.
الأجنبية
Abu El–Haj, Nadia. Facts on the Ground: Archaeological Practice and Territorial Self–
Fashioning in Israeli Society. Chicago: University of Chicago Press, 2008.
_________. The Genealogical Science: The Search for Jewish Origin and the Politics
of Epistemology. Chicago: Chicago University Press, 2012.
Alam, M. Shahid. Israeli Exceptionalism: The Destabilizing Logic of Zionism. N.Y.:
Palgrave, 2009.
Almog, Oz. The Sabra: The New Jew s. Haim Watzman (Trans.). Berkeley: The
University of California Press, 2000.
Althusser, Louis. Lenin and Philosophy, And Other Essays. B. Brewster (trans.). N.Y.:
Monthly Review Press, 1977.
_________. For Marx. B. Brewster (trans.). London: Verso, 1996.
Anidjar, Gil. Blood: A Critique of Christianity. N.Y.: Columbia University Press, 2014.
Anzaldua, Gloria. Borderland/ La Frontera: The New Mestiza. San Francisco: Aunt
Lute Books: 1987.
Avineri, Shlomo. Herzl’s Vision: Theodor Herzl and The Foundation of the Jewish
State. Haim Watzman (Trans.). N.Y.: Blue Bridge, 2014.
Avineri, Shlomo. The Making of Modern Zionism: The Intellectual Origins of the Jewish
State. N.Y.: Basic Books, 2017.
Azoulay, Ariella & Adi Ophir. The One–State Condition: Occupation and Democracy
in Israel/ Palestine. Stanford: Stanford University Press, 2012.
Barthes, Roland. Image Music Text. Stephen Heath (trans.). N.Y.: Fontana Press, 1977.
Baudrillard, Jean. The System of Objects. James Benedict (trans.). London: Verso, 2006.
Bourdieu, Pierre. Language and Symbolic Power. G. Raymond & M. Adamson (trans.).
Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1991.
Bourdieu, Pierre. The Field of Cultural Production: Essays of Art and Literature. Randal
Johnson (ed. & intr.). N.Y: Columbia University Press, 1993.
Brenner, Lenni. The Iron Wall: Zionist Revisionism from Jabotinsky to Shamir. N.Y.:
Zed Books, 1984.
Cohen–Sherbok, Dan. Introduction to Zionism and Israel: From Ideology to History.
London: Continuum Books, 2012.
Deleuze, Gilles & Felix Guattari. Anti–Oedipus: Capitalism and Schizophrenia. Robert
Hurley (trans.). Minneapolis: University of Minnesota Press, 1983.
Falk, Raphael. Zionism and the Biology of Jews. Cham, Switzerland: Springer, 2017.
Fry, Edward F. Cubism. London: Thames and Hudson, 1977.
Freud, Sigmmund. The Standard Edition of the Complete Psychological Works of
Sigmund Freud, Vol. Iv & V, James Strachey (trans.). London: The Hogarth Press and
The Institute of Psychoanalysis, 1953.
Gilroy, Paul. The Black Atlantic: Modernity and Double–Consciousness. Cambridge,
Mass.: Harvard University Press, 1993.
Gray, Christopher. Cubist Aesthetics Theories. Baltimore: John Hopkins University
Press, 1953.
Habermas, Jurgen. The Philosophical Discourse of Modernity: Twelve Lectures.
Cambridge, Mass.: MIT Press, 1990.
Halpern, Ben & Jehuda Reinharz, Zionism and The Creation of a New Society. Oxford:
Oxford University Press, 1998.
Handelman, Don. Nationalism and The Israeli State: Bureaucratic Logic in Public
Events. London: Routledge, 2004.
Hawkes, Terence. Structuralism and Semiotics. Berkeley: University of California
Press, 1977.
Hobsbawm, Eric. The Age of Capital: 1848–1875. N.Y.: Vintage, 1996.
Hobsbawm, Eric & Terence Ranger (eds.). The Invention of Tradition. Cambridge:
Canto, Cambridge University Press, 1992.
Horowitz, Dan & Moshe Lissak. Troubles in Utopia: The Overburdened Polity of Israel.
N.Y.: State University of New York Press, 1989.
Husserl, Edmund. The Idea of Phenomenology , L. Hardy (trans.). The Hague: M.
Nijhoff, 1964.
Ingold, Tim. Lines: A Brief History. London: Routledge, 2007.
_________. The Life of Lines. London: Routledge, 2015.
Jameson, Fredric. The Prison House of Language: A Critical Account of Structuralism
and Russian Formalism. Princeton: Princeton University Press, 1975.
Kandinsky, Vasily. Point and Line to Plane. H. Dearstyne & H. Rebay (trans.). N.Y.:
Dover, 1979.
Kernberg, Otto. Borderline Conditions and Pathological Narcissism. London & N.Y.:
Rowman & Littlefield Publishers, 1975.
Kessler, Edward. An Introduction to Jewish–Christian Relations. Cambridge: Cambridge
University Press, 2010.
Kimmerling, Baruch. Zionism and Territory: The Socio–Territorial Dimensions of
Zionist Politics. Berkeley: Institute for International Studies, University of California,
Klein, Melanie. "Notes on Some Schizoid Mechanisms." The International Journal of
Psychoanalysis. no. 27 (1946).
Klein, Melanie et al. Developments in Psychanalysis. London: Hogarth Press, 1952.
Kristeva, Julia. Powers of Horror: An Essay on Abjection. Leon Roudiez (trans.). N.Y.:
Columbia University Press, 1982.
Laswell, Harold D. "The Garrison State." American Journal of Sociology. vol. 46, 4
(January 1941).
Lavie, Smadar & Ted Swedenburg (eds.). Displacement, Diaspora, And Geographies of
Identities. Durham/ London: Duke University Press, 1996.
Lefebvre, Henry. The Production of Space. Donald Nicholson–Smith (trans.). Oxford:
Wiley–Blackwell, 1992.
Lehning, James. European Colonialism Since 1700. Cambridge: Cambridge University
Press, 2013.
Levi–Strauss, Claude. Myth and Meaning. P. Wilken (trans.). London: Routledge, 2001.
Lewis, James R. & Olav Hammer (eds.). The Invention of Sacred Tradition. Cambridge:
Cambridge University Press, 2007.
Lindsay, Kenneth & Peter Vergo. Kandinsky Complete Work on Art. N.Y.: De Capo,
Lucie–Smith, Edward. A History of Industrial Design. Oxford: Phaidon, 1983.
Marion, Jean–Luc. Being Given: Towards A Phenomenology of Givenness. Jeffrey L.
Kosky (trans.). Stanford: Stanford University Press, 2002.
Massad, Joseph. The Persistence of the Palestinian Question: Essays on Zionism and
The Palestinians. London: Routledge, 2006.
Miller, Alice. The Drama of the Gifted Child: The Search for the True Self. Ruth Ward
(trans). N.Y.: Basic Books, 1997.
Mitchell, W.J.T. Iconology: Image, Text, Ideology. Chicago: Chicago University Press,
Nur, Ofer Nordheimer. Eros and Tragedy: Jewish Male Fantasies and The Masculine
Revolution of Zionism. Brighton, M.A.: Academic Studies Press, 2014.
Ohana, David. Zionism and Modernism. N.Y.: Palgrave, 2012.
Rose, John. The Myths of Zionism. London: Pluto, 2004.
Rotbard, Sharon. White City, Black City: Architecture and War in Tel–Aviv And Jaffa.
Orit Gat (trans.). N.Y.: Pluto Press, 2015.
Russel, Bertrand. History of Western Philosophy. London: Routledge, 2005.
Sand, Shlomo. The Invention of the Jewish People. Yael Lotan (trans.). London: Verso,
_________. The Invention of the Land of Israel: From Holy Land to Homeland. London:
Verso, 2014.
Segal, Rafi, Eyal Weizman & David Tartakover. A Civilian Occupation: Politics of
Israeli Architecture. London: Verso, 2003.
Shimoni, Gideon. The Zionist Ideology. Hanover and London: Brandies University
Press, 1995.
Shlaim, Avi. The Iron Wall: Israel and The Arab World. London: Penguin, 2001.
Smith, Anthony D. Nationalism and Modernism: A Critical Survey of Recent Theories
of Nations and Nationalism. London: Routledge, 1998.
Stanley, Jay. "Harold Laswell and The Idea of the Garrison State." Society. no. 33 (1996).
Suzman, Mark. Ethnic Nationalism and State Power: The Rise of Irish Nationalism,
Afrikaner Nationalism, And Zionism. N.Y.: Palgrave, 1999.
Wallerstein, Immanuel. The Modern World System III: The Second Era of Great
Expansion of The Capitalist World–Economy 1730s–1840s. Berkeley: University of
California Press, 2011.
White, Hyden. Metahistory: The Historical Imagination in Nineteenth Century Europe.
Baltimore: John Hopkins University, 1973.
Weiss, Meira. The Chosen Body: The Politics of Body in Israeli Society. Stanford:
Stanford University Press, 2002.
Weizman, Eyal. Hollow Land: Israel’s Architecture of Occupation. London: Verso,
Williams, Raymond. Marxism and Literature. Oxford: Oxford University Press, 1977.
Wilson, Thomas M. & Hastings Donnan. A Companion to Border Studies. Oxford:
Wiley Blackwell, 2012.
Yadgar, Yaacov. Secularism and Religion in Jewish Israeli Politics: Traditionists and
Modernity. London: Routledge, 2011.