في الاتصال بين الجدل والبرهان في الخطاب الرشدي مراجعات نقدية
On the Connection Between Dialectic and Demonstraction in Ibn Rushd’s Discourse: Critical Reviews
الملخّص
تحاول هذه الدراسة أن تبرز علاقة الجدل بالبرهان في فلسفة ابن رشد؛ تلك العلاقة التي أسفرت عن قولين "أيديولوجيين" عند بعض الدارسين المعاصرين، ما يتطلب مراجعات نقدية لمفهوم الجدل ووظائفه. فالأول يظهر في دفاعه عن جدلية الخطاب الرشدي في مواجهة دعوى البرهان الفلسفي. أما الثاني فيتمثل في برهانية القول الرشدي على الضد من الجدل. هذان القولان لم يكونا على دراية بنصوص ابن رشد المتنوعة والمتضاربة من منطوق أنها نصوصٌ تدافع عن القولين معًا، أعني الجدل والبرهان في تشابكٍ وتفاعل متواصلَين. فالجدل عند ابن رشد ليس سلبيًا على وجه العموم كما يتضح في نقده للأشاعرة والمتكلمين، بل تتعدى فائدته إلى العلوم النظرية والسياسة المدنية، فضلًا عن دوره الرئيس في التشابك مع البرهان في الفلسفة الأولى.
Abstract
Absract: This paper seeks to shed light on the relationship between Dialectic and Demonstration in Ibn Rushd’s philosophy. This research examines two "ideological" statements at least by some contemporary scholars–statement which require a critical review of the concept of Dialectic and its functions. On one hand, this is manifested in his defense of discourse dialectic; on the other, in a disdain for Dialectic, because it is against the principles of Demonstration. These two theses which did not understand the texts of Ibn Rushd,who defends both Dialectic and Demonstration. For the philosopher of Cordoba, the Dialectic is not generally negative; it has many benefits in theoretical sciences, civil policy and its main role in the first philosophy.
- الجدل
- ابن رشد
- الميتافيزيقا
- البرهان
- الحدّ
- المنطق
- Dialectic
- Ibn Rushd
- Metaphysics
- Demonstration
- Definition
- Logic
التي أسفرت عن قولين "أيديولوجيين" عند بعض الدارسين المعاصرين، ما يتطلب مراجعات
نقدية لمفهوم الجدل ووظائفه. فالأول يظهر في دفاعه عن جدلية الخطاب الرشدي في
مواجهة دعوى البرهان الفلسفي. أما الثاني فيتمثل في برهانية القول الرشدي على الضد من
الجدل. هذان القولان لم يكونا على دراية بنصوص ابن رشد المتنوعة والمتضاربة من منطوق
أنها نصوصٌ تدافع عن القولين معًا، أعني الجدل والبرهان في تشابكٍ وتفاعل متواصلَين.
فالجدل عند ابن رشد ليس سلبيًا على وجه العموم كما يتضح في نقده للأشاعرة والمتكلمين،
بل تتعدى فائدته إلى العلوم النظرية والسياسة المدنية، فضلً عن دوره الرئيس في التشابك مع
البرهان في الفلسفة الأولى.
Absract: This paper seeks to shed light on the relationship between Dialectic and Demonstration in Ibn Rushd’s philosophy. This research examines two "ideological" statements at least by some contemporary scholars–statement which require a critical review of the concept of Dialectic and its functions. On one hand, this is manifested in his defense of discourse dialectic; on the other, in a disdain for Dialectic, because it is against the principles of Demonstration. These two theses which did not understand the texts of Ibn Rushd,who defends both Dialectic and Demonstration. For the philosopher of Cordoba, the Dialectic is not generally negative; it has many benefits in theoretical sciences, civil policy and its main role in the first philosophy.
محمد الخامس، الرباط – المغرب.
A researcher specialized in Arab Islamic Philosophy and issues of Arab thought, Assistant Professor in the Department of Philosophy at the University of Mohammed V, Rabat– Morocco. youssef_ben_addi@yahoo.fr
مقدمة
تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها أنّ أبا الوليد بن رشد (ت. 95/5 ه 9811 م) لم يكن يرفض الجدلَ رفضًا قاطعًا، بل كان يعتقد أنّ له وظائف واستعمالات مختلفة ومتنوعة، وفقًا للمناسبة والسياق والمطلوب. فهو يرى فيه الدور المركزي في تأسيس القول البرهاني Demonstration، لا سيما في علم ما بعد الطبيعة (الميتافيزيقا). وهذا يتطلب من دارسي الفلسفة الرشدية العودة إلى نصوصه وشروحه ومؤلفاته، في معرض الرؤية الشاملة لجميع مناحي المعرفة العربية الإسامية الكاسيكية (علوم التعاليم، المنطق، الطبيعيات، الميتافيزيقا، وغيرها)، من حيث إنّ أيّ محاولة في تقطيعها أو تخطّيها إنما تفضي إلى تلك المواقف السلبية إزاء الجدل والبرهان وغيرهما من القضايا، بل الأدهى هو تعميمها، على أساس أنها تعبّر، بالفعل، عن الفكر الرشدي. هكذا، أكاد أقطع أنّ هذه الصورة السلبية لمفهوم الجدل Dialectic ترجع، في اعتقادي، إلى كون قراءة المؤلفات الرشدية (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال؛ والكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة؛ وتهافت التهافت) لم تستطع أن تخرجَ عن كونها نصوصًا جدلية، بحيث سارع بعض الباحثين إلى تكرار ما هو مألوف، أعني أنها نصوص جدلية كما عبّر عن ذلك ابن رشد. والحال أنّ
فساد هذا التصور يظهر في استعمال آلية الفصل القسري بين هذه النصوص وشروح ابن رشد للمنطق والعلم الإلهي والنفس. وهذا معناه أنّ قراءة فصل المقال تتطلب فتحه على أفق مقالات ما بعد
(((لمزيد من التفصيل عن مشروع الجابري وطه عبد الرحمن. ينظر: يوسف بن عدي، قراءات في التجارب الفكرية العربية المعاصرة
(بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2011)؛ يوسف بن عدي، مشروع الإبداع الفلسفي العربي: قراءة أعمال د. طه عبد الرحمن (بيروت: منشورات الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.)2012 (((يعتقد دميتري غوتاس أنّ مسألة الدين ضد الفلسفة هي مسألة غربية ولا عاقة لها بالفلسفة العربية. وهذه فكرة تدفعنا إلى قراءة
فصل المقالفي ضوء تأويات جديدة. يقول غوتاس: "كما هو معلوم، إنّ ابن رشد قد كتب رسالة في معرض نقاشه لهذه المسألة
الخاصة، فصل المقال[...] وهذا بالفعل يوضح بذاته أنّ الدين مقابل الفلسفة، وهي مسألة تتعلق بالغرب بشكل كامل وليست مسألة الفلسفة العربية"، ينظر:
Dimitri Gutas, "The Study of Arabic Philosophy in the Twentieth Century: An Essay on the Historiography of Arabic Philosophy," British Journal of Middle Eastern Studies , vol. 29, no. 1 (May 2002), p. 14;
ويمكن مراجعة ماحظات تشارلز بترورت لعمل محسن مهدي وحوراني وكيفية تعاملهما مع فصل المقالوبنية أجزائه وأقسامه. وهذا
يدفع القارئ إلى التريث في اختزال كتاب الفصللابن رشد في مسألة التوفيق بين الشريعة والحكمة، ويظهر لنا هذا المعنى من قول بترورت: "يقسمها الحوراني إلى مقدمة (1§،:1 9–1) بالإضافة إلى ثاثة فصول §§(11–2،:1 0:1 6؛ §§ 37–2،:1:18–10 91 § 60–38،:18 26–19: 14)، وأما محسن المهدي فهو يعتقد أنها تتكون من مقدمة (1§،:1 9–1) وجزأين رئيسين (37–2§،:1:18–10 91 و 60–38§§،:18 26–19: 14) [...] أنه لا يتجاهل فقط معنى البرهان بل يتجاهل أيضًا طريقة ابن رشد المميزة في هذه الرسالة"، ينظر:
Charles Butterworth, "The Source that Nourishes, Averroes’s Decisive Determination," Arabic Sciences and Philosophy , vol. 5, no. 1 (March 1995), p. 93.
يتعلق الأمر كذلك بطريق فهم حوراني ومحسن مهدي الكتاب فصل المقالوبنية الفصول. يقول أيضًا: "لم يتحدث حوراني طويلً
فيما يتعلق ببنية العمل على اعتبار التركيز على الحجج وسوابقهم. بينما يروم مهدي النظر في استدلالات ابن رشد انطاقًا من الشرع الذي أتاح له السعي وفق قناعته التي أشار إليها، فالأسلوب الذي اتخذه ابن رشد في بناء القسم والفصل منعه من التركيز على البنية الصورية للرسالة"، ينظر: Ibid., p. 99؛ ومن القضايا المهمة والمفيدة أيضًا البحث في: هل الفصل هو كتاب أو رسالة أو قول؟
ويعني: "لعل الأهم، رغم كلّ شيء، أن لا أحد يسميه كتابًا Kitab) (، بل أكثر من ذلك لم يشر إليه ابن رشد بهذا النعت. الكشف
يسميه 'قول' في مقابل يدل على الكتاب؛ الكشفذاته فقط"، ينظر: Ibid., p. 96.
الطبيعة، وأيضًا لا ننخرط في عملية القراءة الفلسفية التفهمية لكتابَي الكشفوتهافت التهافتبمنأى عن مشكات نظرية الفاعل والعلل ومعقولية العالم التي تحدّث عنها علم ما بعد الطبيعة. فمسألة الفصل والوصل لا تؤثر في تلك الرؤية الشاملة والتشابكية لنصوص ابن رشد؛ إذ يتحول الجدل في علم ما بعد الطبيعة إلى أداة تعين المبرهِن على برهانه؛ ما يجعل الفلسفة والجدل متواطئَين ومتشابكَين. لكننا عندما نرصد هذا الجدل في السماع الطبيعيفإننا نلحظ عملية الفصل بينه وبين العلم، ويعني هذا أنّ ابن رشد كان هاجسه هو تخليص العلم من الأقاويل الجدلية، فضلً عن ذلك الدور البيداغوجي والتربوي لمفهوم الجدل في ميتافيزيقا ابن رشد وإلهياته. فهل، بالفعل، الجدل هو على الضد من البرهان في الخطاب الرشدي؟ وما دوره ووظائفه في المنطق والكام والميتافيزيقا؟ ألا نشعر بأنّنا أمام مفارقة بين النقد الرشدي للأشعرية والمتكلمين والقول بضرورة الجدل للبرهان؟ كيف نفهم البرهان والجدل في القول الميتافيزيقي والأنطولوجي؟ ثم، ما رهانات الجدل والبرهان في القول الرشدي اليوم؟
أولا: مفهوم الجدل في "منطق ابن رشد"
يسعى الجدل في معناه المنطقي إلى تأسيس العاقة بين السائل والمجيب، على أساس ألَّ يشاغب الأول، وألَّ يراوغ الثاني في حلّ المسألة والتفصيل فيها. ويتحصل لهما هذا بمعرفة القوانين والأمور الكلية التي منها تلتئم صناعة الجدل وبها تكون أمثل وأفضل. وهذا يعني أنّ نموذجية الجدل المطلوب، ليست هي التغليط والتشويش والتشكيك، بل هي استعمال هذه القوانين على نحو تصير بها صناعة الجدل ملَكة. ولأن السائل يثابر في إبطال الوضع الذي ينافح عنه المجيب، فإنّ أبا الوليد
(((استطاع بيتر أدمسون في دراسته "في العلم بالجزئيات" أن يضع خطة منهجية ونظرية تتيح له مراجعة بعض المغالطات التي تتعلق بعلم الله بالجزئيات عند ابن سينا، أعني قراءة هذا التصور السينوي في السياق الثيولوجي الإلهي. يقول أدمسون: "لكني أعتقد
أنّ رؤية ابن سينا تبقى في أحايين كثيرة معرّضة لسوء الفهم. فهذا الفن من الفنون التي ألّف فيها الشيخ الرئيس، بسبب السياق الذي
يقدم النقاش في معرفة الله التي تأتي من صلب القسم الإلهي والميتافيزيقي لكتابه العمدة الشفاء "، ينظر:
Peter Adamson, "On knowledge of Particulars," Proceedings of the Aristotelian Society New Series , vol. 105 (2005), p. 273;
إنّ تعليقي على هذا الأمر ليس في تفاصيل تقديم رؤية ابن سينا الإلهية ونتائج المنهجية التي اقترحها أدمسون، وإنما بأساسيات هذه
الرؤية المنهجية "التجزيئية" التي سلبها أدمسون طابع الشمولية والتفاعل بين النصوص السينوية المتنوعة والمتناقضة أحيانًا. فهذا التنوع والتناقض هما السر في تعدد تأويلها أو لنقل إساءة فهمها، بحسب عبارة أدمسون. لقد ساد الاعتقاد، وما زال إلى يومنا هذا،
أنّ المنطق أداة محايدة. لذلك نقرأ كتاب المنطق عند ابن سينا مفصولً عن الإلهيات والميتافيزيقا. (((لا بد من أن نشير إلى أنّ منزلة الجدل عند أبي الوليد بن رشد تختلف باختاف جهة النظر. فتجريد الأقاويل العلمية وحذف
الآراء الجدلية في العلم الطبيعي إنما يجعان الجدل متعلقًا بالعلم. وأما تجريد الأقاويل العلمية وحذف الآراء الجدلية في ما بعد
الطبيعة والعلم الإلهي فيجعان الجدل متعلقًا بالفلسفة، ينظر: ابن رشد، الضروري في السياسة: مختصر كتاب السياسة لأفلاطون، ترجمة أحمد شحان، سلسلة التراث الفلسفي العربي: مؤلفات ابن رشد (4)، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2011)، ص.71 (((ابن رشد، تلخيص الجدل، تحقيق وتعليق محمد سليم سالم (القاهرة: النهضة المصرية للكتاب، 9801)، ص.2 (((المرجع نفسه.
لم يكن يقبل قطّ أن تؤول الأمور الجدلية إلى إنكار المشهورات ذاتها، سواء من السائل أو من المجيب. بل فوق ذلك، لا يسمح أن تكون قوانين ومبادئ تتخبط في توظيف ما هو بالذات على مجرى ما هو بالعرَض، أو المقيد على مجرى المطلق من دون مناسبة وماءمة؛ إذ يفضي هذا إلى اضطراب في النظر والتأمل. يقول أحد الشراح لكتاب طوبيقا بأنّ الوضع السليم للسائل والمجيب أن ينطلقا معًا، وإن تنازعا، من "مقدمات هي أعرف وأشهر". ويدلّ هذا على أنّ السائل والمجيب لا ينبغي أن ينكرا المشهور well–known الذي يتنافى مع حفظ الوضع أو إبطاله؛ "وذاك أن الخطأ في أن يوضع أولً ما لا ينبغي أن يوضع، هو غير الخطأ في أن يضع واضعٌ شيئًا ما ولا يحفظه كما ينبغي"؛ ومن ثمّ تكون وظيفة الجدل هي الغلبة والنصرة، يعني "مخاطبة بين اثنين يقصد كل واحد منهما غلبة صاحبه بأي نوع اتفق من الأقاويل". فهذا النوع من الجدل إنما يرتبط في التراث العربي الكاسيكي بالجدل الديني والمِلّي، أكثر من ارتباطه بالجدل العلمي والفلسفي؛ لما فيه من الإيمان بحقيقة واحدة تمتلكها فرقة دون غيرها، بل الافت هو أن تسعى لفرضها، في بعض الأحيان، على الناس جميعًا. ثم إننا لا نشك في أن كتاب طوبيقا الأرسطي الذي ترجمه البطريرك تيموثي الأول (166 ه/ 782 م) قد كان في معرض تنظيم مجالس التناظر، فإنّ إظهار السلبيات فقط في التعاطي مع الأفكار والتصورات والخصوم من الملل الأخرى بقي الطابع الغالب على هذا الحوار والجدل. بيد أنّ هذا لم يمنع، والحالة هذه، من بيان الجوانب الإيجابية لمفهوم الجدل، على أساس ما ألمح إليه الفيلسوف الإيرلندي تيرنس إروين Terence Henry Irwin (ت. 9471) الذي يميّز بين الجدل الضعيف Weak Dialectic، والجدل القوي Strong Dialectic. ويستفاد من ذلك أنّ ابن رشد كان "مضطرًا إلى أن يعترف بجانب إيجابي للجدل؛ وذلك عندما أشار إلى أن له منفعة كبيرة للفلسفة الأولى، باعتباره رياضة تهيئ صاحبها لممارسة القول البرهاني، وبعدَه نحو فعل الفلسفة؛ لأنها تمكنه
(((ابن رشد، تلخيص الجدل (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 9861)، ص.226–225 (((المرجع نفسه، ص.231 (((أرسطو، منطق أرسطو، تحقيق وتقديم عبد الرحمن بدوي، ج 3 (الكويت: وكالة المطبوعات؛ بيروت: دار القلم، 1980)،
ص 745؛ يُقارن ب: ابن رشد، تلخيص الجدل، (9861)، ص 222؛
Enrico Berti, "Philosophie, dialectique et sophistique dans Métaphysique 2," Revue internationale de philosophie , vol. 51, no. 201 (1997), p. 388.
1(((أبو نصر الفارابي، المنطقيات للفارابي، النصوص المنطقية، تحقيق وتقديم محمد تقي وانش ثرو، مج 1، ط 2 (قم: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، 9871)، ص.380 (((1 أرسطو، ص.743 1(((ابن رشد، تلخيص الجدل 980(1)، ص 5–6؛ يقارن عاقة المتكلم بالجدل: أبو نصر الفارابي، إحصاء العلوم، تقديم
علي بو ملحم (بيروت: دار ومكتبة الهال، 9961)، ص 86؛ ينظر: الفارابي، المنطقيات، ص.369 1(((بناصر البعزاتي، حلقات الجدل الديني وعلم الكلام، ضمن الفكر العلمي والثقافة الإسلامية (الرباط: دار الأمان، 2015)، ص.46 (((1 "يتوسل تيرنس إروين بفرضية التطورية التي وفقها استبدل أرسطو الجدل الضعيف بالجدل القوي، والذي يبدو أنه يتناقض مع الكثير من المقاطع؛ إذ إنّ النوعين من الجدل يوجدان معًا:" Berti, p. 381.
من ملكة امتحان الآراء والمذاهب". فمعرفة القوانين التي بها تلتئم الأشياء، واستعمالها، هما اللذان يسهمان في توظيف الجدل في العلوم والصناعات. فالجدل هنا إعدادًا لخوض الفلسفة، هو على غرار "ركوب الخيل في الماعب المعدة نحو الحرب"؛ فيكون الجدل هو الاستعداد والإعداد لفعل الفلسفة من حيث هو فعل برهاني ينتج بعد التمييز بين الصادق والكاذب من الأقيسة. ومن ثم، يكون الرجل المبرهِن منتفعًا بالقوة الجدلية، ف "إذا كان عنده قياسان على وضع ما، أحدهما مثبت له والآخر مبطل، ف يخلو ذانك القياسان من أن يكون أحدهما صادقًا والآخر كاذبًا، أو يكونا صادقين معًا لكن
من جهتين مختلفتين". فصناعة الجدل إنما تنتج للمبرهِن أو البرهان من اختيار الأفضل من كل متقابلين؛ ليرتقي إلى رتبة الحكماء. لكن، لا بد من الحذر المنهجي هنا؛ فالجدل الذي يتحدث عنه ابن رشد ليس هو الذي يعمل على إفساد القياس وتقويض المشهورات وإنكار مبادئ القول الجدلي، وإنما الجدل الحقيقي والإيجابي هو الذي يكون قد انتفع من الوصايا التي عرضها أبو الوليد في كتاب تلخيص الجدل. وأعتقد أنّ هذه الوصايا لا تروم تحصيل ملكة الجدل كيفما اتفق، بل القصد من ذلك معرفة دقيقة لوضعَي المجادِل، سائلً مبطلً أو مجيبًا حافظًا؛ إذ إنّ هذه المعرفة بقوانين صناعة
الجدل هي التي تمهد الطريق إلى البرهان الفلسفي. قد يبدو من العجب أن يكون ابن رشد ضد ممارسة الجدل في أصول الشريعة ومبادئها، لكن هذا الأمر ما يفتأ يتبدد، حين نعلم عواقب المغامرة في ذلك، ولا سيما في فترة يهيمن فيها التقليد الفقهي والديني بصورة قوية، فضلً عن أنّ الجدل في الشرع – وهذا ما يرمي إليه ابن رشد – له انعكاسات خطرة على الاجتماع المدني؛ إذ لم يعُد الجدل، في مثل تلك الأجواء، لتحصيل منفعة مدنية (العدل، الفضيلة) في الاجتماع الإنساني، وإنما منفعة دينية تتمثل في تحصين أصول العقيدة والشرع من التأويات الفاسدة. أما دور الجدل في العلوم النظرية فيتمثل في الانطاق من
(((1 محمد المصباحي، الوحدة والوجود عند ابن رشد (الدار البيضاء: شركة النشر والتوزيع، المدارس، 2002)، ص.174 (((1 ابن رشد، تلخيص الجدل، (9801)، ص 8؛ فؤاد بن أحمد، طريقة الجدل الفلسفي عند ابن رشد: القيم والمنافع والحدود (بيروت: منشورات جامعة القديس يوسف، 2010)، ص 292، الهامش.120 1(((ابن رشد، تلخيص الجدل 986(1)، ص.243 1(((ابن رشد، فصل المقال في تقرير ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، تقديم ألبير نصري نادر، ط 2 (بيروت: دار المشرق؛ المطبعة الكاثوليكية، 9861)، ص 34؛ بن أحمد، ص 296–297. يقارن ب:
Yvan Pelletier, La dialectique Aristotélicienne: Les principes clés des topiques , 2 nd ed. (Québec: Archives nationales du Québec, 2007), p. 78.
1(((ابن رشد، تلخيص الجدل (9861)، ص.241 ((2(ينظر التفاصيل في مسألة جدلية القول الرشدي وبرهانيته، في: عبد المجيد الصغير، "مستويات الخاف ومراتب الإقناع في
ثاثية ابن رشد"، في: آليات الاستدلال في العلم، تنسيق عبد السام بن ميس، سلسلة ندوات ومحاضرات 84 (الرباط: منشورات
كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2000)، ص 8 16؛ محمد آيت حمو، استخدام ابن رشد لقياس الغائب على الشاهد والجدل رغم نقده
لهما (وجدة: مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 2013)، ص.140–139 ((2(يقول برتي: "إنّ الجدل هو القوة على الامتحان"، ينظر: Berti, pp. 379–396. (2((ابن رشد، (9801)، ص 8 تلخيص الجدل؛ يقارن ب: ابن رشد، فصل المقال، ص.45 يقول إيفان بيليتر: "إن للجدل مجاله التطبيقي في الحوار والمناقشة أيضًا أو لنقل بعبارة أخرى يمكن رد الجدل إلى وضعية حوارية"، ينظر: Pelletier, p. 126.
المشهورات، بحيث إنّ المنكر لها يدفع إلى وضع الانقاش والاحوار. يقول الشارح الأكبر في هذا المعرض: "وإذا كان ذلك كذلك، وكانت الشهادة هي السبب في وقوع التصديق في المقدمات المشهورة، فيلزم أن يكون السبب في الشك الواقع فيها إما تضاد الشهادة، وإما عدم الشهادة فيها. وإما تضاد الأقيسة وإما مضادة القياس للشهادة فيها". ومن ثمّ، يكون التمييز بين المقدمة الجدلية والمطلوب الجدلي ضرورة منهجية، حتى لا يتم تحويل المقدمة الجدلية إلى مطلوب جدلي أو تكون موضع مسألة. قد نجازف بالقول إنّ مفهوم الجدل كما ورد في صناعة المنطق لم يكن من أجل ذاته، بل هو من أجل غيره أي البرهان. بل أكثر من ذلك يمكن بيان ذلك بأنّ حتى كتاب السفسطة الذي شرحه ابن رشد لم يكن إلا لتنبيه القارئ إلى طرق التغليط والتضليل، حتى لا ينحرف عن المسلك البرهاني، والذي يعين على كشف مواضع التغليط والمغالطة هو الفحص الجدلي. يقول ابن رشد في توضيح هذه المنفعة: "ولما كان المقصود الأول لهذه الصناعة إنما هو الانتفاع بها في الفلسفة أو نفع الجمهور، وجب ألا يعرض للطلب في هذه الصناعة إلا ما كان نافعًا في إحدى ثاث: إما في الفلسفة العملية، وإما في الفلسفة النظرية، وإما في ما هو آلة لمعرفة ما في هاتين الصناعتين وهو علم المنطق". وهذا يدفعنا إلى اختبار عاقة الجدل بالنصوص الكامية والإلهية الرشدية والخلفية النظرية والمذهبية التي تحرك فيلسوف قرطبة في هذا المشغل الفلسفي.
(2((ابن رشد، تلخيص الجدل، تحقيق وتعليق محمد سليم سالم، ص 36؛ يقارن كذلك ب: ابن أحمد، ص.268–266 ((2(يقول ابن طملوس: "والفرق بينهما أن القول الجازم إذا أخذ بجزء قياس على جهة التسلم يسمى مقدمة، وإذا فحص عنه يسمى
مسألة"، ينظر: ابن طملوس، كتاب في المنطق: كتاب الأمكنة المغلطة وكتاب الجدل، تحقيق وتقديم وتعليق فؤاد بن أحمد (بيروت:
منشورات ضفاف، 2016)، ص.44 يقدم ابن رشد مثالً لتوضيح الفرق بين المقدمة والمسألة: "[...] المسألة تخالف المقدمة بالجهة. إذا قيل: أليس قولنا: حي مشاء ذو رجلين، حدًا للإنسان يكون مقدمة. وكذلك إذا قيل: أليس الحيّ جنسًا للإنسان، كان
مقدمة، فإن قيل: هل قولنا: حيٌّ مشاء ذو رجلين، حدّ للإنسان، أم لا؟ كان مسألة [...] فبالواجب صارت المسائل والمقدمات
متساوية في العدد، وواحدة بأعيانها". ابن رشد، تلخيص الجدل، (9801)، ص 16، الهامش 1؛ يقارن ب: أرسطو، ص 065؛ ينظر: تمييز أرسطو بين الدعوى الجدلية thèse والمسألة الجدلية problème، في:
Aristote, Topiques: Organon V , traduction et notes de Jules Tricot (Paris: J. Vrin, 1974), pp. 25–28.
(2((عرف كتاب السفسطة جدلً في ترتيبه المنطقي هل هو بعد البرهان أم قبل الجدل؟ فضلً عن ذلك أقسامه وفصوله عند الفارابي وابن سينا وابن رشد، فهذه القضية المثيرة كان من إحداثياتها كيفية تعامل الفاسفة المسلمين مع هذا الكتاب وممارستهم
لعمليات تأويلية لا تخلو من التقديم والتأخير والحذف، مما يؤشر على طبيعة تلقي هذا النص. لهذا سوف نخصص له قولً منفردًا
ومستقلً عن هذه الدراسة. ((2(لمزيد من الاطاع عن عاقة الطوبيقا والسفسطة، ينظر: هشام الريفي، "الخطابة عند أرسطو ضمن أهم النظريات الحجاجية
في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم" في: حمادي صمود [إشراف]، أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى
اليوم (منوبة: منشورات كلية الآداب، 9981)، ص 94؛ يقارن كذلك بتساؤلات وشكوك جاك برانشفيك، يُنظر:
Aristote, Topiques , Jacques Brunschvicg (trad.), vol. 1 (Paris: Les belles lettres, 1967), p. xix ;
لعل مشكلة تحرير كتاب الطوبيقا واقتطاع جزء منه على أساس كتاب السفسطة هو أمر قد يدخل في عملية تكوين مشروع أرسطو:
Ibid., p. xx.
(2((ابن رشد، تلخيص الجدل (9801)، ص.41–40
ثانيًا: الجدل في إلهيات ابن رشد
قد يكون من الصعب التدليل على أنّ قضايا العلوم الإلهية والميتافيزيقية والعقدية عند ابن رشد هي قضايا برهانية؛ وذلك لما فيها من وجهات نظر مختلفة ومتضاربة في قدم العالم وحدوثه وفي علم الله بالكليات لا بالجزئيات وأيضًا القول بالبعث والمعاد. لكن هذه القضايا لا تخرج عن مجال الإبستيمولوجيا ومنطق القضايا بوصفهما مرجعين نظريين وعلميين لتحويل قضايا الجدل الديني إلى قضايا تستند إلى البرهان ومبادئه. وما أريد من هذا الكام التساؤل الآتي: هل كان ابن رشد يزاول الجدل في بعض مؤلفاته كما يزاوله خصومه؟ من المفيد القول في هذا المعرض إنّ مؤلفات ابن رشد "الكامية" الفصل 74(5 ه)، والكشف (755 ه)، وتهافت التهافت (77–5765 ه) قد كتبت في مدة متقاربة؛ ما يعني أنّ أبا الوليد قد كان منخرطًا ومنشغلً بقضايا الكام والعلم الإلهي، قصد الردّ على بعض الفقهاء والأشاعرة الذين أساؤوا إلى الشرع والحكمة، وعملوا على إبطال مفعولهما في هذا الوجود. بيد أن بعض الباحثين والدارسين لهذه المؤلفات الرشدية قد استغلوا دفاع ابن رشد عن مشروعية الفلسفة في الفضاء العربي والإسامي، ودورها الريادي في تصحيح الأقاويل؛ للطعن في نظرية البرهان الرشدي، على أساس أنها خارج سرب تفكير هذا الفيلسوف وطموحه المعرفي؛ مما جعلهم يغفلون عن دور كلٍّ من كتاب الجدل المنطقي، و"مقالة الباء" من تفسير ما بعد الطبيعة في تلك النصوص الرشدية "الكامية". إن ما يلفت نظرنا عند قراءة الفصل، والكشف، والتهافت، هو حديث ابن رشد الذي لا ينقطع عن تذكيرنا بأصول البرهان ومبادئه؛ وكأنه يلمح إلى ضرورة التفكير في هذه النصوص الإلهية والكامية في أفق تلك الأصول والمبادئ. فكلّ هذه الإشارات والتلميحات بين الفينة والأخرى لا يعني التذكير بالقول الصناعي فحسب، وإنما يعني أمرًا مهمًا وهو عاقة الجدل بالبرهان ودورهما معًا في تصحيح
أدلة المبطلين وتأويات الغافلين. ومن ثمّ، فحضور مفهوم الجدل، في هذه النصوص المشار إليها، هو حضور إيجابي، بحيث يرنو إلى تمكين القول البرهاني من النظر في قول المثبتين وقول
((2(يقول دميتري غوتاس: "فالطريق التي تمت بها معالجة مسألة الدين عند بعض الفاسفة الذين ناقشوها في معرض النبوة، كان ذلك في مجالين هما: نظرية المعرفة ومنطق القضايا"، ينظر: 13. p , Dimitri؛ يقارن ب: دميتري غوتاس، "دراسة الفلسفة العربية في
القرن العشرين: محاولة في أسطغرافية الفلسفة العربية"، ترجمة يوسف مدراري، مجلة الفكر العربي المعاصر، العددان 51 9–158 (2((طريقة عرض الكشفمختلفة عن طريقة عرض تهافت التهافت، ينظر: عبد المجيد الصغير، "المنهج الرشدي وأثره في الحكم
على ابن رشد لدى مغاربة القرنين السادس والثاني عشر للهجرة"، في: عبد اللطيف الشاذلي [وآخرون]، أعمال ندوة ابن رشد
ومدرسته في الغرب الإسلامي، سلسلة ندوات ومناظرات 751، ط 2 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2013)، ص.318–317 (3((ابن رشد، تهافت التهافت، سلسلة التراث الفلسفي العربي، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008)، ص.164 (3((لمزيد من التفاصيل حول عاقة البرهان بالإضافة عند الفاربي، ينظر: الفارابي، المنطقيات، ص.381–380 ((3("من المؤكد أنّ الفلسفة عند أرسطو هي الاستعداد للمعرفة، أي كرونيستيكو بالمعنى اليوناني γνωριστικη، بينما كان معنى الجدل الذي يشار به للجدليين في كتاب بيتا وغاما هو وضعية الفحص (الامتحان)، أي بيراستيكي πειραστικη. ويعني هذا أن الجدل وحده وبذاته هو العملية الأولى للجدل"، ينظر: Enrico, p. 381.
المبطلين، حتى يتسنى الخروج بحلول معقولة وناجعة لبعض الشكوك العويصة؛ إذ من دون هذا التصور المنهجي يكون فيلسوف قرطبة، كما أوّله الكثيرون من الدارسين، مجرد متكلم يخوض في
ما خاض فيه أهل الكام بأدواتهم وأقيستهم. فإذا كان ابن رشد سيحرر الفصلوالكشفكي يرد على الفقهاء والمتكلمين وينخرط في استراتيجيتهم، ربما لم يكن داعٍ لكلّ ذلك. فالمسألة هنا – بحسب رأيي – تتطلب منّا التمييز بين استعمال علوم آلية أو صناعية وبين منطق هذه العلوم ذاتها. فهذا الفيلسوف لم ير حرجًا في الاستعانة بأدوات هؤلاء وأولئك لتحقيق الفكرة أو الغرض. وإنما الخطير أن نقول إنّ أبا الوليد قد تبنّى منطقًا فكريًا يخالف إحداثيات نسقه الفلسفي. وهكذا، فابن رشد، هو باستمرار، يشير وينبه في هذه النصوص "الكامية" و"الإلهية" إلى معارف وأوائل ومقدمات، مظانُّها في تفسير علم ما بعد الطبيعة وشروحه على كتاب النفس. ومن ثم، فعملية الفصل الجذري التي يقوم بها بعض الباحثين اليوم بين النصوص" الكامية" وشروح ابن رشد على كتب أرسطو قد لا تفيد إلا في تقويض النسق الرشدي الذي يؤمن بنظرية البرهان الفلسفي. فعلى أساس هذه الأرضية يمكننا أن نفهم نقده للجدل كما فهمه أرسطو وشرحه ابن رشد؛ فنقدهما للجدل كمضمون لا يطابق الوجود، لا يعني عدم الاستعانة به آليةً في إنتاج البرهان؛ وفي هذا يقول ابن رشد، شارحًا كام أرسطو: "من غلب عليه الجدل، كثيرًا ما يؤديه إلى اعتقاد أمور خارجة جدًا، وبعيدة عن
طبيعة الشيء، والعلة في ذلك أن طلب الإنسان الكام المقنع من غير أن يعتبر هل هو مطابق للموجود أو غير مطابق، يفضي به إلى اعتقادات كاذبة ومخترعة". فالحق هو ما هو مطابق للموجود، وهو البرهان الذي ينظر في طبيعة الأشياء ومحمولاتها الذاتية وأفعال الموجودات التي تخصه. وهذا القول لا يجاريه قول فصل المقال: "وإذا كان هذا هكذا، فقد يجب علينا أن ألفينا لمن تقدمنا من الأمم السالفة نظرًا في
الموجودات واعتبارها بحسب ما اقتضته شرائط البرهان، أن ننظر في الذي قالوه من ذلك، وما أثبتوه في كتبهم، فما كان منها موافقًا للحق قبلناه وسررنا به، وشكرناهم عليه. وما كان غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم". فالحق هو المطابق للوجود من حيث هو كذلك وهو البرهان. لكن، كيف يكون كذلك في الوقت الذي ينظر ابن رشد في الوجود الإلهي وهو من موضوعات علم الكام؟ في هذا السياق، لا بد من أن نشير إلى أنّ الكام والفلسفة يشتركان في عموم النظر مثلما هو حال الجدل مع البرهان. لكنهما يختلفان في المقدمات والأصول. فلم يكن فيلسوف قرطبة في نصوصه
(3((محمد آيت حمو، العقل الحجاجي بين الغزالي وابن رشد: دراسات ومراجعات نقدية لفلسفتي الغزالي وابن رشد (بيروت: دار جداول، 2012)، ص 16–6،.101 ((3(المرجع نفسه، ص.16 (3((طريقة عرض ابن رشد للمسائل الإلهية (وجود صانع العالم) يختلف إيقاعها التدليلي في نصوص الفصلوالكشفوالتهافت
و"مقالة الام"، ينظر: رمضان بن منصور، ملامح من إلهيات ابن رشد: بحث في طبيعة تصوّر ابن رشد لله (تونس: دار سحر للنشر،
2014)، ص 21؛ جمال الدين العلوي، "الغزالي والخطاب الفلسفي في الغرب الإسامي: الغزالي وتشكل الخطاب الفلسفي
لابن رشد"، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، العدد 8 (9861)، ص.40 (3((ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، تحقيق موريس بويج، ط 2 (بيروت: دار المشرق، 9671)، ص.1418 (3((ابن رشد، فصل المقال، ص.33
الكامية والإلهية مخالفًا هذه القاعدة الإبستيمولوجية المشار إليها آنفًا. فهو يحاول بكلّ وسائله التبليغية والتمثيلية والخطابية أن يوجه منطق المتكلم إلى الوجهة السليمة والصحيحة، أي منطق البرهان. يقول ابن رشد شارحًا كام أرسطو: "الذين يرومون إيضاح الحق وبأي نوع، ينبغي أن يعلم الحق ولكنهم
لا يقدرون على ذلك وإنما يفعلون هذا الفعل لأنهم لا يعرفون الأنالوطيقي لأنه ينبغي لمتعلم الحق أن يعرف أولً هذه الأشياء". وهذا يعني أنّ انتقاد ابن رشد المتكلمين لم يكن محصورًا في كتبه التي ألفها للرد عليهم، وإنما نقده يشملهم حتى في معرض شرحه لميتافيزيقا أرسطو. وذلك يعود إلى اقتناعه الراسخ بأنّ مبادئ البرهان واحدة لا تتغير، وهو الأمر الذي دفعه كذلك إلى الربط بين النسق الكامي الأشعري وكتاب الأنالوطيقي البرهاني. يقدم ابن رشد تعريف فعل الفلسفة في كتاب الفصلبأنه "ليس شيئًا أكثر من النظر في الموجودات، واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع، أعني من جهة ما هي مصنوعات، فإن الموجودات إنما تدلُّ على الصانع لمعرفة صنعتها"، تعريفًا بيداغوجيًا وتربويًا أكثر منه تعريفًا مؤسسًا لقول فلسفي
كما هو الحال في شروحه على الميتافيزيقا والمنطق؛ وذلك لأنّ المخاطب هنا هو الجمهور، وبهذا لا ينبغي أن نأتي بتعريف الحكمة على أساس أنها "البحث في الوجود من حيث هو موجود"، أي الأنطولوجيا. هل لأنّ المتكلم لا دراية له بمفاهيم الجوهر والذات والحمل والماهية والهيولى... إلخ، إنما يتعلق الأمر بأنّ الفصلوالكشفكتابان في الملّة، بحسب تعبير الفارابي (ت. 339 ه/ 950 م)، وليسا كتابين في الوجود. وهذا الفرق هو ما ينبهنا إليه الشارح الأكبر: "لأنهم لا يعرفون ما قيل في كتاب البرهانمن صفات المقدمات الأوائل، وجهلهم بما قيل في الفرق بين المعروف بنفسه والمعروف بغيره، ثم أخذ [أي أرسطو] يذكر الجهة التي ينبغي لمتعلم الحق أن يعرفَ من هذه الأوائل"، وأحسب من هذا القول أنّ ابن رشد لم يكن يرسم معالم نظرة البرهان الأرسطية وهو في معرض شرحه كتبه الطبيعية والميتافيزيقية والمنطقية وإنما كان دائمًا ينتهز فرصة الرد على المتكلمين ومقارنتهم بالسفسطائيين مع الاختاف الزمني بين هؤلاء وأولئك؛ إذ كان يرمي في حديثه الفلسفي عن ضرورة الرد المتكلمين من أهل ملّتنا (بحسب عبارة ابن رشد). ذلك كان مقصد التنبيه للبرهان وأوائله ومبادئه، وإن كان في كتب أرسطو يردّ على معاصرين ليس من بينهم علماء كام بطبيعة الحال. إن الرد على من يخرج عن كتاب البرهانلا يحدّه مكان أو زمان. ويُستفاد من هذا
أنّ تعريف الفلسفة في فصل المقاللم يكن من أجل ذاته، بل كان من أجل بيان التشارك بينها وبين نظر الشريعة، من حيث إنهما يتوسان بالتأويل البرهاني. يقول ابن رشد في نظر الملّة: إنه "دعا إلى اعتبار الموجودات بالعقل وتطلب معرفتها به، فذلك بيِّن في غير ما آية من كتاب الله تبارك وتعالى،
(3((ابن رشد، 341 تفسير ما بعد الطبيعة، ص؛ يقارن ب: ابن رشد، فصل المقال، ص.57 (3((ابن رشد، 27 فصل المقال، ص؛ ادعاء أن الرد على الغزالي بكتابالفصلبدلً من تهافت التهافتقول فيه نظر! ينظر: الصغير، "المنهج الرشدي"، ص 330–329. ولعل الشبل قد تسرع في إصدار بعض الأحكام ضد أبي الوليد، ينظر: ماهر بن عبد العزيز
الشبل، موقف ابن رشد من الأشاعرة (الدمّام: دار التكوين للدراسات والأبحاث، 2017)، ص 3–9214؛ يقارن ذلك ب: فتيحة فاطمي،
التأويل عند الفلاسفة المسلمين: ابن رشد نموذجًا (بيروت: جداول للنشر والتوزيع، 2011)، ص.128–69 4(((ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، ص.343–342
مثل قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أ ولِي الأَبْصَارِ﴾. وهذا نص على وجوب استعمال القياس العقلي أو
العقلي والشرعي معًا". ومن ثم، نفهم من التعريفين، تعريف فعل الفلسفة وفعل الملّة. إنهما معًا يحتاجان في فحص الموجودات والصانع إلى تعلّم "أنواع البراهين وشروطها"، أو بالأحرى معرفة "أجزاء القياس التي منها تركب المقدمات وأنواعها". ويتضح من هذا كلّه بما لا يثير الشك والريبة أنّ فصل المقاليعمل على ترسيخ مبادئ القول البرهاني. بيد أنّ التساؤل هو: كيف يجمع كتاب الفصلبين الدعوة الصريحة للبرهان والجدل الملّي الكامي؟ لقد كان ابن رشد ذا وعي عميق بأنّ المتشابه هو جزء من الإيمان، وأنه موضع تأويات متضاربة بين الفرق والمذاهب؛ فيؤدي تأويله المخطئ، ربما، إلى نقيض مقصد الشرع. يقول: "ونحن نقطع قطعًا أنّ كل ما أدى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع، أن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي. وهذه القضية لا يشك فيها مسلم، ولا يرتاب بها مؤمن"؛ وهذا ما يسميه ابن رشد "التأويات البرهانية". ومن هنا، فهذا النوع من التأويل، بحسب أبي الوليد، ينبغي أن يكون مقتصرًا على أهل
البرهان فقط، بل أكثر من ذلك؛ من سمح لنفسه بتأويل النص القرآني المتشابه للجمهور، فقد كفر؛ لأنه يساهم في إبطال الشرع والحكمة معًا. والمطلوب هو تقريب الحق إلى الجمهور عن طريق الاستعارات والتمثيات والرموز، وهي كلّها ممهدة للبرهان. يقول محمد المصباحي: "بهذا يكون جنس القول في فصل المقالجنسًا بينيًا، ينظر في تقريب الشريعة والحكمة باستعمال التأويل البرهاني
لملء الفجوة بينهما من طريق تحويل بعض التمثيات والتشبيهات والرموز في الأقوال الشرعية إلى أشياء في ذاتها وإلى معانٍ برهانية". فلمّا كان القول الخطبي يراهن على ترسيخ الصورة البرهانية بواسطة التمثيل والأمثلة، فإن القول الجدلي لم يكن ببعيد عن هذا الغرض من إنتاج القول البرهاني بعد امتحان الأقاويل المتضاربة والمتناقضة. وهذا هو مقصد الشرع، على غرار من: "قصد إلى طبيب ماهر قصد إلى حفظ صحة جميع الناس وإزالة الأمراض عنهم بأن وضع لهم أقاويل مشتركة التصديق في وجوب استعمال الأشياء التي تحفظ صحتهم وتزيل أمراضهم وتجنب أضدادها". بيد أنّ هؤلاء وأولئك قد خرجوا عن مقصد الشريعة
(((4 ابن رشد، فصل المقال، ص.28 (4((المرجع نفسه، ص.25 (4((المرجع نفسه، ص.29 (((4 العلوي، ص.45 (((4 ابن رشد، فصل المقال، ص.36 (((4 المرجع نفسه، ص.38 (4((المرجع نفسه، ص 8 4؛ ينظر: فصل" نقد ابن رشد تأويات الفاسفة والغزالي في المسائل الإلهية" في: فاطمي. 4(((محمد المصباحي، الذات في الفكر العربي الإسلامي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص.319 4(((ابن رشد، 3 فصل المقال، ص 54–5؛ ينظر: ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملّة، تقديم أحمد شمس الدين (بيروت: منشورات دار الكتب العلمية، 2002)، ص.72–71
الأولى؛ وذلك بسبب توظيف الجدل السلبي الذي يراهن على الانقسام في الاجتماع المدني والاضطراب في المعنى الأصيل والحقيقي للشريعة الأولى مما حال دون فهمهم لها فهمًا صحيحًا
وسليمًا. وأكيد أنّ من مشاهد هذا التغيير للشريعة الأولى قول ابن رشد منتقدًا أبا حامد الغزالي
.(ت 055 ه/ 1111 م) في مسألة العلم بالجزئيات: "وإلى هذا كله فقد نرى أن أبا حامد قد غلط على الحكماء المشائين في ما نسب إليهم من أنهم يقولون إنه تقدس وتعالى لا يعلم الجزئيات أصلً، بل يردف أنه تعالى يعلمها بعلم غير مجانس لعلمنا بها، وذلك أن علمنا بها معلول للمعلوم، فهو محدث بحدوثه ومتغير بتغيره. وعلم الله سبحانه بالوجود على مقابل هذا؛ فإنه علة للمعلوم الذي هو الموجود، ضمن تشبيه العلمين أحدهما بالآخر. فقد جعل ذوات المتقابات وخواصها واحدًا، وذلك غاية الجهل". فالأشاعرة لم يفهموا أنّ العلم هنا يؤخذ باشتراك في الاسم، ومن ثمَّ فالقول بأنّ الله لا يعلم الجزئيات إنما يعني أنّ الله لا يعلم الجزئيات بالعلم بالمحدث كما هو الحال في علم الإنسان "الذي من شرطه الحدوث بحدوثها؛ إذ كان علة لها لا معلولً عنها كالحال في العلم المحدث. وهذا هو غاية التنزيه الذي يجب أن يعترف به". بل ذهب الجدل في هذه المسألة إلى الحديث عن القدرة والإرادة والأثر الناجم عنهما مما يؤدي إلى نفي السببية لدى الغزالي وإثباتها مع أبي الوليد. يظهر لنا أنّ تقديم قولين متناقضين؛ القول بالعلم القديم، والقول بالعلم المُحدَث، قد أتاح لابن رشد
ممارسة الفحص الجدلي مما سيمكنه من الخروج بحل "برهاني". ولهذا يبدو أنّ العلم هنا من جهة البرهان لا يعني القديم ولا المحدث، وإنما العلم يقال باشتراكٍ في الاسم. فالخلط الدلالي والقولي لهذا المفهوم هو السبب الرئيس في قياس المتكلمين "العلم القديم على العلم المحدث. وهو قياس الغائب على الشاهد. وقد عُرِف فسادُ هذا القياس. وكما أنه لا يحدث في الفاعل تغيير عن وجود مفعوله، أعني تغيرًا لم يكن قبل ذلك؛ كذلك لا يحدث في العلم القديم سبحانه تغير عند حدوث
معلومه عنه". فهذا القياس لم يكن لأبي الوليد أن يقبله؛ لعدم استواء العالمين أو اشتراكهما في طبيعة واحدة مثلما هو الاختاف في تفسير الآية القرآنية عن تدبير العالم وعاقته بفاعلين إلهين. من هنا استعمل الغزالي مقولة "الإضافة" للدفاع عن مفهوم العلم الإلهي، وهي مقولة تتأسس على العلم والمعلوم وعاقتهما بالتغيّر في العلم. يقول ابن رشد: "يجب أن يتغير عند تغير المعلوم،
(5((يقول مقداد عرفة منسية: "يتعلق الأمر، على وجه الإجمال، بإعادة تأسيس العقائد الأولى ورفض التأويات المنحرفة التي وضعها المتكلمون والأشعرية خاصة، الذين انحرفوا عن المعنى الأول للشريعة"، ينظر:
Mokdad Arfa Mensia, "Regards d’iBn Rushd sur Al–Jawayni.Questions de Méthode," Arabic Sciences and Philosophy , vol. 22, no. 2 (August 2012), p. 202.
(((5 ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة، ص.25 5(((ابن رشد، فصل المقال، ص.39 (5((المرجع نفسه، ص 2 6؛ يقارن ذلك ب: ابن رشد، تهافت التهافت، ص 7–556 55؛ ينظر: "الضميمة" في: ابن رشد، فصل
المقال، ص.131 (((5 ابن رشد، فصل المقال، ص 61؛ يقارن بالقول بأنّ المماثلة هي نقطة ضعف الخطاب الأشعري: Mensia, p. 207.
(55) Mensia.
(((5 ابن رشد، فصل المقال، ص.61
كما تتغير إضافة الأسطوانة إلى زيد عند تغيرها، وذلك إذا عادت يسرة بعد أن كانت يمنة"، وهذا يؤدي إلى تغير في الذات الإلهية مما يجافي الشرع ويناقض البرهان والعقل. ثمة مسألة لا تخرج عن مدار الجدل والبرهان وهي مسألة قدم العالم التي تضع مفهوم الجدل آلية منتجة للقول البرهاني، وليس إعادة إنتاج الجدل الكامي كما هو مألوف. وهذا ما يظهر لنا في القول بالقدم والذي يسوق من خاله قولين متناقضين ومتضاربين؛ أحدهما يرنو إلى الإبطال والطرف الآخر يرنو إلى الإثبات. فالقديم بحسب الطرف الأولِ يكون متعلقًا بالزمان والفاعل. وبحسب الطرف الثاني يكون بمنأى عن تلك الزمنية والفاعلية. يقول ابن رشد: "موجودٌ وجد من شيء، أعني عن سبب فاعل ومن مادة، والزمان متقدم عليه، أعني على وجوده [...] وأما الطرف المقابل لهذا فهو موجود لم يكن من شيء ولا شيء ولا تقدمه زمان، وهذا أيضًا اتفق الجميع من الفريقين على تسميته قديمًا،
وهذا الموجود مدرك بالبرهان وهو الله تبارك وتعالى"، لكنها طريقة "غير برهانية ولا مفضية بيقين إلى وجود البارئ سبحانه"، فالعالم والزمان قد كانا معًا، والله له أولوية أنطولوجية ومنطقية صارمة كما يقول الغزالي مما زاد من صعوبة المسألة. بناء عليه، لم يكن هناك مسلك لرفع هذه الشكوك في قدم العالم وحدوثه إلا تحديد مفهوم الفاعل: طبيعته ووظيفته الوجودية والمنطقية، حتى يتمكن الشارح الأكبر من الخروج بحلّ برهاني لهذه المسألة. فالقول بأنّ العالم محدَث يفضي بالتبعية إلى القول بوجود فاعل تجري عليه شروط الحدوث ومقتضياته؛
وعندما نقول: إنه محدَث، فهذا معناه أن المحدَث يفتقر إلى "محدِث، وذلك المحدث إلى محدث، ويمر الأمر إلى غير نهاية وذلك مستحيل". ولتوصيف مغالطة الغزالي، عمل ابن رشد الحفيد على تقويم المثال الذي كان توطئة لتمريره تلك المغالطة. يقول أبو حامد: "ومثلوا لذلك برجل قال لرجل: لا أعطيك
(5((المرجع نفسه. (5((المرجع نفسه. (5((إذا كان أبو الوليد يعتبر أن المنطق آلة لتحصيل العلوم فكيف نفسر أنّ الجدل منتج للبرهان؟ ينظر:
Abdelali Elamrani–Jamal, "Ibn Rushd et les premiers analytiques D’Aristote: Aperçu sur un problème de syllogistique Monde," Arabic sciences and Philosophy , vol. 5, no. 1 (1995), p. 52.
(6(("هناك اختافات كثيرة بين الخطابة والجدل، وإن كان كاهما يروم الإقناع. لكن الجدل يؤدي بعض الوظائف الفلسفية المهمة التي تعجز عنها الخطابة، مثل وظيفة التشكيك الجدلي التي يستطاع بها تمييز موضوعات العلم المدني التي يختلط فيها ما بالذات
مع ما كان بالعرض قبل الفحص البرهاني عنها". ينظر: إبراهيم بورشاشن، الفقه والفلسفة عند ابن رشد (بيروت: دار المدار الإسامي، 2010)، ص 354؛ ينظر كذلك على سبيل المثال عاقة الجدل بالخطابة: Pelletier, p. 79. (((6 ابن رشد، فصل المقال، ص.41–40 6(((ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة، ص. 29 (6(("يجادل الغزالي في كتاب تهافت الفاسفة أن العالم والزمان مخلوقان معًا والله سابق على خلق العالم من حيث لا معنى
للزمان القبلي"، ينظر:
Michael E. Marmura, "Ghazali’s Chapter on Divine Power in the IQTiSAD," Arabic Sciences and Philosophy , vol. 4, no. 2 (1994), p. 293.
(((6 ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة، ص 30؛ يقارن كذلك، بمقالة "الألف الصغرى"، في: ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، ص.35
هذا الدينار حتى أعطيك قبله دنانير لا نهاية لها"، فهذا التمثيل أثار مشكل الانهائي والنهائي في نظرية الفاعل. يقول فيلسوف قرطبة: "وهذا التمثيل ليس بصحيح؛ لأنّ في هذا التمثيل: وُضعَ مبدأ ونهاية. ووضع ما بينهما غير متناه، لأنّ قوله: 'وضع' في زمان محدود، وإعطاؤه الدينار يقع في زمان محدود، فاشترط هو أن يعطيه الدينار في زمان يكون بينه وبين الزمان الذي تكلم فيه، أزمنة لا نهاية لها، وهي التي تعطيه فيها دنانير لا نهاية لها، وذلك مستحيل. فهذا التمثيل بيّن من أمره أنه لا يشبه المسألة المتمثّل
بها". لا بد من التنبيه في هذا المعرض إلى أنّ أبا الوليد لم يكن يرفض استعمال المثال في بناء القول البرهاني بقدر ما كان يروم نقد مضامين المثال المعرفية والدينية. لذلك السبب كان محتوى المثال مبطلً للحكمة، أي معرفة أسباب الشيء التي يدل غيابها في العلوم والصنائع على تغييب لمبادئ الذاتية والكلية والضرورة التي لم يكن الغزالي من دعاتها. وأما القول بأن الفاعل أزلي، فهذا ينتج منه تعدد مفعولات أزلية، مما جعل مقدمات الأشعرية وأصولها "خطابية في الأكثر"؛ إذ "تؤول أدلتهم على حدوث الأعراض، إلى قياس الشاهد على الغائب، وهو دليل خطابي، إلا حيث النقلة معقولة بنفسها، وذلك عند التيقن باستواء الشاهد والغائب". ومن ثمّ، يكون منهج الأشعرية في هذا الاستدلال يقوم على إمكان العالم. ذلك ما دافع عنه أبو حامد الغزالي في تهافت الفلاسفة، واضطرَّ معه ابن رشد إلى أن يتصدى لمغالطاته وتشغيباته. فعندما نتصفح
بنية تهافت التهافتلأبي الوليد، نجده يحافظ على ترتيب المبحثين؛ الطبيعيات والإلهيات، كما ترد في تهافت الفلاسفة للغزالي، وقد كان في إمكان فيلسوف قرطبة ألّ يقبل هذا المقدمات الإبستيمولوجية التي استهل بها حجة الإسام كتابه ويجاريه على مستوى بنية الكتاب.
(((6 ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة، ص.35 (((6 المرجع نفسه. 6(((سنخصص قولً منفردًا في طرق توظيف ابن رشد الأمثلة والتمثيل في القول الميتافيزيقي. 6(((المصباحي، الوحدة والوجود، ص.37 6(((مفهوم البرهان عند ابن رشد يثير تساؤلات هل هو برهان علمي أم برهان فلسفي؟ ينظر: طه عبد الرحمن، تجديد المنهج في
تقويم التراث (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 9941)، ص 7؛ يقارن أيضًا ب: طه عبد الرحمن، حوارات من أجل المستقبل (بيروت: دار الهادي، 2003)، ص.201
(70) Marmura, p. 293.
(7((ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة، ص.30–29 ((7(المرجع نفسه، ص 34؛ يقارن أيضًا بقول ابن رشد: "والمقدمات المستعملة في هذا الفصل مشهورة جدلية لأنها كلها من باب
قياس الشاهد على الغائب اللذين لا يجمعهما جنس ولا بينهما مشاركة". ابن رشد، تهافت التهافت، ص.442
(73) Mensia, p. 203.
(7((قراءة منسية لنصوص الجويني فتحت آفاقًا جديدة من التأويل لكتابي الإرشاد والعقيدة النظامية؛ فإمام الحرمين لا يتردد في إحداث القطيعة مع منهج الأشاعرة الكاسيكي، ينظر: Mensia, p. 212. (7((ينظر: مقدمة الجابري، في: ابن رشد، تهافت التهافت، ص 5.8 ((7(لقد كان ابن رشد واعيًا بخطورة عمل الغزالي حينما أقدم على قلب الترتيب الأرسطي للعلوم الطبيعية والميتافيزيقية؛ إذ
استشعر كما يقول الجابري، أنه يقوم عنوة بفصل المقدمات عن النتائج، يعني هذا فصل أوائل العلم الإلهي ودوره في تأسيس أصول السماع الطبيعي.
أعتقد أنّ اقتناع الغزالي بأنّ مقولة "الجواز" (الإمكان) هي التي كانت وراء تأخير النظر في السماع الطبيعي؛ ذلك أنّ القول بالسببية الأنطولوجية والمنطقية، هو قول ينفي قدرات الفاعل الأول الامتناهية، بل قد يُدخل إرادته في العجز والتراخي. يقول الجابري في هذا المعرض: "النقاش في مبدأ السببية ذاته، في قسم الطبيعيات كما فعل الغزالي غير مبرر تمامًا، لأن الأمر يتعلق هنا بواحد من مبادئ العقل، المبادئ المؤسسة للعلم الطبيعي ولغيره من العلوم، والبحث فيه مجاله علم المنطق وعلم 'ما بعد الطبيعة"'. ونفهم من هذا أنّ الغزالي لم يعط أهمية لاعتبارات المنطقية والأنطولوجية لمبدأ السببية ودورها في تأسيس المحمولات الذاتية للوجود الطبيعي والبشري، بل أصر أيّما إصرار على فتح الوجود على الإمكان والجواز. والحال أنّ "مقالة الام"، وهي من أهم المقالات في إلهيات ابن رشد، إنما تعتبر الحاضنة الرئيسة لمبادئ القول البرهاني. من هنا كان غرض ابن رشد في تهافت التهافتيتخطى كونه كتابًا في الجدل الكامي إلى كتاب يؤسس التصديق البرهاني، وإلا فما الداعي إلى قوله بصريح العبارة: "فإن الغرض في هذا القول أن نبيّن مراتب الأقاويل المثبتة في كتاب التهافت لأبي حامد في التصديق والإقناع، وقصور أكثرها عن مرتبة اليقين والبرهان"، ويردف: "هذا القول [قول الفاسفة، ابن سينا] هو قول في أعلى مراتب الجدل، وليس هو واصلً موصل البراهين، لأن مقدماته هي عامة أي ليست محمولاتها صفات ذاتية لموضوعاتها والمقدمات العامة قريبة من المشتركة. ومقدمات البراهين هي من الأمور الجوهرية الذاتية المناسبة". وهكذا، فنقد أبي الوليد للغزالي يمرّ بمسلكين من مسالك الجدل هما: عرض دعوى الغزالي افتتاحية القول؛ إذ بذلك تتحقق منفعة الجدل، كما رأينا آنفًا، في العلوم النظرية، وأما المسلك الثاني فيظهر في إثبات المعاني البرهانية بعد تصحيحها وتقويمها وإخراجها إخراجا علميًا. ومن الأمثلة على ذلك نقد فيلسوف قرطبة تصورين متناقضين عن الإرادة الإلهية بين الأزلية والمحدثة فهما معًا يمثان طرفين؛ أحدهما يريد حفظ الوضع وإثباته، والطرف الثاني يسعى لإبطاله. من ثمّ، يكون الحل البرهاني هو البحث عن اسم الإرادة والمقول بالاشتراك في الاسم حتى نرفع التغليط والخلط بين مستويين مختلفين. يقول ابن رشد: وينتج مما سبق أنّ الجدل لم يكن سوى وسيلة لإنتاج المعاني البرهانية، وإن كنّا لا نختلف مع محمد عابد الجابري في أنّ الطريقة البرهانية لم تكن دفعة واحدة؛ إذ كثيرًا ما يعرضها ابن رشد بصور مختلفة تارة على أساس التذكير بالأصول والمقدمات وتارة بالإحالة إلى كتب أرسطو وتارة أخرى بالتمثيل بالعلوم. بل أكثر من ذلك يمكننا القول إنّ تصريح ابن رشد الحفيد بأنّ من يريد أن ينظر في البرهان
(77) Marmura, p. 292.
(7((مقدمة الجابري، في: ابن رشد، تهافت التهافت، ص.59 ((7(بن منصور، ص.57 (8((ابن رشد، تهافت التهافت، ص.105 ((8(المرجع نفسه، ص 0 11؛ محمد المصباحي، الوجه الآخر لحداثة ابن رشد (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1998)، ص.124–123 (8((مقدمة الجابري، في: ابن رشد، تهافت التهافت، ص.71
فعليه أن يلتمسه في موضعه، لا يعني، في رأيي، أن ما يتحدث عنه في تهافت التهافتهو كام غير برهاني، بل بالعكس، يريد أن ينبهنا الشارح إلى أن تهافت التهافتهو أشبه بمختصر لتفاصيل نظرية البرهان التي توجد في علمَي المنطق وما بعد الطبيعة. فلمّا كان الجدل في تهافت التهافتهو وسيلة للمعاني البرهانية، فإن تحصيلها يكون عن طريق النظر
في القول من جهة كذبه وصدقه. ومن الأمثلة على ذلك نقد ابن رشد تصوّر القائلين بالإرادة الأزلية
والمدافعين عن الإرادة المحدثة أو الحادثة، ذلك النقد الذي يفسح لأبي الوليد فرصة الخروج بحلّ برهاني مناسب. يقول: "الإرادة التي في الشاهد هي قوة فيها إمكان فعل أحد المتقابلين على السواء [...] فإذا قيل هنا: مراد أحد المتقابلين فيه أزلي، ارتفع حد الإرادة بنقل طبيعتها من الإمكان إلى الوجوب". كما أنّ الإرادة التي يوصف بها الله والإنسان لا تكون إلا باشتراك في الاسم مثلما هو الحال في العلم الذي ينسب إلى الله (العلم الإلهي) تارة ويُنسب إلى الإنسان (العلم الإنساني) تارة
أخرى. يقول ابن رشد: "أما مساق القول الذي حكاه عنهم فليس ببرهان. وذلك أن حاصله هو أن الباري سبحانه إن كان متقدمًا على العالم، فإما أن يكون متقدمًا بالسببية لا بالزمان مثل ما تقدم الشخص ظله،
وإما أن يكون متقدمًا بالزمان مثل البنَّاء على الحائط". من هنا نتساءل: ما الداعي إلى كام أبي الوليد
عن قولين متضاربين إذا لم يكن الغرض هو إخراج هذه الأقوال إخراجًا علميًا وبرهانيًا؟ أكيد أنّ الهم الرشدي من كلّ ذلك تخليص الأقاويل العلمية من الأقاويل الجدلية "السلبية" التي ترسخ المغالطات عند القارئ. وهذا ما يقرره ابن رشد: "فقد تبين لك أنه ليس في الأدلة التي حكاها [الغزالي] عن المتكلمين في حدود العالم كفاية في أن تبلغ مرتبة اليقين، وأنها ليست تلحق بمراتب البرهان، ولا الأدلة التي أدخلها وحكاها عن الفاسفة [ابن سينا] في هذا الكتاب لاحقة بمراتب البرهان، وهو الذي قصدنا بيانه في هذا الكتاب". ومن الأدلة على أنّ تهافت التهافتلابن رشد هو كتاب في البرهان، قدرته الهائلة على نقده للأشعرية في دليل الحركة، الذي وإن كان عند أرسطو في سياق طبيعي ميتافيزيقي (المقالة السابعة والثامنة من السماع الطبيعي)، فإن ابن رشد استعمله لبيان تهافت النسق الكامي. فلمّا كان الوجود على صنفين؛ الوجود الحسي والوجود العقلي، وأنهما لا يخرجان عن عملية الحركة
والتغير، لكن هذه الحركة ينبغي أن تنتهي عند محرك أول لا يتحرك، وذلك حفاظًا على مبدأ العقل
(8((ابن رشد، تهافت التهافت، ص.148 ((8(المرجع نفسه، ص.146 ((8(المرجع نفسه، ص.115 ((8(المرجع نفسه، ص.140 ((8(المرجع نفسه، ص.159 ((8(المرجع نفسه، ص.116 ((8(المرجع نفسه، ص.128 (9((لمزيد من التفصيل: المصباحي، الوحدة والوجود، ص.287
والبرهان؛ إذ لو كانت الحركة إلى ما لا نهاية، صار العقل غير مدرك للموجودات! يقول ابن رشد: "أما الذي ليس من طبيعته الحركة ولا التغيير، فقد قام البرهان على وجوده عند كل من يعترف بأن كل متحرك له محرك، وكل مفعول له فاعل. وأن الأسباب المحركة بعضها بعضًا لا تمر إلى غير نهاية، بل ينتهي إلى سبب أول غير متحرك أصلً [...] وقام البرهان أيضًا على أن الموجود الذي في طبيعته الحركة ليس ينفك من الزمان، وأن الموجود الذي ليس في طبيعته الحركة ليس يلحقه الزمان أصلً". وفوق ذلك، فإن ابن رشد نقد تصور الأشعرية لمفهوم الأعراض التي لا تبقى زمانين، بأن ادعاء أن وجودها شرطُ بقائها في الجواهر، إنما يؤدي إلى تناقض واضح يقول عنه ابن رشد: "وبالجملة، أن يُجعل ما لا يبقى زمانين (الأعراض) شرطًا لبقاء وجود ما يبقى زمانين (الجوهر) بعيد [...] هذا كله
هذيان". إذًا، لم يكن من وراء ردود ابن رشد على مذهب الأشعرية الجدل من أجل الجدل بل كان
الغرض الأقصى هو إنتاج معانٍ برهانية. بالرغم من أنّ أبا الوليد قد عبّر عن مقصوده من تحرير هذا
الكتاب بالقول: "ولذلك كل ما وضعنا في هذا الكتاب فليس هو قولً صناعيًا برهانيًا، وإنما هي أقوال
غير صناعية، بعضها أشد إقناعًا من بعض"؛ لكننا نعتقد أنّ هذا مؤشر آخر على تشابك الجدل مع البرهان. وبهذا الاعتبار يمكن قراءة كتاب تهافت التهافتفي ضوء كتاب تلخيص الجدلدونما حرج نظري أو منهجي. فالغرض هو تمكين القول البرهاني من ممارسة وظيفته التي تخوله بها الفلسفة، وهي الدفاع عن مبادئ التعقل.
ثالثًا: مصير الجدل في علم ما بعد الطبيعة
يظهر لنا أنّ مفهوم الجدل في نصوص ابن رشد الإلهية (الفصل، والكشف، وتهافت التهافت)، والذي جاء في سياق نقد مذهب الأشعرية قد لا يختلف، كما سنفحص ذلك، عن الجدل ودلالاته في ميتافيزيقا ابن رشد، إذا علمنا أنّ المراد منهما هو المعاني البرهانية. قد يوحي تصنيف أبي الوليد فئات الناس وطبيعة أقوالهم التصديقية (الخطابيون والجدليون والبرهانيون) في كتاب الفصلبأن بين الجدل والبرهان قطيعة منطقية. هذا صحيح إذا كنّا نفكر في بنية الكتاب ذاته مجردةً من النصوص الرشدية الأخرى، وهي القضية التي ألمحنا إليها آنفًا بأنّ الرؤية التجزيئية لفلسفة ابن رشد تحجب عنّا الأهداف الأصيلة من وراء توظيف الجدل ومراتبه ومجالاته.
(9((ابن رشد، تهافت التهافت، ص 164، يقول ابن رشد في موضع آخر: "وإذا كان الخالق يتنزه عن الحركة، فهو يتنزه عن مبدأ الحركة على الجهة التي بها يكون المريد في الشاهد، فهو صادر عنه بجهة أشرف من الإرادة"، ينظر: المرجع نفسه، ص.448 ((9(المرجع نفسه، ص.216–215 ((9(التمييز بين البرهان العقلي والبرهان الأرسطي فيه بعض التشويش والتغليط، ينظر: الصغير، "المنهج الرشدي"، ص.317 (9((ابن رشد، تهافت التهافت، ص.432 ((9(المرجع نفسه، ص.507 ((9(يقول هلبر يهودا: "من البين أن المشهور عند ابن رشد هو الاعتقادات التي يتم تقسيمها على الإنسانية إلى ثاثة أصناف على أساس الطرق التصديقية: صنف الخطابة، وصنف الجدل، وصنف البرهان"، ينظر:
Yehuda Halper, "Dialecticians and Dialectics in Averroes’ Long Commentary on Gamma 2 of Aristotle’s Metaphysics," Arabic Sciences and Philosophy , vol. 26, no. 1 (2016), p. 2.
أما إذا كنّا نقرأ الفصلفي ضوء كتاب تلخيص الجدلوكتاب البرهان؛ فإننا سوف نخلص إلى أنّ مفهوم الجدل الإيجابي هو الأداة المعينة على الفحص البرهاني. وهكذا، ما انتقده ابن رشد من معاني الجدل في النصوص الإلهية، هو تلك المعاني السلبية والمغلوطة، وليس نقد منافع الجدل ودوره في العلوم والاجتماع الإنساني المدني. لعل اللقاء الناجح بين الجدل والبرهان قد تُوِّج في الميتافيزيقا الرشدية، وهنا لا بد من فهم أنّ الميتافيزيقا
تستلزم مقدمات في المنطق والعلم الطبيعي والتعاليم؛ إذ إنها شروط ضرورية لفهم أصول البنية الميتافزيقية للقول الرشدي. يقول فيلسوف قرطبة: "قصده [أي أرسطو] في هذه المقالة أن يتقدم فيأتي بالأقاويل الجدلية التي تثبت الشيء الواحد بعينه وتبطله في جميع المطالب العويصة في هذا العلم. إذ كان من تمام حصول العلم بالشيء، أعني العلم البرهاني، أن يتقدم الإنسان فيعرف الأقاويل المتناقضة ثم يعرف حلّها من قِبَل البرهان"، فعاقة الجدل بالعلم والفلسفة هي عاقة الإعداد للبرهان.
يقول ابن رشد: "لكنه في العلم الطبيعي رأى أن الأفضل في التعليم أن يقدم الفحص الجدلي في مطلوبٍ مطلوبٍ عندما يروم إقامة البرهان على ذلك المطلوب الواحد. وأما في هذا الكتاب [ما بعد الطبيعة] فرأى أن يقدم الأقاويل الجدلية في جميع المطالب العويصة التي هي هذه الصناعة، ويفرد القول فيها على حدة، ثم يأتي بالبراهين التي تخص مطلوبًا مطلوبًا في الموضع الائق به من مقالات هذا العلم". ويستفاد من هذا النص أنّ تقديم القول الجدلي هو تقديم بيداغوجي ومنهجي حتى يتسنى تحصيل مبادئ القول البرهاني، وكأنّ النظر في الأقوال المتضاربة والمتناقضة من تاريخ الفلسفة هو شرط من شروط البرهان. ومن ثم، تكون منفعة الجدل في فلسفة ابن رشد الميتافيزيقية رهينةً بإنتاج القول البرهاني أو بلغة كتاب تلخيص الجدل"معد نحو الفلسفة". وهنا، لا بد من تأكيد أنّ عاقة الجدل بالبرهان هي عاقة التباس وتشابك من حيث إنّ هذه المقالة لا تعمل إلّ في حدود إثارة المشكات العويصة، وصياغة الشكوك، فضلً عن بيان أنّ الجدل شرط قبلي لنظرية البرهان. أما "مقالة الجيم" فهي تروم تأسيس الأنطولوجيا، أعني البحث في الموجود بما هو موجود؛ فهذه الأنطولوجيا لا يمكن أن تكون ذات مضامين حملية إلا إذا
((9(محمد أباع، "الانتقال من البرهان إلى الجدل في مغرب القرنين 3 1 و 14 م"، في: محمد أباع [وآخرون]، التحاجج: طبيعته
ومجالاته ووظائفه، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 34 الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط 1 (، 2006)، ص.151 (9((ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، ص 7–16616؛ ينظر أيضًا: الفروقات بين المجادل والمبرهن، هذا الأخير الذي يسعى دائمًا
لقول الحقيقة من حيث هي تعبير عن الصرامة والضرورة واللتين يفتقدهما المجادل. ينظر: Pelletier, p. 91. يقارن ب: عبد الجبار أبو بكر، "الازدواجية الآلية ودلالتها في الثاثية الرشدية. مقاربة منطقية"، في: عبد الجبار أبو بكر [وآخرون]،
آليات الاستدلال في الفكر الإسلامي الوسيط (وجدة: مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 2013)، ص.505 ((9(يقول يهودا Yehuda: "وعلى هذا، يختلف صنف البرهانيين عن صنف الجدليين، وقد كانت الميتافيزيقا تراهن على أن تكون غير جدلية، بمعنى آخر تريد أن تكون غير مشاركة للجدل في الفلسفة والميتافيزيقا على وجه الخصوص". ينظر: 5. p , Yehuda. 10(((ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، ص 7 16، ينظر: محمد المصباحي، دلالات وإشكالات: دراسات في الفلسفة العربية
الإسلامية (الرباط: منشورات عكاظ، 9881)، ص 56؛ ولمزيد من الاطاع، ينظر: جمال الدين العلوي، "ماحظات حول تطور نظرية
البرهان عند ابن رشد"، مجلة الصورة: مجلة النقد الأدبي والبحث الفلسفي، العدد 1 (خريف 9981)، ص.49–45 10(((ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، ص 298؛ Yehuda, p. 8.
التزمت بمبدأ عدم التناقض على غرار مبدأ السببية المشار إليه آنفًا. لذلك كان هذا العلم أو الصناعة العامة هي التي تنظر في المتفق والمختلف والشبيه وال "هو هو"، والمساوي، وغير المساوي، "وبالجملة، فهو ينظر في جميع الأضداد ويرقيها إلى الأضداد الأُوَل"، وهو الأمر الذي لم يكن في إمكان الجدل أن يقوم به. ويظهر من ذلك كلّه أنّ رهان مقالة الجيم هو تمييز الفلسفة الحقيقية من باقي أشكال التفلسف من الجدليين والسفسطائيين، من دون إنكار دور الأقوال الجدلية في توطيد الطريق نحو الفلسفة أو البرهان. يقول الشارح الأكبر: "وهذه الأعراض التي للموجود بما هو موجود، هي التي ينبغي للفيلسوف أن يفحص عنها [...] وأما الجدليون فإنهم يتكلمون أيضًا في جميع الأشياء التي يتكلم فيها الفيلسوف والسفسطائي، والتكلم في الهوية والموجود هو العلم المشترك لهم". لقد أضحى هذا الجدل لا يشارك البرهان في عموم النظر، وإنما يتعدى ذلك إلى معرفة أدلة المدعي والمنكر على حد سواء؛ وذلك ليسهل معرفة طريق الحل الذي هو مختلف عن الطريق الذي منه تقع الشكوك. من ثمّ، كان على المبرهن أو الفيلسوف أن يشتغل بعمق على أقوال المنكر وأقوال المدعي كي يتبيّن له في نهاية المطاف نقاط القوة والضعف في ك القياسين أو
الدعويين. إذ بتلك المهمة يمكن أن يميز المبرهن الصادق من الكاذب. وهكذا، فمن "الأفضل للذي يريد أن يحكم بين المختلفين في شيء ما أن يكون عارفًا بالقضايا التي يستعملها المدعي والمنكر. وهذا أيضًا أحد ما يضطر إليه من أراد أن يكون حكمًا فاصلً بين المختلفين. يريد [أي أرسطو] أنه لذلك وجب هاهنا أن تقدم الأقاويل المتضادة في الأشياء الغامضة". وبهذا كانت مقالة الجيم من تفسير ما بعد الطبيعة تؤسس لعاقة الجدل بالبرهان من جهة نظر أنطولوجية، فإنّ مقالة الباء لم تكن بمنأى عن هذه العاقة؛ إذ كانت المقالة المؤسسة للدور البيداغوجي لمفهوم الجدل في القول الميتافزيقي، بحيث إنّ ما سيأتي من مقالات ما بعد الطبيعة، مهما اختلفت موضوعاتها وأغراضها، فإنها جميعها تلتزم بأنّ الفحص الجدلي ليس عائقًا معرفيًا، بل هو شرط من
شروط نظرية البرهان الفلسفي.
10(((ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، ص 316. يقول المصباحي: "إنّ المتتبع لتعاريج النظر الفلسفي ستصيبه خيبة أمل لا محالة إن هو قصد العثور على يقين تام، بل سيجد قضايا هذا العلم، أكثر تعرضًا للجدل، ومن بينها أشرف موضوعاته"، ينظر: المصباحي،
الوحدة والوجود، ص 0.16 قد يكون العلم الناظر في الوجود من حيث هو موجود باختاف أنواعه وأجناسه. فقد تعثر أيضًا كما يقر المصباحي: "في شروحات ابن رشد على دلائل مضادة لبرهانية علم ما بعد الطبيعة، فإنه بوسعنا أن نستعمل نفس الحجج التي سبق أن عرضناها على برهانية الفلسفة، للتدليل على أنها غير قابلة للبرهان"، ينظر: المرجع نفسه، ص.166 10(((ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، ص 329؛ 7. p , Yehuda. (10(("لا يبحث الجدلي عن مبادئه في الطبيعة الخاصة للأشياء، لكنه يبحث عنها في الخصائص المشتركة لتمثاتنا الأكثر تلقائية، ليس على غرار العالم الذي يقتصر كامه فقط على جنس محدد للأشياء". ينظر: 59. p , Pelletier؛ 38. p , Berti. 10(((ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، ص 1.70 (10((المرجع نفسه، ص.171
(107) Berti, p. 381.
خاتمة
إجمالً، نقول إننا كي نستطيع أن نقوم بمراجعات نقدية في مسألة الجدل وعاقته بالبرهان عند أبي الوليد بن رشد؛ لا بد من أن نقتنع بأمور منهجية ونظرية من قبيل أنّ كتب إلهيات ابن رشد لا ينبغي أن نفصلها عن بقية شروح ابن رشد على كتب أرسطو. وهذا يعني أنّ القراءة التجزيئية للنصوص الرشدية لا ينتج منها إلّ نشر دعوى من قبيل برهانية القول الرشدي أو جدليته، من دون شرط سياقي أو فلسفي. لقد حظي الجدل بوظائف رفيعة وهائلة في فلسفة ابن رشد؛ إذ لم يكن الجدل سلبيًا على وجه الإطاق
كما نفهم من نقده للأشاعرة والمتكلمين، بل إنه جدل إيجابي يتجلى في دوره الرئيس في العلوم النظرية والعملية. إنّ وظائف الجدل عند ابن رشد قد لا تقف عند هذه الحدود الإشكالية والنظرية المشار إليها بقدر ما يبقى التفكير في هذه الوظائف رهينًا بمدى إسهام تمثات فيلسوف قرطبة للأشاعرة والغزالي في بلورة خلفية قبلية ومسبقة ضدهم؛ فصورة الغزالي في مخيال ابن رشد، ربما، كانت محاطة بنواة مركزية تعمل على مواجهة كلّ نسق لم يلتزم بقواعد التعقل والعقل والمعقولية. كما أن هذا التمثل ودوره في بناء دلالة معينة ضد الخصم لم يكن مقصورًا على أبي الوليد بل سارع خصومه من الفقهاء والمتكلمين
والمتصوفة إلى تشكيل صورة مسبقة عنه، من دون أن تكون مباشِرةً لنصوصه، وحتى لو كانت مباشِرة، ففيها كثير من الحذف والانتقاء. وهي آليات يكشف تحليلها النقدي أنها مبررات تخدم التمثات عن ابن رشد وليست، في واقع الأمر، مباشرة موضوعية لنصوصه وشروحه على كتب أرسطو.
References
المراجع
العربية
أباع، محمد [وآخرون]. التحاجج: طبيعته ومجالاته ووظائفه. سلسلة ندوات ومناظرات رقم 34 1. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية،.2006 ابن رشد. تفسير ما بعد الطبيعة. تحقيق موريس بويج. ط 2. بيروت: دار المشرق،.1967 ________. تلخيص الجدل. تحقيق وتعليق محمد سليم سالم. القاهرة: النهضة المصرية للكتاب،
________. تلخيص الجدل. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.1986 ________. فصل المقال في تقرير ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال. تقديم ألبير نصري نادر. ط 2. بيروت: دار المشرق (المطبعة الكاثوليكية)،.1986 ________. الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملّة. تقديم أحمد شمس الدين. بيروت: منشورات دار الكتب العلمية،.2002 ________. تهافت التهافت. سلسلة التراث الفلسفي العربي. ط 3. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2008
________. الضروري في السياسة: مختصر كتاب السياسة لأفلاطون. ترجمة أحمد شحان. سلسلة التراث الفلسفي العربي: مؤلفات ابن رشد.)4(ط 3. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2011 ابن طملوس. كتاب في المنطق: كتاب الأمكنة المغلطة وكتاب الجدل. تحقيق وتقديم وتعليق فؤاد بن أحمد. بيروت: منشورات ضفاف،.2016 أبو بكر، عبد الجبار [وآخرون]. آليات الاستدلال في الفكر الإسلامي الوسيط. وجدة: مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية،.2013 أرسطو. منطق أرسطو. تحقيق وتقديم عبد الرحمن بدوي. ج 3. الكويت: وكالة المطبوعات؛ بيروت: دار القلم،.1980 آليات الاستدلال في العلم. تنسيق عبد السام بن ميس. سلسلة ندوات ومحاضرات 84. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية،.2000 البعزاتي، بناصر. حلقات الجدل الديني وعلم الكلام، ضمن الفكر العلمي والثقافة الإسلامية. الرباط: دار الأمان،.2015 بن أحمد، فؤاد. طريقة الجدل الفلسفي عند ابن رشد: القيم والمنافع والحدود. بيروت: منشورات جامعة القديس يوسف،.2010 بن عدي، يوسف. قراءات في التجارب الفكرية العربية المعاصرة. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2011 ________. مشروع الإبداع الفلسفي العربي: قراءة أعمال د. طه عبد الرحمن. بيروت: منشورات الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2012 بن منصور، رمضان. ملامح من إلهيات ابن رشد: بحث في طبيعة تصوّر ابن رشد لله. تونس: دار سحر للنشر،.2014 بورشاشن، إبراهيم. الفقه والفلسفة عند ابن رشد. بيروت: دار المدار الإسامي،.2010 حمو، محمد آيت. العقل الحجاجي بين الغزالي وابن رشد: دراسات ومراجعات نقدية لفلسفتي الغزالي وابن رشد. بيروت: دار جداول،.2012 ________. استخدام ابن رشد لقياس الغائب على الشاهد والجدل رغم نقده لهما. وجدة: مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية،.2013 الشاذلي، عبد اللطيف [وآخرون]. أعمال ندوة ابن رشد ومدرسته في الغرب الإسلامي. سلسلة ندوات ومناظرات 75.1 ط 2. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية،.2013
الشبل، ماهر بن عبد العزيز. موقف ابن رشد من الأشاعرة. الدمّام: دار التكوين للدراسات والأبحاث،
صمود، حمادي [إشراف]. أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم. منوبة: منشورات كلية الآداب،.1998 عبد الرحمن، طه. تجديد المنهج في تقويم التراث. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.1994 ________. حوارات من أجل المستقبل. بيروت: دار الهادي،.2003 العلوي، جمال الدين. "الغزالي والخطاب الفلسفي في الغرب الإسامي: الغزالي وتشكل الخطاب الفلسفي لابن رشد". مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية. العدد 1).986(8 ________. "ماحظات حول تطور نظرية البرهان عند ابن رشد". مجلة الصورة: مجلة النقد الأدبي والبحث الفلسفي. العدد 1 (خريف 1).998 غوتاس، دميتري. "دراسة الفلسفة العربية في القرن العشرين: محاولة في أسطغرافية الفلسفة العربية". ترجمة يوسف مدراري. مجلة الفكر العربي المعاصر. العددان).2015(159–158 الفارابي، أبو نصر. المنطقيات للفارابي. النصوص المنطقية. تحقيق وتقديم محمد تقي وانش ثرو. ط 2. قم: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي،.1987 ________. إحصاء العلوم. تقديم علي بو ملحم. بيروت: دار ومكتبة الهال،.1996 فاطمي، فتيحة. التأويل عند الفلاسفة المسلمين: ابن رشد نموذجًا. بيروت: جداول للنشر والتوزيع،
المصباحي، محمد. دلالات وإشكالات: دراسات في الفلسفة العربية الإسلامية. الرباط: منشورات عكاظ،.1988 ________. الوجه الآخر لحداثة ابن رشد. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،.1998 ________. الوحدة والوجود عند ابن رشد. الدار البيضاء: شركة النشر والتوزيع، المدارس،.2002 ________. الذات في الفكر العربي الإسلامي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017
الأجنبية
Adamson, Peter. "On knowledge of Particulars." Proceedings of the Aristotelian Society New Series. vol. 105 (2005). Aristote. Topiques. Jacques Brunschvicg (trad.). Paris: Les belles lettres, 1967. ________. Topiques. Organon V. Traduction et notes de Jules Tricot. Paris: J. Vrin,
Berti, Enrico. "Philosophie, dialectique et sophistique dans Métaphysique 2." Revue internationale de philosophie. vol. 51, no. 201 (1997). Butterworth, Charles. "The Source that Nourishes, Averroes’s Decisive Determination." Arabic Sciences and Philosophy. vol. 5, no. 1 (March 1995). Elamrani–Jamal, Abdelali. "Ibn Rushd et les premiers analytiques D’Aristote: Aperçu sur un problème de syllogistique Monde." Arabic Sciences and Philosophy. vol. 5, no. 1
Gutas, Dimitri. "The Study of Arabic Philosophy in the Twentieth Century: An Essay on the Historiography of Arabic Philosophy." British Journal of Middle Eastern Studies. vol. 29, no. 1 (May 2002). Halper, Yehuda. "Dialecticians and Dialectics in Averroes’ Long Commentary on Gamma 2 of Aristotle’s Metaphysics." Arabic Sciences and Philosophy. vol. 26, no. 1 Marmura, Michael E. "Ghazali’s Chapter on Divine Power in the IQTiSAD." Arabic Sciences and Philosophy. vol. 4, no. 2 (1994). Mensia, Mokdad Arfa. "Regards d’iBn Rushd sur Al–Jawayni.Questions de Méthode." Arabic Sciences and philosophy. vol. 22, no. 2 (August 2012). Pelletier, Yvan. La dialectique Aristotélicienne: Les principes clés des topiques. 2 nd ed. Québec: Archives nationales du Québec, 2007.