Return to Article Details Paths to Recognition and Question of Relationship with the other by Paul Ricoeur

مسارات الاعتراف وسؤال الغيرية عند بول ريكور

Paths to Recognition and the Question of Relationship with the other by Paul Ricoeur

هشام مبشور *

Hichem Mbchour *

الملخّص

تقع هذه الدراسة في ثلاثة أقسام؛ خصصنا الأول منها للنظر في الدلالات المعجمية لمفهوم "الاعتراف" وامتداداته الفلسفية عند رينيه ديكارت وإيمانويل كانط في شكل معرفة وتعرّف. بينما ناقشنا في قسمها الثاني مقومات الاعتراف وميكانيزماته فلسفيًا، والمتجسّد في ذات فاعلة. وفي القسم الثالث تبيانٌ لضرورة الاعتراف بوصفه فعلًا رمزيًا يرسخ قيمة الذوات وكرامتها، ويؤمّن لها الثقة بنفسها، ويمنحها إمكان الانفتاح على الآخر ومراعاة حقه في ممارسة هويته، وفق مبدأ أسبقية الاختلاف على التشابه والتماثل.

Abstract

Abstract: Our article came divided into three instants. We have devoted its principle to considering the lexical connotations of the concept of recognition and its philosophical extensions as it occurred in both Descartes’ and Kant’s approaches in the form of "knowledge and knowing". In the second instant, we discussed the elements of the philosophical recognition that is embodied in a human self capable of remembering the promise and the gift. The process culminated in a third instant in which the need for recognition as a symbolic act that entrenches the value and dignity of the self, secures confidence in itself, enables it to be open on the other while taking into account his right to exercise his identity under the principle of the priority of difference over similarity and equivalence.

الكلمات المفتاحية:
  • الاعتراف
  • التعددية الثقافية
  • الهوية
  • الاختلاف
Keywords:
  • Recognition
  • Multiculturalism
  • Identity
  • Difference

في ذات فاعلة. وفي القسم الثالث تبيانٌ لضرورة الاعتراف بوصفه فعا رمزيًا يرسخ قيمة

الذوات وكرامتها، ويؤمّن لها الثقة بنفسها، ويمنحها إمكان الانفتاح على الآخر ومراعاة حقه

في ممارسة هويته، وفق مبدأ أسبقية الاختاف على التشابه والتماثل.

تمهيد

يسعى الفيلسوف بول ريكور Ricœur Paul (2005–1913) من وراء مساءلة مفهوم الاعتراف إلى أن يرتقي به ليكون نظرية فلسفية متكاملة، تضمن عدالة اجتماعية تُقَدِّر مساهمة كل الفئات المجتمعية، وتعترف بحق الوجود لكل فرد في الفضاء العام Sphere Public، بل تحمل كذلك هويته وخصوصيته؛ لتصبح جزءًا لا يتجزأ من هوية الجماعة. فالمطلوب مؤسسات ديمقراطية تمثل

فئات المجتمع كافة، ومجتمع دولي ينافح عن التعددية الثقافية، ولا يعتبرها ضد الوحدة بل أساسها وجوهرها، ويعترف بقدرات الأفراد والجماعات وإسهاماتهم في تطوير المجتمع، من دون أيّ إقصاء أو احتقار مبني على أساس اللون أو العرق أو الدين أو اللغة. وهذا ما نجده حاليًا في بعض الدول

الغربية، حيث أسهم دور الأقليات وكذا المهاجرون والملونون والمهمشون في تقدّم هذه المجتمعات المستَقبِلة؛ ما يجعل من القمين الانفتاح على هذا الاعتراف، ومحاولة اكتناه مناحيه الفلسفية واللغوية. سنتناول ماهية الاعتراف من الناحية المعجمية اللغوية، وكيفية تأسيس فلسفته من منطلق لغوي، ودور الكوجيتو الديكارتي في البناء الفلسفي لنظرية الاعتراف الريكورية، وسبيل التحول من فلسفة المعرفة إلى فلسفة الاعتراف، وكيفية إسهام نظريات التعرّف لإيمانويل كانط

Kant Immanuel (804–17241)، والتذكّر لهنري برغسون Bergson Henri (941–18591)، والاعتراف لفريدريش هيغل Hegel Friedrich (831–17701) في هذا التحول، فضلً عن نتائج هذا التحول نفسه.

أولا: البناء الإشكالي لمفهوم الاعتراف: ديكارت في مواجهة كانط

اختار بول ريكور البحث القاموسي مدخلً لسَوْق مجموع إشكالات الاعتراف بداية من القرن التاسع

عشر الميادي، فاعتمد قاموس اللغة الفرنسية Dictionnaire de la langue française (8631) لإيميل ليتري Littré Émile 881–1801(1)، و قاموس روبير الكبير للغة الفرنسية Le Grand Robert de La Langue Française (9671) لآلان راي Rey Alain (2020–1928). ويستمد المعجمان المعطيات اللفظية ويؤرخان لمختلف التحولات والانزياحات التي شملها اللفظ ما بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، لا سيما أنه تحول مؤسَّس على قاعدة تشكّل نواة لمجموعة من الاشتقاقات والتقاطعات

اللغوية التي تمثل عائلة لغوية انبثقت منها عدة دلالات، ناهزت ثاثًا وعشرين دلالة. وحينما ننظر في أصل كلمة "الاعتراف" Reconnaissance نجد أنه مأخوذ من لفظ "عرفَ " Connaitre،

أضيفت إليه Re الزائدة التي تفيد الإعادة. فمتى أضيفت؟ وكيف؟ ولماذا؟ لا نجد ريكور يهتم بهذه الاستفهامات في بحثه المعجمي، بقدر ما ينصب اهتمامه على معانٍ تسعى لتقديم مفهوم مقارب للفظ

(1) Paul Ricœur, Parcours de la reconnaissance (Paris: Gallimard, 2004), p. 17.

رجعنا كذلك إلى الترجمة العربية، ينظر: بول ريكور، سيرة الاعتراف، ترجمة فتحي إنقزو، مراجعة محمد محجوب (تونس: المركز الوطني للترجمة، 2010).

Connaitre "عرفَ "، كتعريفه بأنه استحضار في الذهن، لأمر أو شخص أو شيء، فأنا أعرفه بالصوت

أو الهيئة، كما أعرف الأسد، مثلً، بصوت زئيره، وكتعريفه بأنه التعرف على شيء أو شخص لم يسبق لك رؤيته، بإيماءة أو قرينة أو إشارة، مثل ما يحصل حينما يصف لي شخص طريقًا ما فأعرفه. ومن هنا يدخلنا معجم روبير الكبير Grand Robert في الرباط القائم على أساس أن المتعرف عليه غير بَيِّنٍ بنفسه، يحتاج إلى مزيد من الكشف والإيضاح. فهل يحتاج موضوع المعرفة إلى سند خارجي؟

1. ديكارت: تمييز الصادق من الكاذب

استثمر بول ريكور بحث رينيه ديكارت Descartes René (0–1596165)، لفعل الاعتراف من منطوق كونه قدرة على التمييز والإثبات وكذلك باعتباره مدخلً مفهوميًّا لنظرية الاعتراف من خال الحكم

على الأشياء وذلك عن طريق رسم الحدود بينها عن طريق وسمها بالصدق أو الكذب، الإيجاب أو السلب، بوسيلة الفكر والتبصر مع النأي بالنفس عن كل تسرّع أو ظن، وأن يكون الحكم على الأشياء

مرحلة نهائية نقتدر من خالها على حذق الوضوح الذي لا ريب فيه، يقول ديكارت "فكان الأولى ألا أتلقى أي شيء على أنه صادق دون أن أعرف معرفة تامة أنه كذلك، أي أن أبتعد تمام الابتعاد عن التسرع والظن، وأن لا أشمل بأحكامي أكثر مما يتقدم لفكري بقدر من الوضوح والتميز لا يدع أي فرصة للشك فيه". يعترف ديكارت هنا بالأخطاء المعرفية التي تعلّمها في صغره حيث لم تنضج قدراته العقلية بالقدر الكافي ليتمكن من التمييز بين الصادق والكاذب من المعارف؛ فتلقّاها على أساس أنها صادقة وموثوقة لكونها صادرة عن الأكبر سنًا. فيقطع معها لصالح الوضوح والتمييز اللذين يسمحان بالتلقي. ويتخلى ديكارت عن إغواء الشيطان الماكر diable du ruse La، معترفًا بإمكان تضليله لولا تدخل إرادة الإله العليّة الطيبة التي يعترف لها بالكمال. يحلّ دائمًا في هذا المستوى

الاعتراف من جهتين: الأولى السلب/ النقص البشري والإيجاب/ الكمال الإلهي، ومن جهة أخرى يستمر الحديث عن الاعتراف كتلقٍّ إرادي من الإله للحقيقة، مع ضرورة تميزها من الغواية الشيطانية. يقول ديكارت: "ويبلغ استدلال درجة من البداهة تجعلني أعتقد أن النفس الإنسانية لا تستطيع أن تعرف ببداهة ويقين أكثر مما تعرف وجود الله. ويخيّل لي الآن أني اهتديت إلى طريق يصل بنا من

تأمل الإله الحق [...] إلى معرفة الأشياء الأخرى في الكون". يعبر بنا ديكارت من الاعتراف بوجود بداهة ويقين إلى الإقرار والحكم بوجود نقص في الأشياء. يصرح ديكارت: "ثم إني أعرف بخبرتي الشخصية أني حائز ملَكة ما، من شأنها أن تحكم أو تميز الحق من الباطل". يُحسم الأمر ديكارتيًا

باعترافه أن مصدر الخطأ يكمن في غياب المنهج الذي يسوق العقل للحقيقة أي تلقّي ما هو صادق.

(2) Ricœur, p. 21.

(((رينيه ديكارت، حديث الطريقة، ترجمة وشرح وتعليق عمر الشارني (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008)، ص 96–94، الفقرة.7 (((رينيه ديكارت، التأملات في الفلسفة الأولى، ترجمة وتقديم وتعليق عثمان أمين، سلسلة ميراث الترجمة 2971، ط 2 (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2014)، ص.17 (((المرجع نفسه، ص.179

(6) Ricœur, p. 65.

2. كانط: الربط تحت شرط الزمان

يستعمل كانط الاعتراف بصيغة التعريف الذي لا يكون القصد منه الفصل والتمييز بين ماهية الأنا والغير كما حصل عند ديكارت، بقدر ما يعني الربط  Relier. فمن خال الربط بين العقل والحس تصدر الأحكام الترنسندنتالية Transcendental of Judgments (الحكم مثلً على شيء ما بأنه جميل، رديء، شرير، كريم). وتؤطر هذه الأحكام بمقولتَي الزمان والمكان القبْليتين Time and Space of Priority A،

واللتين من دونهما تتحول المعرفة إلى أطر مفرغة من المحتوى أو المعنى (كأن نتصور شخصًا ما يُصدر حُكمًا عن موضوع غير معروف زمانًا ولا مكانًا). وعاوة على ذلك فإن هاتين المقولتين تقودان إلى بناء التعارف (أي معرفة متبادلة بين الذوات)، فوجود الذاتين – إن صح هذا التعبير – على مسرحٍ واحد يشمل مقولتَي الزمان والمكان، يسعفهما في تحقيق التعارف، فمثلً، وجودي مع شخص في القطار نفسه يجعل احتمالية تعارفنا أمرًا واردًا بخاف وجودنا في مكانين مختلفين أو زمنين متباينين يستحيل معهما التعارف

(الترابط). وبذلك فهذان الإطاران (أو المقولتان) يربطان بين الذوات كما يُحتمل أن يُفَرِّقَا أو يفص  بينها

كذلك. ومن ثم، فكل معرفة تغيب عنها مقولتا الزمان والمكان تخرج من دائرة الإمكان وإصدار الحكم النقدي (كأن نقول هذا شخص طيب أو خبيث، شجاع أو جبان، صادق أو كذاب... إلخ). فالربط، إذًا، يؤلف ويجمع ويضم المتفرقات ويضفي الوحدة بين عناصرها المتغايرة. فهو وسيط يجمع العقل مع الحس، الذات مع الموضوع، والخارج مع الداخل، ويصبح التعارف إذًا ضربًا من الموازنة، تسعى لإنتاج التجانس Homogénéité كحدّ ثالث يُواشج بين المعقول والمحسوس، ويرتسم وسيطًا بينهما؛ إذ إن دورها جذب الطرفين لإعادة بناء العالم الخارجي وتجديد مواضيعه التي تحصل داخل مكان وزمان تجددَا بدورهما وأعيد خلقهما بخلق مواضيعهما، إما ضمن زمن ثابت أو تعاقبي، ليتم التعرف على هذه المواضيع المستجدة أو الحادثة ثم الاعتراف بها. وهكذا تخلق برَدايمات (نماذج إرشادية) جديدة حولها

ما تفتأ تتطور ثم تنتهي مدة صاحيتها وتُنشِئ مواضيع جديدة في أعقابها، وهكذا دواليك. لا يثق كانط باحتمال المعارفة بالقطيعة المطلقة بين وجهة النظر العقانية والتجريبية، بل يجمعهما ويوحّد بينهما في بناء معارفة مشتركة أو قل معرفة تشاركية، ورغم ذلك لم يتخلص كانط من الاتهام الذي ناله وهو مثالية تصوره وعدم قابلية التوفيق بين مكونين متناقضين. وظل بعيدًا عن الوجود في العالم المعيش Lifeworld أي في الحياة اليومية الاجتماعية، وبناء عليه مثلت اللحظة الهوسرلية – نسبة إلى إدموند هوسرل Husserl Edmund (938–18591) – حدثًا بارزًا، أفلتنا من تمثل Représentation العقل المجرد البعيد عن الحياة اليومية والمفارق لهموم الجماعة؛ إذ يحتاج الاعتراف للخروج من سجن الذات إلى ماقاة الغير وإقامة عاقة تفاعلية مبنية على الاعتراف والتسامح. أدّى مفهوم القصدية Intentionality دورًا مركزيًا في إدخال البعد البينذاتي Intersubjective، ورغم ذلك ظلت منهجية هوسرل في نظر ريكور تعاني أحادية البعد وتقترب من معرفة الذات شرطًا أوليًا لبروز الاعتراف.

(7) Ibid., p. 79. (8) Ibid., p. 93. (9) Ibid.

كابَد الموقف الديكارتي والكانطي التمركز حول ال "أنا أفكر" أو حول موضوع المعرفة الترنسندنتالي Knowledge Transcendental، وأغفل كاهما أهمية فعل الإنكار والتنكر أو الاحتقار والتهوين والإهانة في بناء فلسفة الاعتراف Recognition of Philosophy The؛ إذ لتلك الأفعال (الاحتقار وغيره) أثرٌ في دفع الذوات للتمسك بهوياتها. فلولا هذه الأنواع من الاحتقار والتنكر التي لحقت الأقليات

والمهمشين من المهاجرين والنساء والسود والسكان الأصليين من طرف الأغلبيات الحاكمة، لما سعت إلى إبراز ذاتها والدفاع عن هويتها مع محاولة نزع الاعتراف بكامل حقوقها المشروعة.

ثانيًا: الاعتراف والغيرية: القدرة، الذاكرة، الوعد والهبة

انطاقًا من فاسفة الريبة من أمثال كارل ماركس Marx Karl (883–18181)، وفريدريك نيتشه Nietzsche Friedrich، وسيغموند فرويد Freud Sigmund (939–18561)، يشكك ريكور في قدرات الكوجيتو الديكارتي، لا للتخلص منه، بل لتصحيحه وتقويمه، وتمكينه من استيعاب الجروح التي أصابته. وبهذا صار الكوجيتو أكثر تسامحًا وتنازلً وقدرةً على التحاور والمناقشة. فقد أمسى أفقيًا بعد

أن فقد العمودي. وباتت أبوابه مشرعة على مسألة الغيرية، الموجودة ضمنيًا في الكوجيتو، تشكّل أحد

مكوناته؛ إذ لم يعد الغير سلبًا للذات أو "لا أنا"، أو الأنا التي ليست أنا، يحدَّد دائمًا بالإضافة، وكأنه

كيان هامي من دون هوية أو ماهية، إلا بإضافته إلى ال "أنا مفكر" بوصفه موجودًا أصليًا مستقلً ومتفردًا،

ينبثق الوجود والعالم منه. فبالمماثلة معه أو المشابهة له تتحصل باقي الذوات على هويتها ووجودها. بهذا المعنى يعتبر الغير "أنا" متغيرًا فقدَ بعض خصائصه الأصلية فتشوّه وجوده وتغايَر واختلف. وبناء

عليه، لا ينبغي، بحسب ريكور، اختزال الهوية في هذا المعنى الواحدي، بل لا بد من إجراء تعديل عليها لنضيف إلى هويتها التغاير والاختاف والتنوع، أي أن نجعلها غيرًا بالنسبة إلى ذاتها. يصرح

ريكور: "إن الغيرية لا تضاف من الخارج إلى الهوية الذاتية، كما لو كانت تريد أن تحميها من الانجراف الأنوي Solipsiste ولكنها تنتمي إلى فحوى الهوية الذاتية وإلى تكوينها الأنطلوجي". فالهوية/ الأنا غير مكتملة ولا ناجزة ومتعالية عن التغاير والاختاف. ومن ثم لا وجود لهوية بسيطة مطلقة ومتعالية عن الإضافة والنقص. لتصير الغيرية هي الوجود الأصلي والأنانية وجودًا عارضًا. ويقسمها هنا ريكور إلى الغيرية الجذرية (الاأنا)، والغيرية المتباعدة (الآخر الحضاري)، والغيرية المتقاربة (الأنا كآخر)، والغيرية الداخلية (آخر الأنا). وبذا انزاح ريكور انزياحَين: أدخل الغير بوصفه مكونًا أساسيًا في هوية

كل أنا، وثانيًا جعل من الغيرية أصل الوجود، ومنها خرجت الأنوات إما على نحو فردي (الولادة) أو

على نحو جماعي (تعلم اللغة، الدين). وفضيلة هذا التقسيم أنه منع الذات من موقع الأسبقية والبدئية، والذي يمنحها التأسيس لكل أنواع العاقات في الكون. هكذا، أعاد ريكور موقعة الغيرية بين الذات المتعجرفة كما الحال في فلسفات الكوجيتو الديكارتية، وبين قوى الجماعة التي تسحق العيش داخلها. ويسوق ريكور في هذا الباب مقترحًا يحافظ به على

الغيرية في داخل الكوجيتو، وتعمل الغيرية عمل الصهارة البركانية التي تفجر الكوجيتو الداخل في

1(((بول ريكور، الذات عينها كآخر، ترجمة جورج زيناتي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2005)، ص.588

تشبيه رشيق لدولوز، عن طريق إدخال عنصر الجسد بوصفه أحد مكونات هوية ال "أنا أفكر"، المركب والمتعدد الأعضاء، والمتعرض لانفعالات والأهواء التي تجعله يسلب الذات هويتها. وتسلب هويتها أيضًا عاقة غير متكافئة مع الغريب، المشكّل من الثقافات والحضارات المختلفة المؤثر مباشرة في تصرفاتها وأفعالها. وأخيرًا سلبية العاقة بين الذات وذاتها: الذات التي تفعل الفعل، والذات التي

تتأمله؛ الذات الواعية وغير الواعية. إحداهما موجبة تفعل والأخرى سالبة تنفعل. وبناء عليه، فهذه السلبية بين الذات وذاتها تضمن للغيرية الوجود الجواني في عمق الذات. ولتحصل الأنا على إقرارها بنفسها واعترافها بهويتها، لا مناص لها من المرور بالآخر، مما يؤكد تضمن الذات عينها للغير، إلى درجة استحالة التفكير في إحداهما من دون الأخرى. ومن ثم هوية الغير من هوية الذات، وهوية الذات من هوية الغير. وما عاد في الإمكان القول بانفصالهما أو تراتبهما وتفاضلهما أو تخارجهما. فكلّها عاقات مرفوضة بحسب ريكور. فالغير، منذ الآن، لم يعد هو الجحيم، يطلب اعتزاله والابتعاد عنه، لكن على النقيض؛ الجحيم في العزلة والهروب بعيدًا عنه. فكل السعادة في بناء عاقة صداقة ومحبة وتعاطف معه من دون تبعية أحدهما للآخر كما اعتقد إيمانويل ليفيناس Levinas Emmanuel (995–19061) الذي يخوض معه ريكور في نقاش فلسفي، يوجّه له من خاله

سهام نقده لكونه قلب الديكارتية لمصلحة أسبقية الغير، وجعلها نوعيًا كيانًا تابعًا للغير، رغم أنه حمّلها

مسؤولية أفعالها تجاهه. إن فلسفة ليفيناس تنبثق بالأحرى من فعل قطيعة تحصل في نقطة يتمفصل فيها ما دعوناه فينومينولوجيا بديلة تتحصل من الفصل بين الجنسين الكبيرين؛ "العينه" و"الغيره". فالعينية تعني الشمولية والتفرد، بينما الغيرية تفيد خارجانية الآخر، بحيث يحافظ لكل كيان على استقاله وتفرده في اتخاذ القرارات التي عليه أن يتحمل مسؤوليتها هو وحده، لا سيما عندما يكون وقعها على الآخر. إننا نشترك مع الآخرين في هوية واحدة وإن اختلفت المراجع الثقافية، هذه الهوية هي الإنسانية أوّلً،

والأرضية ثانيًا؛ إذ نعيش على الكوكب نفسه ونشترك في المصير ذاته، ونتقاسم تراثًا إنسانيًا واحدًا. تلك روابط أَوْلى أن يُهتم بها، لا بصراع الحضارات ونهاية التاريخ. ومن ثم، على كل هوية مغادرة

نرجسيتها لتبني عالمًا مشتركًا مع الغير، خصوصًا أنه المجاور المماثل، حتى لا نقول إنه مكوّن من

مكوّنات الهوية الإنسانية. ودليل ريكور على هذا التداخل على صعيد الهوية هو الهوية السردية التي

يجري داخلها نقل الخبرة والموروث الثقافي في شكل قصٍّ أو حكْي، يستعيد تاريخًا مشتركًا صنعت

أحداثه بتداخل الثقافات؛ من قبيل الحرب العالمية الثانية التي شارك فيها ريكور وخبر داخلها أهمية الغير كمنافس وطموح ورغبة في التملك والسيطرة، ولعل هذا ما دفعه إلى رفض الحرب والدعوة إلى عدم المشاركة فيها، فما نقتله إنما هم أبرياء، كلّ يحاول الذود عن حدوده. وأيًا يكن الأمر،

لم يعط ريكور للدولة حق اتخاذ مثل هذا القرار (الحرب) بوجود حلول سلمية، ويجوز للمواطن عدم طاعتها في حالة إعانها الحرب على دولة أخرى. وهو إلى ذلك يقدس حق الإنسان في الحياة، ويعليه فوق الحسابات السياسية التوسعية للدول. ويضيف ريكور في الأخير أن الهوية السردية تخلّد بها

(((1 المرجع نفسه، ص.590 (1((المرجع نفسه، ص.619

جماعة ما احتفالاتها وممارساتها الطقوسية، وتستعيد بها حتى آلامها ومعاناتها. فأحسن عاج للذاكرة المجروحة هو الاعتراف بالأخطاء وطلب الصفح والعفو الذي يخرج الذوات من فعل الحداد، وهو الذي يقودها إلى إعادة مصالحتها مع الغير. يكتب ريكور: "يجب أن نتعلم كذلك كيف ندع الآخرين يخبروننا عن تاريخنا". يعني أنه يجب أن ندرب أنفسنا على رؤية ما نظنه تاريخنا الخاص وهويتنا المفردة بمنظار الغير، وانطاقًا من انعكاس صورته على هويتنا، أي كيف يساعدنا على القدرة على أداء الفعل. فما معنى القدرة عن الفعل؟ ومتى تكون الذات قادرة؟

1. فينومينولوجيا الإنسان القادر

تعتبر الأنا القادرة أو المستطيعة بمنزلة العمود الفقري لنظرية الاعتراف؛ لأنها تؤسس لِسعة الفعل وامتداده خارج الذات، تحافظ على إنيتها Ipséité الفرنسية المرادفة للفظ Self الإنكليزية، المتحلي بالثقة واليقين المرتبط بالقرارات والتصرفات الداخلة في حيّز "الاعتراف بالمسؤولية"، وشهادة الفاعلين

على أنفسهم بتحمّل نتائج أفعال الأنا القادرة. فالمعاينة أو المشاهدة مُعارَفة، فأن أراك يعني أن تصبح

مشاهَدًا مرئيًّا أمامي معترَفًا بوجودك، ومن خال هذا الاعتراف أعيد اكتشاف نفسي. فمثلً عندما أعترف

بجهلي؛ فمقارنةً بمن أعترف بعلمه. يعرج ريكور في هذا السياق على فلسفة اللغة قصد استطاع معاني الفعل وقد تحوّل إلى محكي

أو مسرود؛ إذ الأنا القادرة تعني أنا أتكلم، فأنجز الأشياء بالكلمات Words with Things do I. إن نظرية أفعال الكام تركّز على الجانب الإنجازي، مميزة فيه بين الأفعال الخبرية والإنشائية التي تتوجه إلى الغير، قاصدة إعامه بشيء أو التعبير له عن حدث، عبر بنية السؤال – الجواب التي تجري عبر النظرية التخاطبية، المحتاجة إلى مخاطِب ومخَاطب. لكل منها وظيفة في مجال الإفهام والتعارف. ويمرر السرد الفردي أو الجماعي عن طريق عدة تساؤلات من قبيل: من يتكلم؟ من يفعل؟ من يروي؟ يقول ريكور: "من؟ من هو الذي يتكلم؟ من أنجز هذا العمل أو ذاك؟ من هو المسؤول عن هذا الأذى الاحق بالغير؟ إن السؤال: من المتكلم؟ لهو سؤال بالتأكيد سؤال بدئي أكثر من أي سؤال آخر باعتبار أن باقي الأسئلة الأخرى تقتضي استعمال (الكام)". يشترط الإنجاز الكامي أو السلوكي ذاتًا فاعلةً قادرة عاقلة ومختارة ومستقلة، تشكل وحدة واحدة لا يوجد انقسام أو تشظٍّ يفتِّتُها، ذات أخاقية وقانونية ولغوية، تعدُّ المسؤول الأول والبدئي عن الفعل. يصرح ريكور في هذا الصدد: فنحن قادرون "على تعيين أنفسنا على أننا متكلمون بملفوظاتنا وقائمون بأعمالنا وأبطال للحكايات التي نقصّها عن أنفسنا ورواة لها". يحقق الإنجاز في الواقع جزءًا من متمنيات

1(((بول ريكور، "المشروع الكوني وتعدد التراثات "، في: جيروم بندي [وآخرون]، القيم إلى أين؟: مداولات القرن الحادي

والعشرين، ترجمة زهيدة درويش جبور وجان جبور، مراجعة عبد الرزاق الحليوي (بيروت: دار النهار بالتعاون مع منظمة اليونسكو، 2004)، ص.85 (((1 بول ريكور، العادل، ترجمة محمد البحري [وآخرون] (قرطاج: المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون بيت الحكمة، 2003)، ص 36. (((1 المرجع نفسه، ص.40

الذات وآمالها وطموحاتها. وقد لا يتناسب المتحقَّق على أرض الواقع مع المتمنيات، فينجز شيئًا آخر. وفي هذه الحالة تستحق إيقاع العقاب بها، كيما نخفف معاناة الضحايا. تتحول المسؤولية من الفردية إلى الغيرية. لنا مسؤولية ولو نسبية عن معاناة الشخص الآخر، ومن هنا يجب أن نسهم في التخفيف منها، بحيث يحق للضحية التعويض عن الضرر الاحق به. يقول ريكور: "بقدر ما تمتد قوانا تمتد قدراتنا على عمل السوء، ومعه تمتد مسؤوليتنا عن الأضرار". فواجب الاعتراف بحجم الضرر الذي قد نسببه للفرد بتعمّد أو من دونه، فعلى الأقل، نخفف بهذا الاعتراف الرمزي حجم معاناته.

2. القدرات والممارسات الاجتماعية

يعبر ريكور من مدارسة أشكال الاعتراف الفردي إلى الاجتماعي الذي من شأنه وصل الاعتراف بالذات بالاعتراف المتبادل؛ إذ التمثات إنما يصطنعها الناس عن أنفسهم ومكانتهم الاجتماعية، إن لم نقل إن المكانة الاجتماعية وما تفرزه من قدرة، تعكس تمثل الناس عن أنفسهم ومجتمعهم. فالتمثل ليس فكرة عائمة مفارقة للفضاء العام، حيث صراع القوى والفاعلين الاجتماعيين لا يخفي وجود روابط المؤالفة والتعالق، الصانعة لهوية جماعية، تخلد داخلها كل جماعة لحظاتها المروعة والمضيئة. وفي إمكان هذه الهوية التحوّل إلى هوية عامة، تسيطر على المجال العام متى اضطلعت بقدرات اجتماعية كبيرة تلقى دعمًا من الحركية الاجتماعية، ما يطلق عليه "لعبة السالم" Jeux d’échelles. لا تقتصر الحركة الاجتماعية على التحول في المجال والهجرة من مكان إلى مكان، بل هنالك حركية أخرى رمزية تعيد رسم الخرائط الطبقية، وإفساح المجال لهندسة عمرانية بشرية. إنها فرصة أمام الفاعلين الاجتماعيين لإعادة بناء صعد اجتماعية أو جهويات اجتماعية أو على الأقل ترميم بعضها وجعلها مفتوحة، تتماسّ فيما بينها، غير أنها لا ينصهر بعضها في بعض، وتحتاج إلى الاعتراف بها بوصفها كيانًا خاصًا داخل الكيان العام، هوية محلية ضمن هوية وطنية، ذاكرة خاصة داخل الذاكرة العامة، تصارع من أجل البقاء والاستمرار، رغبة في الاعتراف بها بوصفها أحد مكونات النسيج الاجتماعي ورموزه، والتي تشارك في الإنتاج الاقتصادي. لذلك، لا محيد للدولة عن تزويدها بحرية اختيار شكل الحياة والتعبير عن رؤيتها وممارسة شعائرها وطقوسها والمحافظة على لغتها ب  قيد أو

(((1 العقاب في حد ذاته ليس هو الأشد أهمية بقدر ما هو وسيلة من الوسائل لانتصاف للضحية من جهة، ومحاربة السلوك الإجرامي من جهة ثانية. يقول عبد الحي مؤذن: "إحساس الضحية بالإنصاف بوسائل أخرى غير العقاب والتي تؤدي إلى اقتناعها

بطي الصفحة لتحقيق ما يسمى في علم النفس Closure الشفاء من الماضي الأليم. إن العقاب ليس هدفًا في حد ذاته. بل إن العدالة

العقابية التي تمارس من خال مؤسسات الدولة جاءت لتعويض الغريزة النفسية لانتقام". ينظر: محمد المصباحي [وآخرون]، سؤال

العدالة في الفلسفة السياسية المعاصرة (الرباط: كلية الآداب والعلوم الإنسانية/ دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2001)، ص.18

(17) Ricœur, p. 177. (18) Ibid., p. 176.

(1((يقول عز العرب لحكيم بناني: "تختلف طبيعة الاعتراف أمام الضحية عن الاعتراف أمام القاضي. فالجاني يمارس عملية تطهير أمام الضحية، ويعتبر اعترافه بمثابة اعتذار وطلب للصفح، كما أن الاعتراف يبوئ الضحية منزلة أسمى من منزلة الجاني، ويعيد إليها الشعور بالقيمة الذاتية". ينظر: المصباحي [وآخرون]، ص.35

(20) Ricœur, p. 220.

شرط، ما دامت قادرة على هذا من دون إضرار بالقانون العام. فلكل الحق في اختيار الحياة التي يريد (الحرية الإيجابية) ولا يحقّ لأيّ فرد أو جماعة أو جهة أن تفرض عليها رؤيتها (الحرية السلبية). وأكثر

من هذا تتوسع المطالب بحماية الأقليات والمهمشين والسكان الأصليين على المستوى الدولي، ف  نستغرب دعوة مجموعة من المفكرين لما يسمى بالتعدد الثقافي. ظاهرٌ من خال تشخيص أمارتيا سن Amartya Sen في نظر ريكور أن الجانب السياسي للدولة كان

دائمًا عبر التاريخ له الدور المحوري في صناعة الفقر والمجاعات (الأزمات الاقتصادية). فالاختيار

الجماعي للدولة يؤثر في الاختيار الفردي، كما الاختيار الفردي يؤثر في أفراد آخرين. والدولة الديمقراطية تقاس بحجم ما تسمح به من حقوق وحريات فردية وجماعية، تتيح للمواطن تنمية هويته، وإغناء قدراته وتحقيق استقاله. يقول أكسل هونيث Axel Honneth: "بعبارة مختصرة، يفترض التحقق الذاتي الفردي، استقالية ذاتية مضمونة بشكل مشروع، فعلى هذا الأساس تستطيع كل ذات أن تعتبر نفسها شخصًا قادرًا على تفحص رغباتها وتقييمها". يسمى هذا بالتضامن الاجتماعي الذي

يسمح بمشاركة أعضاء المجتمع كافة، وصياغة خيارات وغايات متفق عليها. يعدد هونيث الاعتراف في ثاثة أنماط: الحب والقانون والتضامن. يقول: "هكذا تحفز تجربة الحب الثقة في الذات، وتجربة الاعتراف القانوني احترام الذات وتجربة التضامن، وأخيرًا تقدير الذات". يجب على الدول في

نظر هونيث أن تفكر أولً في تحسين الوضعية الاجتماعية والاقتصادية للمواطن، وثانيًا مساعدته على

العيش في أحسن الظروف، فعلى الدولة الديمقراطية واجب بذل كل الجهود من أجل وطن يسع

((2(لعل من أبرزهم ويل كيمليكا، الذي يقول: "وأنا أستخدم مصطلح التعددية الثقافية كمصطلح شامل يغطي مساحة واسعة من السياسات التي تستهدف توفير مستوى معين من الاعتراف العام، ومساندة المجموعات العرقية الثقافية غير المسيطرة، سواء كانت هذه الجماعات أقليات جديدة (كالمهاجرين والاجئين) أو أقليات قديمة (كالأقليات المستقرة تاريخيًا والسكان الأصليين) [...] إن

ما هو مشترك بينها جميعًا هو أنها تتجاوز الحقوق المدنية المكفولة لجميع الأفراد في دولة ديمقراطية ليبرالية، لتمتد إلى مستوى

ما من الاعتراف العام ومساندة الأقليات العرقية الثقافية في الحفاظ على هويتها والتعبير عنها وعن ممارساتها المميزة". ينظر: ويل

كيمليكا، أوديسا التعددية الثقافية، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، ج 1، سلسلة عالم المعرفة 377 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2011)، ص 32. فمن شأن سياسات الاعتراف المساندة للتنوع العرقي أو التعددية الثقافية أن توسع الحرية البشرية، وتقوي من حقوق الإنسان، وتقلل من الطبقية والهيراركية العرقية، وتنبذ العنصرية، وتنقص من العنف الممارس على النوع، وتنشر مزيدًا من التسامح، وتعمق الديمقراطية عبر الابتعاد عن مركزة السلطة والدفاع عن الوحدة والقومية. وفي المقابل ابتكرت

أساليب جديدة للحكم كالحكم الذاتي، وحق تقرير المصير، والجهويات الموسعة. يجب أن تتخلى القوميات المسيطرة عن وهم التفوق العنصري، والاصطفاء الطبيعي أو الديني أو اللغوي، مع الكف عن تشكيل المجتمع وفق معاييرها واختياراتها. ((2(يطالبنا أمارتيا سن بالحياد والاستقالية تجاه الذات والعالم، مما يضمن تبديل الأماكن كطريقة لرؤية الأشياء من وجهة نظر الغير،

يضرب مثلً على كيفية تأثير قراراتي ورؤيتي في الغير. فيقول: "بالرغم من أن جلوسك في المقعد الذي بجانب النافذة يجعلك تتحكم في ستارة النافذة القريبة منك، ما ينبغي لك أن تستخدم هذه الميزة دون اعتبار رغبة الآخرين وكيف يتأثرون بخيارك هذا المتعلق بالستارة".

ينظر: أمارتيا سن، فكرة العدالة، ترجمة مازن جندلي (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2010)، ص 289. ويقرر في هذا الشأن أن من العدالة ضرورة تدعيم وتقوية الدولة للأقليات والمعوقين وذوي الاحتياجات الخاصة، بتوفير خدمات اجتماعية مجانية تساعدهم على التساوي مع غيرهم وتعيد لهم توازنهم الاجتماعي، وحينئذ يمكن الاستفادة منهم. ينظر: المرجع نفسه، ص.386–384 (2((أكسل هونيث، الصراع من أجل الاعتراف، القواعد الأخلاقية للمآزم الاجتماعية، ترجمة جورج كتورة (بيروت: المكتبة الشرقية، 2015)، ص.320 ((2(المرجع نفسه، ص 311. يدعو هونيث في هذا الصدد إلى ضرورة استعادة الأفراد لثقتهم بأنفسهم، ويؤكد دورهم المحوري في

النظام الاجتماعي، ف  يمكن الاستغناء عنهم أو تحقيرهم أو إذلالهم. يعلّمنا هيغل درسًا فيؤكد أنّ الشخص الذي لا يعترف بشريكه في

المجتمع كليًا ومن دون تحفّظ، لن يستطيع أن يرى نفسه معترفًا به في ردات فعل الشخص الآخر. المرجع نفسه، ص.331

الجميع، يعترف به كل واحد في حق الآخر في العيش والحياة الكريمة بعيدًا عن الصراعات الطبقية والتراتبات الاجتماعية التي تكرس جدلية السيد المتفوق والعبد الخاضع المنهزم.

ثالثًا: الاعتراف المتبادل: جدل العبد والسيد

يستهدف ريكور إثبات كيفية اشتقاق المبادلة من المخالفة، بتبيان أن التعارض لا يعني القطيعة، بل هو مجرد نفي يستوعب نقيضه ويتجاوزه. ويسترجع قضية الكوجيتو الديكارتي، ويلمح من خاله لكيفية اشتقاق العالم الخارجي والغير، من خال الأنا الديكارتي الذي أصيب بالعقم، نظرًا إلى وجوده كأصل

ومبدأ للعالم والغير، أما العالم والغير فكجذوع الشجرة وأغصانها مقارنة بالجذر. ما كان لديكارت أن ياحظ – في نظر فينومينولوجيا هوسرل – أنّ الغير ذاتٌ أخرى في العالم تشبهني، من جهة أنّ لها جسمًا

تتقوم به عاوة على أنه يمكّنها من إدراك العالم، المُناظر والمماثل لي. وتختلف في العاقة بينهما كعاقة

النموذج بالنسخة. يتشابهان، نعم، ويختلفان. لا مشاحة في ذلك. فالتباعد يحفظ لكل طرف استقاله، ويطلق عليه ريكور "التحصل التناسبي Saisie analogisante. فالتناسب يفضي إلى حماية صورة الغير وتجربته في العالم من دون تشويه أو تنميط، ويهبه الوجود من أجل ذاته، ويثمن الغيرية في الغير. يسبح ريكور عكس التيار الديكارتي، فبدلً من تذويب الغير في الأنا، يحقق له الوجود والتساكن بتناسب وتعاند وتكافؤ. يمنحه حق العيش في عالم مشترك يسع الجميع، ويضمن للكلّ الحفاظ على موروثه وأرشيفه. يدفع كل الأطراف إلى التعاون والتكافل، تحقيقًا لعدالة اجتماعية تتساوى فيها المناطق الجغرافية؛ إذ يبدو الاعتراف حاجةً بيولوجيةً تضمن البقاء الطبيعي ولو على شكل إلقاء للقوي والأصلح من دون أن يؤدي ذلك إلى قتل الأضعف بقدر ما يستعاض عنه، برغبة اجتماعية في الاعتراف بتفوق الأقوى؛ تضمن العيش الاجتماعي لكل أطياف المجتمع لا سيما الضعفاء. يطلق عليه الاعتراف المطلق reconnaissance La absolue، ب  شروط أو قيود اجتماعية أو ثقافية أو عرقية، مما يدفع إلى إعادة النظر في مشكل الأقليات Les minorités والأغلبيات Les majorités التي لا عاقة لها بالعدد والحساب، بل بمدى فاعليتها في المجتمع وإسهامها في إنتاجه وتطويره، الأقلية والأكثرية معيارها الكيف وليس الكمّ. بناء عليه، كل أنا / غير في بيته الأصلي، وفي عالمه الحقيقي، تتساوى فيه المناطق الجغرافية في العالم. نحن أمام مورفولوجيا جديدة لا تهتم بما كنتَ عليه بالأمس، ومن أين جئت، بل تهتم بما أنت عليه هنا والآن، بدورك وإسهامك

(25) Ricœur, p. 248. (26) Ibid., p. 249. (27) Franck Fischbach, Fichte et Hegel La reconnaissance (Paris: PUF, 1999), p. 109. (28) Ibid., p. 84. (29) Ibid., p. 109.

((3(يقول نوفل الحاج لطيف: "إذا كنت أعيش في مجتمع يقوم على المساواة في الحظوظ وأنه لدي طموحات معينة، ما سيقرر نجاحي أو إخفاقي في تحقيق تلك الطموحات هو أدائي الخاص وليست العوامل المتعلقة بلون بشرتي أو الطبقة التي أنتمي إليها أو جنسي. ففي مجتمع لا يتميز فيه شخص عن غيره ولا يعاني فيه أحد الإجحاف بسبب ظروفه الاجتماعية، يكون نجاح الأفراد أو

إخفاقهم ناتجًا عن اختياراتهم ومجهوداتهم الخاصة". ينظر: نوفل الحاج لطيف، جدل العدالة الاجتماعية في الفكر الليبرالي: جون

راولز في مواجهة التقليد المنفعي (بيروت: جداول للنشر والتوزيع، 2015)، ص.241

في المجتمع. هي دعوة إلى حسن الضيافة التي نادى بها كانط في مشروعه للسام الدائم، تعويضًا للمهاجر عن الشقاء والطرد اللذَين تعرّض لهما فيبلده الأصلي، عاوة على التهميش والتحقير والذل الذي يتعرض

له في بلد الاستقبال. فأقل ما يُفعَل في حقه الاعتراف به كيانًا له خصوصيته ومن حقه مزاولتها. ويحتاج

هذا إلى تعاقد اجتماعي يصاغ بتوافق، يضمن حق الجميع في ممارسة هويته بعيدًا عن أشكال اقتتال الكل ضد الكل. فهل يستطيع التعاقد الاجتماعي بلوغ الاعتراف الاجتماعي؟

1. تحدي هوبز: التعاقد الاجتماعي ومَواطن ضعفه

السياسة محاولة للبحث عن خير الفرد/ المواطن والمدينة، بغض الطرف عن انتماءات الأفراد الحزبية أو اللغوية أو الدينية أو الإثنية؛ إذ يطرح في أفق المدينة سؤال التعايش والتكافل بإلحاح أكبر. لهذا يتقدم ريكور خطوة تجاه الاعتراف في المجال السياسي بعد أن عالجه اجتماعيًا، وذلك من خال نموذج توماس هوبز

Thomas Hobbes (79–158816)، أو تحدي هوبز Le défi de Hobbes الذي قدّم حالة الطبيعة على شاكلة نكران أصلي مشدود بصراع القوى بين كائنات بشرية، تدفعها شهوة البقاء لحرب الكل ضد الكل، على اعتبار الإنسان كائنًا عدوانيًا بالطبع. تسوق هذه الطبيعة العدوانية الفرد إلى الإذعان للشروط القاسية

التي يفرضها عليه الحاكم في العقد الاجتماعي، ليستنتج ريكور أنّ العقد الاجتماعي إفراز طبيعي لحالة التوجس من الموت العنيف، وإحال للسام مكانها، أي تنقية الجو من النكران، ومن ثم الاعتراف لكل شخص بحقه في الحياة والحرية، داخل إطار القانون المسطّر باتفاق الشركاء (الحاكم والمحكوم) وتعاقدهم، وتنازلهم عن بعض حقوقهم للتعايش. فالعقد الاجتماعي عند هوبز تخلٍّ وتعطيل لمجموعة من المؤهات والقدرات الأصلية، وجدت في حالة الطبيعة كالقوة على الإيذاء، والحرية المطلقة. تأسيسًا على ما سبق، يستشف ريكور نقيصة في حق العقد الاجتماعي لهوبز يسميها "تحدي هوبز"؛

كونه يرسخ التفاوت بين المتعاقدين ويزيد في تبعية أحدهم الامشروطة للآخر. والأشد إرعابًا أنه

يقنن هذه العاقة الامتكافئة بالقانون، ويوثقها بعقد اجتماعي يشكل مركز اتفاق الطرفين المتنازعين. وبهذا العقد أنتج هوبز تلك الشقّة، وزاد في حجم التباعد بين الطرفين، وقلل من حجم الثقة بينهما، ورفع حالة التوجس بينهما، وخلق جوًّا من النفاق بين الحاكم والمحكوم (يقال كام في الظاهر

يناقض كام الباطن). إنه إعطاء مجاني من جانب وأخذ مجاني من جانب آخر، بالتخلي والتنازل والتوكيل من عناصر عديدة لعنصر واحد هو رأس الدولة. هنا ينبثق تحدي هوبز من حالة تناقضية، منشؤها طبيعي يتأسس على الصراع إلى حدّ الموت في حالة الطبيعة، وبناؤها تعاقدي لاأخاقي غير متكافئ ولا يضمن المساواة بين الحاكم والمحكوم. يكتب ريكور في هذا السياق:

(3((يمكن العودة في هذا الصدد إلى رواية: سعود السنوسي، ساق البامبو (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2012). تحكي عن شاب مختلط الدماء، من أب كويتي وأم فلبينية خادمة، أحبها أبوه الكاتب وتزوجها وأنجب منها بطل الرواية عيسى في الكويت وجوزيه في الفلبين. عاش حياة الإنكار والتنكر، وقاسى تجربة الذل، "عاش مطأطئ الرأس"، فلم يعترف به من طرف عائلته الكويتية ولم يحقّ له الانتساب إليهم. يشبّهه الكاتب بنبتة البامبو التي تعيش وحدها وتموت وحدها.

(3((يمكن مراجعة كتاب: جيمس سكوت، المقاومة بالحيلة، كيف يهمس المحكوم من وراء ظهر الحاكم، ترجمة إبراهيم العريس وميخائيل الخوري (بيروت: دار الساقي،.)1995

(33) Ricœur, p. 265.

"فما هو موضع انشغال لدى هوبز ليس العدالة وإنما الأمن". الحالة البدئية (الحالة الطبيعية) لهوبز حالة خوف من الموت، تدفع إلى التقاتل والتطاحن الأعمى الذي لا مبرر له إلا حفظ البقاء للأقوى والأقدر جسميًا (عضليًا). تحذر سلطة الحاكم من عودة هذه الحالة من الاقتتال، وتتغذى بها لتضمن استمرارها في الحكم، أي إنّ مشروعيتها مستمدة من التحذير من ويات العودة إلى الاقتتال والتصارع الدموي.

2. هيغل والخلل في الهوية: التعارف وتجربة الاحتقار

يتحول الإنكار الهوبزي في شخص الحاكم المتسلط الذي لا يمثل في شخصه كل الإرادات الخاصة. يجمع في يده كل السلط، قلنا يتحول إلى اعتراف، ومعه ننتقل من الظلم إلى العدالة من الوحدة إلى التعدد. وذلك هو المسار الثاني الذي سلكه فريدريك هيغل حيث ياحظ التضايف بين صعيد الظلم والاعتراف أو ما يسميه أكسل هونيث تجربة الذل والعدالة التي أدت إلى مجتمع الحرية أو المجتمع الديمقراطي الذي يحمل كل هموم الأفراد للمجال العام ولمؤسساته التمثيلية، ولا يقصي أي مكوّن كيفما كانت مكانته الاعتبارية في المجتمع، بقدر ما يسمح بالتدافع والصراع في استعادة ضمنية للصراع الذي جرى بين العبد والسيد؛ إذ رغم تفاوتهما وتعارضهما في المكانة والقيمة ونظرة كل منهما إلى ذاته، فإنهما يلتقيان في رغبة كل منهما في نيل الاعتراف من الآخر. ينقل هيغل، في نظر ريكور، الصراع من منظور بيولوجي (الصراع من أجل البقاء) إلى المنظور الأخاقي (الصراع من أجل الاعتراف) من المعنى الكوني إلى الخصوصي.

(3((ريكور، العادل، ج 1، ص  94. لا يعتقد ريكور إمكان معالجة الباثولوجية أو الحالات المرضية التي يعج بها المجتمع المعاصر، مجتمع الإنسان ذي البعد الواحد، فقط بتحقيق الأمن وضمانه على كل الصُّ عد، وإلا ما دور القانون والتشريع؟ أليس هو

المعالجة؟ يقول ريكور: "يبدو كامل الجهاز القانوني مشروعًا ضخمًا لعاجات الأمراض الاجتماعية، في كنف احترام اختاف

الأدوار". المرجع نفسه، ص 91.5 إذ لكلٍّ دوره في المجتمع المعاصر، فيجب ألّ يُختزل المجتمع في رجل الشرطة والأمن. ((3(بهذا المعيار يقصي هوبز الضعيف والعاجز أو غير القادر على القيام بما يقوم به الإنسان السوي، ولم يلتفت هوبز إلى أنّ لكل فرد وظيفة في المجتمع. إنه رؤية أخرى للعالم. يقول ريكور: "في قراءة سلبية، يعني الاسوي النقص والقصور، وهو يعني في قراءة إيجابية تنظيمًا مغايرًا له قوانينه الخاصة. نعم، إنها بنية أخرى للعاقة بين الحي ووسطه. وعلى أساس هذه البنية المغايرة سنمفصل في النهاية

مسار الاحترام الراجع إلى هذه الكيفية الأخرى للوجود في العالم". ريكور، العادل، ج  2، ص 8.54 يطالبنا ريكور باحترام هذه الكيفية

الوجودية المختلفة عنا وألّ نهمشها. يقول أيضًا: "يسعى المجتمع إلى تجاهل وإخفاء وإقصاء معوقيه. ولم؟ لأنهم يمثلون تهديدًا أصمّ،

وتذكيرًا مقلقًا بالهشاشة وبالعرضية وبالمائتية؛ لأنهم يمثلون اللحظة الميتة التي لا تحتمل". المرجع نفسه، ص 0 55.

(36) Louis Carré, Axel Honneth: Le droit de la reconnaissance (Paris: Michalon Editeur, 2013), p. 30. (37) Ibid., p. 277.

(3((ألكسندر كوجيف، مدخل لقراءة هيغل، ترجمة وتقديم عبد العزيز بومسهولي (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2017)، ص.238 يقول كوجيف: "فإن ما يتم الاعتراف به كونيًا من قبل الآخرين، من قبل الدولة، من قبل السيادة بما هي كذلك ليس هو العمل، ولا هو

شخصية العامل، ولكنه فوق ذلك كله، هو الإنتاج الاشخصي للعمل. بقدر ما يعمل العبد فإنه يظل عبدًا، أي بقدر ما لا يعرض حياته

للخطر، بقدر ما لا يخوض صراعًا من أجل فرض قيمته الشخصية على الدولة، بقدر ما لا يتدخل بفعالية داخل الحياة الاجتماعية، فإن

قيمته الخاصة تظل ذاتية تمامًا: هو وحده من يعترف بها. إن قيمته إذًا هي فقط خاصة". المرجع نفسه، ص.253

(39) Ricœur, p. 277;

يقول كمال بومنير: "بعبارة أخرى فإن مفهوم الصراع بحسب هونيث لا يعبر الصراع كوني، أي الحرب ضد الكل، قصد الحفاظ على الذات وتحقيق الغلبة والانتصار على الغير، وإنما هو صراع ذو طابع عملي؛ لأنه وسيلة، أو الإجراء الذي تبحث الذات من خاله عن

اعتراف الغير بهويتها الخاصة والمتميزة". كمال بومنير، أكسل هونيث فيلسوف الاعتراف (بيروت: منتدى المعارف،.452015)، ص

يدخل هيغل مفهوم السلب في حركة الاعتراف المعاكسة التي تحتاج إلى قوى للتدبير والحكم، وهي هنا الدولة، تتوجه إلى القضاء على العنف، والسرقة، والإذلال، والإهانة، وغير ذلك، باعتبارها إنكارًا لاعتراف، واستقواء بالكونية مقابل الخصوصية. وللتنميط والتسطيح محل الاختاف والعمق. يقول ريكور: "إن هذا الشكل في الأنطوثيولوجيا Ontothéologie [علم يهتم بالدراسة النقدية لقضايا الدين] يعيق التكاثر البشري عند الظهور بوصفه المرجع الأعلى لعاقات التكافل". يستبدل هيغل عاقات العنف والنزاع بعاقات الحب والتضامن. فمع ظهور الصراع من أجل الاعتراف، تكاثر النوع البشري كمًا واختلف كيفًا. وبلغة هيغل بلغنا الروح المطلق، حينما باتت الذات قادرة على إدراك ذاتها من خال الآخر. لحظتها حققتا الوحدة المسكونة بالاختاف والهوية المختلطة بالمغايرة. أمسى المواطن ذاتًا كونية تنتمي إلى أفق الإنسانية المفتوح، المساوي لكل الذوات، ينبذ حصره في أقنوم متغير ينزله منزلة المواطن من الدرجة الثانية؛ إذ في هذا مسّ

بكرامة الفرد أو الجماعة، واعتراض على حقه في الوجود الفردي المستقل وسط الجماعة. وفي هذا الصدد، يجب الاعتراف بأنّ المجتمعات تتقدم وتتطور على أساس الأقليات والمهمشين والمقصيين، حينما تقام لهم عاقات داخل المجتمع، ويسمح بتفاعلهم معه على أساس هويتهم وثقافتهم، أي حينما يكون لهم حق الوجود بذواتهم وبكيانهم وخصوصيتهم؛ إذ الاعتراف يرفع الظلم والتحقير والنبذ والإقصاء، ويُظهِر في مقابله المساواة والكرامة والحرية، ويمكّن الفرد من

فردانيته، ويجعله يسكن بيته (هويته) بافتخار وب  خوف من أن يهدمه أحد، فيجد نفسه محفوظًا، مرحّبًا بإنِّيتِه وبكيانه بإطاق. لا يرى ريكور نفسه إلا مستفيدًا – في بناء هذا التصور – من أكسل هونيث وكتابه الصراع من أجل الاعتراف لكنه يقترح الإدلاء بعدة اعتبارات تكميلية، تمنح تجارب الاعتراف بعدًا سلميًا. صيغ منظور هونيث على أنقاض نظرية هوبز، المكونة من التنافس والحذر والفخر أو الكبرياء. فبدلً من الصراع حتى الموت، يضع هونيث الصراع من أجل الاعتراف. ومكان الثاثي المؤسس لهذا الصراع الهوبزي – نقصد التنافس والحذر والكبرياء – يبسط هونيث الثاثي: الحب والقانون والتضامن. فالحب عاقة قبل – اعترافية من نمط عاقة الأم بالطفل، يحضر فيها الانصهار الوجداني في البداية ثم الانفصال بينهما في النهاية؛ ليصبح في إمكان الطفل تحقيق رغباته في غيابها. فالحب بينهما سيرورة من الاعتراف المتبادل لحاجة كل منهما إلى الآخر. كل واحد منهما في حاجة

((4(Ricœur, p. 283. وما بين معقوفين إضافة من الباحث للتوضيح. (((4 شارلز تايلور، سياسة الاعتراف، ترجمة عبد الرحيم الدقون (الدار البيضاء: عقول الثقافة للنشر والتوزيع، 2018)، ص 37. يقول أيضًا في هذا الصدد: "مع سياسة المساواة في الكرامة، يُنتظر مما أنجز أن يكون هو نفسه كونيًا، وهو مجموعة متطابقة من الحقوق

والتفضيات؛ ما يُطلب منا الاعتراف به، مع سياسة الاختاف، هو الهوية الفريدة لهذا الفرد أو لهذه الجماعة، ما يميزه عن كل

الآخرين. الفكرة هنا بالضبط هي أن الطابع المميز الذي تم تجاهله والتغاضي عنه، بتذويبه في هوية مهيمنة أو أكثرية. وهذا الاستيعاب كان هو الخطيئة الكبرى في حق مثال الأصالة". المرجع نفسه، ص.37 (4((المرجع نفسه، ص.75 (4((هونيث، ص.180

ملحّة إلى الآخر، ولكل منهما دور في مساعدة الآخر على اكتشاف ذاته؛ الأم بصفتها أمًا والطفل

بصفته طفلً، في استقالٍ وانعتاق ذاتيَين من تبعية أحدهما للآخر أو على الأقل تتحول التبعية

المطلقة تبعية نسبية، ف  يوجد شعور بالإهانة أو التنكر (نقيض الحب). يخوض ريكور في حديث عن العائلة وما يجمعها من اتصال نسلي، بفضله يمنع إتيان المحارم بين مكوناتها، كالأب والبنت والأخ والأخت. وسبب المنع والتحريم الاجتماعي والقانوني والأخاقي راجع إلى ضرورة بناء عاقات جديدة، تشيَّد على الاختاف والمباينة، أي نقل الحياة، ومعها الميراث

الوراثي من كيان عائلي إلى آخر. إنه فِعلٌ يمدِّد العائلة ويفتحها على خصائص بيولوجية جديدة قائمة على الاختاط. فالمولود الجديد على تلوّنه يُمنح اسمًا اجتماعيًا ولقبًا عائليًا، فيقال: ابن فان. وبدوره

يسمح له هذا النظام بنقل هذا الإرث لابن: "مفاد القول أنه لأجل أني اعتُرف بي ابنًا أو بنتًا لفان، فإني أعترف بذلك بدوري"، لأن المنقول يمثل جزءًا من ذاته، إنه هو بيته ومسكنه. ولأجل ذلك يطلب من الناس احترامه وتقديره بالاعتراف به، ليس رمزيًا فقط، بل إنّه قانوني وحقوقي أيضًا؛ فكل شخص قادر على تطوير حياته الخاصة ورسم معالمها بمساعدة الجماعة مع الحفاظ على استقاله، فما هي إلا مجرد مرشد ومعين. وبناء عليه، يستلزم توسيع الحقوق لإغناء القدرات الفردية والاغتناء منها بصرف النظر عن كونها حقوقًا مدنية أو سياسية أو اجتماعية، وبغض الطرف عن كونها سالبة أو موجبة. فدورها متجسد في حماية الفرد من الانتهاكات التي قد ترتكبها كيانات الدولة والفئات الأكثر تمثيلية من جهة، ومن جهة أخرى تضمن للواحد من الناس نصيبه من الخيرات بتوزيعها بحسب الاستحقاق والمشاركة في الإنتاج والخصاصة (الفئات الهشة، ذوو الاحتياجات الخاصة، وغير ذلك). وبهذا تضمن مشاركة جميع الإرادات الحية في صيرورات تطوير المجتمع وتكوين الإرادة العامة التي يسميها تشارلز تايلور Taylor Charles سياسات الاعتراف. يعتقد تايلور أنّ ما وصلنا إليه اليوم من ثقافة وتقدم اقتصادي مدينون به لجميع الثقافات وعديد الفئات التي شاركت بقسطها ومجهودها وملكاتها وقدراتها. فلكل الحق في المشاركة في صنع القرار العمومي ووضع الحقوق وصياغة التشريعات. يجب أن يشعر الفرد بمواطنة كاملة، ويحس بفخر الانتماء إلى وطنه وجماعته. يمسي تحقق المجتمع أفقًا خصبًا للتنوع الأكسيولوجي وللتقدير العام

لكل الذوات. من شأن هذا أن يوصلنا إلى التقدير الاجتماعي للجميع فيعمّ الحب والصداقة، الأمر الذي في إمكانه تزويدهم بالثقة بالنفس وبالأمن العاطفي.

(((4 نظرة هيغل نفسها؛ السيد يكتشف نفسه سيدًا من اعتراف العبد بعبوديته وسيادة سيده، والعبد يكتشف عبوديته من حاجة السيد

إليه ومحافظته عليه اعتراف بعبوديته. ومن الغريب أن يحتاج السيد إلى اعتراف العبد. ألا يحوّله إلى سيد؟ يقول كوجيف: "هنا يكمن

انعدام الرضى، ومأساة وضعيته. فالسيد خاض صراعًا، وخاطر بحياته من أجل الاعتراف، لكنه لم يحصل سوى على اعتراف لا قيمة

له، لأنه لا يمكن أن يرضى إلا بأن يكون الطرف الذي اعترف به جديرًا بأن يعترف به". ينظر: كوجيف، ص.51

(45) Ricœur, p. 304.

(((4 هونيث، ص 35؛ سن، ص.497 (4((تايلور، ص 75.

يوسع ريكور، على غرار هونيث وتايلور، المجال الاجتماعي، فيضمن الوجود وحظوة الحضور لكل الذوات والأشخاص، فيصبح الجميع فسيفساء سيمولاركية (نسخًا لا أصولً) تفيد التعدد والتنوع، ممثلة بكل القوى الاجتماعية. يسوقنا ريكور لإعادة النظر في مدى معيارية القيم الغالبة، ومدى تمثيلها جميع فئاته، عاوة على معيارية تقويم الإنجازات الفردية إلى حد أن يصار إلى كبح الإنجازات الفردية والقيم الخصوصية، لا لشيء إلا لأنها لا تتوافق وهذه المعايير. ألَ تعدّ هذه المقاييس مانعًا يحارب التفوق ويقتل الإبداع والتنوع والاختاف؟ تلمّس ريكور فسادًا على مستوى المعايير، أو فلنقل أصاب تلك المعايير جمود وتصلّب، حتى لم تعد

قادرة على الاستجابة لتطلعات كل الأفراد والفئات. وفي هذا الإطار يدخل ريكور في حوار نقدي مع الجماعاتيين والفردانيين، لا سيما أنه يعيب عليهم نزعتهم إلى تعميم نموذج جاهز للتطبيق في مناطق أخرى (ما يطلق عليه بالأمركة)، أعمتهم هذه النزعة عن الاختافات والتمايزات الاجتماعية، فسعوا لمسحها وإزالتها ومحاربتها بكل الأشكال. وبذلك ضيّعت رصيدًا ثقافيًا خصبًا، وسلّمته لانقراض،

متنكرةً لدوره المحوري في بناء المشترك البشري. فالغلبة ومفاعيلها دائمًا حاضرة في الجسم البشري،

تحدد مآل الصراع، وتعترف فقط بثقافة الأسياد الأقوياء (الرجل الأبيض، الغني)، وتهمش ثقافات العبيد (السود، النساء). تعتبرهم أناسًا ناقصي الأهلية، معوقين اجتماعيًا، يمثلون عبئًا يثقل كاهله. ف  هي

تنظر إليهم ولا هي تعترف بثقافتهم. يصرح ريكور في هذا الشأن: "يسعى [المجتمع المعاصر] إلى تجاهل وإخفاء وإقصاء معوقيه. فلِم يحصل إقصاؤهم؟ ألأنهم يمثلون تهديدًا أصم، وتذكيرًا مقلقًا

بالهشاشة وبالعرضية؟ أم لكونهم يمثلون لحظة تذكير قوى المجتمع بعدم تحمّل مسؤوليتها في تطوير

ميولهم فيحدث أن يقع إخفاء الزائغين الاأسوياء (في المستشفيات والمناطق المهمشة) كما يقع إخفاء المنحرفين المعاقبين جنائيًا"؟ وشقاء هؤلاء وذنبهم أنهم لا يتوفرون على ما يتوفر عليه غيرهم. وتلك

الرؤية، تنتج وعيًا شقيًا منخورًا من الداخل، عاجزًا عن الإسهام الفعال في المجتمع، ضائعًا ب  أفق،

ومستعدًا للتضحية بنفسه من أجل أن يعترف به، فيستخدم كل الأساليب المشروعة وغير المشروعة.

3. الصراع من أجل الاعتراف وحالات السلام

يعتبر الصراع من أجل الاعتراف مرسخًا لحالات السام، يقدّمها حلً لتجويدها وتهذيبها، ويدفع الأفراد الذين عاشوا ويات الصراع إلى اختيار الاعتراف سلميًا كما حصل لألمانيا بعد الحرب

العالمية الثانية، ولدول أوروبا الشرقية، كالمجر والبوسنة والهرسك. لعل هذا الوعي بأهمية الصراع ودوره الإيجابي في ترسيخ حالة السام، من شأنه أن يرفع الموانع الحائلة دون انتشار السام بوصفه أرقى ما بلغه الاعتراف في أشكاله الثاثة: الصداقة philia، والأيروس eros، والمحبة agapé؛ إذ الاعتراف رابطة تجمع طرفين أو ذاتين على أساس الصداقة، فالصديق اعترف بحاجتي إليه. والأيروس رابطة غرائزية تدفع الإنسان إلى الاعتراف بحاجة إلى الاستمرار بصفته نوعًا من خال ذات أخرى (الذكر يحتاج إلى أيروس للأنثى والعكس صحيح). أما المحبة فرابطة

4(((ريكور، العادل، ج  2، ص 0.55 بتصرف، وما بين معقوفين من عند الباحث.

وجدانية تدفع صاحبها إلى التعلق بمن يحب والاستعداد للتضحية من أجله، وهي أقصى أنواع الاعتراف. ياحظ أنّ الاعتراف نوع من المبادلة العادلة؛ تحفظ حقوق الطرفين وكرامتهما، وتستلزم عطاء الطرفين بقدر أخذهما. وهذا هو مقتضى العدل باعتباره عاقة متوازنة ومتكافئة. ومن العدل أن لا تظل هذه العاقة الاعترافية محض عاقة قانونية، بل لا بد لها من عاقة إنسانية مبنية على أن المحبة يعامل فيها الشخص بوصفه غاية في ذاته، لا وسيلة تبلغ أحد الطرفين مصالحه على حساب الآخر. ومن الاعتدال أن يغلف الحب بالتوازن بين طرفين يعترف كل منهما بقيمة الآخر وحاجته إليه. فالحب عطاء من دون انتظار للأخذ، وبذل وإيثار في سبيل من نحبّ. ولعل هذا بالضبط ما نجد له أشباهًا ونظائر

عند مارسيل موس Mauss Marcel (950–18721) الذي يتساءل: "ما القوة التي يتضمنها الشيء الموهوب، والتي توجب على المتلقي الرد بالمثل؟". يعود موس إلى مجموعة من المجتمعات من قبيل الماوري maori، حيث الهبة (البولاتش Polach) تُستخدم سلطةً للحكم، وتسهم في نشوء الطبقية بين الواهبين. الهبة ليست هدية بريئة، بقدر ما هي توريط للموهوب في التبعية والمديونية والعبودية. ولعتق رقبته يلزمه تقديم هبة أكبر ممّا قدمت إليه. فتنتقل التبعية والعبودية إلى الأول، وهكذا. يستنتج

موس أنّ الهبة في هذه المجتمعات الأرخية (مجتمع تقليدي يقوم على الصيد) شكل من الصراع الخفي والسلمي على الاعتراف، يدفع عنها العنف والاقتتال، ويستفيد منها كامل المجتمع الذي يزجّ به في لعبة الهدايا والهدايا المضادة، خوفًا من أن تلحقه لعنتها أولً. وثانيًا لا تكتمل الهدية إلا بردّ

مثلها أو أحسن منها؛ الأمر الذي يدفع إلى التساؤل: أليس الاعتراف بالهدية بردّ مثلها هدمًا لها بما هي هدية مجانية؟ تقدّم الهدية المجانية نفسها بوصفها صيغة من صيغ التقارب والتزلّف بين المتهادين، فتصوِّر نفسها

كرمًا غير محدود، ونكرانًا مطلقًا للذات التي لا تنتظر الرد، لكنها لا تكتمل إلا بردّ مثلها أو أحسن منها؛ الأمر الذي يلغي مجانيتها؛ ليجعلها نوعًا من الثأر والانتقام السلمي. أعطيك أكثر وأعز وأغلى ما أملك؛ لأستعبدك وأسيطر عليك، فتصبح مدينًا لي بحياتك وببقائك، وتتضاءل مكانتك الاجتماعية، وتنحدر لتصبح عبدًا لي إلى أن تحرر رقبتك، بأن تمنحني هديةً أكبر وأحسن وأفضل مما منحتك حينها، فأمسي أنا مدينًا لك وعبدًا تابعًا لسلطانك. من ثمة، فالهدية غير بريئة، وقوّتها في أن تجري مجرى التبادل،

وتسلك سبل العطاء السلمي الذي يعترف بالمعطي الكريم؛ إذ كل من تنعّم بخيراتي يمسي مدينًا لي، وكأني أستثمر مالي أو أدخره. وفي هذا النظام البولاتشي، المعطي أكثر، هو من يستحق رئاسة القبيلة،

4(((مارسيل موس، مقالة في الهبة، أشكال التبادل في المجتمعات الأرخية وأسبابه، ترجمة محمد الحاج سالم (طرابلس: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2014)، ص 21. يعود بول ريكور إلى هذا النص قصد التأسيس لفلسفة الاعتراف من داخل حقل العلوم الإنسانية خصوصًا في الأنثروبولوجيا. حيث ياحظ أنّ الهبة صيغة من صيغ التبادل القائمة على الاعتراف الفردي والجماعي

من قبائل الماوري لمن يعطي أو يهب أكثر من طرف من يأخذ هذه الهبة (البولاتش)، في إعادة غريبة لجدلية العبد والسيد الهيغلية من طرف موس. (5((المرجع نفسه، ص.197–196

(51) Ricœur, p. 355.

ويُعترَف بمكانته العالية، فيطاع ويخضع له الكل؛ لكونه أكرمهم وأكثرهم إحسانًا، وكل مكونات القبيلة

مدينة له. وعلى من أراد انتزاع المشيخة منه أن يعطي أكثر ويقدّم المزيد من الهدايا. وهكذا دواليك. فهو كرم وإحسان غير بريء وغير مجاني؛ لأنه مصحوب بردّ الدين والهدية بأحسن منها. هي، إذًا، عاقة تجارية مهادنة، ب  خاسر أو رابح، وب  ثمن prix Sans؛ فأنا أعطيك هدية مادية، ولا أنتظر منك مقابلً ماديًا لها بل رمزيًا، أي إنني بصفتي معطيًا ومحسنًا أريد منك أن تعترف بما قدّمته لك، فحسب،

وتعترف بعطائي وإحساني. فأنا مدين لك. ومتى طلبت منك شيئًا، فواجبٌ عليك تأديته (لذا، كثيرًا

ما يُنظَر في مجتمعاتنا بعين الحذر لمن يهديك شيئًا). فهل يحتاج الاعتراف لكل هذه التضحية بالمال وبأعز وأثمن ما يملك في شكل هدية؟ هل هو مهم وضروري إلى هذه الدرجة؟

خاتمة

سعى ريكور منذ البداية ليقطع مع فلسفة الاعتراف الاجتماعية مع كل من هونيث وتايلور، عندما أسس نظريته لاعتراف على المحدد الفلسفي خالصًا، في شكل الاعتماد على المعجم، باستخاص تحديد لاعتراف، ومن ثمة بناء نظريته من مخزونه، بإعادته إلى العقانية مع رائدها ديكارت عن طريق إعادة تأويله للكوجيتو المجروح، وتدعيمه، وتقوية رصيده بالتعرف إليه باعتباره ذاتًا عاقلة واعية تتحمل مسؤولية فعلها، وقادرة على القول والعمل. ولعل هذا شكّل أوّل المنجزات الهيرمونيطيقية لريكور، بإعادة الثقة لفلسفة الوعي. وهو ما لا يتفق وفلسفات الاعتراف التي بدأته من هيغل في نظرية جدل العبد والسيد. نستخلص أيضًا أنّ لاعتراف بعدًا معرفيًا، تتعرف فيه الذات إلى ذكرياتها بوصفها جزءًا من الذات

الفاعلة التي تتحمل مسؤولية فعلها، فيترتب على ذلك إثابتها أو عقابها، ولعل هذا الجانب هو الذي شهد تطور النظريات الحقوقية التي بنته على أساس القدرة على الفعل والاختيار، والأهم، بحسب ريكور، أن هنالك ذاتًا ينسب إليها الفعل. يتوقف ريكور عند هيغل ليصوغ نظرية الاعتراف انطاقًا من جدل السيد والعبد ومن الصراع الدائر بينهما والذي ينتهي رمزيًا باعتراف كليهما بحاجته إلى الآخر وضرورة وجودهما معًا؛ الأمر الذي يعبر بهما من الاقتتال إلى التعايش السلمي، فيضمن لكل طرف حقوقه ويلزمه بواجبات. والقضاء على الصراعات والنزاعات، وهو هدف عامّ من أهداف نظرية الاعتراف، شكّل إتمامًا لمنظومة حقوق الإنسان، وإصاحًا للنظام الديمقراطي القائم على حكم الأغلبية؛ من أجل تحقيق نظام تعددي تمثيلي تشاركي، يضمن لكل الفئات والألوان والإثنيات المشاركة الفاعلة المعترف بها وبقيمتها. ولعل هذا ما لم تلتفت إليه نظرية بول ريكور، فظلّت رهينة المقاربة الفلسفية والمعجمية والقاموسية الخاصة باللغة والفلسفة الفرنسيتين؛ ما يفسر البدء من فلسفة ديكارت وجعلها أساس نظرية الاعتراف، وكأنه نوع من الإقصاء لباقي اللغات والفلسفات في الإسهام الفعلي في هذه النظرية. فما أحوجنا اليوم، نحن مواطني الدول العربية، إلى التشجيع على سياسات الاعتراف والعمل بمستلزمات التعدد الثقافي، لا سيما أنّ دولنا عامرة بالإثنيات والأقليات التي تشكّل فسيفساء لا يستفاد

منها واقعًا، بل يُعمَل على وأدها، بل استخدامها ورقةً سياسية لتقسيم الدول، أو طابورًا خامسًا من

جانب دول أخرى. ولهذا، تحتاج إلى الاعتراف بها وبكيانها، ومعاملتها معاملة الأغلبية نفسها، بل تخصيصها بحقوق تتناسب مع هويتها وثقافتها، وليس في هذا ما من شأنه أن يسبب أيّ ضرر للأغلبية، وفي دول العالَم ما يشهد على ذلك.

References

المراجع

العربية

بومنير، كمال. أكسل هونيث فيلسوف الاعتراف. بيروت: منتدى المعارف،.2015 تايلور، شارلز. سياسة الاعتراف. ترجمة عبد الرحيم الدقون. الدار البيضاء: عقول الثقافة للنشر والتوزيع،.2018 ديكارت، رينيه. العادل. ترجمة محمد البحري [وآخرون]. قرطاج: المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون بيت الحكمة،.2003 ________. الذات عينها كآخر. ترجمة جورج زيناتي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2005 ________. حديث الطريقة. ترجمة وشرح وتعليق عمر الشارني. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،

________. سيرة الاعتراف. ترجمة فتحي إنقزو. مراجعة محمد محجوب. تونس: المركز الوطني للترجمة،.2010 ________. التأملات في الفلسفة الأولى. ترجمة وتقديم وتعليق عثمان أمين. سلسلة ميراث الترجمة 297.1 ط 2. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2014 الحاج لطيف، نوفل. جدل العدالة الاجتماعية في الفكر الليبرالي: جون راولز في مواجهة التقليد المنفعي. بيروت: جداول للنشر والتوزيع،.2015 سكوت، جيمس. المقاومة بالحيلة، كيف يهمس المحكوم من وراء ظهر الحاكم. ترجمة إبراهيم العريس وميخائيل الخوري. بيروت: دار الساقي،.1995 سن، أمارتيا. فكرة العدالة. ترجمة مازن جندلي. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2010 السنوسي، سعود. ساق البامبو. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2012. القيم إلى أين؟: مداولات القرن الحادي والعشرين. ترجمة زهيدة درويش جبور وجان جبور. مراجعة عبد الرزاق الحليوي. قرطاج: بيت الحكمة؛ اليونسكو،.2005 كوجيف، ألكسندر. مدخل لقراءة هيغل. ترجمة وتقديم عبد العزيز بومسهولي. القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع،.2017

الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،2011.

والعلوم الإنسانية؛ دار أبي رقراق للطباعة والنشر،.2001

سالم. طرابلس: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2014

بيروت: المكتبة الشرقية،.2015

الأجنبية

كيمليكا، ويل. أوديسا التعددية الثقافية. ترجمة إمام عبد الفتاح إمام. ج.1 سلسلة عالم المعرفة.377

المصباحي، محمد [وآخرون]. سؤال العدالة في الفلسفة السياسية المعاصرة. الرباط: كلية الآداب

موس، مارسيل. مقالة في الهبة، أشكال التبادل في المجتمعات الأرخية وأسبابه. ترجمة محمد الحاج

هونيث، أكسل. الصراع من أجل الاعتراف، القواعد الأخلاقية للمآزم الاجتماعية. ترجمة جورج كتورة.

Carré, Louis. Axel Honneth: Le droit de la reconnaissance. Paris: Michalon Editeur, Fischbach, Franck. Fichte et Hegel La reconnaissance. Paris: PUF, 1999. Ricœur, Paul. Parcours de la reconnaissance. Paris: Gallimard, 2004.