تمثيل الهوية الهجينة في رواية
The Representation of Hybrid Identity in Saud Alsanousi’s Novel The Bamboo Stalk
الملخّص
تتناول هذه الدراسة موضوع الهوية الهجينة في رواية ساق البامبو، من منظور سردي ثقافي يربط وظيفة السرد بالمرجعيات الثقافية. وتتطرق في الجزء الأول منها إلى المفاهيم التي ترتكز عليها هذه المقاربة نظريًا. وتحلل في الجزء الثاني الكيفية التي يجري من خلالها بناء هذا النمط المعقد من الهوية، انطلاقًا من عناصر التخييل السردي. وتخلص إلى أن الهوية السردية لبطل الرواية تتشكل في سيرورة من الإزاحات الثقافية والانزياحات الدلالية.
Abstract
Abstract: This study deals with hybrid identity in Saud Alsanousi’s novel the Bamboo Stalk , from a cultural narrative perspective, linking the function of the narrative to cultural references. The first part addresses the theoretical concepts underlying this approach, while the second part analyses how this complex pattern of identity is shaped by elements of narrative fiction. The paper concludes that the narrative identity of the protagonist is shaped by cultural displays and semantic slides.
- الهجنة
- الهوية
- السرد
- التمثيل
- الازدواج
- عبر-قومي
- Hybridity
- Identity
- Narrative
- Representation
- Ambivalence
- Cross- Nationalism
ثقافي يربط وظيفة السرد بالمرجعيات الثقافية. وتتطرق في الجزء الأول منها إلى المفاهيم
التي ترتكز عليها هذه المقاربة نظريًا. وتحلل في الجزء الثاني الكيفية التي يجري من خالها
بناء هذا النمط المعقد من الهوية، انطاقًا من عناصر التخييل السردي. وتخلص إلى أن الهوية
السردية لبطل الرواية تتشكل في سيرورة من الإزاحات الثقافية والانزياحات الدلالية.
مقدمة
تستمد رواية ساق البامبو The Bamboo Stalk)2008( للروائي الكويتي سعود السنعوسي، قوتها التخييلية والمعرفية من طرحها لإشكالية الهوية في الرواية العربية من منظور سردي وثقافي جديد، يسعى إلى تصوير التهميش الذي تتعرض له الهويات الصغرى. وتبرز الرواية، من خال حكاية بطلها عيسى هوزيه، مدى تعالق القوة والخطاب في سياسات الهوية، كاشفةً تواطؤ قوى الأصل والطبقة والمال في فرض هوية واحدة متسلطة، وفي تبرير سياسات الاضطهاد والإقصاء ضد الآخر المختلف. لكن الخطاب الروائي في ساق البامبو، يقلب معادلة القوة سرديًا وتخييليًا، حين يسند
سلطة السرد إلى التابع Subaltern المهمش في إعادة كتابة حكاية الهامش (حكاية عيسى هوزيه) من داخل حكاية القوة (حكاية عائلة الطاروف). وتكمن أهمية هذا القلب في عاقات القوة على مستوى الخطاب السردي في أنه أتاح للتابع (عيسى هوزيه) موضعة حكايته في قلب التبئير السردي، مُتَجاوزًا
وضع التهميش الذي تعرض له؛ وهذا ما مكَّنه من بناء هوية سردية بديلة.
أولا: الهوية/ إبدالات إبستيمولوجية
يُعد مفهوم الهوية موضوعًا خافيًا تتنازعه مجالات تفكير وتنظير متعددة، فلسفية وسيكولوجية
وأنثروبولوجية وسوسيولوجية، وتراكم حوله ما يمكن أن نسميه بتعبير الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو
Foucault Michel (1926–1984) متنًا ضخمًا من "الأرشيف الخِطابي"، بحيث يصعب على الباحث
أن يتطرق إلى كل الحقول المعرفية والميادين الخطابية التي اهتمت بالتنظير لمفهوم الهوية. ولتجاوز هذه المعضلة سنستعين بالنموذج المعرفي الذي صاغه المُنَظِّر الثقافي ستوارت هال Hall Stuart
(2014–1932)، وتناول فيه التحولات الجذرية التي شملت تصورات الهوية والذات، في فترة الحداثة المتأخرة، وعلى أساسها يميز بين ثاثة مفاهيم للهوية: • الذات التنويرية Enlightenment Subject: تقوم على هوية متمركزة للشخص، "باعتباره فردًا موحدًا، متمركزًا حول ذاته، يتمتع بقدرات العقل، الوعي والفعل". وتنشأ هذه النواة المركزية التي تضمن وحدة الذات من جوهر داخلي يولد مع الشخص، ويستمر معه في جميع مراحل حياته. هذا التصور الفرداني Individualist للذات، يعود في أصوله الفلسفية إلى الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت René Descartes (1650–1596) مؤسس الذاتية في الفلسفة الحديثة، وخاصة في عبارته الشهيرة
(((سعود السنعوسي، ساق البامبو، ط 9 (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.)2013 (((روائي كويتي من مواليد 1981، صدر له العديد من الأعمال الروائية والمسرحية نذكر منها: سجين المرايا (2010)؛ وفئران أمي
حصة (2017)؛ وناقة صالح (2019)؛ وحمام الدار.)2017((((فازت هذه الرواية بالجائزة العالمية للرواية العربية لسنة 2013. وتُعرف هذه الجائزة بجائزة بوكر العربية for Prize International
Fiction Arabic، وقد جرى تجسيد الرواية في مسلسل كويتي اجتماعي بعنوان الرواية نفسه (ساق البامبو)، وجرى عرضه في شهر رمضان عام.2016
(4) Stuart Hall, David Held & Tony McGrew (eds.), Modernity and its Futures: Understanding Modern Societies (Cambridge: The Open University, 1992), p. 275.
"أنا أفكر، إذًا، أنا موجود" Cogito, ergo sum، الذي وضع مفهوم الذات الفردية العقانية الواعية في مركز الثقافة الغربية. • الذات السوسيولوجية Sociological Subject: إذا كانت هوية الشخص في النموذج الحداثي (التنويري) تتحدد باعتباره ذاتًا مستقلة، واعية وعقانية، متميزة من الآخرين، فإن الذات السوسيولوجية تتميز بكونها "ليست مستقلة، ولا مكتفية بذاتها، لأنها تتشكل في العاقة الدالة مع الآخرين الذين ينقلون إلى الذات قيم العالم الذي تعيش فيه، ومعانيه ورموزه وثقافته". ويركز هذا التصور السوسيولوجي على الدور الحاسم للتفاعات الرمزية مع الآخرين في تكوين الهوية الاجتماعية للذات. وهذا ما أدى إلى ردم الهوة الفاصلة بين الشخصي الفردي والاجتماعي العام اللذين جرى الفصل بينهما في نموذج الذات التنويرية الحداثية. وهكذا أصبحت الذات، التي اتسمت بهوية فردية واحدة ومتميزة في النموذج التنويري، تتكون من هويات متعددة ترتبط بالمواقع الاجتماعية التي تشغلها في المجتمع (طبقة، مهنة، مؤسسة، حزب، وغيرها). • الذات ما بعد الحداثية Post–modern Subject: عمقت ما بعد الحداثة "أزمة الهوية" من الداخل، فلم تعد الذات تتمتع بهوية ثابتة، جوهرية أو دائمة، بل أصبح يُنظَر إلى الهوية بوصفها عملية بناء
ثقافي "تتشكل وتتحول باستمرار فيما يتصل بطرائق التمثيل التي تمثلنا وتستنطقنا في الأنظمة الثقافية التي تحيط بنا". وبما أن أشكال التمثيل والممارسات الدالة الثقافية متعددة ومختلفة، فإن الذات يكون في وسعها، باستمرار، امتاك هويات جديدة محتملة. لقد أدى ما بعد الحداثة إلى تقسيم الهوية التنويرية إلى هويات مجزأة Identities Fragmented على مستويات اجتماعية وثقافية متعددة ومتنازعة فيما بينها، طبقية Stratification Social، وجندرية Gender، وعرقية Ethnic، وجنسانية
Sexuality، وكولونيالية Colonialism.
وعلى الرغم مما انطوت عليه هذه الانقسامات الهوياتية من عنف تاريخي وإبستيمولوجي خال مرحلة الكولونيالية الغربية، فإنها كشفت في مرحلة ما بعد الكولونيالية عن إمكانية بناء عالم قائم على التعددية الثقافية، يقطع مع المركزية الثقافية التي فرضتها الحداثة الغربية على الثقافات غير الأوروبية. وفي هذا السياق التاريخي والثقافي ما بعد الكولونيالي الذي شكّلت فيه الهجنة الثقافية سمة لثقافات المستعمِر والمستعمَر، اكتسب مفهوم التمثيل Representation دورًا مركزيًا في تنظير الهوية الثقافية وتشكيلها.
ومن هذه الزاوية، أصبح يُنظَر إلى الهوية على أنها نتاج الممارسات الدالة للتمثيل؛ بمعنى أنها ترتبط
بعملية إنتاج المعاني بين أعضاء ثقافة ما في المجتمع. ولأن "التمثيل يشكّل العملية التي يستخدم بها أفراد ثقافة ما اللغةَ لإنتاج المعنى (بالمعنى الواسع للّغة الذي يشير إلى نظام لتوليد العامات؛ أي نظام دال System Signifying ")، فإن الهوية تتشكل في عملية ممارسة التمثيل التي ينخرط فيها الأفراد
(5) Ibid. (6) Ibid., p. 277. (7) Stuart Hall (ed.), Representation: Cultural Representations and Signifying Practices (London: Thousand Oaks; New Delhi: SAGE Publications/ The Open University, 2003), p. 61.
في تمثيل ذواتهم والتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم. لقد أدى هذا المنظور الثقافي إلى تغيير جذري في تصور طبيعة الهوية؛ فبدلً من النظر إليها على أنها معطى تجريبي أو جوهر محايث للذات، أصبح ينظر إليها على أنها بناء ثقافي، يتشكل ويعاد تشكيله باستمرار في سيرورة التمثيات الثقافية التي يجري إنتاجها وتداولها في الثقافة. وهكذا، لم يعد من الممكن الحديث عن طبيعة ثابتة للهوية.
ثانيًا: الهوية الهجينة/ سيرورات التمفصل
بالنظر إلى هذه الإبدالات الإبستيمولوجية التي عرفها التفكير النظري في مفهوم الهوية، يمكن أن نموضع تصور الدراسات الثقافية لمفهوم الهوية ضمن النموذج ما بعد الحداثي، الذي ينظر إلى الهوية على أنها بناء ثقافي، يجري إنتاجه في إطار شروط اجتماعية وتاريخية محددة. والهوية بهذا المعنى الثقافي هي عملية توليف متجددة Process، وليست ماهية ثابتة Essence. انطاقًا من هذا التصور، يمكن أن نصنف منظور الدراسات الثقافية للهوية ضمن ما يسمى "الموقف المناهض للماهوية" Anti–essentilialist. ويتحدد هذا الموقف بالتضاد مع الموقف الماهوي Essentialist الذي "يسلم بأن أي هوية تملك مضمونًا جوهريًا وأساسيًا، بحيث يجري تحديدها من
خال أصل مشترك أو بنية مشتركة للخبرة أو من خالهما معًا". في الوقت الذي يؤكد النموذج الماهوي أن الهوية جوهر متجانس وثابت، يجري توارثها جيلً فجيلً، يؤكد الموقف المضاد للماهوية أن الهوية عملية عائقية، غير متمركزة حول نواة موحدة (جوهر). إنها أداء Performance وليست معطى أو ميراثًا. إنها أداء يرتبط بالجهد الذي تبذله الذات في عملية التوليف بين مكوناتها المتنازعة والمتنافسة (الطبقة، العرق، الدين، اللغة، الجندر)، داخل سياقات ثقافية، اجتماعية وتاريخية محددة. وتظل هذه المكونات قابلة لإعادة التمفصل Articulated بطرائق جديدة في الوضعيات المستجدة والطارئة. وبسبب زيادة عمليات التداخل والتدفق للبشر والسلع عبر الحدود في عصر العولمة، أصبح مفهوم التهجين Hybridity يحظى بالأولوية في الدراسات الثقافية في مقاربة الهوية؛ لأنه الأكثر تعبيرًا عن
واقع التعددية الثقافية الذي يشكّل السمة البارزة للعالم الحديث: "وإنه لَذو أهمية خاصة بالنسبة لي، كعربي وغربي أن ينجلي أن فكرة التعددية الثقافية أو الهجنة – التي تشكل الأساس الحقيقي للهوية اليوم – لا تؤدي بالضرورة دائمًا إلى السيطرة والعداوة، بل تؤدي إلى المشاركة، وتجاوز الحدود، وإلى
التواريخ المشتركة والمتقاطعة". إن عمليات الاختاط الثقافي بين الشعوب والثقافات التي عرفها التاريخ الإنساني الحديث، بسبب التحولات التاريخية الكبرى، منذ الحمات الاستعمارية، مرورًا بحروب التحرر الوطني، والحركات
(8) Lawrence Grossberg, "Identity and Cultural Studies: Is That All There Is?" in: Stuart Hall & Pull Dugay (eds.), Questions of Cultural Identity (London: Thousand Oaks; New Delhi: Thousand Oaks/ SAGE Publications, 2003), p. 89.
(((إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة كمال أبو ديب (بيروت: دار الآداب للنشر والتوزيع، 1997)، ص.10
ما بعد الكولونيالية، وصولً إلى عملية العولمة المستمرة بإيقاعها المتسارع، أدت إلى تداخل تواريخ الإمبراطورية بتواريخ الشعوب المستعمرَة. وعلى الرغم مما تضمنته هذه العمليات من عنف كولونيالي
وإمبريالي وحداثي ضد ثقافات الشعوب المستعمرَة، فإنها انطوت من جهة ثانية على تأثيرات ثقافية
جذرية وعميقة، عززت عمليات الربط والاختاط الثقافي بين تواريخ الثقافة الحواضرية (ثقافة الإمبراطورية) وثقافات الأقاليم والأطراف. في هذه السيرورة التاريخية المعقدة للإمبريالية والثقافة، ظهرت أشكال جديدة للهوية خارج سلطة نموذج الهوية الوطنية التي فرضت أنظمة تمثيلها على الجماعات والأفراد في إطار مفهوم الدولة الوطنية. ومن أبرز صور هذه الهويات الجديدة، الأشكال المعقدة لانتماء التي ترتبط بالمهاجرين والمنفيين والاجئين وجماعات الشتات Diaspora، وقد نشأت على هوامش الأمة، في زمنيات الهجرة والشتات وما بعد الكولونيالية والعولمة، وتعرضت لعمليات معقدة من الانزياحات الثقافية، أهمها أن الثقافة الوطنية لم تعد تشكّل المصدر الوحيد في بناء هويتها، بل تساهم في ذلك أيضًا ثقافة الهجرة والعولمة. وما يجمع بين هذه الصور المتعددة للهوية في صيغتها العابرة للحدود هو أنها تحيل على أساليب مختلطة في العيش والممارسات الاجتماعية والثقافية وعلى أشكال هجينة للهوية. في هذا السياق الثقافي والتاريخي تبلور مفهوم الهوية الهجينة في الدراسات الثقافية للتعبير عن هذه الأشكال الثقافية الجديدة في أساليب العيش وفي بناء ذوات مزدوجة، مهاجرة بين الحدود الثقافية، يشكل التهجين عملية دينامية جوهرية في بناء هويتها ومعانيها، و"يتضمن التهجين في جوهره المزج المتزامن لعناصر ثقافية منفصلة سابقًا، لخلق معانٍ وهويات جديدة". إننا نتفق مع هذا التعريف في جزئه الأول في تعريف التهجين من جهة أنه عملية مزجٍ متزامنة، لكننا نختلف معه في الجزء الثاني الذي يعتبر فيه أن هذا المزج يحصل بين عناصر ثقافية منفصلة سابقًا، لأنه في نظرنا يبني مفهومه للهجنة في إطار مفهوم الانفصال؛ فهو يفترض أن التهجين عملية تنطوي على مزج بين ثقافات منفصلة؛ أي إنه عملية طارئة من الخارج، لا تنبع من الداخل (داخل الثقافة)، ولا تشكل عملية مضمنة فيها، مثل الحالة التي نفكر فيها "في أشكال ثقافية هجينة كالبريطاني الآسيوي أو المكسيكي الأميركي كاختاط لتقليدين منفصلين"، على نحو يشير ضمنيًا إلى أن كل ثقافة على
حدة تشكّل كيانًا متجانسًا ومنفصلً. والواقع أن هذا المفهوم يعكس تصورًا اختزاليًا للهجنة الثقافية، لأن
كل ثقافة بسببٍ من طبيعتها التاريخية والاجتماعية، هي في الأصل كيان هجين، وليست كيانًا متجانسًا
وقارًّا، وتنطوي على عملية تفاوض عسير ومستمر بين قوى وديناميات داخلية تقسمها خطوط اختاف
اجتماعية وثقافية وسياسية حادة، أهمها ديناميات الدين والجندر والعرق واللغة، والطبقة، والإثنية، والكولونيالية. وعلى أساس هذا التعقيد الثقافي والاجتماعي ترى الدراسات ما بعد الكولونيالية أن كل الثقافات هي بالضرورة هجينة: "إن جميع الثقافات، جزئيًا بسبب تجربة الإمبراطورية، منشبكة إحداها
(10) Chris Barker, The SAGE Dictionary of Cultural Studies (London: Thousand Oaks; New Delhi: SAGE Publications, 2004), p. 89. (11) Chris Barker, Cultural Studies: Theory and Practice (London: Thousand Oaks; New Delhi: Thousand Oaks/ SAGE Publications, 2003), p. 258.
في الأخريات؛ ليست بينها ثقافة منفردة ونقية محضة، بل كلها مهجنة مولّدة، متخالطة، متمايزة إلى درجة فائقة، غير واحدية". إذا كانت الهوية الوطنية، بسببٍ تماهيها مع شكل الدولة الوطنية، تحيل على شكل للوجود تكون فيه الهوية عبارة عن كيان موحد ومتجانس وثابت، فإن الهوية الهجينة التي انبثقت في هوامش الأمة الوطنية، تحيل على شكل مضاد في التمثيل، تكون فيه الهوية عبارة عن صيرورة دينامية، متعددة ومتغيرة؛ لأنها تتشكل في مفترق طرق بين ثقافات وأعراق ولغات متعددة ومتداخلة. إنها بهذا المعنى هوية حدية، عبر–ثقافية، تتكون وتعمل من خال عملية تفاوض معقدة ومستمرة بين أنظمة رمزية متعددة ومتباينة، تكون متمفصلة، وقابلة لإعادة التمفصل من جديد، في وضعيات وسياقات جديدة. تظهر أهمية مفهوم التهجين في الوقت الحاضر مع تصاعد خطابات الهوية العنصرية اليمينية والدينية سواء في الغرب أو الشرق، وهي تسعى إلى تحويل مزايا التعددية الثقافية إلى صدام حتمي بين "الهويات القاتلة"، لأنها تؤدي إلى زعزعة المصادرات الضمنية الأيديولوجية القومية والعرقية التي ينبني عليها مفهوم الثقافية القومية في ادعاءاته الوهمية وجود هوية أصلية، خالصة، ثابتة، متعالية على عمليات الانزياح والإزاحة Displacement والتضمين Inclusion التي تعرضت لها كل الثقافات في مجرى التاريخ الإنساني. في هذا السياق، أثبت مفهوم التهجين فائدته في إبراز الدينامية الإبداعية لاختاط الثقافي وظهور أشكال ثقافية جديدة في الموسيقى والفنون وأساليب العيش، حيث تختلط الأساليب والتقاليد والتراثات، لتتخلق من تفاعلها الدينامي أشكال مزدوجة ومركبة أكثر تعقيدًا، أشكال متعددة المرجعيات الثقافية والتاريخية، تَستبدل بالانتماءات القومية السالية خلقَ ارتباطات جينيالوجية جديدة، مزدوجة، وتضمينية، وتعددية، "ملوثة" (بالمعنى الثقافي)، تنتهك ما تدّعيه الذاتيات القومية العنصرية من طهرانية عرقية وثقافية. وعلى المستوى السياسي، دفع التهجين الثقافي إلى بناء سياسات اجتماعية وثقافية قادرة على استيعاب وتضمين كل أوجه الاختاف العرقية والدينية واللغوية والإثنية والجندرية بين الأفراد والجماعات، بحيث تعكس الثقافة هذا الاختاف المُنتِج في أشكالها ومضامينها وخطاباتها،
من دون إقصاء لمكون من المكونات الثقافية.
ثالثًا: الهوية السردية/ تحبيك الذات
إذا كانت الدراسات الثقافية أكدت الطابع الخِطابي للهوية، الذي يفيد أن الهوية بناء ثقافي يتشكل في سيرورة التمثيات الثقافية داخل المجتمع، فإنه يمكن القول إن السرد يمثل خاصية أساسية للهوية. فالطريقة التي نعبر بها عن ذواتنا هي السرد. بهذا المعنى تكون هويتنا هي مجمل ما نسرده من قصص وحكايات عن ذواتنا: "ويعني الإتيان على ذكر هوية فرد أو جماعة الجواب عن السؤال: 'من فعل
((1(سعيد، ص.70
ذلك؟' [...] الجواب عن سؤال 'من'، كما تعبر حنة آرندت، يعني أن نروي قصة حياة، وتروي القصة المروية فعلَ هذا ال 'من'. لذلك لا بد أن تكون هوية هذا ال 'من' هوية سردية". وفي تصور بول ريكور Ricœur Paul (2005–1913)، فإنّ الهوية السردية هي شكل جديد من الهوية، تكتسبه الشخصية في فعل السرد. إنها هوية تشييدية تتكون في صيرورة السرد، التي تمنحها شكلً معينًا، وليست مجرد استعادة لتجربة سابقة، أو معطى خارجيًا يسبق فعل السرد: "يؤلف السرد الخواص
الدائمة لشخصية ما، هي ما يمكن أن يسميها المرء هويته السردية، ببناء نوع من الهوية الدينامية المتحركة في الحبكة التي تخلق الشخصية". لا تتحدد الهوية السردية بمعزل عن عناصر السرد التي تمنحها خصائصها. ولذلك يؤكد ريكور أن العنصر الأساس في بناء الهوية السردية هو الكيفية التي يجري بها تنظيم أحداث القصة، وهو ما يسميه "فعل التحبيك"Emplotment. وبما أن أشكال التحبيك تختلف وتتنوع بحسب الأنواع والنصوص السردية واتجاهاتها الجمالية والفكرية، فإن صور الهوية السردية وطرائق تمثيلها وبنائها تختلف كلّها من جنس إلى آخر، ومن نص إلى آخر ومن اتجاه جمالي إلى آخر، ومن ثقافة إلى أخرى. وهنا يمكن أن نشير إلى فكرة لوسيان غولدمان Goldmann Lucian (1970–1913) التي تربط تحولات الشكل الروائي بتغير البنى الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع. ففي تتبعه لتحولات الشكل الروائي في تاريخ المجتمعات الغربية منذ القرن التاسع عشر، يرصد – من منطلق البنيوية التكوينية – التحولات البنيوية التي شملت هوية الشخصية الروائية. وفي رواية القرن التاسع عشر، احتلت الشخصية مركزية العالم الروائي، ثم مع بداية القرن العشرين بدأت تنحل تجاه ذوبان الشخصية في الرواية الحداثية، خاصة في أعمال الروائيين جيمس جويس Joyce James (1941–1882)، وفرانس كافكا Kafka Franz –1883(1924)، وألبير كامو Camus Albert (1960–1913)، وروبرت موزيل Musil Robert (1942–1880)، وغيرهم، ليصل تفكيك الشخصية إلى ذروته الجذرية مع الرواية الجديدة في فرنسا، وتحديدًا مع آلان روب غرييه Grillet – Robbe Alain (2008–1922) الذي استبدل الشخصية "بواقع آخر مستقل [...] هو: عالم الأشياء المشيأ". وعلى الرغم من أهمية البعد البويطيقي في بناء صورة الشخصيات وهوياتها ودلالتها، فإنه لا يمكننا أن نقتصر عليه وحده في فهم دلالة التحولات التي تعتري أشكال الهوية السردية في الرواية؛ لأنها تتأثر على نحو ضمني وعميق بالإبدالات الإبستيمولوجية الكبرى التي تحدث في المعرفة الإنسانية، وتؤدي إلى تغير في رؤية الإنسان لذاته ولموقعه في العالم. كل ذلك في
(1((بول ريكور، الزمان والسرد: الزمان المروي، ترجمة سعيد الغانمي، مراجعة جورج زيناتي، ج 3 (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2006)، ص.371–370 (1((الوجود والزمان والسرد: فلسفة بول ريكور، تحرير ديفيد وورد، ترجمة وتقديم سعيد الغانمي (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 1999)، ص.260 (1((بول ريكور، الزمان والسرد: الحبكة والسرد التاريخي، ترجمة سعيد الغانمي وفاح رحيم، مراجعة جورج زيناتي، ج 1 (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2006)، ص.115 (1((لوسيان جولدمان، "بين ذوبان الشخصية الروائية والتشيؤ"، في: لوسيان جولدمان [وآخرون]، الرواية الجديدة والواقع، ترجمة رشيد بنحدو، كتاب الدوحة، العدد 91 (الدوحة: وزارة الثقافة والفنون والتراث القطرية، 2018)، ص.68
تفاعل جدلي مع تحولات البنى الاجتماعية والثقافية. فإذا كانت الشخصية الروائية فقدت مركزيتها في الرواية الجديدة، فلأن الروائي الجديد "يعيش في مجتمع فقد فيه الفرد، وضمنيًا سيرته ونفسيته، كل
أهمية جوهرية، وتحول إلى كائن تافه ومبتذل". نخلص، إذًا، إلى أن فهم الهوية السردية في الرواية؛ سواء من جهة شكلها (الكيفية التي تبنى بها) أو من جهة دلالة البنية السردية ووظيفتها، لا يمكن أن يحقق ماءمته المعرفية والنقدية، إلا ضمن تحليلٍ ثقافيٍّ نسَقيٍّ يأخذ في اعتباره الأبعاد البويطيقية والفكرية والتاريخية. فما خصائص الهوية السردية في
رواية ساق البامبو؟ وكيف تتشكل في سيرورة الحكاية؟
رابعًا: الهوية الثقافية/ التخيل العبر-قومي
قبل أن نجيب عن السؤالين السابقين، يجدر بنا أن نموضع رواية ساق البامبو في إطار تاريخ النوع الروائي الذي تنتمي إليه، وهو رواية الآخر، حتى يتسنى لنا تحديد عاقتها بهذا التقليد الروائي، واستكشاف بصمتها الإبداعية النوعية. ارتبطت الرواية العربية منذ بداياتها التأسيسية بإشكالية "الآخر"، مدفوعةً بالسعي إلى بلورة فهم جديد للهوية في سياق تاريخي تميز حضاريًا بالصدام مع الآخر الاستعماري، وتميز ثقافيًا بصيرورة المثاقفة
التي فرضت على الثقافة العربية مواجهة ثقافات أوروبية مهيمنة، وخاصة الثقافتين الفرنسية والإنكليزية. في سياق هذه المواجهة الكولونيالية ومخاضاتها التاريخية المفصلية في التاريخ العربي الحديث، تولدت في السرد العربي الحديث "الرواية الحضارية" التي تناولت معضلة الهوية والأنا، وإشكالية العاقة مع الآخر، من منظور ثقافي طغت عليه النزعة القومية الساعية إلى التحرر، وتأكيد الهوية الثقافية للذات القومية باستدعاء تاريخها الغائب؛ لأن في استعادة هذا التاريخ – تخيليًّا – تؤكد الذات هويتها،
ويكتسب خطابها مشروعيته. ويمكن أن نقول بصفة عامة إن السمة الفنية والفكرية، التي هيمنت على البنية السردية والدلالية للرواية الحضارية في بداياتها، تمثّلت في سمة التخييل القومي الذي شكّل النسق المضمر المتحكم في تمثيل مسارات المواجهة السردية والثقافية مع الآخر فنيًّا ودلاليًّا ورُؤيويًّا، وعبّر عن حضوره النسقي في شكل
ثنائيات ضدية بين الذات والآخر يطبعها جدل الصراع التدميري. وعلى خاف المنظور الحضاري الذي اختزل أفق التمثيل السردي في بنية استقطابية تدميرية لا تقر بإمكانية التبادل الخاق بين الذات والآخر، تتناول ساق البامبو الهوية من منظور ثقافي يؤكد تداخل الآفاق الثقافية والحضارية وانصهارها. إنه منظور الهجنة الثقافية التي تؤشر إلى إمكانية بناء عالم تتعايش فيه الثقافات والهويات، وتتبادل الآثار
((1(المرجع نفسه، ص.39 (1((في مفهوم الرواية الحضارية، يُنظر: عبد الله إبراهيم، المتخيل السردي (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 1990)،
ص 84؛ محمد بوعزة، سرديات ثقافية من سياسات الهوية إلى سياسات الاختلاف (بيروت: منشورات ضفاف؛ الرباط: دار الأمان؛ الجزائر: منشورات الاختاف، 2014)، ص.131
فيما بينها بطريقة حوارية تضمينية تفضي إلى بناء عالم إنساني تسوده قيم التعددية الثقافية والتسامح والاعتراف بالآخر. يتجسد هذا المنظور الحواري الثقافي على مستوى التخييل السردي في حكاية الشخصية الرئيسة عيسى هوزيه التي تمثل حالة معقدة للهجنة الثقافية. وقد وُلد من أب كويتي وأم فلبينية؛ ف هو كويتي
محض، ولا هو فلبيني محض أيضًا؛ إنه "بين بين " L’entre–deux؛ كويتي – فلبيني، تتموضع هويته على الحدود بين عالمين ثقافيين ورمزيين مختلفين. في الكويت هو ابن الفلبينية الخادمة، وفي الفلبين هو "أرابو" (أي العربي). وهو مسلم بالولادة، مسيحي بالتربية والتنشئة، وبوذي الهوى. عوالم داخل عوالم، تتعايش تارة وتتنافس وتتنازع تارة أخرى في زمنية متقاطعة. هذه الازدواجية في الأصول العرقية والثقافية لشخصية البطل أتاحت للروائي سعود السنعوسي أن يبني عالمه التخييلي والدلالي على وهاد تخيل "عبر–قومي" Cross–national يمزج بين "كونين سيميائيين" مختلفين Semiosphere، سيمياء الثقافة الكويتية العربية وسيمياء الثقافة الفلبينية. يحدد يوري لوتمان (1993–1922) الكون السيميائي قائلً: "يمكننا أن نتحدث عن سيمياء الكون، وسنعرفها بأنها الفضاء السيميائي الضروري لوجود اللغات، وليست المجموع الكلي للغات المختلفة. بمعنى آخر، إن سيمياء الكون لها وجود قبلي، وتوجد في حالة تفاعل دائم مع اللغات". من هذا المنظور السيميائي، تشكّل كل ثقافة كونًا (فضاءً) سيميائيًّا يتألف من أنظمة عامات (نصوص،
خطابات، معارف، ظواهر... إلخ)، تكون محكومة بنسق سيميوطيقي ينظّم العاقات بين عناصر هذا الكون السيميائي، وغالبًا ما تكون هذه العاقات محكومة ببنية تراتبية صارمة، تفضي بعناصر إلى
احتال مكانة المركز، وتدفع بالأخرى إلى الهامش. إذا كانت رواية ساق البامبو على مستوى التخيل تمزج بين كونين سيميائيين كبيرين ومختلفين؛ الثقافة الكويتية العربية، والثقافة الفلبينية الآسيوية، فإنها على مستوى شفرة الدين تمزج بين ثاثة أكوان سيميائية، الإسام والمسيحية والبوذية، وخاصة على مستوى توظيف الأيقونات والعامات التي يحيل عليها كل كون سيميائي (المسجد، الكنيسة، المعبد البوذي، التماثيل، الصليب، الهال، الترنيمات والصلوات). وإذا ما قارنّا بين الكيفية التي تنتظم بها مكونات كل كون سيميائي في الرواية كما تشخصها أفعال الشخصيات وعاقاتها، رأينا أن الكون السيميائي للثقافة الفلبينية أكثر انفتاحًا وتعددية، سواء من
حيث تعدد مكوناته وعدم تجانسها؛ إذ تتعدد الأعراق واللغات والأديان التي تتحرك في فضائه، أو من حيث طبيعة النسق السميوطيقي الذي ينظم عملها، ويتيح لكل مكون التعبير عن هويته، وتجسيد هذه التعبيرات والتمثيات في الفضاء السيميائي العمومي. فعلى سبيل المثال، كما سنوضح لاحقًا،
(19) Yuri M. Lotman, Universe of The Mind: A Semiotic Theory of Culture , Ann Shukmam (trans.) (London/ New Work: I.B. Tauris & CO. Ltd Publishers, 1990), p. 123.
تقبل أسرة ميندوزا الفلبينية – وهي نواة صغرى لهذا الكون السيميائي – بعيسى هوزيه، على الرغم من أنه يمثّل، بسبب هويته الهجينة، حالة غرابة مقلقة للنسق. وعلى الرغم مما يتمتع به الجد (ميندوزا) من سلطة قوية داخل العائلة التي تنسب إليه، فإن تدبير العاقات بين أفرادها يميل إلى الحوار، رغم ما يشوبه من عنف وتوتر، ويميل كل فرد فيها إلى تقرير مصيره وبناء حكايته الخاصة (عيسى هوزيه، ميرلا، الخالة آيدا)، وذلك على عكس عائلة الطاروف التي تمثّل نواة صغرى للكون السيميائي بالنسبة إلى الثقافة الكويتية التي ترفض قبول عيسى هوزيه مع أنه واحد من أفراد العائلة، بسبب مامحه الفلبينية التي تخرق وحدتها وتجانسها على مستوى الأصل العرقي، كما أن الجدة غنيمة سيدة العائلة، تفرض سلطتها على الجميع، وتقرر بالنيابة عنهم، حتى في اختياراتهم "المصيرية" مثل الزواج. من خال هذه المقارنة الأولية، يبدو النسق السيميوطيقي الذي ينظم سيمياء الثقافة الفلبينية أكثر تسامحًا
مع الآخر ومع هوامشه الشاذة، وهو ينزع إلى سياسات التعددية الثقافية والاختاف، في حين يبدو النسق السيميوطيقي لسيمياء الثقافة الكويتية متعصبًا لا يقبل بالآخر، وبحالات الغرابة الثقافية التي تطرأ على
فضائه السيميائي، ويكبح الأصوات المعارضة واللغات التحررية، وينزع إلى سياسات المطابقة والهيمنة. إنّ نمط التخييل الذي يشيّد الحكاية في رواية ساق البامبو ينطلق من الفعل السيميائي الذي ينطوي
على مجاوزة الحد، ويتمثل في مغادرة المكان الأصلي، سواء بالنسبة إلى الأم التي تهاجر من الفلبين إلى الكويت لتعمل خادمة لدى عائلة الطاروف، أو بالنسبة إلى ابنها عيسى هوزيه الذي يسافر من الفلبين إلى الكويت بحثًا عن أصوله العائلية. لكن ما يهم في هذا الانتقال أن الرحلة التي يقوم بها عيسى من قريته الصغيرة في الفلبين إلى الكويت ليست مجرد حركة في الفضاء الفيزيائي، بل تشكل – من منظور السيميائيات الثقافية – انتقالً من كون سيميائي ثقافي إلى كون سيميائي آخر، يختلف عنه في مرجعياته الثقافية والدينية والإثنية. وفي هذا الانتقال السيميائي بين أكوان ثقافية مختلفة يعيد عيسى تشكيل ذاته من خال اختبار صور الاختاف الثقافي. إذا كانت بنية البحث تشكل نموذجًا أصليًا في التخييل السردي الكوني، بل أصل الحكاية كما أوضح
فاديمير بروب في نمذجته السيميائية لأنواع الحكاية الخرافية، فإن ما يميز محكي البحث عن الذات في حكاية عيسى هو انتهاك الحد بالمعنى السيميائي الثقافي، الذي ينتج من تجاوز حدود الأكوان السيميائية، ويموضع الذات في حالة ازدواج من الداخل، ويؤدي إلى تشكيل عوالم وفضاءات رمزية جديدة، متداخلة ومتقاطعة، ومنعكسة فيما بينها ثقافيًا وحضاريًا، تتفاعل فيها الرموز والأساطير
والأيقونات والتواريخ الخاصة بكل ثقافة أو قومية أو دين في مرايا ثقافية متجاورة وانعكاسية. ومن هذه الزاوية الجمالية والثقافية تكمن أهمية رواية ساق البامبو في أنها تتناول موضوع الهوية الثقافية من منظور تخيل عبر–قومي وعبر–ثقافي، غير متمركز في الثقافة الوطنية، ومتجاوز للحدود الدموية، التي تصطنعها المركزيات الثقافية المنغلقة، أو "الهويات القاتلة " Violence: Identity of Name the In Belong to Need the and، بتعبير أمين معلوف.
(2((فاديمير بروب، مورفولوجية الخرافة، ترجمة وتقديم إبراهيم الخطيب (الرباط: الشركة المغربية للناشرين المتحدين،.)1986
تظهر القيمة الجمالية والمعرفية لهذا السرد العبر–ثقافي في رواية ساق البامبو، عندما نقارنه بالسرد الكولونيالي والسرد القومي. تُبنى الهوية في هذين النموذجين، على الرغم من عاقة التعارض الجذري بينهما، على تثبيت حدود الاختاف المدمر بين الذات والآخر، من خال اعتماد استراتيجية مانوية Manichean جذرية تفصل بين عالم"نا" وعالم"هم"، وتشحن وقود الكراهيات العرقية والقومية والدينية التدميرية. وفي المقابل، تشخص رواية ساق البامبو في مجاوزتها للحدود زمنيات سردية وثقافية بينية تنبثق "من تداخل ميادين الاختاف وانزياحها"، وتخضع فيها الذوات والأكوان السيميائية الثقافية المتعددة للحوار والتفاعل الرمزي بدلً من الإقصاء. وتشخص الرواية زمنيات الاختاف الثقافي بشاعرية فائقة، ترشح بمشاهد التسامح الديني وحوار الثقافات والحضارات. وأكثر من ذلك، تجسد حكاية عيسى هوزيه نموذجًا هجينًا لتخييلية تجاوز الحدود. وُلد مسلمًا في الكويت من أب كويتي وأم فلبينية،
وأجبرت عائلة الطاروف أمه مع رضيعها (عيسى) على الرحيل إلى الفلبين، وهناك سينشأ مسيحيًا
بالتربية، وفي خلواته في الغابة يكتشف الديانة البوذية. يكتشف في نفسه ميلً إلى كل الديانات، لأنها تمنحه الشعور الروحي نفسه، سواء حين يلجأ إلى المسجد أو الكنيسة أو المعبد البوذي. ولذلك لم يكن يجد حرجًا حين يمزج بين طقوس كل هذه الديانات في ممارسته الدينية، بين عبادات الإسام
والمسيحية والكنيسة والبوذية. وعلى الرغم من اختافها في الأشكال والطقوس، يعثر فيها على طمأنينته الداخلية، ويعيش تجربة روحية متناغمة ومنسجمة. يجسد هذا "الموقع" البيني، الذي ينطلق منه عيسى هوزيه في سرد حكايته، صورةً تخييلية لشعرية الفضاء الثالث الذي ينبثق في هوامش الحدود الثقافية، وتتشكل فيه الهوية كموقع للتهجين وعبور الحدود، والمزج بين معانٍ وعامات وأيقونات مختلفة تنتمي إلى أكوان سيميائية وثقافية متعددة. وينشأ هذا الفضاء الثالث من تداخل مواقع الاختاف الثقافي وانزياحها في صيرورة انتهاك الحد التي تدشنها رحلة البحث عن الهوية. وكما سبقت الإشارة، لا تحيل تجربة الانتقال من مكان إلى مكان في حكاية عيسى، على زمنية خطية مادية، بل على انتقال من كون سيميائي ثقافي إلى كون آخر، وعلى لقاء بالآخر في غيريته ينطوي على مفاجأة استكشاف جمالياته وأيقوناته الثقافية، ويكشف إمكانية التعايش والتسامح والحوار بين الثقافات والهويات. على مستوى التخييل السردي تتعمق رواية ساق البامبو في مسرحة الهوية الفلبينية، وتقدم صورًا
وتمثيات نابضة بالحياة للثقافة الفلبينية من خال شخصيات فلبينية. وهنا تكمن أهمية هذا التمثيل
السردي للآخر من الناحية الخِطابية والسردية. إن الروائي سعود السنعوسي، على خاف السارد الكولونيالي الذي يحرم الآخر (الشعوب المستعمرَة غير الأوروبية) من صوته في تمثيل ذاته، ويقدم
صورًا نمطية اختزالية للسكان الأصليين من منظوره العرقي المتعالي، (أي السنعوسي) يمنح شخصياته
الفلبينية حق امتاك سلطة السرد والتمثيل. وهكذا، تحضر وتتصرف بوصفها ذواتٍ سرديةً متكلمة
(21) Homi Bhabha, The Location of Culture (London/ New York: Routledge, 2000), p. 2.
وفاعلة، وبشرًا لهم تواريخ وثقافات وحضارات، يتمتعون بحق سرد ذواتهم وثقافتهم وتمثيلها، وليسوا
مجرد كائنات صامتة غارقة في قلب الظام، كما هو شأن السارد الكولونيالي عند الروائي جوزيف كونراد Conrad Joseph (1857–1924) في روايته قلب الظلام. وإذا كان السارد الكولونيالي يفرض حالة الصمت الكولونيالي على صوت الآخر غير الأوروبي، فإن
السنعوسي يكسر حلقة الصمت الخِطابي حين يمنح لسارده عيسى هوزيه سلطة التمثيل في سرد حكايته الخاصة. هكذا يقود عيسى بعدسته السردية القارئ إلى باد الفلبين، ويروي على لسان شخصياته الفلبينية قصصًا ومرويات عن تواريخ وأساطير وأيقونات للثقافة الفلبينية، حتى ليخال
القارئ أن كاتب الرواية هو بطل الرواية نفسه هوزيه ميندوزا، الشخصية المتخيلة التي اختلقها الروائي سعود السنعوسي، وحاول إيهامنا بأن النص هو ترجمة لرواية فلبينية كتبها بطل الرواية، وقام بترجمتها من الفلبينية إلى العربية إبراهيم سام؛ وهو شخصية اختلقها الروائي في إطار لعبة فنية قصد من ورائها الإيهام بأن الرواية التي نقرؤها هي رواية فلبينية مترجمة إلى العربية: "ترجمتي لهذه الأوراق لا تعني بالضرورة موافقتي على كل ما جاء فيها. مهمتي هنا، وإن كنت أشغل حيزًا بشخصيتي الحقيقية، في هذا
العمل، لا تتعدى تحويل كلمات النص من اللغة الفلبينية إلى اللغة العربية بناءً على طلب الكاتب". حكاية الترجمة هي حكاية متخيلة، أو بالأحرى لعبة فنية، قصد الروائي من ورائها تأكيد المسافة السيميوطيقية بين صوته وصوت السارد عيسى هوزيه، من أجل الإيهام الفني بأن ساق البامبو هي في الأصل رواية فلبينية لكاتب فلبيني. ويسعى الكاتب سعود السنعوسي من خال هذه المسافة السيميوطيقية التي يتموضع فيها على مسافة من السارد، إلى تجنب تهمة التحيز إلى ثقافته العربية الأصلية على حساب الثقافة الفلبينية. ويمكن أن نقول إن الكاتب وُفِّق، إلى حد بعيد، في ضمان هذه
المسافة الفنية، في تمثيل الثقافة الفلبينية في "آخريتها" Otherness وتعدديتها الثقافية؛ فقد استطاع أن يصور – بتعبير ميرلا الشخصية المميزة في الرواية – "روح المكان"؛ أي روح الفلبين الثقافية والحضارية، لأن السرد تعمق في تمثيل المرويات الاجتماعية والتاريخية والدينية والإثنية والأسطورية والفضاءات الجغرافية التي تشكل فسيفساء الهوية الثقافية الفلبينية.
خامسًا: الفضاء الثالث/ انزياحات وتضمينات
عندما يقرر عيسى هوزيه مغادرة بيت العائلة بقرية ميندوزا ليتحرر من سلطة جده، ويبدأ مغامرة تحقيق ذاته بعيدًا عن تقاليد العائلة؛ يتجه إلى العاصمة مانيا، ويشرع في العمل بائعًا للموز. على الرصيف
المقابل له في مركز العاصمة، يلتقي ب "تشانغ"؛ وهو فلبيني من أصول صينية، بوذي الديانة. يطلب منه عيسى مشاركته السكن في غرفته الصغيرة: "أفسح لي تشانغ، مقابل ثمن بسيط، مجالً لمشاركته غرفته الصغيرة، في الدور الثاني من مبنى قديم في شارع قريب من ماني تشاينا تاون. غرفة صغيرة، بنافذة واحدة تطل على معبد سينغ–غوان".
((2(السنعوسي، ص.11 ((2(المرجع نفسه، ص.134
تشهد هذه الغرفة الصغيرة مياد عاقة صداقة حميمية بينهما. وفي سياق هذه العاقة الجديدة تتحول الغرفة من مجرد فضاء فيزيائي لاقتسام السكن مع صديقه تشانغ، إلى فضاء سيميوطيقي يتشكل في طقس البوح المتبادل بينهما في ليالي السهر والسمر، ويكتشف فيه كل واحد منهما الكون الثقافي للآخر، ويشاركه عالمَه السيميائي. سيشكل "الحكي" الحميمي بينهما منفذًا إلى اكتشاف
عالم الآخر، المختلف والغريب. ومع تدشين طقوس السمر الليلي، تنبثق زمنية جديدة داخل زمن الألفة (النوم والعيش)، تنقلهما من ثقل الواقع اليومي (العمل من أجل لقمة العيش) إلى خفة العالم الرمزي، حيث يشكل الحكي منفذًا جديدًا إلى معرفة الكون السيميائي للآخر بما ينطوي عليه من جماليات وفنون وذخائر مدهشة. ومثلما أفسح تشانغ مكانًا للسكن في غرفته لعيسى، سيفسح له مجالً لمشاركته عالمه الداخلي: "سألته في أول ليلة لي في غرفته عن سبب قبوله لي رغم ضيق المكان، 'أحتاج إلى صوت أسمعه [...] غير صوتي'، أجاب. أشرت خلف الباب حيث يسند آلة الغوز هينغ بشكل عمودي: 'صوتها [...] ألا يكفيك؟'. ابتسم قائلً: 'قلت لك: أحتاج لسماع صوت آخر غير صوتي"'. تشهد الغرفة مياد هذا الفضاء السيميوطيقي (عالم الحكي) بين الذات والآخر القائم على المشاركة الوجدانية، من الحاجة إلى سماع صوت الآخر والحديث إليه. وفي سيرورة الحكي الحميمي المتبادل بينهما، يتشكل فضاء الغرفة باعتباره فضاءً ثالثًا يشمل ضمن جغرافيته المتخيلة: الذات والآخر، الألفة
والغرابة، الهوية والاختاف. إنه فضاء حواري يتواجه فيه صوت الذات وصوت الآخر، وتمتد فيه جسور الصداقة بينهما على الرغم من اختاف أكوانهما السيميائية (المسيحية/ البوذية). إن الكام المونولوجي، كامَ الذات لنفسها، لا يحيل إلا على الصمت والعزلة، وتنبع الحاجة إلى سماع صوت الآخر، من الرغبة في كسر الصمت ورؤية الذات في مرآة الآخر، وحينئذ تصبح "الذات عينها كآخر"، مثلما يقول بول ريكور؛ بمعنى مُوسَّطة بالآخر. إن كل ثقافة في حاجة دائمة إلى سماع غيرها من الثقافات، لكي تخرج من عزلتها وتوحشها. وفي عبور الحد الذي تصطنعه الهويات الإقصائية، ويفصل بين الثقافات، ينشأ هذا الفضاء الثالث الحواري الذي يحضن صور الاختاف الثقافي، وأشكال التفاعل الرمزي التي يطلقها فعل الحكي المتبادل بين الذات والآخر: "كنا نستلقي على مرتبتينا ليلً، نتبادل الحديث في الظام، كل ليلة، إلى أن نستسلم للنوم". هذا الفضاء الثالث الذي نتحدث عنه هنا، هو فضاء رمزي ينبثق من داخل الفضاء المادي (غرفة السكن) في طقس تبادل الحديث ليلً؛ طقس السمر الليلي الذي يشهد مكاشفة تبادلية بين الذات والآخر، تطلق عملية تفاعل رمزية بين الأكوان السيميائية المختلفة لكل من عيسى وتشانغ: "قادني الفضول، بدلً من زيارة المعبد، إلى الأرفف فوق ثاجة تشانغ. سحبت كتابًا من بين كتبه. ومنذ تلك
((2(المرجع نفسه. (2((بول ريكور، الذات عينها كآخر، ترجمة وتقديم جورج زيناتي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2005)، ص.67 ((2(السنعوسي، ص.134
الليلة، أصبحت أقرأ أثناء نوم صديقي، على ضوء الشمعة، تعاليم بوذا، حياته، تاميذه، جلوسه بوضعية اللوتس تحت شجرة التين، وقصة التنوير. سحرتني شخصيته". يقود الفضول المعرفي عيسى هوزيه إلى تجاوز الحد (معتقده الديني)، والانتقال إلى كون سيميائي جديد عليه، وغير مألوف (كتاب بوذا)، ويبدأ مغامرة استكشاف شفراته ونصوصه (أقرأ). ولا تحول حدود الاختاف الثقافي دون استمتاعه بهذه الرحلة السيميائية المجازية، لأنها تضيف إليه خبرة جديدة غير مألوفة (سحرتني شخصيته). هكذا، تفضي العملية السيميوطيقية القائمة على التبادل، التي يطلقها فعل التواصل بين الذات والآخر، إلى تشكيل زمنية جديدة على هوامش الحدود الثقافية، تطلق سيرورة من التفاعل السيميوطيقي مع ثقافة الآخر؛ رحلة معرفية في ثقافة الآخر، تكشف إمكانية وجود منطقة تمفصل بينية مشتركة، رغم اختاف الأنساق السيميوطيقية المنظمة لثقافة كل واحد منهما عرقيًا ودينيًا: "لاحظ تشانغ اهتمامي
بكتبه، وكثرة أسئلتي حول ديانته وطقوسها. أصبح بعد ذلك، كل ليلة، يحكي لي عن بوذا، وفي المقابل، يسألني عن يسوع المسيح. نقارن بينهما، ونتوقف عند التشابه في ظروف ولادتهما وحياتهما، وأتباعهما، والظروف التي مرت بهما. ما أعظمهما! كاهما يدعو للمحبة والسام؛ التسامح والخير والمعاملة الحسنة". لا يشكل الدين في هذه الزمنية التي يخلقها فضاء الحكي المتبادل بين عيسى هوزيه وتشانغ "حدًّا نافيًا" للآخر، لأن ما يحدث من حوار متبادل بينهما يؤدي إلى إطاق عملية من المقارنات بين الأكوان
السيميائية المختلفة (تعاليم المسيح، تعاليم بوذا)، تنتهي باكتشاف منطقة تمفصل مشتركة بينها (قيم المحبة والسام والخير)؛ هي النقطة التي ينبثق منها الفضاء الثالث. تقود هذه السيميوطيقا التبادلية بين الأكوان السيميائية إلى تأسيس هجنة تناصّية ثقافية بين نصين
مقدسين مختلفين؛ بين تعاليم المسيح وتعاليم بوذا، تصبح معها الممارسة الدينية ممارسة هجينة؛ مزيجًا من طقوس الكنيسة وطقوس المعبد البوذي، ومزيجًا من العامات والأيقونات المختلطة،
كما يحدث عندما يدخل عيسى إلى المعبد البوذي مع صديقه تشانغ: "قبل الغروب، فور فراغنا من العمل، ذهبت وتشانغ إلى معبد سينغ– غوان. لم يكن يشبه الكنيسة في شيء، ولكن الشعور هو ذاته [...] فرغ تشانغ من صاته [...] قبل أن يهم تشانغ بالخروج، تقدمت نحو الغرفة الزجاجية الوسطى. تاركًا مقعدي الأحمر. انتصبت أمام التمثال ذي المامح الساكنة. أحنيت رأسي. رسمت عامة الصليب أمام وجهي. وعندما رفعت رأسي، وجدت مامحه، كما كانت بالهدوء نفسه [...] من دون أن يستنكر فعلي. نحو الوعاء البرونزي تقدمت. أشعلت عود بخور. غرسته في الرمل الناعم. ثم انصرفنا [...] تشانغ وأنا". وفي هذا المشهد الحكائي يشيد السرد عالمًا متجاوزًا للحدود، تتجاور فيه العامات
((2(المرجع نفسه. ((2(المرجع نفسه، ص.136 ((2(المرجع نفسه، ص.138
والأيقونات الدينية من كونين سيميائيين مختلفين، وتمتزج طقوس العبادة في صاة هجينة، هي خليط من طقوس الكنيسة وطقوس المعبد البوذي، ومزيج من تعاليم المسيح وتعاليم بوذا. لا يشكّل المقدس في هذه السردية عبر الثقافية حدًّا نافيًا للآخر، ولا يضع حاجزًا أمام قبوله، بل يقبل
به ويستضيفه في كونه السيميائي، ويحتفي بأيقوناته. إن الدين في هذا الأفق السيميائي الرمزي لا يمثل حدًّا عقائديًا، كما تفسره الأيديولوجيات الدينية والسياسية الأصولية، بل تجربة روحية فردية، منفتحة،
ترتبط بمجال الشعور والسريرة وبعاقة الفرد بذاته، وليس بمجال الأيديولوجيا وعاقة الفرد بالجماعة. وتصبح ثقافة الآخر حتى في جانبها الأكثر قداسة ومهابة وسلطة الدين، في هذه السردية العبر–قومية، مصدرًا للإلهام واكتشاف عوالم غير مألوفة، يُحرّكه الشغف إلى معرفة الآخر، وليست مبعث صدام
وتكفير. هكذا يقود الفضول المعرفي عيسى إلى اكتشاف المعبد البوذي الصيني، والتمتع الجمالي بما يكتنز من جماليات وأيقونات غير مألوفة: "لم يكن سوانا، تشانغ وأنا، في المعبد [...] حواسي كلها متحفزة. كثير من الأشياء يمكن اكتشافها بالمجان، كما قالت ميرلا ذات يوم. كنت مأخوذًا بكل شيء. دخان أعواد البخور الجاثم على صدر المكان كغيمة كثيفة. رائحة أزهار الياسمين المنتشرة في كل الزوايا. والصمت. وحده الصمت قادر على تحفيز أصوات بداخلنا، تبدو لأناس آخرين، نطمئن لهم، يرشدوننا إلى أماكن غير مألوفة، نحث إليها الخطى مطمئنين". تكشف هذه السيميوطيقا التبادلية القائمة بين الأكوان الثقافية أن الاختاف لا ينفي وجود المشترك الإنساني، وتفصح عن إمكانية العيش المشترك بين الثقافات والهويات والجماعات فيما وراء الحدود الجغرافية والدينية والسياسية المتخيلة، داخل عالم يقوم على التواصل والمشاركة والتعددية الثقافية، من دون أن ينفي هذا المشترك قيمة الاختاف. إن هذا الفضاء الثالث الذي يتشكل على هوامش
الحدود الثقافية تكمن أهميته الخِطابية في أنه "يكشف عن إمكانية هجنة ثقافية تحتفي بالاختاف دون تراتبية مزعومة أو مفروضة". هنا يمكن أن نتأول الفضاء الثالث الذي ينبثق في زمنية الحكي داخل الغرفة الصغيرة التي تجمع بين عيسى هوزيه وتشانغ، على أنه الكون السيميائي الصغير الذي يشهد مياد عاقة صداقة حميمية بينهما، في مقابل الأكوان السيميائية الكبرى في النص (الكويت، الفلبين). إنه عالم الحكايات المسرودة بينهما في ليالي السمر، الذي يحضن هشاشتهما الشفيفة في المكاشفة المرآوية المتبادلة بينهما. وهكذا يعمل المحكي الصغير (محكي الصداقة) داخل النص كسيرورة انزياح عن المرويات الكبرى (الهوية الثقافية، الوطن، الدين) في النص، يتجاوز حدودها المفروضة، ويكتشف الآخر فيما وراء هذه الحدود. إن ما يهم في هذا العالم المتخيل هو استعاريته التي تؤشر إلى كون سيميائي عابر للحدود الثقافية، وإلى نمط للسكنى في العالم خارج التقسيمات العقائدية والقومية النافية للآخر. وتتوضح رمزية هذه الاستعارة الثقافية، عندما نقارنه ببيت عائلة الطاروف التي رفضت استقبال عيسى هوزيه على الرغم من
((3(المرجع نفسه، ص.137
(31) Bhabha, p. 4.
أنه واحد من أفرادها. إن البيت العائلي يمثل فضاء عدائيًا لعيسى، لأن جدته رفضت استقباله والقبول
به ابنًا شرعيًا داخل العائلة، بسبب مامحه الفلبينية، ولأنه "ابن خادمة"، لن يجلب إلى العائلة سوى
العار والفضيحة. على خاف ذلك، يقبل تشانغ به صديقًا حميمًا في غرفته الصغيرة، على الرغم من
أنه لا تربطه به أي عاقة قرابة. يخرق بيت الصداقة الحدود العرقية والطبقية التي على أساسها تجيز عائلة الطاروف من يدخل بيت العائلة؛ بيت النسب الأصيل والمكانة الاجتماعية، من ينتسب إليه ومن يحرم من هذا الشرف، ويؤسس فضاءً للعيش المشترك فيما وراء الحدود العرقية والطبقية. إن هذا التقاطب الرمزي والدلالي مردُّه إلى
طبيعة السردية التي يستند إليها كل طرف في بناء هويته. تستند عائلة الطاروف إلى سردية إقصائية، عرقية وطبقية في بناء هويتها، في حين يستند كل من عيسى هوزيه وتشانغ إلى سردية تضمينية، عبر–ثقافية، متجاوزة للحدود في بناء الهوية. وكل سردية تحيل على منظور مناقض للهوية. تتصور السردية الإقصائية الهوية على أنها بنية مغلقة، ساكنة وأحادية، مكتفية بذاتها، بينما تتصور السردية التضمينية الهوية على أنها سيرورة منفتحة، دينامية وتعددية، يُحَفِّزُها الشغف إلى تجاوز الحدود ومعرفة الآخر.
سادسًا: الهوية السردية/ ازدواج وتجاذبات
على المستوى الثقافي تتشكل حكاية عيسى هوزيه – كما أوضحنا – بوساطة تخيل عبر–قومي، عابر للحدود الثقافية. وعلى مستوى التحبيك السردي، تسرد هذه الحكاية وفق أعراف محكي البحث عن الذات. يغادر عيسى بلدته الصغيرة في الفلبين بحثًا عن هوية مفقودة على هوامش الأوطان والأعراق والأديان والثقافات: "لو أنهما اتفقا على شيء واحد، شيء واحد فقط، بدلً من أن يتركاني وحيدًا أتخبط في طريق طويلة، باحثًا عن هوية واضحة المامح. اسم واحد ألتفت لمن يناديني به. وطن واحد أولد به، أحفظ نشيده، وأرسم على أشجاره، وشوارعه ذكرياتي قبل أن أرقد مطمئنًا في ترابه. دين واحد أؤمن به". إن الهوية الهجينة باعتبارها بناء للذات في فضاء بيني، يتموضع بين الحدود الثقافية، يجعل من سرد الهوية في حكاية عيسى هوزيه سردًا مشروخًا بالازدواج Ambivalence. وأقصد بالازدواج معنيين؛ المعنى السيكولوجي في التحليل النفسي، الذي يحيل على حالة نفسية وذهنية تكون فيها الذات متأرجحة بين الشيء ونقيضه، مثل الحالة التي يمتزج فيها شعور الحب بشعور الكراهية تجاه شخص
ما أو شيء ما. لكن ما يهم من الناحية الدلالية والخِطابية أن الازدواج السيكولوجي لا يمثل مجرد مزج لمشاعر متناقضة، وإنما طريقة في بناء الخطاب، تُورِّط خطاب الذات في بنية مزدوجة لا تقبل التسوية،
لأن ما ينطوي عليه الازدواج باعتباره حالة نفسية وذهنية من توترات، تجعل الذات في حالة منقسمة؛ ذلك أنه "يخلق الصراع بين تيارين متساويين في القوة [...] عندما يكون أحد التيارين واعيًا، يكون
الآخر في حالة لاوعي".
((3(السنعوسي، ص.63
(33) Stephani Swales & Carol Ownenes, Psychoanalysing Ambivalence with Freud and Lacan (London/ New York: Routledge, 2020), p. xiiii.
أما المعنى الخِطابي Discursive لازدواج، فأقصد به الخطاب الذي يتأسس على بنية دلالية مزدوجة، يحكمها قانون الاختاف بالمعنى التفكيكي، بحيث يعجز الخطاب عن فرض مدلول واحد على النص، ويظل معناه رهين عملية إرجاء. وكما سوف نوضح، على المستوى السيكولوحي، تظل عاقة عائلة الطاروف بعيسى هوزيه محكومة بالازدواج السيكولوجي (يريدونني ولا يريدونني)، وتظل عاقة عيسى بالكويت محكومة بازدواج سيكولوجي مضاعف؛ إنها أرض الأحام قبل أن يسافر إليها، الأرض الموعودة بالجنة. وهي أيضًا أرض الاغتراب والاضطهاد عندما يحلّ بها. وإذا كانت بنية العاقات بين عيسى هوزيه وعائلة الطاروف يحكمها مبدأ الازدواج السيكولوجي، فإن الاختاف بينهما ينشأ على مستوى الازدواج الخطابي، أي في بنية إنتاج الخطاب. ففي حين تستند العائلة في بناء موقفها الرافض لعيسى هوزيه إلى خطاب دوغمائي، أحادي الصوت والدلالة، يحتمي بباغة الكام الآمر، يتكلم عيسى في سرد قصته من موقع خطاب مزدوج، منقسم على نفسه، تتجاذبه المفارقات والتعارضات البنيوية، ويوظف باغة الكام المقنع في الحوار. إنه خطاب ثنائي الصوت ومزدوج الدلالة، لا يستند إلى يقين قاطع. هذا الاختاف الخِطابي الذي يموقع خطاب العائلة وخطاب عيسى هوزيه على طرفين متناقضين، يعكس رؤيتين مختلفتين للهوية والعالم. رؤية دوغمائية مهيمنة تفرض هويتها بالقوة والسلطة، ولا تقبل بالآخر، ورؤية ناشئة منفتحة تسعى لانتزاع الاعتراف بهويتها المهمشة بالإقناع والمعرفة والتفاوض، وتكتشف المشترك الإنساني في رحلة البحث عن الذات. ويوضح هذا التعارض الدلالي، البنية التراتبية (عاقات القوة) التي تحكم العاقة بين هذين الخطابين المتعارضين، بينما تجسد الرؤية الدوغمائية لعائلة الطاروف بنية النظام الثقافي المهيمن في المجتمع، تؤشر رؤية عيسى هوزيه إلى نموذج بنية "طارئة" و"ناشئة"Emergent، تبشر بمجموعة من المعاني والقيم الجديدة والممارسات الجديدة، التي تناضل من أجل أن تنتزع موقعًا في الثقافة والمجتمع. وتكمن أهمية هذه البنية الناشئة على الصعيد الثقافي والرمزي في أنها "تمثل مناطق التجربة الإنسانية والتطلع والإنجاز، التي تتجاهلها الثقافة المهيمنة، وتبخس قيمتها، وتعارضها، وتقمعها، بل إنها لا تستطيع فهمها". إن عيسى هوزيه، بوصفه ساردًا لحكايته، لا يحيل على موقع يقين في السرد؛ فهو لا يتمتع بطمأنينة الهوية بسبب هجنته الثقافية، ويعاني أزمة هوية واغتراب اجتماعي ووجودي. إنه مثل من يقف في منتصف جسر عالقًا بين حدين: "كنت كمن يقف في منتصف جسر ممتد بين مدينتين [...] في منتصف الجسر كنت أسير مجبرًا، أواصل السير، أتعب، أسعل، تتناهى إلى سمعي أصوات أخرى تأتي من البعيد ثم تقترب". على خاف الشخصيات النمطية، يجسد عيسى حالة قصوى لازدواج؛ ذاتًا منقسمة عرقيًا ودينيًا
وثقافيًا، تبحث عن الالتئام من دون جدوى. وبسبب هذا الازدواج، فإن سرد الهوية الذي يدفعه إلى
(34) Raymond Williams, Marxism and Literature (Oxford/ New York: Oxford University Press, 1977), p. 123. (35) Ibid., pp. 123–124.
((3(السنعوسي، ص.144
مغامرة البحث عن الذات، يتشكل عبر اختبار سلسلة من المحن والانقسامات والتوترات. وما يضاعف هذه التوترات أن حكاية البحث بما تنطوي عليه من آلام وآمال، لا تنتهي إلى حل لمشكلته أو انفراج؛ فتظل في سيرورة إرجاء، مفتوحة على الاغتراب والشتات. ويعمل الازدواج وينتج آثاره السالبة للهوية
على الصعيدين الخِطابي والسيكولوجي. يضع الذات في مواجهة انقساماتها الداخلية والثقافية بين جذرها الكويتي وجذرها الفلبيني، بحيث تظل في حالة نزاع داخلي دائم، تمنع التئام جرحها واستعادة كلّيتها المفقودة. إنها طوال الحكاية، متموضعة في سيرورة تجاذبات وجدانية ودينية وعرقية وثقافية متنازعة فيما بينها، ومتناقضة أحيانًا، مثلما يحدث عندما يكتشف تعاليم بوذا في غرفة صديقه الصيني تشانغ، وهو الذي تلقى نشأة دينية مسيحية. يعجب بهذا الدين الآخر، لكن في الوقت نفسه يتعكر شعور الإعجاب لديه بأسئلة الشك: "أصبحت أقرأ أثناء نوم صديقي، على ضوء الشمعة تعاليم بوذا. سحرتني شخصيته. وفي المقابل يسألني عن شخصية المسيح. نقارن بينهما، ونتوقف عند التشابه. ما أعظمهما! هل أخون أحدهما إذا ما اتبعت تعاليم الآخر؟". ينشأ الازدواج هنا من تجاوز الذات لقانون الحد بالمعنى السيميائي، الذي يفرضه الكون السيميائي الديني. فكل دين يحصن نفسه بحدود صارمة تفرض على المؤمنين به التقيد بها، لأن كل خروج عنها يعتبر انتهاكًا للنسق. ما إن يتجاوز عيسى هذا الحد الديني النسقي، حتى يجد نفسه في ورطة وجدانية، تتنازعه مشاعر متضاربة بين الإعجاب بالآخر "سحرتني شخصيته" و الخوف من انتهاك الحد وتلويث النسق "هل أخون أحدهما إذا ما اتبعت تعاليم الآخر؟". هنا ينبغي أن نؤكد أن هذا الازدواج المتوتر يشكل حالة مازمة لوضعية الذات في عاقتها بذاتها وبمكونات هويتها الهجينة، ويطبع سردها للحكاية بطابع الازدواج الدلالي. إن عاقة عيسى بالكويت عاقة مزدوجة، تمزقها بنية متزامنة من المشاعر المتضاربة والمتناقضة. فالكويت/ عائلة الطاروف ترفضه وتطرده من بيت العائلة وتفصله عن جذوره، بينما الكويت/ أصدقاء بوراكاي؛ وهم مجموعة شباب كويتيين التقى بهم في جزيرة بوراكاي بالفلبين، تقبل به وتحضنه، وتمنحه شعورًا بالانتماء؛ فقد كان يشعر بأنه واحد منهم. إن الكويت كما يختبرها عيسى، يشطرها مجاز مزدوج.
إنها جنة وجحيم في الآن ذاته. صداقة رائعة مع أصدقاء بوراكاي، وصدام واضطهاد مع عائلة الطاروف. بسبب هذه التجربة ذات الوجهين المتناقضين، تظل عاقته بالكويت مزدوجة، تتنازعها وتتجاذبها مشاعر متناقضة ومتباينة بين الاغتراب والصداقة، بين العداء والألفة، بين القبول والرفض. وحتى عاقة عائلته الطاروف به، تظل محكومة بصور هذا الازدواج وما يترتب عليه من تجاذبات وجدانية وسردية تعمق الطابع الدرامي لقصة بحثه المضني عن جذوره. إن جدته غنيمة سيدة العائلة التي تملك وحدها سلطة تقرير مصائر أفراد العائلة، والتي "بيدها القرار الأول والأخير" رفضته، في حين أنّ عمته عواطف كانت سعيدة جدًّا باستقباله، كانت تقول "هذا ولدنا. إنه ابن أخي، والله لا يرضى أن نتنكر له". في المقابل، أنكرته عمته نورية، ورفضت الاعتراف به، أو رفضت وجوده في العائلة رفضًا قاطعًا. ولم
تكتف برفضه، بل هددت كل من يقبل به من أفراد عائلة الطاروف.
((3(المرجع نفسه، ص.136 ((3(المرجع نفسه، ص.222
في سيرورة هذه التشابكات الحكائية والدلالية يظل اختبار عيسى لذاته موسومًا بمفاعيل هذا الازدواج.
إنه موضوع رغبة وإنكار في الآن نفسه، مرغوب في وجوده وغير مرغوب في وجهه الفلبيني، بشارة ولعنة: "وحين عدت إلى باد أبي وجدتهم متورطين بي، يريدونني ولا يريدونني، بعضهم سعيد بعودتي، وبعضهم في حيرة، والبعض يطلب تسوية الأمر ماديًا ويطلب منّي العودة: 'إلى باد أمك'. وأنا
أقف على أرض لست أعرفها، باحثًا عن أرض تؤويني بين باد أبي وباد أمي". يمكن أن نقول إن سمة الازدواج تتخذ في حكاية عيسى حالة جذرية؛ فهو يسفر عن أثره التفكيكي بدءًا باسم الشخصية الذي ينشطر في تعدد الأسماء: "اسمي Jose، هكذا يُكتب. ننطقه في الفلبين،
كما في الإنكليزية، هوزيه. وفي العربية يصبح، كما في الإسبانية، خوسيه. وفي البرتغالية بالحروف ذاتها يُكتب، ولكنه يُنطق جوزيه. أما هنا، في الكويت، ف شأن لكل تلك الأسماء باسمي حيث هو
عيسى". وبين ال "هُنا" وال "هُناك"، في سيرورة العبور الثقافي، من كون سيميائي إلى كون سيميائي آخر، تتغير الأسماء صوتًا ودلالة وقيمة، وتنشطر الذات بين حدود اللغات (ف شأن لاسمي بكل تلك
الأسماء، هنا أدعى عيسى). وفي هذه الترجمة اللسانية للأسماء، تخضع صورة الذات للترجمة الثقافية؛ ففي انتقال عيسى هوزيه بين الكويت والفلبين في الاتجاهين معًا، يفقد اسمه ويكتسب أسماء وألقابًا
جديدة، أي هويات جديدة مُترَحِّلة من نسق إلى نسق آخر. وفي هذه العملية المزدوجة يعيد صياغة
ذاته ويختبر صور الاختاف الثقافي. كل اسم جديد يضعه في عاقة مزدوجة بذاته وبالآخر، هي نسْخ
لاسمِ علَمٍ وإحال لاسم جديد. وهذه العملية التفكيكية المزدوجة (النسخ والإحال) تظل مضاعفة ومعكوسة، تحدث في انتقال عيسى هوزيه من الكويت إلى الفلبين، وفي الاتجاه المعاكس من الفلبين إلى الكويت. إنها حالة إزاحة مضاعفة للهوية: إزاحة من المكان (مكان الولادة/ الأصل) تنطوي على نسخ للهوية. إن اللغات ليست مجرد أنساق من القواعد اللسانية بالمعنى البنيوي، إنما هي عوالم سيميائية وثقافية، تفرض "بشكل مسبق بعض الاختيارات التأويلية" في نمذجة العالم وفهمه. ومن هذه الزاوية السيميائية، كل اسم علم من الأسماء المتعددة التي تحملها شخصية عيسى هوزيه، يحيل على نسق ثقافي مختلف، يبني صورة معينة لشخصية البطل تتحكم في تحديد مامحها المرجعيات الدينية والثقافية الخاصة بهذا النسق. ونتيجة لذلك، يجد البطل، بسبب تعدد أسمائه، أنه موضوع تمثيات ثقافية ونسقية متعارضة، فكل نسق يرسم له إطارًا لذاته يتحدد في عاقة سلب مع الإطار الآخر. في
الكويت هو عيسى الفلبيني، كويتي ناقص، أو نسخة مشوهة، أو كما يداعبه أصدقاؤه الكويتيون، جماعة جزيرة بوراكاي، هو كويتي نسخة فلبينية، "كويتي، ولكن Phlippines in Made ". وعلى أساس هذ التصنيف العرقي رفضت عائلته الكويتية الاعتراف به وقبوله بسبب ما يكشف عنه وجهه
((3(المرجع نفسه، ص.224 (4((المرجع نفسه، ص.17
(41) Terence Hawks, Structuralism and Semiotics (London: Ed Methuen Co. Ltd, 1979), p. 31.
(4((السنعوسي، ص.159
الفلبيني. وفي الفلبين هو هوزيه الأرابو Arabo؛ العربي الذي يشكّل حالة غرابة مقلقة، خاصة بالنسبة إلى جده ميندوزا. وسواء في الكويت أو في الفلبين، يعيش بسبب آثار هذا الازدواج حياة مشروخة بالتناقضات والانقسامات بين جذره الكويتي وجذره الفلبيني: "عندما كنت هناك، كان الجيران وأبناء الحي، ممن يعرفون حكايتي، لا ينادونني بأسمائي التي أعرف، ولأنهم لم يسمعوا ببلد اسمه الكويت، فقد كانوا ينادونني Arabo، أي العربي، رغم أنني لا أشبه العرب في شيء. أما هنا، فإن أول ما افتقدته هو ذلك اللقب Arabo إلى جانب ألقابي وأسمائي الأخرى، لأكتسب لاحقًا لقبًا جديدًا ضمته الظروف
إلى جملة ألقابي، وكان ذلك اللقب هو: الفلبيني". بين ال "هنا" وال "هناك"، يختبر عيسى هوزيه هويته في سيرورة مضاعفة من الانزياحات الدلالية والإزاحات الثقافية: محو ونقش لعامات ينسخ بعضها بعضًا، إنه "يتماثل ويتفارق"؛ ذلك أن كل انتقال من كون سيميائي إلى كون سيميائي آخر في رحلة بحثه عن هويته المفقودة، ينطوي على ترجمة للهوية من صورة إلى صورة جديدة تنسخ الأولى. وفي هذه السيرورة السيميائية يعيد اكتشاف ذاته انطاقًا من مواقع مختلفة تتجاذبها صور الاختاف الثقافي الدينية والعرقية والثقافية. فالاسم عيسى الذي سمّاه به أبوه يحيل في العربية على كون سيميائي ديني، جليل ومقدس (النبي عيسى)، ولكنه
عندما يترجم إلى الفلبينية "ينطق هناك Isa، وهو ما يعني "واحد" بالفلبينية، ومن دون شك إن الأمر سيبدو مضحكًا حين يناديني الناس برقم بدلً من اسم". إن الترجمة اللسانية التي تخضع لها أسماء البطل حين ينتقل من فضاء سيميائي إلى فضاء سيميائي آخر، ليست مجرد لعبة لسانية من دون معنى أو مفاعيل، نظرًا إلى ما يترتب عليها من آثار جذرية في
وعي الذات لنفسها وفي صورتها لدى الآخرين، هي نتاج الانزياحات الدلالية في الترجمة الثقافية. فالاسم عيسى المهيب والجليل، حين يترجم إلى الفلبينية ينفصل عن كونه السيميائي الديني المقدس، ويفقد دلالته المهيبة ويتحول إلى مجرد رقم، "واحد"، لا معنى له. وفي هذه الترجمة الثقافية تفقد الشخصية كينونتها، لأنها تختزل إلى مجرد رقم لا قيمة له، تتحول إلى دليل مشيَّأ. إن الترجمة هنا نوع
من المحاكاة الساخرة، التي تجرد الذات من كينونتها، وتحولها إلى موضوع سخرية. ولذلك كانت الأم ترفض أن تنادي ابنها عيسى باسمه العربي مترجمًا إلى الفلبينية، حتى لا يثير سخرية الآخرين، ويصبح
موضوعًا للضحك. "ويصير اللجوء إلى اسم العلم من السخرية بحيث يصبح فائضًا عن الحاجة". ويصبح من يملك فائضًا في التسمية غير قابل للتحديد، منسوخًا في فائض الأسماء والألقاب. وفي المقابل يحيل الاسم خوسيه الذي سمته به أمه وينطق في الفلبين كما في الإنكليزية هوزيه، على كون سيميائي تاريخي جليل. فقد سمته أمه بهذا الاسم تيمنًا باسم البطل الفلبيني القومي خوسيه ريزال، وهو أبرز الأبطال القوميين في الفلبين وأشهر من قاوم الاستعمار الإسباني، يقول عيسى: "اختارت
(4((المرجع نفسه، ص.18 (((4 محمد مفتاح، مجهول البيان (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1990)، ص.120 (4((السنعوسي، ص.17 (((4 ريكور، الوجود والزمان والسرد، ص.261
والدتي هذا الاسم تيمنًا بخوسيه ريزال، بطل الفلبين القومي، الطبيب والروائي الذي ما كان للشعب أن
يثور لطرد المحتل الإسباني لولاه، وإن جاءت تلك الثورة بعد إعدامه". إذا كان اسمَا العلم عيسى وهوزيه يشتركان في الإحالة على كون سيميائي جليل، فإنهما يختلفان في
المرجعية الرمزية التي يسندها كل كون سيميائي إلى عاماته. يستمد اسم العلم عيسى رمزية دلالته من المقدس الديني، في حين يستمد اسم العلم خوسيه دلالته الرمزية من الذاكرة التاريخية والسياسية للمقاومة الوطنية الفلبينية. وتبعًا لذلك، تتحدد العاقة بين الاسمين بسبب النمذجة السيميوطيقية الخاصة بكل كون سيميائي، في تشاكل المقدس/ التاريخي، والديني/ السياسي. ونتيجة لذلك، يؤدي كل اسم علم إلى تشكيل مسار تصويري ودلالي للذات، يستدعي تناصات رمزية عبر ثقافية مختلفة، دينية وسياسية وتاريخية تتشاكل وتتقاطع فيما بينها، ويعزز هذا التقاطع الرمزي بين الأسماء خاصية التخيل عبر القومي الذي يطبع حكاية هوزيه بصور الاختاف الثقافي. إن مفارقة الهوية تشمل حتى القارئ، الذي يجد نفسه في مأزق تلقٍّ حرج. أيتعامل مع شخصية البطل على أنه عيسى أم هوزيه أم خوسيه؟ أم هو كل هذه الأسماء؟ وتُفضي هذه التشظية إلى واحدية الاسم بالضرورة إلى تشظية لوحدة الشخصية وتصدعها وانقسامها. إذا كانت واحدية اسم العلم تؤشر إلى وحدة الشخصية، فإن تعدد الأسماء الشخصية في حالة عيسى هوزيه لا يحيل على كثرة عددية في الأسماء فقط، بل على عملية نسخ للهوية موشومة بعنف التمثيل، تتعرض فيها الذات لسيرورة من الانزياحات والإزاحات الثقافية. إن اللقب الجديد الذي يكتسبه هوزيه عندما ينتقل إلى الكويت، أي الفلبيني، لم يكن مجرد تسمية بريئة من دون معنى وأثر، بل كان عملية تصنيف ثقافي وتعيين سلبي لهوية متدنية "ابن الخادمة الفلبينية"؛ لأن دال "الفلبيني" يحيل في النسق الثقافي للمجتمع الكويتي على صورة نمطية للفلبينيين، تختزل ذاتيتهم في صورة العمالة الرخيصة لدى العائات الكويتية الغنية. في المقابل، يكتسب في الفلبين لقب "العربي" الذي يحيل على صورة نمطية سلبية للعرب، "فقد كانوا ينادونني Arabo، أي العربي، رغم أني لا أشبه العرب في شيء إلا في نمو شاربي وذقني بشكل سريع. فما يتسم به العربي إلى جانب قسوته، كما في الصورة السائدة هناك (الفلبين)، أن الشعر ينمو في جسده بكثرة، وغالبًا ما ترافق
صورته المتخيلة لحية مهما اختلف شكلها وطولها". وهكذا، لا تتوقف وظيفة اسم العلم على براءة التسمية والتحديد، بل تمارس وظيفة التمييز الاجتماعي Discrimination. إن لاسم هنا سياساته الدلالية التي تنقش صور الدونية وعامات الإقصاء في نص الجسد. تكشف هذه الانزياحات في دلالة الاسم تجاذبات التمثيل التي تتجلى في لعبة الصور النمطية وتقاباتها الضدية التي تنشأ في الانتقال من كون سيميائي إلى كون سيميائي آخر، وكيف أن عامات الهوية تتخذ معنى مزدوجًا، ولا تحيل على معنى قار وثابت، لأنها تتحدد بسلطة التمثيل: من يمثل من؟ إن مامحه
(4((السنعوسي، ص.17 (4((المرجع نفسه، ص.18
الفلبينية التي تشكل قيمة إيجابية في الفلبين، عامة على الهوية والانتماء، بسفره إلى الكويت بحثًا عن أصوله، تتحول إلى عامة سلبية، تدل على معاني العار والفضيحة. ومامحه العربية التي تمثل قيمة إيجابية في الكويت، تتحول في الفلبين إلى عامة سلبية، تدل على صورة نمطية مشينة للعرب: "لم أكن الوحيد في الفلبين الذي ولد من أب كويتي، فأبناء الفلبينيات من آباء كويتيين خليجيين وعرب كثر. أولئك الذين عملت أمهاتهم خادمات في بيوتكم، أو من عبثت أمهاتهم مع سياح جاؤوا من بلدانكم بحثًا عن لذة بثمن بخس لا يقدمها سوى جسد أنهكه الجوع". وهكذا؛ إذا كانت وظيفة اسم العلم في السيرة الذاتية هي إرساء وتثبيت للهوية السردية، فإن اسم العلم في نموذج حكاية عيسى هوزيه يمثل حالة مفارقة مضاعفة. إن مفارقة الاسم هنا تكمن في أن الاسم لا يكرس قانون التطابق كما في الميثاق الأوتوبيوغرافي الخاص بالسيرة الذاتية، بل يفككه ويقوض شرعيته حين يورطه في عملية إزاحة ثقافية تؤدي إلى انزياحات دلالية ضدية. وإذا كانت أهمية الاسم ترتبط "بالواقع التالي: ذاكرة الاسم، أعني المحافظة على هوية منسوبة، هي وسيلة أساسية من وسائل إضفاء الكلية على الوجود"، فإن الاسم في حالة عيسى هوزيه يقوم بوظيفة مضادة، إنه تفكيك للذات، وتشتيت لسرد الذات Dissémination بالمعنى التفكيكي، وترجمة عنيفة للهوية في سلسلة إزاحات وانزياحات ثقافية تتعرض لها الذات في عبورها للحدود الثقافية. وبسبب هذه العملية التفكيكية الداخلية تظل الهوية في سيرورة إرجاء؛ موضوعَ سلبٍ، لا موضوع إثبات أو تطابق: "لو كنت فلبينيًا هناك، أو Arabo هنا. لو تنفع كلمة لو، أو ليس هذا ضروريًا الآن". ولأن الازدواج جزء بنيوي صميمي من ذاتية عيسى، فإن هذا الحلم يظل معلقًا، ومُرجَأ، ويكون عليه
أن يتكيف مع هذا الوضع المتصدع بتجاذباته المتوترة، ويتعايش معه. وبدلً من التموقع في سردية ضد سردية أخرى، يختار عيسى هوزيه صيغة التفاوض في تدبير صراع الهويات الذي يمزقه من الداخل وينقش على جسده آثار السلطة، ف يتحيز إلى مكون ضد مكون آخر، على نحو يؤدي إلى هيمنة هوية على هوية أخرى، وتبنّي سردية واحدة. إن هذه الصيغة التفاوضية يعبّر عنها مجازيًا مشهد متابعته لمباراة كرة القدم التي جمعت بين المنتخب
الكويتي والمنتخب الفلبيني. كانت هذه المباراة بمنزلة اختبار استثنائي لانتمائه، يجد نفسه متورطًا في وضع مفارق: من يشجع؟ هل يشجع الكويت أم الفلبين؟ لم يكن كويتيًا "أصانيًا" Native ليشجع
المنتخب الكويتي، ولم يكن فلبينيًا "أصانيًا" ليشجع المنتخب الفلبيني. إنه كويتي – فلبيني، عالق
في فضاء ال "ما بين"، بين الحدود الثقافية. فإذا شجع طرفًا سيتحيز إلى طرف، ويتموضع ضد جزء من هويته الهجينة. لذلك سيكون التعادل في المباراة نتيجة مرضية له، لأنه يحفظ توازن عناصر هويته
(4((المرجع نفسه. (5((فيليب لوجون، السيرة الذاتية: الميثاق والتاريخ الأدبي، ترجمة وتقديم عمر حلي (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 1994)، ص.23 (5((جويل كاندو، الذاكرة والهوية، ترجمة وجيه أسعد (دمشق: منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، 2009)، ص.86 ((5(السنعوسي، ص.17
المتعددة، ولأن انتصار أي طرف يعني خسارة جزء من ذاته، ويضعه في وضع مفارق، "النتيجة حتى الآن مرضية بالنسبة لي. المتبقي من زمن المباراة يزيد عن نصف الساعة لست أرغب بمتابعتها. لا أريد أن أفقد توازني. لا أريد أن أخسرني أو أكسبني، بهذه النتيجة أنا متعادل". بدلً من أن يتموقع مع طرف من هويته ضد الآخر، كما تفعل الأيديولوجيات الدوغمائية، يقرر عيسى هوزيه التعايش مع هذه الشبكة الدينامية من القوى المتعددة والمتناقضة (الدين، العرق، الثقافة، الطبقة) التي تشكل مصادر هويته الهجينة والتكيف مع تجاذباتها الدلالية والثقافية، من دون فرض سردية واحدة مهيمنة، وذلك من خال توليد صيغة تفاوضية متوازنة ومتعادلة. والجدير بالماحظة أن هذا التفاوض يظل محكومًا بمنطق الازدواج المتكافئ بين هذه العناصر المتعددة. وعلى الرغم مما ينطوي
عليه هذا الازدواج من توتر عنيف في مفعولاته وسياساته الدلالية على الذات، حيث تدخل في حالة تنازع وتنافس فيما بينها، يمكن أن نصفه بأنه ازدواج مؤلم وخاق في الآن ذاته، لأنه أتاح لعيسى هوزيه منظورًا مزدوجًا في رؤية ذاته وفهم الآخرين انطاقًا من اختبار صور الاختاف الثقافي، واختبار أشكال
العنف والاضطهاد الوحشية في سياسات الهوية الأحادية والمتسلطة. وهذا ما جنبه السقوط في شراك التعصب والأحادية والدوغمائية.
خاتمة
تظل الهوية – كما تبين لنا من التحليل – موضوعًا خافيًا من الناحية النظرية والفكرية والفلسفية. لكن
ما هو مؤكد هو تزايد الاهتمام بمفهوم الهوية في السنوات الأخيرة، بسبب ارتباط الهوية بالكيفية التي يعيش بها الأفراد حياتهم، وينظمون بها عاقاتهم الاجتماعية؛ ما يؤكد وجود عاقة وطيدة بين الهوية والسلطة. من هذا المنطلق الثقافي، اهتمت الدراسات الثقافية بالبحث في تشكيل الهوية وفي تقصّي
سياساتها الدلالية والثقافية، واعتبرت الهويةَ نتاجَ فعل التمثيل الثقافي. ف وجود للهوية خارج التمثيل.
إن من يمتلك سلطة التمثيل، يمتلك سلطة الكام وسرد هويته وفرض سرديته للحقيقة. وهذا ما أبرزته رواية ساق البامبو، حين قرر عيسى هوزيه أن يكتب قصة معاناته – التي تعرض لها من عائلة الطاروف التي رفضت الاعتراف به وأنكرته – وأن يسرد قصة حياته. بهذا القرار السردي تمكّن من إضفاء معنى وقيمة على حياته، حين قام بنسج أجزائها في قصة بحث مُضنٍ، مدفوعًا بالرغبة في استشراف أفق
أفضل من الواقع الذي عاشه. وفي سيرورة المسارات المترحلة التي يقطعها عيسى في هذا البحث، تتشكل هويته السردية في صورة هوية مُنْزَاحَة عن الأصل ومُترَحِّلَة بين الأكوان السيميائية. تبدأ أزمة
هويته وهو رضيع لا يعقل العالم، حين يتعرض للترحيل القسري مع أمه من مسقط رأسه (الإزاحة عن الأصل)، ويكبر في باد أمه على حلم العودة إلى نقطة الأصل والبداية، وفي هذه المغامرة تتشكل ذاته من خال اختبار سلسلة من الانزياحات الثقافية في رحلة عبور مؤلمة وخاقة من كون سيميائي إلى كون سيميائي آخر، تبدو معها الهوية الهجينة عملية إزاحة وإحال عسيرة ومستمرة، نسخ وترجمة ومعنى مؤقت؛ تنسخ كل ادعاء بالأصل والحقيقة والأصالة.
((5(المرجع نفسه، ص.396
تعلّمنا حكاية عيسى هوزيه، رغم عنفها وقسوتها، درسًا في أخاقيات الهوية: إن الهوية الهجينة على
خاف الهويات المتسلطة، تستنير بسياسات الاختاف التي تنطوي على عمليات الانزياح والتضمين واستيعاب الآخر، ولا تقع فريسة لسياسات الهوية التي تنطوي على عمليات الإقصاء والتمييز والاضطهاد ضد الآخر.
المراجع
العربية
إبراهيم، عبد الله. المتخيل السردي. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.1990 بروب، فاديمير. مورفولوجية الخرافة. ترجمة وتقديم إبراهيم الخطيب. الرباط: الشركة المغربية للناشرين المتحدين،.1986 بوعزة، محمد. سرديات ثقافية من سياسات الهوية إلى سياسات الاختلاف. بيروت: منشورات ضفاف؛ الرباط: دار الأمان؛ الجزائر: منشورات الاختاف،.2014 جولدمان، لوسيان [وآخرون]. الرواية الجديدة والواقع. ترجمة رشيد بنحدو. كتاب الدوحة. العدد. 91 الدوحة: وزارة الثقافة والفنون والتراث القطرية،.2018 ريكور، بول. الذات عينها كآخر. ترجمة وتقديم جورج زيناتي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،
_______. الزمان والسرد: الحبكة والسرد التاريخي. ترجمة سعيد الغانمي وفاح رحيم. مراجعة جورج زيناتي. ج 1. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2006 _______. الزمان والسرد: الزمان المروي. ترجمة سعيد الغانمي. مراجعة جورج زيناتي. ج 3. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2006 السنعوسي، سعود. ساق البامبو. ط 9. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2013 سعيد، إدوارد. الثقافة والإمبريالية، ترجمة كمال أبو ديب. بيروت: دار الآداب للنشر والتوزيع،.1997 كاندو، جويل. الذاكرة والهوية. ترجمة وجيه أسعد. دمشق: منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب،
لوجون، فيليب. السيرة الذاتية: الميثاق والتاريخ الأدبي. ترجمة وتقديم عمر حلي. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.1994 مفتاح، محمد. مجهول البيان. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.1990 الوجود والزمان والسرد: فلسفة بول ريكور. تحرير ديفيد وورد. ترجمة وتقديم سعيد الغانمي. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.1999
References
الأجنبية
Barker, Chris. Cultural Studies: Theory and Practice. London: Thousand Oaks; New Delhi: Thousand Oaks/ SAGE Publications, 2003. Barker, Chris. The SAGE Dictionary of Cultural Studies. London: Thousand Oaks; New Delhi: SAGE Publications, 2004. Bhabha, Homi. The Location of Culture. London/ New York: Routledge, 2000. Hall, Stuart & Pull Dugay (eds.). Questions of Cultural Identity. London: Thousand Oaks; New Delhi: Thousand Oaks/ SAGE Publications, 2003. Hall, Stuart (ed.). Representation: Cultural Representations and Signifying Practices. London: Thousand Oaks; New Delhi: SAGE Publications/ The Open University, 2003. Hall, Stuart, David Held & Tony McGrew (eds.). Modernity and its Futures: Understanding Modern Societies. Cambridge: The Open University, 1992. Hawks, Terence. Structuralism and Semiotics. London: Ed Methuen Co. Ltd, 1979. Lotman, Yuri M. Universe of The Mind: A Semiotic Theory of Culture. Ann Shukmam (trans.). London/ New Work: I.B. Tauris & CO. Ltd Publishers, 1990. Swales, Stephani & Carol Ownenes. Psychoanalysing Ambivalence with Freud and Lacan. London/ New York: Routledge, 2020. Williams, Raymond. Marxism and Literature. Oxford/ New York: Oxford University Press, 1977.