Return to Article Details Reflections on Contemporary Arab Moral Thought: An Investigation of the Relationship Between Ethics and Politics

تأملات في الفكر الأخلاقي العربي المعاصر: بحث في العلاقة بين الأخلاق والسياسة

Reflections on Contemporary Arab Moral Thought: An Investigation of the Relationship Between Ethics and Politics

رشيد الحاج صالح

Rasheed AlHaj Saleh

الملخّص

تتناول الدراسة نماذج من الفكر الأخلاقي العربي المعاصر من منظور علاقة الأخلاق بالسياسة. وقد اخترت هذا المنظور لأن فلسفة الأخلاق اليوم باتت قريبة، أكثر من أيّ وقت سابق، من المشاكل السياسية الكبرى التي تتعلق بالعدالة والمساواة والحرية. وجدت الدراسة أن هناك اختزالًا للسياسة في الأخلاق، ثم اختزالًا للأخلاق في التراث. وقد أدى ذلك إلى ظهور عدة سرديات أخلاقية عربية؛ الأولى: سردية أن الأخلاق مسألة مثالية ثابتة زمنيًا تقع فوق المجتمع والسياسة، والثانية: أن "الناس العاديين" هم المسؤولون عن تراجع الأخلاق المزعوم. وتجادل الدراسة بأن القضية التي تقول إن على الأخلاق العربية أن تختار أخلاق التراث أو أخلاق الحداثة، هي قضية زائفة. استعانت الدراسة بالمسوح العلمية لكي تُظهر أن الناس العاديين في المنطقة العربية منفتحون أخلاقيًا، ولم يعودوا يعطون للأيديولوجيا الأولوية في تفكيرهم السياسي، مثلما أنهم لم يعودوا يربطون بين الأخلاق والهوية، وذلك بخلاف التصورات النمطية المتداولة عنهم بين النخب الفكرية العربية والمستشرقين.

Abstract

Abstract: The study explores models of contemporary Arab moral through the lens of the relationship between ethics and politics, given that moral philosophy today is closer than ever to major political problems related to justice, equality, and freedom. The paper points to a reduction of politics to ethics and of ethics to heritage, which has led to the emergence of several Arab ethical narratives. The first considers ethics as an ideal fixed in time that transcends society and politics, while the second assumes that "ordinary people" are responsible for the alleged decline in morality. This study argues that the assumption that Arab ethics must choose between ethics of heritage and modernity is false. Quantitative surveys demonstrate that ordinary people in the Arab region are ethically open–minded, and no longer bound by ideology in their political thinking, just as they are no longer link ethics with identity, contrary to the stereotypical perceptions of both Arab and Orientalist intellectuals.

الكلمات المفتاحية:
  • الأخلاق
  • السياسة
  • الفكر العربي
  • التراث
  • الهوية
  • العدالة
  • المساواة
  • الحرية
Keywords:
  • Ethics
  • Politics
  • Arab thought
  • Heritage
  • Identity
  • Justice
  • Equality
  • Freedom

بالسياسة. وقد اخترت هذا المنظور لأن فلسفة الأخ ق اليوم باتت قريبة، أكثر من أيّ وقت

سابق، من المشاكل السياسية الكبرى التي تتعلق بالعدالة والمساواة والحرية. وجدت الدراسة

أن هناك اختزاالً للسياسة في الأخ ق، ثم اختزاالً لأخ ق في التراث. وقد أدى ذلك إلى

ظهور عدة سرديات أخلاقية عربية؛ الأولى: سردية أن الأخ ق مسألة مثالية ثابتة زمنيًا تقع فوق

المجتمع والسياسة، والثانية: أن "الناس العاديين" هم المسؤولون عن تراجع الأخلاق المزعوم.

وتجادل الدراسة بأن القضية التي تقول إن على الأخلاق العربية أن تختار أخلاق التراث أو أخلاق

الحداثة، هي قضية زائفة. استعانت الدراسة بالمسوح العلمية لكي تُظهر أن الناس العاديين

في المنطقة العربية منفتحون أخ قاايًا، ولم يعودوا يعطون لأيديولوجيا الأولوية في تفكيرهم

السياسي، مثلما  أنهم لم يعودوا يربطون كثيرًا بين الأخ ق والهوية، وذلك بخلاف التصورات

النمطية المتداولة عنهم بين النخب الفكرية العربية والمستشرقين.

مقدمة

تنطلق الدراسة من أن العلاقة بين الأخلاق والسياسة في الفكر العربي المعاصر تعاني ثلاثة ارتباكات، هي: أوالً، إلباس مشكلات العرب السياسية ولااجتماعية ثوبًا أخلاقيًا، أو اختزال

السياسة في الأخلاق، ما يموّه هذه المشكلات ويفضي إلى فهمها بوصفها نتيجة من نتائج تراجع

أخلاقي مزعوم، في حين أن مشكلات السياسة تؤدي دورًا في التراجع الأخلاقي لاا يقل عن الدور

الذي تؤديه الأخلاق في السياسة. ثانيًا، يرى القسم الأكبر من النخب الثقافية العربية أن ثمة أزمة في

العلاقة بين ثلاثي الأخلاق والدين والحداثة، مفادها أن على أخلاق عرب اليوم (الناس العاديون) أن تختار بين الأخلاق الدينية أو أخلاق الحداثة الغربية، ولاا خيارَ ثالثًا، في حين أن الفكر الفلسفي الغربي

المعاصر يبيّن أن التناقض بين الدين والحداثة ضُخِّم كثيرًا في التاريخ الثقافي الغربي، ومن ثم ليس

بالضرورة أن يدفع الفكر العربي الأخلاقي المعاصر ثمن ذلك التضخيم. ثالثًا، ثمة اختلافات كبيرة بين عرب اليوم من جهة، والنخب السلطوية والدينية والثقافية العربية (ولااستشراقية) من جهة أخرى، بشأن تصور مضمون الأخلاق السياسية لسكان المنطقة العربية، من ناحية انطلاقها من تصورات متناقضة عن أخلاق عرب اليوم؛ فمزاج عرب اليوم، وإن كان دينيًا بامتياز (85 في المئة يعرّفون أنفسهم بأنهم

متدينون ومتدينون جدًا)، هو مزاج كوزمولوجي منفتح على قيم الحداثة السياسية ومقتنع بالديمقراطية وما يمكن أن تجلب له من عدالة ومساواة، في حين تتّهمه النخب الفكرية ب لاانغلاق المتطرف وعدم مساندته الديمقراطية، فضلً عن النخب الدينية الدعوية التي تتهمه بالتهاون في واجباته الدينية وتراجع أخلاقه لااجتماعية. وإذ تتناول الدراسة سؤال العلاقة بين الأخلاق والسياسة في السياق العربي المعاصر، فإنها تنشغل بالدراسات الفلسفية الأخلاقية التي ظهرت في الفكر العربي الحديث والمعاصر بقدرٍ يساوي انشغالها بتحليل التفكير الأخلاقي السياسي المعاصر لسكان المنطقة العربية، وخاصة في زمن ثورات الربيع العربي، مثلما تحلل التفسيرات المتداولة حول الرأي الذي يؤكد أن الإخفاقات الحضارية والمآزق السياسية في العالم العربي سببها التراجع الأخلاقي، وتتوقف عند الأسئلة الآتية: هل يمكننا الفصل بين الأخلاق والسياسة؟ وما نتائج هذا الفصل؟ وما علاقة الأخلاق بالدين عند النخب الفكرية وعرب اليوم؟

(((هناك عدة مصطلحات تعبر عن الناس العاديين: يدعوهم آصف بيات ب  "البسطاء"، في كتابه الحياة سياسة: كيف يغير بسطاء

الشرق الأوسط السياسة، مع نظرة إيجابية إليهم من حيث هم ناس لهم في النهاية قدرة على التأثير في حياتهم ومجتمعاتهم،

ويدعوهم غوستاف لوبون Bon Le Gustave ب  "الجماهير"، في كتابه سيكولوجية الجماهير، مع نظرة سلبية إليهم بوصفهم جماهير عاطفية وشديدة التأثر بالشائعات وقابلة للتوجيه، وهناك من يدعوهم ب "العامة"، أو "الشعب"، وغير ذلك. وقد اخترت مصطلح "عرب اليوم" للتأكيد على أن البحث مهتم بسكان المنطقة العربية بعد عام 2011 على نحو أساسي. (((يُذكر أن لااختلاف بين منظور النخب الفكرية ومنظور الشعوب معروف على مرّ التاريخ وليس خاصًا فقط بالمنطقة العربية أو

بهذا الزمن، ولكن في العالم الحديث يتراجع هذا لااختلاف في البلدان الديمقراطية، وذلك لقرب النخب الفكرية من شعوبها ومناخ الحرية الذي توفره الديمقراطية. أما في البلدان ذات الأنظمة الشمولية، فإن لااختلاف بين المنظورين يكاد يتلاشى في إطار سيطرة الدولة المطلقة على كل من النخب والشعوب، بحيث تنحاز النخب الفكرية إلى السلطات الحاكمة. أما في البلدان التسلطية، فإن الوضع متباين، وتؤدّي مواقف المفكرين الشخصية دورًا كبيرًا في اختياراتهم، وهي اختيارات معقدة في ظل هيمنة الدولة التسلطية،

ووجود ثقافة تقليدية/ تراتبية لدى غالبية النخب لاا تُعلي كثيرًا من مكانة ووعي الناس العاديين.

وعلى الرغم من أن الأخلاق ذات طابع شخصي في الغالب، لأنها تنتمي في النهاية إلى عالم المشاعر والرغبات، لاا عالم الوقائع التي تُدرك حسيًا، والتي يفحصها العلم، فإن المسافة اليوم بين المعرفة

والأخلاق، أو بين ما هو كائن (نعرفه بالوصف) وبين ما يجب أن يكون (تقييمنا الذاتي) تتراجع يومًا

بعد يوم في الفلسفات المعاصرة. ووفق هيلاري بوتنام Putnam Hilary (2016–1926)، فإن "ثنائية الحقيقة – القيمة" فقدت كل "أساس عقلي لها". يضاف إلى ذلك أن دراسة الأخلاق لم تعد تقتصر على الجانب الذاتي والنفسي، لأن لأخلاق جانبًا اجتماعيًا عامًا؛ فالمواقف الأخلاقية فيها جانب

يؤثّر ويتأثر بالمجتمع كله، ولاا يعني أفرادًا يعيشون حياة شخصية مستقلة فحسب. في هذه النقطة، تجد الدراسة في العلاقة بين الأخلاق والسياسة مسواِّغها. ولعل الأفق لااجتماعي لأخلاق هو م دفع

برتراند رسل Russell Bertrand (1970–1872) إلى القول إن هناك تداخلً بين الأخلاق والسياسة بطريقة أعقد حتى من التداخل بين الدين والسياسة أو بين العلم والدين، لأن السياسة عنده أحد المصادر الكبرى للقيم الأخلاقية. ويبدو أن هذا التداخل بين السياسة والأخلاق متجذّر لدى الإنسان بصورة أكبر مما تشي به الفلسفات الأخلاقية والسياسية، بل لولاا هذه الرابطة بين الأخلاق والسياسة لربما أصبح من المتعذر تفسير ثورات الربيع العربي، بوصفها ثورات ذات دوافع أخلاقية، في جانب منها على أقل تقدير (يرى يوشيهيرو فرانسيس فوكوياما  Fukuyama Francis Yoshihiro أن سبب تلك الثورات يكمن في "التعطش إلى الكرامة" بالدرجة الأولى). لاا ننوي الدخول في المناقشات الفلسفية المستمرة منذ زمن بعيد حول أيّ المجالين أوسع من الآخر، وفي

التساؤل حول تبعية الأخلاق للسياسة أم تبعية السياسة لأخلاق، بل نكتفي بالتسليم بما يسميه بول ريكور Ricœur Paul (2005–1913) نظرية تقاطع المج لاات التي تبيّن أن هناك علاقة تداخل ما بين الأخلاق

والسياسة، من دون الدخول في مسألتي الأولوية ولااتساع. ما  يُراد تأكيده هنا، بما يتفق وريكور، أن

التركيز على التقاطع بين الأخلاق والسياسة يجعل المرء مشاركًا في المسؤولية لااجتماعية أكثر من التركيز

على لااختلاف بين المجالين، وهو اختلاف يرى أن الأخلاق في وادٍ والسياسة في وادٍ آخر. وقبل أن نبدأ في تحليل العلاقة بين الأخلاق والسياسة، لاا بد من تحديد مفهوم السياسة في دراستنا التي لاا تهتم بمفهومها الضيق (نيكولو دي برناردو دي مكيافيلي Machiavelli dei Bernardo di Niccolò (1527–1469)، وكتب الآداب السلطانية... إلخ)، من حيث هي صراع ومؤامرات من أجل لااستئثار

(((هيلاري بتنام، العقل والصدق والتاريخ، ترجمة حيدر حاج إسماعيل، مراجعة هيثم غالب الناهي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2012)، ص 208. وتقول نظرية بتنام إن المفاهيم الأخلاقية يتداخل فيها ما هو وصفي مع ما هو معياري، "لأن فكرة الصدق (الحقيقة) ذاتها تعتمد، لصالح مضمونها، على المعايير التي لدينا عن المقبولية العقلانية، وهذه المعايير تعتمد، بدورها على قيمنا وتفترضها". المرجع نفسه،.330 (((برتراند راسل، المجتمع البشري: في الأخلاق والسياسة، ترجمة عبد  الكريم أحمد، مراجعة حسن محمود (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1960)، ص.19 (((فرانسيس فوكوياما، الإسلام، الحداثة والربيع العربي، حوار رضوان زيادة، ترجمة حازم نهار (الدار  البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2015)، ص.269 (((بول ريكور، "الأخلاق والسياسة"، ترجمة عبد  الحي أزرقان، مدارات فلسفية، العدد  6 (2001)، ص.119 (((المرجع نفسه، ص.130

بالحكم أو ميدان للكذب وقلة الأخلاق، وغير ذلك من أفكار شائعة عن السياسة في الثقافة السياسية العالمية عمومًا والعربية المعاصرة خصوصًا، بل ستأخذ بالمفهوم الأوسع للسياسة، من حيث هي

تفكير في العدالة والمساواة، وفي كيفية بناء مجتمع يوازن بين مصالح مختلف فئاته وحقوقها الثقافية والسياسية، وتكوين علاقة بين لااقتصاد والدين والأخلاق في الفضاء العام. تعدّ العلاقة بين الأخلاق والسياسة من أعقد الإشكاليات التي تناولها الفلاسفة في مختلف العصور منذ أيام أفلاطون وأرسطو اللذين عدّا "العدالة" (وهي قضية سياسية) مسألة أخلاقية وفضيلة. وعلى الرغم من فصل هنري سيدجويك (1900–1838) بين الأخلاق والسياسة، من ناحية أن الأخلاق تهدف إلى تحديد ما يجب أن يفعله الفرد، في حين تهدف السياسة إلى تحديد ما يجب أن تفعله الحكومة، الأمر الذي قد يجعل السياسة فرعًا من فروع الأخلاق، لأن الحكومات تتألف في النهاية من أفراد عليهم أن يسوّغوا تصرفاتهم على أساس مبادئ أخلاقية، فإنه يقيم العلاقة بين الأخلاق والسياسة

عن طريق القانون الذي تضعه الحكومة من حيث إن على القوانين، بوصفها أداة قسرية لتنظيم السلوك بين المواطنين، أن تكون على وئام مع الأخلاق. أما أهم من نظّر لفصل السياسة عن الأخلاق فهو مكيافيلي الذي تحولت السياسة عنده إلى مجموعة من الأساليب ولااستراتيجيات والخطط العملية التي لاا تعنيها الأخلاق في شيء، على الرغم من أنه كان يريد من أمراء إيطاليا في القرن السادس عشر أن يحرّروا وطنه ويوحدوا شعبه ويحفظوا كرامته. ويعود فصل مكيافيلي بين السياسة والأخلاق إلى

أنه اهتم بالسياسة بوصفها مرتبطة بالوصول إلى السلطة والمحافظ عليها أوالً، وإلى اعتقاده أن الناس أشرار ولاا يُحكَمون إلاا بالقوة والخوف ثانيًا، وإلى أنه قدّم تعاليمه السياسية اللاأخلاقية بوصفها تعاليم

تصلح فقط لمرحلة مؤقتة (ظرف استثنائي)؛ أي إلى حين تحقيق الوحدة والتحرر من المستعمر ثالثًا، أو ما أسماه "القضية العادلة". فهو يعترف في النهاية بأن النظام الأفضل هو النظام الجمهوري الذي يراعي قضايا العدالة والحرية والخير العام أكثر من الإمارات المطلقة التي كانت منتشرة في أيامه. تركّز الدراسة على مفهوم "الأخلاق السياسية"؛ أي القضايا السياسية ذات البعد الأخلاقي، أو القضايا الأخلاقية ذات البعد السياسي ولااجتماعي، بحيث لاا تتناول الأخلاق بوصفها أخلاقًا للفرد فحسب – عرضًا – بل بوصفها أخلاق الفرد الذي يعيش حياته لااجتماعية وينظّم علاقاته بالسلطة والمجتمع  إلاا

(((يشتكي حسن صعب من انتشار مفهوم سلبي عن السياسة في الثقافة العربية، حتى بين أوساط المثقفين والعلماء، إلى درجة أن محمد عبده ومفكرين آخرين كانوا يصفونها بأنها تفسد الإنسان وما إلى ذلك. يرجع صعب مثل تلك الأحكام إلى أن الثقافة العربية ما زالت في قسم كبير منها تنظر إلى السياسة بوصفها فقط أساليب في الحكم والإدارة والمؤامرات على الطريقة المكيافيلية. ينظر:

حسن صعب، مقدمة لدراسة علم السياسة (بيروت: منشورات المكتب التجاري، 1961)، ص 14–11. يُذكر أن مثل هذه النظرة

السلبية إلى السياسة بقيت إلى اليوم، لأن السلطات السياسية في المنطقة تفضّل ألاا يتعامل الناس بالسياسة، ولذلك نجدها تعمل

على نشر هذه النظرة اللاأخلاقية إلى السياسة أوالً، وعلى تخويفهم منها ثانيًا. ينظر: رشيد الحاج صالح، الوجه السياسي للثقافة

العربية المعاصرة (بيروت: الدار  العربية للعلوم ناشرون،.)2012 (((أرسطوطاليس، علم الأخلاق إلى نيقوماخوس، ترجمة أحمد لطفي السيد، ج  1 (القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية، 1924)، ص.172

(10) Henry Sidgwick, The Methods of Ethics (New York: Jonathan Bennett, 2017), pp. 7–8.

(1((نيقولاا  مكيافيلي، الأمير، ترجمة أكرم مؤمن (القاهرة: ابن  سينا، 2004)، ص.125

والأقران. ويعد ألكسيس دي توكفيل Tocqueville de Alexis (1859–1805) من أهم من استخدم مصطلح "الأخلاق السياسية" في كتابه الديمقراطية في أميركا، ويقصد به "طائفة من الآراء والعواطف" لشعب معيّن، مما يتعلق بمجمل الحياة السياسية، من مثل مواقف الناس بشأن الديمقراطية والمساواة

والعدالة، وعلاقة الدين بالديمقراطية، والأخلاق بالسياسة، وآرائهم حول الثورات، وعلاقة القيم الفردية بقيم المجتمع، والديمقراطية بالفلسفة، وتقييماتهم بشأن أدوار السلطة السياسية وتكوينها، إضافةً إلى سلوكياتهم المتعلقة بحرّية الصحافة وتحصيل المنافع والعلاقات لااجتماعية ولااقتصادية، وقضايا

أخرى تتعلق بمختلف الجوانب السياسية والأخلاقية في المجتمع. يضاف إلى ذلك أن مصطلح الأخلاق السياسية قريب من مصطلح "الثقافة السياسية" الذي نحته غابرييل ألموند Almond Gabriel (2002–1911)، ويقصد به "التوجهات السياسية والمواقف تجاه النظام السياسي، بمؤسساته المختلفة، والمواقف تجاه دور الذات في النظام [...] إنها مجموعة من التوجهات نحو مجموعة خاصة من الأشياء والعمليات لااجتماعية ". أما  الدراسة، فإنها تعتمد مصطلح "الأخلاق السياسية"، لأنها تركز على علاقة الأخلاق بالسياسة في الثقافة العربية المعاصرة؛ أي القضايا المشتركة والمتداخلة بين الأخلاق والسياسة، من قبيل قضايا العدالة والمساواة والديمقراطية، والعلاقة بين الأخلاق والدين، والأخلاق والقانون، ومواقف الناس العاديين من تلك القضايا، إضافةً إلى التسويغات الأخلاقية لقضايا سياسية، من قبيل أن سبب التراجع الحضاري العربي يكمن في تراجع الأخلاق، أو أن الإسلام لاا يتلاءم مع الديمقراطية، أو أسباب لاانتشار الواسع لمقولة "كما تكونوا يولى عليكم"، أو تراجع اهتمام عرب اليوم بالأيديولوجيا، وكذلك التغيرات في مواقفهم من علاقة الدين بالسياسة، ومن علاقة القيم الفردية بالقيم لااجتماعية.

1(((ألكسيس دي توكفيل، الديمقراطية في أمريكا، ترجمة أمير مرسي قنديل (القاهرة: عالم الكتب، [د. ت.])، ص.377 (1((يذكر أن هناك عددًا من كتب التراث عن الآداب السلطانية تناولت جانبيًا قضايا الأخلاق السياسية، مركّزة على نصح الأمراء

في كيفية إدارة البلاد والتعامل مع الشؤون العامة ومتطلبات المُلك، على الطريقة المكيافيلية، حتى إن كتاب الأمير لمكيافيلي يمكن

اعتباره استمرارًا لتقليد عريق لذلك النوع من الكتب العربية، ما  يسمح لنا بالقول إن موضوعات الأخلاق السياسية كان مفكَّرًا فيها

في التراث، وإن كان على نحو باهت يناسب تلك العصور عمومًا. أما المصطلحات المتداولة في تلك الفترة والقريبة، إلى حد ما،

من الأخلاق السياسية، فهي: "الحكمة السياسية العملية"، و"الفلسفة السياسية العملية"، و"نصائح الملوك" و"مرايا الأمراء". أما موضوعاتها – وفق محمد أحمد دمج – فهي: الفضائل في المجتمع، وقواعد المنافع، والحكمة السياسية، وآداب السلوك العام،

وأخلاق القضاة، والسياسة الأهلية، وقضايا لااجتماع ولااقتصاد والسياسة المدنية. ينظر: محمد أحمد دمج، مرايا الأمراء والحكمة

السياسية والأخلاق والتعاملية في الفكر الإسلامي الوسيط (بيروت: مؤسسة بحسون للنشر والتوزيع؛ دار  المنال، 1994). وتبقى

مقدمة ابن  خلدونالكتاب الأهم القريب إلى الأخلاق السياسية في التراث العربي.

(14) Gabriel A. Almond & S. Verba, The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy in Five Nations (London: Sage Pubications, 1989), p. 12.

أما  في الكتابات العربية فهناك تناول دقيق لمفهوم الثقافة السياسية لدى: عزمي بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية

وتطبيقية مقارنة (الدوحة / بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، 2020). وقد خصصت دورية تبينعددًا عن "الثقافة

السياسية المعاصرة"، ينظر: تبين، مج  12، العدد 45 (تموز/ يوليو 2023)، شوهد في 2023/9/6، في: https://2u.pw/VYN1ade (1((يذكر أن هذه المقولة انتشرت بوصفها حديثًا ضعيفًا عن النبي الكريم، ومع ذلك نجدها واسعة لاانتشار حتى اليوم، على الرغم من انتشار وسائل العلم الحديث والثورة المعلوماتية التي تسهل عملية الكشف عن الأحاديث الضعيفة أو المنحولة. ومن الذين حكموا بضعفه المحدّث الكبير محمد ناصر الدين الألباني. في: "هل صح حديث، كما تكونوا يولى عليكم؟ الألباني"، قناة

الألباني، يوتيوب، 2019/8/30، شوهد في 2023/9/6، في: https://2u.pw/EcvtT4c

عمومًا، تعود إشكالية العلاقة بين الأخلاق والسياسة إلى قضيتين رئيستين، ستوليهما الدراسة اهتمامًا

أكثر من غيرهما، هما: أوالً، فهم السياسة بوصفها ذات غايات أخلاقية كبرى، من مثل الخير العام والعدالة والسعادة، مثلما هي الحال في الفلسفة اليونانية، عندما حصرت غاية السياسة في تحقيق السعادة. ثانيًا، الإعلاء من شأن أخلاق الطاعة، لتسويغ غايات سياسية تتعلق بعقلنة السلطة لااستبدادية،

مثلما هي الحال عند توماس هوبز Hobbes Thomas (1679–1588) الذي أكد وجوب أن يطيع الناس حاكمهم ويُخضعوا "إرادتهم لإرادته، وأحكامهم لحكمه"، لئلا  يتسنى للحاكم حمايتهم من الأخطار

الخارجية فحسب، بل لحمايتهم من نفوسهم التواقة إلى لااقتتال فيما بينها أيضًا. وهي فكرة لها صدى واسع في الثقافة العربية الحديثة.

أولا: اختزال السياسة في الأخلاق

قلنا إن أول ارتباك تعانيه النخب الفكرية العربية المعاصرة هو أنها تُلبِس مشكلات عرب اليوم السياسية ولااجتماعية ولااقتصادية ثوبًا أخلاقيًا، وأن هذا الإلباس كثيرًا ما يُخفي أسباب هذه المشكلات، في

لاا حين أن مشكلات السياسة تؤدي دورًا في التراجع الأخلاقي يقل عن الدور الذي تقوم به الأخلاق

في مشكلات السياسة. فمشكلة غالبية تلك النخب أنها تضخّم كثيرًا مكانة الأخلاق في المجتمع أوالً، ولم تربطها بالسياسة

من حيث هي سعي إلى تحقيق العدالة والمساواة ثانيًا، إلى درجة أن محمد عابد الجابري جعل من

أخلاق التراث محرّكًا للتاريخ العربي وقرر أن "المجتمع العربي كان طوال تاريخه المديد – وما زال

إلى اليوم – مجتمعًا قلقًا على مستوى القيم"، بل إنه يُعنون أحد فصول كتابه العقل الأخلاقي العربي

ب "في البدء كانت أزمة القيم"، لأنه يعتقد أن الصراعات التي يعيشها المجتمع العربي كانت، في مجملها وستبقى، عبارة عن "أزمات في القيم". ويشاركه الإحساس بمركزية المسألة الأخلاقية حسن حنفي (2021–1935)، وطه عبد الرحمن، ووائل حلاق، وزكي نجيب محمود (1993–1905)، وعادل العوا،

وزكريا إبراهيم (1976–1924)، وعبد  الله د (1932–1874)، وعزيز العظمة، وعادل ضاهر، وفهمي راز جدعان، وغيرهم، على الرغم من أن لكل واحد منهم مذهبه الفكري الخاص به. حتى إن جدعان ينتهي في كتبه الأخيرة إلى القول: "لم أكف، ولن أكف، عن تكرار الزعم أن المشكل الأعظم الذي يحكم تلابيب لااجتماع العربي ومفاصله يقع على وجه التحديد في شبكة القيم". وهو مشكل قديم عنده يعود إلى أيام أبي بكر الرازي (311–250 ه/ 923–864 م)، وابن مسكويه (421–320 ه/ 1030–932 م)، بل إننا نسير اليوم إلى "مزيد من فساد القيم". ولذلك، ولمعالجة هذا "الخلل الأخلاقي" المديد،

1(((توماس هوبز، اللفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة، ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب، مراجعة وتقديم رضوان السيد (بيروت: دار الفارابي؛ أبوظبي: مشروع كلمة للترجمة، 2015)، ص.180 1(((محمد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001)، ص.22 (1((المرجع نفسه، ص.57 1(((فهمي جدعان، مرافعات المستقبلات العربية الممكنة (بيروت / القاهرة/ الدار البيضاء: الشبكة العربية لأبحاث والنشر، 2016)، ص.411

يجد جدعان أنه لاا بد من إعادة هيكلة "السلّم" الذي يحكم القيم ويضبطها، هيكلةً تستعين بالفكر الفلسفي الغربي المتمحور حول العدالة والمتوافق مع الثقافة الإسلامية، ما يعني أن الحلول عنده تميل إلى التوفيقية الأخلاقية؛ توفيق بين الحداثة الغربية والتراث الإسلامي أوالً، وتوفيق بين من يؤسسون الأخلاق على الدين وبين من يؤسسون الأخلاق على العقل ثانيًا. غير أن تحويل الأخلاق إلى مسألة مركزية (أو عامل مستقل له عوامل تابعة بلغة علم لااجتماع) أدى إلى ظهور ما يمكن أن نسميه تيار "أخلاق التراث" الذي حوَّل الأزمة الأخلاقية المزعومة إلى

قضية مرتبطة بالتراث، وجعل من التراث مصدرًا شبه وحيد لأخلاق. لقد وجد الجابري أن أخلاق

عرب اليوم ليس لها سوى مصدر واحد هو التراث، مثلما وجد أن أخلاق التراث على عدة نظم: أخلاق الطاعة الآتية من التراث الفارسي، والأخلاق التي تحدد ما الذي يجعل الإنسان سعيدًا، وهي آتية من التراث اليوناني، وأخلاق المروءة العربية الخاصة بالأرستقراطية القبلية وزعمائها الساعين إلى التسيّد، إضافة إلى الأخلاق الصوفية الداعية إلى الزهد وترك الدنيا والسياسة، وأخلاق

"العمل الصالح" المستمدة من القرآن. أما  الأخلاق التي سادت في النهاية، وفق الجابري، وكانت "السلطة الأقوى" في الموروث الثقافي العربي، فهي أخلاق الطاعة التي يقول عنها إنها ما زالت تسيطر "على الدوام إلى الآن"، على الرغم من أنها ليست من أصل الدين الإسلامي، ما  يعني أن الأخلاق العربية اليوم، إذا أوّلنا الجابري، ليس لها علاقة بالوضع السياسي الحالي للعرب، بل

بوضعهم السياسي قبل أكثر من ألف عام. وهذا أمر مستغرب، إذ لماذا يربط الجابري أخلاق عرب اليوم بوضعهم السياسي قبل ألف عام، في حين لاا يربطه بوضعهم السياسي في القرن الحادي والعشرين؟ أما حنفي، على الرغم من مشاركته الجابري في شكواه من أخلاق الطاعة، فإنه يُرجعها إلى التصوف

الذي يدعو "الناس إلى الطاعة؛ طاعة السلطان، والتسليم بالأقدار، نظرًا إلى ما يفرزه من قيم سلبية،

مثل الزهد والقناعة والصبر والرضا والتوكل". يعتقد حنفي أنه من دون التخلص من أخلاق كهذه، "لن يتحرك الشعب ولن تنجح أيّ دعوة للحرية". النقطة الثانية التي يتفق فيها حنفي مع الجابري هي

أن أصل مشكلة الأخلاق السياسية عند عرب اليوم (وهي أخلاق طاعة الملوك ولااستسلام لأوضاع أيًا

كانت)، تعود أيضًا إلى "تراكم طويل عبر ألف عام"، إذ خضعت تلك الأخلاق لسيطرةٍ وتوجيهٍكاملين من أجهزة الدولة الثقافية، من فقهاء ومتصوفة ومفكرين مقربين من السلطة. عمومًا، يعاني حنفي

مشكلة تتمثل في أنه يرغب في تغيير الأخلاق السياسية لعرب اليوم، على الرغم من أن وسائل تغيير

(2((المرجع نفسه، ص 411،.412 (2((الجابري، ص.593 (2((المرجع نفسه، ص.630 2(((حسن حنفي ومحمد عابد الجابري، حوار المشرق والمغرب (بيروت / عمّان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1990)،

ص.62 (2((المرجع نفسه، ص.61

ثقافتهم، من إعلام وجوامع وتعليم وتراث (التي أنشأت أخلاق الطاعة تاريخيًا)، تقع تحت السيطرة

الكاملة للسلطة السياسية غير الراغبة في تغيير أيّ شيء. أما طه عبد الرحمن، وهو من أبرز المدافعين عن تأسيس الأخلاق على الدين، فيحاول أن يبني الأخلاق الإسلامية بعيدًا من السياسة، ولذلك قال بما سماه مبدأ "البعد عن التسييس"، وترك "الرئاسة الدنيوية" كليًا، وهو مبدأ يعدّه عبد الرحمن ركنًا أساسيًا من أركان الأخلاق الإسلامية. وحجّته في

ذلك أن السياسة، إن مورست بصورة مستقلة عن "الممارسة الدينية"، لاا تجلب سوى الصراع والتسلط والنفاق وطلب الشهرة واستعباد الناس بعضهم بعضًا؛ فالأصل عنده أن "تكون أسباب الأخلاق من أسباب الدين، حتى إنه لاا حدود بيّنة مرسومة بينهما"، ولأن "الأخلاق إنما  هي أول الأفعال التي

تصدر عن ملكات الإنسان، تكون أكثر من غيرها تغلغلً في الحقيقة الدينية". يقف وائل حلاق في صف عبد الرحمن، ولاا يشارك الجابري وحنفي تشاؤمهما بشأن أخلاق التراث، ولاا يعدّ هذه الأخلاق سلبية تقوم على الطاعة والخضوع، فعنده الشريعة الإسلامية مصدر الأخلاق، إلى درجة أنه يكاد ينتهي إلى أنه لاا أخلاق خارج الشريعة، بل إن البلدان الإسلامية كانت تعيش حياة أخلاقية منسجمة مع الشريعة الإسلامية حتى أواخر القرن التاسع عشر، إلى أن أتت القوانين الأوروبية لتفرض على المسلمين "قوننة" الشريعة؛ أي تحويلها إلى قانون يُفرض بقوة الدولة، بينما الشريعة كانت

نمط حياة يُمارس برضا المجتمع وتوافقه، الأمر الذي أدى في النهاية إلى زوال "المجتمع الأخلاقي"

الإسلامي. ذلك على الرغم من أن عبد الله دراز يؤكد الطابع "القانوني" لأخلاق القرآنية، واعتمادها على "النظام العقابي في التشريع الإسلامي"، بوصفه أحد الطرق الجزائية الأساسية لإلزام الناس "القانون الأخلاقي" الإسلامي. أهم ميزة في أخلاق التراث يمكننا نحن المعاصرين أن نأخذها من أسلافنا المسلمين – وفق زكي  أما نجيب محمود – فهي "جعل الأسبقية للمبادئ العامة، يتلقاها (الإنسان) وحيًا أو حدسًا أو تقليدًا أو

عرفًا"، وذلك بوصفها مبادئ تسبق النظر إلى الوقائع الأخلاقية الجزئية وتنظّمها. ويعتقد محمود أن

(2((طه عبد  الرحمن، سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية (الدار  البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2000)، ص.212 (2((طه عبد  الرحمن، روح التدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية، ط  2 (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2012)، ص.104–102 (2((عبد  الرحمن، سؤال الأخلاق، ص.25 (2((المرجع نفسه. 2(((وائل حلاق، ماهي الشريعة؟ ترجمة طاهرة عامر وطارق عمران (بيروت / الرياض: مركز نماء للبحوث والدراسات، 2016)، ص 103. يذكر أن كلام وائل حلاق هنا قد يكون متأثرًا بدرجة كبيرة بنقد كلود ليفي شتراوس للحضارة الأوروبية ودورها في تلويث

المجتمعات الفطرية أو البدائية، مثلما هو متأثر بالنقد المتزايد الذي قدّمه الفكر ما بعد الكولونيالي وإدوارد سعيد عمومًا لحداثتها،

ولاا سيما أنه يشير إلى بعض تلك الأسماء في كتبه. (3((محمد عبد  الله دراز، دستور الأخلاق في القرآن، ترجمة وتعليق عبد  الصبور شاهين، مراجعة محمد السيد بدوي (القاهرة: مؤسسة الرسالة، 1950)، ص.262 3(((زكي نجيب محمود، قيم من التراث (لندن: مؤسسة هنداوي، 2021)، ص.12

هذا المنهج لااستنتاجي ساد لدى المسلمين واليونان، وأنه درس من دروس التراث الأخلاقي الرائعة. وحتى لو قال أحدهم إن هذا المبدأ النازل أخذه المسلمون من اليونان، فإن محمود يؤكد أن سبب أخذ المسلمين له هو أنه "متطابق أشد التطابق مع الشريعة الإسلامية". وعلى ذلك، إذا سُئل المسلم: كيف

تعرف أن هذا الفعل فضيلة؟ لكان جوابه لأنه "متفق" مع ما أُنزل وحيًا. وعلى ذلك، يكون محمود

قد أبطل عدة ثنائيات في الفكر الأخلاقي العربي: الأولى، ثنائية أو تقابل الأخلاق الإسلامية والأخلاق اليونانية أو أيّ أخلاق أخرى، غربية كانت أم شرقية؛ فالأخلاق تقام على المبادئ التي يستخلصها كل

شعب بالطريقة الملائمة له من أعرافه أو فلسفته أو دينه. والثانية، أن أخلاق التراث ليست سلبية أو إيجابية، بل هي مسألة عقلية محايدة ترتبط بالعقل عمومًا. والثالثة، أنه أوجد ما يسمّيه الحل الوسط بين

أخلاق العالم الحديث وأخلاق التراث، ويتمثل هذا الحل الوسط عنده بأن نأخذ المبادئ من التراث، ولكن نأخذها بروح حداثية تعتمد على "خبرات" العصر الحديث، ف "التكافل" يُعدّ من القيم الكبرى

في التراث، ولكن أساليب تطبيقه وظروفها (التأمين لااجتماعي الحديث مثلً) قد تُستمد من طرق المجتمعات الحديثة في الحياة. وفي المقابل، يذهب عادل العوا (أستاذ فلسفة الأخلاق المعروف في جامعة دمشق) إلى أن الأخلاق لاا تُقام بطريقة زكي نجيب محمود المنطقية (تطبيق المبادئ الكلية على الح لاات الجزئية)، لأنها ذات جانب مشخص وجودي، وليست موضوعية كما تقول الوضعية المنطقية. فالأساس في الأخلاق عند العوا هو "أخلاق المرء" ووجوده الفردي، من دون التقليل من الأخلاق بوصفها "مسألة تنظيم الحياة تنظيمًا عمليًا، وتسعى إلى تبيان مغزى التجربة الإنسانية". وعلى الرغم من اشتراك العوا وطه

عبد الرحمن في النظر إلى أخلاق التراث نظرة مثالية بعيدة عن السياسة وصراعات المجتمع، فإن العوا لاا يرى أهمية للنظريات الميتافيزيقية في الأخلاق، لأن "رسالة الفيلسوف في الوقت الحاضر إنما هي أن ينزل الأخلاق من السماء إلى الأرض". فالعوا يشتكي، مستعينًا بنيتشه، من أن الإنسان الذي

ينظّر له إيمانويل كانط Kant Immanuel (1804–1724)، وأفلاطون أخلاقيًا، إنسانٌ ليس من دم ولحم

ولاا يعيش في زمان محدد، بل إنه يعيش خارج العالم. وعلى الرغم من أن العوا ربما يكون صاحب أغزر إنتاج عربي في قضايا الأخلاق، إذ ألف وترجم نحو سبعين كتابًا حول فلسفة الأخلاق، فإننا

لاا نعثر على نظرية له حول التعامل مع أخلاق التراث. اقتصر العوا على محاولاات جزئية غير مكتملة، ففي كتابه معالم الكرامة في الفكر العربي، حاول تتبّع مفهوم الكرامة عند العرب ليجد أن شعورهم

تاريخيًا بالكرامة مرتفع وأنهم كثيرو لااعتزاز "بمناقبهم الأصلية ومزاياهم العريقة"، وإن دخلوا القرن

العشرين حيث لاا كرامة ولاا عهد يستطيعون الدفاع عنه. وهذا أمر مستغرب من كاتبٍ يُعدّ من أهم

(3((المرجع نفسه. (3((المرجع نفسه. 3(((زكي نجي محمود، في تحديث الثقافة العربية (لندن: مؤسسة هنداوي، 2022)، ص.293 3(((عادل العوا، القيمة الأخلاقية (دمشق: جامعة دمشق، 1960)، ص.13 (3((المرجع نفسه، ص.17 3(((عادل العوا، معالم الكرامة في الفكر العربي (دمشق: مطبعة الأمل، 1969)، ص.202

كتّاب العرب في الأخلاق، غير أنه من الواضح أن نزعته الوجودية لم تدفعه إلى لااهتمام أكثر بقضايا

الأخلاق بوصفها قضايا تتعلق بالموقف من الدين والسياسة، على الرغم من المواقف السياسية الشهيرة لعدد من الفلاسفة الوجوديين الفرنسيين، ولاا سيما جان بول سارتر. أما زكريا إبراهيم فيعُدّ العودة الأخيرة لأخلاق الفضيلة إلى الساحة الفلسفية العالمية دليلً قاطعًا على

أن "المشكلة الخلقية تمثل في الحقيقة جوهر التساؤل الفلسفي". وتعود أهمية الأخلاق عنده إلى أنها "ملتقى النظر والعمل، أو الفكر والإرادة. ولذلك، نجده يشن هجومًا واسعًا على الفلسفات

الأخلاقية المثالية التي حصرت التفكير الأخلاقي في التأمل الروحي الذي تنتج منه دزينات متراكمة من المفاهيم النظرية الأخلاقية الجوفاء أوالً، ومحاولة استخراج الأخلاق من الميتافيزيقا ثانيًا. فالأخلاق

عنده عملية أكثر مما هي نظرية، وليست مهتمة بوصف الواقع (العلم)، بل بتغييره عن طريق الإرادة، إذ من "شأن الإرادة أن تشعر بذاتها دائمًا كقوة متعالية على المجرى الخارجي لأحداث، ما دام من

شأن هذه الأحداث أن تتغير تحت تأثير تدخل الإرادة". وهذا ما  جعله ينظر إلى الأخلاق على أنها نوع من لااحتجاج على الحاضر الناقص أو عدم كفايته، وإلاا فإنها بلا قيمة. النقطة الثانية المهمة عند إبراهيم هي ربطه الأخلاق بالمجتمع وليس بالتراث، من منطلق أن أهم مصدر لأخلاق هو صراعات المجتمع، مُجاريًا بذلك إميل دوركايم Durkheim Émile (1917–1858)، وهو الأمر الذي جعله

يضخّم من الأخلاق بوصفها إرادة المجتمع على حساب إرادة الفرد. وفي كل الأحوال، يشارك إبراهيم جماعة أخلاق التراث مقولة إن الحل يبدأ من الأخلاق، وليس من لااقتصاد مثل (لاا يأتي على ذكر السياسة مطلقًا)، ويرفض عدّ "التفكير في الأخلاق مجرد ترف فكري لاا موضع له في عهد الأزمات". غير أن هذا التمركز حول المسألة الأخلاقية أدى إلى تكثيف غير عادي للحديث عمّا بات يُعرف في

الفكر العربي المعاصر ب "أزمة الأخلاق" وربطها بالتراث، حتى إن البحوث والكتب التي تتحدث عن أزمة الأخلاق بوصفها أزمة تراث، وتحويل العلاقة بين الأخلاق والتراث إلى علاقة هوية ومسألة وجود، تكاد تسيطر على النشر في الشأن الثقافي العربي (وحتى لااستشراقي). ومن أهم نتائج انتشار مصطلح: "أزمة الأخلاق" اختزال المجتمع العربي والسياسة والحياة كلها في الجانب الأخلاقي، بحيث لم تعُد تُفهم المجتمعات العربية إلاا  من زاوية أخلاقية، إلى درجة أن حلاق في كتابه الدولة

المستحيلة ينتهي إلى أن الأزمة في مجتمعاتنا هي أزمة أخلاقية، وأن حل هذه الأزمة هو ما  يُفضي

3(((زكريا إبراهيم، المشكلة الخلقية (القاهرة: مكتبة مصر، 1967)، ص.253 (3((المرجع نفسه. (4((المرجع نفسه، ص.254 (4((المرجع نفسه، ص.7 (4((من هذه الكتب التي جعلت من الأخلاق مشكلة تعود إلى التراث نذكر على سبيل المثال: القسم الأكبر من كتب حسن حنفي،

وطيب تيزيني، وفهمي جدعان، وجورج طرابيشي، ومحمد أركون، وحسين مروة، وهادي العلوي. إضافة إلى كتب: نقد التراث

لعبد  الإله بلقزيز، وفي التراث والتجاوز لعلي أومليل، والتراث وإشكالياته الكبرى: نحو وعي جديد بأزمتنا الحضارية لجاسم

سلطان، ونظرة جديدة إلى التراثلمحمد عمارة، والتأويل الحداثي للتراثلإبراهيم السكران، وكتاب التراث والعلمانية لعبد  الكريم

سروش، و  التراث وتحديات العصر لعبدالله النفيسي، والأسطورة والتراثلسيد القمني، وكتب كثيرة غيرها لاا  يتسع المكان لذكرها كلها.

إلى حل المشكلات السياسية ولااقتصادية، لأن هذه المشاكل "تنبع" من تلك الأزمة الأخلاقية. ومما يُذكَر أن تمركز هذه التيارات حول التراث وسجنها الأخلاق داخل التراث أنسياها أن تفكر في

إمكانية التغيرات الكبرى أو الثورات، أو استخراج ما تسميه الفلسفة "الممكنات الموجودة في الواقع"، ولو من حيث المبدأ. كذلك، فإن هذا التيار أطاح الفلسفة برمّتها من حيث إن مهمة الفلسفة في النهاية

استخلاص أخلاق العصر الذي تعيش فيه. ننتهي إلى أن تيار أخلاق التراث يعاني ثلاث مشكلات: الأولى، أنه تخيّل الأخلاق في عصور

سابقة كأنها بردايم يهيمن على الحياة العامة اليوم (أخلاق الطاعة الفارسية عند الجابري، وأخلاق التصوف والأشعرية عند حنفي، وأخلاق الشريعة عند حلاق، وأخلاق العقل عند زكي نجيب محمود... إلخ). والثانية، اعتقاده أن العصر الحالي يعاني وجود أخلاق لاا تلائمه أو أنها تساهم في تأزيمه، ولذلك فإن المجتمع العربي مهدد بأن يستمر في "لااأخلاقيته" أو أزمته الأخلاقية، إن لم يأخذ بالنماذج الأخلاقية التي يقترحها مفكرو هذا التيار: أخلاق الشريعة عند حلاق، وأخلاق "النموذج لاائتماني" عند عبد الرحمن، والتخلص من أخلاق الطاعة عند الجابري. والثالثة، وهي موضوع بحثنا، أن نزعة تضخيم أخلاق التراث لأزمة الأخلاقية أدى إلى التمويه على المشكلات السياسية لعرب اليوم، من حيث تدري أو لاا تدري، وإخراجها بوصفها قضايا أخلاقية حساسة كثيرًا

ما تمسّ حتى العقائد الدينية؛ فالمشكلة في النهاية عند تيار أخلاق التراث لاا تتعلق بالسياسة، بل

في فهمنا التراث وتدبّره، أو في تحريره من سلبياته والتركيز على إيجابياته، أو "جعل تراثنا معاصرًا

لنا"، كما  يقول الجابري. وما يزيد الأمر تعقيدًا أن السلطات السياسية عادةً ليست مسؤولة عن أزمات الأخلاق على نحو مباشر، الأمر الذي يجعل من أخلاق التراث طرفًا في ضياع المسؤولية عن مشكلات عرب اليوم السياسية، بل إنها تميل إلى تحميل الناس العاديين المسؤولية، لأن الناس العاديين عادة هم من يلُامون على أزمات

الأخلاق، حتى إن اللغة التي تُصاغ بها "أزمة الأخلاق" تقوم على صيغة المبني للمجهول، بحيث نتحدث عن وصف لأزمة وتداعياتها فحسب، من دون تحديد المسؤول عنها، أو تُبنى بصيغة ال "نحن" الغامضة التي تحمّل الجميع المسؤولية وتلومهم من دون استثناء. يضاف إلى ذلك أن هناك تناقضًا في علاقة الدين بالسياسة لدى تيار أخلاق التراث، لأن تمركزهم حول الأخلاق وإبعادهم السياسة (لاا سيما السياسة المعاصرة) عن الأخلاق هما سياسة في حقيقة الأمر، أو نوع من تسييس الأخلاق أو جعل الأخلاق تحلّ محلّ السياسة في تحمّل مسؤولية مشكلات

المجتمعات العربية، الأمر الذي يخفف كثيرًا من الضغوط على السياسيين ويجعلهم في حلّ من أيّ

مسؤولية تجاه المجتمعات التي يحكمونها.

4(((وائل حلاق، الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي، ترجمة عمرو عثمان (الدوحة / بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، ص.24 (4((الجابري، ص.17

يمكننا هنا أن نستخلص أسطورتين من اختزال الأخلاق في السياسة في الفكر العربي المعاصر: • الأولى: أسطورة الأخلاق الثابتة نقصد بذلك تناول الأخلاق بوصفها قيمًا تميل إلى لااستمرار والثبات وغير معنيّة بالتغيرات في

المجتمع، بل إن المجتمع هو الذي عليه أن يتكيّف مع النظام الأخلاقي المديد؛ أي إن الأخلاق

تبلغ من العراقة والقدم مكانة تجعل من السياسة والمجتمع مجرد تابع لها. لذلك، نجد أن وائل حلاق يرفض التغيرات السياسية (دخول الدولة الحديثة إلى العالم العربي) التي أدت إلى تغيرات في أخلاق المجتمع العربي في بدايات القرن العشرين، والحل عنده يتمثّل في رفض تلك التغيرات السياسية، لتعود الأخلاق العربية الإسلامية إلى سابق عهدها، من دون أن يلحظ أن الأخلاق هي جزء من تلك التغيرات في نهاية الأمر؛ فالفضائل الأخلاقية تابعة للمجتمع والتاريخ، ومتغيرة من زمن إلى آخر، ولاا معنى للحديث عن أخلاق مطلقة عابرة العصور، وفق ما يبيّن ألسدير ماكنتاير Alasdair

MacIntyre في كتابه المشهور بعد الفضيلة، وحتى تشارلز لاارمور Larmore Charles يذهب إلى أن لكل عصر أخلاقه، وأنه مثلما قامت العصور القديمة بتشكيل الأخلاق القديمة، فإن الحداثة هي التي قامت "بتشكيل تفكيرنا الأخلاقي بطريقة أساسية"، في العصر الحديث. ويذهب تشارلز مارغريف تايلور Taylor Margrave Charles إلى أن هناك ما يسميه ب "النظام الأخلاقي" الذي ينشأ في كل عصر من العصور. أما  أخلاق التراث، فلا ترى أن الأخلاق في نهاية الأمر "نسبية"، وتختلف من زمان إلى آخر ومن مكان إلى آخر، أو "تعددية" تراعي اختلاف البشر وتنوعهم في التعامل مع مفهوم الخير، ولذلك تجدها تكو ن نماذج أخلاقية ثابتة ونهائية، بحيث تفسّر التغيرات في المجتمعات

بأنها انحراف عن ذلك النموذج، ولاا بد من إعادة المجتمع إلى ذلك النموذج حتى تتحقق الأخلاق، سواء أكانت أخلاقًا تراثية أم أخلاقًا صوفية أم أخلاقًا تستند إلى ممارسات الفقهاء للتشريع في عصور محددة. هذا يعني وضع الأخلاق فوق السياسة أو قبل السياسة، من حيث إن السياسة تتشكل وتعمل وتتبع تلك النماذج الأخلاقية الطويلة الأمد، ما يؤدي إلى طمر السياسة في الأخلاق، وهو طمر تستفيد منه، كما ذكرنا قبل قليل، كل سلطة تريد أن تبرّئ أو تحيّد نفسها من مشكلات المجتمع وهمومه. • الثانية: أسطورة أن "الناس مسؤولون عن الأزمة الأخلاقية" أكثر من يلحّ على هذه السردية هو الإسلام الدعوي والرسمي، إضافةً إلى نخب فكرية ذات نزعة

تطهّرية كثيرًا ما تجعل من الناس العاديين السبب الرئيس للمشكلات كلها. لعل هذا ما يفسّر قلب

تلك الفئات التفكير الأخلاقي من التفكير في كيفية تحقيق العدالة والمساواة في المجتمع إلى سيل

4(((ألسدير ماكنتاير، بعد الفضيلة: بحث في النظرية الأخلاقية، ترجمة حيدر حاج إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2013)، ص.70 (4((تشارلز لاارمور، أخلاق الحداثة، ترجمة مايكل مدحت يوسف (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2022)، ص.30 4(((تشارلز تايلر، منابع الذات: تكوين الهُويَّة الحديثة، ترجمة حيدر حاج إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2014)،

ص.42

هائل من المواعظ والتوجيهات الوصائية. وضمن هذا السياق، يتصدر المشهد الثقافي الدعوي مقولة: "كما تكونوا يولى عليكم". تعد هذه الأسطورة من مخلّفات الثقافة التراتبية التي تنتمي إلى ما قبل عصر الحداثة، حيث يحمّل الناس العاديون من الفئات المجتمعية الدنيا (وليس السلطة السياسية

أو الدينية) السبب في أنواع الشرور والمصائب والتراجع الأخلاقي، بينما تُبرَّأ الفئات العليا من تلك

الشرور. لذلك، نجد أن أخلاق المروءة عند الجابري خاصة بأسياد العرب ووجهائهم، لاا العوام منهم. مثلما  لا يفسّر عادل العوا تراجع اهتمام العرب بالكرامة إلاا بالعودة إلى الناس أنفسهم. أما طه

عبد الرحمن فيؤكد أن إبعاد الناس من السياسة أمر جوهري في الأخلاق الإسلامية، على الرغم من أن السياسة الحديثة مرتبطة بالناس العاديين بوصفهم شركاء فيها، وحتى فرنسا القرن الثامن عشر كانت تنظر إلى الفقراء على أنهم "أشرار" أو لااأخلاقيون ومصدر خطر أخلاقي على المجتمع، وفق ما بيّن

ميشيل فوكو Foucault Michel (1984–1926) بحرفية عالية. على هذا المنوال، عزفت نخب ثقافية عربية واسعة وحمّلت عرب اليوم مسؤولية التراجع الأخلاقي

المزعوم، حتى إنه يمكن رصد خطاب واسع لاانتشار من قِبَل الرؤساء العرب يصفون فيه مواطني

دولهم بأنهم مبذّرون أو كسالى، وأنهم السبب في انتشار الرشوة والتسيب والفساد، وأنهم لم يرتقوا إلى المستوى الحضاري والأخلاقي المطلوب. أما الدعاة، فيكثرون من وصف العربي بصفات أخلاقية فردية غير حميدة، ويشتكون دائمًا من تراجع التراحم والوفاء وانحدار قيم الصدق والأمانة وبر الوالدين

بين الناس، حتى إنهم يُرجعون التراجع الأخلاقي والحضاري في المجتمع إلى تلك الأخلاق الفردية

غير الحميدة، في عملية فصل واضحة بين أخلاق الناس وأوضاعهم السياسية وظروفهم لااقتصادية. وهناك خطاب إسلامي انتشر بعد عام 2016 يُرجع فشل الثورة السورية إلى أن السوريين "لااأخلاقيون"

ولاا يحبّ بعضهم بعضًا، أو أنهم متهاونون في واجباتهم الدينية، فعاقبهم الله على ذلك التهاون. وعلى

العموم، هناك خطاب واسع لاانتشار في الثقافة العربية يحاول توجيه الثقافة الشعبية لتحميل أخلاق الناس العاديين مسؤولية أيّ مشكلة تظهر في المجتمع. يذكر أن ثقافة ما قبل عصر الحداثة كانت،

بصورة عامة، تنظر هكذا إلى الناس العاديين، غير أنه مع عصر الحداثة تغيرت الصورة كثيرًا، وبات

الإنسان الفرد يحظى باحترام كبير، بغضّ النظر عن أصله أو طبقته أو وضعه لااجتماعي؛ الأمر الذي أدى إلى تراجع أخلاق الشرف والفروسية لصالح أخلاق المساواة والعدالة. على ذلك، يمكننا وصف أخلاق التراث بأنها أخلاق ليست حداثية، من حيث إنها بقيت تدور في فلك تراتبية العصور الوسطى، ولاا تعطي الإنسان العادي المكانة التي حازها في الحداثة السياسية.

ثانيًا: الأخلاق والتراث والحداثة

قلنا إن لاارتباك الثاني في الفكر العربي المعاصر يتمثل في لااعتقاد أن هناك أزمة في العلاقة بين ثلاثي الأخلاق والتراث والحداثة، ومفادها أن أخلاق عرب اليوم عليها أن تختار بين التراث والحداثة، وأن

4(((ميشيل فوكو، تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، ترجمة سعيد بنكراد (الدار  البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2006)، ص.88–67

هناك تعارضًا كاملً بين الخيارين، وليس هناك من خيار آخر، طبعًا مع وجود تنويعات أخرى تحاول التوفيق بين التراث والحداثة. سنقتصر في هذا المحور على تصورات مختلف التيارات الأخلاقية العربية للحداثة الغربية، وهي مواقف تضخّم العداء بين عصري الحداثة والتنوير الغربيّين وبين الدين،

سواء عند المفكرين العرب الرافضين للحداثة الغربية أم عند المتحمسين لها. فيما يخص الرافضين، نجد أن تيار أخلاق التراث يرى أن على العرب أخذ أخلاقهم من تراثهم وشريعتهم ومذاهبهم الدينية لاا من الأخلاق الغربية، لأنه يرى أن هناك تعارضًا بينهما، إلى درجة أن الحداثة من طينة مختلفة كليًا

عن تراثنا. يُعد كل من حلاق وعبد الرحمن وعبد الوهاب المسيري (2008–1938) وحنفي، من أكبر

ممثلي هذا التيار، ويُعد نقد أخلاق الحداثة واتهامها بالمادية والشهوانية والعنف ولاانحلال الأسري

والفردانية المفرطة وتشييء الإنسان وتضخم النزعة لااستهلاكية، من أهم النقاط التي يسجلها هؤلااء على الحداثة، حتى إن حلاق يرى أن الحداثة تعاني "مأزقًا أخلاقيًا" يتمثل فيما يسميه "مشكلات الحداثة

الأخلاقية" التي تتلخص في أن الدولة الحديثة، وهي ظاهرة حداثية أوروبية، هي سبب الشرور كلها، فالدولة باختصار: "مشروع الدمار ". هذا الدمار ناتج من أن الدولة أصبحت كائنًا لااأخلاقيًّا،

عندما فصلت بين الأخلاق وباقي مج لاات الحياة، من اقتصاد وعلم وقانون وما إلى ذلك، من جهة، مثلما استبدلت منذ عصر التنوير على نحو خاص "الأخلاق المحلية والعرفية والتقليدية وكل أشكال الإيمان المتعالي، بأخلاق نقدية عقلانية قدمت كأساس لحضارة كونية"، من جهة أخرى. يشاركه عبد الرحمن هذه النظرة بتأكيده أن أخلاق الحداثة غارقة في الماديات والشهوانيات والفردانية المفرطة، وأنها "تدهرنت"؛ أي فصلت الأخلاق عن الدين، وتعلمنت؛ أي فصلت السياسة عن الدين منذ أيام هوبز وعصر التنوير، من دون أن ننسى المسيري الذي يشتكي من تحول دولة الحداثة الغربية إلى نوع من "المرجعية الأخلاقية" للمجتمع وكل شيء، على الرغم من أنها كائن مادي يتعامل مع البشر بوصفهم أرقامًا، والأسرة بوصفها مدجنة، والإنسان بوصفه كائنًا بيولوجيًا لاا أكثر. أما التيار المتحمس للحداثة، فيرى أن علينا الأخذ بالحداثة السياسية والأخلاقية، إن أردنا اللحاق بالركب الحضاري، ويُعد كل من طه حسين (1973–1889) والعظمة وجورج طرابيشي (2016–1939)

وعادل ضاهر وعدد من مناصري الليبرالية والماركسية من الممثلين الرئيسين لهذا التيار. تتمثل أطروحة لاا هذا التيار في أن للحداثة أدواتها ومبادئها العلمانية والعقلانية التي بد من أخذها بصورة كاملة حتى تتحقق عندنا، وأن التراث قد انتهى دوره وعلينا نسيانه، بل لاا بد من التصدي لما فيه من عناصر

(4((حلاق، ص.26 ((5(المرجع نفسه، ص.34 ((5(المرجع نفسه، ص.35 ((5(المرجع نفسه، ص.36 ((5(المرجع نفسه، ص.40 ((5(طه عبد  الرحمن، بؤس الدهرانية: النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين (بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر، 2014)، ص.29 ((5(عبد  الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، ج  1 (القاهرة: دار الشروق، 2002)، ص.308

لااعقلانية، فضلً عن ثقافته الساعية للهيمنة. فالنزعة التراثية – عند العظمة – ليست أكثر من "زرع وهم

لااستمرار مع ماضٍ انقطع"، ولاا  نهوض من دون علمانية عنده، لأن العلمانية هي الشرط الأساسي للنهوض والديمقراطية. أما  طرابيشي، فيؤكد أنه لاا بد من التوقف عن النظر إلى العلمانية على أنها "إشكالية مستوردة"، والعمل على تجذيرها في الثقافة العربية المعاصرة، وأن التراث المؤدلج هو تراث بلا حقيقة تاريخية". أما ضاهر (أستاذ الفلسفة في الجامعات الأردنية) فلديه موقف مركب من الحداثة الأخلاقية. فهو ينتصر لأخلاق المعيارية، التي تقول إن العقل العملي هو معيار الأخلاق، إلاا أنه يركّز على أن الإنسان كائن اجتماعي أوالً، وأن الأخلاق بالنسبة إلى الإنسان "عنصر مكون لااجتماعيته" ثانيًا، وهو بذلك ينتصر

لأرسطو الذي يرى أن الإنسان لاا يستطيع أن يعيش من دون أخلاق، لأنه كائن اجتماعي قبل أن يكون كائنًا عقلانيًّا. ولذا، نجده لاا يعوّل كثيرًا على أخلاق التراث، وأكثر من ذلك يعتبر أنه لاا بد من إخضاعها

لتحليل عقلي صارم يبعدها عن محاولاات "تسييس الدين" التي يرفضها ضاهر. حتى الفلسفة التي تتحدد عنده في "نقد أخلاقي للمجتمع" تُبيّن لنا أن عرب اليوم يحتاجون أكثر ما  يحتاجون إلى

العلمانية المقامة على أسس فلسفية. فالأصل في الحداثة الغربية عند ضاهر هي العلمانية والعقلانية والنظر إلى الإنسان بوصفه كائنًا اجتماعيًّا يحتاج إلى الأخلاق. غير أن هذا الإلحاح على فهم أخلاق الحداثة (سواء من قِبل الرافضين أم  المناصرين)، بوصفها أخلاقًا على الضد من التراث الديني، يبدو مبالَغًا فيه في الحالتين. فالحداثة الغربية لم تضع اجتثاث الدين والتراث مهمةً محورية لها، مثلما أنها لم تتمركز حول فصل الأخلاق عن الدين، ولاا سيما أن أهم فلاسفة الغرب اليوم، وحتى بعض اللاهوتيين الغربيين، أصبحوا مقتنعين بأن التناقض بين الدين والحداثة ضُخ م كثيرًا في التاريخ الغربي، وإذًا، ليس بالضرورة أن يدفع الفكر العربي الأخلاقي المعاصر ثمن

سردية ذلك التضخيم، خاصةً إن علمنا أن حصر النقاش في ثنائية الدين والحداثة يُفضي إلى تجاهل

الأخلاق، بوصفها تظهر في المجتمع من داخله وفي أثناء تفاعل الناس فيما بينهم، وأن الفلسفات والشرائع الدينية ترافق الأخلاق، تحليلً وفهمًا وتنظيمًا وتعديلً أكثر مما تُنشئها. لقد بيّنت دراسات عزمي بشارة وتايلر ولاارمور ويورغن هابرماس Habermas Jürgen وكارل شميت

Schmitt Carl (1985–1888) ونادر هاشمي وغيرهم أن تصوير الحداثة على أنها صراع شرس من أجل اجتثاث الدين من المجتمع والسياسة، وإنشاء الأخلاق بعيدًا من الدين، قد يكون تصويرًا متخيلّ

ومُبالغًا فيه، وهو نوع من السرديات التي لاا بد من مراجعتها، حتى إن أعلام عصر التنوير (القرن الثامن

عشر) الذين عُدّوا أكثر راديكالية في المطالبة بفصل الأخلاق عن الدين تبيّن أنهم كانوا توفيقيين بين

(5((عزيز العظمة، العلمانية من منظور مختلف (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1990)، ص.339–338 (5((جورج طرابيشي، هرطقات 2: عن العلمانية كإشكالية إسلامية – إسلامية (بيروت: دار  الساقي، 2008)، ص.9 (5((جورج طرابيشي، مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة، ط  3 (بيروت: دار الساقي، 2012)، ص.9 (5((عادل ضاهر، الأخلاق والعقل (عمّان: دار  الشروق للنشر والتوزيع، 1990)، ص.37 ((6(المرجع نفسه، ص.12

العقلانية والدين، وبين الأخلاق الوضعية والدين. يبدو أن تغيّر طريقة مقاربة الأخلاق من كونها قيمًا

أعطاها الله لنا، وما علينا سوى طاعتها وفهمها بالطريقة التي يحددها رجال الكنيسة، إلى النظر إلى الإنسان العادي بوصفه هو من عليه أن يتأوّل تلك القيم التي وضعها الله فينا ضهور الضمير، ويطبّقها

بطريقته الخاصة (النتيجة التي انتهى إليها الإصلاح الديني الغربي)، جعل كثيرًا من أصحاب التوجه

المحافظ يبالغون في الأمر، وينظرون إلى الطريقة الجديدة على أنها انقلاب على الدين، في حين أن لاانقلاب كان على هيمنة رجال الدين. وإن عدنا إلى جون لوك Locke John (1704–1632) مثلً، وهو أحد الذين أثّروا كثيرًا في عصر التنوير،

نجد أنه بقي يعتقد أن الله هو الذي وضع القانون الطبيعي، وأن مهمة العقل الإنساني أن يهتدي به ويُدرك أبعاد إرادة الله وماذا يريد من البشر، وأن أصل الأديان يعود إلى أن الإنسان وحده لاا يستطيع

أن يدرك غايات الحياة والخلق، ولذلك أتت الأديان لترشده، على الرغم من أنه، أي لوك، يعطي دورًا

مهمًا للّذة والمنفعة في حياة البشر. يمكننا أن نقول مثل ذلك عن هوبز الذي جعل الضمير مصدرًا

لأخلاق و"غريزة" وضعها الله فينا، في الوقت نفسه. فالضمير عند هوبز مُقام على أساس "إملاءات

العقل" المرسلة، وهي "كلمة الله الذي يملك الحق بإمرة كل الأشياء". يذكر أن شميت وتايلر وهاشمي وعددًا من اللاهوتيين يقولون أكثر من ذلك، لأن الحداثة وعصر التنوير من قبلها هما – وفق سرديتهم – استمرار واضح للإصلاح الديني، وليس على الضد من الدين. وحجّتهم في ذلك أن غالبية المفاهيم الحداثية هي في الأصل مفاهيم دينية، وأن الحداثة يمكن أن

تُفهم أيضًا على أنها مجرد "مسيحية معقلنة"، بل إن شميث يذهب إلى أن الفكر السياسي والأخلاقي الغربي مليء بالمفاهيم ذات المنشأ الديني؛ فالدستور هو تشبّه بالكتب المقدسة، ومحاربة اللاعقلانية

التي تميّز بها عصرا التنوير والحداثة هي امتداد لمحاربة السحر والشعوذة في المسيحية، والبحث عن

قوانين تسيّر الطبيعة هو من تجليات فكرة إرادة الله في العالم، وما التشريع الحديث سوى محاكاة

لمفهوم الشريعة في الأديان، لينتهي إلى أن "مفاهيم النظرية الحديثة للدولة كلها ذات الدلاالة هي مفاهيم لااهوتية معلمنة". ذلك بعكس ما  ذهب إليه عبد الرحمن من أن الحداثة قامت على الفصل بين الأخلاق والدين كليًا والقطع مع عصر الإصلاح الديني، وعلى العكس ما  ذهب إليه طرابيشي

((6(تايلر، ص.358 ((6(هوبز، ص.165 ((6(تايلر، ص.355 (6((كارل شميث، اللاهوت السياسي، ترجمة رانيا الساحلي وياسر الساروط (الدوحة / بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.46–49 ((6(المرجع نفسه، ص 49. يضاف إلى ذلك أن هناك عددًا كبيرًا من الكتب والدراسات تميل إلى مثل هذا التفسير الذي يجعل من

لاا عصرَي التنوير والحداثة امتدادًا لعصر الإصلاح الديني  مناهضَين له كليًا. ومن هذه البحوث نذكر: مايكل ألين جيلسبي، الجذور

اللاهوتية للحداثة، ترجمة فيصل بن  أحمد الفرهود (بيروت: دار جداول، 2019)؛ ينظر: نجيب جورج عوض، "العلمانية واللاهوت:

قراءات لااهوتية وفلسفية معاصرة لعلاقة التنوير والحداثة بالفكر الديني"، تبين، مج  12، العدد 45.)2023(((6(عبد  الرحمن، بؤس الدهرانية، ص.28

وطه حسين أيضًا من ضرورة أن نقطع مع التراث. حتى الهيرمينوطيقا الحديثة والمعاصرة، منذ فريدريك شلايرماخر Schleiermacher Friedrich (1834–1768)، حتى هانز جورج غادامير Hans–Georg Gadamer (2002–1900)، ليست أكثر من محاولاات متلاحقة لعقلنة المسيحية، وجعلها أقرب إلى روح الحداثة، عبر التركيز على دور الذات في تأويل النصوص الدينية ولاالتفات إلى رسالة المسيحية الخلاصية، بعيدًا من المعاني الحرفية للنصوص المؤسسة. في هذا السياق، يبيّن ريكور أن الهيرمينوطيقا

الحديثة في حقيقتها ليست أكثر من تقريب بين إله المسيحية وإله الفلاسفة و"توليد صورة المعنى الإجمالية" للكتب المسيحية واليهودية المقدسة، حتى إن نادر هاشمي يتحدث عن "دور الدين في تطور الديمقراطية الليبرالية في الغرب"، وإمكانية أن يحدث مثل هذا في العالم العربي وإيران (ملخص مشروعه الفكري)، ما يتفق وطريقة جون لوك في تحديث اللاهوت السياسي. يُذكر أن تايلر يجادل أيضًا بأن الدولة العلمانية لم تكن يومًا موجّهة ضد الدين، وأن الشعور

بأن "إرادة الله" موجودة خلف الكون والحياة هو شعور مشترك بين العلمانيين والمتدينين على السواء، وأن العلمانية لم تكن تعني أكثر من أن للبشر الحق (بالتساوي) في التدين وعدم التدين (كل الخيارات مفتوحة)، بل إن العلماني وغير العلماني لاا غنى لهما عن الشعور الداخلي بالدين، لأن الدين هو ما يمنح الناس "الشعور ب لاامتلاء" الذي يحتاج إليه كل إنسان لإضفاء "معنى" على حياته، حتى إن نسبة المتدينين في دولة علمانية عريقة من مثل الولاايات المتحدة الأميركية تبلغ اليوم نحو 90 في المئة. أما بشارة، فيوضّح أن هناك التباسًا واضحًا في فهم العلاقة بين العلمانية والحداثة والدين، ومن

الضروري فهم العلمانية الغربية عبر وضعها في إطار الصراع على السلطة وازدياد قوة الدولة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، لاا في سياق الصراع بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، لأن الصراع الديني – السياسي كان مجرد أداة في حلبة صراع أكبر، وأنه مجرد وسيلة وليس غاية في ذاته، وهو يدور في فلك صراعٍ يسميه بشارة ب "تغلّب منطق الدولة"، في تلك المرحلة من تاريخ أوروبا. وبناء عليه، لاا يمكن التعامل مع ظهور العلمانية في أوروبا إلاا في إطار ربطها بأجواء سياسية كانت ترى "أن المسألة لم تعُد تتعلق بواجب تأسيس الديانة، بل بواجب تأسيس الدولة" وأن تنوع الآراء والعقائد أمر

(6((بول ريكور، من النص إلى الفعل، ترجمة محمد برادة وحسان بورقية (القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية ولااجتماعية، 2001)، ص.92 (6((نادر هاشمي، الإسلام والعلمانية والديمقراطية الليبرالية، ترجمة أسامة غاوجي ومازن أبو  رمان (بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر، 2017)، ص.75

(69) Charles Taylor, A Secular Age (Cambridge, MA: Harvard: The Belknap Press of Harvard University Press, 2007), pp. 13–18.

((7(فرنسوا غوفان، "حوار مع الفيلسوف تشارلز تايلر"، ترجمة عبد  الستار الجامعي، مدارات، العدد  31 (2018)، ص.46 (7((عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج  2، مج 1: العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية (الدوحة / بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.304–303 (7((بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج  2، مج 2: العلمانية ونظريات العلمنة (الدوحة / بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.410

لاا يهدّد الدين والدولة، على أن يكون الولااء للدولة متقدمًا على الولااء للدين أو المذهب، من دون

أن يعني ذلك أيّ توجّه عدائي تجاه المذاهب الدينية بوصفها دينًا. إن سلكنا طريقنا وفق تحليل بشارة إلى نهايته، يمكننا أن نستنتج أن تضخّم مشكلة العلمانية في الفكر العربي المعاصر قد يعود إلى أمرين: الأول أن هذا الفكر غير مقتنع بالدولة العربية من أساسها، ولذلك تجده يقدّم قضية لاانتماء الديني على الدولة، ويقارب مشكلات العربي المعاصر من موقع إشكالية العلمانية التي هي إشكالية زائفة من أساسها، لأن العلمانية متحققة على أرض الواقع العربي منذ عقود، إن فهمنا العلمانية كما هي في التاريخ بعيدًا من سرديات التضخيم؛ أي بوصفها إقامة الدولة ذات الأدوات والمؤسسات المدنية وليس الدينية. أما الأمر الثاني فهو أن أخلاق التراث عمومًا تخشى

العلمانية والحداثة، لأنها تعتقد أنهما ستزيحان الدين من الحياة العامة بصورة كاملة. لذلك، يمكننا القول إنها أخلاق ناتجة من فهم خاطئ ومضلّل للحداثة، أو فهم متصلب يركّز على الأيديولوجيا على حساب السوسيولوجيا، أو يركّز على الكلي لااختزالي على حساب الجزئي اليومي. عمومًا، ننتهي إلى أن هناك مشكلتين تعانيهما تصورات تيار أخلاق التراث: • الأولى، تصورها لأخلاق بوصفها نموذجًا عابرًا للمجتمعات؛ أي إنها تعتقد أن الأخلاق نموذج

مثالي يأتي إلى المجتمع من مكان آخر خارجه (التراث أو الحداثة)، ولذلك فهي تُهمل دراسة المجتمع والإنسان بوصفه هو من يُنشئ أخلاقه، وأن العوامل الأخرى عوامل مؤثرة، ولكنها ليست مُنشئة لأخلاق في نهاية الأمر. وهذا لاا يجعل ذلك التصور يتجاهل السياسة بوصفها من

مصادر الأخلاق فحسب، بل يتجاهل "الحس المشترك" للناس والثقافة السياسية المتداولة أيضًا، وما يتضمنه المجتمع من إمكانات وإكراهات تعيد تشكيل حتى نماذجها المثالية. • الثانية، عدم الربط بين المبادئ والأساليب أو بين النظرية والتطبيق: فهي تصورات لاا  تأتي إلى مسألة كيفية تحقق تلك النماذج النظرية الأخلاقية في أرض الواقع، والمعوقات التي تمنع ذلك، وسبب حياد المجتمع المعاصر في سورية والعراق والمغرب مثلً عن مثل تلك النماذج ومبادئها. إن سبب ذلك بسيط ويعود إلى أنها تقارب الأخلاق عبر نماذج مثالية تتجاهل الواقع الحالي، وفق طريقة أفلاطون عندما بنى عالم المثل غير الواقعي، فالجابري مثلً، على الرغم من أنه يؤكد أن أخلاق الطاعة ظهرت في القرون الأولى من الحضارة الإسلامية بتأثر من الثقافة الفارسية، فإنه لاا يشرح لنا سبب استمرارها في تلك القرون كلها، وعدم تأثر الأخلاق العربية المعاصرة بثقافات خارجية أوروبية تفاعلت معها بطريقة أكثر حيوية من تفاعلها مع أخلاق الطاعة الفارسية؟

((7(المرجع نفسه، ص.125–124 ((7(يذكر أن كارين آرمسترونغ تتبنى هذا التفسير، وترى أن المبالغة في الخوف على أخلاق التراث والدين عمومًا تعود إلى

"خوف" بعض النخب التراثوية من أن الحداثة ستؤدي إلى نهاية الدين من العالم، وأن ذلك ينطبق على النخب اليهودية والمسيحية

والإسلامية. ينظر: كارين آرمسترونغ، النزعات الأصولية في اليهودية والمسيحية والإسلام، ترجمة محمد الجورا (دمشق: دار  الكلمة للنشر والتوزيع، 2005)، ص.391

حتى طه عبد الرحمن لاا يشرح لنا سبب عدم أخذ الأخلاق لاائتمانية طريقها إلى العربي المعاصر، ولاا سيما أنها أخلاق زهدية تصوفية يعرفها العرب جيدًا منذ أكثر من ألف عام.

ثالثًا: حول تهمة انغلاق "عرب اليوم" أخلاقيًا

لاارتباك الثالث الذي أشرنا إليه في المقدمة هو لااختلافات الكبيرة بين كل من "عرب اليوم" من جهة، والنخب السلطوية والدينية والثقافوية العربية والمستشرقين من جهة أخرى، حول تصورهم بشأن مضمون الأخلاق السياسية لسكان المنطقة العربية. الصورة النمطية لأخلاق عرب اليوم السياسية صورة سلبية عمومًا، فالشارع العربي/ الإسلامي متّهم دائمًا بأنه يعاني تراجعًا أخلاقيًا (فرضية التراجع

الحضاري سببه التراجع الأخلاقي)، وأنه لاا يؤمن بالديمقراطية (الشعب العربي غير مستعد للديمقراطية وعلينا لاانتظار)، وأنه سلبيّ في المشاركة السياسية ويميل إلى الطاعة والخضوع (يعتقد أنه لاا جدوى

من المشاركة السياسية، أو ليس له أيّ تأثير في السلطة السياسية)، وأن للمجتمع وقيمه سيطرة شبه

مطلقة على الفرد (النزعة الجماعاتية). يُضاف إلى ذلك أن الأحاديث التي تتناول التراجع الأخلاقي

على مستوى العائلة والقبيلة والحارة والجيران ومكان العمل والمثقفين ورجال الدين وممثلي السلطة السياسية، وتشمل الأخلاق الفردية غير الحميدة من قبيل تراجع قيم الوفاء والثقة والأمانة والتراحم، تكاد تمأ "الفضاء العربي العام"، فالكل يشتكي من ذلك التراجع: الآباء والأمهات والمعلمون والفلاحون والموظفون وخطباء المساجد يوم الجمعة والمثقفون وحتى رؤساء عدد من الدول العربية. هناك تفسيران يتنافسان في تعليل ذلك التراجع الحضاري/ الأخلاقي: سنطلق على الأول مسمى "مشكلة الأخلاق قديمة"، والثاني "مشكلة الأخلاق طارئة".

1. مشكلة الأخلاق قديمة

يرى هذا التيار أن التراجع الأخلاقي اليوم يعود إلى الماضي، ويميل أصحاب هذا التفسير إلى اتهام الفرد العربي بأنه مستكين، أو متطرف، أو فوضوي، أو متشرّب أخلاق الطاعة، أو لاا يؤمن بالحرية،

ولاا تحرّكه سوى المشاعر الدينية والقومية، أو غير مهتم بحقوق الإنسان والعدالة والمساواة، لأن تاريخ

المنطقة وثقافتها يعانيان منذ زمن بعيد أمراضًا أخلاقية؛ فالجابري يفسّر التراجع الحضاري لعرب اليوم

بأخلاق الطاعة التي تعانيها المنطقة العربية وإيران منذ مئات السنين، وطرابيشي يفسره باستقالة العقل من التراث الإسلامي، والتيار السلفي يعتقد أن أخلاق التصوف التي سيطرت على الفضاء العام منذ زمن ليس بالقصير هي السبب في تراجع التزام المسلم "أخلاق الإسلام الصحيحة". وعمومًا، لسردية "مشكلة

الأخلاق قديمة" عدة تنويعات في شرحها المشكلة الأخلاقية/ السياسية في العالمين العربي والإسلامي.

أ. سردية "العنف"

المقصود هنا ادّعاء تجذر طابع العنف في الحضارة الإسلامية عمومًا والإسلام السياسي

المعاصر خصوصًا (صمويل هنتنغتون Huntington Samuel (1927–2008) وبرنارد لويس

Lewis Bernard (2018–1916)). ويختزل هؤلااء الإسلام والمسلمين، في نهاية الأمر، بأنهم ليسوا أكثر من دعاة للعنف والحروب، فهم عند لويس ليسوا من الذين يمكن أن "تتحول سيوفهم إلى سكك محراث، ورماحهم إلى مناجل"، وفق ما  تقول الأناجيل. وهي سردية ليست علمية من حيث إن العلوم المعاصرة تربط بين العنف والظروف لااجتماعية والسياسية، ولاا وجود لرابط بين العنف والأديان أو الأيديولوجيات، فتأثير الأديان يكون عادة متغيرًا تابعًا، وليس مستقًّلًّ.

ب. سردية "المسلم غير الفاعل"

تقول هذه السردية بسيطرة أخلاق الطاعة على أخلاق العرب والمسلمين، الأمر الذي يتمثل في صيغتين: الأولى يمثلها لويس وإرنست غيلنر Gellner Ernest (1995–1929)، وتنظر إلى المسلمين على أنهم كائنات لااتاريخية تعيش في عوالم مسبقة وتستكين إلى الماضي، وتنظّم حياتها وفق دين الإسلام الذي يفترض "وجود مجموعة من القواعد الأزلية والمنزّلة، وهي قواعد مستقلة عن إرادة البشر وتحدد النظام

الصحيح للجميع". إنها سردية تقلّل من قدرة المسلمين على إدارة حياتهم وتغييرها، مثلما  تستجر نموذج ابن خلدون (808–732 ه/ 1406–1332 م) الذي يجعل التاريخ يدور حول نفسه. أما الصيغة الثانية، ويمثّلها الجابري وحنفي وطرابيشي، فترى أن أخلاق الطاعة مسيطرة بصورة كبيرة على التاريخ الإسلامي والعربي، غير أنهم لاا ينظرون إلى أخلاق الطاعة على أنها قضية ثقافية جوهرانية خارج التاريخ، وفق ما يذهب إليه برنارد لويس وإرنست غيلنر وعدد من أنصار التفسيرات الأنثروبولوجية والإثنية والثقافوية.

ج. سردية "المسلمون لا يميزون بين الدين والدولة"

وهي سردية منتشرة في أوساط المستشرقين، ومن أكثر من يلحّ على هذه الفكرة اليوم شادي حميد

الذي يصفها ب " لااستثنائية الإسلامية"، وكذلك برنارد لويس الذي قال إن المسلمينلاا يفرّقون، منذ

نشوء الإسلام حتى اليوم، "بين الحقيقة الدينية والسلطة السياسية"، وأنه ليس لديهم آية تقابل آية "تسليم ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، وهم لاا يؤمنون بفكرتها. غير أن هذه السردية تغفل عن أنه حتى الحضارة الأوروبية لم تكن تفصل بين الكنيسة والدولة في عصور ما قبل الحداثة. وما يلفت لاانتباه هنا هو تغاضي لويس عن حقيقة أن الدول الحديثة، بوصفها تمثل كل الناس وتضمن حقوقهم

(7((برنارد لويس، أزمة الإسلام: الحرب الأقدس والإرهاب المدنس، ترجمة حازم مالك محسن (دمشق: صفحات للدراسات والنشر، 2013)، ص.144 (7((إرنست غيلنر، المجتمع المسلم، ترجمة أبو  بكر أحمد باقادر، مراجعة رضوان السيد (بيروت: دار المدى الإسلامي، 2005)، ص.17 (7((له كتاب عنوانه: الاستثنائية الإسلامية: كيف يعيد الصراع على الإسلام تشكيل العالم، ترجمة صلاح حيدوري، مراجعة خالد بن مهدي (بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات، 2018). ملخص كتابه هذا أن هناك علاقة فريدة بين الإسلام والسياسة ليست موجودة في الثقافات الأخرى، وأنه لاا يمكن معالجة أوضاع السياسة والأخلاق السياسية في العالم العربي من دون لاانطلاق من هذه الفرادة، حتى إن كتابه ينتهي إلى عدم جدوى اتباع طريق الحداثة الأوروبية في العالم الإسلامي. وهو في هذه النقطة يتفق مع وائل حلاق، ولكن من منطلق مختلف تمامًا. ((7(لويس، ص.46 ((7(المرجع نفسه، ص.45

وتسمح للجميع بالمشاركة في السياسة، أمر مرتبط بظهور العصور الحديثة ودولتها وهو ما لم يكن موجودًا قبلها. من ثم، فإن هذه السردية لاا  تركّز على الفوارق بين الدولة التقليدية العائلية والعصبية وبين الدولة الحديثة، وتريد من المسلمين التمييز بين الدين والدولة (بالمعنى الحديث) على الرغم من انعدام مثل تلك الدولة الحديثة أصلً في العصور الإسلامية الأولى والعالم القديم عمومًا.

د. سردية "سيطرة الكيانات الاجتماعية على الفرد"

وهي سردية تتّهم العربي بأنه ليس لديه شخصية أو رأي تجاه الكيانات لااجتماعية والدينية التي ينتمي

إليها، وأنه متعصب دائمًا إما إلى طائفته أو عشيرته. ويُعد كل من غيلنر ومكسيم رودنسون Maxime

Rodinson (2004–1915) وغالبية الأنثروبولوجيين، وعدد كبير من المفكرين العرب المهتمين بهاتين الظاهرتين، من أكثر المردّدين لهذه السردية. يذكر هنا أن الحراك الشعبي في العراق ولبنان في عام 2019 مثلً، بيّن أن لاانتماء الطائفي ليس له حضور كبير لدى المحتجين، وأنه، في حال وجوده،

ناتج من التسييس أكثر من كونه ظاهرة راسخة، وهي النتيجة التي انتهى إليها بشارة وآصف بيات في كتاباتهما حول الطائفية. هذا الأمر ينطبق حتى على العشائرية، فقد بيّنت الثورة السورية مثلً أن

خيارات أبناء العشائر ومواقفهم السياسية من الثورة لم تكن تهتمّ ب لاانتماء إلى العشيرة، وأن غالبية

العشائر انقسمت أفقيًا لاا عموديًا، بمعنى أن أبناء العشيرة الواحدة انقسموا بين مؤيد للثورة ومعارض

لها، لاا على أساس لاانتماء العشائري، بل على أساس شخصي بحت، وأن هناك شيوخ عشائر لم يستطيعوا فرض رأيهم السياسي حتى على أولاادهم، ما يعني أن العشيرة اليوم ليست كيانًا سياسيًا

بقدر ما هي مجرد كيان ثقافي اجتماعي يكنّ الناس له التقدير ولااحترام، ويحرصون على المشاركة

والتضامن مع أبناء عشائرهم من دون أن يكون له أيّ تأثير في خياراتهم السياسية. أنتهي من مناقشة هذه السردية إلى أن الأخلاق السياسية عند عرب اليوم أقرب إلى أخلاق الحداثة من أخلاق التراث من زاويتين على الأقل: الأولى، أن أخلاق الحداثة تقلل من أهمية التراتبية لااجتماعية، وتدفع الفرد إلى التحرر من مختلف سلطات الكيانات لااجتماعية، وتسعى لإيجاد علاقة متوازنة بين الفرد والمجتمع، بحيث لاا يطغى أحدهما على الآخر. أما الزاوية الثانية فهي أن أخلاق الحداثة تهتم بالأخلاق بوصفها جزءًا من الحياة اليومية ومشاغل الناس لااجتماعية، ولم تعُد تهتم كثيرًا بالأخلاق

بوصفها تفكيرًا مثاليًا أو تأمليًا، ودليلنا على ذلك أن شعارات الربيع العربي كانت أقرب إلى اليومي

والحداثي منها إلى الأيديولوجي والتراثي، وتعكس ذلك التحول.

(8((بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج  2، مج 2، ص.410 ((8(حول تراجع دور العشيرة في الأخلاق السياسية للعربي، ينظر: رشيد الحاج صالح، "العشائر والثورة السورية: الأدوار

والإمكانات"، مجلة قلمون، العدد.)2018(5 ((8(صدرت عدة دراسات حول الشعارات التي أطلقها الربيع العربي، وكلها تكاد تُجمع على أنها شعارات حداثية تضع الحرية والديمقراطية والعدالة في أولوية اهتمامات عرب اليوم، مثلما كانت شعارات تعكس تراجع الأيديولوجيا وتقدّم الهموم اليومية والمعيشية.

من هذه الدراسات نذكر: نادر سراج، مصر الثورة وشعارات شبابها: دراسة لسانية في عفوية التعبير (الدوحة / بيروت: المركز العربي

لأبحاث ودراسة السياسات، 2014)؛ كمال مغيث، هتافات الثورة المصرية ونصوصها الكاملة (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،

2014)؛ سعيد العوادي، البلاغة الثائرة: خطاب الربيع العربي، عناصر التشكل ووظائف التأثير (بغداد: دار  شهريار،.)2017

2. مشكلة الأخلاق طارئة

يرى أصحاب هذه السردية أن التراجع الأخلاقي جديد وطارئ حلّ على المجتمع (وائل حلاق، الإسلام الدعوي، المسيري، وغير هؤلااء). وغالبًا ما يكون الحديث عن الأجيال الجديدة من حيث إنها لم تعُد تلتزم بالقيم الأخلاقية التراثية (الإسلام الدعوي)، أو الحديث عن الأوضاع الجديدة بوصفها التي تسببت في هذا التراجع؛ فعند وائل حلاق، تراجع الأخلاق في المنطقة العربية والإسلامية ناتج من دخول الحداثة الغربية في حياة المسلمين، على إثر لااستعمار الأوروبي للبلدان العربية والإسلامية. ويوافقه المسيري في هذا التفسير. اللافت في كل هذه التفسيرات المنمّطة، سواء التي نظرت إلى مشكلة الأخلاق في العالم العربي على أنها قديمة أم التي نظرت إليها على أنها طارئة، تعاني المشكلات الثلاث التي نرددها في دراستنا، وهي: 1. النظرة السلبية إلى الإنسان العربي بوصفه مسببًا مشكلة التراجع الأخلاقي والحضاري (متطرف، أو مستكين، أو متهاون، أو غير مستعد للديمقراطية)، 2. اعتقادها أن مصدر الأخلاق من مكان خارج المجتمع (الدين والحضارة والأقانيم الثقافية والحداثة الغربية)، 3. نظرتها إلى الأخلاق بوصفها نظامًا ثابتًا نهائيًا. تكمن المفارقة في مثل تلك التنميطات في أنها تتفق في النتيجة وتختلف في الأسباب فحسب، إذ تعطي أسبابًا متناقضة لنتائج متّفق عليها، فمثلً تتفق غالبية النخب العربية، والمستشرقين، على التراجع الأخلاقي في الشرق الأوسط عمومًا، ولكنها تختلف فقط في التفسير والأسباب. إن كانت النخب العربية الدينية تفسّر ذلك التراجع بعدم تمسّك العربي بقيم دينه الإسلامي، فإن غالبية المستشرقين (وكذلك طرابيشي والعظمة وعدد من الماركسيين العرب) ترجعه إلى تمسك العربي بقيم دينه الإسلامي، وسيطرتها على سلوكه الأخلاقي والسياسي. مثل هذه المفارقة نعثر عليها أيضًا في التفسير الذي يُرجع التراجع الأخلاقي إلى أن العربي يقلّد القيم المادية الغربية الحديثة؛ فالنخب العربية المتحمسة للتراث تجعل من ذلك التقليد السبب الرئيس في التراجع الحضاري والأخلاقي العربي (المسيري وحلاق وعبد الرحمن)، بينما ترى غالبية المستشرقين (وأيضًا طه حسين وعزيز العظمة وعدد من الليبراليين العرب) أن عدم الأخذ بالحداثة الغربية وتبنّي نموذجها السياسي والحقوقي هما السبب في بقاء العالم العربي في حالة تراجع أو عدم تقدم. اللافت للانتباه أن هناك شبه اتفاق بين ثلاثة أطراف عربية على السردية التي تجعل الفرد العربي المسؤول الأول أخلاقيًا عن التراجع الحضاري، وهذه الأطراف هي السلطات السياسية العربية الرسمية، وغالبية النخب الفكرية العربية، إضافة إلى غالبية رجال الدين. ولعل هذا لااتفاق الذي يكاد يمأ الفضاء العام العربي هو السبب في جعل عرب اليوم أنفسهم يرددون مثل تلك السرديات التي تدينهم، كأنها أمر شبه مسلّم به، وهو ما يعرف بسرديات "جلد الذات".

رابعًا: أخلاق العربي السياسية وأخلاق الحداثة

سنناقش في هذا المحور ثلاث قضايا: الأولى، تتمثل في السؤال: هل أخلاق عرب اليوم السياسية منفتحة على العالم أم منغلقة؟ الثانية، تتمثل في التفكير في أسباب بروز أنطولوجيا أخلاق الأمن والصراع والطائفية في المنطقة العربية، والثالثة ستتوقف عند: كيف تبدو الأخلاق السياسية لعرب اليوم في لااستطلاعات العلمية الحديثة؟ وما دلاالة أرقامها؟

1. حول الانفتاح الأخلاقي عند عرب اليوم

على الرغم مما يقال عن "صراع الحضارات"، وأن العلاقة بين الحضارتين الغربية والإسلامية محكومة بالصراع، فإنني أعتقد أن نظريات الصراع ليست مؤهلة لتفسير العلاقة بين الحضارات، والمدقق فيها يجد أنها أقرب إلى مزاج النخب الحاكمة في العالم، سواء في العالم الغربي أم العربي. فالشعوب، بعكس الحكومات، تتفاعل وتهتم بتقليد النماذج التي تعتقد أنها ناجحة ومميزة. والنجاح في إحدى وصفاته السهلة بسيط جدًا: "قلداِّ الناجحَ تنجحْ". فالشعوب يقلّد بعضها بعضًا وفق م نبّهَنا إليه ابن خلدون مبكرًا،

ما يعني أن الشعوب التي تعيش حالة من المحلية هي أيضًا شعوب تنظر إلى النجاح بوصفه وصفة عالمية، وأنها لاا تبالغ في لااهتمام ب لااختلافات الثقافية والحضارية، وفق ما ترى نظريات الصراع. يحدثنا آصف بيات، في كتابه الحياة سياسة: كيف يغير بسطاء الشرق الأوسط السياسة، عما  يسميه ب "التعايش الكوني"، ويقصد به أن هناك ميلً "شبه طبيعي" إلى تفهّم لااختلافات بين شعوب الشرق

الأوسط الحديث حالما يجتمعون، على الرغم من اختلاف ثقافاتهم وأعراقهم وأديانهم ومنابتهم لااجتماعية، فهم ميّالون إلى التعاون ولااستقرار وتقديم المصالح وإقامة مجتمعات التعاون والعمل،

بعيدًا من نزعة النقاء الثقافي والتشكك في الثقافات المختلفة. يرصد بيات حياة "الناس العاديين" في حلب والقدس وبغداد والقاهرة في بدايات القرن العشرين، ودبي ومدن أخرى في الوقت الحالي، ا ليجد أن الحياة العامة في تلك المدن تقوم على تفهّم لااختلافات الثقافية ولاانفتاح على الآخر أي

كان، وأن المجتمعات الشرق أوسطية، والمجتمعات عمومًا، ليست منغلقة بالصورة التي تتخيلها

سرديات الصراعات، لأنها تميل إلى التأقلم والتكيف مع المستجدات، وبناء ذاتها على نوع من الثقة بالآخر. يضيف بيات أن مثل تلك النزعة الكونية التي يمكن ملاحظتها بسهولة تحمل في طياتها "جوانب أخلاقية ومعيارية"، تميل إلى "تحدّي" لاانقسامات والعداوات، ورفض نزعة التفوق الثقافي والتمركز حول السلالاات والأعراق، لتكوّن في النهاية فضاءً تعايشيًا عامًا "تعمل فيه التفاعلات المكثفة

ولااختلاط والشراكة على طمس الحدود الشعبوية".

(8((ينظر: صامويل هنتجتون، صدام الحضارات: إعادة صنع النظام العالمي، ترجمة طلعت الشايب، تقديم صلاح قانصوه، ط 2 (القاهرة: سطور،.)1999 (8((آصف بيات، الحياة سياسة: كيف يغير بسطاء الناس الشرق الأوسط، ترجمة أحمد زايد (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2014)، ص.374 ((8(المرجع نفسه. ((8(المرجع نفسه، ص.375

ما يلفت لاانتباه في نظرية بيات حول التعايش الكوني أنها على الرغم من عدم تقليلها من آثار لااختلاط بين المختلفين ثقافيًا في المدن الحديثة والحذر من المُختلِف في الدين والإثنية، وبقاء الهويات الدينية

والإثنية المحلية محسوسة بوضوح في الفضاء العام، فإنها تولّد أيضًا ديناميات ومجادلاات معقدة بين جماعات يختبر بعضها بعضًا، وتميل إلى التفاهم والوصول إلى مستوى معقول من الثقة الناتجة من لااحتكاك والتعامل اليومي، ما لم تطرأ تدخلات وأحوال خارجية تدفع الجماعات إلى الشك فيما بينها. وإن أردنا تلخيص كتاب كليفورد غيرتز Geertz Clifford (1926–2006) الشهير تأويل الثقافاتالذي يجول فيه أنثروبولوجيًا بين عدد من بلدان آسيا وأفريقيا، من إندونيسيا إلى المغرب، بفكرة واحدة،

يمكننا القول: إن الشعوب المتجاورة والمختلفة إثنيًا أو دينيًا، بما فيها من العرب والمسلمين والهندوس

والبوذيين، تميل إلى "التعاضد"، وتسري في علاقاتها "روح الجماعة" التي تنمّ عن التفاهم والتعاون وإيجاد مستوى معقول من الثقة فيما بينها، وأن غالبية الصراعات الدينية والعرقية تكون بسبب تدخّل السياسيين ومصالحهم. وتميل إلى مثل هذا الرأي أيضًا داون تشاتي في كتابها سورية: تشكّل دولة اللجوء وتفككها، إذ ترى أن سوريا الكبرى شكّلت خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين منطقة مثالية لااستقبال اللاجئين والهاربين من الحروب، بحيث نجحت في إدماجهم من دون صهرهم، وأن ذلك ترافق مع وجود أخلاق عند أهالي المنطقة تتصف بالكرم والضيافة والتسامح مع المختلفين، الأمر الذي سهّل اندماج الغرباء والمختلفين في الدين والعرق في المنطقة، من دون أن يجبروا على التخلّي عن هوياتهم الخاصة، حتى إنها تقول إن بعض أحياء دمشق تحولت إلى "مراكز عالمية" Centres Cosmopolitan شبيهة بالمراكز المعاصرة في مدن الغرب الكبرى. لقد تبيّن لتشاتي، بعد

لقائها العشرات من المهاجرين المعمرين، أن منطقة بلاد الشام مثال للكوزموبوليتانية المحلية، وأن كثرة المدن المحيطة بدمشق، التي يعيش فيها أبناء ديانات وإثنيات مختلفة، دليل على وجود تسامح متجذر في ثقافة هذه المنطقة. ما  نريد قوله من وراء لااستشهاد بمثل تلك الدراسات أن الحديث عن انغلاق الأخلاق السياسية للعربي ورفضه قيم الحداثة الغربية، وتوجسه المبالغ فيه منها، حديث غير دقيق، وأنه انزلااق في توصيف العالم العربي عبر التركيز على بعض ما تقوله نخب غربية عنه أو بعض نخبه المحافظة التي تفضّل أن يكون العربي منغلقًا ورافضًا قيم الحداثة الغربية لأسباب خاصة بها.

((8(المرجع نفسه، ص.378 (8((كليفورد غيرتز، تأويل الثقافات، ترجمة محمد بدوي، مراجعة بولس وهبة (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص.326

(89) Dawn Chatty, Syria: The Making and Unmaking of a Refuge State (New York: Oxford University Press, 2017), p. 180.

((9(الكوزموبوليتانية Cosmopolitanism: مصطلح يشير إلى الفضاء المنفتح المتعدد الثقافات والمتقبل للثقافات المختلفة. يشير تيرهي رانتانن إلى أن المدن الكبرى غالبًا ما  تظهر فيها درجة عالية من التسامح وقبول لااختلاف في جوّ يسوده تنظيم العمل

والتجارة، وأن تلك المدن تبحث عن "الإلهام" من المراكز الحضرية الكبرى، كما يتشكل في أغلبها فضاء عام حيوي عابر للحدود

والدول، وقد أخذ يعتمد منذ القرن العشرين على الثورة في عالم لااتص لاات والأخبار. ينظر: تيرهي رانتانن، الأخبار: نشأتها

وتطورها، ترجمة كوثر محمود محمد، مراجعة ضياء وراد (لندن: مؤسسة هنداوي، 2015)، ص.64–62

(91) Chatty, p. 1.

2. أنطولوجيا أخلاق الأمن والصراع والطائفية

أشرنا مرارًا (على لسان بيات وغيرتز) إلى أن أخلاق الناس العاديين تميل إلى لاانفتاح والتعاون مع

المختلفين في الإثنية والدين، وسرعان ما تكوّن مجتمع الجيرة ما لم تكن هناك ضغوطات خارجية

وتدخلات للسياسيين، وأشرنا إلى فكرة بشارة القائلة إن الطائفية السياسية تنشأ نتيجة لضغوط سياسات الهوية التي تتبعها السلطات، وليست ثقافة جوهرانية متجذرة في المنطقة العربية. ولكن كيف تظهر الضغوطات؟ وما تأثير سياسات الهوية في الأخلاق السياسية لعرب اليوم؟ في البداية يمكن تصنيف الضغوطات التي أعتقد أن عرب اليوم يعانونها في سرديتين: السردية الأولى يمكننا أن نطلق عليها "سردية لااستعداد للحرب"، وهي تدفع المجتمع إلى وعي ذاته بوصفه "مجتمع حرب"، أو يعيش حالة وشيكة من إمكان الحرب والصراع، وأن عليه لااستعداد الدائم لمثل ذلك الإمكان، أو أنه مجتمع مستهدف من أطراف معادية، أو أن هناك حربًا ثقافية تستهدف أخلاقه وقيمه، أو

أن هناك حالة استثنائية علينا مواجهتها، ما يؤدي إلى ظهور ما يمكن أن نسميه "أخلاق الحرب". يُذكر

أن غالبية الأيديولوجيات القومية والدينية في المنطقة العربية رسخت في الأخلاق السياسية لشعوب المنطقة أن وجودها (أي الشعوب) محفوف بالمخاطر، وأن صراعًا وجوديًّا يحوم حول حدودها أو

يستهدف هويتها وقيمها. هكذا، ظهرت أسطورة "الظرف لااستثنائي" التي تعني أن الشعب والوطن يعيشان حالة طارئة ووضعًا صعبًا وصلت فيه التحديات والمخاطر إلى مستويات غير مسبوقة (امتد

قانون الطوارئ في بعض الدول العربية إلى نحو نصف قرن)، الأمر الذي دفع بتلك السلطات إلى الطلب من عرب اليوم التفكير بطريقة مختلفة، وتأجيل بعض الأولويات إلى حين انتهاء الأحوال لااستثنائية. ويبين جورجيو أغامبين Agamben Giorgio أن العيش تحت ضغوط الحالة لااستثنائية، أو قوانين الطوارئ، أو "حالة الحصار الوهمية"، أمر يطيح بأخلاق الناس الحميدة من حيث إنهم مضطرون إلى مداراة سلطة تستبيحهم وتنتهك حياتهم الشخصية وحقوقهم على نحو كامل؛ سلطة تؤسّس نفسها عبر إلغاء الناس وتعليق القانون. ما  يهمنا من سردية لااستعداد الدائم لإمكان الحرب هو أثرها في أخلاق الناس في الفضاء العام للمجتمع. وغني عن القول إن حالة لااستعداد للحرب أو الحالة لااستثنائية هي حالة مثالية لتعليق الأخلاق، أو وفق ما يقول إيمانويل ليفيناس Levinas Emmanuel (1995–1906): إن الإمكان الدائم للحرب يجعل من الأخلاق أمرًا "سخيفًا"، مجاريًا في ذلك قول هوبز: إن "أفكار الصواب والخطأ،

والعدل والظلم لاا مكان لهما" في زمن الحروب والصراعات، مثلما يتحول "الغش" إلى فضيلة أساسية. أما السردية الثانية من الضغوطات التي تمارسها غالبية أنظمة المنطقة العربية على الأخلاق السياسية للعربي، فتتمثل في سردية "أخلاق الأمان" أو أخلاق التخويف من الفوضى والتلويح الدائم بها، أو

(9((ينظر: جورجو أغامبين، حالة الاستثناء، ترجمة ناصر إسماعيل (القاهرة: مدارات لأبحاث والنشر،.)2015 ((9(هوبز، ص.136

أخلاق الأمن مقابل الحرية، أو سردية الظلم أهون من الفوضى. إنها استراتيجية تميل إلى دفع عرب اليوم إلى قبول (وعقلنة) واقعهم بوصفه أفضل ما هو موجود، أو يمثل أقل الأخطار الممكنة، من حيث إنه واقع آمن في نهاية الأمر، ما يعني أن الأمن، بما هو حل مؤقت، أمر جيد وبديل ملائم من الحرية التي قد تؤدي إلى أخطار كثيرة قد تكون الفوضى في مقدمتها. أما سياسات الهوية وتضخيم الطائفية السياسية في أي مجتمع فتؤدي إلى اختزال الأخلاق السياسية في سردية المظلوميات وقلة الثقة ونسف مجتمع الجيرة بفعل الخوف، حتى إن سورية والعراق، في العقد الأخير، يوشكان على الوقوع فريسةً لهذه السياسات، وفق ما  يبيّن بشارة في كتابه المهم الطائفة،

الطائفية، الطوائف المتخيلة. ولعل أكبر مشكلة للطائفية السياسية أنها تحوّل "التدين الأخلاقي" إلى

"تدين طائفي"، ومشكلة التدين الطائفي أنه لاا يقبل التعددية، ويحوّل الدين إلى موضوع للصراع والثأر،

ويقسّم المجتمع هويات متناحرة تجعل من ال "نحن" حاملةً كل الفضائل، ومن "الآخر" متّهمًا بكل

الرذائل، ما  يسوّغ حتى أخلاق "القتل على الهوية" في بعض الأوضاع. المشكلة الثانية للطائفية

السياسية أنها تدمر "الثقة" بين الناس، وتراجع الثقة يؤثر حتى في السوية النفسية والعقلية للمرء، عندما يعيش مع جماعات أخرى لاا يثق بها ولاا تثق به، بل إن شعور المرء بعدم الثقة بالآخرين وأن الآخرين لاا يثقون به يدفعه إلى تبنّي أخلاق فردية غير حميدة، بوصفها نوعًا من لااحتراز والدفاع عن النفس في وجه من يُحتمل أنهم لاا يثقون به. من المعروف أن أكثر الناس الذين يتولد لديهم الشعور

بعدم الثقة هم الناجون من الحرب والصراعات الدامية (ما يفسّر مثلً تراجع مستوى الثقة بين السوريين

في العقد الأخير)، غير أن الطائفية السياسية تحقّق مستوى مرتفعًا من عدم الثقة من دون الحاجة إلى

حرب، أو تؤثّر في الأخلاق بالطريقة ذاتها التي تؤثر بها الحرب في أخلاق الناس، لأنها تعيش حالة من الحرب المتخيّلة. تتمثل، في النهاية، مشكلة انتشار أخلاق عدم الثقة في ثلاثة أمور: الأول، أن الناس الذين لاا ثقة فيما بينهم يسهل التحكّم فيهم ودفعهم إلى تقديم تنازلاات حقوقية وأخلاقية. والثاني أن مجتمعًا لاا يثق بعضه ببعض هو مجتمع غير مستقر، ومؤهل أكثر من غيره للصراعات المحلية، حتى إن بيتر ميركل اعتبر أن الثقة لااجتماعية من أهم العوامل التي تُقاس بها درجة استقرار البلاد سياسيًا واجتماعيًا.

أما الأمر الثالث فيتمثل في أن تراجع مستوى الثقة الأخلاقية في المجتمع يجعل الفرد، وفق بيرند لاانو Lano Bernd، "غير فاعل" ومياالً إلى لاانسحاب، ويخشى من التعاون، ويتوقع الخيانة في أيّ لحظة،

وخائفًا، لأن القيام بالأفعال لااجتماعية يتضمن شعورًا مرتفعًا من المسؤولية، وقدرًا من المجازفة لن

لاا يقوم بها من يثق بمجتمعه. والأمران الأول والثالث قد يفسّران تحمّس غالبية السلطات لااستبدادية

(9((عزمي بشارة، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة (الدوحة / بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.273–272

(95) Peter H. Merkl, Modern of Comparative Politics (New York/ London: Rinehart & Winston, 1970), p. 157.

(9((بول فوكنر وتوماس سبمسون، فلسفة الثقة: إسهامات متميزة مطورة وتأسيسية، ترجمة مصطفى سمير عبد  الرحيم (الجزائر: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ بيروت: دار الروافد الثقافية، 2022)، ص.245–217

إلى استغلال تنوع المجتمعات دينيًا وقوميًا لنشر أخلاقيات عدم الثقة. فالثقة في المجتمع عملية سياسية مصنوعة، على الأقل في شقّ كبير منها، بدليل أن ميركل، وكذلك ألموند، وجدا أن مستوى الثقة لااجتماعية يرتفع في البلدان التي تسود فيها الديمقراطية والعدالة، والعكس صحيح أيضًا. وقد دفع لااختلاف بين أخلاق المسؤولية أو الثقة وبين أخلاق القناعة أو الطاعة بماكس فيبر Weber Max (1920–1864) إلى التمييز بين مبدأين أخلاقيين، يعتقد أنهما يتحكمان في أخلاق البشر في حياتهم العامة. وهذان المبدآن هما  أخلاق المسؤولية وأخلاق لااعتقاد. وتشبه أخلاق لااعتقاد أخلاق المسالمة السلبية التي تميل إلى لااقتناع بأن الإنسان ليس هو من يتحكم في حياته ونتائج أعماله، وأنه من الحكمة ترك الأمور تسير على عواهنها. ولذلك يميل المتبنّون لهذا المبدأ إلى الأخلاق الدينية التسليمية، أو العمل بالمبدأ الذي يقول: "إن المسيحي يقوم بواجبه، وأما العواقب فيتركها إلى الله". أما أخلاق المسؤولية فيتبنّاها البشر الذين يعتقدون أن على المرء أن يفعل شيئًا ما، وإلاا فإن أوضاعه ومستقبله لن يكونا على ما يرام. ولذلك تجد المتبنّي لأخلاق لااعتقاد مياالً إلى التسليم بأن الأوضاع لاا يمكن أن تكون أفضل من ذلك، أو أن البشر الآخرين، وليس هو، من يتحمّل أوزار التردي العام، ليقع فريسة لفرضية "البشر فاسدون". وقد أوردنا هذه التفرقة بين هذين المبدأين، لكي نلاحظ أن قراءة كتاب العلم والسياسة بوصفهما حرفة، تشي بأن البشر يسيرون في اتجاه التبنّي المتزايد لأخلاق المسؤولية، والتخلي أكثر فأكثر عن نموذج أخلاق لااعتقاد، على الرغم من أن فيبر يرى أن لأخلاق لااعتقاد ما يبرّرها أيضًا في هذا العالم، ولكن ما نريد أن نستخلصه من نظرية فيبر هذه أن التغيرات الكبرى والتحولاات التاريخية تحدث عندما يقتنع العدد الأكبر من البشر بأخلاق المسؤولية، وأن هذه الأخلاق هي التي تحفز لدى البشر مقاومة السلطة الظالمة التي لاا تحترم ذاتهم وكرامتهم، وأن التفكير النموذجي، الذي ينظر إلى الأخلاق من حيث هي خطط مجردة لبناء عالم أفضل ولااكتفاء بالصور الرومانسية لتلك الحياة، كثيرًا ما يتراجع عندما يشتد الصراع بين البشر حول حياتهم. ولعل هذا الصعود المتنامي لأخلاق المسؤولية، هو ما يبرر أن الصراعات والثورات ولااحتجاجات والحروب ولااضطرابات أمست السمة الأكثر حضورًا في العالم المعاصر.

3. الأخلاق السياسية للعربي في المسوح العلمية الحديثة

نركز في هذا الجزء على أربع قضايا في أخلاق عرب اليوم السياسية: الأولى، موقفهم من التعارض أو التوافق بين الإسلام والديمقراطية، والثانية، موقفهم من فصل الدين عن السياسة، وأما الثالثة فتتناول علاقة الأخلاق بالدين، في حين تتناول الرابعة مكانة الأيديولوجيا في مواقفهم السياسية.

(97) Merkl, p. 157.

(9((ماكس فيبر، العلم والسياسة بوصفهماحرفة، ترجمة جورج كتورة، مراجعة وتقديم رضوان السيد (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011)، ص.352 ((9(المرجع نفسه.

أ. الإسلام حيادي تجاه الديمقراطية

يبيّن المؤشر العربي الذي يصدره المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات دوريًا، منذ عام 2011، أن

66 في المئة من العرب لاا يروْن أن النظام الديمقراطي "يتعارض" مع الإسلام، في مقابل 24 في المئة يرون تعارضًا بينهما، على الرغم من أن 85 في المئة من العرب يعرّفون أنفسهم بأنهم متدينون أو متدينون جدًا.

معنى ذلك أن غالبية عرب اليوم لاا يروْن أيّ تعارض بين تدينهم من جهة، وتفضيلهم نظامَ حكمٍ ديمقراطيًا

من جهة أخرى، وأن هناك ميلً ظاهرًا إلى تغليب منظور ديني يتلاءم مع قيم الديمقراطية. كما بيّنت نتائج

الباروميتر العربي الذي أجراه مركز الدراسات لااستراتيجية في الجامعة الأردنية أن نحو 85 في المئة من عرب اليوم يعتقدون أنه قد يكون للنظام الديمقراطي مشكلات، ولكنه يبقى أفضل من غيره، على الرغم من أن نسبة من يعرّف نفسه بأنه متدين ومتدين جدًا وصلت في هذا الباروميتر إلى 86 في المئة، في حين

بيّن المؤشر العربي أن 72 في المئة يرون أن النظام الديمقراطي أفضل من غيره من أنظمة الحكم في مقابل

19 في المئة فقط لاا يقبلون بأنه الأفضل. تشير هذه الأرقام إلى أن نسبة كبيرة من عرب اليوم أخذت تفكر في بردايم أخلاقي مختلف عن البردايم التقليدي، ويحاكي بردايم أخلاق الحداثة وقيمها. يُذكر أن مثل تلك النسب المؤيدة للديمقراطية تسجّل حضورًا واضحًا في عدد كبير من البلدان

الإسلامية، ليس في العالم العربي فحسب؛ إذ تبين استطلاعات الرأي العلمية أن المسلمين في البلدان لااستبدادية مؤمنون بالديمقراطية أكثر إلى حد بعيد مما يظن الباحثون ومراكز الدراسات والمستشرقون، وأن الأنظمة التسلطية في العالمين العربي والإسلامي على معرفة عالية بالأخلاق السياسية لشعوبهم تفوق كثيرا معرفة تلك المراكز، لأن المتأمل في سياساتها يجدها تقوم أساسًا على توقّع الخطر الناجم

عن اقتناع شعوبهم بالأخلاق السياسية الحداثية، حيث تجدهم يصرفون جل ثرواتهم وجهدهم لمواجهة مثل ذلك التوقع أو الهاجس الذي يقضّ مضاجعهم. من هذه لااستطلاعات نذكر استطلاع بيبا نوريس Norris Pippa، ورونالد إنغلهارت Ronald Inglehart الذي جرى في تسع دول إسلامية واثنتين وعشرين دولة غربية، لمعرفة توجهات المسلمين بشأن الديمقراطية، ولمعرفة ما إن كانت هناك اختلافات ذات دلاالة بين المسلمين وغير المسلمين، في سياق اختبار نظرية صمويل هنتنغتون حول صدام الحضارات وادعائه أن الحضارة الإسلامية هي الحضارة الوحيدة الرافضة للديمقراطية في العالم المعاصر. لقد بيّنت تلك المسوح أن هناك "تطابقًا"

بين توجهات المسلمين وغير المسلمين نحو دعم "مُثل الديمقراطية"، إذ بلغت النسبة الداعمة 86 في

المئة، وتوصّل لااستطلاع أيضًا إلى وجود دعم "مذهل للديمقراطية بين شعوب الدول لااستبدادية "،

10(((برنامج قياس الرأي العام العربي، المؤشر العربي 2022 (الدوحة: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، 2022)، ص.155 10((("نتائج استطلاع مقياس الديمقراطية العربي حالة الأردن"، مركز الدراسات لااستراتيجية – الجامعة الأردنية، 2019/8/6، شوهد في 2023/9/6، في: https://cutt.us/sZXlj (10((برنامج قياس الرأي العام العربي، ص.181 ((10(لااري دايموند، روح الديمقراطية، ترجمة عبد  النور الخرافي (بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر، 2014)، ص.63–62

مثلما بيّن استطلاع آخر أُجري في أربعة بلدان أفريقية (مالي ونيجيريا وتنزانيا وأوغندا) تعيش فيها نسب

متفاوتة من المسلمين، أن لاا فروق تُذكر بين المسلمين وغير المسلمين في دعمهم الديمقراطية. تتوافق هذه لااستطلاعات بدرجة كبيرة مع نتائج المؤشر العربي التي تقول (وفق ما بينّا) إن الأخلاق

السياسية للعربي مؤمنة بالديمقراطية بدرجة كبيرة، بغضّ النظر عن دينه أو توجهه الأيديولوجي. لااري دايموند بين المسلمين وغير المسلمين يخص القيم لااجتماعية التي لااختلاف الذي وجده يحملها كل من الفريقين، ويقصد بذلك الموقف من المساواة بين الجنسين والطلاق والإجهاض وضرورة تحلّي الزعيم السياسي بمعايير دينية، وقد وجد أن المسلمين أقل ليبرالية وأكثر محافظة من غير المسلمين. طبعًا هذا لاا يؤثّر في قناعة المسلم بشأن الديمقراطية، بل يعكس اعتقاده

أن الديمقراطية يجب أن تراعي خصوصيته لااجتماعية والثقافية، ما  يفتح الباب لمناقشة الليبرالية السياسية التي طرحها جون رولز، وتقول إن الديمقراطية خيار إنساني يمكن أن يأخذ الجميع به، بغضّ النظر عن الأيديولوجيا أو الدين أو الإثنية أو المذهب الفلسفي، ما يعني أن الليبرالية السياسية عنده تعرف تمامًا أن لااختلافات في الأديان والثقافات وصور التدين والمعتقدات الفكرية والأعراف

أمور لٌاا يمكن أن تُحلّ بجرّة قلم واحدة، ولكنها يمكن أن تُستوعب على أساس قاعدتَي العدالة

والديمقراطية، الأمر الذي دفعه (أعني رولز) إلى القول إن نظرية "العدالة إنصافًا" هي نظرية سياسية أخلاقية، لاا نظرية فلسفية ولاا إبستيمولوجية، ولاا علاقة لها بالأديان.

ب. العربي وقضية فصل الدين عن السياسة

فيما يتعلق بفصل الدين عن السياسة، هناك انقسام واضح بين عرب اليوم، إذ أيد نحو 47 في المئة مقولة "من الأفضل للبلد أن يتم فصل الدين عن السياسة"، في حين عارضها نحو 48 في المئة، وهاتان نسبتان متقاربتان تشيران إلى أن العربي لاا يزال مترددًا في هذه القضية. وبشأن النسبة المؤيدة للفصل، نجد أنها مفهومة، إذا ما أخذنا في لااعتبار التشويه الذي تمارسه النخب الدينية على مفهوم الفصل أوالً، والطغيان الذي تمارسه الأنظمة التي تتبنى مقولة فصل الدين عن الدولة، كما نجد أنها ترتفع في المناطق الأكثر توترًا وحراكًا في المنطقة العربية، إذ ترتفع تلك النسبة لتصل في لبنان إلى

80 في المئة، وفي تونس 62 في المئة، وفي العراق 75 في المئة، وفي مصر 58 في المئة. يضاف إلى ذلك أن هناك نسبة رفض مرتفعة لتسييس الدين في المجال العام، بحيث وافق 72 في المئة على مقولة "لاا يحق للحكومة استخدام الدين للحصول على تأييد الناس سياستها".

(10((المرجع نفسه، ص 61 (10((المرجع نفسه،.62 10(((جون رولز، "العدالة إنصافًا: نظرية سياسية وليست ميتافيزيقية"، ترجمة نوفل الحاج لطيف، تبيّن، مج  11، العدد 43 (2023)،

ص.125–124 (10((برنامج قياس الرأي العام العربي، ص.378 (10((المرجع نفسه. (10((المرجع نفسه، ص.366

هنا، نلمس اختلافات كبيرة بين ما يقوله الفكر العربي المعاصر عن عرب اليوم وواقع رأيهم في قضية فصل الدين عن السياسة، ويبدو أن تلك لااختلافات تعود إلى أن النخب تفكّر في شؤون المجتمع العربي بطريقة تأملية وفلسفية لاا تعطي الدراسات والمسوح الميدانية أيّ اهتمام، ولاا ترى أن العلوم لااجتماعية

والمعطيات التي تقدّمها هي مصدر من مصادر المعرفة، فكتابات حلاق وطه عبد الرحمن والجابري وحنفي وطرابيشي ونجيب محمود والعوا وغيرهم من المفكرين العرب، تخلو من أيّ مسوح علمية،

ولاا تعود إلى معطيا العلوم الإجتماعية إلاا نادرا، وهو أمر مقلق قد يشير إلى تعلّقهم العاطفي بأفكارهم. يضاف إلى ذلك أن المسوح العلمية تمكّننا من معرفة التغيرات التي تطرأ على القيم الأخلاقية والسياسية عند العربي مع مرور الزمن؛ الأمر الذي إن دل على شيء فإنه يدل على أن الفكر العربي يعاني نوعًا من

الجوهرانية عندما يفكر في عرب اليوم.

ج. العلاقة بين الدين والأخلاق

بيّن المؤشر العربي أن قسمًا كبيرًا من مضمون التدين لدى العربي هو الأخلاق الفردية الحميدة (الصدق

والأمانة وحسن معاملة الآخرين ومساعدة المحتاجين وصلة الرحم)، إذ يرى نحو 57 في المئة من عرب اليوم أن أهم شرط للتدين هو التحلي بالأخلاق الفردية الحميدة، في حين قال 38 في المئة إن أهم شرط للتدين هو "إقامة الفروض والعبادات"، حتى إن نسبة منلاا يربط بين الدين والأخلاق ارتفعت كثيرًا،

عندما تعلّق الأمر بتقييم الأشخاص غير المتدينين، وإذا ما كانوا سيئين أخلاقيًا أم  لا، لاا لشيء إلاا لأنهم غير

متدينين. فقد رفض 78 في المئة من العرب مقولة "إن كل شخص غير متدين هو بالتأكيد شخص سيئ"، في حين وافق عليها 18 في المئة، مثلما  رفض 71 في المئة مقولة "يحقّ لمرشحي لاانتخابات استخدام

الدين من أجل كسب أصوات الناخبين"، في حين وافق عليها نحو 23 في المئة فقط، ورفض 48 في المئة مقولة "من الأفضل للبلد أن يتولى المتدينون المناصب العامة في الدولة"، في حين أيدها 46 في المئة، الأمر الذي يبيّن أن هناك انقسامًا واضحًا بشأن تدين الحاكم من عدمه، ومع ذلك يُبقي عدد كبير من الحكام

العرب على مادة دستورية تحدد دين رئيس الدولة. كذلك، بيّن المؤشر العربي أن معدل التسامح لدى

العرب مرتفع جدًا، حتى فيما يتعلق بقضايا الدين، فقد وافق 69 في المئة على مقولة "ليس من حق أيّ جهة

تكفير الذين يحملون وجهات نظر مختلفة في تفسير الدين"، في حين رفضها 26 في المئة.

د. تراجع تأثير الأيديولوجيا في عرب اليوم

وافق 53 في المئة من عرب اليوم على قبول أن يحكم البلد حزب سياسي لاا يتفقون معه إن وصل إلى الحكم بانتخابات نزيهة، وفي المقابل رفض ذلك نحو 40 في المئة، يضاف إلى ذلك أن 71

(11((المرجع نفسه، ص.335 (11((المرجع نفسه، ص.339 (11((المرجع نفسه، ص.370 (11((المرجع نفسه، ص.374 (11((المرجع نفسه، ص.344 (11((المرجع نفسه، ص.210

في المئة وافق على نظام سياسي تنافسي يحكم البلاد؛ أي تتنافس فيه جميع الأحزاب من مختلف الأيديولوجيات، في حين رفض ذلك نحو 21 في المئة، وعد 61 في المئة أن نظامًا تقوده "أحزاب

إسلامية" غير ملائم للبلدان العربية، في حين وافق على ذلك نحو 31 في المئة، ورفض 70 المئة أن يحكم البلاد "أحزاب غير دينية"، في حين وافق 21 في المئة على ذلك، ونحو 56 في المئة رفض نظام شريعة إسلامية من دون انتخابات أو أحزاب، في حين وافق 35 في المئة على ذلك. هكذا، يمكننا أن ننهي هذا الجزء من الدراسة بالقول إن الأخلاق السياسية لعرب اليوم لم تعُد ترى أن هناك تعارضًا جديًّا بين الأخلاق التراثية/ الدينية وأخلاق الحداثة السياسية، وأن كتب "الآداب السلطانية"

و"السياسات الشرعية" (التي تتحدث عن طاعة الحاكم والخضوع له إجماالً) لم تعُد تُقرَأ كثيرًا من قِبَل

العرب، مثلما تُقرأ بين أوساط النخب الفكرية؛ فالعربي اليوم لم يعُد يجد أيّ تعارض بين خروجه على

الحاكم وقيمه الدينية، مثلما تُردّد النخب الثقافية العربية القريبة من الأنظمة الحاكمة منذ زمن، ولم يعُد يجد أيّ تعارض بين ورعه الديني والديمقراطية، وأن الثورة لم تعُد "فتنة" كما تقول بعض النخب الإسلامية

السياسية، مثلما بات يُعرف بأن الطاعة تجلب له الأمان والسلامة، ولكنه أصبح يدرك تمامًا أن الطاعة تجلب

الذل والظلم أيضًا. اليوم، يمكننا القول بصورة واضحة إن النماذج التفسيرية التي قدّمتها نخب عربية فكرية ودينية وسياسية وعدد من المستشرقين لم تعُد تصلح لمقاربة الأخلاق السياسية للمجتمع العربي الحديث. وبناء على ذلك، يمكن القول إن مساحة أخلاق الحداثة باتت أكثر من مساحة أخلاق التراث ضمن حقل الأخلاق السياسية لعرب اليوم، وحجتنا في ذلك أن الأخلاق السياسية للعربي المعاصر تقدّم ثقافة الحقوق والديمقراطية على ثقافة الطاعة للحاكم، ولاا تُعلي من أخلاق الزهد في الدنيا، مثلما تعطي الأولوية لمقاربة السياسة من منظور حقوقي على أولوية لاانتماءات الأيديولوجية والمذهبية والهُوَوِيَّة.

في هذه النقطة يتبنّى الفرد العربي الأخلاق السياسية الحديثة، سواء أكان متدينًا أم غير متدين، وسواء أكان متعلمًا تعليمًا عاليًا أم  لا، وسواء أكان ذا أيديولوجيا معينة (قومية أو يسارية أو إسلامية) أم  لا يعطي

وزنًا مهمًا للبعد الأيديولوجي. فالعربي اليوم هو في النهاية جزء من هذا العالم الحديث وأخلاقه، هي

في العموم أخلاق حداثية متشربة روح العصر، ولاا يرى تقابلً أو تعارضًا بين قيم الحداثة الغربية وانتماءاته الدينية أو القومية أو العشائرية. وحين ندّعي أن العربي اليوم يأخذ في حسبانه أخلاق الحداثة، وهي تختلف اختلافًا كبيرًا عن

الأخلاق في العصور السابقة، فإنما نعني أنه ينطلق في تفكيره الأخلاقي من مركزية مكانة الإنسان في

(11((المرجع نفسه، ص.186 (11((المرجع نفسه، ص.185 (11((بينت إحدى الدراسات الإحصائية أن كتب الآداب السلطانية والسياسات الشرعية ليست من أول ثمانية وعشرين كتابًا مقروءًا

في التراث العربي. اعتمد الباحث على البيانات التي قدّمها موقع الوراق الإلكتروني المعروف عن كتب التراث. ينظر: الحاج

صالح، الوجه السياسي، ص.257–256 (11((حول المقصود بأخلاق الحداثة، ينظر: تايلر، ص 70–51؛ تشارلز لاارمور، الحداثة والأخلاق، ترجمة وتعليق الزواوي بغورة (الكويت: دار صوفيا، 2022)، إذ يبين لاارمور أن الأخلاق اليوم تهتم بقضيتين أساسيتين هما الليبرالية والعدالة.

الحياة العامة، وأنه مدركٌ مفهوم حقوق الإنسان وحقوق الشعوب، وأهمية الديمقراطية بوصفها خيارًا

يلائم البشر كلهم، ومركزية قضية العدالة والمساواة في حياة البشر، والتعامل مع الدولة من حيث هي ممثل للكل لااجتماعي وليست مرتبطة بعائلات وزعماء وعصبيات، ومشروعية فكرة الثورة أداةً لإجبار السلطة على تعديل سلوكياتها لااستبدادية، وبروز فكرة المواطنة، وهي قيم تذهب الدراسة إلى أنها اليوم قيم عالمية، وأن عرب اليوم، مثل بقية شعوب الأرض، متشربون تلك القيم ومقتنعون بأنها لاا تلائمهم فحسب، بل إنهم مستعدون للعمل من أجل المضي في المساهمة في هذا الخيار، لأنهم يعتقدون أنه الطريق الأجدى لخلاصهم من حالة "التراجع الحضاري"، حتى إن ستيفن سيدمان Steven Seidman يذهب إلى أنه بحلول الحرب العالمية الأولى، فإن نحو 80 في المئة من العالم وقع تحت لااستعمار الأوروبي الذي سلب ونهب، ولكنه أيضًا أدخل قيم الحداثة السياسية إلى المناطق التي استعمرها، برغبة منه أو من دون رغبة؛ ف لااستعمار الإنكليزي للعراق، مثلً، هو ما جعل أهله يدركون أن الدولة ممثل للجميع لاا مجرد دولة عصبية، وأن لهم حقوقًا يجب عليها أن تحترمها، كما أنهم تعلموا أن الثورات وسيلة سياسية مشروعة للتعبير عن مواقف الشعوب. وقُل مثل ذلك في الشرق الأوسط بكامله.

خاتمة واستنتاجات

نصل في خاتمة الدراسة إلى أن الفكر الأخلاقي العربي المعاصر كان عليه لاالتفات أكثر إلى القضايا التالية: 1) مشكلة تضخم المنظور الهوياتي للأخلاق: وجدنا أن غالبية المفكرين العرب الذين تناولناهم يقاربون الأخلاق من منظور هوّياتي يرى أن للعرب أخلاقًا خاصة عليهم المحافظة عليها

وبلورتها في مواجهة أخلاق أخرى، قد تكون فارسية عند الجابري، أو حداثية عند المسيري وطه عبد الرحمن ووائل حلاق. هذا المنظور يحوّل الأخلاق إلى مسألة هوية، وبحث عن خصوصيات

حضارية وتراثية، يُفقدها مضمونها لااجتماعي/ السياسي المعاصر، من حيث هي صدى لعصرها

وإشك لااته المتدفقة. فأخلاق التواصل عند هابرماس – مثلً – هي محاولة لدفع المجتمع إلى حل خلافاته عن طريق الحوار العقلاني في المجال العام، وحل مشكلات المجتمعات عن طريق التفاهم بعيدًا عن العنف الذي تعب العالم الغربي منه، ونظرية "العدالة إنصافًا" عند جون رولز تهدف إلى إعطاء العدالة لااجتماعية دورًا أكبر في الدول الرأسمالية المعاصرة، ومنح الفئات الأضعف فرصًا إضافية لتعويض ح لاات اللامساواة لااجتماعية و لااقتصادية ودفعها إلى لااندماج في مجتمعاتها أكثر.

12(((ستيفن سيدمان، معرفة متنازع عليها: النظريات الاجتماعية في أيامنا، ترجمة مرسي الطحاوي، مراجعة عمر سليم التل (الدوحة/ بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، 2021)، ص.546–545 12(((جون رولز، العدالة كإنصاف: إعادة صياغة، ترجمة حيدر حاج إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص.148

يبعدنا المنظور الهوياتي لأخلاق أيضًا من التفكير بالأخلاق بوصفها كونية، من حيث إنها تحمل بعدًا إنسانيًّا عامًّا، بغضّ النظر عن الخصوصيات القومية والدينية للشعوب، وهو ما تفترضه الفلسفة ضمنيًا.

فالتأسيس لأخلاق على أساس خصوصيات تراثية أو قومية واستجرارها لمجرد أن نثبت خصوصيتنا (هاجس الجابري وطه عبد الرحمن)، هو عمل ليس فلسفيًا في نهاية الأمر، إلى درجة أننا لاا نعثر

حتى على تبريرات عقلانية لتحويل هذه الخصوصية إلى فلسفة عالمية. فطه عبد الرحمن يخاطب المسلمين فقط في كتبه، والجابري يخاطب العرب فقط، ووائل حلاق يحصر خطابه في شعوب الدول التي وقعت تحت لااستعمار الغربي في القرن الماضي، على الرغم من الجهد النقدي المعمق الذي يقدمونه للحداثة الغربية. 2) مشكلة الفصل بين الأخلاق والفاعلين الاجتماعيين: لاا  يمكن حصر مجال الأخلاق في إطار نظام أو عقلية أو بنية، سواء أكان ذلك في مستوى المجتمع أم الدين أم لااقتصاد أم التراث، فبُنى المجتمعات

(وهي بُنى تقوى وتضعف على أيّ حال)، تؤثّر في المجتمع وتضغط عليه وفق آلياتها الخاصة، ولكنها

تتأثر أيضًا بأفعال البشر ومقاصدهم ودورهم. هذا يعني أن أيّ بحث في أخلاق عرب اليوم لاا بد

من أن يُقيم نوعًا من التفاعل بين ضرورات البنى لااجتماعية وخيارات الذات المرنة. وحتى الذات،

في النهاية، ليست ذاتًا ثابتة بقدر ما تتغير وتنمو مع تجاربها، على الأقل من حيث إنها تعيد إنتاج وعيها وأفكارها عن نفسها من حين إلى آخر. لذلك، لاا يمكن النظر إلى الأخلاق إلاا بوصفها موضوعًا للصراع في العالم العربي، ومجاالً للتجاذب بين الفرد والمجتمع والسلطات. إن أهم أنواع الصراع اليوم هو مبادلة الحرية بالأمن، والتخويف من أخلاق الحداثة، إضافة إلى دفع التراث إلى احتلال المجال الأخلاقي والسياسي، وقتل السياسة بالتاريخ، أو ما تسميه حنة أرندت Arendt Hannah (1975–1906) ب "الوسائل السياسية لإدراج الإنسان في مجرى التاريخ". وكثيرًا ما  تساوم نخبٌ

عربيةٌ حاكمةٌ الناسَ على أن عدم التزامهم أخلاقًا سياسية معيّنة سيؤدي إلى الفوضى وانهيار المجتمع.

هذه الصيغة ظهرت بقوة في زمن ثورات الربيع العربي، وطبعًا لم تنتبه إلى أن هذه الصيغة التي تهدد العربي في أمانه إن لم يلتزم أخلاقًا سياسية تُعلي من الطاعة والتراتبية والزهد، قد تغيرت في ذهن أخلاق العربي السياسية، وأنه دخل معترك تلك الثورات بدافع من تغير تلك الأخلاق. ينبّهنا ريتشارد رورتي Rorty Richard (2007–1931) إلى أن من أهم نتائج الثورات الفرنسية والأميركية

تراجع النظر إلى الأخلاق على أنها تنتمي إلى عالم الفكر والميتافيزيقا والعقائد فحسب، بحيث تحولت دراسة الأخلاق إلى نوع من دراسة التاريخ والمجتمع، إلى درجة دفعته إلى القول إن لكل مرحلة تاريخية أوضاعًا اجتماعية معيّنة، وأخلاقها التي تظهر معها، وإن مهمة الفلسفة هي استخلاص أخلاق

العصر الذي تعيش فيه. كما  نتفق هنا مع شكوى سيدجويك من أن المناهج الأخلاقية التي ترى أن

12(((حنة آرندت، ماالسياسة؟ ترجمة زهير الخويلدي وسلمى بلحاج مبروك (الجزائر: منشورات لااختلاف؛ الرياض: منشورات ضفاف؛ بيروت: دار الزمان، 2014)، ص.41 12(((ريتشارد رورتي، "الديمقراطية والفلسفة"، ترجمة محمد مطر، مجلة الفكر العربي المعاصر، مج  30، العدد 151–150 (2010)، ص.55

"الأخلاق النظرية أو المطلقة لاا يجب أن تبحث فيما يجب القيام به هنا والآن، ولكن ما يجب أن يكون قواعد للسلوك البشري المثالي"، هي مناهج مثالية، تتشبَّه بالهندسة وتعاملها مع الخطوط المثالية، في

حين أن الفلسفة الأخلاقية يجب ألاا تسرف في التعامل مع مجتمعات مثالية مخترعة، بل مع المجتمع الفعلي. ينطبق هذا أيضًا على دراسة الأخلاق السياسية في العالم العربي، إذ لم يعد من المجدي اليوم القيام باستبصار أخلاقي وفق طريقة النموذج الكانطي الذي حاول استخراج الأخلاق من التأمل الفلسفي، أو النموذج الجابري الذي حاول استخراج الأخلاق من التاريخ والتراث، بل لاا بد من النظر إلى الأخلاق بوصفها قضية اجتماعية وسياسية أوالً وقبل أي شيء، بمعنى أن الناس يفكرون في معاييرهم الأخلاقية انطلاقًا من تجاربهم وواقعهم، وهم يعيدون النظر في قيمهم الأخلاقية من حين إلى آخر، لكي يجدوا حلوالً لمشاكلهم وأوضاعهم التي تضغط عليهم. مشكلة التفكير الأخلاقي العربي أنه يقارب الأخلاق في المجال العربي بوصفها كتابًا بلا مؤلف، أو يتيمة بلا أب، ثم يحاول الجميع أن

يتبنَّوها، أو يؤلّفوها، كما يحلو لهم. 3) الثقل الأخلاقي للعربي حداثي أكثر منه تراثيًا: ويمكننا إجمال مشكلة تيار أخلاق التراث الذي يرفض

أخلاق الحداثة السياسية في اعتقاده أن الثقل الأخلاقي للعربي المعاصر مشدود في اتجاه الماضي، وأنه مثقل بالقلق الهوياتي بشأن خصوصيته الحضارية، في حين بيّنت ثورات الربيع العربي، وكذلك

الأرقام الميدانية، أن ذلك الثقل متجه إلى الحاضر وهمومه أوالً، وأنه ثقل سياسي واجتماعي أكثر مما هو ثقل تراثي أو أيديولوجي أو حضاري ثانيًا، وأن مضمون الأخلاق السياسية للعربي المعاصر؛

أي تفكيره في قضايا الحرية والعدالة والمساواة ونظام الحكم وعلاقة الفرد بالمجتمع، هو مضمون حداثي ينشد نموذجًا ديمقراطيًا ثالثًا، من دون أن يعني ذلك رفض التراث الديني، لأن الخصوصية

الثقافية والدينية أمر ليس له علاقة بالتفاعل الإيجابي مع الحداثة. 4) العودة إلى الناس العاديين: ونقصد بذلك أن مناقشة قضية علاقة الأخلاق بالسياسة في الفكر العربي المعاصر ليس لها أيّ جدوى، إن لم تعُد إلى الناس العاديين ومعرفة اتجاهاتهم وأخلاقهم السياسية؛

ذلك أن غالبية الأدبيات الأخلاقية العربية تركّز على تلك العلاقة من خلال العودة إلى الكتب والبحوث والخطابات التي تنتجها النخب الثقافية والفكرية والدينية العربية، والخطاب لااستشراقي، من دون أيّ

عودة إلى المعطيات الميدانية التي تقدّمها المراكز البحثية والجامعات بشأن رأي سكان المنطقة العربية حول مختلف القضايا الأخلاقية ولااجتماعية والسياسية ولااقتصادية، من أجل استخلاص د لالاات هذه الأرقام، وتقييم تلك العلاقة في ضوء تلك المعطيات. وهذا إن دلّ على شيء، فإنما يدلّ على تجاهل النخب العربية الثقافية لأوضاع عرب اليوم وحقوقهم وهمومهم بوصفها هدفًا لعملية التفكير في الأخلاق السياسية (يُذكر أن إخفاء الأرقام والإحصاءات الحساسة حول أمور التدين والسياسة

والطائفية ولااقتصاد مهمة تقوم بها غالبية الأنظمة العربية على نحو حيوي، إلى درجة أن بعضها يعتبرها مسألة أمن دولة). حتى إنه يمكن القول إن الفكر الألماني أو الفرنسي المعاصر، على سبيل المثال، يفكر بالألمان والفرنسيين أكثر إلى حد بعيد من تفكير الفكر العربي المعاصر بعرب اليوم. نسيان عرب

(124) Sidgwick, p. 10.

اليوم يبيّن أن الفكر الأخلاقي العربي –كما ذكرنا – في جانب كبير منه، هو فكر غير معاصر، يعطي

أولوية للتاريخ والتراث والدين على الناس العاديين. إنه فكر ما زال يعيش عبر الميتافيزيقا في الوقت الذي تراجعت فيه الميتافيزيقا في العالم؛ فكر يعيش عبر التاريخ في الوقت الذي تحوّل فيه التاريخ

إلى مجرد تابع للسياسة؛ فكر لاا يتعاطف ولاا يعايش هموم الناس ومشاغلهم إلاا من زاوية نخبوية، تذكرنا بالمثقف الداعية والواعظ، في الوقت الذي تحوّل فيه المثقف إلى صانع للحقيقة ومغيّر للوعي

الإنساني، وكاشف للمصالح وعلاقات القوة القابعة خلف الأفكار كما يردد دائمًا فوكو. 5) الأخلاق الفردية غير الحميدة ليست هي المشكلة: تركّز غالبية المفكرين العرب وبعض المستشرقين على دور الأخلاق الفردية (كقيم الصدق والأمانة والتراحم) في التراجع الحضاري وعدم تمكّن العرب من إقامة دولة العدالة والمساواة، مثلما أنها تضخّم من دور الأخلاق الفردية غير الحميدة (كالكذب والنفاق وعدم التراحم وخيانة الأمانة) وتعطيها دورًا سياسيًا كبيرًا، من حيث إن تلك الأخلاق هي

ما يحدد هوية المجتمع ووضعه الكلي في النهاية. في حين أن مشكلة عدم تمكّن العرب من إقامة دول العدالة والمساواة تعود إلى أن غالبية سلطات دول المنطقة هي سلطات غير أخلاقية، من حيث إنها لاا تهتم بالعدالة والمساواة. بناء على ذلك، فإن المشكلة غير المطروحة أمام الفكر الأخلاقي العربي هي: كيفية تعامله مع لااأخلاقية أنظمة الحكم، لأنه لاا يعطي المسؤولية الأخلاقية للدولة الأهمية التي تستحق. لذلك، نجد أن المشاريع الأخلاقية العربية تحاول تجذير الأخلاق الفردية غير الحميدة بوصفها المشكلة الرئيسة. يذكر أن الأخلاق الفردية، وفق أفلاطون وأرسطو، من إنتاج الفضاء العام الذي ترعاه الدولة وقوانينها، أو أن للدولة دورًا كبيرًا فيها على أقل تقدير، ولذلك فإن تفسير لااختلافات

بين الأخلاق الفردية للسوري أو المصري، عن الأخلاق الفردية لألماني والسويدي مثلً، بأنها تعود، في جزء كبير منها، إلى النظام السياسي الذي يحكم هذه الشعوب أو الوضع لااجتماعي والسياسي لها، له مسوغات وجيهة، ومن دون أخذها في الحسبان لاا يمكننا إلاا أن نقع في نوع من العنصرية.

References

المراجع

العربية

إبراهيم، زكريا. المشكلة الخلقية. القاهرة: مكتبة مصر،.1967 أرسطوطاليس. علم الأخلاق إلى نيقوماخوس. ترجمة أحمد لطفي السيد. القاهرة: مطبعة دار  الكتب المصرية،.1924 آرمسترونغ، كارين. النزعات الأصولية في اليهودية والمسيحية والإسلام. ترجمة محمد الجورا. دمشق: دار الكلمة للنشر والتوزيع،.2005 آرندت، حنة. ما السياسة؟ ترجمة زهير الخويلدي وسلمى بلحاج مبروك. الجزائر: منشورات لااختلاف؛ الرياض: منشورات ضفاف؛ بيروت: دار الزمان،.2014

أغامبين، جورجو. حالة الاستثناء. ترجمة ناصر إسماعيل. القاهرة: مدارات لأبحاث والنشر،.2015 أفلاطون. الجمهورية. ترجمة فؤاد زكريا. الإسكندرية: دار  الوفاء لدنيا الطباعة والنشر،.2004 برنامج قياس الرأي العام العربي. المؤشر العربي 2022. الدوحة: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات،.2022 بيات، آصف. الحياة سياسة: كيف يغير بسطاء الناس الشرق الأوسط. ترجمة أحمد زايد. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2014 بشارة، عزمي. الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج  2، مج 1: العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات،.2015 ________. الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج  2 مج، 2: العلمانية ونظريات العلمنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات،.2015 ________ الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة. الدوحة / بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات،.2018 ________. الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة / بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات،.2020 بتنام، هيلاري. العقل والصدق والتاريخ. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. مراجعة هيثم غالب الناهي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2012 تايلر، تشارلز. منابع الذات: تكوين الهُويَّة الحديثة. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2014 الجابري، محمد عابد. العقل الأخلاقي العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2001 جدعان، فهمي. مرافعات المستقبلات العربية الممكنة. بيروت / القاهرة/ الدار البيضاء: الشبكة العربية لأبحاث والنشر،.2016 جيلسبي، مايكل ألين. الجذور اللاهوتية للحداثة. ترجمة فيصل بن  أحمد الفرهود. بيروت: دار جداول،

الحاج صالح، رشيد. الوجه السياسي للثقافة العربية المعاصرة. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،

________. "العشائر والثورة السورية: الأدوار والإمكانات". مجلة قلمون. العدد.)2018(5

حلاق، وائل. الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي. ترجمة عمرو عثمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات،.2014 ________. ما هي الشريعة؟ ترجمة طاهر عامر وطارق عمران. بيروت / الرياض: مركز نماء للبحوث والدراسات،.2016 حميد، شادي. الاستثنائية الإسلامية: كيف يعيد الصراع على الإسلام تشكيل العالم. ترجمة صلاح حيدوري. مراجعة خالد بن مهدي. بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات،.2018 حنفي، حسن ومحمد عابد الجابري. حوار المشرق والمغرب. بيروت / عمّان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1990 دايموند، لااري. روح الديمقراطية. ترجمة عبد  النور الخرافي. بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر،

دراز، محمد عبد  الله. دستور الأخلاق في القرآن. ترجمة وتعليق عبد  الصبور شاهين. مراجعة محمد السيد بدوي. القاهرة: مؤسسة الرسالة،.1950 دمج، محمد أحمد. مرايا الأمراء والحكمة السياسية والأخلاق والتعاملية في الفكر الإسلامي الوسيط. بيروت: مؤسسة بحسون للنشر والتوزيع؛ دار المنال،.1994 رانتانن، تيرهي. الأخبار: نشأتها وتطورها. ترجمة كوثر محمود محمد. مراجعة ضياء وراد. لندن: مؤسسة هنداوي،.2015 راسل، برتراند. المجتمع البشري: في الأخلاق والسياسة. ترجمة عبد  الكريم أحمد. مراجعة حسن محمود. القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية،.1960 رورتي، ريتشارد. الديمقراطية والفلسفة. ترجمة محمد مطر. مجلة الفكر العربي المعاصر. مج  30، العدد 151–150.)2010(رولز، جون. العدالة كإنصاف: إعادة صياغة. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2009 ________. "العدالة إنصافًا: نظرية سياسية وليست ميتافيزيقية". ترجمة نوفل الحاج لطيف. تبين. مج 11، العدد 43.)2023(________. نظرية في العدالة. ترجمة ليلى الطويل. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب،.2011 ريكور، بول. "الأخلاق والسياسة". ترجمة عبد  الحي أزرقان. مدارات فلسفية. العدد).2001(6

________. من النص إلى الفعل. ترجمة محمد برادة وحسان بورقية. القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية ولااجتماعية،.2001 سراج، نادر. مصر الثورة وشعارات شبابها: دراسة لسانية في عفوية التعبير. الدوحة / بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات،.2014 سيدمان، ستيفن. معرفة متنازع عليها: النظريات الاجتماعية في أيامنا. ترجمة مرسي الطحاوي. مراجعة عمر سليم التل. الدوحة/ بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات،.2021 شميث، كارل. اللاهوت السياسي. ترجمة رانيا الساحلي وياسر الساروط. الدوحة / بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات،.2018 صعب، حسن. مقدمة لدراسة علم السياسة. بيروت: منشورات المكتب التجاري،.1961 ضاهر، عادل. الأخلاق والعقل. عمّان: دار  الشروق للنشر والتوزيع،.1990 طرابيشي، جورج. هرطقات 2: عن العلمانية كإشكالية إسلامية – إسلامية. بيروت: دار  الساقي،.2008 ________. مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة. ط  3. بيروت: دار الساقي،.2012 الطويل، توفيق. مذهب المنفعة العامة في فلسفة الأخلاق. القاهرة: مكتبة النهضة المصرية،.1953 عبد  الرحمن، طه. سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية. الدار  البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2000 ________. روح التدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية. ط  2. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2012 ________. بؤس الدهرانية: النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين. بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر،.2014 العوا، عادل. القيمة الأخلاقية. دمشق: جامعة دمشق،.1960 العوادي، سعيد. البلاغة الثائرة: خطاب الربيع العربي، عناصر التشكل ووظائف التأثير. بغداد: دار شهريار،.2017 عوض، نجيب جورج. "العلمانية واللاهوت: قراءات لااهوتية وفلسفية معاصرة لعلاقة التنوير والحداثة بالفكر الديني". تبين. مج  12، العدد 45.)2023(غوفان، فرنسوا. "حوار مع الفيلسوف تشارلز تايلر". ترجمة عبد  الستار الجامعي. مدارات. العدد 31

غيرتز، كليفورد. تأويل الثقافات. ترجمة مجمد بدوي. مراجعة بولس وهبة. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2009 غيلنر، إرنست. المجتمع المسلم. ترجمة أبو  بكر أحمد باقادر. مراجعة رضوان السيد. بيروت: دار المدى الإسلامي،.2005 فوكنر، بول وسبمسون توماس. فلسفة الثقة: إسهامات متميزة مطورة وتأسيسية. ترجمة مصطفى سمير عبد الرحيم. الجزائر: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ بيروت: دار الروافد الثقافية،.2022 فوكو، ميشيل. تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي. ترجمة سعيد بنكراد. الدار  البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2006 فوكوياما، فرانسيس. الإسلام، الحداثة والربيع العربي. حوار رضوان زيادة. ترجمة حازم نهار. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2015 فيبر، ماكس. العلم والسياسة بوصفهما حرفة. ترجمة جورج كتورة. مراجعة وتقديم رضوان السيد. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2011 لاارمور، تشارلز. أخلاق الحداثة. ترجمة مايكل مدحت يوسف. القاهرة: المركز القومي للترجمة،

________. الحداثة والأخلاق. ترجمة وتعليق الزواوي بغورة. الكويت: دار  صوفيا،.2022 لويس، برنارد. أزمة الإسلام: الحرب الأقدس والإرهاب المدنس. ترجمة حازم مالك محسن. دمشق: صفحات للدراسات والنشر،.2013 ماكنتاير، ألسدير. بعد الفضيلة: بحث في النظرية الأخلاقية. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2013 محمود، زكي نجيب. قيم من التراث. لندن: مؤسسة هنداوي،.2021 ________. في تحديث الثقافة العربية. لندن: مؤسسة هنداوي،.2022 المسيري، عبد  الوهاب. العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة. القاهرة: دار  الشروق،.2002 مغيث، كمال. هتافات الثورة المصرية ونصوصها الكاملة. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2014 مكيافيلي، نيقولاا. الأمير. ترجمة أكرم مؤمن. القاهرة: ابن  سينا،.2004 ميل، جون ستيوارت. النفعية. ترجمة سعاد شاهرلي حرار. مراجعة هيثم غالب الناهي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2012

هاشمي، نادر. الإسلام والعلمانية والديمقراطية الليبرالية. ترجمة أسامة غاوجي ومازن أبو  رمان. بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر،.2017 هنتجتون، صامويل. صدام الحضارات: إعادة صنع النظام العالمي. ترجمة طلعت الشايب. تقديم صلاح قانصوه. ط 2. القاهرة: سطور،.1999 هوبز، توماس. اللفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة. ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب. مراجعة وتقديم رضوان السيد. بيروت: دار الفارابي؛ أبوظبي: مشروع كلمة للترجمة،.2011

الأجنبية

Almond, Gabriel A. & S. Verba. The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy

Chatty, Dawn. Syria: The Making and Unmaking of a Refuge State. Oxford University

Merkl, Peter H. Modern of Comparative Politics. New York/ London: Rinehart and

Sidgwick, Henry. The Methods of Ethics. New York: Jonathan Bennett, 2017. Taylor, Charles. A Secular Age. Cambridge, MA: The Belknap Press of Harvard

in Five Nations. London: Sage Publications, 1989.

Press, 2018.

Winston, 1970.

University Press, 2007.