Return to Article Details Political Culture in a Time of Cultural Diversity: Civilizational Patterns in the Face of Normative Extremism

الثقافة السياسية في زمن التنوع الثقافي: الأنماط الحضارية في مواجهة التطرفية المعيارية

Political Culture in a Time of Cultural Diversity: Civilizational Patterns in the Face of Normative Extremism

يوسف زدّام *

Youssouf Zedam *

الملخّص

نستند في هذا البحث إلى اعتبار مفاده أن الثقافة السياسية هي عبارة عن تمثل سياسي للثقافة بمفهومها الشامل. متسائلين عن المنزلة التي تحظى بها في جهود إدارة التنوع الثقافي. وقد توصلنا إلى أنها لا تزال تُعاني معاملة مختلفة، تتجلى في بذل غاية الوسع لنمذجتها حتى تتوافق مع الديمقراطية، باعتبارها نظامًا سياسيًا وليس مجرد مبدأ لإدارة الشأن العام. وبالرغم من تضمن المواثيق الدولية لاختلاف تطبيق "النظام" الديمقراطي بما يتوافق والأنماط الحضارية، فإن جهود الدمقرطة تتضمن فرضًا لنموذج سياسي بتفاصيل دقيقة، وهو ما تضمنته الوثائق المؤسسة للسلوك الخارجي للاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأميركية، التي أدت إلى نشوء مؤسسات سبقت الثقافة، وسعت إلى خلق ثقافة سياسية نمطية عالمية. وقد أدت النمذجة السياسية الناتجة من سوء فهم لجوهر الديمقراطية، إلى تشوهٍ في مفهومها وتفكيك لرأس المال المعرفي وللمؤسسات الأصلية المعبّرة عن رأس المال الهيكلي للمجتمعات. ونتج من هذه التشوهات فشلٌ وعجز مستدام في تفعيل المبدأ الديمقراطي في كثير من الدول.

Abstract

Abstract: This article considers the currency of political culture as to efforts to manage cultural diversity by understanding it as a political representation of culture at large. It shows that political culture is still treated differently in terms of efforts to model it as being in harmony with democracy, which is understood as a political system and not simply as a way to manage public affairs. Although international treaties note that the implementation of the democratic "system" ought to suit different cultural models, democratization efforts involve the imposition of a highly detailed political model. This is evident in the founding documents

الكلمات المفتاحية:
  • الثقافة السياسية
  • التنوع الثقافي
  • المشروطية الديمقراطية
  • الهويات الثقافية
  • المؤسسات الأصلية
Keywords:
  • Political Culture
  • Cultural Diversity
  • Democratic Conditionality
  • Cultural Identities
  • Indigenous Institutions

المواثيق الدولية لاختاف تطبيق "النظام" الديمقراطي بما يتوافق والأنماط الحضارية، فإن جهود الدمقرطة تتضمن فرضًا لنموذج سياسي بتفاصيل دقيقة، وهو ما تضمنته الوثائق المؤسسة للسلوك الخارجي لاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأميركية، التي أدت إلى نشوء مؤسسات سبقت الثقافة، وسعت إلى خلق ثقافة سياسية نمطية عالمية. وقد أدت النمذجة السياسية الناتجة من سوء

فهم لجوهر الديمقراطية، إلى تشوهٍفي مفهومها وتفكيك رأس المال المعرفي والمؤسسات الأصلية

المعبّرة عن رأس المال الهيكلي للمجتمعات. ونتج من هذه التشوهات فشلٌ وعجز مستدام في

تفعيل المبدأ الديمقراطي في كثير من الدول.

المؤسسات الأصلية.

Professor, Departement of Political Science, Faculty of Law and and Political science, University of Batna1, Algeria. zedamyoussouf@live.fr

of the foreign behaviour of the EU and US, which led to the rise of institutions prior to culture that are designed to promote a normative, global political culture. Political modelling based on a misunderstanding of the essence of democracy has led to its conceptual distortion and the deconstruction of the intellectual capital and indigenous institutions that articulate the structural capital of societies. In many countries, these distortions have precipitated the enduring failure to implement democratic principles.

مقدمة

شغلت قضايا التنوع الثقافي وإدارته أولويات اهتمام الباحثين والمؤسسات الدولية منذ قرابة ثاثة عقود من الآن، على الأقل، بتوجيه الجهود نحو ضرورة التراجع عن مضامين الانتماء الشمولي، وحتمية تضمين الخصوصيات الثقافية للأقليات و/ أو المجتمعات المحلية. واستمدت هذه الجهود دلالاتها وسندها وقوة حجاجها من مصفوفة حقوق الإنسان التي أصبحت، إلى حد بعيد، محل اتفاق دولي من حيث نطاقها، مسهمةً بذلك فعليًا في تنميط "الفعل العام"

تجاه حقوق الإنسان عمومًا، والحقوق الثقافية للمجتمعات المحلية "و/ أو" الأقليات تحت اسم

"إدارة التنوع الثقافي". وشمل التشريع بشأنها قضايا اللغة والدين والتنظيم الاجتماعي، وحتى بعض المعامات التجارية. وقد رسخت دول عدة نماذج ناجحة في "إدارة التنوع الثقافي" و"لا إلزامية" التشبه ب "المركز"، ومنها: كندا والبيرو وبوليفيا في القارة الأميركية، وإندونيسيا وماليزيا في قارة آسيا، وبريطانيا في قارة أوروبا، والسنغال والجزائر والمغرب في قارة أفريقيا (في اللغة والمناسبات الثقافية). ولئن تفاوتت هذه النماذج من حيث الدرجة أو النطاق، ف  يمثل التنوع الثقافي فيها وإدارته تهديدًا للأمن المجتمعي. لكن، إذا ما اعتبرنا الثقافة رصيدًا موجهًا للفاعلين، تتضمن أسسًا تنظم العاقات البينية بما يعكس

طريقة العيش؛ وعلى اعتبار أن التعددية الثقافية تستند إلى الحرية الثقافية والمساواة الثقافية، فمن المفروض أن "تشمل/ تستوعب" جهود التعددية الثقافية، مفهوم الثقافة السياسية بمضامينه المؤسسية كما هو الأمر في السلوكية. ويحيلنا ذلك على قضية مازمة للتمتع بالحقوق، وهي الممارسة السياسية الديمقراطية، ونوسع نطاق النقاش ههنا لنتحدث عن الثقافات السياسية للمجتمعات، وعن النموذج السياسي الراسخ في "جهود

(((استعرنا في هذا البحث مصطلحَي "المركز" و"المحيط" للدلالة على الاقتصاديات الكبرى (المركز) في العالم والدول الضعيفة

اقتصاديًا (المحيط)، وهي المعاني نفسها المتضمنة في نظرية النظام العالمي الحديث (نظرية تحليل النظام العالمي)، التي من أهم

منظريها عالم الاجتماع الأميركي إيمانويل والرشتاين Wallerstein Immanuel، الذي يركز على جدلية العاقة بين المركز والمحيط في النظام السياسي والاقتصادي الدولي. والمقصود بالنواة: الدول الصناعية الكبرى، أما المحيط فهي كل الدول المتخلفة، مع ماحظة وجود دول ما يسمى بشبه المحيط (خرجت من دائرة التخلف). قد تستخدم عبارات أخرى تحمل المعنى نفسه مثل "العالم المتحضر" و"العالم الحر" للدلالة على ثقافات بعينها، أو للدلالة على التمييز بين "طرق الحياة".

التنميط السياسي"، ونتساءل: إلى أي مدى تستحضر الجهود الدولية لإدارة التنوع الثقافي مفهوم "الثقافة السياسية"؟ ومبعث التساؤل ههنا هو ما يمارسه "العالم/ المركز" من ضغوط، من أجل التنميط السياسي. وحتى تستفيد "دولة ما" تنتمي إلى "المحيط"، من قروض ومساعدات، وتحظى بعاقات طبيعية، ظاهريًا،

يجب أن تستجيب مؤسساتها وممارساتها السياسية للعقيدة الخارجية ذات الصلة بدول "المركز". كما يلزم أن يكون تصنيف الدولة في بعض التقارير "الصادرة عن مؤسساتها وعن مؤسسات تسيطر عليها" وفق معاييرها مقبولً. وهذه المعاملة توحي بأمرين: • إما أن مفهوم الثقافة المشار إليه في جهود إدارة التنوع الثقافي لا يشمل الثقافة السياسية. • وإما أن تاريخ العاقات ومؤسساتها وسلوكياتها وتنظيمها في الدول المنتمية إلى "المحيط" لا ترقى إلى أن تكون ثقافة. وما دامت "الثقافة" مصطلح "مظلَّة"، ومفهومًا شاما؛ فمن المفترض أن تخدم التوجه الجزئي في

الثقافة السياسية، فهي تعبر عن الواقع المادي والاجتماعي والعاقات بينهما، سواء أكان الواقع المادي معبرًا عن ثروة مستمدة من حركية اقتصادية أو موقع جغرافي أو ريع، أيًّا كان نوعه. أو عبر "الواقع

الاجتماعي" عن طريق حروب مسيحية، أو سقوط أرستقراطية حاكمة أو قبيلة أو طائفة. فلكل مجتمع خصوصياته التي تعبر عن بنيته المجتمعية. وما دام هذان التفسيران لا يبلغان أن يكونا عاملي تفسير، فإن ما يُطرح ههنا من تساؤلات توضيحية هو: • هل يمكن الفصل بين "الثقافة" و"الثقافة السياسية" مفاهيميًا؟ وهل يخدم ذلك الغاية التحليلية؟ • وكيف أثر الفهم المهيمن للديمقراطية على استحضار "الثقافة السياسية" في الجهود الدولية لإدارة التنوع الثقافي وجهود الدمقرطة؟ • وما أثر ذلك في "مفهوم الديمقراطية" ورأس المال "المعرفي" و"الهيكلي" للمجتمعات؟ لمناقشة هذه الإشكالية نفترض أن الفصل بين "الثقافة" و"الثقافة السياسية" خلق عدة إشكالات في حضور "الثقافة السياسية"، مسّت جهود إدارة التنوع الثقافي. ونفترض أيضًا أن العلة من وراء "تهميش"

إدارة التنوع في الثقافة السياسية، تكمن في اختزال الثقافة السياسية حال كونها مفهومًا، في العاقات

ذات "الطابع السياسي"، واستبعاد العاقات ذات "الأثر السياسي". وأن المركز مارس، وما زال يمارس سياسة استيعاب مضنية، مستندًا في ذلك إلى هذا الفهم للثقافة السياسية، جاعا من الانتماء إلى العالم المتحضر/ المركز مقرونًا بمستوى "التشابه" المؤسسي الذي تُظهره مجتمعات المحيط. لا نرتجي من وراء هذا البحث أن نكون ضد الديمقراطية، كما لا نرغب في تمجيد أنظمةٍ لا توفر الآليات السانحة بالمشاركة في الحكم. لكننا نجادل في مفهوم الثقافة لنقول: إن جهود الدول

والمؤسسات الدولية من خال خطابها الرسمي، تسعى بهذه الوتيرة إلى إقرار حقيقة مفادها أن "روح الشعب" الواردة في كتابات فاسفة القرن التاسع عشر وعلمائه، تتوافر فقط في "مجتمعات الدول المتحضرة"، بينما لا نجد هذه الروح في شعوب أخرى. لا يتوافق هذا التوجه مع ما ورد في أدبيات "إدارة التنوع الثقافي" و"التعددية الثقافية"، و"المسح العالمي للقيم" Survey Values World. كما أن إهمال منزلة "المؤسسات الأصلية" لا يتوافق من جهة أخرى مع نظرية "رأس المال الاجتماعي". ومن هنا، سنحاول إبراز "الثقافة السياسية" باعتبارها محا للتنوع الثقافي أيضًا، وأن "المجتمعات المحلية" من حقها الاستفادة من نمطها الحضاري المعبّر عن "رأس

مالها الاجتماعي" في الممارسة السياسية والسلوك السياسي المائم، مستخدمين الأفكار الواردة في أطروحات "نظرية رأس المال الاجتماعي"، ومفهوم "التعددية الثقافية". تكمن أهمية هذا الطرح في الإشارة إلى جهود التنميط السياسي في العالم، التي لم يُكتب لها النجاح، وإن كان نجاحها محصورًا فقط في الدول التي عبر فيها التنميط السياسي عن واقع اقتصادي واجتماعي معين، في حين أنها فشلت أو على الأقل لم تحقق النجاح نفسه في السياقات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة، بل شوهت هذه الجهود "مفهوم الديمقراطية" وكذلك وعودها ومؤسساتها. فليس غريبًا أن

تنجح "الموجة الثالثة للديمقراطية" في معظم دول "أوروبا الشرقية"، في حين لم تحقق النتائج نفسها في بلدان أفريقيا (مصر مثا) وآسيا، ولم يصل صداها إلى مناطق شاسعة من ربوع العالم.

أولا: مدخل مفاهيمي للثقافة السياسية والتنوع الثقافي

يعبّر التنوع الثقافي عن واقع الروافد الثقافية بمضمونها "الأنثروبولوجي"، ويقدم مفهوم إدارته "التنوع

الثقافي" جهود التعامل معه. أما "الثقافة السياسية" فهي الأثر السياسي لكل ذلك، ولا تقتصر على المفهوم الضيق للسياسة.

1. الثقافة والتّمثل السياسي لها

نفصل في هذا المبحث في مفهوم "الثقافة" وتجلياتها السياسية أو بالأحرى تأثيراتها في "الحياة السياسية"، وذلك من أجل اعتماد أقرب المضامين التي تخدم هذا البحث. ويرجع هاجس التفصيل هذا إلى كوننا بصدد التعامل مع مصطلح: "مظلة" Umbrella إذ أحصى له عالما الأنثروبولوجيا الأميركيان ألفريد لويس كروبر Kroeber Louis Alfred (1960–1876)، وكايد كاي مابين كلوكهون Kluckhohn Mayben Kay Clyde (1960–1905)، مئة وأربعة وستين تعريفًا قبل أكثر من سبعين

(((صاغ هذا المصطلح مركز برمنغهام للدراسات البريطانية، وقُدِّم في عام 1971 في صحيفة أوراق عملفي الدراسات الثقافية،

ويُقصَد به أن الثقافة والنقد الثقافي عبارة عن "مظلة تحتها مجالات نظرية الأدب والجمال والنقد والتفكير الفلسفي وتحليل وسائط

الإعام والثقافة الشعبية والتحليل النفسي وعلم العامات والنظريات الاجتماعية والأنثروبولوجية". ينظر: عبد الرزاق المصباحي،

النقد الثقافي: قراءة في المرجعيات النظرية المؤسسة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022)، ص.59

عامًا خلت، واعتبره المنظر الماركسي ريموند وليامز Williams Raymond (1988–1921) "أحد

المفاهيم الثاثة الأكثر صعوبة في اللغة الإنكليزية". وفي هذا الصدد، لا يمكن تجاوز فكرة تطور "مفهوم الثقافة" وأدائه دور "المتغير المستقل" و"المتغير التابع" مع مرور الوقت. فبين ظهور هذا "المصطلح" في اللغة الألمانية نحو عام 1692، وبلوغ الفهم الحديث له، على تباينه، قبل أكثر من مئتين وخمسين عامًا، لم تختلف الجهود التي تركزت على المضمون المستمد من

الزراعة، أي على "الاستنبات والعمل على شيء وانتظار محصوله"؛ لذلك نجد طيفًا واسعًا من

التعريفات التي تعتبر الثقافة "طريقة حياة" مستمدة من تجارب مجتمع ما، والذي يؤطر "مجموعَ الأفكار والاستجابات العاطفية وأنماط السلوك المعتاد". وتحاجُّ هذه المجتمعات نفسها في القول إن "طريقة

الحياة" هي نتاج جهود قَبْلية تسعى لإيجاد معانٍ وترميزات مشتركة مؤسسة "للتوحيد القياسي". لكن، إلى أي مدى يمكن مصطلح "طريقة الحياة" أن يمتد؟ وإجابة عن هذا السؤال يرى ويليامز أن الثقافة تشير إلى "طريقة حياة كاملة". بينما يرى عالم الأنثروبولوجيا البولندي برونسياف مالينوفسكي Bronislaw Malinowski (1942–1884)، أن كل ثقافة "تدين [...] بكمالها واكتفائها الذاتي لحقيقة أنها تلبي النطاق الكامل من الاحتياجات الأساسية والأدوات التكاملية". واستجماعًا لما فات، ترى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو UNESCO)، "أن الثّقافة ينبغي أن يُنظر إليها

بوصفها مجمل السمات المميزة، الروحية والمادية والفكرية والعاطفية، التي يتصف بها مجتمع أو مجموعة اجتماعية وعلى أنها تشمل، إلى جانب الفنون والآداب، طرائق الحياة، وأساليب العيش معًا،

ونظم القيم، والتقاليد، والمعتقدات". إذًا، ف "طريقة الحياة" عبارة لا تقتصر على دلالات اقتصادية واجتماعية وسياسية ونفسية فحسب. فقد أدى هذا المدى الامتناهي للمفهوم إلى بروز نقاشات حول "الفروق" و"فضاءات التداخل" بين مصطلحات "الحضارة" و"الهوية" و"الثقافة". فإذا كان عالم "الأنثروبولوجيا الثقافية" البريطاني

(3) Marco Cremaschi et al. (eds.), Culture and Policy–Making, Pluralism, Performativity, and Semiotic Capital (Switzerland: Springer Cham, 2021), p. 6. (4) Dick Stanley, "The Three Faces of Culture: Way Culture Is a Strategic Good Requiring Government Policy Attention," in: Caroline Andrew et al. (eds.), Accounting for Culture (Canada: The University of Ottawa Press, 2005), p. 22. (5) Christoph Antweiler, "Culture," in: Ludger Kühnhardt & Tilman Mayer (eds.), The Bonn Handbook of Globality , vol. 2 (Swiss: Springer Cham, 2019), p. 825.

(((كلمة "الثقافة"؛ هي النسخة الإنكليزية للّفظ الألماني Kultur، المشتق من اللفظ الاتيني Cultura، وتحديدًا من الفعل Colere

الذي يعني "الزّراعة". فنقول زراعة شيء ما؛ أي التعامل معه أو العمل عليه بطريقة تؤدي إلى نتائج قيّمة.

(7) Aliaksandr Birukou, "A Formal Definition of Culture," in: Katia Sycara, Michele Gelfand & Allison Abbe (eds.), Models for Intercultural Collaboration and Negotiation (Swiss: Springer Cham, 2013), p. 3. (8) Stanley, p. 23. (9) Jan Erik Lane & Svante Ersson, Culture and Politics, A Comparative Approach , 2 nd ed. (England: Ashgate Publishing Limited, 2005), p. 17.

((1(ينظر: الأمم المتحدة، "الإعان العالمي بشأن التنوع الثقافي"، شوهد في 2023/4/15، في: https://bit.ly/3GLj9ku

إدوارد تايلور Tylor Edward (1917–1832)، لا يرى فرقًا بين "الثقافة" و"الحضارة"، بحيث استهل تعريف الثقافة بعبارته الشهيرة: "الثقافة أو الحضارة، هي ذلك الكل المعقد"؛ فإنّ دراسات أخرى اعتبرت الحضارة مستوى "أعلى" من الثقافة، ليدخل النقاش مصطلحات من قبيل "الحضارة" في مقابل "البربرية"، أو "الحضارة" في مقابل "الثقافات البدائية"، وكذلك الحضارة على اعتبار أنها حالة من civis أي "المواطن المتحضر". أما عن الثقافة والهوية، فقد كان يُنظر إلى "الأنثروبولوجيا الثقافية" بأنها

"ثقافة" في المقام الأول وشيء يفصل المجتمعات، ويضع معايير اختاف بينها، وخاصةً في الخطاب السياسي المهتم بموضوع "الهوية"، لتدل بذلك على الفئة العامة من العوامل التي تفسر التنوع البشري في الشعور والتفكير والعمل. استنادًا إلى ما سبق، يمكن القول إن الثقافة، من حيث هي مفهوم شامل يتضمن هيكلية من الرصيد والسمات المحددة والمميزة لمجموعة ثقافية، مؤطرة كذلك للتفضيات الفردية أو بالأحرى تفضيات المجموعة لدى الفرد، مؤسسة للمقبول من السلوك، ومانحة للحقوق، إضافة إلى أنها متجسدة في بنى رسمية وغير رسمية قائمة على "الجَيْلَنة". وتسمح هذه الشمولية بإسقاط معاني ذلك المفهوم (الرصيد، التفضيات، الحقوق... إلخ) على الحياة السياسية خاصة، لنقول مع غابرييل ألموند Almond Gabriel)2002–1911(، بأنها "جزءٌ لا يتجزأ

من نمط معين من التوجهات إلى العمل السياسي. وقد وجدت أنه من المفيد الإشارة إلى هذا على أنه الثقافة السياسية"، ويسمح كذلك بالتساؤل عن المنزلة في العاقة السببية. وربما لم يوافق ألموند في مقاله الصادر عام 1956، بالمطلق، على شمولية مفهوم "الثقافة" للمجال السياسي. لذلك يرى أن "الثقافة السياسية [ترتبط] بالثقافة العامة، ولكنها غير متطابقة معها، إنها جزء مختلف من الثقافة ويتمتع باستقالية معينة". لكنه استدرك ذلك في كتاباته التالية، بالقول إن "مفهوم الثقافة السياسية يجب أن يكون قادرًا

على شمول التوجهات الأشد غموضًا وضمنية"، معتبرًا أن الفصل التحليلي للثقافة السياسية عن السياق

العام للثقافة، سيسمح بالتركيز أكثر على التوجهات الأشد ارتباطًا بالسياسة. يتيح مفهوم "التوجهات" ما يسمى ب "الفعالية السببية" للثقافة. فالتوجهات الأشد غموضًا قد لا تكون سياسية صراحةً، لكن لها آثارها السياسية. وهذا ما يعني أنها ضمنية في مفهوم "الثقافة السياسية".

(1((ينظر: ياسر طالب الخزاعلة ووفاء سالم محمد الخزاعلة، محاضرات في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية (عمّان: دار الخليج

للصحافة والنشر، 2017)، ص.31 ((1 (يمكن إرجاع الإرهاصات الفكرية الأولى للثقافة السياسية، إلى أعمال الناقد والاهوتي الألماني يوهان غوتفريد هردر Herder Gottfried Johann (1803–1744)، والمنظر السياسي الفرنسي ألكسيس دو توكفيل Tocqueville de Alexis (1859–1805)، والفيلسوف السياسي الفرنسي شارل لوي دي سيكوندا (المعروف باسم مونتيسكيو) Secondat de Louis Charles (1755–1689)، وكذلك عند بعض المفكرين القدامى. لكنها راجت أكثر في مجال العلوم السياسية مع صدور مقالات ألموند وسيدني فيربا Sidney Verba (2019–1932) فيما بعد.

(13) Young C. Kim, "The Concept of Political Culture in Comparative Politics," The Journal of Politics , vol. 26, no. 2 (Spring 1964), p. 319. (14) Ibid., p. 320. (15) Ibid.

تحمل زاوية النظر هذه، الثقافة السياسية من متغير مستقل (كما اعتمدها ألموند وغيره)، ومنه إلى متغير آخر تابع ومستمد من المجتمع بتجلٍّ نفسي (كما اعتمدتها عالمة السياسة البريطانية بيبا نوريس Pippa Norris)، أو تجلٍّ اقتصادي (كما اعتمدها عالم الاجتماع السياسي الأميركي سيمور مارتن ليبست Lipset Martin Seymour، 2006–1922)، أو تجلٍّ اجتماعي (كما اعتمدها روبرت ديفيد بوتنام Robert David Putnam). وشأنها في ذلك شأن الثقافة، ف "الثقافة السياسية" متغير تابع للظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والنفسية. والمهم من كل هذا أنه لا يمكن الفصل بين الظروف الاقتصادية المؤثرة والمتأثرة بالثقافة، عن الظروف الاقتصادية المؤثرة والمتأثرة بالمعايير والقيم والتوجهات والمعتقدات والمواقف العاطفية المتضمنة في الثقافة السياسية، وكذلك المحددات الاجتماعية والثقافية. هناك أمر آخر ينبغي إيراده في الإشارة إلى استحالة الفصل ولو كان تحليليًا بين الثقافة السياسية

والثقافة، وهو بروز الثقافة وخمودها باعتبارها عاما مفسرًا. فالماحظ أن تزايد الأهمية التفسيرية

للثقافة في الخمسينيات والستينيات، منح الميزة نفسها للثقافة السياسية. وتعرضها لانتقاد وخمودها في السبعينيات وحتى فترة التسعينيات، جرَّا معها خمودًا للأهمية التفسيرية للثقافة السياسية. إن التصورات النظرية لمفهوم الثقافة السياسية السيكولوجي (اتجاهات الأفراد وأنماط سلوكهم)، بتركيزها على إطار المعتقدات كالرموز والقيم، والتصور الاجتماعي الذي يربط الثقافة السياسية بالأصل العام (الثقافة)، والتصور السياسي باعتباره حقا من حقول العلوم السياسية، يمتد من مصدر السلطة وتطبيقها في المجتمع، والتصور الثقافي الهادف لمعرفة تأثير العوامل الثقافية في نوعية السلوك؛ كلها تصورات حاولت تقديم الثقافة السياسية بوصفها نتيجة أو سببًا لآليات سير الأنظمة السياسية. لكن،

إذا نظرنا إليه بوصفه تعريفًا محدّدًا، فإن هذا المصطلح كغيره من مصطلحات العلوم الاجتماعية، يلقى اختافات حول عناصره وطرق قياس مستوياته وتموقعه في السلسلة السببية.

2. جوهر التنوع وإدارة التنوع الثقافي

تعرف منظومة حقوق الإنسان في العالم حركة متصاعدة لاعتراف بالتنوع الثقافي، مستندةً إلى مصفوفة حقوق الإنسان Matrix Rights Human The، بداية من الحق المؤسس، وهو "الحق في الحياة"، إلى تفرعات لامتناهية من الحقوق. والتنوع قبل أن يكون حقًّا، هو واقع يعيشه العالم في مجتمعاته، ويتجلى في التنوع على أساس الدين و/ أو اللغة أو العرق وغيرها من التجليات المعروفة. ومن ثم، يخلق فضاءات انتماء أساسية أو فرعية للفرد والمجموعة، ينجرّ عنها اختاف في الملبس والمشرب،

والمسكن والسفر، والإيمان والإلحاد، والرسائل وسبل التواصل، وإدارة العاقات الاجتماعية في عمومها، معبرة عن مضمون عام هو "طريقة حياة". وبناءً عليه، فالاختاف في السلوك يعبّر عن انتماء

أساسي أو فرعي، له بالغ الأثر في العضو المنتمي، يصل في بعض الأحيان إلى مصافّ "الميتافيزيقا" التي لا يمكن النقاش المستفيض بشأنها.

يَشدّ الانتماءَ المشار إليه سابقًا مفهومٌ وسلوكٌ آخر هو الاستشراك الذي يخضع له الفرد. فالجماعة

لا يمكن أن تستديم، إلا إذا اعتمدت على التوارث والاشتراك؛ التوارث بين الأجيال، والاشتراك ضمنها. وإلا كانت رأيًا لا يُلزم أحدًا. لذلك قدَّمت تعريفاتُ الثقافة المضمونَ حول هذا بتعبيرات

مختلفة. عبّر تايلور عنه بقوله عن الثقافة، إنها "التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضوًا في مجتمع".

وعبّر عنه عالم الاجتماع الأميركي تالكوت بارسونز Parsons Talcott (1979–1902) ب "الفرد يشرب

ثقافة مجتمعه في مراحل نمو شخصيته"، وقدّمه الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي ديفيد إميل دوركايم Durkheim Émile David (1917–1858)، أنه مجمل القيم والعواطف "المشتركة بين أفراد المجتمع كافة". ولأن التنوع واقع مجتمعي، فقد تطلّب ذلك التعامل الرسمي من خال فعل عام، يختلف من دولة إلى أخرى. ومهما كان مضمونه، ف  يمكن أن يخرج عن سياق المصطلح العام ذي الشأن، وهو "إدارة التنوع الثقافي". وقد يتمثل ذلك في تجاوز حالة التنوع وعدم الاعتراف به. فتعمد السياسات العامة للدول إلى طمس معالم أي انتماء فرعي، مؤكدة على الأحادية الثقافية؛ وذلك من خال دين واحد أو مذهب واحد أو لغة واحدة أو غيرها من فضاءات الانتماء. وقد يصل الأمر إلى التصفية العرقية. ويكون بذلك مضمون إدارة التنوع الثقافي هو "النمذجة"، باعتماد نموذج وحيد للثقافة. كما قد يعترف الفعل العام بالتنوع، وتكون سياساته العامة معبرة عن إمكانية وجود انتماءات فرعية، تشجيعًا أو حياديةً. في السياق ذاته، ظهر مفهوم التعددية الثقافية بوصفه مصطلحَ رمز متضمنًا، إضافة إلى مضامين أخرى، شكلَ الفعل العام في منتصف ستينيات القرن العشرين، باعتباره تطورًا يأخذ، بطريقة ما،

بمفهوم الاعتراف نحو مصادر التنوع، ومتجاوزًا لسياسات "بوتقة الصهر" – إن صح هذا التعبير –

((1(نقصد بالاستشراك في سياق هذه الورقة البحثية: إخضاعَ الفرد لجهود اكتساب ثقافة المجموعة التي ينتمي إليها ومشاركتها

وجعله مُشابهًا لأعضائها في السلوك والآراء والمعتقدات المرتبطة بالمأكل والملبس وتنظيم العاقات ضمن المجموعة وخارجها،

وأيضًا الآراء حول منزلة الدين ومختلف الفاعلين في هذه المجموعة. كما تشير بنية اللفظ فهو ليس طوعيًا، بل حتميًا، لهذا

استخدمت لفظ "استشراك" بدلً من "مشاركة". (1((دوني كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة قاسم المقداد (دمشق: منشورات اتحاد الكتاب العرب، 2002)، ص.22 (1((سمير العبدلي، ثقافة الديمقراطية في الحياة السياسية لقبائل اليمن (دراسة ميدانية) (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007)، ص.46 ((1(المرجع نفسه، ص.33 ((2(ترد في سياق هذه الورقة البحثية ثاثة مصطلحات وجب توضيح معانيها واستنباط الفروق الجوهرية بينها، وهي: – التنوع الثقافي: هو حالة عدم التطابق "الطبيعي" في المجتمع من حيث الدين واللغة والعادات والتقاليد، وغيرها من روافد

الهويات الفرعية. – إدارة التنوع الثقافي: هي التعامل مع التنوع الثقافي من خال الفعل العام (السياسة العامة)، وقد يكون هذا التعامل عن طريق

"التجاهل" و"الطمس" و"الاعتراف". – التعددية الثقافية: هي الحالة الثالثة الواردة في إدارة التنوع الثقافي؛ أي تجلي "الاعتراف" داخل التنوع الثقافي في شتى مجالات

السياسة العامة (التعليم، والاحتفالات، وقطاع العدالة، والفنون، وغيرها).

التي سادت في عشرينيات القرن ذاته، بصفتها فكرًا (لكنه موجود قبل ذلك في الممارسات المختلفة

للمجموعات والدول). ولكن، بالرغم من هذا الموقف من "بوتقة الصهر"، فإنه لم يمنع الاختافات في كيفيات الاعتراف، بين من يعتمد على حقوق الإنسان بوصفها ضامنًا لحقوق الفرد والجماعة، وهذا ليس بعيدًا عن التفسير الأخاقي بخصوص وحدة الإنسان ونمطية عقله، ومن ثم نمطية حقوقه، ومثّلته مدرسة شيكاغو (بالرغم من الانقسامات التي تعرضت لها فيما بعد)، معتمدة على مبدأين أساسيين هما: المسؤولية المتبادلة للأفراد والالتزام المجتمعي، والموقف المدين للدور الوسيطي للمجموعات. وفي الطرف الآخر من طيف الاستيعاب وفكرة العدالة التي طرحها جون رولز Rawls John –1921(2002)، تظهر أفكار الندّية بين الثقافات والنسبية الثقافية. ف  ثقافة أعلى من ثقافة. هذه الندّية مثّلتها أفكار الفيلسوفين الكنَديَّين وليام كیملیكا Kymlicka William وتشارلز تايلر Taylor Charles،

وغيرهما. وقد قرروا أن الثقافة المجتمعية ينبغي أن تحظى بالاحترام في مضامين الفعل العام، معتبرين العادات والتقاليد ومسببات الاعتقاد الجماعي، مظاهر لا يمكن الاستغناء عنها في حياة المجموعات، لأنها هويتهم. وقد فتح هذا التوجه النقاشي الباب على مصراعيه لمناقشة دور الدولة الحيادي، ومكانة الثقافة المجتمعية. بهذا التوجه، يصبح مفهوم "الاعتراف" أشد وضوحًا ومحورية في جهود تلخيص معنى الثقافة، في

هذه الدراسة على الأقل؛ فهي ليست الفنون المختلفة والأدب، على أهمية ذلك، بل هي "مجموعة كاملة من النشاطات البشرية، بما في ذلك الحياة الاجتماعية والتعليمية والدينية والترفيهية والاقتصادية، والتي تشمل الفضاءين العام والخاص"، وعليها يعتمد الأفراد في تبرير خياراتهم وبناء معانٍ ذات مغزى ل "الحياة الجيدة".

3. مظاهر قبول التنوع عالميًا ومحليًا

خلق اتساع مضمون مفهوم الثقافة تحدّيًا كبيرًا في الإحاطة بتجلياته حقوقيًا؛ فالثقافة، من حيث هي

"مجمل السمات المميزة، الروحية والمادية والفكرية والعاطفية، التي يتصف بها مجتمع أو مجموعة اجتماعية، على أنها تشمل، إلى جانب الفنون والآداب، طرائق الحياة، وأساليب العيش معًا، ونظم القيم، والتقاليد، والمعتقدات". وهو ما يبرر التطور المستمر لصكوك دولية وسياسات محلية مرتبطة بالتعامل مع التنوع الثقافي وتشعب نطاقه. فالصكوك والاتفاقيات تغطي المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والمدنية، وتشمل اللغات والأديان والحضارات، والتراث المادي والامادي، المكتوب وغير المكتوب، والتراث المغمور بالمياه، والتجارة في أشكال التعبير الثقافي والملكية الفكرية، إضافة إلى حقوق المرأة والأقليات والمهاجرين، ومكانة الشعوب الأصلية وإشراكها،

(21) Will Kymlicka, Multicultural Citizenship: A Liberal Theory of Minority Rights (Oxford: Oxford University Press, 1995), p. 76.

((2(ينظر: "الإعان العالمي بشأن التنوع الثقافي."

والاستدامة البيئية، وغير ذلك كثير، فضا عن ورودها في الصكوك المشهورة المتعلقة مباشرة بحقوق الإنسان، والإعانات والفعاليات. وعلى الرغم من الصدى الذي يتمتع به إعان يونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي (2001)، باعتباره أشهر الصكوك المهتمة بالتوجه العالمي في التعامل مع التنوع الثقافي، فإننا لا يمكن أن نتجاوز الإطار العام الذي يوفره الإعان العالمي لحقوق الإنسان الرافض لكل تمييز "بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيًّا وغير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة،

أو المولد، أو أي وضع آخر". وكذلك ما أورده العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1976) في المادة السابعة والعشرين منه. في حين كان مضمون العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1976) بشأن الثقافة، محدودًا جدًا. ولا يحجب الزخم الذي يتمتع به الإعان العالمي لحقوق الإنسان كونه يقتصر على حدود الوقاية من التمييز، والتمتع المتساوي بالمخرجات المادية للفعل العام. وهو التوجه الذي كان سائدًا كذلك في برامج اليونسكو في طرحها لمفهوم السياسات الثقافية في سبعينيات القرن الماضي. وقد نلحظ الفرق حينما نتحدث عن الحرية الثقافية الواردة في تقرير التنمية البشرية (2004) فمصطلح الحرية يتجاوز العامل الوقائي إلى العامل المنتج للقيمة المضافة في الفعل الثقافي، وقد أورده التقرير بضده، من خال محدِّدَي الاستبعاد من طريقة الحياة، والاستبعاد من المشاركة. وتضمّنه الإعان

العالمي بشأن التنوع الثقافي (2001) بمفهوم توسيع نطاق الخيارات الثقافية. أما على المستوى الإقليمي، فقد عدّد تقرير الاستثمار في التنوع الثقافي والحوار بين الثقافات (2009) جهودًا إقليمية مثل: الميثاق الثقافي الأفريقي (1976)، والميثاق الأفريقي للنهضة الثقافية (2006)، وبيان سالامانكا (1994) في أميركا الاتينية، وإعان اتفاق بالي (2003) في جنوب شرق آسيا، وإعان الرياض (2007) في البلدان العربية، ووثيقة كوبنهاغن (1990)، واتفاقية جنيف (1989) حول حقوق الأقليات، وإعان كانون الأول/ ديسمبر 2000 بشأن التنوع الثقافي واحترامه بين الدول الأوروبية، إضافة إلى عشرات المواثيق والصكوك ذات الصلة بقضايا جزئية متعلقة بالتنوع الثقافي. محليًا، قدمت كندا نموذجًا بارزًا في التعامل مع التنوع الثقافي من خال سياسات ثقافية تعترف

بالتنوع، وسياسات عامة تكرس المساواة بين المجموعات والمساواة ضمنها (الأفراد). ومن التفسيرات المحتملة لذلك تركيبة المجتمع. إلا أننا لا يمكن أن نعتبر الأمر محصورًا فيها، بالنظر إلى الوضع في

((2(المرجع نفسه. (2((ينظر: الأمم المتحدة، "الإعان العالمي لحقوق الإنسان"، شوهد في 2023/4/28، في: https://bit.ly/3ABQ2NK (2((ينظر: الأمم المتحدة، "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، شوهد في 2023/4/28، في:

https://bit.ly/3VfqA9w

((2(المرجع نفسه.

(27) UNESCO World Report, Investing in Cultural Diversity and Intercultural Dialogue , United nations Educational, Scientific and Cultural Organization (Paris: 2009), accessed on 28/4/2023, at: https://cutt.us/gRC9I

الولايات المتحدة الأميركية، كونها مجتمع مهاجرين أيضًا. وتحيلنا هاتان الحالتان، على ما سبق من جهود تنظيرية متعلقة بتوجيه الخطاب في التنوع الثقافي إلى المجموعات والأفراد في المجموعات، أي بين التيارين الفرداني والجماعاتي. ليكون مبدأ النقاش هو حقوق الإنسان بعموميتها، أو الحقوق الثقافية والحرية الثقافية بخصوصيتها. فالحديث عن حقوق الإنسان بمدلولها الفرداني، مكرس في مختلف الدساتير، في حين أن مواجهة تحديات الاستبعاد من طريقة الحياة والمشاركة، لا يمكن تجاوزها بتلك القواعد القانونية التقليدية؛ لأن القضية ليست متعلقة بالتعامل مع التمييز العنصري على أساس اللغة أو الدين أو الجنس، بل أعمق من ذلك بكثير؛ فهي مرتبطة بالندية الثقافية وحالة الافوقية المفترضة في هذا التوجه. واستنادًا إلى هذا التوجه، لا يمكن اعتبار المواد المكرسة للمساواة بين المواطنين – على أهميتها – في دساتير الدول كافية. وهكذا، لا يمكن إدراجها ضمن نجاحات الدول في مجال التعددية الثقافية، بل هي نجاحات في حماية حقوق الإنسان لشخصه وكرامته بمفهومها الضيق. كما لا يمكن اعتبار القواعد القانونية التي تتعامل مع التجليات الثقافية وأشكال التعبير الثقافي والاقتصاد الثقافي نجاحات في هذا الإطار.

ثانيًا: مظاهر التطرفية المعيارية

تعبّر التطرفية المعيارية عن وضع من الاعتراف بالآخر. فهي تحتكم إلى معايير خاصة في تقييمها

له. ومن تجليات هذا السلوك جهود الدمَقْرطة المستندة إلى رؤية خاصة حول مفهوم الديمقراطية، والموجهة إلى الدول "غير الديمقراطية"، وفق المفهوم المعتمد لها، لاعتماد الجيل الثاني للمشروطية السياسية.

1. هل الديمقراطية نظام أم مبدأ؟

أُلْحق مصطلح الديمقراطية بأكثر من 500 صفة، وأحصى له المستخدمون 2234 وصفًا ومئات الاستخدامات. وقد شهد استعمال المصطلح في عناوين الكتب طفرة، فقفز عدد استعماله من 26 عنوانًا عام 1969، إلى 324 عنوانًا في السنوات الأربع الأولى من القرن الحادي والعشرين، وهذا في الولايات المتحدة الأميركية وحدها.

((2(المقصود بها في سياق هذه الورقة البحثية: استخدام معايير خاصة تصنَّف من خالها دول ومجتمعات أخرى. ومكمن

التطرف فيها هو الاحتكام إلى معايير دقيقة قد لا تتوافق والمنظومات الثقافية للدول التي تصدر بشأنها التصنيفات والتقارير، ما يوحي بحالة من الاعتراف بالتنوع الثقافي.

(29) Selen A. Ercan & Jean–Paul Gagnon, "The Crisis of Democracy," Democratic Theory , vol. 1, no. 2 (Winter 2014), p. 5. (30) Jean–Paul Gagnon, "2234 Descriptions of Democracy an Update to Democracy’s Ontological Pluralism," Democratic Theory , vol. 5, no. 1 (Summer 2018), p. 92. (31) Dana Nelson, "Democracy in Theory," American Literary History , vol. 19, no. 1 (Spring 2007), p. 77.

لا يسع المقام ههنا لسرد التعريفات الكثيرة جدًا، لكنه يسع للتأكيد على محورية الشعب باعتباره مجموع المواطنين، ويحسن التنبيه إلى تطور الفئة المستهدفة بوصف "مواطن" عبر التاريخ؛ فالتعريفات ذات البعد العملياتي – شأنها شأن التعريفات ذات البعد الدستوري والجوهري والإجرائي – أكدت على أن المستهدف من الديمقراطية هو "المواطن" من خال إشراكه في إدارة الشأن العام؛ لأن الترتيبات المؤسسية والقدرة على المشاركة وموجبات الانخراط كلها تتحدث عن المواطن باعتباره مؤسسًا

لوجود مؤسسات أو ممثلين، أو محركًا "فاعاً" لكليهما. على أهمية المقاربة المؤسساتية للديمقراطية، فإن ارتباط نشأتها بمفهومَي النظام والانتظام، استوجب

مناقشة المُثل التنظيمية، لأن النظام والانتظام ذاتهما هما جوهر نظريات الدولة، سواء من خال العقد

الاجتماعي أو أي مقاربة أخرى. كما أن: • المؤسسات هي انعكاس للمثل التنظيمية، وتطورها دليل على جوهرية المثل وثبات الهدف من المؤسسات ذاتها. • في الممارسة الديمقراطية ينبغي أن يسمو الهدف على الوسائل ف "الخلط بين الديمقراطية وأدواتها أمر قاتل للبقاء والنمو"، وسمو الآليات يرفعها إلى مصاف الغايات، منتجًا ديمقراطية من دون

ديمقراطيين. • إن تعريف الديمقراطية من خال مبادئها الأساسية يمكننا من الاعتراف بالديمقراطية في العمل خارج المستوى الرسمي للحكومة نفسها. وفي هذا الصدد يجب أن نذكّر أنفسنا بأن التطور التاريخي لمفهوم الديمقراطية وتعدد زوايا النظر في الممارسات المعبّرة عن طريق تكريسها، أثبت قابليتها للتطور من جهة، وخضوعها لأجندات الدول

والمؤسسات الدولية من جهة أخرى؛ ما يفسح المجال لاعتبارها "أكثر تواضعًا مما يعتقده البعض حولها أو ينسبه إليها أو يطلبه منها. فهي أبعد من أن تكون عقيدة شاملة [... لها] مضمون عقائدي ثابت". يستند عدم اكتمال البنية المعيارية للمفهوم واستحالة ذلك، إلى اختاف التهديدات والانتباه في كل مرة إلى ما يجب أن يؤخذ في الاعتبار في موجبات "النظام" ومعاييره ومؤسساته. فمثا، كانت التهديدات في الأربعينيات هي التوسع العسكري للفاشية والنازية، وأصبح التهديد متجسدًا في عيوب الممارسة الديمقراطية في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية، إضافة إلى ظروف اقتصادية خانقة عاشتها دول العالم الثالث وشرق أوروبا ووسطها. وكان المفكرون وبعض الدول يحملون الديمقراطيةَ باعتبارها مشروعًا

موثوق العواقب، في وجه كل أزمةٍ تعترضهم. وفي الوقت الذي يُنظر إلى الديمقراطية في بعض الدول

باعتبارها حا لمشكات متعلقة بالإجهاض، ووجود خانة الجنس في بطاقة الهوية الوطنية، يُنظر إليها

(32) Charles E. Merriam, "The Meaning of Democracy," The Journal of Negro Education , vol. 10, no. 3 (1941), p. 309.

(3((علي خليفة الكواري، "مفهوم الديمقراطية المعاصرة"، في: علي خليفة الكواري [وآخرون]، المسألة الديمقراطية في الوطن

العربي، ط  2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002)، ص.24

في دول أخرى باعتبارها حا لإنقاذ الدولة من الانقسام والتناحر على أساس عرقي أو ديني. ما يجعل الديمقراطية مصطلحًا وممارسةً، حمالةَ أوجُهٍ، ليس ازدواجية ولا مسارًا خطيًا، ولكن لأنها يفترض أن تكون

مرتبطة في كل مرة بالمجتمع. ونجاح تطبيق المنهج وفشله مرتبطان بماءمة الأطر الدستورية والقانونية. وبهذا المعنى نقرّ بأن الديمقراطية مبدأ، مستعينين في ذلك بما قاله علي خليفة الكواري، إن

الديمقراطية في جوهرها "هي نهج لاتخاذ القرارات العامة من قبل الملزمين بها، وهي منهج ضروري يقتضيه التعايش السلمي بين أفراد المجتمع وجماعاته"، وبما قاله أيضًا صامويل هنتنغتون

• لا يوجد عامل واحد كافٍ لتفسير تطور الديمقراطية في جميع البلدان أو في دولة واحدة. • لا يوجد عامل واحد ضروري لتطوير الديمقراطية في جميع البلدان. • الدمقرطة في كل بلد هي نتيجة مجموعة من الأسباب. • تختلف مجموعة الأسباب التي تنتج الديمقراطية من بلد إلى آخر. وقد عبرت الأمم المتحدة عن ذلك بجملة مقتضبة: "جميع الحضارات تتسم بأشكال مختلفة من الديمقراطية، فإن المفهوم موضع خاف حيث توجد منظورات عديدة لفهم مضمونه"، مؤكدة في أجندتها الصادرة عام 1996 أن "فرض النماذج الأجنبية لا يتعارض مع مبدأ الميثاق الخاص بعدم التدخل في الشؤون الداخلية فحسب، بل قد يؤدي أيضًا إلى إثارة الاستياء بين كل من الحكومة والجمهور [فالأمم المتحدة لا تهدف] إلى إقناع الدول التي تتبنى الديمقراطية بتطبيق نماذج خارجية أو استعارة أشكال خارجية من الحكومة. وبدلً من ذلك، تهدف الأمم المتحدة إلى مساعدة كل دولة على السير في طريقها الخاص". نستغل مصطلح "طريقها الخاص" لنثير مسألة شروط الديمقراطية وخصائص الأنظمة التي تطبقها، لأن العبارة تتقاطع مع تلك التي وردت في تعريف الثقافة أنها "طريقة حياة"؛ فمن تجلياتها على سبيل المثال، ما أوردته الأمم المتحدة حول الدور الذي قد تؤديه المؤسسات الأصلية، واعتبارها "أساسًا هامًا

لتعزيز الحكم الديمقراطي من خال آليات تستند إلى توافق الآراء. ومتى أُتيحت تلك الترتيبات، فإن شرعيتها تنطلق من عاقتها المنسجمة مع مجتمعها التقليدي وبيئتها الاجتماعية".

((3(المرجع نفسه، ص.14

(35) Samuel P. Huntington, The Third Wave: Democratization in the Late Twentieth Century (Norman/ London: University of Oklahoma Press, 1991), p. 38.

((3(الأمم المتحدة، "دراسة عن التحديات المشتركة التي تواجهها الدول في إطار جهودها الرامية إلى ضمان الديمقراطية وسيادة القانون من منظور حقوق الإنسان"، 2012/12/17، شوهد في 2023/4/29، في: https://bit.ly/3LCOU0X

(37) Boutros Boutros–Ghali, An Agenda for Democratization (New York: United Nations Publications, 1996), p. 4.

((3(ينظر: "دراسة عن التحديات المشتركة."

كما أن تقييد سلطة الدولة، ووجود فاعلين مستقلين، ووعي مواطنين (باعتبارها شروطًا موضوعية وشكلية للديمقراطية) لا تفترض "نَقْل [النموذج الديمقراطي] من دول معينة، وإنما هي هدف يتعين أن تحققه جميع الشعوب وتتمثَّله جميع الثقافات"، وتستوعبه كل التقاليد.

2. الدفع لعالمية المفهوم: مجتمعات بأكملها تتعرض للتنشئة السياسية

لا يمكن في هذا الموضع أن نخوض في نظرتنا الإيجابية للديمقراطية، بالنظر إلى ما أتاحته من فرص في دول العالم. كما لا يمكن – ولا ينبغي – التشكيك في جوهرها القيمي العميق. لكن ما وددت مناقشته هو حدود الالتزام باعتبار المبدأ الديمقراطي قابا للتطبيق بطرق مختلفة، مع مراعاة الخصوصيات المجتمعية. كما يجب أن نشير إلى أن مضمون هذا العنصر يجب ألّ يُنظر إليه بسلبية، بل الهدف هو توضيح الحتميات التي وجدت فيها المجتمعات نفسها. من الواضح أن دعم التحول والترسيخ الديمقراطيين قد نال قسطًا وافرًا من الجهد الفكري والمؤسسي منذ الثمانينيات. وكان هذا الجهد أشد غائية في العقد الأخير من القرن العشرين بالنظر إلى الوضع العالمي الجديد آنذاك، الذي سمح بالتركيز أكثر على القيم العالمية، وتجلياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وتحولت الديمقراطية بموجبها من فلسفة تسييرية خاضعة للظروف المجتمعية الخاصة إلى "قيمة عالمية تستند إلى إرادة الشعوب التي تعبر بحرية عن أنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومشاركتها الكاملة في جميع جوانب حياتها". وقد سعى المفكرون والمنظمات الدولية والتكتات الإقليمية إلى تعزيزها باعتبارها نظامًا متكاما، مؤكدين على توجه المؤتمر الدولي الثالث للديمقراطيات الجديدة أو المستعادة المعني بالديمقراطية والتنمية الذي عُقد في بوخارست عام 1997، بوجود "اعتراف شبه كامل بأن نموذج الحكم الديمقراطي هو أفضل النماذج التي تضمن وجود إطار الحريات". لكن وضع "الاختيار" الوارد في الجزء الأول، ضاق؛ نظرًا إلى ربط الديمقراطية من طرف الأمم المتحدة، بحقوق الإنسان، باعتبارها كااًّلًّ متكاما لا يقبل التجزئة. وهنا، لا نشير إلى وجود تضارب بين حقوق الإنسان والديمقراطية، بل نشير إلى النقاش الذي لا ينتهي بين عالمية حقوق الإنسان والخصوصيات الثقافية للمجتمعات. فإذا سلمنا بعالمية حقوق الإنسان فعلينا في المقابل، أن نسلم بالديمقراطية باعتبارها نموذجًا واحدًا وليس أفضل الأنظمة. كما أن وجود فاعلين وحدود مشاركتهم في إدارة الشأن العام يصبح غير مرتبط بسياق مجتمعي معين، وإنما بعالمية الحقوق.

((3(المرجع نفسه.

(40) Guidance Note of the Secretary–General on Democracy," United Nations , accessed on 23/6/2022, at: https://bit.ly/3e42Kfx

((4(الأمم المتحدة، "دعم منظومة الأمم المتحدة للجهود التي تبذلها الحكومات في سبيل تعزيز وتوطيد الديمقراطيات الجديدة أو المستعادة"، 1997/9/10، شوهد في 2023/4/29، في: EHWIC / pw. encr:// https

والقول بخضوع الديمقراطية لتجارب المجتمعات يَضْعُف عندما تجتهد الأمم المتحدة في وضع

الخصائص الثقافية والمؤسساتية لتفعيل المبدأ الديمقراطي. فالتدقيق في الخصائص المؤسسية والثقافية يجعل المجال ضيقًا في طرح الخيارات المجتمعية. و"لطالما دافعت الأمم المتحدة عن مفهومٍ للديمقراطية شامل: يشمل الإجرائية والموضوعية، والمؤسسات الرسمية والعمليات غير الرسمية، والأغلبية والأقليات، والرجال والنساء، والحكومات والمجتمع المدني، والسياسية والاقتصادية. على المستويين الوطني والمحلي. ومن المسلم به أيضًا [...] أن هذه القواعد والمعايير عالمية وضرورية في آن واحد للديمقراطية". وهي في ذلك بصدد تضييق فرص التجارب المجتمعية وطريقة حياة المجتمعات في ترسيخ قيمها الخاصة وثقافتها ومؤسساتها المجتمعية. لا يمكن التعبير عن هذا إلا بمصطلح "النمذجة" الذي لا يتوافق أبدًا مع اعتبار الديمقراطية نظامًا خاضعًا للخصوصيات المجتمعية. لا يمكن في هذا السياق فصل نظريات التحديث وسياق العولمة عن جهود النمذجة السياسية، ثقافةً ومؤسساتٍ؛ فالجهود التنظيرية المصنفة ضمن نظريات التحديث، والتي اعتبرت التخلفَ نتاجَ

خصائص داخلية للمجتمعات (وهذا له جوانبه الصحيحة)، قدمت وصفاتها التحديثية بميزات "حتمية" قائمة على إعادة النظر في القيم التقليدية واستبدلت بها قيمًا حديثة، تمس في بعض الأحيان جوهر

المكون الثقافي المجتمعي، واعتبرت التنمية الاقتصادية سببًا لتركيبة اجتماعية تسمح بخلق مؤسسات

ثقافة سياسية مشاركة. وإذا كانت نظريات التحديث قد خضعت للمنافسة في سياقها التاريخي والسياسي، فإن العولمة كانت أشد وضوحًا فيما يتعلق بقيمها، وساهمت بفضل فلسفتها وآلياتها في إعادة النظر في من يكون

"المركز" ومن يتخذ وضعية "المحيط" بين الفاعلين الداخليين والخارجيين. فالتشتيت الذي تعرضت له الدولة بمفهومها التقليدي، خلق مركزًا عبر–وطني، وسمح بوجود فاعلين مع الدولة جنبًا إلى جنب.

وهذا لا يعني في المقابل أن الدولة ستتاشى، لكن لا يُنظر إليها باعتبارها المركز الوحيد للسلطة. وإذا

سلمنا بذلك، ف  بد من القول بأن "حارس البوابة" لم يعد وحيدًا. وبالنظر إلى كون الدولة ليست وحيدة، فقد ترتب عليها طيف واسع من الالتزامات "المصنفة تقليديًا

أنها التزامات إيجابية وسلبية [...] مما يعني اتخاذ إجراءات إيجابية من قبل الدولة لضمان الحماية الفعالة للحقوق. [و] التعدي على الفئة الأولى ناتج من فعل الدولة، بينما التعدي على الفئة الثانية ناتج من إغفال الدولة". وتتجسد الالتزامات في أطر قانونية ومؤسسية لا تعكس بالضرورة قيم المجتمع وثقافته.

(42) "Guidance Note."

((4(ينطلق المصطلح من التمييز التقليدي بين ما يسمى بحقوق الإنسان الكاسيكية أو الجيل الأول، أي الحقوق المدنية والسياسية وحقوق الجيل الثاني، أي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد تحولت الحقوق السابقة إلى التزامات على الدولة احترامها، مثل: الالتزام السلبي بعدم التدخل في الممارسة الحرة لهذه الحقوق. وفي غضون ذلك، يجري تحويل الأخيرة إلى التزامات إيجابية بالحماية.

(44) Claudia Cinelli, "The Impact of Political Globalization on Human Rights Law," in: Joana Abrisketa et al. (eds.), Yearbook on Humanitarian Action and Human Rights (Spain: Publicaciones de la Universidad de Deusto, 2017), p. 41.

إن المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مجتمع ما، هي نتاج ثقافة محلية، وقد تؤثر في الثقافة المحلية. لكن في حالة اعتبار المؤسسات والترتيبات نتاج قوى عبر–وطنية، فإن اتجاه العاقة السببية سيكون واضحًا، إذ إن المؤسسات هي التي تسعى لخلق نمط ثقافي جديد مستمد من سياق ثقافي آخر. وبهذا يكون المجتمع كله خاضعًا للتنشئة السياسية. ولكي تكون المجتمعات مستجيبة لجهود النمذجة، لا بد أن تكرس التوجه السابق في التقارير والأدلة والسلوك الخارجي للدول والمنظمات الدولية.

3. من المبادئ إلى المعايير: جعل المجتمعات منكشفة على التنشئة السياسية

ليس من شطط القول إن مناقشة قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان تحيلنا مباشرة على سياق غربي، معبرًا عن تطور النقاشات الغربية حول تسيير الشأن العام، بما يتوافق ومواجهة تحديات "النظام" و"الانتظام". ولم يشفع اختاف السياق الاجتماعي والثقافي للدول التي لا يمكن وصفها إلا على أنها دول المحيط، بعدم إخضاعها لتنشئة سياسية وفق ما تضمّنه مفهوم الديمقراطية، وما تضمّنته حقوق الإنسان من معاني تطور المجتمعات. وليس غريبًا أن الدول الخاضعة لهذه السياسات هي في معظمها ضعيفة اقتصاديًا. كما أن الدول الفارضة لسياسات الإصاح السياسي هي نفسها التي كانت مسرحًا "للأحداث التاريخية مثل الثورة الإنكليزية (1689–1642) وإعان استقال الولايات المتحدة الأميركية (1776) والثورة الفرنسية (1799–1789) [التي أدّت] أدوارًا حاسمة في الخطاب السياسي الهادف إلى [...] التأكيد على حقيقة بسيطة، مفادها أن تاريخ الديمقراطية – نظريًا وعمليًا – هو تجربة غربية". ولا يمكن أن نعبر، على الأقل في هذا السياق، عن المشروطية الديمقراطية، إلا بوصفها تنشئة سياسية يجري من خالها تحويل المبادئ "العالمية" و"النظام الديمقراطي" إلى التزامات، عن طريق خلق مصدر من مصادر القانون الدولي، وهو اتفاقيات الشراكة والتعاون وشروط الاستفادة من منح المؤسسات المالية الدولية، لكنها في هذه الحالة ليست "ندية" بل بين طرفين، أحدهما ضعيف؛ فمنطق المشروطية يتضمن، في النهاية، "ربط دولة أو منظمة دولية المزايا التي ترغب فيها دولة أخرى بتحقيق شروط معينة".

((4(لاطاع على قائمة الدول المقترضة من المؤسسة الدولية للتنمية (ذراع مجموعة البنك الدولي، والذي أثبتت ممارساته الارتباط التبادلي بينه وبين صندوق النقط الدولي)، ينظر:

"Borrowing Countries," The International Development Association (IDA), accessed on 30/4/2023, at: https://bit.ly/428KDJ9 (46) Geir Helgesen & Li Xing, "Democracy Or 'Minzhu': The Challenge of Western Versus East Asian notions of Good Government," Asian Perspective , vol. 20, no. 1 (Spring–Summer 1996), p. 102. (47) Fatma Zeynep Özkurt, "European Union Democracy Promotion via Conditionality in Regional Context," Istanbul Gelisim University Journal of Social Sciences , vol. 4, no. 2 (2017), p. 9.

يسمح لنا تتبع المسار التاريخي لمصطلح المشروطية السياسية (الديمقراطية) بالتأكد من ارتباطها أساسًا بمنظومة قيمية غربية، إذ سمح المناخ السياسي لنهاية الحرب الباردة (1991–1947) بالانتقال

من "الجزرة الاقتصادية"، إلى عصا "الانضباط والمعاقبة على عدم الامتثال" المتجسد في الجيل الثاني للمشروطية السياسية، كما عبرت عنها إيلينا فييرو Fierro Elena. وهي الفترة التي اعتبرت فيها الدول الغربية نفسها مسؤولة عن نشر الديمقراطية في العالم باعتبارها "الشكل الأخير للحكومة البشرية"، مستندة في ذلك إلى مبدأ "مسؤولية الحماية"، ومستفيدة من الوضع الاقتصادي لدول المحيط من جهة، ووضعها القوي من جهة أخرى. فوضع القوة والهيمنة كرَّس ضعف الناحية المعيارية لمتلقي

الحوافز، وخلق حالة من عدم إمكانية خوض نقاش معياري رسمي جاد، حول شروط الاستفادة منها، ليكون الأساس المنطقي للتدابير المنبثقة عن سياسات دعم الديمقراطية، أو سياسات المشروطية السياسية، أو الجيل الثاني للمشروطية، مستمدًا فحسب من النتائج المترتبة على اتفاقيات الشراكة والتعاون وشروط الاستفادة من منَح المؤسسات المالية الدولية، بغضّ النظر عن شعور الضعيف بأن "مبدأ القوة يضع القواعد حول الصحيح والخطأ". ولكي تعمل المشروطية على نحوٍ "فعال"، عملت الوكالات التابعة للدول المانحة والمؤسسات الدولية على إصدار تقييمات سنوية حول الظروف السياسية لدى متلقّي المساعدات المحتملين. ومن ثم تعمد إلى تخصيص المساعدات على أساس تدابير الديمقراطية هذه، مع تدفق المزيد من المساعدات إلى الدول التي تبدي استعدادات أكبر، في مقابل مساعدات أقل للدول التي تشهد تراجعًا ديمقراطيًا. وقد تكون تكلفة عدم الامتثال لشروط "المساعدة"، تصنيفات على أساس

"طريقتنا في الحياة" و"العالم المتحضر" (بما يذكرنا بخطاب جورج بوش الابن George W. Bush بعد أحداث 11 سبتمبر 2001)، إضافة إلى اتخاذ إجراءات تأديبية، من قبيل تقييد المعونات والإدانة العلنية وتعليق العضوية، ووصم العار باعتباره "تشويهًا سمعيًا يمكن ماحظته تجريبيًا موجهًا

من جانب المجتمع [الدولي] تجاه الجمهور المستهدف ذي الصلة، ويهدف إلى فرض تكلفة على المخطئ، وربما للحث على التصحيح". لكن لنا أن نعترف في هذا الصدد بأن سياسات

((4(ظهر هذا المصطلح في ثمانينيات القرن العشرين بوصفه ممارسة في عاقة المؤسسات المالية (التمويلية) الدولية بالدول المنتكسة اقتصاديًا خاصة المتضررة من انهيار الاتحاد السوفياتي (1991). ومع بداية التسعينيات توسع الممولون (من المؤسسات

المالية إلى الدول) وتوسعت الشروط (من شروط ذات طابع اقتصادي بحت، إلى شروط ذات طابع سياسي)، ما أدى إلى ظهور مصطلح المشروطية السياسية، وعادة ما تستخدم المشروطية السياسية والمشروطية الديمقراطية مترادفين بالنظر إلى أن الهدف من المشروطية السياسية هو إشاعة الديمقراطية.

(49) Christine Hackenesch, "Aid, Political Conditionality, and Other International Efforts to Support Democracy in Africa," in: Nic Cheeseman et al. (eds.), The Oxford Encyclopedia of African Politics (Oxford: Oxford University Press, 2020), p. 43. (50) Alex Y. Seita, "Globalization and the Convergence of Values," Cornell International Law Journal , vol 30, no. 2 (1997), p. 479.

((5(يشبّهها المؤلف بوصم العار المتكرر أكثر في العاقات الأسرية.

(52) Laurence Whitehead, "Regional Organizations and Democratic Conditionality Family Resemblances and Shaming," International Political Science Review , vol. 42, no. 4 (2021), p. 555.

المشروطية السياسية عرفت تغيرًا واضحًا منذ بداية القرن الحادي والعشرين، معتمدة في عمومها

على "الجزرة" بدلً من "العصا". وبخاف الولايات المتحدة الأميركية، يَعتبر الاتحاد الأوروبي نفسه "صاحب واجب" في نشر احترام

حقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية. وتمثلت جهود التطابق السياسي في سياسات المشروطية لاتحاد الأوروبي في بداية تسعينيات القرن الماضي، وإن كانت لها إرهاصاتها ذات الطابع الاقتصادي منذ السبعينيات في سلوكه الخارجي، وأيضًا منذ الخمسينيات في شروط الانضمام إليه. ويمكن التسليم بذلك لسببين: • الأول أكد الاتحاد الأوروبي على تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان في عاقاته الخارجية في وثائق المعاهدات والسياسات المتتالية. • الثاني يتمتع الاتحاد الأوروبي بصاحيات (حصرية ومشتركة) في نطاق واسع من السياسات الخارجية. كما أن لديه التزامات قانونية من خال معاهدة لشبونة (2009) (عُرفت سابقًا باسم معاهدة الإصاح) التي تنص على أن جميع مجالات العمل الخارجي يجب أن تسعى إلى تعزيز الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. أما الولايات المتحدة الأميركية، فلم تعتبر التقدم الديمقراطي شرطًا للمساعدة من الناحية التاريخية. وبالرغم من التغييرات التي حدثت بعد أحداث 11 سبتمبر، فإنها ليست بالقوة المعيارية نفسها التي يطرحها الاتحاد الأوروبي. وقد تجسدت سياسة المشروطية السياسية من خال الامتيازات التجارية والمساعدات الخارجية المشروطة سياسيًا. وتساهم المؤسسات غير الحكومية والمستفيدة في بعضها من تمويل حكومي في تصنيف الدول خال تقاريرها ومؤشراتها، من بينها على سبيل المثال لا الحصر: مؤشر الحرية لبيت الحرية Rights Political Index ومؤشر بوليتي 4 Polity، والمعهد الدولي للديمقراطية ومساعدات الانتخابات International IDEA، ورابطة مسح القيم العالمية Survey Value World، وقياس فانهانين للديمقراطية Vanhanen’s Democracy of Index، وغالوب لاستطاعات الرأي Poll World Gallup The، وغيرها. ونظرًا إلى

(53) Svea Koch, "A Typology of Political Conditionality Beyond Aid: Conceptual Horizons Based on Lessons from the European Union," World Development , vol. 75, no. 1 (2015), accessed on 28/4/2023, at: https://bit.ly/3oXr9Ja

((5(من بين المعاهدات: معاهدة ماستريخت (1992)، اتفاقية كوتونو (2000)، اتفاقية لومي (1975)، اتفاقية لومي الرابعة (1989)، الشراكة الأورومتوسطية (1995)، معاهدة لشبونة (2009). ومن بين السياسات: مخطط التجارة GSP +، شريحة حوافز الحوكمة GIT، منظمة التنمية الاقتصادية الدولية MEDA، سياسة الجوار الأوروبية (2004)، الاستراتيجية العالمية لاتحاد الأوروبي بشأن السياسة الخارجية والأمن (2016). ومن بين الإجراءات: المنظور السياسي لاتحاد الأوروبي "المزيد من أجل المزيد"، مبدأ "الأقل مقابل الأقل"، بند العنصر الجوهري، نظام الأفضليات المعمم GSP، ومن بين المؤسسات: المديرية المسؤولة عن تصميم سياسات التنمية والتعاون الدولي الأوروبيين وصوغهما وتقديم المساعدات في جميع أنحاء العالم EuropeAid’s والآلية الأوروبية للديمقراطية وحقوق الإنسان EIDHR. ((5(من بين المعاهدات: اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية NAFTA، ومن بين المؤسسات: الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID، والوقف الوطني للديمقراطية NED، والمعهد الجمهوري الدولي IRI، والمعهد الديمقراطي الوطني للشؤون الدولية NDI.

الكمّ الهائل من المؤشرات والمؤشرات الفرعية، المستخدمة في تقييم مدى الاستجابة لسياسات

المشروطية السياسية، فإن ذلك يمثل مستوى آخر من التضييق على خيارات إنفاذ مبدأ الديمقراطية في تسيير الشأن العام في غير السياق الغربي، ويخدم مسعى التدقيق في معايير التطابق السياسي.

ثالثًا: الأنماط الحضارية باعتبارها ضحية

من الصعب تصور أي عنصر من عناصر السياسة "خاليًا من الثقافة". وقد وصف عالم السياسة المقارنة

الصيني – الأميركي لوتشيان بى pye Lucian (2008–1921) حساسية السلطة البالغة تجاه الفروق الدقيقة في الثقافة؛ لذلك، إن الاختافات الثقافية حاسمة في تحديد مسار التطور السياسي. وهنا يتجلى اتجاه العاقة السببية من الثقافة إلى المؤسسات، فكيف سيكون مصير السياسة في حال تنميط المؤسسات والثقافة السياسية؟ سنناقش في هذا المحور الضرر الذي لحق بمفهوم الديمقراطية، والممارسات السياسية والمؤسسات "الأصلية" في دول المحيط، بسبب الثقافة السياسية المؤسِّسَة والمفعِّلة لها.

1. تشوُّه المفهوم، مأساة الديمقراطية

يتشوه مفهوم الديمقراطية عندما يغيب جوهرها. فالديمقراطية التي نراها مبدأً ليست كالتي نراها نظامًا،

وليست كالتي نراها غايةً. والضرر في ذلك هو تشكل سلسلة سببية تصب كلها في تشكل أنظمة سياسية ولا تُفَعّل المبدأ الديمقراطي. كيف ذلك؟ أ. إن التدقيق الذي تمارسه الأمم المتحدة والدول المانحة والمنظمات الدولية (مالية وغير مالية) يجعل الديمقراطية نظامًا سياسيًا، بمؤسسات رسمية وطوعية، وبمنزلة محددة لمختلف الفواعل

المجتمعية والسياسية، وبثقافة سياسية محددة المعالم. وهو ما لا يفتح المجال لارتياب الناتج من اختاف التجارب. وكأن لسان حالها يقول: هذا النظام يؤخذ كله (مؤسسات، ثقافة). وهي المأساة الأولى للديمقراطية. ب. بسبب الحاجة إلى العضوية في المجتمع الدولي ووضع الضعيف، تلجأ الدول إلى الرضوخ لمطالب المجتمع الدولي والجهات المانحة، فاسحة المجال لبناء مؤسسي مستجيب "للنظام" الديمقراطي. فتتغير الدساتير لتبني التعددية السياسية، ووجود برلمانات ممثلة للتوجهات المجتمعية، ومؤسسات لانتماء الطوعي، ومنزلة مميزة للفئات التي تراها الجهات المانحة هشة. ونتيجة لذلك، يتكون البناء المؤسسي "المطلوب" (برلمان، نظام حزب غير أحادي، منظمات مجتمع مدني،

منزلة المرأة، مبادرة اقتصادية حرة). لكن هذا البناء المؤسسي لا يواكِب، بالضرورة، الثقافة التي

((5(تجمع عبارة "الأنماط الحضارية" في سياق هذه الورقة البحثية بين مصطلحين هما "الأنماط" و"الحضارية"؛ ويشير مصطلح "النمط" إلى الأساليب والترتيبات المؤسسية والسلوكية المفسرة للأفعال وردود الأفعال. أما "الحضارية" فهي بالمعنى الوارد في دراستنا.

(57) Helgesen & Xing, p. 98.

يتمناها المجتمع الدولي والجهات المانحة، وهو الوضع الذي تبديه تجارب كثير من الدول في أفريقيا وأوروبا الشرقية وأميركا الاتينية وآسيا. وإذا ما تغاضينا عن العموميات، فيمكن المؤشرات المختلفة التي تصدرها المؤسسات حول حالة الديمقراطية والحقوق السياسية أن تجيبنا من خال الترتيب بين الأول (الذي هو دولة أوروبية بالضرورة)، وبين "الراسبين" المؤشر عليهم بالأحمر (الذين هم غير أوروبيين بالضرورة). ولا أجد تعبيرًا عن هذا أوجز من عنوان كتاب ديمقراطية من

دون ديمقراطيينللباحث في العاقات الدولية، الأميركي جون ووتربوري Waterbury John، وهذه المأساة الثانية للديمقراطية. ت. على اعتبار تجاوز جهود التنشئة السياسية للمجتمعات وبنود "العناصر الأساسية"، يتشكل توجه متناقض لدى المواطن العادي. عنصره الأول هو ما يخلفه وضع المستجيب للشروط من كون الديمقراطية تعبيرًا عن تدخل خارجي في الشأن المحلي. فإذا كان صانعو السياسات العامة

يعون بالضبط ما تعنيه الديمقراطية، فإن المواطن العادي قد يغيب عنه ذلك، إما لعدم معرفته، وإما للهفته للمخرجات مباشرة. يتجلى العنصر الأول في النقاشات الأكاديمية والسياسية التي تحاول الربط بين الديمقراطية ومختلف المصطلحات التي يرونها معبرة عن رصيدهم الثقافي وتجارب مجتمعاتهم (الشورى). ويتأثر المواطن بهذه النقاشات من خال اعتباره الديمقراطية نظامًا أجنبيًا دخيا على تجربته الحضارية، وما توصل إليه مجتمعه في إدارته للشأن المحلي، طبَّقه

مجتمعه "الضعيف" لكي يكون عضوًا مقبولً في المجتمع الدولي. ولنا أن ناحظ أن هذا السبب

يعود إلى اعتبار الديمقراطية نظامًا وليس مبدأ، ومن جَهِل الشيء عاداه. ومعاداة الديمقراطية هي

المأساة الثالثة للديمقراطية، وقد عبّر عنها الفيلسوف الفرنسي جاك رانسيير Rancière Jacques

في عنوان كتابه كراهية الديمقراطية La haine de la démocratie)2005(. ث. العنصر الثاني للتناقض المشار إليه سابقًا، وهو اعتباره الديمقراطية نظامًا ذا غايات مالية،

وهي الحلقة الثالثة للسلسلة السببية. وكأن المجتمعات تجيب عن بنود العناصر الأساسية من أجل غايات مالية (سنفعل ما تريدون من أجل المال الذي تمنحونه من خال وكالاتكم، وليس اقتناعًا

بالديمقراطية). يبرز هذا الفهم من خال تقديم الوضع الاقتصادي بوصفه أولويةً سابقةً على إرساء الديمقراطية في سبر الآراء، أو لأن ترتيب الحقوق السياسية والمشاركة في الشأن العام يأتي بعد المستوى المعيشي والأمان. وقد تكرست هذه الأولوية في الكثير من الاستطاعات. ويبرز كذلك بأن تُعاقَب "الديمقراطية" عندما تتلون المؤشرات الاقتصادية باللون الأحمر، إذ اعتُبرت الديمقراطية

سببًا لضعف الأداء الاقتصادي في بعض البلدان. وهو نفسه التوجه الذي أظهره الألمان

الشرقيون قبل أكثر من ثاثة عقود. فبسبب نظرتهم الغائية للديمقراطية، عاقبوا النظام الديمقراطي

(5((ينظر: جون ووتربوري [وآخرون]، ديمقراطية من دون ديمقراطيين: سياسات الانفتاح في العالم العربي/ الإسلامي (بيروت:

مركز دراسات الوحدة العربية، 2000)؛ جاك رانسيير، كراهية الديمقراطية، ترجمة أحمد حسان (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، (5((مايكل روبنز، "الديمقراطية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، الباروميتر العربي – الدورة السابعة: الديمقراطية، تموز/ يوليو 2022، شوهد في 2023/5/1، في: https://bit.ly/3pPFrZv

عندما انتُهِكت حقوقهم الاجتماعية. في حين مال الألمان الغربيون إلى معاقبة السلطات الحاكمة آنذاك عندما لم تتوافر الحقوق الاجتماعية. وعندما تبعدنا الغايات عن الجوهر نكون بصدد المأساة الرابعة للديمقراطية لأننا لا نستوعبها مبدأً.

2. تشوه الهويات الثقافية وتفكيك رأس المال المعرفي

نعود في هذا الجزء إلى مصطلح "طريقة الحياة" بنظرة حقوقية، فهو يحيي مفهوم المرجعية المجتمعية المتجسدة في العاقات الأفقية والعمودية في المجتمع. وطريقة الحياة هي جوهر الاختاف بين الحضارات، فهي "تختلف [...] باختاف وجهات النظر حول العاقات بين الله والإنسان، والفرد والجماعة، والمواطن والدولة، والآباء والأبناء، والزوج والزوجة، وكذلك اختاف وجهات النظر حول الأهمية النسبية للحقوق والمسؤوليات، والحرية والسلطة، والمساواة والتسلسل الهرمي". بهذا المعنى للحضارة وطريقة الحياة، لا يمكن عالمية حقوق الإنسان وكليتها المفروضة من دون مراعاة الخصوصيات الثقافية، إلا أن تتسبب في أضرار عميقة في نظرتها للعاقات المختلفة، مشكّلة "مزيجًا متفجرًا، ليس مع القدرة على زعزعة الأنماط التقليدية لانتماء فحسب، ولكن أيضًا طرق التفكير الراسخة حول الكينونة والانتماء". فمصطلحات مثل "المواطنة الثقافية في العصر العالمي تُبرز التوترات بين حقوق الفرد والجماعة، بين حقوق الإنسان والحقوق الثقافية، بين مبادئ العالمية واحترام التنوع الثقافي، وبين السلطة الدولة، وسيادة القانون الدولي"، لأنها ببساطة تحيل على النقاش حول مرجعيات التمتع بالحقوق، هل هو القانون أو الانتماء؟ (ولا يمكن أن نستغني عن القانون لأنه ضامن النظام والانتظام في كل الأحوال). إن النظام الديمقراطي بأسبقية مؤسساته وعالمية حقوق الإنسان وكليتها (غير القابلة للتجزئة)، يعيد النظر بالضرورة في المرجعية الهوياتية للمجتمعات، مخلفًا آثارًا من بينها: أ. الترويج لأسبقية النموذج الخارجي والأحداث التاريخية المواكبة لتطوره على التجربة المحلية، فالأحداث الكبرى المرتبطة بالديمقراطية حال كونها نظامًا، تختلف عن الأحداث التاريخية

للديمقراطية حال كونها مبدأً؛ وذلك لأن التداول والمشاركة والتمثيل في القضايا المرتبطة بإدارة الشأن العام، ليست صنيعة غربية فحسب، بل عرفته مختلف الحضارات؛ ما يدل على تفعيلها للمبدأ الديمقراطي. ومن ثم، فتقديم الديمقراطية باعتبارها نظامًا، يؤدي إلى الترويج لمحطات تطوره

(60) Siddhartha Baviskar & Mary Malone, "What Democracy Means to Citizens – and Why It Matters," European Review of Latin American and Caribbean Studies , vol. 1, no. 76 (2004), p. 14. (61) Helgesen & Xing, p. 98. (62) Vineet Kaul, "Globalisation and Crisis of Cultural Identity," Journal of Research in International Business and Management , vol. 2, no. 13 (2013), p. 344. (63) Ibid.

الغربية فحسب، ويوحي بكون الحضارات الأخرى غير ديمقراطية لأنها لم تشهد الأحداث ذاتها. ويمكن أن يقال الكام نفسه، مثا، عن استقالية القضاء. ب. إن الترويج للديمقراطية بهذا المضمون (وفرضه) يُعلي من منظومته الثقافية على حساب

الثقافة المحلية. فإذا كانت مرجعية الحقوق في العادة هي المنظومة الثقافية المحلية، فإن أسبقية المؤسسات والحقوق تؤدي إلى مرجعية جديدة للحقوق. ومن الأمثلة على هذا نقول: إن حقوق المرأة السياسية، على أهميتها، لم تكن وليدة توجه وصيرورة داخلية بالضرورة، وإن حضورها كان إقحامًا. فقد أبرزت دراسة الثقافة السياسية في البرازيل أن المرأة كانت أقل اهتمامًا بالسياسة مقارنة

بالرجل، ويرجع السبب لكونها تحظى بمنزلة "العمود الفقري" للأسرة في أميركا الاتينية، وقد يُتوقع منهن أن يولين رفاهيتهن وأمن أسرهن وأمنهن أهمية أكبر، مما يفعلنه لأشياء مثل الانتخابات

والحريات السياسية والمدنية. ت. القطيعة المحتملة بين النخب المتهمة من قبل الأغلبية بتبني المرجعيات غير المحلية، فاسحة المجال لنشوء ثقافة سياسية غير مبالية مقترنة بعداء لمضامين الديمقراطية والحقوق المؤسسة لها والمنبثقة عنها. ث. غلبة الفردانية في مجتمعات ذات نسيج اجتماعي تكافلي، ووراء ذلك التكافل نظام ضمني لجَيْلنة الثقافة. فالجماعة تكفل استمرار تقديم الإجابات الضرورية حول معاني الحياة والعيش

المشترك. وفقدانُها يفقد الفرد مرجعية السلوك الاجتماعي (الضبط الاجتماعي) التي تكون لها آثار في السلوك السياسي (الفساد السياسي، التجوال السياسي، اليمين واليسار المتطرف). وفي النهاية، النقاش حول الفردانية والجماعية هو نقاش حول منزلة الأصل (النسيج الاجتماعي). ج. تؤدي أسبقية المؤسسات والحقوق إلى أسبقية القانون، على أهميته، على الأخاق. وفي هذا الصدد يبرز مفهوم الثقة البينية، باعتباره عاما حاسمًا في الحياة السياسية. فالثقة تحدث عندما يكون

لطرفين تصورات مناسبة تسمح للعاقة بالوصول إلى النتائج المتوقعة. وبذلك، فإن الشخص أو الجماعة أو المؤسسة الموثوق بها، تكون متحررة من الخوف والحاجة إلى رصد سلوكيات الأطراف كليًا أو جزئيًا. ويسمح هذا الوضع بالتقليل من تكلفة العاقة، والتعامل الاقتصادي والاجتماعي

والسياسي. لكن الافتقار إلى المرجعية الثقافية يؤدي إلى صيرورة ضارة بالأخاق المجتمعية، تكون من نتائجها فروق بين الأخاقي والقانوني. وفي هذا الصدد، يُبرِز علماء الاجتماع ثنائية الذنب

والعار تجليًا نفسيًّا لغلبة القانون على الأخاق. يتوافق نوعم تشومسكي Chomsky Noam ولي تشانغ Xing Li (2010–1914) وجير هيلغيسين Helgesen Geir حول اختاف المنظور الفلسفي لمنزلة الموروث الحضاري. فيرى تشومسكي الفرق بين الغرب الذي "يعتنق بعمق فكرة أن العالم الواقعي وجود خارجي بالنسبة للمراقب، وبين بقية العالم

(64) Baviskar & Mal, p. 9.

الذي يؤمن بأن العالم الواقعي وجود داخلي كامل تقريبًا بالنسبة للمراقب". وعبّر هيلغيسين وتشانغ

عن الفكرة بقولهما إن "هناك سمة أخرى مهمة. ولكن لم تجرِ مناقشتُها كثيرًا في التفكير السياسي

الغربي. وهي أن البناء بأكمله يعتمد على فكرة عدم الثقة. في الغرب يسمى هذا الواقعية، وكما يبدو أن الواقع يثبت أن السلطة مفسدة، فإن النظام بأكمله يدور حول الضوابط والتوازنات المتبادلة". تعبّر هذه التحولات عن تفكيك رأس المال المعرفي باعتباره نتاجًا للدين والعادات والتقاليد ورؤية

المجتمعات لطريقة الحياة ومعايير التقييم. ويؤثر ذلك في رأس المال الهيكلي المعبَّر عنه بالمؤسسات

الأصلية المنوط بها جيْلنة رأس المال المعرفي.

3. تشوه المؤسسات الأصلية وتفكيك رأس المال الهيكلي

أشرنا سابقًا إلى المؤسسات الأصلية واعتبرناها "بنى تقليدية" لا يمكن أن تتوافق وخلق ثقافة سياسية ديمقراطية، معتبرين أن المواطنة في البلدان العربية هي مواطنة جماعة وليست فردية. وقد لا نكون متراجعين عن هذا بالمنظور الغربي ومعاييره للنظام الديمقراطي. لكن إذا ما أعدنا النظر في الديمقراطية واعتبرناها مبدأً، فيجدر بنا مراجعة مسميات الدراسة كلها، بداية بالبنى التقليدية، إلى مؤسسات أصلية لأنها ليست مستحدثة، إلى الجماعة على اعتبار أن الأصل الاجتماعي للنظام والانتظام في السياق المشار إليه في الدراسة يختلف عن الأصل الاقتصادي في سياقات أخرى. لذلك نؤكد أن القبيلة والعشيرة والأسرة والمسجد والكنيسة والكنيس والمعبد، هي مؤسسات أصلية وليست بنى تقليدية (التقليدي يقابله الحديث، والمصطلحات حمّالة أيديولوجيات)، وأن الروابط الاجتماعية ورأس المال

المعرفي هي حقائق اجتماعية لا يمكن تجاوزها في مسار تفعيل المبدأ الديمقراطي. نستعير في هذا الموضع مصطلح "تفكيك المَأسَسة" لنستخدمه في نطاق أوسع من المؤسسات، وهي

المؤسسات الأصلية. ويشير إلى وضع تفقد فيه هذه المؤسسات سلطتها على الأفراد؛ ما يؤدي إلى ظهور مصدر جديد للمعايير وهو الفرد. يؤدي "فقدان السلطان" إلى ما أسماه دوركايم ب "أزمة المؤسسات"، نتيجة لتراجع رأس المال المعرفي (المشار إليه سابقًا)، وينتج منه تراجع رأس المال الهيكلي المتجسد في مؤسسات التنشئة الاجتماعية والسياسية الأصلية. ويُعزى تراجع رأس المال

المعرفي قبل مؤسسات رأس المال الهيكلي، إلى وجود المؤسسات الوسيطة والحقوق قبل رأس المال المعرفي المستَحدث. تفترض الديمقراطية أن تتولى منظمات مستحدثة هذه الوظيفة وهي الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وجمعيات الأحياء وكل هياكل رأس المال الاجتماعي التجسيري Social Bridging Capital. وقد شغل المجال بين الدولة والمجتمع بهذه البنى بندًا، من بين بنود أخرى، يتطلبه "نجاح

(6((نعوم تشومسكي، الدول الفاشلة: إساءة استعمال القوة والتعدي على الديمقراطية، ترجمة سامي الكعكي (بيروت: دار الكتاب العربي، 2007)، ص.156

(66) Helgesen & Xing, p. 107.

(6((كلود دوبار، أزمة الهويات: تفسير تحول، ترجمة رندة بعث (بيروت: المكتبة الشرقية، 2008)، ص.237

التلميذ" لدى المؤسسات الدولية، وأدى إلى خلق فضاءات انتماء بديلة مسايرة للتحولات الاجتماعية الكبرى. لكن هل نجحت؟ وهل هي بمستوى "المأسسة" المرجوة منها في دول كثيرة في أفريقيا وآسيا وأميركا الاتينية؟ وهل تتَّسم بالسلطان ذاته الذي عند المؤسسة الدينية أو الاجتماعية الأصلية. واستنادًا إلى دراسات ميدانية واستطاعات رابطة مسح القيم العالمية والخرائط الثقافية التي قدمها رونالد إنغلهارت Inglehart Ronald (2021–1934) وكريستيان ويلزيل Welzel Christian في مختلف دول المحيط، لا يمكن الجزم بالدور الكامل لهذه المؤسسات، كما أنها لا تتمتع بالثقة الكافية. ولا يمكن الجزم بأن تراجع المؤسسات الأصلية هو في المقابل تعزيز للمؤسسات المستحدثة. فقد تتراجع الأسرة ولا تتعزز مؤسسات المجتمع المدني، لأنها ليست في حالة منافسة مباشرة، وقد يُفلت المجتمع من المؤسستين، ويكون الفضاء بين الدولة والفرد عبارة عن مساحة لما أسماه

سيباستيان روشيه Roché Sebastian بالمجتمع الفظ. يشير الواقع إلى تشوه القبيلة باعتبارها مؤثرًا سلبيًا في الحياة السياسية. ومن تجليات ذلك تشكّل

أحزاب سياسية بخلفيات قبلية وعشائرية. إذ لا تخفى الخلفية الاجتماعية للأحزاب في لبنان أو اليمن أو موريتانيا، أو رواندا مثا. وهنا نقول إن الحزب هو الذي شوّه القبيلة والعشيرة وليس العكس، لأنها

الأصل والحزب هو المؤسسة المستحدثة. ويعود سبب ذلك إلى أن المجتمعات وضعت موضع تطبيق نموذج سياسي بمؤسساته واعتباره النموذج الوحيد لتفعيل المبدأ الديمقراطي. كما اقتصر دور المعابد في الشعائر الدينية فاقدة دورها المجتمعي، وتعرضت للتضييق في فترات الأزمات الأمنية العالمية، لصالح منظمات المجتمع المدني. يعبّر الإخال المنهجي الذي تتعرض له بنية العاقات المحمية من طرف المؤسسات الأصلية عن

"تراجع، لا أكثر ولا أقل، في سيرورة الحضارة". والتعويل أكثر على القوانين بدلً من العقاب الاجتماعي الذي توفره منظومة العاقات الأصلية، يعني ضمنيًا تضرر معاني العيش المشترك الناتج

من تضرر في احتمالات الاعتماد على الوثوق بالغير. وبهذا نجد تفسيرًا لتاقي أفكار البنك الدولي

(المقياس الأكثر شيوعًا المستند إلى النتائج في الأدبيات والذي استُخدم بديا من رأس المال الاجتماعي هو مستوى الثقة)، وكتابات جيمس صموئيل كولمان Coleman Samuel James –1925(

((6(هناك دراسات ومسوحات توحي بأن الديمقراطية "لا تعمل جيدًا" وأن سببها هو تراجع الثقة بالمؤسسات السياسية عمومًا،

وبالأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والبرلمانات خصوصًا، ومن بين هذه الدراسات، ينظر:

Robert Mattes, "Social and Political Trust in Developing Countries: Sub–Saharan Africa and Latin America," in: Eric Mal (ed.), Oxford Handbook of Social and Political Trust (Oxford: Oxford University Press, 2018);

إضافة إلى الدراسات التي تقوم بها دوريًا المراكز التالية: – رابطة مسح القيم العالمية Survey Values World. – الباروميتر العربي Barometer Arab (المؤسسات السياسية). – استطاع أصداء بي سي دبليو لرأي الشباب العربي BCW a ’ Asda.

(69) Sebastian Roché & Jean–Louis Schlegel, La Société d’hospitalité (Paris: Le Seuil, 2009).

((7(دوبار، ص.248

1995) حول الثقة المتجسدة في "تلك الجوانب من البنى الاجتماعية التي تسهل إنجاز الأشياء"، وآراء بوتنام حول "الثقة والأمان الجماعي" الناتجَين من الانتماء إلى جماعة.

خاتمة

أدى اتساع مضمون مفهوم الثقافة إلى خلق تحديات حقوقية، إضافةً إلى التحديات العلمية، مرتبطة بالإجابات الممكنة لسؤال نطاق عبارة "طريقة الحياة"، لكونه لا يغطي الجوانب المادية والروحية، ولا العادات والتقاليد فحسب، فهي كما عبّر عنها تايلور تمامًا "ذلك الكل المعقد". فعبارة "طريقة الحياة" تقدم فكرة شاملة عمّا تتضمنه الثقافة كمصطلح "مظلة"، وعن دلالاتها الاقتصادية

والاجتماعية والسياسية والنفسية لذلك، فمحاولة الفصل بين الثقافة والثقافة السياسية تواجه مطبّات

تعجيزية بالعمق نفسه الذي تواجهه محاولات فصل ما هو اقتصادي عمّا هو سياسي أو اجتماعي في

سياق الحضارات الإنسانية المختلفة. والوضع ذاته يطرحه مفهوم الثقافة السياسية. فشمولية الثقافة خلقت تحديات حول فصل السياسي عن الاجتماعي عن الاقتصادي، وجعل مفهوم الثقافة السياسية لا يعبر عن نظرة للعاقات السياسية فحسب، بل يشتمل على العاقات ذات الأثر السياسي. وبالرغم مما تواجهه المنظومة الحقوقية العالمية من تحديات، فإن مسار الاعتراف بالتنوع عرف ثباتًا في مبدأ الخصوصيات الثقافية، معبّرًا عن تعامل إنساني راقٍ لتنوع الأنماط الحضارية وروافدها الثقافية، لأنها

ببساطة تحمل معاني الاحترام لخاصات تجارب المجتمعات ونظرتها للعاقات بين الإنسان والله، والإنسان والإنسان، والإنسان والآخرين، في المجتمع ذاته وبين المجتمعات. وقد تجسدت هذه الجهود على المستوى العالمي في رعاية خاصة من الدول والمنظمات الدولية، وسياسات ومؤسسات لجعلها واقعًا. لكن لم تحظ الثقافة السياسية بالمعاملة نفسها. يتجلى استبعاد الثقافة السياسية في مضمون العاقات الاقتصادية وغير الاقتصادية ذات الأثر السياسي، التي تربط بين دول المحيط الضعيفة اقتصاديًا، أو التي عرفت فترات انتكاس اقتصادي، ودول المركز

المتمتعة بنفوذ اقتصادي وسياسي عبر الدول والمنظمات الدولية الحكومية والمالية وكثير من المنظمات غير الحكومية في إطار جهود الدمقرطة. فالمتتبع لجهودها في الدمقرطة يلحظ انحسارًا لمعاني احترام التنوع الثقافي، نتج من عدم التفريق بين العاقات ذات الأثر السياسي، والعاقات ذات الطابع السياسي، و"تسويقها" للديمقراطية باعتبارها نظامًا متكاما من المؤسسات والعاقات يجب على المجتمعات التقيد بها. ما يعبر عن مساعي

لنمذجة الثقافة السياسية والسلوك السياسي بما يتوافق ونظرة هذه الجهود لفاعلية المؤسسات السياسية المستحدثة. أدت أسبقية المؤسسات مقارنة بالثقافة المرجوة، ووجود معايير تقييم غير المعايير المتضمنة في الروافد الثقافية المحلية إلى إصدارات مشوهة للديمقراطية، مع تشويه عميق للهياكل والهويات الثقافية المحلية بسبب وضعية "المضطر" في سياسات المشروطية الديمقراطية.

إن الديمقراطية كانت – ولا تزال – محل جهود هادفة لمواجهة حدودها المعروفة، وقد تكون المراجعات المطلوبة هي تلك المتعلقة بالعاقات ذات الأثر السياسي في السياق غير الغربي. فالمجتمعات في مراحل تكوّنها اكتسبت معارف وهياكل تخدم استمراريتها، وتخدم قدرتها على التثاقف والاستفادة من

الصيرورات العالمية بما لا يضر روح شعوبها. إن المضَافات والديوانيات والمشيخات في الخليج العربي، ولويا جيرغا Jirga Loya في أفغانستان،

ومجالس الحل والعقد في التاريخ الإسامي، ومجالس القرى والقبائل في أفريقيا وأميركا الاتينية، نماذج لأساليب أصلية للتداول، والمشاركة والتمثيل، قد تتوافق في كلها أو بعضها مع جوهر الأحزاب السياسية والمجتمع المدني والمركزية والامركزية الإدارية. وهي إن عرفت أنماطًا من الفساد السياسي والإداري؛ فالأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والحكومات عانت وتعاني الفساد أيضًا. كما أن مصطلحات، كالشورى، هي في مضمونها ليست بعيدة عن الجوهر الديمقراطي. ولا ضرر في التثاقف على أن لا يكون مفروضًا. لقد وُجد العالم قبل وجود مفهوم الديمقراطية، وكذا الحضارات وثقافاتها. ولا أفضلية إلا بالمشاركة،

والتداول والتمثيل. وإذا ما كان الغرب سبّاقًا في نشأة "الدولة" بدلالاتها الوستفالية، فهذا لا يعطيه

بالضرورة الحق في تقديم إجابات دقيقة عن أسئلة ضبط العاقات البينية في المجتمعات.

References

المراجع

العربية

الأمم المتحدة. "الإعان العالمي بشأن التنوع الثقافي". في: https://bit.ly/3GLj9ku ________. "الإعان العالمي لحقوق الإنسان ". في: https://bit.ly/3ABQ2NK ________. "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية". في: https://bit.ly/3VfqA9w ________. "دراسة عن التحديات المشتركة التي تواجهها الدول في إطار جهودها الرامية إلى ضمان الديمقراطية وسيادة القانون من منظور حقوق الإنسان." 2012/12/17:. في https://bit.ly/3LCOU0X ________. "دعم منظومة الأمم المتحدة للجهود التي تبذلها الحكومات في سبيل تعزيز وتوطيد الديمقراطيات الجديدة أو المستعادة." 1997/9/10:. في https://encr.pw/EHWIC تشومسكي، نعوم. الدول الفاشلة: إساءة استعمال القوة والتعدي على الديمقراطية. ترجمة سامي الكعكي. بيروت: دار الكتاب العربي،.2007 الخزاعلة، ياسر طالب ووفاء سالم محمد الخزاعلة. محاضرات في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية. عمّان: دار الخليج للصحافة والنشر،.2017 روبنز، مايكل. "الديمقراطية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يوليو 2022 ". الباروميتر العربي. في:

https:// bit. ly /3 pPFrZv

دراسات الوحدة العربية،.2007

الوحدة العربية،.2002

الكتاب العرب،.2002

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2022

الأجنبية

العبدلي، سمير. ثقافة الديمقراطية في الحياة السياسية لقبائل اليمن (دراسة ميدانية). بيروت: مركز

الكواري، علي خليفة [وآخرون]. المسألة الديمقراطية في الوطن العربي. ط  2. بيروت: مركز دراسات

كوش، دوني. مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية. ترجمة قاسم المقداد. دمشق: منشورات اتحاد

المصباحي، عبد الرزاق. النقد الثقافي: قراءة في المرجعيات النظرية المؤسسة. الدوحة/ بيروت:

Baviskar, Siddhartha & Mary Malone. "What Democracy Means to Citizens – and Why It Matters." European Review of Latin American and Caribbean Studies. vol. 1, no. 76

"Borrowing Countries." The International Development Association (IDA). at: https://bit.ly/428KDJ9 Boutros–Ghali, Boutros. An Agenda for Democratization. New York: United Nations Publications, 1996. Caroline Andrew et al. (eds.). Accounting for Culture. Canada: The University of Ottawa Press, 2005. Cremaschi, Marco et al. (eds.). Culture and Policy–Making, Pluralism, Performativity, and Semiotic Capital. Switzerland: Springer Cham, 2021. Ercan, Selen A. & Jean–Paul Gagnon. "The Crisis of Democracy." Democratic Theory. vol. 1, no. 2 (Winter 2014). Gagnon, Jean–Paul. "2234 Descriptions of Democracy an Update to Democracy’s Ontological Pluralism." Democratic Theory. vol. 5, no. 1 (Summer 2018). "Guidance Note of the Secretary–General on Democracy." United Nations. at: https://bit.ly/3e42Kfx Helgesen, Geir & Li Xing. "Democracy Or 'Minzhu': The Challenge of Western Versus East Asiannotions of Good Government," Asian Perspective. vol. 20, no. 1 (Spring– Summer 1996). Huntington, Samuel P.  The Third Wave: Democratization in the Late Twentieth Century. Norman & London: University of Oklahoma Press, 1991. Joana Abrisketa et al. (eds.). Yearbook on Humanitarian Action and Human Rights. Spain: Publicaciones de la Universidad de Deusto, 2017.

Katia Sycara et al. (eds.). Models for Intercultural Collaboration and Negotiation. Swiss: Springer Cham, 2013. Kaul, Vineet. "Globalisation and Crisis of Cultural Identity." Journal of Research in International Business and Management. vol. 2, no. 13 (2013). Kim, Young C. "The Concept of Political Culture in Comparative Politics." The Journal of Politics. vol. 26, no. 2 (Spring 1964). Koch, Svea. "A Typology of Political Conditionality Beyond Aid: Conceptual Horizons Based on Lessons from the European Union." World Development. vol. 75, no. 1 (2015). Kühnhardt, Ludger & Tilman Mayer (eds.). The Bonn Handbook of Globality. vol. 2. Swiss: Springer Cham, 2019. Kymlicka, Will. Multicultural Citizenship: A Liberal Theory of Minority Rights. Oxford: Oxford University Press, 1995. Lane, Jan Erik & Svante Ersson. Culture and Politics, A Comparative Approach. 2 nd ed. England: Ashgate Publishing Limited, 2005. Merriam, Charles E. "The Meaning of Democracy." The Journal of Negro Education. vol. 10, no. 3 (1941). Nelson, Dana. "Democracy in Theory." American Literary History. vol. 19, no. 1 (Spring 2007). Nic Cheeseman et al. (eds.). The Oxford Encyclopedia of African Politics. Oxford: Oxford University Press, 2020. Özkurt, Fatma Zeynep. "European Union Democracy Promotion via Conditionality in Regional Context." Istanbul Gelisim University Journal of Social Sciences. vol. 4, no. 2

Seita, Alex Y. "Globalization and the Convergence of Values." Cornell International Law Journal. vol 30, no. 2 (1997). UNESCO World Report. Investing in Cultural Diversity and Intercultural Dialogue. United nations Educational, Scientific and Cultural Organization. Paris: 2009. at: https://cutt.us/gRC9I Whitehead, Laurence. "Regional Organizations and Democratic Conditionality Family Resemblances and Shaming." International Political Science Review. vol. 42, no. 4