حقوق الإنسان بين النزعتين العقلانية والعاطفية
Human Rights, Rationality and Sentimentality
الملخّص
يهدف ريتشارد رورتي في دراسته هذه إلى تبنّي أرضية تاريخية وسياسية لثقافة حقوق الإنسان، مستبعدا إمكانية تأسيسها فلسفيًا ونظريًا من خلال وجهتَي نظر أفلاطون وإيمانويل كانط العقلية والكونية. ويؤكد في الوقت نفسه بُعديها الزمني والاجتماعي في مقاربة الأحداث التاريخية وتطوّر التجارب الإنسانية، التي أفضت، عبر تراكماتها، إلى تبنّي ثقافة حقوقية لا تستند في كلّيتها إلى العقلانية، بل تُدرج ضمنها أيضًا جملة المشاعر. ومن ثمّ، تعدّ العواطف البشرية عنصرًا فاعلًا في الطبيعة الإنسانية وفق تصوّر ديفيد هيوم وما أكدته آنيت باير. إذًا، بين العقل والعاطفة، يتأرجح النقاش الفلسفي في نشأة ثقافة الغرب لحقوق الإنسان وتطوّرها. فرورتي لا يكترث كثيرًا في اتهامه بالنسبية واللاتأسيسية واللاعقلانية فيما يتعلق بتجذير ثقافة حقوق الإنسان. وينسجم فيلسوف البراغماتية الجديدة مع طرحه في استبدال الجانب النظري للفلسفة بآخر سردي روائي، وبالتجربة التي ترويها الصحافة والإعلام عمومًا، لينقل في تقاريره مأساة البشر بما يعزّز من تلقّيها بالتعاطف، وليس بالتعقل وحده، كما درج بعض الفلاسفة على تكريسها.
Abstract
Professor of contemporary philosophy and bioethics, department of philosophy, university of constantine 2, Algeria. djedidi@mail.usa.com
Lecturer of modern and contemporary philosophy, at the philosophy department, faculty of arts, helwan university. michael_mansour@arts.helwan.edu.eg
- حقوق الانسان
- الطبيعة البشرية
- العقلانية
- Human Rights
- Human Nature
- Anti-foundationalism
- Rationality
- Sentimentality
- Historicism
في تقرير من البوسنة، ذكر ديفيد ريف1، "بالنسبة إلى الصرب، لم يعد المسلمون بشرًا [...] فالسجناء المسلمون، وهم ممددون على الأرض في صفوف، ينتظرون الاستجواب، اقتادهم حارس صربي وزجّ بهم في شاحنة توصيل صغيرة"2. وظهرت ثيمة التجرّد من الإنسانية مرةً أخرى عندما صرّح ريف: "أُجبر أحد الرجال المسلمين في مدينة بوزانسكي بيتروفاك Bosanski Petrovac3 [...] على قضم قضيب رفيقه المسلم [...] وإذا قلتُ إن رجلًا ما ليس إنسانًا، لكنه يشبهك، فإن السبيل الوحيد لتحديد هوية هذا الشيطان هي إرغامه على خلع سرواله – ذلك أن الرجال المسلمين مخْتُونُون، بينما الصرب ليسوا كذلك – فمن المحتمل أّلا يتطلّب الأمر سوى خطوة قصيرة، من الناحية النفسية، للإقدام على قطع قضيبه [...] لم يحدث قطّ أن خلَت حملة تطهيرٍ عرقي من السّادية الجنسية"4. إنّ الحكمة المستخلصة من قصص ريف هي أن القتلة والمغتصبين الصربيين لا يرون أنفسهم منتهكين لحقوق الإنسان؛ فهم لا يعتبرون أفعالهم موجّهة ضد رفاقهم في الجنس البشري، بل ضد "مسلمين".
ومن ثم، فإنهم لا يرون أنفسهم متوحشين أو غير إنسانيين، بل بالأحرى يقومون بالتمييز بين "بشر حقيقيين" و"بشر زائفين" أو أشباه بشر. إنهم يمارسون نوع التمييز نفسه الذي انتهجه الصليبيون حين فرّقوا بين البشر و"الكلاب الكافرة"، أو ما قام به المسلمون السود عندما ميّزوا بين "البشر" و"الشياطين ذوي العيون الزرقاء". وكان مؤسس جامعتي5 قادرًا على الجمع بين امتلاك العبيد والاعتقاد بداهة أن الخالق وهب جميع البشر حقوقًا راسخة ومؤكدة. ومردّ ذلك كونه أقنع نفسه بأن وعي السود، مثل وعي الحيوانات، "أقرب إلى الإحساس منه إلى التفكير"6. وعلى غرار الصرب، لم يكن السيد جيفرسون يرى في قرارة نفسه أنه منتهك لحقوق الإنسان. يعتقد الصرب أنهم يعملون لمصلحة الإنسانية الحقيقية من خلال تطهير العالم من الإنسانية الزائفة. وفي هذا الإطار، فإن صورتهم عن أنفسهم تشبه ما كان يأمله فلاسفة الأخلاق من تنقية العالم من الأحكام المسبقة والخرافات. وستسمح لنا مثل هذه التنقية بالارتقاء فوق طبيعتنا الحيوانية، وذلك بأن نصبح، أول مرة، عقلانيين بالكامل، ومن ثم إنسانيين بالكامل. يستعمل الصرب والأخلاقيون وجيفرسون والمسلمون السود جميعهم مصطلح "الرجال"، ويعنون به "أناسًا مثلنا". ويعتقد جميعهم أن الخط الفاصل بين البشر والحيوانات لا يفصل بين أصحاب القدمين عديمتَي الريش Featherless Bipeds7وبقية الحيوانات فحسب، بل بالأحرى، يفصل هذا الخط "بعض" أصحاب القدمين عديمتَي الريش عن غيرها: فهناك حيوانات تمشي على هيئة بشرية. فنحن ومن يشبهوننا نمثّل حالات نموذجية للإنسانية، لكنّ بقية الكائنات التي تختلف عنا كثيرًا في السلوك أو العادات، تُعدّ، في أفضل تقدير، حالات بينية مختلفًا عليها. ومثلما يقول كليفورد غيرتز8: فإن، "أكثر ادّعاءات البشر إلحاحًا في المطالبة بالإنسانية تتجلّى في لهجات الفخر الجماعي9.
نحن هنا في الديمقراطيات الآمنة والثرية، نشعر تجاه الجّلا دين والمغتصبين الصرب كما يشعرون هم تجاه ضحاياهم المسلمين؛ إنهم يشبهون الحيوانات أكثر مما يشبهوننا. لكننا لا نقوم بشيء من أجل مساعدة النساء المسلمات اللائي تعرّضن للاغتصاب الجماعي، أو من أجل الرجال المسلمين الذين تعرّضوا للإخصاء، مثلما لم نفعل شيئًا في الثلاثينيات عندما كان النازيون يتسلّون بتعذيب اليهود. هنا في الدول الآمنة، نجد أنفسنا نقول أشياء، من قبيل: هكذا كانت الأمور دائمًا تجري في البلقان، ونشير إلى أن، هؤلاء الناس، على خلافنا، اعتادوا أن يكونوا عرضة للاغتصاب والإخصاء. إن الاحتقار الذي نشعر به دومًا صوب الخاسرين – اليهود في ثلاثينيات القرن الماضي، وصوب المسلمين اليوم – يمتزج باشمئزازنا من سلوك المنتصرين، لينتج من ذلك الموقف شبه الواعي: أن ندين كلا الطرفين ونتخذ موقفًا محايدًا10؛ إذ نعتقد أن الصرب أو النازيين حيوانات، لأن الوحوش الضارية التي تفترس ضحاياها حيوانات. وننظر إلى المسلمين، أو إلى اليهود الذين يجري اقتيادهم إلى معسكرات الاعتقال، على أنهم حيوانات، لأن الماشية من الحيوانات. فلا أحد من هذين النوعين من الحيوانات يشبهنا كثيرًا، ويبدو أنه ليس ثمة جدوى من تدخّل البشر في الصراعات بين الحيوانات. ومع ذلك، فإن التمييز بين الإنساني والحيواني هو مجرد إحدى ثلاث طرق رئيسة، نُميّز بها أنفسنا، نحن البشر النموذجيين، من الحالات البينية المختلف عليها. وتكمن الطريقة الثانية في استدعاء التمييز بين البالغين والأطفال. ونحن نقول إن الشعوب الجاهلة والمؤمنة بالخرافات تشبه الأطفال، ولن تبلغ الإنسانية الحقّة إّلا إذا نشأت على تربية مناسبة. وإذا بدت عاجزة عن تلقّي هذا النوع من التربية، فهذا يُبيّن أنها في الحقيقة لا تنتمي مثلنا إلى نوع الكائنات نفسها القابلة للتعلم. فقد اعتاد البيض في الولايات المتحدة الأميركية وفي جنوب أفريقيا القول إن السود يشبهون الأطفال؛ ولهذا من المناسب مخاطبة الرجال السود، مهما كانت أعمارهم، بوصف "صبي". وكان الرجال يقولون إن النساء دائمًا ما يشبهن الأطفال؛ لذا من الملائم عدم صرف المال على تربيتهن، ورفض السماح لهنّ بتولّي السلطة. ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بالنساء، فإن هناك طرقًا أبسط من ذلك لإقصائهن من الإنسانية الحقّة: على سبيل المثال استعمال لفظ "رجل" باعتباره مرادفًا "للكائن البشري". ومثلما أوضحت النسويات، فإن مثل هذه الاستعمالات تدعم امتنان الذكر العادي لكونه لم يُولَد امرأة، وتدعم كذلك تخوّفه من التعرّض لأقصى درجات الإذلال؛ أي التأنيث. ويتجلّى مدى التخوف الأخير وعمقه في النمط الخاص للسادية الجنسية، كما وصفها ريف. وتؤكد وجهة نظره، التي ترى أن سادية كهذه لا تغيب أبدًا عن
محاولات تنقية النوع أو التطهير الإقليمي، رأيَ كاترين ماكينون11 الذي مفاده أنه بالنسبة إلى غالبية الرجال، فإن كونك "امرأة" ليس من الطرق المقبولة للانتماء إلى الجنس البشري، وكونك لست ذكرًا هو الطريقة الثالثة الرئيسة لأن تكون غير بشري. سعى الفلاسفة للمساعدة في تبديد هذا الغموض من خلال تحديد السمات الخاصة المميزة للكائنات الثنائية القدم العديمة الريش12، وذلك بتفسير المتطلّبات الضرورية للوجود البشري. فاقترح أفلاطون Plato (347–427 ق.م.) أن هناك اختلافًا كبيرًا بيننا وبين الحيوانات جديرًا بالاحترام والإنماء والتهذيب، واعتقد أن البشر لديهم مكوّن إضافي من نوع خاص، يضعهم في فئة أنطولوجية مختلفة عن الحيوانات، أو عن المتوحشين. ويمنح احترام هذا المكوّن الناس دافعًا ليكونوا لطفاء تُجاه بعضهم البعض. في حين يردّ مناهضو أفلاطون، مثل فريديريك نيتشه (–1844 1900) أن المحاولات الهادفة إلى حثّ الناس على وقف القتل والاغتصاب وإخصاء بعضهم البعض محكوم عليها، على المدى البعيد، بالفشل، لأن حقيقة طبيعة الإنسان أنه نوع حيواني متفرّد في شرّه وخطورته. فعندما يؤكد المعجبون المعاصرون بأفلاطون أن جميع البشر (أو الكائنات الثنائية القدم العديمة الريش) – بما في ذلك الأغبياء والأطفال، حتى النساء واللواطيون – لهم الحقوق الراسخة نفسها، فإن المعجبين بنيتشه يجيبون بأن فكرة "حقوق الإنسان الراسخة"، مثلها مثل فكرة المكوّن الإضافي الخاص، ليست سوى محاولة ضعيفة ومضحكة من الأعضاء الأضعف في النوع للتصدي للأعضاء الأقوى. ومن وجهة نظري، فإن التّقدم الفكري المهم المنجز في عصرنا يكمن في التراجع المطّرد لهذا الاهتمام بالنزاع بين أفلاطون ونيتشه حول ما نحن عليه حقًا. إننا نشهد إرادة متنامية لتجاهل السؤال: ما طبيعتنا؟ واستبداله بالسؤال: ما الذي يمكن أن نصنعه بذواتنا؟ لقد صرنا أقل ميلًا كثيرًا من أسلافنا إلى أخذ "نظريات الطبيعة البشرية" على محمل الجد، وأقل استعدادًا لاعتبار الأنطولوجيا، أو التاريخ أو علم السلوك، بوصفها دليلًا في الحياة. لقد بتنا أقل حماسة لطرح السؤال الأنطولوجي: ما نحن؟13 لأننا فهمنا أنّ الدرس الأساسي للتاريخ والأنثروبولوجيا هو مرونتنا المذهلة. فقد توصّلنا إلى اعتبار أنفسنا حيوانات مرنة، دائمة التغير وذاتية التشكّل، بدلًا من كوننا حيوانات عاقلة أو قاسية.
ومن بين الأشكال التي تبنّيناها مؤخرًا تلك المتعلقة بثقافة حقوق الإنسان. إنني أستعير مصطلح "ثقافة حقوق الإنسان" من الحقوقي والفيلسوف الأرجنتيني إدواردو رابوسي (2005–1930)14، الذي يجادل في دراسة بعنوان "حقوق الإنسان الطبيعية" Human Rights Naturalized، بأنه ينبغي للفلاسفة اعتبار هذه الثقافة واقعة جديدة مرحّبًا بها في عالم ما بعد الهولوكوست، ويريد منهم أن يتوقفوا عن محاولة التهرب من هذه الواقعة وتجاهلها، وأن يكفّوا عن محاولة الكشف عن افتراضاتها الفلسفية المسبقة المزعومة والدفاع عنها. وفي رأيه أن الفلاسفة أمثال آلان غويرث Alan Gewirth)2004–1912(15مخطئون في المجادلة بأن حقوق الإنسان لا يمكن أن تستند إلى وقائع تاريخية، فيقول: "إن وجهة نظري الأساسية أن العالم قد تغيّر، وأن ظاهرة حقوق الإنسان تجعل من النزعة التأسيسية لحقوق الإنسان متقادمة وغير ذات أهمية"16. إن النزعة التأسيسية لحقوق الإنسان هي المحاولة المستمرة لأشباه الأفلاطونيين ليربحوا، في نهاية المطاف، المعركة الأخيرة ضد خصومهم. ويبدو لي أن ادّعاء رابوسي أن هذه المحاولة عتيقة الطراز مهم وحقيقي في آن معًا؛ وسأتّخذ منه موضوعًا رئيسًا لهذه الدراسة. سأعمل على تطوير ادعائه ودعمه، ومفاده أن مسألة معرفة إذا ما كان البشر يتمتعون حقًا بالحقوق المذكورة في إعلان هلسنكي، لا تستحق أن تثار. وبوجه خاص، سأدافع عن الادّعاء الذي مؤدّاه أن لا شيء ذا صلة بالاختيار الأخلاقي يميز البشر من الحيوانات، باستثناء وقائع العالم التاريخية العرضية والثقافية. يُطلق على هذا الادّعاء أحيانًا، من رافضيه الغاضبين، مسمى "النسبية الثقافية". ومن بين أسباب رفضهم لها أن نسبية كهذه تبدو لهم غير منسجمة مع فكرة أن ثقافتنا عن حقوق الإنسان متفوّقة أخلاقيًا على ثقافات أخرى. أوافق تمامًا على التفوّق الأخلاقي لثقافتنا، غير أنني لا أعتقد أن هذا التفوق يدعم وجود طبيعة إنسانية كونية. لا يمكن أن يدعم التفوق الأخلاقي وجود طبيعة إنسانية كونية إّلا إذا افترضنا أن ادّعاء التفوق الأخلاقي يتضمن الادّعاء بامتلاك معرفة متفوقة، ومن المفترض أن يكون هذا الادّعاء ضعيفًا ومتداعيًا ما لم يكن معزّزًا بمعرفة خاصية إنسانية متميزة. لكن ليس من الواضح تمامًا لماذا يفترض "احترام الكرامة الإنسانية" – أي شعورنا بأن الفروق بين الصرب
والمسلمين، المسيحيين وغير المؤمنين، المثليين والمغايرين جنسيًا، الرجال والنساء، ينبغي أّل يكون لها أهمية – وجود خاصية كهذه. وكما جرت العادة، فإن اسم الخاصية الإنسانية المشتركة التي يفترض أنها "تؤسس" للأخلاق هو "العقلانية". أما النسبية الثقافية، فتقترن باللاعقلانية، لأنها تنفي وجود وقائع عابرة للثقافات Transcultural ذات صلة بالأخلاق. وكي يتّفق المرء مع رابوسي، ينبغي له أن يكون لاعقلانيًا بهذا المعنى. بيد أن المرء ليس في حاجة إلى أن يكون لاعقلانيًا، بمعنى التوقف عن جعل شبكة اعتقاداته متّسقة وواضحة البنيان قدر الإمكان. إن الفلاسفة، من أمثالي، الذين يعتقدون أن العقلانية ليست سوى محاولة لبلوغ اتساق كهذا، سينتهون مع رابوسي إلى أن المشاريع التأسيسية قد انتهت وعفّى عليها الزمن. إننا نعتبر أن مهمتنا تكمن في جعل ثقافتنا الخاصة – ثقافة حقوق الإنسان – أكثر وعيًا بذاتها، وأكثر قوّة، بدلًا من تبيان تفوّقها على الثقافات الأخرى، وذلك باللجوء إلى شيء عابر للثقافات. أتصوّر أن أقصى ما يمكن أن تطمح إليه الفلسفة هو تلخيص حدوسنا المتأثرة بالثقافة حول الأفعال الصائبة التي ينبغي القيام بها في مواقف منوعة. ويتحقق هذا التلخيص بصوغ تعميم يمكن أن تُستنتج منه هذه الحدوس، بمساعدة قضايا غير مثيرة للجدل. وليس من المفترض أن يقوم هذا التعميم بتأسيس حدوسنا، بل بالأحرى اختصارها أو تلخيصها. إنّ مبدأ الاختلاف لجون رولز John Rawls –1921(2002) وتشريع المحكمة العليا في الولايات المتحدة، في العقود الأخيرة، للحق الدستوري "في الخصوصية"، يقدّمان مثالين لهذا النوع من التلخيص. ونلاحظ أن الغرض من صياغة هذه التعميمات المختصرة هو زيادة القدرة على التنبؤ، ومن ثم زيادة قوة مؤسساتنا وفاعليتها، ومن ثم تعضيد الإحساس بالهوية الأخلاقية المشتركة التي تجمعنا سوًّيًا في جماعة أخلاقية. كان الفلاسفة التأسيسيون، أمثال أفلاطون وتوما الأكويني Thomas Aquinas (1274–1225)، وإيمانويل كانط Immanuel Kant (1804–1724)، يأملون في توفير سند مستقل لهذه التعميمات المختصرة. لقد كانوا يسعون لاستنتاج هذه التعميمات من مقدمات أخرى، يُمكن معرفة صدقها والتحقق منه بصورة مستقلة عن صدق الحدوس الأخلاقية التي تم تلخيصها. ومثل هذه المقدمات يُفترض أن تبرّر حدوسنا الأخلاقية من خلال توفير مقدمات يمكننا من خلالها استنباط محتوى هذه الحدوس. سأعمل على تجميع هذه المقدمات تحت عنوان: "ادعاءات المعرفة بطبيعة الكائنات البشرية". وبهذا المعنى الواسع، فإن الادعاءات المتعلقة بمعرفة أن حدوسنا الأخلاقية هي استدعاء وتذكّر لصورة الخير، أو أننا أطفال عاقون لإله محبّ، أو أن الكائنات البشرية تختلف عن الأنواع الأخرى من الحيوانات من خلال تمتّعها بالكرامة، وليس لمجرد القيمة، تُعدّ كلها ادعاءات بخصوص الطبيعة البشرية. وفي المقابل، هناك ادّعاءات مضادة، مثل الادعاء أن البشر ليسوا أكثر من مجرد أدوات لجينات أنانية، أو مجرد اندفاعات لإرادة القوة. إن ادعاء امتلاك مثل هذه المعرفة هو ادعاء بمعرفة شيء ما، على الرغم من أنه ليس حدسًا أخلاقيًا في حد ذاته، فإنه يمكن أن يتناقض مع الحدوس الأخلاقية. ومن المهم في هذه الفكرة المتعلقة بالمعرفة الأخلاقية أن تدرك الجماعة أن غالبية حدوسها البارزة حول ما ينبغي فعله قد تكون خاطئة.
لكن لنفترض الآن أننا نسأل: هل يوجد هذا النوع من المعرفة؟ وما نوع هذا السؤال؟ بحسب وجهة النظر التقليدية، يتعلق الأمر بسؤال فلسفي، ينتمي إلى فرع من الإبستيمولوجيا يعرف ب "ميتا–إتيقا"17(ميتا أخلاق) Metaethics. لكن من وجهة النظر البراغماتية التي أُفضّلها، يتعلق السؤال بالفاعلية: إنه سؤال حول أفضل طريقة للإمساك بزمام التاريخ؛ حول أفضل كيفية ممكنة لتحقيق اليوتوبيا التي رسم معالمَها عصرُ التنوير. وإذا كانت نشاطات من سعوا لبلوغ هذا النوع من المعرفة غير ذات أهمية لتجسيد هذه اليوتوبيا، ففي هذا سبب وجيه للاعتقاد بانعدام مثل هذه المعرفة. وإذا بدا الأمر كأن الجزء الأكبر من العمل لتغيير الحدوس الأخلاقية يتم بتعديل عواطفنا، بدلًا من زيادة معارفنا، ففي هذا سبب وجيه للاعتقاد بغياب معرفة من هذا القبيل، كتلك التي أمِل الفلاسفة، أمثال أفلاطون والأكويني وكانط، الحصول عليها. تتّخذ الحجة البراغماتية ضد الأفلاطونية الشكل نفسه الذي تتّخذه الحجة التي تطالب بالتوقف عن دفع الرواتب للقساوسة الذين يقدّمون التضحيات التي يُفترض أنها تساعد في الفوز في الحرب؛ أي الحجة التي تقول إن العمل الحقيقي كله للفوز في الحرب يبدو من صنع الجنرالات والأدميرالات [أمراء البحر]، فاضلًا عن جنود المشاة. إن هذه الحجة لا تقول: ما دام يبدو أنه لا وجود للآلهة، فمن المرجّح أن ليس ثمة حاجة إلى دعم القساوسة، بل تقول بالأحرى: بما أنه لا يوجد على ما يبدو أيّ حاجة إلى دعم القساوسة، فمن المرجّح أنه لا توجد آلهة. ننطلق نحن البراغماتيين في نقاشنا من مبدأ مفاده أن بروز ثقافة حقوق الإنسان لا يبدو مدينًا بشيء لزيادة المعرفة الأخلاقية، بل يدين بكل شيء لسماع القصص الحزينة والعاطفية، كي نخلص إلى أن نوع المعرفة الذي تخيّله أفلاطون غير موجود على الأرجح. ونمضي لنجادل بأنه ما دام يبدو أنه ليس هناك أيّ عمل مفيد يتم إنجازه بالإصرار على وجود طبيعة إنسانية لاتاريخية، فإنه من المرجّح أن طبيعة كهذه لا توجد، أو على الأقل لا يوجد شيء من هذه الطبيعة له علاقة بخياراتنا الأخلاقية. باختصار، إن شكوكي بخصوص فاعلية الاستناد إلى المعرفة الأخلاقية هي شكوك حول الفاعلية السببية، لا الوضعية الإبستيمية. ولا تمتّ شكوكي بصلة إلى المسائل النظرية التي تناقَش تحت اسم ميتا–إتيقا: المسائل التي تدور حول العلاقة بين الوقائع والقيم، أو بين العقل والعاطفة، أو بين المعرفي وغير المعرفي، أو بين العبارات الوصفية والعبارات الموجهة للفعل. ولا علاقة لها بقضايا تخصّ النزعة الواقعية والنزعة ضد الواقعية. إن الاختلاف بين المفكّر الأخلاقي الواقعي والمفكر الأخلاقي ضد اللاواقعي، لا يبدو للبراغماتيين اختلافًا عمليًا. وعلاوة على ذلك، فإن هذه القضايا الميتا–أخلاقية
تفترض التمييز الأفلاطوني بين البحث الذي يهدف إلى حل فعال للمشكلات، والبحث الذي يهدف إلى الوصول إلى غاية تسمّى "الحقيقة في ذاتها". وهذا التمييز ينهار إذا ما اتّبعنا جون ديوي John Dewey (1952–1859) في اعتباره كل بحث – في الفيزياء كما في الإتيقا – حلًا عمليًا لمشكلات، أو إذا ما اتبعنا تشارلز ساندرز بيرس Charles Sanders Peirce (1914–1839) في اعتباره كل اعتقاد بمنزلة توجيه للفعل18. لكن حتى بعدما يتقاعد القساوسة، فإن المجتمع قد يحتفظ بذكريات بعض منهم، وفي الأخص تلك المتعلقة بنبوءاتهم. سنبقى مدينين كثيرًا للفلاسفة، أمثال أفلاطون وكانط، ليس لأنهم كشفوا حقائق، بل لأنهم تنبؤوا بيوتوبيات كوسموبوليتية؛ ربما أخطؤوا في غالبية تفاصيلها، لكن ربما لم يكن في مقدورنا بلوغها لو لم نسمع نبوءاتهم. وما دامت قدرتنا على المعرفة، وخاصة مناقشة سؤال "ما الإنسان؟"، تبدو أهم شيء لنا، نحن البشر، فإن أناسًا، مثل أفلاطون وكانط، رافقوا النبوءات اليوتوبية بمزاعم معرفة شيء ما عميق ومهم، حول أجزاء من الروح والمكانة الترنسندنتالية للوعي الأخلاقي المشترك. لكن هذه القدرة والمسائل صارت، في غضون القرنين الأخيرين، تبدو أقل أهمية كثيرًا. هذا هو التغير الثقافي العميق الذي لخّصه رابوسي في ادعائه أن النزعة التأسيسية لحقوق الإنسان قد تقادمت. وفي بقية هذه الدراسة، أرغب في التطرق إلى المسائل الآتية: لماذا غدت المعرفة أقل أهمية كثيرًا من صورتنا عن أنفسنا، عما كانت عليه قبل مئتي سنة؟ لماذا بدت لنا محاولة تأسيس الثقافة على الطبيعة، والواجب الأخلاقي على معرفة كليات ثقافية، أقل أهمية مما كانت عليه في عصر الأنوار؟ لماذا لا يوجد سوى صدى ضئيل، ومعنى زهيد في سؤال "هل يتمتع البشر فعليًا بالحقوق المدرجة
في إعلان هلسنكي؟"19. باختصار، لماذا تحوّلت الفلسفة الأخلاقية إلى ذلك الجزء الخفي والغامض من ثقافتنا؟ الإجابة البسيطة عن هذه الأسئلة، هي: أنه بين زمن كانط وزماننا، أقنع تشارلز داروين Charles Darwin (1882–1809) معظم المثقفين بالعدول عن وجهة النظر التي مؤدّاها أن البشر يحوزون مكوّنًا إضافيًا خاصًا. لقد أقنع معظمنا بأننا حيوانات موهوبة على نحو استثنائي، وذكية بما يكفي للتكفّل بتطوّرنا الخاص. أعتقد أن هذه الإجابة سليمة إلى حدٍ ما. بيد أنها تؤدي إلى سؤال آخر: لماذا نجح داروين، نسبيًا، بسهولة؟ لماذا لم يُثِر تلك الثورة الفلسفية الخّلا قة التي أثارها غاليليو غاليلي Galileo Galilei (1642–1564) وإسحق نيوتن Isaac Newton (1727–1643)؟ إن إحياء الصورة الذرية للطبيعة على طريقة ديمقريطس Democritus (370–460 ق.م.) ولوكريشيوس Lucretius (55–98 ق.م.) بوساطة العلم الجديد للقرن السابع عشر قد أفزع كانط ودفعه إلى ابتداع الفلسفة المتعالية، [أي] ابتداع نوع جديد تمامًا من المعرفة؛ نوع من المعرفة في استطاعته خفض مكانة الصورة الذرية للعالم لتصبح مجرد "مظهر". وقد ساعد النموذج الذي قدّمه كانط في تعزيز الفكرة التي مفادها أن الفيلسوف، باعتباره خبيرًا في طبيعة المعرفة وحدودها، يقف بمنزلة القاضي الثقافي الأسمى مكانة20. لكن بحلول عصر داروين، بدأت هذه الفكرة تبدو بالفعل كأنها غريبة وعتيقة. إن النزعة التاريخانية التي كانت تُهيمن على العالم في بداية القرن التاسع عشر قد خلقت مناخًا مناهضًا للجوهرانية. لذلك، عندما ظهر داروين، اندمج ضمن المكانة التطورية التي شرع يوهان غوتفريد هردر) في 1831–1770(Friedrich Hegel) وفريدريش هيغل 1803–1744(Johann Gottfried Herder احتلالها. وينظر المثقفون الذين احتلوا هذه المكانة صوب المستقبل، بدلًا من الأبدية. ويفضّلون الأفكار الجديدة المتعلقة بكيفية تغيير الأمور على المعايير الثابتة لتحديد الرغبة في التغير. ويعتقدون أيضًا أن الكثير من أفكار أفلاطون ونيتشه قد عفّى عليه الزمن. إن أفضل تفسير لانتصار داروين السهل نسبيًا واستعدادنا لاستبدال الأمل بالمعرفة، هو أن القرنين التاسع عشر والعشرين قد شهدا، بين الأوروبيين والأميركيين، نمًّوًا كبيرًا في الثروة والثقافة والرفاهية. وقد أدّى هذا النمو إلى تسارع غير مسبوق على مستوى التقدم الأخلاقي. وساعدت وقائع، مثل الثورة الفرنسية ونهاية تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، المثقفين في نهاية القرن التاسع عشر في الديمقراطيات الغنية على القول: يكفي معرفتنا بأننا نعيش في عصر يستطيع فيه البشر أن يحسّنوا
أوضاعهم بأنفسهم21. فلسنا في حاجة إلى البحث وراء هذه الحقيقة التاريخية عن وقائع لاتاريخية بخصوص طبيعتنا الحقيقية. تعلّمنا في غضون القرنين الماضيين، منذ الثورة الفرنسية، أن البشر أكثر مرونة مما تخيّله أفلاطون وكانط. وكلما أصبحنا منبهرين بهذه المرونة، صرنا أقل اهتمامًا بالمسائل المتعلقة بطبيعتنا اللاتاريخية. وكلما تراءت الفرصة سانحة لإعادة خلق ذواتنا، فلن نقرأ داروين باعتباره يقدّم لنا نظرية إضافية عن طبيعتنا الحقيقية، إنما باعتباره يقدّم لنا أسبابًا تبيّن أننا لسنا في حاجة إلى التساؤل عن طبيعتنا الحقيقية. واليوم، لا يعني القول إننا حيوانات ذكية أمرًا فلسفيًا ومتشائمًا، بل أمرًا سياسيًا ومفعمًا بالأمل؛ أي إنه إذا تمكّنا من العمل سويّا، فيمكننا أن نخلق من أنفسنا أيّ شيء نتمتع بما يكفي من المهارة والشجاعة لتخيّله. ويتطلّب هذا وضع سؤال كانط "ما الإنسان؟" جانبًا22 واستبداله بسؤال: ما نوع العالم الذي يُمكننا أن نرسم معالمه ونُعدّه لأحفاد أحفادنا؟ إن سؤال "ما الإنسان؟" بالصيغة التي تعني "ما الطبيعة اللاتاريخية المتأصلة للموجودات البشرية؟" يدين بشهرته للإجابة التقليدية التي مفادها أننا حيوانات عاقلة، لديها القدرة على المعرفة والإحساس. وتفسّر الشعبية المتبقية لهذه الإجابة لنا الشعبية المتبقية للادّعاء الكانطي الذي مؤداه أن العاطفة لا علاقة لها بالأخلاق، وأن هناك سمة إنسانية مميزة وعابرة للثقافات، تسمى "الشعور بالواجب الأخلاقي"، وهي سمة لا علاقة لها بالحب أو بالصداقة أو بالثقة أو بالتضامن الاجتماعي. وطالما اعتقدنا بصحة ذلك، فإن أشخاصًا، مثل رابوسي، سيجدون صعوبة في إقناعنا بأن النزعة التأسيسية لحقوق الإنسان هي مشروع تجاوزه الزمن. وللتغلب على هذه الفكرة المتمثلة في الشعور الفريد من نوعه بالالتزام الأخلاقي، فسيكون من المفيد التوقف عن إجابة السؤال: ما الذي يجعلنا مختلفين عن الحيوانات؟ بالقول: إننا قادرون على المعرفة وهم قادرون على الإحساس فحسب، واستبدالها بإجابة أخرى هي: "إننا نفوقهم بدرجة هائلة في القدرة على الإحساس ببعضنا البعض". وسوف يسمح لنا هذا الاستبدال بفك الارتباط بين مقترح المسيح الذي مفاده أن الحب أهم من المعرفة، والمقترح الأفلاطوني الجديد الذي يرى أن معرفة الحقيقة ستجعلنا أحرارًا. ولأننا ما دمنا نعتقد بوجود قوة لاتاريخية تُفضي إلى العدل – قوة تُدعَى الحقيقة أو العقلانية – فلن يكون في وسعنا تجاوز النزعة التأسيسية.
إن الحجة النموذجية، وربما الوحيدة، لتجاوز النزعة التأسيسية هو ما سبق أن اقترحته بالفعل: سيكون من الأكثر فاعلية القيام بذلك، لأنه سيتيح لنا تركيز طاقاتنا على معالجة العواطف والتربية الوجدانية. ويسمح هذا النوع من التربية للأفراد، من مختلف الفئات، بمعرفة كافية ببعضهم البعض، إلى درجة تجعلهم أقل ميلًا إلى التفكير في المختلفين عنهم باعتبارهم مجرد أشباه بشر. ويتمثّل الهدف من هذا النوع من معالجة العواطف في توسيع نطاق إشارة مصطلحَي "نوعنا من الناس" و"الناس الذين يشبهوننا". كل ما يمكنني القيام به لاستكمال هذه الحجة المتعلقة بالفاعلية المتزايدة هو تقديم اقتراح حول كيفية تمكّن أفلاطون من إقناعنا بأن معرفة الحقائق الكونية تتمتع بالأهمية التي تصوّرها. فقد اعتقد أن مهمة الفيلسوف هي أن يجيب عن أسئلة مثل: "لماذا يجب عليّ أن أكون أخلاقيًا؟"، لماذا من العقلاني أن أكون أخلاقيًا؟ لماذا من مصلحتي أن أكون أخلاقيًا؟ لماذا يكون من مصلحة البشر باعتبارهم كذلك أن يكونوا أخلاقيين؟ جرى تفكير أفلاطون على هذا النحو لأنه اعتقد أن أفضل طريقة للتعامل مع أشخاص مثل تراسيماخوس Thrasymachus (399–459 ق.م.) وغورجياس Gorgias (375–480 ق.م.) هي أن نُبيّن لهم أن لديهم مصلحة يجهلونها، تتمثّل في أن يكونوا عقلانيين، وفي اكتساب معرفة بذواتهم. وبهذا فرض علينا أفلاطون تمييزًا بين الذات الحقيقية والذات المزيّفة. وتغَّيَر هذا التميّز، في عصر كانط إلى تميّز بين الواجب الأخلاقي القطعي الصارم والمصلحة الشخصية المرنة التي يمكن تحديدها إمبريقيًا. ولا تزال الفلسفة الأخلاقية المعاصرة مثقلَةً بهذا التقابل بين المصلحة الشخصية والأخلاق، وهو تقابل يجعل من الصعب إدراك أن فخري بالانتماء إلى ثقافة حقوق الإنسان لا يعدو كونه أمرًا خارجًا عن ذاتي، مثل رغبتي في النجاح المالي، أو الجنسي. كان من الأفضل أن يقرر أفلاطون، مثلما قرّر أرسطو Aristotle (322–384 ق.م.)، أنه ينبغي عدم بذل الكثير من الجهد في التعامل مع أشخاص مثل تراسيماخوس وكاليكليس Callicles (القرن الخامس قبل الميلاد)، وأن المشكلة تكمن في كيفية تجنّب إنجاب أطفال يمكن أن يصبحوا مثلهما (تراسيماخوس وكاليكليس). وبدأ أفلاطون فلسفته الأخلاقية على نحو خاطئ بالإصرار على أنه يستطيع إعادة تربية الأشخاص الناضجين من دون أن يكتسبوا العواطف الأخلاقية المناسبة باستدعاء سلطة أعلى من العاطفة؛ أي سلطة العقل. وهكذا، انصبّ تركيز الفلاسفة الأخلاقيين على شخصية نادرة إلى حدٍ ما؛ وهي شخصية المريض النفسي، شخصية الإنسان الذي لا يكترث بأيّ كائن بشري آخر إّلا بنفسه. وقد أهملت الفلسفة الأخلاقية منهجيًا الحالة الأكثر ذيوعًا، وهي المتعلقة بفرد لا يتعامل إّلا مع مجموعة محدودة من البشر (أو الكائنات الثنائية القدم العديمة الريش) بطريقة لا تشوبها شائبة من الناحية الأخلاقية، لكنه يبقى غير مكترث بمعاناة من هم خارج تلك المجموعة، أو من يعتبرهم من أشباه البشر23.
لقد رتّب أفلاطون الأمور بطريقة حملت الفلاسفة الأخلاقيين على الاعتقاد أنهم فشلوا في إقناع الشخص العقلاني الأناني بأنه ينبغي له أّلا يكون أنانيًا؛ أي إقناعه من خلال تعريفه بذاته الحقيقية التي أهملها مع الأسف. لكنّ المشكلة لا تكمن في الشخص العقلاني الأناني، بل في الشخص الصربي الشجاع والشريف الذي ينظر إلى المسلمين بصفتهم كلابًا مختونة. إنه يرى في نفسه جنديًا شجاعًا ورفيقًا طيّبًا يحب رفاقه، وهم يحبونه، لكنه ينظر إلى النساء باعتبارهن عاهرات وكلبات خطرات وشريرات. كان أفلاطون يعتقد أن الوسيلة التي يمكن بها جعل الناس طيّبين إزاء بعضهم البعض هي التأكيد على العنصر المشترك بينهم جميعًا؛ ألا وهو العقلانية. لكن لن يفيد في شيء التأكيد، لأناس كالذين كنت أصفهم، أن العديد من المسلمين والنساء بارعون في الرياضيات والهندسة، أو في الفقه القانوني. لقد كان الشباب النازيون المتذمّرون على وعي بأن العديد من اليهود أذكياء ومتعلّمون، لكن هذا لم يكن إّلا ليضاف إلى لذّة ضرب هؤلاء اليهود. ولن يُجدي نفعًا حمل هؤلاء الناس على قراءة كانط، والاتفاق على أنه يجب عدم معاملة الفاعلين العقلانيين بوصفهم مجرد وسائل؛ ذلك أن كل شيء يتوقف على من يُعتبر إنسانًا، مثلنا نحن، أو من يُعتبر فاعلًا عقلانيًا بالمعنى الملائم؛ ذلك الذي تكون معه الفاعلية العقلانية مرادفة للانتماء إلى "جماعتنا" الأخلاقية. وبالنسبة إلى غالبية البيض، وحتى وقت قريب، فإن معظم السود لا يُعتبَرون كذلك. كما لم تكن غالبية المسيحيين، وحتى حدود القرن السابع عشر، تعتبر معظم الوثنيّين كذلك. وفي المثل، لم يكن النازيون يعتبرون اليهود كذلك. أما غالبية الرجال في البلدان التي يكون فيها متوسط الدخل السنوي أقل من ألفَي جنيه، فإن معظم النساء لا يُعتبَرن كذلك. وكلما أصبحت الخصومات القبلية والوطنية مهمة، فإن أعضاء القبائل والأمم المتخاصمة لن يُعتبروا كذلك. ويُخبرك تفسير كانط للاحترام الواجب للفاعلين العقلانيين بأنه يجب عليك توسيع نطاق الاحترام الذي تشعر به تجاه من يشبهونك ليشمل جميع البشر (أو الكائنات الثنائية القدم العديمة الريش). هذا الاقتراح ممتاز، إنه صيغة جيدة لعلمنة المذهب المسيحي في الأخوّة الإنسانية. لكنه لم يجد دعمًا من حجة تقوم على مقدّمات محايدة بتاتًا، ولن يحدث هذا مطلقًا. فخارج دائرة الثقافة الأوروبية لما بعد الأنوار، وهي الدائرة التي تضمّ أناسًا سالمين وآمنين نسبيًا ممن عالجوا عواطف بعضهم على مدار قرنين، فإن غالبية الناس ببساطة عاجزة عن فهم السبب الذي يجعل من المفترض أن يكون الانتماء إلى نوع بيولوجي ما مبررًا كافيًا للانتماء إلى مجتمع أخلاقي. لا يرجع ذلك إلى أنهم لا يملكون كفايتهم من العقل، بل عادة إلى أنهم يعيشون في عالم يكون فيه من الخطورة – بل ربما تصل هذه الخطورة في بعض الأحيان إلى درجة جنونية حقًا – ترك المرء لشعوره بالمجتمع الأخلاقي يتّسع إلى ما هو أبعد من عائلته أو عشيرته أو قبيلته. وكي يكون البيض أكثر لطفًا مع السّود، والرجال مع النساء، والصرب مع المسلمين، والمختلفون جنسيًا مع المثليين، ولمساعدة جنسنا في الارتباط بما سمّاه رابوسي "المجتمع الكوكبي"24 الذي تسوده
ثقافة حقوق الإنسان، لن يُجدي نفعًا بأيّ حال من الأحوال أن نقول، مع كانط: لاحظوا ما تشتركون فيه، لاحظوا إنسانيتكم، إنها أهم من هذه الاختلافات المبتذلة؛ ذلك أن الناس الذين نحاول إقناعهم سيجيبوننا أنهم لم يلاحظوا شيئًا من هذا القبيل. مثل هؤلاء الأشخاص يشعرون بالإهانة الأخلاقية من الفكرة التي مفادها أنه يجب عليهم معاملة شخصٍ ما ليس من عائلتهم كما لو كان أخًا، أو معاملة شخص أسود كما لو كان أبيض، أو الشاذ كما لو كان عاديًا، أو الكفّار كما لو كانوا مؤمنين. إنهم يشعرون بالإهانة من فكرة أنه ينبغي لهم أن يعاملوا شخصًا لا يعتقدون أنه إنسان مثلهم كما لو كان إنسانًا حقًا. وحينما يقول لهم النفعيون إن اللذات والآلام كلها التي يشعر بها أعضاء نوعنا البيولوجي هي كذلك ذات صلة بالمداولة الأخلاقية، أو حينما يُذكّرهم الكانطيون بأن القدرة على الانخراط في مداولة كهذه تكفي للانتساب إلى الجماعة الأخلاقية، فإنهم يتنكرون لذلك؛ ويردّون بأن هؤلاء الفلاسفة على ما يبدو يجهلون التميّزات الأخلاقية البدهية، التي يتوصل إليها كل إنسان مهذّب. هذا الرد ليس مجرد حيلة خطابية، ولا يتّسم باللاعقلانية بأيّ حال من الأحوال، بل إنه رد صادق، نابع من القلب. إن هوية هؤلاء الناس، ممن نود إقناعهم بالالتحاق بثقافتنا الأوروبية – المركزية لحقوق الإنسان، مرتبطة بشعورهم بالاختلاف عن غيرهم. ومعظم الناس – خاصة أولئك الذين لم يتأثروا نسبيًا بالتنوير الأوروبي – لا يعتبرون أنفسهم، أولًا وقبل كل شيء، مجرد بشر؛ بل ينظرون إلى أنفسهم بالأحرى على أنهم نوع خير من الموجودات البشرية؛ نوع تتحدد هويته بوجه خاص من خلال تعارض واضح مع نوع آخر شرير من البشر. إن الأمر الحاسم والجوهري في شعور هذه الغالبية بالهوية هو أنها ليست كافرة أو مثلية أو نساء أو مشردة؛ وبقدر ما هي من الفقراء، وحياتها معرّضة دومًا للخطر، فإنها لا تجد سوى الفخر بهويتها المختلفة عن الآخرين بوصفها ملاذًا للحفاظ على احترامها لذاتها. ومنذ المرحلة التي كان فيها مصطلح "موجود بشري" مرادفًا لمصطلح "عضو من قبيلتنا"، كان تفكيرنا في الموجودات البشرية منصًّبًا دائمًا على الأعضاء "النموذجيين" في النوع. وقد قارنا أنفسنا، نحن البشر "الحقيقيين"، بنماذج بدائية، أو منحرفة أو مشوّهة من الإنسانية. نحب نحن المثقفين أصحاب نزعة المركزية الأوروبية أن نقترح أننا، بوصفنا بشرًا نموذجيين، قد تجاوزنا هذه النزعة البدائية الضيّقة الأفق، باستعمال قدرة إنسانية نموذجية، هي العقل. وهكذا نقول إن الفشل في الاتفاق معنا يرجع "إلى أحكام مسبقة". ويمكن أن يدفعنا استعمالنا لهذه المصطلحات بهذه الطريقة إلى موافقة كولن ماكغين عندما يقول لنا، في مقدمة كتابه الأخير25، إن تعلّم التمييز بين الخير والشر ليس بتلك الصعوبة التي يخشاها من يرغب في تعلّم اللغة الفرنسية. ويشرح أن العقبات الوحيدة أمام الاتفاق مع رؤاه الأخلاقية، هي الأحكام المسبقة والخرافات. يمكن أن يفهم المرء، بالطبع، ما يعنيه ماكغين: إذا كنت، مثل كثيرين منّا، تُعلّم طلابًا نشؤوا في ظل المحرقة، وتربّوا على الاعتقاد أن الأحكام المسبقة ضد المجموعات العرقية أو الدينية شيء مرعب، فليس من الصعوبة أن تقوم بهدايتهم إلى اعتناق الأفكار الليبرالية التقليدية حول الإجهاض وحقوق
المثليين، وما شابه ذلك، بل ربما يمكنك حتى إقناعهم بالتوقف عن أكل الحيوانات. كل ما عليك فعله هو أن تُقنعهم بأن حجج الطرف الآخر كلها تستند إلى اعتبارات "غير ذات صلة بالأخلاق". وستتمكّن من ذلك عبر معالجة عواطفهم بطريقة تجعلهم يتخيّلون أنفسهم مكان المحتقرين والمقهورين. وهؤلاء الطلاب هم طيّبون جدًا، إلى حد أنهم يرغبون في تحديد هويتهم بمفردات غير إقصائية. إن الأشخاص الوحيدين الذين يجد هؤلاء الطلاب صعوبة في التعامل معهم بلطف هم أولئك الذين يعتبرونهم لاعقلانيين، مثل الأصولي الديني أو المغتصب صاحب الابتسامة الماكرة، أو حليق الرأس المتبجح. إن إنتاج أجيال من الطلاب اللطفاء المتسامحين والمرحين والواثقين من أنفسهم والمحترِمين للآخرين في أنحاء العالم كلها، هو تحديدًا ما نحتاج إليه – حقًا، هذا هو كل ما نحتاج إليه – لتحقيق يوتوبيا الأنوار. وكلّما تمكنّا من تربية شباب مثل هؤلاء، أصبحت ثقافتنا عن حقوق الإنسان أكثر قوّة وعالمية. لكن ليس من الحكمة أن نُشجّع هؤلاء الطلاب على وصف الأشخاص غير المتسامحين الذين يجدون صعوبة في تحمّلهم بأنهم "لاعقلانيون"؛ ذلك أن هذا الوصف الأفلاطوني – الكانطي، يشير إلى أنه ببذل المزيد من الجهد، فإن الجزء الخيّر والعقلاني لأرواح هؤلاء الأشخاص الآخرين يمكنه أن ينتصر على الجزء الشرير واللاعقلاني. وكما يشير هذا الوصف إلى أننا، نحن الأشخاص الخيّرين، نعرف شيئًا ما لا يعرفه هؤلاء الأشخاص الأشرار، ومن المحتمل أنّ عدم معرفتهم به يرجع إلى خطأ سخيف من جانبهم. وكل ما عليهم فعله، في نهاية المطاف، هو أن يفكّروا بجدّية أكبر، وأن يكونوا أكثر وعيًا بذواتهم، وأكثر عقلانية. لكن معتقدات الأشخاص الأشرار ليست أكثر، أو أقل، "لاعقلانية" من الاعتقاد أن العرق والدين والجندر والتوجه الجنسي كلها لا تمتّ بصلة إلى الأخلاق، وأن هذه الأمور كلها جرى اختلاقها بموجب الانتماء إلى النوع البيولوجي. ولا يعني مصطلح "سلوك لاعقلاني"، كما يستخدمه الفلاسفة الأخلاقيون، أمثال ماكغين، شيئًا أكثر من سلوك نستهجنه بشدّة وتتوقف المحادثة تمامًا26 عندما نُسأل عن سبب رفضنا له. لذلك، سيكون من الأفضل أن نُعلّم طلابنا أن هؤلاء الأشخاص الأشرار ليسوا أقل عقلانية، أو أقل وضوحًا، أو أكثر تحيّزًا منّا؛ نحن الأشخاص الأخيار الذين يحترمون الغير. وتكمن
مشكلة الأشخاص الأشرار بالأحرى في أنهم لم يكونوا محظوظين في ظروف تربيتهم مثلنا. وبدل من التعامل مع هؤلاء الأشخاص باعتبارهم مجموعة من القتلة يحاولون العثور على سلمان رشدي27والقضاء عليه لأنهم لاعقلانيون، ينبغي لنا أن نتعامل معهم باعتبارهم محرومين. يعتقد التأسيسيون أن هؤلاء الأشخاص محرومون من الحقيقة، ومن المعرفة الأخلاقية. لكن من الأفضل – وهو ما قد يكون أكثر واقعية وأكثر إيحاءً بعلاجات ممكنة – أن ننظر إليهم باعتبارهم محرومين من شيئين محددين: الأمن Security والتعاطف Sympathy28. وأقصد ب "الأمن"، الظروف المعيشية الكافية والخالية من المخاطر حتى يكون اختلاف المرء عن الآخرين غير ضروري بالنسبة إلى احترامه لذاته وشعوره بقيمته. وقد تمتّع سكان أميركا الشمالية والأوروبيون – أي الشعوب التي أبدعت قريحتها ثقافة حقوق الإنسان – بهذه الظروف أكثر من أيّ أحد آخر. وأقصد ب "التعاطف"، نوعًا من ردّات الفعل التي تزايدت بين الأثينيين بعد مشاهدة مسرحية "الفرس" The Persians29 لإسخيليوس Aeschylus (456–525 ق.م).30، وتزايدت بين البيض في الولايات المتحدة بعد قراءة رواية كوخ العم توم31، وتزايدت بيننا بعدما شاهدنا البرامج التلفزيونية عن الإبادة الجماعية في البوسنة. وينسجم الأمن والتعاطف مع بعضهما للأسباب نفسها التي تجعل السلم والإنتاجية الاقتصادية يتوافقان معًا. وكلما كانت الأمور صعبة، ازدادت لديك درجة التخوّف منها، وكلما ازدادت وضعيتك خطورةً، قلّ الوقت أو الجهد الذي يمكنك تكريسه للتفكّر في الكيفية التي قد تكون عليها الأمور بالنسبة إلى
الأشخاص الذين لا تتعاطف معهم مباشرة. وهذا يعني أن التربية العاطفية لا تنجح سوى مع أشخاص يمكنهم الاسترخاء فترةً تكفي للإنصات. إذا كنت ورابوسي على حق في التفكير في أن النزعة التأسيسية لحقوق الإنسان قد تجاوزها الزمن، فإن ديفيد هيوم David Hume (1776–1711) هو المستشار الأفضل من كانط فيما يتعلق بالكيفية التي يمكننا بها، نحن المثقفين، أن نُعجّل بقدوم يوتوبيا الأنوار التي كان الرجلان يأملان فيها. ومن بين الفلاسفة المعاصرين، تبدو لي آنيت باير (2012–1929) أفضل مستشارة، إذ تصف الفيلسوف هيوم بأنه "الفيلسوف الأخلاقي للمرأة"، لأنه يؤكد أن "التعاطف المُراجِع (المُصِّحّح) (أحيانًا المصِّحِح للقواعد)، وليس العقل الذي يميّز القوانين، هو القدرة الأخلاقية الأساسية"32. وتريد باير أن نتخلص في الآن نفسه من الفكرة الأفلاطونية التي تقول إننا نملك ذاتًا حقيقيةً، والفكرة الكانطية التي مفادها أن من العقلاني أن نكون أخلاقيين. ولدعم هذا المشروع، تقترح أن نفكر في "الثقة"، بدلًا من "الواجب"، باعتباره المفهوم الأخلاقي الأساسي. وسيكون معنى هذا التحول أن نفكر في نشر ثقافة حقوق الإنسان، ليس باعتبارها مسألة تتعلق بأن نصبح أكثر وعيًا، بل بما تُسمّيه باير "تقدّم العواطف"33. ويتلخص هذا التقدّم في القدرة المتنامية على رؤية أوجه التشابه بيننا وبين أشخاص مختلفين عنا كثيرًا، باعتبارها تفوق أوجه الاختلاف. ويأتي هذا التقدّم نتيجة ما أسمّيه "التربية العاطفية". وليست أوجه التشابه ذات الصلة مسألةً تتعلق بمشاركة الذات الحقيقية العميقة التي تجسّد الإنسانية الحقّة، بل تتعلق أيضًا بأوجه التشابه الصغيرة والسطحية، مثل حبنا لآبائنا وأبنائنا؛ أي أوجه التشابه التي لا تُميّزنا بأيّ طريقة مثيرة للاهتمام من الكثير من الحيوانات غير البشرية. ولقبول مقترحات باير، ينبغي لنا إذًا تجاوز إحساسنا بأن العاطفة قوة ضعيفة جدًا، وأن الأمر يستدعي شيئًا أكثر قوة. والواقع أن هذه الفكرة القائلة إن العقل "أقوى" من العاطفة، وإن الإصرار على الطابع اللامشروط للواجب الأخلاقي هو وحده القادر على تغيير البشر نحو الأفضل، هي فكرة راسخة إلى حد بعيد. وأظن أن هذا الرسوخ يعود، في الأساس، إلى إدراك شبه واعٍ، لأننا إذا سلّمنا آمالنا في التقدم الأخلاقي إلى العاطفة، فإننا في الواقع نُحيلها إلى نوع من الاستعلاء، وسنعتمد وقتها على أولئك الذين يملكون سلطة تغيير الواقع؛ أناس مثل الأثرياء المناهضين للرق والعنصرية في نيو إنغلاند، أو إلى القلوب الرهيفة، مثل روبرت أوين Robert Owen (1858–1771) وفريدريك إنجلز Friedrich Engels (1895–1820)، بدلًا من أن نعتمد على شيء آخر تكون له سلطة عليهم. وسيكون علينا قبول
أن مصير نساء البوسنة يتوقف على إذا ما كان الصحافيون التلفزيونيون قادرين على القيام بما قامت به هاريت بيتشر ستو مع العبيد السود؛ أي إذا ما كان في استطاعة هؤلاء الصحافيين أن يجعلونا، نحن مشاهدي التلفزيون في البلدان الآمنة، نشعر بأن هؤلاء النسوة أكثر شبهًا بنا، بالموجودات البشرية، مما كنّا نتخيّل. ويعني الاعتماد على إيحاءات العاطفة أكثر من الاستناد إلى أوامر العقل أن على الأقوياء التوقف شيئًا فشيئًا عن قمع الآخرين، أو التشجيع على قمعهم، بدافع من اللطف الخالص، وليس بدافع من الخضوع للقانون الأخلاقي. لكن من المثير للاشمئزاز هو التفكير في أن أملنا الوحيد في مجتمع لائق يكمن في استعطاف القلوب المغتبطة بنفسها لطبقة مترفة. إننا نرغب في أن ينبع التقدّم الأخلاقي من الأسفل، عوضًا عن انتظارنا بصبر تنازلًا يأتي من الأعلى. ويبدو لي أن الشعبية المتبقية للأفكار الكانطية عن "الواجب الأخلاقي اللامشروط"، الذي تفرضه قوى عميقة، لاتاريخية وغير عرضية، تعود بالكامل تقريبًا إلى كراهيتنا لفكرة أن من يعتلون القمة يمسكون بزمام المستقبل بين أيديهم، وأن كل شيء يتوقف عليهم، ولا يوجد شيء أقوى يمكننا الاستناد إليه في مواجهتهم. إنني مثل أيّ شخص آخر، أُفضّل أيضًا طريقًا تبدأ من القاعدة وتتّجه نحو القمة لتحقيق اليوتوبيا؛ أي أن نعمل على تغيير مسارنا بسرعة، حيث يتحوّل تعثّرنا إلى نهضة. لكنني لا أتصوّر أن تكون هذه هي الطريق المؤدية إلى تحقيق اليوتوبيا. ولا أتصوّر كذلك أن تفضيلنا هذه الطريق يدعم الفكرة التي مفادها أن مشروع الأنوار كامن في أعماق كل روح بشرية. لكن، لماذا يدفعنا هذا التفضيل إلى مقاومة فكرة أن العاطفية يمكنها أن تكون سلاحنا الأفضل؟ أعتقد أن نيتشه قدّم الإجابة الصائبة عن هذا السؤال: إننا نقاوم بدافع من الاستياء. إننا نغضب من فكرة أنه يجب علينا انتظار أن تستدير أعين الأقوياء النهمة صوب معاناة الضعفاء، وأن يفتحوا قلوبهم الصغيرة الجافة ببطء. إننا نأمل بشدة في وجود شيء أشد وأقوى، في مقدوره أن "يؤلم" الأقوياء ويضرّهم إذا "لم" يقوموا بهذه الأمور؛ إذا لم يكن إلهًا منتقمًا، فلتكن البروليتاريا الانتقامية الثائرة، أو على الأقل، الأنا الأعلى الانتقامية، أو على أقل تقدير، الجلالة المهينة لمحكمة العقل العملي المحضة الكانطية. وبحسب نيتشه، يتمثّل الأمل اليائس في العثور على حليف قوي ودائم في النواة المشتركة بين المذهب الأفلاطوني، والتشبث الديني بالقدرة الإلهية المطلقة، والفلسفة الأخلاقية الكانطية34. أعتقد أن نيتشه كان محقًا ودقيقًا في هذا التشخيص. إن ما سمّاه جورج سانتايانا George Santayana (1952–1863) "النزعة الفائقة للطبيعية"35؛ أي الامتزاج بين المثل والسلطة، هو كل ما يكمن خلف الادّعاء الكانطي الذي يرى أنه ليس فحسب من الأفضل، إنما من الأكثر عقلانية، أن نضمّ الأجانب
إلى جماعتنا الأخلاقية، بدلًا من إقصائهم. وإذا كنّا متفقين مع نيتشه وسانتايانا حول هذه النقطة، فإننا عندئذ لن نجد أيّ سبب يدعونا إلى أن ندير ظهورنا لمشروع الأنوار، كما فعل نيتشه. ولن نجد أيضًا أيّ سبب يدعونا إلى أن نكون متشائمين بطريقة ساخرة بخصوص فرص نجاح هذا المشروع، على غرار المعجبين بنيتشه من أمثال سانتايانا وخوسيه أورتيغا إي غاسيت José Ortega y Gasset (1955–1883)، ومارتن هيدغر Martin Heidegger (1976–1889)، وليو ستراوس Leo Strauss (1973–1899) وميشيل فوكو Michel Foucault.)1984–1926(لكن على الرغم من أن نيتشه كان محقًا في النظر إلى إلحاح كانط على اللاشرطية بوصفها تعبيرًا عن السخط، فإنه كان مخطئًا في النظر إلى المسيحية وعصر الثورات الديمقراطية بوصفهما من علامات التدهور الإنساني. ومن المؤسف أن نيتشه وكانط يشتركان في شيء لم يشتركا فيه مع هاريت بيتشر ستو؛ شيء سمّته أيريس ميردوخ Iris Murdoch (1999–1919) "الجفاف" Dryness، وأطلق عليه.36Phallogocentrism 2004–1930(نزعة المركزية القضيبية") " Jacques Derrida جاك دريدا ويتمثّل العنصر المشترك في فكر الرجلين في الرغبة في النقاء. وهذا النوع من النقاء لا يكمن في الاستقلالية، والتحكم في الذات فحسب، بل أيضًا في تملّك نوع من الاكتفاء الذاتي الواعي الذي وصفه سارتر بأنه المُرَكَّب الكامل للوجود في ذاته، والوجود لذاته. ولا يمكن الوصول إلى هذا المُرَكَّب، كما يشير سارتر، إّلا إذا تمكّن المرء من التخلّص من كل شيء لزج، رطب، عاطفي وأنثوي. وعلى الرغم من أن هذه الرغبة في الفحولة المحضة تجمع بين أفلاطون وكانط، فإن الرغبة في جمع أكبر عدد مختلف من أنواع البشر داخل مدينة عالمية تربط كانط بستو. ويمثّل كانط في تاريخ الفكر الأخلاقي مرحلة انتقالية بين المحاولة اليائسة لإدانة تراسيماخوس باللاعقلانية، والمحاولة المتفائلة لرؤية كل من يصادفنا من البشر (أو الكائنات الثنائية القدم العديمة الريش) وكأنه واحد منّا. ويكمن خطأ كانط في اعتقاده أن الطريقة الوحيدة للحصول على نسخة متواضعة ومخففة وغير متعصبة من الأخوّة المسيحية بعد هجران الإيمان المسيحي، تكمن في إحياء موضوعات الفكر الفلسفي ما قبل المسيحي. فقد أراد لمعرفة الذات الجوهرية أن تصل إلى أقصى إمكاناتها من خلال تجديد الذات وإعادة خلقها فحسب، بالتفاعل مع ذوات مختلفة عنها قدر الإمكان. لقد أنجز كانط نوعًا من الحرج المطلوب في المراحل الانتقالية. فقد ساعد مشروعُه في التوسط بين تقليد عقلاني يحتضر ورؤية عالم جديد وديمقراطي؛ عالم يُسمّيه رابوسي "ظاهرة حقوق الإنسان". ومع بروز هذه الظاهرة، أضحى التوازن الذي أنجزه كانط قديمًا وغير ذي صلة. إننا الآن في وضعية
جيدة تسمح لنا بالتخلّي عن الآثار الأخيرة للفكرة القائلة إن البشر يتميّزون بالقدرة على المعرفة أكثر من قدرتهم على ربط أواصر الصداقة، وعلى التزاوج فيما بينهم، وأنهم يتميّزون بالعقلانية الصارمة وليس بالعاطفية المرنة. وإذا ما فعلنا هذا، فسنكون قد هجرنا الفكرة القائلة إن المعرفة الأكيدة لحقيقةِ ما نشترك فيه تشكّل شرطًا أوّليًا للتربية الأخلاقية، فاضلًا عن فكرة الحافز الأخلاقي المحدد. وإذا ما قمنا بهذا كله، فسنرى إذًا كتاب أسس ميتافيزيقا الأخلاقلكانط بديلًا من رواية كوخ العم توم، وهو ما يأتي بمنزلة إذعان لتوقعات عصر فكري يبدو فيه البحث عن معرفة شبه علمية كأنه أفضل استجابة للنزعة الإقصائية الدينية37. ولسوء الحظ، لا يزال العديد من الفلاسفة، ولا سيما في العالم الأنكلوسكسوني، يحاولون التشبث بالإصرار الأفلاطوني على أن الواجب الرئيس للبشر هو المعرفة. فهذا الإصرار كان بمنزلة شريان الحياة الذي رأى كانط وهيغل ضرورة التمسّك به38. وكما اعتبر الفلاسفة الألمان في الفترة بين كانط وهيغل أنفسهم منقذين للعقل من هيوم، كذلك أيضًا يرى العديد من الفلاسفة الأنكلوسكسونيين اليوم أنهم يقومون بدور مشابه لإنقاذ العقل من دريدا. لكن، مع حكمة الإدراك المتأخر وبفضل باير، تعلّمنا أّلا نقرأ هيوم بوصفه عابثًا خَطِرًا ومحطمًا للأصنام الفكرية، بل بوصفه المفكر الأعمق والأكثر مرونة والأقل تركيزًا على المركزية القضيبية في عصر التنوير. أعتقد أنه سيأتي يوم، ربما يرى فيه أحفادنا،
أنه كان في إمكان معاصري دريدا قراءته ليس بوصفه مجرد محطّم للأصنام الفكرية، بل بوصفه مربيًا عاطفيًا وفيلسوفًا آخر ينتمي إلى تقليد "الفلاسفة الأخلاقيين للنساء"39. وإذا ما تبع أحدنا نصيحة باير، فسيرى أن مهمة المربّي الأخلاقي لا تكمن في الإجابة عن سؤال الأناني العقلاني: لماذا يجب عليّ أن أكون أخلاقيًا؟ بل بالأحرى الإجابة عن السؤال الذي يفرض نفسه بصورة أكثر إلحاحًا: لماذا يجب عليّ الاهتمام بشخص غريب، ليس من عائلتي، أجد عاداته منفّرة؟ إن الإجابة التقليدية عن هذا السؤال الأخير هي: لأن القرابة والعادات لا علاقة لهما بالأمر أخلاقيًا، ولا بالالتزامات المفروضة علينا بموجب الاعتراف بالانتماء إلى النوع نفسه. ولم تكن هذه الإجابة في يوم من الأيام مقنعة، لأنها تثير سؤ لًا مختلفًا عليه، هو: هل يمثّل مجرد الانتماء إلى نوع ما، في واقع الأمر، بديلًا كافيًا من قرابة أكثر ترابطًا؟ وعلاوة على ذلك، تترك هذه الإجابة الباب مشرّعًا على مصراعيه أمام رد نيتشه المربك: هذه الفكرة الكونية، هكذا سيقول نيتشه متهكّمًا، لا يمكن أن تخطر إلا في عقل عبد، أو ربما، مثقف، أو قسيس يتوقف تقديره لذاته ووسائل معيشته كلها على حمل البقية منّا على قبول تناقض مقدّس، لا يقبل النقاش ولا الطعن. وتتلخّص الإجابة الأفضل عن هذا السؤال في القصة الطويلة، الحزينة، العاطفية التي يمكن أن تبدأ بأيّ عبارة على غرار: "لأن هذا هو شعور المرء عندما يكون في نفس وضعيتها، أن تكون بعيدًا عن المنزل، بين الغرباء"، أو "لأنها يمكن أن تصبح زوجة ابنك"، أو "لأن أمّها قد تحزن عليها". مثل هذه القصص، المتكررة والمنوّعة على مر القرون، حثّتنا، نحن الأثرياء، الآمنين، الأقوياء، على التسامح، بل حتى محبة أناس لا حول لهم ولا قوة، تبدو هيئتهم، أو عاداتهم، أو معتقداتهم أول وهلة كأنها إهانة لهويتنا الأخلاقية، ولإحساسنا بحدود التنوع الإنساني المقبول. بالنسبة إلى من يؤمنون، مثل، أفلاطون وكانط، بحقيقة يمكن التيقّن منها فلسفيًا حول معنى أن تكون إنسانًا، فإن العمل الجيد يبقى منقوصًا، ما دمنا لم نُجب عن سؤال "نعم، لكن هل أنا ملزم أخلاقيًا بهذه الحقيقة؟"، وبالنسبة إلى أناس مثل هيوم وباير، فإن طرح مثل هذا السؤال يُعدّ علامة على عدم النضج الفكري. لكننا سنستمر في طرح هذا السؤال ما دمنا نتفق مع أفلاطون على أن قدرتنا على المعرفة هي التي تجعلنا بشرًا. لقد كتب أفلاطون منذ زمن بعيد، في عصرٍ اضطررنا فيه نحن المثقفين إلى الزعم أننا خلفاء للقساوسة، وأننا على معرفة بأمر باطنيّ وغامض إلى حدٍ ما. لقد بذل هيوم ما في وسعه لتخليصنا من هذا الزعم. ولا تزال باير التي تبدو لي الأكثر أصالة ونجاعة من بين فلاسفة الأخلاق المعاصرين، تسعى هي
أيضًا لتخليصنا من هذا الزعم، وأعتقد أن في مقدورها النجاح، لأنها تملك تاريخ مئتَي سنة من التقدم الأخلاقي في صفّها. يمكننا بسهولة أّلا ننظر إلى هذين القرنين باعتبارهما مرحلة تعميق لفهم طبيعة العقلانية أو الأخلاق، بل بالأحرى باعتبارهما مرحلة نتج في غضونها تقدّم مدهش وسريع للمشاعر، وأصبح في أثنائها من السهل جدًا أن نكون مدفوعين إلى الفعل بوساطة القصص الحزينة والعاطفية.
References
المراجع