Return to Article Details Critical Theory of Justice in the Context of Justification: The Rainer Forst Model

النظرية النقدية للعدالة في سياق التبرير نموذج راينر فورست

Critical Theory of Justice in the Context of Justification: The Rainer Forst Model

محمد الأشهب *

Mohamed Lachhab *

الملخّص

يسعى هذا البحث إلى إبراز مساهمة النظرية النقدية في صيغتها الجديدة مع راينر فورست الذي يعد أحد طلبة يورغن هابرماس الذين طوروا النظرية النقدية في سجال نقدي مع أستاذه. فلئن كان هابرماس طوّر النظرية النقدية في إطار نقد علاقات التواصل المشوّه، فإن فورست ينطلق من فكرة مفادها أنّ المجتمع هو مجموع علاقات التبرير الموزعة توزيعًا غير متكافئ. بناءً عليه، فالنظرية النقدية التي نقدمها باختصار هنا، هي محاولة لنقد علاقات التبرير في المجتمع، باعتبارها علاقات غير متكافئة. فالظلم ليس هو مجرد توزيع غير عادل للخيرات الاقتصادية، بل هو أيضًا إقصاء للمعنيين بقواعد التوزيع من الحق في مناقشة هذه المعايير، أو بلغة فورست هو إقصاء للحق في التبرير.

Abstract

Abstract: This article showcases the contributions of critical theory in its modern form via Rainer Forst, a student of Jürgen Habermas who developed critical theory through engagement with his teacher. While Habermas developed a critical theory in the framework of the distorted communication critique, Forst set forth from the idea that society is the sum of unequally distributed justificatory relations. Thus, the critical theory we introduce here critiques justificatory relations in society as unequal. Oppression is not merely an unjust distribution of economic goods, but also one that withholds the right to challenge these standards from those impacted. As Forst would say, it is to be denied the right to justification.

الكلمات المفتاحية:
  • راينر فورست
  • نظرية نقدية
  • الحق في التبرير
  • العدالة
Keywords:
  • Rainer Forst
  • Critical Theory
  • Right to Justification
  • Justice

ينطلق من فكرة مفادها أنّ المجتمع هو مجموع علاقات التبرير الموزعة توزيعًا غير متكافئ. بناءً

عليه، فالنظرية النقدية التي نقدمها باختصار هنا، هي محاولة لنقد علاقات التبرير في المجتمع، باعتبارها علاقات غير متكافئة. فالظلم ليس توزيعًا غير عادل للخيرات الاقتصادية فحسب، بل هو

أيضًا إقصاء للمعنيين بقواعد التوزيع من الحق في مناقشة هذه المعايير، أو بلغة فورست هو إقصاء للحق في التبرير.

تمهيد

يرجع اهتمام الفلسفة المعاصرة بسؤال العدالة إلى كتاب نظرية في العدالة الذي نشره جون رولز (2002–1921) في مطلع السبعينيات من القرن الماضي. وهو العمل الذي لم ينحصر تأثيره في العالم الأنكلوسكسوني، بل امتد إلى مجتمعات أخرى، خاصة بعدما ترجم الكتاب إلى لغات عديدة. ومن الفضاءات الفكرية التي استقبلت الكتاب، بعض الفلاسفة المنتسبين إلى النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، كيورغن هابرماس Habermas Jürgen، وبعده مع راينر فورست Forst Rainer. ربما لا يحتاج المرء إلى جهد فكري كبير لكي يلمس تأثير رولز في بعض أعلام النظرية النقدية المتأخرين. ويكفي ههنا العودة إلى قضايا العدالة والتبرير أو التسويغ والحق، ليدرك التفاعل القوي الذي حصل مع نظريته في العدالة بوصفها إنصافًا. وفي خضم هذا التفاعل ارتأى فورست أن ينجز بحثًا لنيل درجة الدكتوراه في الموضوع نفسه بإشراف هابرماس، وبالقرب من رولز أيضًا، لأن هابرماس نصحه بالذهاب إلى أميركا لمتابعة هذا النقاش عن كثب، بجوار فيلسوف العدالة رولز. وهذا ما حصل. خاض فورست في موضوع العدالة، في الوقت الذي كان النقاش في الثمانينيات والتسعينيات حادًّا بين التيارين الليبرالي والجماعاتي. بحيث إن كل تصور ينطلق من سياق معين للعدالة. وقد كان جهد فورست موجهًا إلى البحث عن طريق ثالث بين التوجهين المهيمنين على النقاش الفلسفي آنذاك، حول موضوع العدالة في أميركا بالخصوص، وفي ألمانيا الذي كان مقابله سجال إيمانويل كانط Kant Immanuel) 1804–1724(وجورج فيلهلم فريدريش هيغل Hegel Friedrich Wilhelm Georg (1831–1770). وقد توّج

(((لأن الأعمال الأساسية لرولز متوافرة بالعربية، ولكثرة الدراسات المنشورة عنه أيضًا، ارتأيت أّل أقدم نظرية رولز قبل الدخول في العناصر الأساسية للنظرية النقدية لراينر فورست. ولتأثيرها الملحوظ في فورست، كان من المطلوب القيام بهذا التقديم، لكن

توافر النصوص جعلني أُعرض عن الفكرة. يمكن العودة على سبيل المثال إلى النصوص العربية التالية: جون رولز، نظرية

العدالة، ترجمة ليلى الطويل (دمشق: منشورات الهيئة العلمية السورية، 2011)؛ جون رولز، العدالة كإنصاف: إعادة صياغة،

ترجمة حيدر إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011)؛ جون رولز، قانون الشعوب وعودة إلى فكرة العقل العام،

ترجمة محمد خليل (القاهرة: المشروع القومي للترجمة، 2007)؛ جون رولز، محاضرات في تاريخ فلسفة الأخلاق، ترجمة ربيع وهبة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019). أما المراجع عن رولز فهي كثيرة، بحيث إن الفلسفة السياسية المعاصرة في العالم العربي مقسمة بين جون رولز ويورغن هابرماس؛ ونذكر ههنا بعض الكتابات المهمة التي يمكن

الرجوع إليها مثل: عبد العزيز ركح، الشرعية الديمقراطية: من التعاقد إلى التواصل، هابرماس في مواجهة رولز (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)؛ محمد الأشهب، "الحق في العدالة في الخطاب الفلسفي المعاصر" في:

محمد الأشهب [وآخرون]، ما العدالة؟ معالجات في السياق العربي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة

السياسات، 2014)؛ كما يمكن العودة إلى الكتابين الشاملين حول رولز: محمد هاشمي، ‏نظرية العدالة عند جون رولز: نحو

تعاقد اجتماعي مغاير (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2014)؛ محمد هاشمي، جون رولز والتراث الليبرالي (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.)2016 (((لأن فورست يُعدّ من طلبة هابرماس، فقد نصحه أثناء إعداده رسالته لنيل الدكتوراه بإشرافه، بالذهاب إلى جامعة هارفارد،

والاستفادة من رولز ونظريته في العدالة. والقارئ لأعمال فورست يتجلى له بوضوح تأثير نظرية العدالة السياسية لرولز في نظريته

النقدية في العدالة. بل إن فورست يذهب في اتجاه تأويل نظرية العدالة بوصفها إنصافًا إلى كونها ليست مجرد عدالة مهتمة بمسألة التوزيع، بل هي أيضًا عدالة اهتمت بالجانب العلائقي أيضًا.

(3) Rawls John, Theory of Justice (Cambridge: Harvard University Press, 1971).

هذا الجهد بتقديم رسالته التي نُشرت لاحقًا بعنوان سياقات العدالة: ما وراء النزعتين الليبرالية والجماعاتية. كان هذا الكتاب أشبه باللبنة الأولى لفورست، بغية تعميق النقاش في فلسفة العدالة. وسيواصل الاشتغال بهذا المفهوم لاحقًا، من خلال ربطه بمفاهيم أخرى مرتبطة بالفلسفة العملية عمومًا، كمفاهيم التسامح، وحقوق الإنسان، والحق في التبرير، والكرامة، والعدالة العالمية، والسلم. هذه المفاهيم التي تحضر في مجمل نصوص فورست في ارتباطٍ وثيق بمفهوم العدالة. فالعمل الذي طوره فورست في النظرية النقدية فضّل تسميته ب "النظرية النقدية للعدالة". وسمّى السياق الذي يقارب من خلاله

سؤال العدالة والقضايا العملية الأخرى المرتبطة به "سياق التبرير". ولهذا فضلت أن أضمِّن في دراستي عبارة "العدالة في سياق التبرير". لأبين للقارئ العربي أن ما يقوم به فورست يندرج ضمن مشروع تطوير النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، لكن ذلك ليس في إطار نقد العلاقات الاقتصادية، كما هو الأمر مع الرعيل الأول، أو نقد علاقات التواصل Action Communicative كما هو الأمر مع أستاذه هابرماس، أو في إطار نقد علاقات الاعتراف Recognition كما هو الأمر مع زميله أكسل هونيث Honneth Axel، بل إنّ ما يقوم به فورست هو امتداد للأجيال السابقة، لكن في إطار ما أسماه ب "نقد علاقات التبرير"؛ وذلك اقتناعًا منه بأن المجتمع هو نظام قائم على علاقات التبرير. وعلى هذا الأساس، فالنظرية النقدية للعدالة هي نقد لعلاقات التبرير. هذه الأطروحة طوّرها فورست في كتابه سياقات العدالة، وفي أعماله اللاحقة، مثل الحق في التبرير: عناصر النظرية البنائية للعدالة، ونقد علاقات التبرير، وصولً إلى كتابه الأخير المعيارية والسلطة: في تحليل الأنظمة الاجتماعية للتبرير. وأهم مقال نرى أنه يلخص هذه النظرية هو "صورتا العدالة" الذي ينتصر فيه فورست لصورة على

حساب أخرى من دون إهمالٍلأهميتها.

(4) Forst Rainer, Kontexte der Gerechtigkeit: Politische Philosophie jenseits von Liberalismus und Kommunitarismus (Frankfurt am Main: Suhrkamp Verlag, 1994); Rainer Forst, The Contexts of Justice: Political Philosophy beyond Liberalism and Communitarianism , John M. M. Farell (trans.) (California: University of California Press, 2002).

(((ينظر في هذا السياق: رينر فورست، "التسامح والاعتراف والتحرر"، ترجمة محمد الأشهب، مجلة تفاهم، المجلد 14، العدد 52 (2016)، ص 386–349؛ ويمكن العودة أيضًا إلى: محمد الأشهب، "قيمة التسامح في النظرية النقدية لراينر فورست"، في: محمد

الأشهب [وآخرون]، أزمة القيم في العالم المعاصر (القنيطرة: منشورات جامعة القنيطرة،.)2018

(6) Xavier Guillaume, The Right to Justification: Towards a Critical Theory of Justice and Democracy. An Interview with Rainer Forst , Dialogues with Contemporary Political Theorists, International Political Theory Series (London: Palgrave Macmillan, 2012), p. 108. (7) Forst Rainer, Das Recht auf Rechtfertigung: Elemente einer konstruktivistischen Theorie der Gerechtigkeit (Frankfurt am Main: Suhrkamp Verlag, 2007); Forst Rainer, The Right to Justification Elements of a Constructivist Theory of Justice , Jeffrey Flynn (trans.) (Columbia: Columbia University Press 2014). (8) Forst Rainer, Normativität und Macht: Zur Analyse sozialer Rechtfertigungsordnungen (Ersterscheinungstermin: Suhrkamp, 2015). (9) Forst Rainer, Kritik der Rechtfertigungsverhältnisse Perspektiven einer kritischen Theorie der Politik (Germany: Suhrkamp Verlag Berlin, 2011), pp. 29–52; Jürgen Habermas, Justice and Justification Remarks on Discourse Ethics , Ciaran Cronin (trans.) (Cambridge: Polity Press, 2014), pp. 17–37.

لئن كان فورست قد تميز في أبحاثه العلمية في النظرية النقدية الجديدة، بالتركيز على قضايا الفلسفة العملية لتوسيع ما أسماه العقل العملي Reason Practical، فإن مرد ذلك إلى توظيفه لنظرية أخلاقيات المناقشة لأستاذه هابرماس، والليبرالية السياسية Liberalism Political لرولز، وأيضًا نظرية الاعتراف Recognition of Theory The لهونيث، من دون أن ننسى الإشارة إلى تغليب المرجعية الكانطية في مقاربته الفلسفية. هذا التوظيف دفع فيلسوفًا كانطيًا وليبراليًا مثل أوتفريد هوفي إلى مساجلة فورست بوضع سؤال عريض مفاده: هل كان كانط فرنكفورتيًا أصلً؟ وهو السؤال الذي أجاب عنه بقوله إن فورست يؤسس الحق في التبرير على فلسفة كانط لكن ذلك بطريقة غير كافية. بقي سؤال العدالة في الحقيقة كما عبّر عن ذلك فورست نفسه دائمًا، سؤلً للفلسفة السياسية منذ أفلاطون إلى اليوم. هذا السؤال القديم الحديث ظل على الدوام أيضًا موضوع مراجعات نقدية. وبالمناسبة، نحن نحتاج اليوم إلى إعادة المراجعة والنظر في منطلقاته. هذه المراجعة التي قام بها فورست نفسه في إطار

(1((للتوسع في هذا الموضوع يمكن العودة إلى: محمد الأشهب، أخلاقيات المناقشة في فلسفة التواصل لهابرماس (عمّان: دار

ورد الأردنية للنشر والتوزيع، 2013). ولا بد أن ننبه ههنا إلى أن" أخلاقيات المناقشة" ليست مجرّد محاكاة للترجمة الفرنسية

discussion la de Éthique، وليست ترجمة للمصطلح الألماني الذي يعني على الأرجح "إتيقا الخطاب" Diskursethik die. فهناك

من يعتبر هذا الانزلاق من مفهوم "الخطاب" إلى مفهوم "المناقشة"، تأويل وليس ترجمة. ونحن نقول بعكس ذلك؛ فالأقرب إلى هابرماس هو "أخلاقيات المناقشة". وهذا مصطلح توصلت إليه أثناء إعداد رسالة الدكتوراه التي ناقشتها لجنة علمية بإشراف عز العرب لحكيم بناني، ولم يكن أي اعتراض على المصطلح. فالانزلاق في الترجمة العربية موجود في ما يسمونه "أخلاقيات الخطاب" أو "إتيقا الخطاب". وأجدها عند بعض المترجمين العرب الذين ربما ليسوا على اطلاع جيد على فلسفة هابرماس وباللغة الألمانية

أيضًا. فالمترجم الفرنسي في نظري كان موفقًا. وقد رجعت إلى النص الفرنسي والألماني والإنكليزي لتتبع المفهوم الذي يترجم عن الإنكليزية غالبًا ب "أخلاقيات الخطاب". والحقيقة أن هابرماس يستعمل Diskurs مرة بمعنى خطاب ومرة بمعنى مناقشة أو محادثة.

والمعجم الألماني – العربي الشهير غوتس شراجلة Schregle Götz نجد فيه أن الكلمة لها معنيان؛ خطاب ومناقشة. ولهذا فالمترجم

الفرنسي في نظري كان موفّقًا وليس منزلقًا. فالمنزلق هو المترجم العربي الذي يقصد الخطاب. فالأمر عند هابرماس كما بينت في

كتابي أخلاقيات المناقشة، يتعلق بأخلاقيات إجرائية لتنظيم المناقشة العقلانية قصد الوصول إلى تفاهمات وإجماع عقلاني بين المعنيين به. وليس الأمر يتعلق بخطاب بالمعنى الفوكوي أو غيره. قد يكون هناك خطاب من دون مناقشة مثل خطاب ملك أو رئيس أو محاضر أو غير ذلك. لكن المناقشة العمومية هي بالضرورة خطاب متبادل، نحتاج فيه إلى أخلاقيات لتنظيمه وهي بحسب هابرماس أخلاقيات المناقشة. وهي مناقشة واقعية تجري في مجال الفضاء العمومي. كما أجد أخلاقيات التخاطب أو إتيقا التخاطب هي أفضل من الخطاب، لأن الأمر يتعلق بتخاطب وليس بمجرد خطاب موجه من طرف واحد. وعلاوة على ذلك، فالمترجم

الفرنسي الذي ترجم Diskurs مرة ب  Discours، ومرة ب  Discussion، هو مترجم محترف ومطّلع بدقة على نصوص هابرماس، واشتغل به أزيد من 20 سنة، وترجم العديد من كتبه. وهذا ما نوافقه الرأي عليه. وتوجد حجّة أخرى، ذلك أن المترجم القدير والباحث

الألماني المتمرس في الفلسفة السياسية جون كريستوف ميرله Jean–Christphe Merle، والذي كان مساعدًا لأوتفريد هوفي، ترجم

فصولً من كتاب هوفي العقل والحقإلى الفرنسية، ولم يتردد في ترجمة كلمة Diskurs ب "مناقشة"، في الوقت الذي كان السياق يقتضي ذلك، وأحيل ههنا إلى الصفحة 654 من الترجمة الفرنسية بعنوان Une discussion Juridique interculturelle والتي هي ترجمة دقيقة للجملة الألمانية. للاطلاع، ينظر:

Otfried Höffe, "Du projet politique des modernes: Un concept interculturel des droits de l’homme," Jean–Christophe Merle (trans.), Questions au libéralisme (Saint–Louis: Presses de l’Université Saint–Louis, 1998), pp. 27–46; Otfried Höffe, Vernunft und Recht Bausteine zu einem interkulturellen Rechtsdiskurs (Ersterscheinungstermin: Suhrkamp, 1996), p. 53. (11) Rainer, The Right to Justification, p. 106. (12) Otfried Höffe, "Kant ist kein Frankfurter: Rainer Forst begründet das Recht auf Rechtfertigung, allerdings nicht Ganz zureichend," Ziet online , 31/10/2007, accessed on 4/12/2020, at: https://bit.ly/3qVkigY

ما أسماه بسياق التبرير، ظلت موجهة بالأسئلة التالية: بأيّ طريقة يمكن تبرير المعايير؟ وما المعايير التي تشرعن العلاقات الاجتماعية والسياسية والقانونية في إطار جماعة سياسية؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، سأعمل على تبيان العلاقة التي طورها فورست بين مفهومَي العدالة والحق في التبرير. ولتحقيق هذا الهدف، سأتوقف في الخطوة الأولى عند تحديد مفهوم التبرير كما يستعمله فورست في دلالته الفلسفية، من دون العودة إلى تاريخ المفهوم في الفكر الغربي، خاصة في الثيولوجيا المسيحية. وبعد ذلك سأتوقف باختصار عند أطروحة سياق العدالة والأسس الأخلاقية لمبدأ التبرير. وعلاوة على ذلك، سأعرض المنظور البديل أو لنقُل التصور الجذري للعدالة لدى فورست. هذا التصور الذي يعتبر السلطة الموضوع الرئيس للعدالة، خلافًا للتصور الكلاسيكي الذي عالجه فورست برؤية نقدية بالاستناد إلى مكتسبات المنعطف السياسي في نظرية العدالة، والذي بدأ مع رولز واستمر مع آيرس ماريون يونغ Young Marion Iris).2006–1949(

أولا: تحديد مفهوم التبرير

إن أيّ نظرة موجزة لتاريخ الفلسفة تبين لنا أن الفلسفة ارتبطت منذ القدم بمطلب التبرير. فقد استعمل السفسطائيون Sophists لعبة سؤال – جواب لتعلّم تقنية إعطاء المبررات والرد عليها تبعًا لقواعد معينة. فسقراط نفسه أخذ بدوره على محمل الجد هذه المنهجية (سؤال – جواب) التي تناول من خلالها قضايا الحياة الأساسية، إذ كان يرغم مخاطبيه/ محاوريه على الإدلاء برأيهم في المسائل المطروحة للنقاش. وتعدّ المحاورات الأفلاطونية التي تحضر فيها شخصية سقراط شخصية رئيسة بمنزلة النموذج الأمثل لهذه التقنية الحوارية التي اعتمدها سقراط في منهجيته لمساءلة القضايا المهمة للحياة في المجتمع اليوناني. في هذا الإطار ميز الفيلسوف الألماني نيدى روملين في كتابه الفلسفة وشكل الحياة بين نوعين من الأسئلة على بصيغة "لماذا؟" وهي أسئلة يطالب بعضُها بمعرفة معطيات متعلقة بالأسباب، وبعضها يسعى لمعرفة معطيات تتعلق بالمبررات في معناها الضيق. هذه المبررات في معناها هذا يمكن التمييز فيها بين تلك المرتبطة بالقناعات، أو تلك التي تحيل على الأفعال: فالقناعات يجري تبريرها تبعًا لأفعال نظرية ومبررات عملية. ففي الوقت الذي يجري الإدلاء فيه بمبررات نظرية لتبرير القناعات، تقدَّم مبررات عملية لتبرير الأفعال. بصيغة أخرى، في الفلسفة العملية تتصدر عملية تبرير الأفعال والمعايير قائمة الاهتمام الفلسفي، بينما في الفلسفة النظرية يتعلق الأمر بالتبرير الإبستيمي، أو فلنقل: المعرفي.

(13) Rainer, Kontexte der Gerechtigkeit. (14) Ibid., p. 9. (15) Jordan Stefan & Nimtz Christian, Reclam Lexikon Philosophie Hundert Grundbegriffe (Verlag Reclam: Stuttgart, 2009) p. 230. (16) Nida–Rümelin Julian, Philosophie und Lebensform (Frankfurt am Main: Suhrkamp Verlag, 2009), pp. 99–100. (17) Ibid. (18) Stefan & Nimtz, p. 230.

إذا رجعنا إلى فورست، فإننا نجد أن مفهوم التبرير عنده ارتبط بالفلسفة العملية وليس بنظرية المعرفة. وفي ضوء هذا التحديد لمفهوم التبرير في دلالته العملية، يعمل فورست في نظريته النقدية على إعادة بناء هذا المفهوم، فيضع تحديدًا للإنسان باعتباره كائنًا له القدرة على التبرير. فالإنسان بحسب فورست ليس كائنًا عاقلً أو كائنًا يتصف بقدرات خاصة مثل اللغة، أو كائنًا محدودًا يتصف بخاصية النقصان، أو كائنًا سياسيًا وحيوانًا اجتماعيًا، بل هو توليفة مع هذه الخصائص، فيمكن النظر إليه باعتباره

كائنًا لا يملك موهبة تبرير أفعاله وقناعاته إزاء الآخرين بالاستناد إلى مبررات معقولة ومقبولة، متحملً في ذلك كامل مسؤوليته، فحسب، بل هو أيضًا كائن ينظر إلى الآخر باعتباره يملك كامل الحق في أن يقوم بالعمل نفسه. وإذًا، من الواجب عليه أن يحترم حقه في تبرير أفعاله وقناعاته. فالإنسان، بسبب من امتلاكه لهذه القدرة على التبرير، ملزَم باحترام هذه القدرة لدى الآخرين؛ وهو أمرٌ لا يترتب عليه إعطاء

المبررات للآخرين، فحسب، بل القدرة على الإنصات لمبررات الآخرين والرد عليها والتفاعل معها،

في إطار من الاحترام المتبادل. هذه المعاملة بالمثل، تُعتبر مبدأ أساسيًّا في نظرية فورست النقدية التي

تنظر إلى المجتمع باعتباره نظامًا للتبرير.

ثانيًا: سياقات العدالة والأسس الأخلاقية لمبدأ التبرير

خضعت نقاشات العدالة، في الغالب، لإعادة البناء في أواخر القرن العشرين، مستحضرة المواقف المتضاربة بين الليبراليين من جهة والجماعاتيين من جهة أخرى. وبموجب ذلك تعرضت نظرية العدالة لرولز، ذات المنحى الليبرالي، لنقد قوي مارسه أنصار التيار الجماعاتي، أمثال مايكل ساندل

Sandel Michael، وألسدير مكينتاير MacIntyre Alasdair، وتشارلز تايلور Taylor Charles، هذا

السجال الذي هيمن على نقاشات العدالة في الفضاء الأنكلوسكسوني، والذي يعزى فيه الأمر إلى نظرية رولز، نجد ما يقابله في الفضاء الألماني في هذه الفترة المتأخرة من القرن العشرين بين أنصار الكانطية Kantians وأنصار الفلسفة الهيغيلية. وفي سياق هذا النقاش المحتدم بين الليبراليين والجماعاتيين سيظهر كتاب سياقات العدالة الذي سينشره فورست، وهو في الأصل رسالة لنيل درجة الدكتوراه بإشراف من هابرماس في جامعة غوته للعام الأكاديمي (1993–1992). يقول فورست عن هذا الكتاب إن سياقه هو سياق السجال المعاصر حول العدالة الذي طبع النقاش الفلسفي بقوة في فترة الثمانينيات والتسعينيات بين الليبراليين والجماعاتيين. يُعدّ هذا العمل الذي نشره فورست

مساهمة منه في ذلك السجال الذي خاض فيه هو بدوره، لكن من دون أن ينتسب إلى هذا الاتجاه أو ذاك. فقد ظل موجهًا بهدف آخر تمثل في إيجاد حل وسط للعديد من القضايا، من أجل تقريب

(19) Rechtfertigungswesen.

يمكن ترجمتها بالكائن التبريري، لكن الأفضل ترجمتها بجملة لأن فكرة القدرة مهمة بالنسبة إلى فكرة فورست الذي يدافع عن الحق في التبرير. فعندما يقصى الشخص من هذا الحق ففي ذلك انتهاك لكرامته لأن هذا الحق حق أخلاقي. وكل شخص قادرٌ على القيام

بذلك بسبب حس العدالة الذي يمتلكه.

(20) Rechtfertigungsordnung. (21) Heindenreich Felix, Theorien der Gerechtigkeit: Einführung (Stuttgart: Verlag Barbar Budrich 2011), p. 162. (22) Rainer, Kontexte der Gerechtigkeit , p. 10.

وجهات نظر المذهبَين معًا، وذلك تبعًا لرؤيته التي ينطلق فيها من المكتسبات المعرفية للنظرية النقدية

التي ينتمي إليها. فالمحاولة التي قام بها فورست سعت إلى تضييق الهوة بين الاتجاهين، بالتفكير في مقاربة تكاملية تتجاوز ما أسماه ب "نسيان السياق"، كما هو الأمر عند الليبراليين، وتضخيم السياق كما هو عند الجماعاتيين. يمثل مبدأ التبرير عند فورست أساس نظرية التبرير العام القائم على المماثلة. فمعيار التبادلية والعمومية يستعمل مصفاةً للمبررات والادعاءات القابلة للرفض بطريقة عقلانية؛ إذ لا يمكن رفض أيّ ادعاء أو زعم، أو قبوله، من دون الاستناد إلى مبررات مقبولة تحظى برضا كل من هو معني بها. وبالنسبة إلى المماثلة – أي المعاملة بالمثل – فهي تخص مستويين؛ الأول يخص المضامين، والثاني معني بالمبررات. في المستوى الأول، لا أحد يسمح لنفسه بحرمان خصومه من مطالب محددة، في الوقت الذي يبيح لنفسه رفعها. وبناءً على هذا المعيار، يحق لكل واحد في إطار

الجماعة أن يرفع ما لديه من المطالب وأن يدافع عنها بالمبررات المقبولة التي يراها ملائمة لإقناع خصومه. في المستوى الثاني، لا أحد يسمح لنفسه بالانتقاص من القيم والمصالح الخاصة للآخرين، غير المتقاسمة، من دون الرجوع إلى الحقائق الكبرى المتفق عليها. فالعمومية تعني أخيرًا أن المبررات المستعملة للمعايير الأساسية يجب أن يتقاسمها كل المعنيين بها، من دون إقصاء

لأحد. ولهذا يجب، بحسب هذا المبدأ، أن تخضع المطالبة بخيرات معينة أو حقوق أو حريات في تبريرها، لمعيارَي التبادلية والعمومية، وبمعنى آخر؛ أن تخضع للنقاش العقلاني، بما في ذلك تبادل المبررات بين كل من هو معني بتلك المعايير، من دون إقصاء لأحد. فلا يحق لأحد، مهما كان موقعه، أن يعرض مبرراته فقط من وجهة نظره الخاصة، من دون أن يُخضعها للنقاش العمومي المتبادل. هذا المبدأ يشكّل أساسًا لنظرية مستقلة ونقدية للعدالة، وهو الذي وصفه فورست ب "مبدأ

العقل العملي". لكن ما الذي يقصده فورست بمفهوم العقل العملي، خاصة أن المدرسة الفلسفية الألمانية لها تاريخ فلسفي غنيّ بمساهمات ارتبطت بهذا المفهوم؟ كما هو معروف، يُعَدُّ كانط من فلاسفة التنوير الألمان الذين ارتبطت أسماؤهم بهذا المفهوم الذي كان يريد من خلاله أن يجيب عن سؤال: ما الذي ينبغي عليّ فعله؟ وهو المفهوم الذي ارتبط عنده

باعتباره مصدرًا للمعايير الأخلاقية، بحيث إن هذا المصدر ظل يشكل مرجعية ذات سلطة؛ ما يضفي أيضًا نوعًا من السلطة على المعايير والقيم الصادرة عنها. والذي يميز هذه السلطة أيضًا هو ارتباطها بالذات الفاعلة. وعلى خلاف هذا، يرى فورست، بالرغم من نزعته الكانطية، وسيرًا على نهج البردايم

البينذاتي لهابرماس، أن العقل العملي قدرة يتسم بها الأشخاص العقلانيون، بحيث يستعملها هؤلاء في سياقات مختلفة لتقديم مبررات معقولة لأفعالهم، بغية إضفاء المشروعية عليها. فالعقل العملي مع فورست يفهم بمعنى غير ميتافيزيقي؛ أي بوصفه عقلً يعمل في سياق بينذاتي.

(23) Kontextvegessen und Kontextversessen. (24) Allgemeinheit. (25) Vermögen.

إن محاولة فورست تقديم تأويل للعقل العملي في إطار البردايم البينذاتي الذي طوره هابرماس في نظرية أخلاقيات المناقشة، تعدّ محاولة مجددة، وخاصة في الوقت الذي ربط فيه ذلك بنظرية نقدية للعدالة التي يحاول تطويرها في سياق التبرير. هذا المفهوم الذي حظي عنده باهتمام كبير إلى درجة أنه عنون أحد كتبه بعنوان الحق في التبرير، ليجعل منه حقًا أخلاقيًا تقتضي مراعاته أثناء عملية صياغة

المعايير. وبناءً عليه، فإن كل شخص منتمٍ إلى جماعة التبرير لديه كامل الحق في التبرير أو الرفض

للمبررات المقدمة بخصوص المعايير المنظمة للجماعة. وبمعنى أدق، فإن الأشخاص المعنيين بوصفهم أشخاصًا أخلاقيين، هم كل الناس المنتمين إلى جماعة التبرير. هذا الانتماء في الحقيقة هو الذي يخوّلهم الحق في تشكيل معاييرهم الخاصة بأنفسهم في إطار من التعاون القائم على أساس

الاحترام المتبادل. فهم بسبب من الانتماء، يمثلون المصدر الوحيد لإضفاء المشروعية على المعايير المنظمة للجماعة. وبهذا المعنى، فالعقل العملي لا تكمن سلطته في ذاته، بل إن سلطته نابعة من هذا السياق البينذاتي الذي تبلور فيه. ولهذا الاعتبار ربط فورست في نظريته في التبرير بين مسألة مشروعية المعايير والسياق الاجتماعي. في هذا السياق يُفترض في الإنسان، باعتباره كائنًا قادرًا على التبرير، أن يبرر أفعاله وممارساته لتحقيق التعايش داخل الجماعة، عوضًا عن فرضها بالقوة. وعلاوة على ذلك، بسبب من الدور المركزي الذي يؤديه الشخص القادر على التبرير، ارتأى فورست أن ينظر إلى المجتمع برمّته، باعتباره نظامًا للتبرير. إنّ مفهومًا كهذا للعدالة، هو مفهوم يتجاوز شكلً سياسيًا

للتعايش الذي لا نتساءل فيه عن المبررات، وعمّن يملك حقوقًا أو خيراتٍ، ومن ليس له الحق في ذلك، بل مفهومًا يضع في المقام الأول التساؤل عن كيفية تحديد المطالب والحقوق، وعن المسؤول عن تحديدها. وعلاوة على ذلك، يهتم هذا المفهوم بالمنتمين إلى جماعة التبرير ونوعية العلاقة التي تجمع بينهم.

ثالثًا: السلطة بوصفها موضوعًا رئيسًا للعدالة

انتقد فورست في النظرية النقدية للعدالة الصورة الخاطئة والمهيمنة على تاريخ الفلسفة السياسية للعدالة منذ أفلاطون. وفي المقابل، اقترح صورة ثانية بديلة لا تقصي الصورة الأولى، وإنما تدمجها معها وتحاول تصحيح هذا التصور المهيمن. وقد اتبع نهج العدالة السياسية لرولز، وخاصة التأويل الذي نحا المنحى الذي جعل من رولز مؤسسًا للمنعطف السياسي في نظرية العدالة، بدلً من التأويل الذي ركز على التصور التوزيعي في نظريته. وتعدّ انتقادات آريس يونغ ملهمة لفورست في تعميق تصوره لنقد البردايم التوزيعي. هذا البردايم الذي ظل دائمًا قائمًا على مبدأ مفاده "لكلٍّ نصيبه". هذا المبدأ ظل باستمرار مهتمًا فقط بالتوزيع العادل للخيرات المادية، وبالشخص باعتباره مجرد متلقٍّ لنصيبه من الخيرات، مع إقصائه من

(26) Rechtfertigungsgemeinschaft. (27) Rechtfertigungswesen. (28) Rechtfertigungsordnung. (29) Rainer, The Right to Justification , p. 110. (30) Rainer, Kritik der Rechtfertigungsverhältnisse , p. 31.

تحديد معايير التوزيع التي هو موضوعها. فمنذ أفلاطون، مثلً، كل واحد يتلقى نصيبه بحسب الوظيفة التي يؤديها في المجتمع. وهذه الوظيفة التي أسندت إليه، يعدّ القيام بها تحقيقًا للعدالة في المجتمع باعتبارها تكمن في تماسك المجتمع وتوازنه. وينطبق الأمر نفسه على الاتجاه الفلسفي الماركسي الذي ركّز على توزيع الخيرات المادية تبعًا لما يستحقه الشخص؛ أي تبعًا لكلٍ بحسب حاجاته. والمبدأ نفسه اتخذ تأويلات أخرى عند أصحاب المذهب المساواتي الذين اعتبروا أنّ تحقيق الحدّ الأدنى من الخيرات المادية حقٌّ لكل شخص لضمان الحياة الكريمة. هذه الكرامة التي تختزل في البداية في توفير الحد الأدنى من الخيرات المادية هي التي تمكّن الشخص من أن يحقق مكتسبات أخرى في المجتمع لاحقًا. وبالرغم من الاختلافات في ما يمكن أن يتلقاه الشخص، تبعًا لهذه التصورات وغيرها التي تدرج في البردايم التوزيعي، فإن الذي يوحّد بينها هو أن المتلقي للخيرات متلقٍّ سلبي، ظل مقصيًا من المشاركة في

تحديد معايير التوزيع نفسها. هذه الصورة المهيمنة هي التي دفعت فورست إلى اعتبارها صورة خاطئة، أو لنقل صورة تنظر إلى العدالة من زاوية واحدة. وبالعودة إلى تصور فورست، نلمس أنّ هذا التصور ظل موجَّهًا بالأسئلة التالية: كيف جاءت إلى العالم تلك الخيرات التي هي موضوع التوزيع؟ ومن يحدد بنيات الإنتاج ومعايير التوزيع؟ وبأي طريقة؟ إن ما يميز هذه الصورة البديلة للعدالة التي يقترحها فورست هو تفاديها التركيز على مسألة التوزيع العادل للخيرات المادية، وانفتاحها على التوزيع العادل للخيرات السياسية، على اعتبار أنها لا تقلّ أهمية عن نظيرتها المادية، بل إنها هي التي تحدد الكيفية التي يجب أن تكون عليها عملية التوزيع. وعلاوة على ذلك، لاحظ هذا التصور النقدي للعدالة أنّ الصورة الأولى تعاني العديد من النقائص التي حجبت عنّا التصور الحقيقي للعدالة. وبهذا، فالتصور البديل يسعى جاهدًا إلى الكشف عن مجمل هذه النقائص. وقد لخّص فورست هذه النقائص في أربع ملاحظات: • إهمال هذه الرؤية المتمركزة على الخيرات للكيفية التي جاءت بها تلك الخيرات إلى العالم، والتي هي موضوع التوزيع. ثمّ إنّ القضايا المتعلقة بالإنتاج وتوزيعه العادل بدورها تعرضت للإهمال في الرؤية نفسها. • تجاهل هذه الرؤية لمسألة السلطة باعتبارها موضوعًا للعدالة، أي المرتكز السياسي المتعلق بمن يحدد بنيات الإنتاج والتوزيع، وبأي طريقة يجري تحديد ذلك، وكأن الأمر في العدالة لا يتعلّق إلّ بآلة كبيرة للتوزيع، يجب، فحسب، برمجتها بطريقة صحيحة لتقوم هي نفسها بهذه العملية. واقترح أنّ مثل هذه الآلة لا ينبغي لها أن توجد، لأن العدالة لن تفهم من الآن فصاعدًا بوصفها إنجازًا سياسيًا للذوات نفسها، وإنما ستحوّلهم إلى مجرد ذوات سلبية متلقية للخيرات وليس للعدالة.

(31) Ibid., pp. 29–52; Habermas, Justice and Justification , pp. 17–37.

كما أشرت سابقًا، يُعد مقال "صورتان للعدالة" مق ل مفتاحيًا لقراءة النظرية النقدية للعدالة؛ لأنه قدّم في هذا المقال قراءة نقدية

للفلسفة السياسية الكلاسيكية والمعاصرة، وذلك لأنها فلسفة ظلت رهينة لتصور أحادي الجانب للعدالة. وبالرغم من الاختلافات الموجودة بين مختلف تياراتها، ظلت متفقة في تفسيرها للعدالة من منطلق مبدأ التوزيع. وهي الصورة التي قلبها فورست في هذا المقال. ونظرًا إلى أهمية المقال عملنا على ترجمته وسننشره قريبًا.

• هذا النوع من التفكير في العدالة، يهمل واقعة أنّ المطالب المشروعة المتعلقة بالخيرات ليست موجودة ببساطة بوصفها مطالب، بل يمكن التوصل إليها، فحسب، عبر مناقشة عمومية وسياق إجراءات ملائمة للتبرير – وهذا يُعدّ المطلب الأساسي للعدالة – والتي يمكن لكل الذوات أن

تشارك فيها باعتبارها ذواتٍ حرةً ومتساويةً في هذا الحق؛ أعني الحق في المشاركة. • أغفلت الرؤية المتمركزة حول الخيرات مسألة الظلم وأخرجته من اهتماماتها، لأنها بتركيزها على تجاوز النقائص والحاجات في توزيع الخيرات، قد ساوت بين ذلك الذي يعاني هذا النقص الناجم عن الكوارث الطبيعية، وأولئك الذين يعانون هذا النقص والحرمان الناتجَين من الاستعمال السياسي والاقتصادي. إن تجاوز هذه النقائص والتركيز على قضايا الظلم والتعسف والإقصاء التي يتعرض لها المعنيون بعملية التوزيع يعكس كلّه التصور الجذري للعدالة في النظرية النقدية لراينر فورست، لأن هذا يكشف أيضًا عن جذور العلاقات غير العادلة التي تخترق المجتمع باعتباره نظامًا للتبرير. ففي حين تختصر العدالة في توزيع الخيرات المادية، يُتغاضَى عن التوزيع العادل لسلطة التبرير التي تشكل حقًا يجب أن يتمتع به كل شخص، من أجل عرض تصوره حول معايير التوزيع نفسها. يحاول فورست، في تصوره النقدي للعدالة الذي يهتم بالمرتكزات السياسية لهذا الموضوع، أن يقدّم فهمًا مختلفًا لمفهوم الخير نفسه. فالخير ليس هو ما نتلقاه من خيرات مادية فحسب، بل هو سلطة اجتماعية فعلية للمطالبة بتبرير وضع أو معيار ما أو الشك فيه، أو تقديم مبررات بديلة يعبر بها الشخص عن هذا الحق الذي يجعل منه شخصًا فاعلً في مجتمعه؛ بحيث يساهم في بناء وتشييد الأسس التي تقوم عليها أفعالنا السياسية وتنظيماتنا المؤسساتية. وعلى هذا الأساس، فهذا الخير ليس خيرًا يمنح من لدن جهة تسهر على توزيعه، بل هو خير يجب أن ينتج في إطار مناقشة يشارك فيها جميع

المعنيين بالأمر؛ بحيث يُحترَم فيها الحق الأخلاقي لكل شخص، وهو متمثل في الحق في التبرير،

ولمبدأي العمومية والتبادلية. وهذا الخير الذي يتبلور في سياق التبرير يكون ملزمًا لأعضاء جماعة التبرير. يبدو من خلال صورة العدالة التي يقترحها فورست، أنّ مواضيع التعسف والهيمنة تحتل مكانة مهمة فيها. وبإدراجه لهذه المواضيع، يكون قد بيّن أنّ هدف العدالة لا يكمن في توزيع الخيرات فحسب، بل

يكمن أيضًا في تحرر الأفراد من العلاقات الاجتماعية الظالمة، ومن كل أشكال الهيمنة غير المشروعة. فالعدالة، بحسب فورست، هي كفاح ضد الظلم ودفاع عن استقلالية الأفراد. وعلاوة على ذلك، فإنّ هدف النظرية النقدية هو ألّ يُنظر إلى الأشخاص باعتبارهم ضحايا يعانون نقص الخيرات، بل أيضًا

(32) Rainer, Kritik der Rechtfertigungsverhältnisse , pp. 31–32. (33) Forst Rainer, Das Recht auf Rechtfertigung: Elemente einer konstruktivistischen Theorie der Gerechtigkeit , (Frankfurt am Main: Suhrkamp Verlag, 2007), p. 13. (34) Ibid.

بوصفهم أشخاصًا لم يُكترَث لهم أثناء وضع معايير توزيع الخيرات. فالإقصاء الذي شملهم جعل منهم

مجرد متلقين سلبيين للخيرات المادية. وعلى هذا الأساس، فالماهية السياسية للنظرية النقدية للعدالة، تكمن في مبتغاها التحرري؛ أي تحرير الأفراد من كل أشكال الهيمنة غير المشروعة. والهيمنة، بحسب تعبيره، هي الحكم من دون تقديم مبررات مقنعة. أعتقد أنه إذا كان فورست في دولة مثل ألمانيا التي تضمن العيش الكريم للمواطن ينتقد هذا التصور، فهو يريد أن يبين محدوديته؛ ما جعله يعتبره ثانويًا مقارنة بالتصور النقدي. هذا المستوى من العيش الكريم الذي يعدّ حلمَ الإنسان في الدول المتخلفة التي لا يكاد المواطن العادي يحصل فيها على أساسيات العيش الكريم، من ماء صالح للشرب وصحة وتعليم، مثلً، يبين أن تصور فورست أبعد عن الواقع مقارنة بالتصورَين الاكتفائي Sufficientarianism والمساواتي. لكن إذا نظر إلى المسألة أيضًا من منظور سياسي، فإنه يمكن التسليم مع فورست بأن هذا التصور له صدقيته بالنسبة إلى الدول التي تبادل المواطنين التنمية مقابل السكوت عن حقوق المشاركة السياسية. فالأفراد وفق هذا التصور هم أحرار ومتساوون، لهم كامل الحق في المشاركة الفعالة في بناء المؤسسات المتاحة لهم وتشكيلها. هذا الفهم للعدالة، إذًا، لا يقوم بالدرجة الأولى على فكرة التوزيع، بل يقوم على مفاهيم الإشراك والتضمن والمشاركة النقدية، لا على الإقصاء؛ وبمعنى آخر، من يهتم بالعدالة التوزيعية يجب ألّ يهتم فقط بما يملكه هو، أو بما يملكه الآخرون، بل عليه أن يتساءل: كيف أتت إلى العالم مجمل هذه الخيرات؟ ومن ساهم في إيجادها؟ ووفقًا لأي شروط؟ وأيضًا من له الحق فيها؟ هذا هو السؤال الجوهري للعدالة؛ أي سؤال التوزيع والسلطة باعتبارهما من المرتكزات الأساسية للعدالة في مستواها السياسي. ولتوضيح هذا المرتكز السياسي، سيضرب فورست مثال الكعكة والأم التي ستعمل على توزيعها على أبنائها. فأثناء عملية التوزيع تطرح الأم السؤال التالي: على أي أساس تجري عملية التوزيع بين الأطفال؟ بناءً على هذا المثال، انتقد فورست مناصري فكرة المساواة ومناهضيها، مبينًا أن كًّلًّ منهما ركز على

فكرة توزيع الكعكة على الأطفال، تبعًا لمعايير مختلفة، وبناءً على مبررات معينة. فالأم في المثال

تمثل السلطة الساهرة على عملية التوزيع، بل المحددة لمعايير التوزيع ذاتها. وبناءً عليه، فالمطلوب

في التفكير السياسي المعاصر للعدالة، الانكباب على معالجة سؤال السلطة بوصفه سؤ لً مركزيًّا في نظرية العدالة. فالسلطة هي بدورها خير سياسي يجب أيضًا التساؤل عن معايير توزيعه بين

(35) Rainer, Das Recht auf Rechtfertigung , p. 40. (36) Rainer, Kritik der Rechtfertigungsverhältnisse , p. 35. (37) Inclusion\ Einbeziehung.

نقترح هذه الترجمة بدلً من ترجمتها بالاحتواء كما يفعل البعض. بل حتى الإدماج فيه نوع من التحفظ. فالتضمن يحضر فيه الاندماج الطوعي المبني على الاقتناع بالمبررات المقدمة.

(38) Rainer Forst, "Die erste Frage der Gerechtigkeit," Demokratie stärken – Zivilgesellschaft fördern Zur Startseite der BPB, 5/9/2005, accessed on 31/10/2022, at: https://bit.ly/3BYSQFi; Rainer Forst, Normativität und Macht Zur Analyse sozialer Rechtfertigungsordnungen (Ersterscheinungstermin: Suhrkamp, 2015).

المواطنين، وخاصة ما يسميه فورست بسلطة التبرير التي يجب أن توزع بعدالة بين المواطنين. تلك هي الكعكة الحقيقية التي لا يزال يستفرد بها المالكون لزمام الأمور في الدول الاستبدادية، بحيث يشرعون لأنفسهم ما يحرمونه على الآخرين؛ لأن لديهم ما يكفي من القنوات التي تخوّلهم تقديم مبرراتهم الأحادية من دون السماح للآخرين بتقديم مبرراتهم الخاصة بهم، في جوٍّ من الاحترام المتبادل ومن الندّية التي تجعل أفضل حجة هي التي تسود في الفضاء العمومي الذي من المفترض أن يكون مفتوحًا للجميع، من أجل المشاركة فيه مشاركة فعالة ونقدية. فالسلطة بالمعنى الذي يحضر هنا، مرتبطة بالمناقشة والتبرير من جهة الحق في تقديم المبررات، ومن جهة المطالبة بمبررات معقولة تخص معايير معينة وتحدّ شرعية مزيفة. وإجمال القول إن فورست بفهمه هذا للعدالة في علاقتها بسلطة التبرير بدلً من تبرير السلطة، يكون قد انضمّ بدوره إلى المنعطف السياسي في نظرية العدالة الذي يتجلى عنده في نظرية نقدية للعدالة باعتبارها نقدًا لعلاقات التبرير.

خاتمة

تجدر الإشارة إلى أن المستوى المعياري للنظرية النقدية للعدالة لدى فورست، يجعل منها نظرية ذات أهمية، ليس في السياق الغربي الألماني الذي تبلورت فيه فحسب، بل أيضًا في سياقات أخرى غير غربية مثل السياق العربي. هذا السياق الذي ننتمي إليه لا يزال يعاني سؤال التوزيع غير العادل لكل الخيرات بشقَّيها المادي وغير المادي. والأهم من ذلك هو أن هذه النظرية الفورستية، بسبب الأهمية التي تعطيها لتوزيع الخيرات السياسية والتي تعكس الربط الوثيق في فلسفته بين الديمقراطية والعدالة، يجعل منها نظرية واعدة في مقاربة الظلم الاجتماعي والسياسي الذي يعدّ السمة المميزة للعديد من الدول العربية التي انتفض شبَّانُها في سنة 2011. والشعارات التي رفعوها مطالبين بالحرية

والعدالة والكرامة دليل على وعيهم السياسي، متناسين الخلفيات الأيديولوجية التي تحكمت في النضال في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. فالاصطفاف الأيديولوجي لا يزال قائمًا، لكن هناك مساحة واسعة التقى فيها هؤلاء لمحاربة الفساد بكل أنواعه السياسية والاقتصادية. لقد كان الاحتجاج في الحقيقة صرخة واضحة للمطالبة بالكرامة الإنسانية بمعناها الحقيقي الذي يجعل من الأشخاص كائنات لها حقوق، ومن بينها الحق في المشاركة السياسية لتحديد طبيعة النظام السياسي الذي تريده، وليس الذي أريدَ لها. فقد كان المطلب الرئيس، ولا يزال، هو الحق في اقتسامُ "الكعكة السياسية" وليس الاجتماعية فقط، على اعتبار أن الذي يحدد معايير التوزيع هو الذي يحدد نصيب الآخرين الخارجين عن دائرة اتخاذ القرار السياسي. فالعدالة والديمقراطية والكرامة التي خرج الشبان للمطالبة بها، لا يمكن الفصل بينها، فهي مسألة مركبة. ولهذا، فإنّ هذه المفاهيم من منظور النظرية النقدية للعدالة، تُفهم في بعدها العلائقي الأفقي. فالتوزيع العادل للخيرات السياسية وعلى رأسها سلطة التبرير، يجعل مسألة المشروعية السياسية للحاكم مرتبطة بالفاعلين في الفضاء العام باعتبارهم ذواتٍ قادرة على التبرير، ولها الحق في ذلك، ما دامت تملك القدرة على المشاركة في

(39) Rechtfertigungsmacht\ Power of justification.

صياغة المعايير التي تنظم الجماعية السياسية بما في ذلك القوانين. ولطبيعتها الصادرة من الأسفل، فإن الذوات تخضع لها بمحض إرادتها، لأنها هي التي وضعتها، وهي المعنية بها. تكمن أهمية النظرية النقدية للعدالة في الربط الذي أقامه فورست في معالجته بين العدالة من جهة، وتجربة الظلم من جهة أخرى. هذا الربط يمكن استثماره طبعًا في سياقات أخرى. فالنظرية النقدية كما قدّمها فورست، يمكن أن تساهم في تحليل نقدي لبنيات الاستبداد وأشكال الهيمنة في الأنظمة العربية على مدى التاريخ الطويل لهذه المجتمعات. وما تجربة "الربيع العربي" إلا نتيجة لهذه التجربة الطويلة من الظلم السياسي والاجتماعي والاضطهاد والتعسف والشطط في استعمال السلطة. يعدّ الربط الذي أقامه فورست بين العدالة والحق في التبرير قيمة مضافة في تاريخ النظرية النقدية مقارنة بالأجيال السابقة. هذا الربط يمكن الباحثَ إدراكُه في الوقت الذي سيرى أن اهتمام فورست سيوسع مهمات النظرية النقدية لتركيزها على نقد علاقات التبرير، وليس فقط على العلاقات الاقتصادية (الجيل الأول)، أو علاقات التواصل (هابرماس)، أو علاقات الاعتراف (هونيث). فما قام به فورست هو تطوير

لنظرية نقدية للعدالة في سياق التبرير، بالاستناد إلى الحق في التبرير باعتباره مبدأ أخلاقيًا يعطي الحق

لكل شخص في الإدلاء بمبرراته لاحتلال فضاء التبرير للآخرين. فالشخص بوصفه كائنًا قادرًا على التبرير، ليس المطلوب منه المطالبة بحقه في التبرير، فحسب، بل أيضًا إعطاء الآخرين الحق نفسه للإدلاء بمبرراتهم والإنصات إليهم في إطار من الاحترام المتبادل. في ضوء هذا التصور الذي يربط العدالة بالحق في التبرير، تصبح معايير العدالة عند فورست مسألة تخص أعضاء الجماعة السياسية التي تحدد معاييرها. تكمن أهمية النظرية النقدية لفورست في بعدها النقدي. وهذا ما نلمسه من خلال مساهمته التي تندرج في سياق نقد المجتمع أيضًا. لكن الاختلاف يكمن في المقاربة النقدية التي تركّزت في نقد علاقات التبرير انطلاقًا من تصوره للمجتمع باعتباره نظامًا للتبرير. فالموضوع الأساسي للعدالة هو فحص تبريرية العلاقات السياسية والاجتماعية، وكيفية توزيع سلطة التبرير في المجتمع. وعلاوة على ذلك، فإن مهمة النظرية النقدية للعدالة هي الكشف عن جذور هذه العلاقات الاجتماعية غير العادلة. ولهذا تعدّ الصورة البديلة للعدالة التي يقترحها تصحيحًا للصورة الأولى التي لم تأخذ في الاعتبار هذا

المستوى الأفقي والبينذاتي في الحسبان، مما يعني عدم الاكتراث بالأفراد بوصفهم فاعلين إيجابيين.

References

المراجع

العربية

الأشهب، محمد عبد السلام. أخلاقيات المناقشة في فلسفة التواصل لهابرماس. عمّان: دار ورد الأردنية

للنشر والتوزيع،.2013 الأشهب، محمد [وآخرون]. ما العدالة؟ معالجات في السياق العربي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014

(40) Ungerechtserfahrung.

________. أزمة القيم في العالم المعاصر. القنيطرة: منشورات جامعة القنيطرة،.2018 فورست، راينر. "التسامح والاعتراف والتحرر". ترجمة محمد الأشهب. مجلة تفاهم. مج.14 العدد 52.)2016(

الأجنبية

Höffe, Otfried. Vernunft und Recht Bausteine zu einem interkulturellen Rechtsdiskurs. Ersterscheinungstermin: Suhrkamp, 1996. ________. "Du projet politique des modernes: Un concept interculturel des droits de l’homme." Jean–Christophe Merle (trans.). Questions au libéralisme. Saint–Louis: Presses de l’Université Saint–Louis, 1998. Stefan, Jordan & Nimtz Christian. Reclam Lexikon Philosophie Hundert Grundbegriffe. Verlag Reclam: Stuttgart, 2009. Julian, Nida–Rümelin. Philosophie und Lebensform. Frankfurt am Main: Suhrkamp Verlag, 2009. Felix, Heindenreich. Theorien der Gerechtigkeit: Einführung. Stuttgart: Verlag Barbar Budrich, 2011. Forst, Rainer. "Die erste Frage der Gerechtigkeit." Demokratie stärken – Zivilgesellschaft fördern Zur Startseite der BPB. 5/9/2005. at: https://bit.ly/3BYSQFi ________. Das Recht auf Rechtfertigung: Elemente einer konstruktivistischen Theorie der Gerechtigkeit. Frankfurt am Main: Suhrkamp Verlag, 2007. ________. Kritik der Rechtfertigungsverhältnisse. Perspektiven einer kritischen Theorie der Politik. Germany: Verlag Suhrkamp, 2011. ________. Normativität und Macht Zur Analyse sozialer Rechtfertigungsordnungen. Ersterscheinungstermin: Suhrkamp, 2015.