Return to Article Details Memory in the pandemic and the pandemic in memory

الذاكرة في الجائحة والجائحة في الذاكرة

Memory in the Pandemic and the Pandemic in Memory

زهير سوكاح *

Zouheir Soukah *

الملخّص

أسهمت جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، بوصفها حدثًا ذاكريًا، في تشكّل تمثلات فردية وجمعية، إلى جانب استدعاء ذكريات عن تجارب وبائية سابقة. تتناول هذه الدراسة الأوجه الثلاثة للعلاقة بين الوباء والذاكرة: يهتم الوجه الأول بالحدث الكوروني الذي استطاع استدعاء "ذاكرة قَبْلية" تختزن تجارب جمعية لبعض المجتمعات، تشبه الوضع الذي أفرزه تفشّي كورونا. والوجه الثاني تشكّله الذاكرة المعيشة بوصفها ذاكرة عالمية عن الجائحة، وهي ذاكرة لا تزال في طور التشكّل جمعيًا. وقد ينتقل جزء منها مع مرور الزمن إلى ذاكرة مستقبلية، وهي "الذاكرة البَعْدية"، التي ستستدعي الحدث الكوروني وتبعاته بوصفه ماضيًا منتهيًا ما لم يتهدد محتوياتِها نسيانٌ مستقبلي، وهذا هو الوجه الثالث.

Abstract

Abstract: As a commemorative event, the corona pandemic contributes to the formation of individual and collective representations and to awakening memories of earlier epidemiological experiences. Therefore, this paper deals with three aspects of the relationship between memory and epidemic. The first aspect concerns the corona event, which was able to recall the pre–memory, in which collective experiences of some societies that emerged in corona–like circumstances are preserved. The second aspect deals with living memory as a global memory of the corona pandemic, which is still under construction. A part of it may, in the course of time, turn into a post–memory, the contents of which could, however, be threatened by future oblivion. This forms the third aspect.

الكلمات المفتاحية:
  • كورونا
  • جائحة
  • ذاكرة جمعية
  • نسيان جمعي
  • تمثلات
Keywords:
  • Corona
  • Pandemic
  • Collective Memory
  • Collective Forgetting
  • Representations

مقدمة

مما لا شك فيه أن سنة 2020 كانت حبلى بأحداث، لا نجازف إن وصفناها بأنها «استثنائية»، ولعل من أهمها تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–)، في جل مناطق العالم وما استتبعه من إجراءات احترازية غير مسبوقة في معظمها، كان لها بدورها تبعات اجتماعية واقتصادية لا تخطئها العين؛ ما دفع بعض الباحثين إلى حد وصف الوضع الكوروني وتبعاته ب «الحدث المفصلي في تاريخ الإنسانية»، بل الأزمة التي «هزّت مسار التاريخ البشري»1. وبغض النظر عن مدى دقة هذا التوصيف وواقعيته، فإن السؤال، الذي يطرح بإلحاح أكبر هو: كيف تتمثّل وتتذكر المجتمعات، ومعها الأفراد، الوباء التاجي وما أفرزه من تبعات مستجدة في معظمها؟ وبعبارة أكثر دقة: كيف تتحول مشاعر الخوف والقلق من فيروس غير مرئي بالعين المجردة، انتشر في أرجاء المعمورة كالنار في الهشيم وفتك بعدد كبير من الأرواح البشرية، إلى ذكريات لدى الأفراد عن هذا الفيروس، الذي جعل العالم يلج مرحلة استثنائية بطعم المطهرات وخلف الكمامات في ظل عزلة اجتماعية وحجر صحي؟ وبأي وظيفة تلج هذه الذكريات الفردية إلى الذاكرة الجمعية للدول والمجتمعات؟ الواقع أن ربط تفشي الوباء وما رافقه من حجر صحي، كامل أو جزئي، مع الذاكرة قد بدأ مبكرًا، ولا سيما مع كلمات ملك هولندا فيليم ألكسندر Willem–Alexander، التي ألقاها في منتصف آذار/ مارس 2020، أي مع بدايات الحجر الصحي، حينما قال: «ستبقى سنة 2020 في الذاكرة للأبد [...] سنفتقد نمط حياتنا العادي، وبيئة العمل، والنادي الرياضي، وقهوة الصباح، وعطلة نهاية الأسبوع العائلية، وقُداس الكنيسة [...] ستكون 2020 السنة التي سيتذكرها كل منا طوال حياته»2. في ضوء هذا، هل يمكن الحديث عن تشكل ذاكرة مستقبلية عن الجائحة والحجر الصحي والإجراءات الاحترازية غير المسبوقة؟ وهل ستظل عالقة في الذاكرة الجمعية للمجتمعات بالنظر إلى آليات اشتغالها الانتقائية؟ أم أن النسيان الجمعي الذي تحدده أيضًا مصالح المجتمعات ومنظوريتها الجمعية، سيهدد محتويات هذه الذاكرة؟ وما طبيعة الذكريات الفردية التي تشكّلت أثناء تفشي الجائحة ذاتها؟ هل كلها ذكريات لم تتشكل إلا  إبان الزمن الكوروني أم أن جزءًا غير هيّن منها ما هو إلا ذكريات سابقة استُدعيت في المرحلة الكورونية؟ قبل الشروع في التعاطي مع هذه الإشكالات الذاكرية في ارتباطها بالحدث الجائحي، وهو ما يمثّل أساس هذه الدراسة، لا بأس في تقديم نبذة عن الكيفية أو الكيفيات، التي تتشكل بها الذكريات الفردية وطرق ولوجها إلى الذاكرة المشتركة للمجتمعات، أي بما يُعرف بمفهوم «الذاكرة الجمعية»، في لغة علم الاجتماع، كما سكّه عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبفاكس3.

  1. إبراهيم القادري بوتشيش، «أي دور للمؤرخ في فهم جائحة كورونا؟ ترتيبات لبناء عتبة الفهم الأولى»، في: سعيد الحاجي (منسق)، أي دور للمؤرخ في فهم أزمة كورونا؟ (أكادير: مركز تكامل للدراسات والأبحاث، 2020)، ص.32
  2. "Koning Willem–Alexander: ‘Het coronavirus kunnen wij niet stoppen, het eenzaamheidsvirus wel’," AD , 20/3/2020, accessed on 1/12/2020, at: https://bit.ly/37nr70z
  3. للمزيد حول مفهوم الذاكرة الجمعية ينظر: زهير سوكاح، «حقل دراسات الذاكرة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، حضور غربي وقصور عربي»، 11 (شتاء 2020 أسطور، العدد)؛ زهير سوكاح، «مراجعة كتاب الذاكرة الجمعية لموريس هالبفاكس»، تبين، العدد 33 (صيف 2020)، ص 180–175.

أولا: من «الحدث» إلى «الذاكرة »

مبدئيًا ترتبط كيفية تشكل الذكرى، وهي المادة الأولية للذاكرة، ارتباطًا وثيقًا بالمشاعر التي تنتاب الفرد أثناء تفاعله مع الحدث، لذا يمكن أيضًا استعادة هذه المشاعر، أو على الأقل جزء كبير منها، مرة أخرى إذا تذكّرنا لاحقًا، بوعي أو من دونه، ذاك الحدث الذي شكّلها في أول الأمر. بناء على هذا، فإن المشاعر الفردية، الإيجابية أو السلبية، تؤدي دورًا مهمًا في بناء الذكريات واستدعائها لاحقًا بصفة جمعية ومشتركة، أي حتى ضمن المجتمعات. وعلى هذا الأساس، يفترض باحثون من جامعة دوسلدورف الألمانية، أنّ مجموع المشاعر الناجمة عن تفشي جائحة كورونا، مثل الشعور بالعزلة والخوف والقلق وحتى الاكتئاب، ستؤثر في الكيفية التي يتذكر بها الناس، فرادى وجماعات، هذه المرحلة الاستثنائية لاحقًا؛ ما يعني أن هذه الذكريات «الكورونية» قد تؤثر لاحقًا، ولو على نحو متباين، في سلوكهم الفردي والجمعي على حد سواء4. من وجهة نظر علم نفس الذاكرة، يستطيع الإنسان عمومًا تذكّر تلك الأحداث واللحظات ذات الحمولة الشعورية على نحو جيد. كما يُعتقد علميًا أن تذكّر الأحداث المرتبطة بالمشاعر السلبية يجري بصورة أكثر كثافة من تلك الأحداث المرتبطة بالمشاعر الإيجابية. لكن في الوقت ذاته، يعتبر الباحثون أن الذكريات السلبية، رغم حدّتها، تتلاشى بمرور الوقت، وغالبًا أسرع من الذكريات الإيجابية، وهذا ما يمنح الفرد نظرة أكثر إيجابية للماضي؛ ما يُسهم نفسيًا إلى حد بعيد في حمايته من الاكتئاب واضطرابات القلق، كما يرى علم النفس التجريبي. وعمومًا يرى عالم النفس الأميركي وليام جيمس James William، أن الأحداث ذات الشحنة العاطفية لها تأثير كبير في الذاكرة، فهي «تترك ندبة على الأنسجة الدماغية»5. لذا فإن المشاعر القوية، السعيدة والحزينة على حد سواء، تؤثر تأثيرًا كبيرًا في نوعية ما نتذكره وطبيعته. في ضوء ما سبق، تظهر بجلاء الأهمية الكبيرة للقدرة الفردية، بل الجمعية، على تذكر الأحداث الماضية؛ فالذكريات تُسهم في تشكّل الهويات الفردية والجمعية والحفاظ عليها، وأيضًا في تعديلها، بل في تغييرها. لذا، يجب ألّ نفهم الذكرى والذكريات على أنها «تسجيلات فيديوية» موثقة وثابتة؛ ذلك أنها تتغير مع مرور الوقت على نحو دينامي، بل تتعرض للتشويه أثناء إعادة بنائها في الزمن الحاضر، وهو غالبًا ما يكون استدعاءً مرتبطًا بالحاضر ومصالحه أكثر منه ارتباطًا «وفيًا» بالماضي. بعبارة أخرى، إن التذكر، فرديًا كان أم جمعيًا، هو عملية انتقائية تستدعي الأحداث الاستثنائية، إيجابية كانت أو سلبية، من بين كم هائل من الأحداث الاعتيادية المتوالية، وتعيد تشكيلها وفقًا لحاجيات الحاضر المُتَذكر فيه ومتطلباته6. من هذا المنطلق، تتعاطى هذه الدراسة مع مجموع تلك الذكريات الفردية والجمعية، على اختلاف طبيعة ارتباطها الزمني، بالحدث الكوروني وتبعاته الاستثنائية، التي قلبت الحياة الاعتيادية رأسًا على عقب،

  1. Arne Claussen, "Corona im Fokus: HHU–​Expertise zur Pandemie Der Einfluss von COVID–​19 auf Emotionen und Gedächtnis," Universität Düsseldorf, 29/4/2020, accessed on 4/10/2020, at: https://bit.ly/39DEA7k
  2. William James, Principles of Psychology (New York: Henry Holt 1980 [1950]), p. 670.
  3. سوكاح، «حقل دراسات الذاكرة في العلوم الإنسانية»، ص.37–36

حيث يتوزع هذا التعاطي الذاكراتي على ثلاثة أوجه: يهتم الوجه الأول بالحدث الكوروني ذاته، الذي شكّل منذ البداية قادحًا ذاكريًا استطاع، كأول وظيفة ذاكرية له، استدعاء ما أسميه ب «الذاكرة القَبْلية»، وهي ذاكرة أو ذاكرات مستعادة، تختزن مشاعر قديمة وتجارب جمعية صعبة، لبعض المجتمعات والشعوب تشبه إلى حد بعيد تداعيات الوضع غير الاعتيادي الذي أفرزه تفشي الوباء التاجي، وهي من ثم تربط الحاضر الكوروني بماضٍ أو ماضيات فردية أو جمعية دفينة. أما الوجه الثاني فتشكله «الذاكرة المعيشة» وهي ذاكرة مشتركة عن الجائحة الكورونية، والتي لا  تزال زمنيًا في طور التشكل جمعيًا، وهي تختزن صورًا ومشاعر أفرزتها «استثنائية» الحدث الكوروني. وقد ينتقل جزءٌ منها مع مرور الزمن إلى ذاكرة مستقبلية أسميها هنا ب «الذاكرة البَعدية»، والتي ستستدعي على نحو انتقائي، ووفق منظورات مستقبلية محددة، الحدث الكوروني وتبعاته بوصفه ماضيًا وبائيًا منتهيًا، وهذا هو الوجه الثالث. ورغم أنه لا يمكننا التأكد من حتمية تشكّل هذه الذاكرة البعدية، فإنه في وسعنا تلمّس ملامحها الأولية الآنية في الزمن الكوروني، رغم أنه قد يتهدد محتوياتها نسيان مستقبلي إذا انتفت الحاجة الذاكرية إليها مستقبلً؛ أي الحاجة إلى تذكّر الجائحة وتداعياتها في المستقبل، وبخاصة على المستوى الجمعي.

ثانيًا: حدث واحد واستذكار متعدد

لا يتمثل الحدث الكوروني في تفشي الوباء على نطاق واسع فحسب، بل أيضًا في «التعامل معه وإعادة إنتاجه بوصفه ظاهرة إعلامية، واجتماعية، وحتى سياسية»، وهو تعامل غير مسبوق و«لم يكن حاضرًا في أوبئة العصور السابقة»7، بحسب تعبير عزمي بشارة. لذا فقد ولج هذا الحدث المركب، بوصفه حدثًا عالميًا استثنائيًا، على نحو سريع إلى جُل ذاكرات الأفراد والمجتمعات. ورغم أن الحدث واحد، وهو تفشي الفيروس التاجي، فإن كيفية التعاطي معه ومعايشته إضافة إلى ردّات فعل الدول، المتمثلة في الاحترازات غير المسبوقة وتبعاتها السوسيو–اقتصادية، قد اختلفت درجاتها من مجتمع إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى، مما أسهم في تشكل تمثلات متنوعة بل متباينة عن الحدث الكوروني، وهذا ما يعني أيضًا تشكل ذكريات فردية وجمعية متنوعة ما تزال في طور البناء. غير أن ردود الفعل المتعددة على حدث تفشي الجائحة، تشترك، على اختلافها، في كونها قد أسهمت بوضوح في تشكّل موجة استذكار جمعية لأحداث استثنائية سابقة، ضمن العديد من المجتمعات والبلدان والمناطق، ولا سيما تلك المجتمعات ذات الماضي الاستثنائي، أي تلك التي شهدت، في علاقتها بماضيها القريب و/ أو البعيد، جوائح مماثلة على وجه الخصوص أو أحداثًا استثنائية على وجه العموم، حيث يُربط الزمن الآني للجائحة المستجدة بالزمن المنتهي للأزمات والأحداث الماضية، والتي ما تزال دفينة في الذاكرة.

  1. عزمي بشارة: «جبر الخواطر في زمن المخاطر: الناس والوباء»، مقالات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020/4/20، ص 5، شوهد في 2020/12/1، في: https://bit.ly/2Js3ADI

1. موجة استذكارية لجوائح قبلية

أعاد تفشي الجائحة إلى ذاكرة الأفراد والمجتمعات أحداثًا وسرديات وصورًا ذهنية، تناقلتها الأجيال عقودًا طويلة بل قرونًا، عبر وسائط ذاكرية متعددة، حول تفشي أوبئة سابقة، خلّفت وراءها الملايين من الضحايا، مثل الطاعون والجذام والكوليرا والعديد من موجات الإنفلونزا القاتلة. فضلً عن ذلك، استطاع التفشي الكوروني وتبعاته المجتمعية والاقتصادية استحضار ذكريات جمعية عن أحداث استثنائية أخرى مثل الحروب والاضطهاد والقمع، الذي تعرّضت له بالخصوص العديد من الأقليات حول العالم. في ضوء هذا، يمكن القول إن أول وظيفة ذاكرية لجائحة كورونا، قد تمثلت في كونها كانت قادحًا لموجة استذكار عالمية، أعادت الذاكرة البشرية إلى تواريخ استثنائية محددة، لعل من أهمها سنة 1918، سنة تفشّي الحمى الإسبانية، حيث لاحظنا مع بداية تفشي الفيروس التاجي عودة الذاكرة الشعبية إلى زمن الحمى الإسبانية ومخلفاتها، وبخاصة في الدول والمناطق التي تضررت منها، رغم بداية زوال الأجيال التي عاينت آثارها المباشرة وغير المباشرة8، والتي سجلتها آنذاك الصور الفوتوغرافية والتسجيلات الصوتية والمرئية بوصفها وسائط مهمة من وسائط إنتاج الذاكرة والحفاظ عليها؛ فمع نهاية الحرب العالمية الأولى شهدت إسبانيا ودول أوروبا تفشي ما عُرف بالحمى الإسبانية (أو الإنفلونزا الإسبانية)، التي ظهرت تحديدًا في الفترة 1919–1918 لتشمل بقية دول العالم، ومنها دول المنطقة العربية، حيث أودت بحياة ما بين 20 إلى 50 مليون شخص من جرّاء الإصابة بالمرض، أي ما يناهز ضعف المتوفّين في الحرب العالمية الأولى9. كما تقدّر الإحصائيات الحديثة أن يكون نحو 500 مليون شخص قد أصيبوا بعدوى المرض10. ومن الملاحظ في خضم هذه الموجة الاستذكارية ظهور كتابات تقارن بين جائحة كورونا والحمى الإسبانية، التي كاد أن يطويها النسيان بعد مئة سنة على مرورها، قبل أن تُسهم الجائحة الكورونية في إعادة تسليط الضوء عليها من جديد. إلى جانب هذا، أفضى تفشي الوباء التاجي وما استتبعه من أجواء استثنائية إلى عقد مقارنات بأوبئة تكرر تفشيها في أزمنة أقدم، مخلفةً خسائر فادحة في الأرواح على مر التاريخ، حيث ظلت محفورة في ذاكرة الشعوب، تتناقل ذكراها من جيل إلى آخر وكأنها شبه أسطورة، ولا سيما الطاعون الذي تضررت منه أجزاء واسعة من القارة الأوروبية والمنطقة العربية خلال العصور الوسطى، ابتداء من منتصف القرن الرابع عشر، مرورًا بالقرن السابع عشر وإلى حدود بدايات القرن التاسع عشر، وقد عُرف هذا الوباء في

  1. في هذا السياق يشير الكاتب الإيطالي باولو جيوردانو إلى أن الجائحة قد سبّبت أيضًا شرخًا كبيرًا في ذاكرة مجتمعه، بسبب فقدان عدد كبير من جيل المسنين، الذين يشكلون جزءًا مهمًا من الذاكرة الشفهية؛ حيث يرى أن موتهم بأعداد كبيرة هو من بين أكثر الجوانب «فظاعة» لفيروس كورونا، حيث يقول: «إنها مساحة كبيرة من الذاكرة يتم أخذها منا، والتي ما زلنا بحاجة إليها»، يُنظر: "Coronavirus. Paolo Giordano: Un pan entier de notre mémoire nous est arraché, " ouest–france , 19/4/2020, accessed on 1/12/2020, at: https://bit.ly/36nYwJd
  2. منظمة الصحة العالمية، البرنامج العالمي لمكافحة الإنفلونزا، إدارة مخاطر الإنفلونزا الجائحة (أيار/ مايو 2017)، ص.26
  3. Centers for Disease Control and Prevention (CDC), "1918 Pandemic (H1N1 virus)," 20/3/2019, accessed on 1/12/2020, at: https://bit.ly/3lkQUeU

نصوص الإخباريين العرب القديمة باسم «الفناء العظيم»، وفي كتابات المؤرخين الأوروبيين ب «الموت الأسود»11. إضافة إلى استذكار وباء الطاعون الذي أفقد مدنًا عربية مثل القاهرة وبغداد أعدادًا كبيرة من ساكنتها12، جرى أيضًا استدعاء ما تختزنه الذاكرة الشعبية من روايات شفهية متواترة عبر الأجيال عن أوبئة لا تقل فتكًا عن الطاعون، والتي تفشت في العصر الحديث في المنطقة العربية مثل الكوليرا، الذي انتشر سنة 1816 انطلاقًا من البنغال، ليصل المنطقة العربية وغيرها من مناطق العالم. كما يُعتبر مرض السل، على سبيل المثال، من بين أقدم الأوبئة الموثقة تاريخيًا، حيث عايشه الفراعنة. ففي كتابه قصة المرض والميكروب يقول محمد جوهر إنه «شوهدت آثاره في مومياوات قدماء المصريين»13. أما في القرن العشرين، فقد «طفا على سطح الذاكرة»، ولو جزئيًا، وباء نقص المناعة الذي «شغل العالم في العقد التاسع من القرن العشرين»، ليُحفظ في ذاكرة «الأدب والفن والسينما»، بل صار أيضًا موضوعًا لعدد من «الأساطير والشائعات»14. من الملاحظ هنا أن المجتمعات والشعوب غالبًا ما تتواضع على أسماء «ذاكرية» تؤرخ للجوائح والأوبئة والمجاعات التي عايشتها، وتبدأ بمفردة «عام» و/ أو «سنة»/ مضافة إلى المرض أو الوباء، وغالبًا ما تصير هذه الأسماء الشعبية مصدرًا للمؤرخين، مثل «عام البون» في المغرب والجزائر15. وجريًا على هذه العادة الذاكرية فليس من المستبعد أن تشيع في المنطقة العربية أو أجزاء منها، تسمية «عام الكورونا»، والتي تكثف ذكرى تفشي الجائحة وتداعياتها. كما أنه يلاحَظ في الإنترنت العربية ميلٌ كبير إلى استعمال عبارة «زمن الكورونا».

2. الحدث الكوروني والذكريات القبلية

إلى جانب موجة استذكار الأوبئة والأمراض التي أسهم في استعادتها تفشي الفيروس التاجي بعد أن طواها النسيان الجمعي، جرى أيضًا عقد مقارنات بين الوضع الاستثنائي الذي فرضته الجائحة وتجارب مريرة من ماضي بعض المجتمعات، فقد طالعتنا تقارير صحفية بأن المرحلة الكورونية قد أعادت إلى الذاكرة التاريخية لبلد مثل ألبانيا على سبيل المثال، وبخاصة للأجيال الأكبر سنًا، صورًا منسية ومشاعر دفينة عن الحقبة الشيوعية، ولا سيما الخطر الكبير الذي كانت تشكله ممارسة الشعائر الدينية للمسلمين في عهد أنور خوجة، الذي منع الشعائر الدينية؛ حيث استحضرت أجواء الحجر الصحي، التي فُرضت أيضًا في بلدهم، ضمن ذاكرتهم المشتركة سنوات قاسية من مظاهر كتمان عقيدتهم الدينية16.

  1. طايع الديب، «الفناء العظيم أو الموت الأسود»، مجلة الدوحة، العدد 155 (أيلول/ سبتمبر 2020)، ص.105–102
  2. المرجع نفسه، ص.104
  3. محمد عبد الحميد جوهر، قصة المرض والميكروب (القاهرة: وكالة الصحافة العربية، 2020)، ص.21
  4. بشارة، ص.11
  5. يحيل «عام البون» إلى الفترة 1945–1944 التي عانت فيها ساكنة المغرب وأجزاء من الجزائر المجاعة والأوبئة، نتيجة الجفاف والقيود المفروضة من الاستعمار الفرنسي على المواد التموينية الأساسية.
  6. «كورونا يعيد إلى ذاكرة الألبان الحقبة الشيوعية وخطر الصيام في رمضان»، يورونيوز، 2020/4/25، شوهد في 2020/12/1، في: https://bit.ly/2JBe8A7

واستطاع وباء كورونا، بوصفه قادحًا ذاكريًا، في أوروبا وبخاصة في ألمانيا، إعادة ذكريات مؤلمة عن الحرب العالمية الثانية إلى أذهان الكثير من شهود عيان من كبار السن، فقد تزامنت الذكرى ال 75 لنهاية هذه الحرب مع أزمة كورونا في أوروبا، حيث يلُاحظ هنا ربط مظاهر أزمة كورونا بمآسي الحرب العالمية الثانية وتبعاتها التدميرية التي استمرت سنوات بعد الحرب، حتى من وجهة نظر أكاديمية. في هذا السياق انتقد أندرياس فيرشينغ Andreas Wirsching، مدير معهد التاريخ المعاصر في ميونيخ، ما قيل حول أن أزمة كورونا تشابه تبعات الحرب العالمية الثانية، فهو يرى أنه من السابق لأوانه إطلاق هذه الأحكام، خاصة أن العالم لا يشهد اليوم حربًا عالمية مشابهة، معتبرًا أن هذا هو الفرق الجوهري؛ فالتحديات الكورونية تختلف اختلافًا جذريًا عن تلك التي حدثت سنة 1945. كما يضيف هذا المؤرخ أن الصدمة ربما كانت كبيرة «لأننا سقطنا فجأة من عالم كان مريحًا دون سابق إنذار» بحسب تعبيره17. لذا يقترح مقارنة الأزمة الراهنة بجوائح مماثلة جرت في العصر الحديث من أجل عدم السقوط في التهوين أو التهويل، ففي آخر جائحتين للإنفلونزا في سنة 1957 وفي 1970–1968، توفي نحو 30 إلى 40 ألف شخص في ألمانيا الغربية وحدها، إضافة إلى ما يصل إلى مليوني وفاة على مستوى العالم، ويرى أنه لم يجرِ آنذاك اتخاد أي إجراءات احترازية لمجابهتها، مثل الإجراءات المستجدة التي ميّزت المرحلة الكورونية، حيث إن الطبقة السياسية آنذاك قد فضلت، بحسب رأيه، تهوين ذلك الوضع الوبائي بهدف عدم إثارة الهلع المجتمعي18.

ثالثًا: الحدث الكوروني قادحًا للذاكرة المعيشة

قد يتبادر إلى ذهن القارئ السؤال التالي: هل يمكن أن تضمحل ذكريات الأزمنة الكورونية يومًا ما أو تصير على الأقل أكثر ضبابية مع تعاقب الأجيال، تمامًا مثلما ما وقع لحدث تفشي الحمى الإسبانية، التي نُسيت بعد قرابة مئة سنة؟ أم أن ذكراها، بخلاف بقية الأوبئة والجوائح الماضية، سوف تبقى راسخة في الذاكرة البشرية في زمن العولمة وتقارب المسافات، بفضل توافر وسائط مستجدة لحفظ الذاكرة19، لم تكن متوافرة في الأزمنة السابقة، مثل تقنيات الإعلام الحديثة، ولا سيما وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من وسائط الذاكرة سواء التقليدية أو الحديثة؟ هنا يتعين التشديد على أنه لا ذاكرة بلا وسائط، فهذه الأخيرة، تقوم بحفظ المحتويات الذاكرية بل تحيّنها وتجعلها متاحة عند الاستدعاء، ومن هنا يأتي دور حفظ الذاكرة عن طريق تجميع محتوياتها وأرشفتها، بهدف إنقاذها من التلف والضياع ومن الإهمال والنسيان.

  1. "Historiker Wirsching: ‘Corona macht Erinnerung nicht überflüssig‘," Augsburger llgemeine , 8/5/2020, accessed on 1/12/2020, at: https://bit.ly/37hdtvS
  2. Ibid.
  3. أسهمت كثافة النقل الجوي الرابط بين مختلف مناطق العالم، في تفشٍّ غير مسبوق بسرعة للفيروس، مما جعل من فيروس كورونا ظاهرة مُعولمة بخلاف الجوائح السابقة التي اقتصرت على مجالات جغرافية دون سواها.

1. الذكريات الكورونية في عمل المتاحف

منذ بداية أزمة فيروس كورونا وتحديدًا مع بداية الحجر الصحي الكامل أو الجزئي، بادر بعض المتاحف الغربية، التي أغلقت بدورها أبوابها في إطار الاحترازات المعمول بها، إلى محاولة أرشفة معظم المظاهر الاجتماعية التي أفرزتها الأزمة قدر الإمكان، بوصفها حدثًا تاريخيًا وغير اعتيادي، وذلك لحفظ الذاكرة المعيشة عن الجائحة وما ارتبط بها من شواهد دالة عليها، حيث تسعى إلى جمع شواهد وعينات معاصرة ومتنوعة توثق للمرحلة الجائحية، مثل الصور الفوتوغرافية للساحات الفارغة، وتسجيلات مرئية وصوتية، بل الكمامات ذاتها، ولا سيّما المصنوعة يدويًا، ومذكرات ويوميات عن الجائحة وعن حالات الطوارئ الصحية التي أعقبتها، وهي كلها وسائط مادية ستدخل الأرشيفات، وستخصص لها أروقة مستقلة في تلك المتاحف. لكن كيف يمكن هنا معرفة الأشياء أو العناصر المهمة تاريخيًا وذاكريًا ضمن عملية التجميع من طرف المؤسسات المتْحفية والأرشيفية؟ من الصعب الإجابة عن هذا السؤال على نحو دقيق عن طريق الاكتفاء بسرد لائحة محددة من هذه العينات المطلوبة، غير أن المتاحف تسعى أولً لجمع أكبر عدد ممكن من العناصر المادية وغير المادية المرتبطة بالأزمة، إلى أن تحين فترة فرزها وتقديمها للجمهور، بوصفها جزءًا لا يتجزأ من معروضاتها الدائمة في المستقبل وللأجيال القادمة، للتعرف إلى هذا الحدث العالمي عبر الوسائط المعروضة. لذا تَوجلاَّه بعض المتاحف بل الجامعات الأوروبية ضمن مبادرات مستجدة، و سيما في ألمانيا وسويسرا، مثل متاحف هامبورغ وكولونيا وميونيخ وجامعاتها، بطلبٍ إلى السكان مفاده عدم التخلص من الأشياء التي شكلت الحياة اليومية إبان تفشي موجات جائحة كورونا وأثناء فترة الحجر الصحي، بل تصويرها وإرسالها إليها رقميًا أو بريديًا، وذلك بهدف توثيق كل تلك العناصر المادية للحياة اليومية الاستثنائية، فتجميع هذه الشواهد المرسلة من طرف الأفراد يجعلها تنتقل من مجرد أشياء مخصوصة بحياتهم الفردية إبان مرحلة زمنية محددة، إلى كونها محتويات مشكّلة لذاكرة جمعية مشتركة عن الجائحة. وبفضل الهاتف الذكي الذي يتيح إمكانات كبيرة للإنشاء والتخزين والإرسال لمحتويات متعددة الوسائط من صور ونصوص وصوتيات ومرئيات، أمكن ويمكن توثيق الحياة اليومية في ظل الجائحة، على نحو أيسر مقارنة بأي وقت وبائي مضى. في هذا السياق، يُعتبر متحف فيينا من أوائل المتاحف العالمية التي خصصت حيزًا لعرض تلك الشواهد، معتبرًا أنها ستحتل أهمية أرشيفية كبيرة في المستقبل. ويتيح الموقع الرسمي لمتحف فيينا Stadtmuseum Wien على شبكة الإنترنت لزواره مجموعة من الوثائق والعينات والمقاطع المصورة، بعضها لا يخلو من إبداع وطرافة؛ حيث يجري على سبيل المثال عرض صور لرفوف المحالّ الفارغة بسبب سعي الناس إلى تخزين المواد التموينية في بيوتهم خوفًا من القادم الأسوأ، وهو خوف قديم جدًا ما يزال دفينًا في ذاكرتنا الغريزية. هذا إضافة إلى عرض تسجيلات رقمية غير مألوفة لحفلات موسيقية مصغرة أقيمت على شرفات المنازل وأسطحها، وهي مشاهد لم تسجّل في أوقات الأوبئة السابقة20.

  1. Wien Museum, "Corona in Wien. Ein Sammlungsprojekt zur Stadtgeschichte," accessed on 1/12/2020, at: https://bit.ly/2VoUmux

أما المتحف التاريخي الألماني في برلين DHM فقد اعتبر هذه الجائحة حقل عملٍ جديدًا، ينضاف إلى المجموعات التي يملكها سلفًا، وموضوعها «ذاكرة الأوبئة»، وهي مخصصة لمعروضات متنوعة عن الأوبئة الماضية مثل الطاعون والكوليرا والحمى الإسبانية، حيث تضم، على سبيل المثال، عينات طبية للإجراءات، التي كانت متبعة في مكافحة الأمراض، إلى جانب قطع الأدوات التي كانت تُستخدم في الحجر الطبي21. في السياق ذاته، تأسست في سويسرا مبادرة رقمية بعنوان «ذاكرة كورونا» Corona–Memory، وهي عبارة عن أرشيف تشاركي على شبكة الإنترنت باللغات الألمانية والفرنسية والإيطالية، يجري فيه تلقي ذكريات الأفراد على هيئة نصوص وتسجيلات وصور من مستخدمي الإنترنت حول هذه الفترة الاستثنائية، بغرض حفظها وجعلها في المتناول مدة طويلة. والمبادرة هي ثمرة تعاون وتنسيق بين جهات متنوعة من جامعات ومتاحف ومؤسسات عامة وخاصة، مما يعكس الطابع البينتخصصي لموضوع حفظ الذاكرة الكورونية والذاكرة عمومًا22. إلى جانب هذا، نجد مبادرة جامعية مشابهة أطلقت باسم «أرشيف كورونا» Coronarchiv، وهي منصة رقمية على شبكة الإنترنت، أسستها في ألمانيا جامعات هامبورغ وبوخوم وغيسن، وهي تتيح للمستخدمين تخزين تجاربهم مع الجائحة وذكرياتهم الفردية عنها، حيث يمكنهم اقتسام عدة وسائط مثل الصور الفوتوغرافية أو مقاطع الفيديو أو الملفات الصوتية أو النصوص المكتوبة وغيرها من الوسائط الرقمية، وهدف إنشاء المنصة هو التعرف إلى الكيفيات والأنماط التي يتم فيها التحدث عن الجائحة وطبيعة الذكريات المعيشة والمترتبة عنها بعد نهاية الأزمة التي طرحت أمام الجميع تحديات سياسية واجتماعية وشخصية صعبة. والملاحظ هنا أن دعوة هذه المبادرة لا تخص البالغين فقط، حيث يُطلب حتى من الأطفال والمراهقين التعبير عن مشاعرهم تجاه المرحلة الجائحية، في محاولة لفهم ذكريات الطفولة ومدى اختلافها عن ذكريات البالغين، لا سيما أن الإجراءات الاحترازية قد فرضت أيضًا إغلاق المدارس في معظم دول العالم، مما قد يؤسس لذكريات بعدية متباينة، بعضها قد يكون سعيدًا، مثل الشعور بالحرية من قيود المدرسة، وقضاء وقت أطول مع الأبوين، وبعضها حزين مثل الافتراق عن الأصدقاء وتقيد الحركة والضجر، في ظل حجر منزلي غير مألوف استمر شهورًا في المناطق الأشد تضررًا23. وبالنظر إلى كل هذه المبادرات الاستباقية المتعلقة بأرشفة المواد المرتبطة بالجائحة وتبعاتها، يطرح التساؤل التالي نفسه: كيف سينظر المؤرخون المستقبليون إلى الأحداث التي شهدناها في الفترة الكورونية؟ فبحسب هالبفاكس يبدأ عمل التاريخ أو التأريخ حالما تكتمل الذاكرة.

  1. "Museum plant Corona–Sammlung: ‘Jetzt wird Geschichte geschrieben‘," Augsburger Allgemeine , 16/4/2020, accessed on 1/12/2020, at: https://bit.ly/2JzTctf
  2. الموقع الرسمي للمبادرة، في: https://bit.ly/2HWdHQx
  3. الموقع الرسمي للمبادرة، في: www.coronarchiv.com

2. الأرشفة الاجتماعية المفتوحة لذكريات الكورونا المعيشة

الجانب الشعوري مهم في العمل التوثيقي لمرحلة كورونا؛ فلا يمكن اختزالها برمتها في تجميع مادة أرشيفية، يقوم لاحقًا بفرزها المؤرخون فقط دون غيرهم، مما يهدد ب «صناعة» ذاكرة انتقائية على مقاس المتاحف والمؤرخين، قد تغيب فيها جوانب ذاكرية أخرى عن المرحلة، في هذا الإطار يسائل الكاتب الصيني يان ليانكي الوظيفة الكلاسيكية للتاريخ في زمن كورونا بقوله: «لماذا يتعين دائمًا ملء حُفر التاريخ بالآلاف والآلاف من القتلى»24. إن كورونا هي أكثر من عينة مُتْحفية أو وثيقة أرشيفية، إنها ذاكرة معيشة يوميًا بالدرجة الأولى، لذا نشرت مؤرختان من جامعة جنيف السويسرية رسالة بعنوان «نداء من أجل ذاكرة اعتيادية لحدث استثنائي»25، موجهة إلى المؤسسات المعنية بالتاريخ وإلى الباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية والمؤرخين والمؤسسات الأرشيفية والمتاحف، حول ضرورة جمع الشهادات من مختلف المجالات الممكنة عن أزمة كورونا، والتي فرضت على غالبية المجتمعات والأفراد التنازل عن جزء من حرياتهم الفردية في الزمن الاستثنائي، وذلك عبر تسليط الضوء على الحياة اليومية للأفراد، التي تبدو من الناحية التأريخية في العادة غير مرئية، وفي النتيجة غير ذات أهمية، رغم أنها تشكل نواة الذاكرة الجمعية لأي مجتمع بشري، ولا سيما الطبقات الدنيا منه، والتي عانت على وجه الخصوص الجائحة وتبعاتها، حيث كانت في مواجهة مباشرة معها. ولكيلا يُنسى دورهم، تدعو الباحثتان إلى أهمية فهم الجائحة من زاوية التاريخ الاجتماعي، فلا ينبغي، في تصورهما، التركيز على الطبيعة المثيرة للحدث، بل يتعين استخدام منهجيات التاريخ الاجتماعي في تسليط الضوء على الذكريات المتعددة والمتباينة عن الجائحة باختلاف الأماكن والأجناس والأعمار، ومن ثم كتابة تاريخ اعتيادي لحدث استثنائي. فالتحدي الحقيقي هنا، وفق تصورهما، يكمن في إعطاء صوت ذاكري لأولئك الذين يتفاعلون مع الأزمة بوتيرة يومية. ومن بينهم بلا شك العنصر النسوي، الذي وقف على الخط الأمامي في الخدمات الصحية والاجتماعية. هذا إضافة إلى كل هؤلاء الذين تضرر نشاطهم الاقتصادي والاجتماعي جراء تبعات الجائحة26. ولتفادي إعادة إنتاج تاريخ «المنتصرين» حتى في هذه الجائحة وبعدها، تطالب هاتان المؤرختان بضرورة حفظ ذاكرة الأناس العاديين من ذوي الوظائف الاعتيادية؛ مثل ساعي البريد والعامل وسائق الشاحنة والسجين والممرضة، إضافة إلى الآباء وربات البيوت والمهاجر واللاجئ والطفل. بعبارة أخرى، يتعين جمع قصص الناس البسطاء بدلً من الاقتصار على الوثائق الأرشيفية. لهذا فهما تدعوان إلى حفظ كل أنواع الشهادات المتعلقة بالجائحة، من صور ومقاطع فيديو وملصقات ومراسلات،

  1. "Ode à la mémoire. Coronavirus: l’écrivain chinois Yan Lianke invite à préserver le souvenir à une époque de mensonges," Courrier international , 13/3/2020, accessed on 1/12/2020, at: https://bit.ly/2KXlkaD
  2. Caroline Montebello & Myriam Piguet, "Pour une mémoire ordinaire de l’extraordinaire," Heidi News , 25/4/2020, accessed on 2/12/2020, at: https://bit.ly/2JDyZCR
  3. Ibid.

وسجلات مستشفيات ومقالات صحفية، بل إلى إنشاء صناديق لتمويل هذه الأرشفة الاجتماعية المفتوحة، مع ضرورة العمل الميداني عبر استخدام مناهج التاريخ الشفوي وإجراء سلسلة من المقابلات مع العاملين في الخطوط الأمامية والفئات المتضررة، على نحوٍ يغذي العديد من المجالات التأريخية، مثل تاريخ التضامن وتاريخ السياسات الاجتماعية، وتاريخ السياسات العامة وتاريخ الأوبئة، من دون أن نغفل هنا دراسات الذاكرة27. هذا النداء يتسق مع التصور الجديد لعلم التاريخ كما تصوّرته مدرسة الحوليات الفرنسية، الذي عبّر عنه مارك بلوك بمقولته الشهيرة إن القضية الأساسية لعلم التاريخ ليست ماضي الإنسان بل الإنسان ذاته، وهذا ما شدّد عليه ريكور أيضًا، بقوله إن الكتابة التاريخية ما هي إلا «إعادة كتابة مستدامة»28. أما عربيًا فقد جعلت الأزمة الكورونية من المقولة المتداولة من كون أن عمل المؤرخ ليس مرتبطًا بالحدث الآني، فكرة متجاوزة على الأقل في هذا السياق الاستثنائي، بل أظهرت مدى الحاجة إلى ذلك المؤرخ المتكيف مع كل ما هو جديد، أي ذلك «المؤرخ المعلوماتي»29 المندمج في العالم الرقمي، بحسب تعبير القادري بوتشيش، القادر على فهم الأزمة واستشراف أبعادها التاريخية الكبرى، بدلً من تأجيل عملية الفهم إلى نهاية الأزمة، بدعوى أن «الأزمات [...] لا تقدم للمؤرخ معلومات ناضجة ومستوفية، بل [...] بمعلومات مبتورة أو مشوهة أو عصيّة على الفهم»30.

رابعًا: أنماط الذاكرة المعيشة في الزمن الكوروني

عرفت البشرية أمراضًا وجوائح على مرّ تاريخها، لكنها ربما لم تعرف مكوث نصف سكان الأرض تقريبًا في بيوتهم على نحو متزامن إلا في الزمن الكوروني، وهو ما يُعتبر «ظاهرة جديدة وحديثة تمامًا»، أضحت فيها «الكمامة زيًّا موحدًا للبشرية»31، فقد انتشر وضع الكمامات في جُلّ بقاع العالم على نطاق واسع، ممّا أسهم في تشكل ثقافة جديدة واستثنائية، حيث وضعها جميع أطياف المجتمعات ومختلف الأعمار، وما لبثت أن خضعت بدورها لمنطق العرض والطلب الرأسمالي، بل ولجت مجال الموضة من أوسع أبوابه، كما صارت أيضًا بمختلف أشكالها محط اهتمام المتاحف والأرشيفات التي بدأت في إضافتها إلى مقتنياتها أو المجموعات الخاصة بالجائحة، كما سبق ذكره. كما أضحت صور ملايين الناس عبر العالم وهم يضعون الكمامات ويستعملون المطهرات في زمن العزلة والتباعد الاجتماعي، تشكل بدورها وسائط من وسائط ذاكرة كورونا، التي تتألف بدورها من مجموعة ذاكرات متعددة بل متباينة فيما بينها حتى داخل المجتمع الواحد، مثل ذاكرة الأقليات

  1. Ibid.
  2. بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009)، ص.478–477
  3. بوتشيش، ص.32–31
  4. المرجع نفسه، ص.16
  5. بشارة، ص.8

المجتمعية (من مهاجرين ولاجئين) وذلك في مقابل ذاكرة الأغلبية، من دون أن نغفل هنا ذاكرات الجماعات العرقية واللغوية والدينية المتنوعة حتى في تمثلها للحدث الكوروني الواحد.

1. من الاستدعاء إلى الاستعداء: عنصرية وصور نمطية

لا يُعتبر الحدث الكوروني والأحداث المرتبطة به لدى المهاجرين ولا سيما اللاجئين الذين يشكلون الحلقة الأضعف في المجتمعات المستقبلة لهم، مادة لذكريات معيشة هي في طور التشكل، بل تستدعي لديهم ذكريات قَبْلية، غالبًا ما تكون ذات طابع سلبي وغير مرغوب في استعادتها. ولا تنحصر تلك الذكريات القبلية في تجارب ما قبل الهجرة واللجوء مثل وضعية الحرب والاضطهاد وما يترتب عنها من ذكريات الخوف من التعذيب والموت، بل تمتد إلى عمق تجربة الهجرة واللجوء ذاتها في داخل مخيمات المهاجرين وخارجها، كما تنضاف إليها تلك الذكريات المرتبطة بالبدايات الأولى في التفاعل مع المجتمع المستقبِل، وهي لا تخلو كلها من صعوبات الهجرة واللجوء من أمراض جسدية ونفسية وإشكالات أسرية ومجتمعية ومهنية. فمنذ بداية الأزمة أشارت عدة تقارير إلى أن أكبر المتضررين من تفشي فيروس كورونا هم من ذوي الدخل المحدود أو المتدني، إضافة إلى الطبقات الهشة من المجتمعات التي يتشكل الكثير منها من مهاجرين ولاجئين، وكأنه تكرار لسيناريو سنة 1918 عندما تفشت في الولايات المتحدة الأميركية الحمى الإسبانية بعد مئة سنة، لكن ليس فقط في الولايات المتحدة بل أيضًا في أوروبا ومناطق عدة من العالم مثل المنطقة العربية، غير أن هذا الضرر ليس اقتصاديًا فحسب، بل يتعدى ذلك إلى أذى اجتماعي يتمثل في التمييز والعنصرية ضد الأقليات عمومًا والمهاجرين خصوصًا، بوصفهم رمزًا للآخر «الغريب المختلف»، الذي «يحمل المرض وينشره»32، كما في الهند، والتي اتُهِم فيها المسلمون الهنود بنشر الوباء عمدًا بين صفوف الهنود الهندوس، ليزيد هذا من «المأساة الملحمية» لتلك الأقلية، بحسب تعبير الكاتبة الهندية أرونداتي روي Roy Arundhati33. في السياق ذاته صُوِّر الإنسان الفلسطيني بوصفه «فيروسًا» في بعض وسائل الإعلام المعادية له. في هذا السياق يقول عزمي بشارة: «لا علاقة للعنصرية بالوباء والخوف منه بالنسبة إلى العنصري، بل هو مجرّد مناسبة للتعبير عنها؛ فنزوع العنصرية إلى تشبيه الآخر بوباء وسرطان وغيرها من الأمراض، التي تسبب رعبًا جماعيًّا أمرٌ مجترّ ومكرور»34، وهو اجترار لا يقتصر على السياق الغربي فحسب، بل يتعداه حتى إلى السياق العربي أو على الأقل في جزء منه يسعى إلى طمس ذاكرة المعاناة الفلسطينية.

2. الجائحة والذاكرة الدينية

من المرشح أن تدخل جائحة كورونا إلى الذاكرة الطقوسية لمعظم أديان المعمورة من أوسع أبوابها، سواء الكبيرة منها أو الصغيرة، حيث استطاعت الجائحة إحداث تغيرات طقوسية غير مسبوقة قد تلج

  1. المرجع نفسه، ص.26
  2. أرونداتي روي، «وباء كورونا كبوابة عبور»، قنطرة، 2020/4/17، شوهد في 2020/12/2، في: https://ar.qantara.de/node/39847
  3. بشارة، ص.27

إلى الذاكرة الدينية في المستقبل، بوصفها ذكريات بعدية عن المرحلة الكورونية. ففي الذاكرة الإسلامية، سنّية كانت أو شيعية، قد يجري على المستوى الجمعي تذكّر تعطيل الصلوات الجماعية بسبب إغلاق المساجد مدة شهور، إلى جانب تعطيل صلاة الجمعة ذات الرمزية الذاكرية الكبيرة قبل إعادة فتحها بالتدرج وفق احترازات وقائية غير مألوفة. هذا إلى جانب التذكر البعدي لفريضة الصيام بطعم استثنائي في شهر رمضان من دون صلاة التراويح، وذلك في ذروة تفشي الفيروس والأزمة العالمية التي سبّبها، هذا إلى جانب عيد الفطر «المنزلي» من دون صلاة العيد الجماعية والزيارات العائلية بسبب التباعد الاجتماعي، ثم التغيرات الكبيرة في مناسك الحج، التي اتخذت مظاهر جديدة بسبب الاحترازات الوقائية التي جرى اتخاذها؛ ومنها تقليص عدد الحجاج إلى عدد رمزي، مع التزام بالتباعد في المسافة أثناء أداء الشعائر في الأماكن المقدسة التي بدت، بخلاف كل سنة، شبه خالية، وانتهاء بتعديل شعائر عيد الأضحى، الذي مرّ في معظم المجتمعات المسلمة أو التي فيها أقليات مسلمة من دون صلاة العيد الجماعية، وهي كلها صور وذكريات من الصعب أن تنمحي من الذاكرة الدينية، وقد تجد طريقها أيضًا إلى الكتابة التاريخية. الذكريات نفسها ستجد طريقها ليس في الذاكرة المسيحية فقط أو الذاكرة اليهودية فحسب، بل أيضًا في سائر الذاكرات الدينية. من جهة أخرى، لا يمكن إغفال التفسيرات التي قُدمت ضمن التدين الشعبي إلى جانب مخيلة بعض التيارات الإسلاموية في تمثلها شبه المكرور للجوائح والكوارث الطبيعية، لكونها تستمد مادتها بل مشروعيتها المتخيلة من ذاكرة دينية شعبية، ويمكن هنا الإشارة إجمالً إلى ثلاثة تمثلات جمعية ذات طابع ذاكري: أولها اعتبار الحدث الكوروني دليلً إضافيًا على «اقتراب الساعة» بسبب الفساد الذي أحدثه الإنسان في البر والبحر، وثانيها اعتبار الجائحة الكورونية من «جند الله»، تنذر بعقاب إلهي جديد بسبب ابتعاد الناس عن خالقهم أو عن الدين الحق، أما التمثل الثالث الذي يتضارب مع التمثلين الشعبيين السابقين، فهو تمثل تفشي الكورونا بكونه حربًا جديدة متعمدة على الإسلام، وهو تصور «مؤامراتي» عزّزه تعطيل الصلوات الجماعية في المساجد وإغلاقها، وقد تبنّت هذا التمثل اتجاهات متشددة في تصورها للدين الإسلامي.

خامسًا: وسائط الذاكرة الكورونية35

1. الإنترنت بوصفها وسيطًا لذاكرة الجائحة

منذ بداية تفشي فيروس كورونا في الصين، استعمل الصينيون، رغم الرقابة الرقمية المفروضة في البلد، مجموعة من الأدوات والتقنيات الرقمية المتاحة على شبكة الإنترنت من أجل تسجيل وقائع ستتحول إلى ذكريات حول مظاهر تفشي الوباء وتداعياته الاجتماعية في البلد، مثل استعمال موقع «غيت هب» GitHub وهي خدمة توفر مستودعات رقمية لتخزين البيانات بمختلف أنواعها، وغالبًا لحفظ برمجيات حاسوبية، حيث جرى تأسيس مشروع تطوعي جماعي، يقوم بحفظ الروايات الشخصية من مختلف

  1. للمزيد حول وسائط الذاكرة، يُنظر: زهير سوكاح، «وسائط الذاكرة الجمعية ووظائفها»، دراجومان، مج 7، العدد 8 (نيسان/ أبريل.)2018

فئات المجتمع الصيني والتقارير الإخبارية من الصين عن المرض، من أجل حمايتها من خطر المحو والضياع ليكون قاعدة بيانات رقمية متنوعة، يستفيد منها الباحثون من مختلف التخصصات الذين تجمعهم ثيمة فيروس كورونا. أما في أوروبا فقد أطلقت مدينة برشلونة الإسبانية مبادرة رقمية، وهي عبارة عن سجل مفتوح، يوفر مساحة مجانية على الإنترنت لتبادل التجارب الفردية والأسرية خلال فترة الحجر الصحي، حيث يجري فيه تدوين الشهادات وإرسال الصور من ساكنة المدينة حول ذكرياتهم عن الحجر الكامل الصحي، وتحمل اسم «برشلونة تتذكر» Barcelona Recorda، في محاولة لمعالجة التبعات النفسية للأوضاع الاستثنائية التي فرضتها الجائحة والحجر الكامل الذي تلاها. إضافة إلى هذا يتيح الموقع لزواره إمكانية التعبير عن امتنانهم للعاملين في الخطوط الأمامية في شكل رسالة أو صورة أو فيديو. كما يجري أيضًا قبول جميع القصص الشخصية ورسائل التعزية والتوديع36.

2. وسائل الإعلام التقليدية وذاكرة الجائحة

في الولايات المتحدة التي شهدت أعلى نسبة وفيات مسجلة بسبب الجائحة إلى حد الساعة، سعت القنوات والصحف ومواقع الإنترنت الأميركية إلى تخليد ذكرى ضحايا هذا الفيروس، حيث خصصت ال سي إن إن CNN صفحة رقمية باسم «نحن نتذكر » We Remember وهي مخصصة للتعريف بمن لقوا حتفهم بسبب الجائحة، عن طريق عرض صورهم وقصصهم وتسجيلات لتوديع ذويهم37. الخطوة ذاتها أقدم عليها أيضًا الموقع الإخباري الأميركي «إي بي سي» عن طريق إنشاء صفحة تحتوي صورًا وقصصًا لنحو 200 ألف شخص ممن قضوا نحبهم بسبب الجائحة38. أما  جريدة نيويورك تايمز The New York Times فقد نشرت على الصفحة الأولى في عددها الورقي (24 أيار/ مايو 2020)، لائحة بأسماء ضحايا فيروس كورونا الذين بلغ عددهم إلى حدود ذلك التاريخ 100 ألف ضحية، وقد تضاعف العدد بعد ذلك في خلال أشهر معدودة، ليصل إلى 200 ألف في نهاية أيلول/ سبتمبر من السنة ذاتها39.

3. الجائحة ووسائل التواصل الاجتماعي: نحو ذاكرة رقمية جامعة

على غرار وسائل الإعلام التقليدية، لا شك في أن وسائل التواصل الاجتماعي تؤدي دورًا كبيرًا في تشكل ذاكرة عالمية عن الجائحة في سياقها الرقمي، ستسهم إلى حد بعيد في تذكر الجائحة في المستقبل، ضمن ما أسميناه في إطار هذه الدراسة بالذاكرة البَعْدية، خاصة أن وسائل التواصل الاجتماعي قد مكّنت الأفراد من البقاء على تواصل فيما بينهم أثناء فترة الحجر الصحي، كنوع من التجاوز الوسائطي والرقمي للتباعد الاجتماعي والعزلة التي سبّبها. فهل يمكن أن تؤدي هذه الأدوات الوسائطية الاجتماعية، أيضًا، دورًا في تحقيب هذه المرحلة تاريخيًا وتعزيزها ذاكريًا؟

  1. https://www.barcelona.cat/recorda/ca 3(مبادرة برشلونة في:
  2. ينظر الصفحة الرسمية Remember" We "، في: https://cnn.it/33z4B3T
  3. "Faces of some of the more than 200,000 Lives Lost in US to Coronavirus," abcNews , 3/10/2020, accessed on 4/10/2020, at: https://abcn.ws/2VtWYXO
  4. «الولايات المتحدة تتصدر: أكثر من 200 ألف وفاة بفيروس كورونا»، يورونيوز، 2020/9/23، شوهد في 2020/12/2، في: https://bit.ly/37mvo4u

اقتسمت هذه الوسائط مع وسائل الإعلام التقليدية الاهتمام ذاته بأزمة كورونا، وذلك بنحوٍ متزامن. لذا يمكن مبدئيًا اعتبار وسائل التواصل الاجتماعي وسيطًا فعالً لإنتاجٍ واقتسامٍ واستقبالٍ لمحتويات رقمية عن كل وقائع الجائحة وما استتبعها من أحداث متنوعة، وهي محتويات يجري حفظها آليًا على شبكة الإنترنت، وفي المستطاع نظريًا استعادتها في أي وقت ومن أي مكان، وبضغطة زر واحدة. هذه الوفرة الوسائطية لم تكن ممكنة في زمن الإنفلونزا الإسبانية على سبيل المثال؛ فقد أصبحت أخبار الفيروس تتدفق بسرعة، كما صار الاقتسام الفوري لتلك المعلومات أيسر من أي وقت مضى، هذا بخلاف ما حدث في فترة تفشي الإنفلونزا الإسبانية، حيث كانت الحرب العالمية الأولى لا تزال مستمرة عندما أخذت تلك الجائحة في الانتشار، لذا كانت المعلومات المتعلقة بها تخضع لرقابة شديدة، منعت من نشر المعلومات حولها، وهذا ما يذكرنا أيضًا بالرقابة الشديدة التي انتُهجت في الصين إبان البدايات الأولى لتفشي الوباء التاجي، غير أن وسائل التواصل الاجتماعي بقيت سجلً عالميًا مفتوحًا وبكل اللغات، رغم الرقابة المفروضة. ومع ذلك، فغالبًا ما تكون وسائل التواصل الاجتماعي، بوصفها سجلًّ خامًا، من مظاهر الإنترنت غير الخاضعة للرقابة، التي قد تتيح، في الغالب، للأجيال القادمة – الراغبة في التعمق أكثر في هذا الحدث الاستثنائي – فرصة الوصول إلى المزيد من المصادر الخام حوله، من أجل تكوين صورة ذاتية، ومن ثم تقريبية عنه بحسب السياق المحفز للاهتمام به بوصفه حدثًا ماضيًا. وفي هذا السياق تتيح وسائل التواصل الاجتماعي محتويات ذاكرية «غير رسمية» عن هذا الحدث، مما قد يؤدي إلى انتشار بعض المعلومات الزائفة حوله، لكن وسائل التواصل الاجتماعي، بخلاف الرسائل الشخصية والبطاقات البريدية والصور التي لا يصلنا إلا جزء يسير منها، تحتفظ بتفاصيل خام دقيقة عن أسماء الأشخاص والأمكنة، تجعلها أحيانًا ذات وظيفة تصحيحية للمعطيات الرسمية أو على الأقل مُكمّلة لها، ممّا سيتيح للمؤرخ المستقبلي إمكانية ملء الفجوات البحثية التي قد تعترضه في تأريخه للحدث، وذلك عن طريق إحياء هذا المخزون الرقمي «الهامد». لكن هل يمكننا التعويل دائمًا على الذاكرة الرقمية المُخزنة؟ بعبارة أخرى: ماذا لو تفشى فيروس معلوماتي أشبه بقوته وسرعته بفيروس كورونا بين الحواسيب وخوادم الإنترنت؟ هنا نستذكر تاريخ 31 كانون الأول/ ديسمبر 1999، حيث كان يُتوقع – كما هو معروف – حصول تهاوٍ لشبكة الإنترنت وما يرتبط بها من أنظمة، بسبب انتهاء العدّ والإحصاء الرقمي عند ذاك التاريخ، وهو ما عُرف أيضًا بمشكلة سنة 2000. والسؤال المطروح هو: هل العالم قادر على الدخول في مواجهة مع الجوائح التكنولوجية؟ هل سيكتفي أيضًا بالعزل الرقمي عن طريق فصل الحواسيب والخوادم عن شبكة الإنترنت أو حتى عن الشبكات الداخلية الخاصة بها؟ وهل يتوفر العالم على مناعة رقمية لمقاومة هذه الجوائح الرقمية تكنولوجيًا؟ وهل سيتحول المبرمجون وشركات الأنظمة الرقمية إلى أبطال الصفوف الأمامية الرقمية؟ والأهم: هل سوف تقتصر الأضرار الجسيمة للجوائح الرقمية على اقتصاديات الدول وتبعاتها المتعددة والكارثية؟ أم أنها سوف تتمكن من القضاء على العالم الرقمي برمّته، وتصل بنا إلى وضعية النسيان الرقمي غير المسبوق، أي النكوص إلى عالم ما قبل الرقمنة؟

4. الفوتوغرافيا وذاكرة الجائحة

تعتبر الصور الفوتوغرافية، المطبوعة والرقمية، من أهم وسائط الذاكرة المعيشة، كما أنها سوف تؤدي، بسبب وظيفتها التكثيفية، دورًا مهمًا في الذاكرة البعدية عمومًا وفي ثقافات تذكر الجائحة خصوصًا، لا سيما تلك الصور الدالة على رمزية كبيرة، مثل صور الساحات العالمية من مختلف أرجاء العالم التي بدت، على نحو متزامن، خاوية على عروشها، وهي، من ثم، صور غير مألوفة. واللامألوف يبقى في الذاكرة أطول، كما  يؤكد ذلك علم نفس الذاكرة. بهذا الصدد نشرت جريدة نيويورك تايمز صفحة على شبكة الإنترنت باسم «الفراغ الكبير» Empty Great تضم مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي التقطها مصورو الجريدة إبّان المرحلة الكورونية، وتحديدًا أثناء الحجر الصحي الذي شمل معظم دول العالم. التُقط أغلب تلك الصور المعروضة في مدن عدة من المعمورة، والتي بدت فيها مدنَ أشباح ذات ساحات عمومية ومحطات قطار ومطارات فارغة حتى في أوقات ذروتها، إلى جانب المقاهي والمطاعم والشواطئ، وتُشبّه الجريدة في النص المرافق للصور «تفشي» الفراغ في أمكنة تلك المدن بتفشي الجائحة40. ومن بين الصور التي انتشرت على نطاق واسع، والتي قد تجد طريقها إلى الذاكرة الجمعية نجد، على وجه الخصوص، صورًا من مدينة بيرغامو Bergamo الإيطالية، تُظهر قافلة من الشاحنات العسكرية تقف في الجهة المقابلة لأحد أكبر المستشفيات في المدينة، ذُكر أنه كان على متنها ستون نعشًا لأشخاص قضوا بفيروس الكورونا، كما أضيفت إليها صور جوية من جزيرة «هارت آيلاند» في نيويورك الأميركية، تظهر دفنًا جماعيًا لضحايا الفيروس التاجي ممن لا أقارب لهم41. إلى جانب الصور الفوتوغرافية الثابتة تؤدي التسجيلات المصورة المتحركة حول هذه الأماكن والأحداث دورًا وسائطيًا مشابهًا، بوصفها من أهم الوسائط المرئية لذاكرة كورونا42.

سادسًا: الأدب والفن بوصفهما  من الوسائط المنتجة للذاكرة

مما لا شك فيه أن أزمة كورونا، إلى جانب التداعيات المتنوعة والكبيرة التي أفرزتها، تشكّل في حد ذاتها مادة حية للتعاطي الإبداعي بين الأدباء في إنتاجاتهم الأدبية المتنوعة، من يوميات وقصص وروايات ونصوص شعرية ومسرحيات، والتي لن تعكس، فحسب، حالتهم النفسية الناجمة عن العزلة الاجتماعية أثناء فترة الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي، بل ستعكس، أيضًا، علاقة الفرد بمحيطه الاجتماعي، والعلاقات الاجتماعية في ظل الظروف الاستثنائية عمومًا43.

  1. ينظر صفحة Empty Great، في: https://nyti.ms/37lO8Ba
  2. «نيويورك تستخدم قبورًا جماعية لدفن الموتى في ظل تفشي الوباء في المدينة»، بي بي سي عربي، 2020/4/10، شوهد في 2020/12/2، في: https://bbc.in/36r2IYT
  3. يعرض هذا المقطع صورًا لمرور مواكب الشاحنات العسكرية، التي تقلّ نعوشًا لضحايا الكورونا: "Coronavirus: Italian Military Transports Bodies as Cemetery Overwhelmed," Youtube, 19/3/2020, accessed on 2/12/2020, at: https://bit.ly/3orPqSf
  4. للمزيد حول علاقة الأدب بالذاكرة، يُنظر: زهير سوكاح: «الأدب والذاكرة»، مجلة دراجومان، مج 4، العدد 6.)2016(

1. الكورونا والذاكرة الأدبية

أنتجت الأوبئة نصوصًا أدبية لا تزال حية في الذاكرة الأدبية. ولذا من المرشح أن تنتج لنا المرحلة الجائحية وما تمخض عنها من ظروف عالمية استثنائية أيضًا نصوصًا عالمية من أجناس أدبية متعددة، وقد يلقى البعض منها طريقه إلى الشهرة الأدبية، ويتحول إلى وسيط من الوسائط الجمعية لذاكرة الجائحة، مثل بعض النصوص الأدبية الشهيرة التي استطاعت أن تجد لها مكانًا ضمن ثقافات التذكر للعديد من المجتمعات، وضمن الذاكرة الأدبية العالمية مثل رواية الحب في زمن الكوليرا لغابرييل غارسيا ماركيز Márquez García Gabriel، ورواية الطاعونلألبير كامو Camus Albert، إلى جانب نصوص أدبية أخرى جرى استحضارها في الفترة الكورونية مثل رواية العمىلجوزيه ساراماغو José Saramago، وهي عن تفشي وباء غامض في مدينة متخيلة، يسلب فيها من السكان أبصارهم، ثم ما يلبث أن يخرج هذا الوباء عن السيطرة مدمرًا تلك المدينة إلى أن يختفي فجأة كما ظهر فجأة. هذا إضافة إلى مجموعة الديكاميرونالقصصية للإيطالي جيوفاني بوكاتشيو Baccaccio Giovanni التي كتبها في الفترة 1355–1349، وهي تتألف من إطار وقصص إضافية بلغت مئة قصة يرويها مجموعة من الأفراد الشباب الذين فرّوا من الطاعون الذي أصاب مدينتهم فلورنسا. كما  نجد أيضًا رواية الجبل السحري (1924) للألماني توماس مان Mann Thomas التي يعالج أحد فصولها داء السل. ومن الملاحظ في هذا السياق ارتفاع الإقبال على هذه النصوص الأدبية الذاكرية، لا سيما في فترة الحجر وفق إحصائيات دور النشر المالكة لهذه الأعمال44، مما يعني أن الحدث الكوروني قد ساهم أيضًا في استدعاء ما نسميه هنا ب «الذاكرة الأدبية القبلية»، عن طريق استعادة نصوصها عن أوبئة ماضية وأحداث سابقة مشابهة لأحداث الحاضر الكوروني أو حتى وقائع وبائية متخيلة، مثل رواية الأميركي ستيفن كينغ King Stephen بعنوان المواجهة، ممّا جعل البعض يطلق على هذه المجموعة من النصوص الأدبية غير المتجانسة فيما بينها ب «أدب الوباء»؛ كونها تشترك في معالجتها أحداثًا وبائية، واقعية كانت أو متخيلة. ورغم صعوبات النشر الورقي، بسبب التعطيل الاحترازي لحركة الطباعة في معظم دول العالم، لا سيما أثناء مرحلة الحجر الصحي، يلاحظ أيضًا تزايد مستمر في عدد النصوص المنشورة التي تنتمي إلى جنس اليوميات، والتي تمتزج فيها عناصر من السيرة الذاتية مع توثيق لأحداث عالمية أو محلية مرتبطة بالمرحلة الجائحية، مشكِّلةً فسيفساء أدبية وذاكرية، غالبًا على هيئة نصوص رقمية متاحة على الإنترنت، بخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي إلى جانب مواقع أدبية وثقافية45. وعربيًا، يلاحظ أيضًا ازدهار رقمي لفن اليوميات بناء على عودة هذه النصوص السيرذاتية في الزمن الكوروني، حيث خصّصت، على سبيل المثال، مجلة الدوحة الثقافية ملفًا بعنوان «خلف النوافذ: شهادات من الحجر المنزلي»، يضم بين ثناياه نصوصًا قصيرة لأقلام أدبية معروفة وأخرى واعدة من دول عربية مختلفة46.

  1. "Alle lesen, Die Pest," Frankfurter Allgemeine , 23/3/2020, accessed on 2/12/2020, at: https://bit.ly/3ofZWLY
  2. من هذه الإصدارات الإلكترونية من المنطقة العربية، نجد على سبيل المثال: كورونا والخطاب: مقدمات ويومياتلأحمد شراك ويوميات مغربي في الحجر الصحيلحسن اليملاحي، وكلاهما  صدر سنة.2020
  3. ينظر: «خلف النوافذ»، مجلة الدوحة الثقافية، العدد 155 (أيار/ مايو 2020)، ص 83–60.

2. الوباء في الذاكرة الأدبية العربية

ارتباطًا ب «أدب الوباء»، إن صح التعبير، نجد في السياق العربي مجموعة من النصوص الأدبية التي ارتبطت في الذاكرة الأدبية بالأمراض والأوبئة؛ ولعل من أهمها رواية نجيب محفوظ ملحمة الحرافيش (1977)، التي يصوّر فيها استشراء وباء الطاعون في مصر القرن الثامن عشر من خلال شخصية عاشور الناجي، الذي فرّ مع أسرته من مدينته التي تفشى فيها الموت الأسود بحثًا عن مدينة لا بشر فيها، ومع هذا الحدث الوبائي تبدأ الوقائع المتخيلة لهذه الرواية المؤلّفة من عشر قصص تمتد أجيالً. وإلى جانب هذا نجد أيضًا السيرة الذاتية الأيام (1929) لطه حسين المؤلفة من ثلاثة أجزاء، حيث أشار في جزئها الأول إلى تفشي وباء الكوليرا في مسقط رأسه، والذي أدى إلى وفاة أخيه متأثرًا بهذا المرض. أما شعرًا فلا تزال قصيدة «الكوليرا» للشاعرة العراقية نازك الملائكة، التي كتبتها سنة 1947 شاهدًا أدبيًا على تفشي مرض الطاعون في مصر، مصورة الصمت الذي ساد مدنها وأريافها والعربات التي تجر أمواتها والهلع في عيون أطفالها، حينما كتبت:

«في شخص الكوليرا القاسي ينتقمُ الموتْ الصمتُ مريرْ لا شيءَ سوى رجْعِ التكبيرْ حتّى حَفّارُ القبر ثوَى لم يبقَ نَصِيرْ الجامعُ ماتَ مؤذّنهُ الميّتُ من سيؤبّنهُ لم يبقَ سوى نوْحٍ وزفيرْ الطفلُ بلا أمٍّ وأبِ يبكي من قلبٍ ملتهبِ وغدًا لا سيلقفهُ الداءُ الشرّيرَّْشك يا شبحَ الهيْضة ما أبقيتْ لا شيءَ سوى أحزانِ الموتْ الموتُ، الموتُ، الموتْ يا مصرُ شعوري مزقَاَّهُ م فعلَ الموتْ»47.

  1. للاطلاع على النص  الكامل للقصيدة، ينظر: نازك الملائكة، «الكوليرا»، العربي الجديد، 2020/6/20، شوهد في 2020/12/2، في: https://bit.ly/3olkZgt

هذه النصوص وأمثالها يجري تذكرها أو تحديدًا انتقاؤها من أجل تذكرها، وذلك ضمن الزمن الكوروني الذي تتشابه لحظاته الاستثنائية مع تلك اللحظات الوبائية الماضية التي أنتجت هذه النصوص حتى التخيلية منها، مما يعكس، مجملً، الطبيعة الانتقائية للتذكر حتى في صيغته الجمعية والمرتبط باللحظة الراهنة أكثر من اللحظات الماضية التي يستدعيها.

3. الذاكرة الفنية للجائحة

احتفظت لنا ذاكرة الفنون التشكيلية، أيضًا، بأعمال عالمية تذكّرنا بكوارث وجوائح ماضية، اشتهرت بدورها على الصعيد العالمي، وجرى الرجوع إليها أثناء التنقيب في مخزون التصوير التشكيلي إبان المرحلة الكورونية، ومن ضمن هذه الأعمال التشكيلية التي استعيدت، نجد عملين أنجزا في بلدين أوروبيين عن وباء الإنفلونزا الإسبانية وهما لوحة «بورتريه ذاتي مع الإنفلونزا الإسبانية» Self–Portrait with the Spanish Flu (1919) للنرويجي إدفارد مونك (1944–1863) Munch Edvard، ولوحة «الأسرة» Familie Die (1918) للنمساوي إيغون شيله Schiele Egon (1910–1890). ورغم أن مونك، صاحب لوحة «الصرخة» Skrik الشهيرة، قد أصيب بالحمى الإسبانية، فإنه تمكن من التغلب عليها سنة 1919، وقام في السنة ذاتها برسم صورته الذاتية أثناء فترة نقاهته. في تلك اللوحة يُرى مونك جالسًا على كرسي بجانب السرير، وهو يتطلع نحو المُشاهد بوجه شاحب وفم فاغر وبنظرات غائرة. أما لوحة شيله، فهي غير مكتملة ونرى فيها أسرة تتألف من أب وأم وابن صغير، وتمثل الأم زوجة الرسام، التي توفيت خريف 1918 وهي حامل متأثرة بإصابتها بالإنفلونزا الإسبانية ليلتحق بها شيله، بعد أن هزمه الوباء بدوره.

سابعًا: الجائحة بين التذكر والنسيان

في مقابل هذه الوسائط الذاكرية التي تشكل دعامات للذاكرة بمختلف أنماطها، يطرحُ التساؤل التالي: هل في استطاعة النسيان، الفردي أو الجمعي، أن يطوي صفحة هذه الجائحة ما لم تذكرنا بها جوائح أو كوارث مستقبلية مشابهة؟ وذلك كالشأن مع الإنفلونزا الإسبانية وغيرها من الأوبئة المنسية التي لم يذكرنا بها إلا تفشي وباء كورونا. وهل ستصير ذكريات الكورونا والحجر الصحي ضبابية مع مرور الزمن وتوالي الأحداث إلى حد تعرضها إلى التلاشي، مثلما تلاشت ذكريات الحمى الإسبانية والكوليرا وغيرها من الأوبئة؟ أم أنها ستشكل محتويات لذاكرة عالمية بعدية عن هذا الحدث الاستثنائي وتبعاته؟

1. ذاكرة الكورونا البعدية

في ضوء ما تعرضنا له في الدراسة، يتعين التشديد هنا، مرة أخرى، على أن عملية التذكر ليست إلا انتقاء منظوريًا، وفقًا لحاجيات الحاضر وظروفه، فانتقائية الذاكرة تترك كل ما تبقى من الوقائع والأحداث اللامتناهية عُرضة للنسيان. بهذا المعنى ليست الذكريات إلا جزرًا صغيرة في بحر محيط من النسيان. وهذا ينطبق أيضًا على ذكريات الكورونا والحجر الصحي، التي ستبدأ في التبدد كلما تركنا الحدث الكوروني زمنيًا وراء ظهورنا، بخاصة ضمن ذاكرة هؤلاء الأفراد الذين لم يعاينوا مكانيًا آثار الجائحة،

أي لم يكونوا على نحو مباشر في الخطوط الأمامية أو لم يفقدوا أقارب بسبب الجائحة، لكنهم شعروا بتبعاتها على نحو غير مباشر أثناء الحجر الذاتي وهم في البيوت، وعبر متابعتهم للتحديثات اليومية لعدد الوفيات، وللإطلالات الإعلامية شبه اليومية للمسؤولين الحكوميين والصحافيين على العديد من القنوات التلفزية، والتي حظيت بمتابعة كبيرة، إلى جانب الصفوف الطويلة أمام الأسواق ورفوفها شبه الفارغة، إضافة إلى العمل والدراسة من البيت، من دون أن نغفل مشاهد الشوارع والساحات الفارغة من الناس التي شهدت بداية عودة الحيوانات، لا سيما في المدن المحاذية للغابات أو المنتزهات الطبيعية، وأيضًا وقفات الإجلال والتصفيق من على شرفات البيوت تقديرًا للطواقم الطبية والأمنية، بينما ستشكل كل هذه الأحداث ذاكرة جمعية مشتركة تستند في استمراريتها عبر الأجيال إلى تلك الوسائط الذاكرية التي أشرنا إليها. أما المشتغلون في الصفوف الأمامية، فحتمًا سيتذكرون تلك الأحداث على نحو أشد وضوحًا وكثافة، ذلك أنهم عاينوها مباشرة، وغالبًا وسط ضغط نفسي وإرهاق تكتنفه مشاعر، مثل الخوف والحزن على من كان يتساقط أمامهم من ضحايا الجائحة بوتيرة شبه يومية، مما يجعل ذكرياتهم الفردية، في الأساس، ذات طابع مؤلم، خاصة لهذه الفئة المجتمعية التي قد تلاحقها صعوبات نفسية وعصبية شبيهة باضطرابات ما بعد الصدمة أو ما يعرف بالإنكليزية Post–Traumatic Stress Disorder, PSTD، وليس من المستغرب أن تصدر عن هذه الفئة سير ذاتية أو يوميات تكتنفها ذكريات الصدمة. غير أن ذكريات الصدمة لا تقتصر على من تم تسميتهم بالخطوط الأمامية، بل أيضًا على كل من يعاني البطالة أو تسببت الجائحة في فقدانه وضعه الوظيفي والمجتمعي، كما أنها مرتبطة أيضًا بالخوف شبه العام من الركود الاقتصادي، إلى جانب تجارب العنصرية والتمييز أثناء المرحلة الكورونية48. على العموم، يُعتبر كل من عايش هذا الحدث الاستثنائي شاهدًا عليه، سواء من عاين وقائعه مباشرة، ومن لم يعاينها. كما سيتحول جزء من هذه الوقائع، حتى غير المباشرة، إلى ذكريات ذاتية، يجري اقتسامها مع الأسرة والأقارب وزملاء العمل والجيران، بل يجري نقلها إلى الأبناء والأحفاد، إما بنحو شفاهي أو وسائطي عبر الصور وغيرها من الشواهد المادية، لتنتقل بعد ذلك من جيل إلى جيل قبل أن تضمحل، ما لم تدعمها دعائم ذاكرية من وسائط خارجية متنوعة، وهذا تحديدًا ما يصفه هالبفاكس بعملية تشكل الذاكرة الجمعية البعدية.

2. جوائح منسية: وباء «هونغ كونغ» مثالا

لكن في المقابل، مما قد يؤكد سيناريو تبدد ذكرى كورونا والحجر الصحى، التجربة الأوروبية، ولا سيما الألمانية مع ما عُرف بوباء «هونغ كونغ»، الذي انمحى كاملً من الذاكرة، رغم وفاة ما بين 40 إلى 50 ألف شخص في ألمانيا وحدها، في فترة شتاءَي 1970–1969، إضافة إلى وفاة آلاف

  1. لعل من أهم الوقائع العنصرية إبان الفترة الكورونية مقتل المواطن الأميركي الأسود جورج فلويد Floyd George على يد شرطي أبيض في أواخر أيار/ مايو 2020 بطريقة مهينة، وهو الحدث الذي سبّب اندلاع احتجاجات ضخمة في الولايات المتحدة، ما لبث أن انتقلت إلى أوروبا الغربية، تخللها إسقاط وتدمير لتماثيل شخصيات عامة تنتمي إلى المرحلة الاستعمارية وقبلها مرحلة العبودية.

الأشخاص الآخرين في ألمانيا الشرقية، كما  أشارت إلى ذلك جريدة ميركور الألمانية، التي عدّت تلك الجائحة أسوأ إنفلونزا أصابت ألمانيا في فترة ما بعد الحرب. وقد تسببت إنفلونزا هونغ كونغ التي تسمى علميًا A1/1968 H3N2 أيضًا، في إغلاق المدارس وتوقف خطوط الإنتاج في بعض قطاعات الاقتصاد، ولكن ليس لأسباب احترازية كما في الجائحة الكورونية. كانت الأوضاع أيضًا في العديد من المستشفيات صعبة؛ ففي ميونيخ امتلأت المستشفيات، كما أقيمت جنائز طارئة في غرب برلين، وهي كلها ظروف تذكّرنا بالمشاهد التي وصلتنا في المستشفيات الإيطالية والإسبانية والأميركية في الزمن الكوروني49. أما عالميًا فقد حصد فيروس هونغ كونغ مليون ضحية على الأقل، من بينهم 50 ألف ضحية في الولايات المتحدة، وما يناهز 30 ألفًا في فرنسا، وهو رقم ضحايا جائحة كورونا، بعد مرور تسعة أشهر على تفشّيها50. لكن رغم هذه الأرقام المخيفة، نُسيَ هذا الوباء كليًا تقريبًا، على الرغم من وجود أوجه تشابه مع تفشي فيروس كورونا، وربما يرجع السبب في ذلك إلى ردة الفعل السياسية في ذلك الوقت، التي اتسمت بالبرودة في التفاعل مع تفشي الوباء آنذاك، حيث نُظر إليه في ذلك الوقت على أنه حدث طبيعي. كل هذه الاعتبارات أسهم في اختفاء أثر هذا الوباء كليًا من الذاكرة الجمعية للبلد. أكثر من هذا، تذكّرنا مجلة دير شبيغلالألمانية، بأنه قبل تفشي جائحة هونغ كونغ في ألمانيا وبقية أوروبا، قد وصل، قبل ذلك الحدث بنحو عشر سنوات، إلى إيران، وبعدها إيطاليا ثم ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة، وباء آخر سُمي بالإنفلونزا الآسيوية، والذي اشتد في ألمانيا سنة 1957، وتسبب في موت ما لا يقل عن 30 ألف شخص في ألمانيا الغربية وحدها، وتُعزى هذه الحصيلة البشرية المرتفعة إلى أن النظام الصحي الألماني لم يكن مستعدًا آنذاك للوباء الجديد51. ولم يحتج هذا الوباء الآتي من الصين إلى أكثر من ستة أشهر كي يتفشى حول العالم، حيث بلغ عدد ضحاياه 100 ألف شخص في الولايات المتحدة، وما بين 25 إلى 100 ألف ضحية في فرنسا، وهو حدث كان له حضور ثابت في الصحف الفرنسية رغم الاهتمام الإعلامي بحرب استقلال الجزائر. وعلى الرغم من ذلك مُحي بدوره من الذاكرة الجمعية ولم يعد معروفًا اليوم بوصفه حدثًا وبائيًا في الذاكرة الجمعية للمجتمعات المتضررة.

خاتمة

ما الذي سنتذكره تحديدًا من هذه الوقائع والأحداث التي عُنينا بها في المرحلة الاستثنائية؟ الجواب أننا لن نتذكر إلا الجزء اليسير منها، إذ إنه لا يمكننا تذكر كل تلك الأحداث الكورونية المتوالية، رغم

  1. Marcel Görmann: "‘Aus kollektivem Gedächtnis total gelöscht’: 50.000 starben in BRD an Pandemie – die Politiker reagierten ganz anders," Merkur.de , 27/4/2020, accessed on 2/12/2020, at: https://bit.ly/2VsINCB
  2. «كورونا: مخاوف من مليون وفاة أخرى بدون عمل جماعي للسيطرة على المرض»، أخبار الأمم المتحدة، 2020/9/25، شوهد في 2020/12/2، في: https://bit.ly/36u8fxW
  3. "Viren aus Singapur," Der Spiegel , 3/7/1957, accessed on 2/12/2020, at: https://bit.ly/3loksIE

أنها صارت الآن محفوظة تمامًا في وثائق متعددة الوسائط مطبوعة أو رقمية، فذاكرتنا الفردية ومعها الجمعية، كما رأينا، ليست ذاكرة تخزينية مثل ذاكرة الحاسوب، فهذه ليست الكيفية التي تعمل بها الذاكرة البشرية، لأننا لا نتذكر كل دقيقة أو كل يوم أو كل أسبوع، ذلك أن النسيان هو الأصل أما التذكر فهو الاستثناء الذي يستدعي الوقائع الاستثنائية. إنها إذًا ذاكرة استثنائية بسبب انتقائيتها وديناميتها المستمرة على الدوام52. هذا كله سيؤثر في «صحة» ما نتذكره عن الجائحة وتبعاتها، فغالبًا مع تتشكل لدى الأفراد ذكريات مخطئة أو على الأقل غير مكتملة، لكونها تُبنى ممزوجة بمشاعر ذاتية أكثر من كونها استعادة حرفية لوقائع ماضية بحذافيرها. أما أولئك الذين مرّت حياتهم اليومية من دون تفاعلٍ شعوري مباشر مع الجائحة ممن هم في وضعية الانتظار أسابيع، من دون تنوع كبير في وتيرة حياتهم اليومية، فقد لا يؤدي هذا «الحدث التاريخي» الممتد إلى خلق ذكريات «حادة» ومحددة، على الرغم من وجود وعي بكل وقائع الحدث الجائحي، على الأقل عبر متابعة وسائل الإعلام ومظاهره في الحياة اليومية، إلا أن الكثير منها قد يتبدد في غياب المحفزَين الداخلي والخارجي. وفي ضوء ما سبق، نشدد على أن الذاكرة ليست آلة تصوير تلتقط لقطات يمكننا الرجوع إليها لاحقًا، ذلك أن الذكريات ليست صورًا ثابتة، بل عمليات بناء ذاتية تجري في الزمن الحاضر فحسب. لذا كثيرًا ما يجري تعزيز الذكريات أو إضعافها، بل دمج بعضها مع بعض، لتشكل ذكريات قد تكون أحيانًا مخطئة أو على الأقل متوهمة، فغالبًا ما تؤثر شخصية الفرد بل نفسيته الداخلية المرتبطة شعوريًا بالظروف المحيطة به اجتماعيًا وثقافيًا، في طبيعة ما يتذكر عن ذاته ومحيطه الاجتماعي، وكيفيته وحجمه، وهذا ينطبق أيضًا على التمثل البعدي للجائحة وتبعاتها. وفي ختام هذه المحاولة لفهم تشكل ذاكرة إنسانية مشتركة واستشراف مآلها المستقبلي حول الحدث الكوروني من زاوية نظر ذاكرتية، يتضح أن الجائحة الكورونية، بخلاف الجوائح القبلية، ليست هي في ذاتها فريدة، بل ردات فعل الدول والمجتمعات، المتمثلة في الإجراءات الاحترازية الكبيرة وتبعاتها على الصعُد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية كافة، هي التي كانت غير مسبوقة في معظمها. لذا، فإن مظاهر هذه التبعات، هي التي تشكل حاليًا أكثر محتويات الذاكرة المعيشة التي لا تزال في طور تشكلها الجمعي، في حين أن آثار الجائحة المباشرة مثل عدد الأموات والضحايا ستشغل جزءًا من محتويات الذاكرة البعدية، التي قد يجري تخليدها، في أزمنة ما بعد الكورونا، ضمن آفاق كبيرة من التخييل في إطار ثقافات التذكر، من نصب تذكارية وأيام تذكرية وغيرها من الطقوس الذاكرية، التي تحددها، بل تمليها في نهاية المطاف سياسات التذكر المتنوعة والمختلفة من مجتمع إلى مجتمع، والمرتبطة في الأساس بمصالح ذاتية هووية وخدمتها ذاكريًا، بغض النظر عن المآل المستقبلي للجائحة وتبعاتها على أرض الواقع، والتي يبدو أنها صارت حدثًا عالميًا مفتوحًا على المجهول؛ هذا المجهول الذي طالما ذكّر الإنسان بهشاشته.

  1. سوكاح، «حقل دراسات الذاكرة في العلوم الإنسانية والاجتماعية»، ص.44

References

المراجع

العربية

بشارة، عزمي. «جبر الخواطر في زمن المخاطر: الناس والوباء». مقالات. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2020/4/20:. في https://bit.ly/2Js3ADI

جوهر، محمد عبد الحميد. قصة المرض والميكروب. القاهرة: وكالة الصحافة العربية، 2020.

الحاجي، سعيد (منسق). أي دور للمؤرخ في فهم أزمة كورونا؟. أكادير: مركز تكامل للدراسات والأبحاث،.2020

الديب، طايع. «الفناء العظيم أو الموت الأسود». مجلة الدوحة. العدد 155 (أيلول/ سبتمبر 2020). روي، أرونداتي. «وباء كورونا كبوابة عبور». قنطرة. 2020/4/17:. في /39847 node / de. qantara. ar:// https ريكور، بول. الذاكرة، التاريخ، النسيان. ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2009

سوكاح، زهير. «الأدب والذاكرة». مجلة دراجومان. مج 4، العدد 6.)2016(

________. «حقل دراسات الذاكرة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، حضور غربي وقصور عربي». أسطور. العدد 11 (شتاء.)2020

________. «مراجعة كتاب الذاكرة الجمعية لموريس هالبفاكس». تبين. العدد 33 (صيف.)2020 ________. «وسائط الذاكرة الجمعية ووظائفها». مجلة دراجومان. مج 7، العدد 8 (نيسان/ أبريل منظمة الصحة العالمية، البرنامج العالمي لمكافحة الأنفلونزا. إدارة مخاطر الأنفلونزا الجائحة /(أيار مايو.)2017

الأجنبية

Centers for Disease Control and Prevention (CDC). "1918 Pandemic (H1N1 virus)."

20/3/2019. at: https://bit.ly/3lkQUeU

Claussen, Arne. "Corona im Fokus: HHU–Expertise zur Pandemie Der Einfluss von

COVID–19 auf Emotionen und Gedächtnis." Universität Düsseldorf. 29/4/2020. at:

https://bit.ly/39DEA7k

James, William. Principles of Psychology. New York: Henry Holt, 1980 [1950].

Wien Museum. "Corona in Wien. Ein Sammlungsprojekt zur Stadtgeschichte." at:

https://bit.ly/2VoUmux