استشكال مفهوم الموضوعية في براغماتية ريتشارد رورتي الجديدة
Problematizing Objectivity in Richard Rorty’s Neopragmatism
الملخّص
تتناول الدراسة بالبحث مقاربة ريتشارد رورتي البراغماتية التي جعلها تتماشى مع تطلعاته على المستويين السياسي والأخلاقي، وذلك حالما يجري التخلص من الإشكالات التقليدية لنظرية المعرفة، باعتبارها تقوم على ادعاء مفاده تأسيس مشروعية المعرفة من خلال تبيان ما ينتمي إلى حقل الموضوعية وما لا ينتمي إليه. وتتأسس إشكاليّة الدراسة على التساؤلات الآتية: هل تقتصر وظيفة الفلسفة على النظر إلى مشروعية الأفكار استنادًا إلى موضوعيتها؟ ألا يمكن تحويل مسار الفلسفة إلى ما بعد النظرية، أو ما يصطلح عليه بالدراسات ما بعد الموضوعية؟ وما المكانة التي يمكن أن تشغلها الفلسفة في الممارسة الإنسانية؟ وكيف يمكن تخليص فعل التفلسف من معضلات التأسيس النظري القائم على ثنائية الذات والموضوع اللذين يتوسطهما المنهج، بالانعطاف ناحية الفعل الإنساني في مجابهته للإنساني ذاته؟ يساعدنا هذا النمط الجديد من التفلسف، الذي يقدمه رورتي، في تغيير نظرتنا إلى الممارسة الفلسفية، وإلى المفاهيم التقليدية المرتبطة بها، وبالأخص مفهوم الموضوعية.
Abstract
Abstract: The paper examines Richard Rorty’s neopragmatic approach, which he brought into line with his political and moral aspirations upon eliminating the traditional problems of epistemology as based on ostensibly establishing the legitimacy of knowledge by clarifying what does and does not belong to the field of objectivity. This paper explores the following questions: Is the function of philosophy limited to considering the legitimacy of ideas on the basis of their objectivity? Is it possible to shift the course of philosophy beyond theory and towards what is known as post–objectivity? What role can philosophy play in human practice? How might one liberate the act of philosophizing from the dilemmas of a theoretical foundation based on the duality of subject and object, which are mediated by methodology, by turning towards human action in its
- رورتي
- الموضوعية
- الإبستمولوجيا
- التمثيل
- البراغماتية الجديدة
- Rorty
- Epistemology
- Representation
- Neopragmatism
- Objectivity
encounter with that which is human? This new style of philosophizing, presented by Rorty, helps us change our view of philosophical practice and the traditional concepts associated with it – especially the concept of objectivity.
مقدمة
تعلمنا قراءة ريتشارد رورتي (007–19312) لتاريخ الفلسفة إمكانية التفلسف من خارج الإطار النظري للفلسفة، بوصفها نظرية تسعى لبناء معرفة مؤسسة موضوعيًا. وهو ما يفيد تغيير استراتيجيات التفلسف من دون السقوط في القراءة التقليدية لتاريخ الفكر الفلسفي، وإنما الدخول في نقاش معرفي معه، لا نفاضل فيه بين الحقيقي واللاحقيقي، أو الموضوعي والذاتي؛ بل نتحادث عبره في النتائج المترتبة على الممارسة الفلسفية في علاقتها بالفعل الإنساني. تكون ممارسة الفلسفة، بهذا المعنى، نمطًا تفكّريًا من خارج تاريخ الفلسفة الرسمي1 الذي دشنته نظرية المعرفة Epistemology/ Theory2of Knowledge من حيث هي محكمة قادرة على محاكمة جميع ميادين الثقافة داخل قاعتها الرئيسة بالخضوع لسلطة قاضيها المطلقة. وبناءً عليه، يحق لنا أن نتساءل: ما الذي يبقى للفلسفة، إن أزلنا عنها نظرية المعرفة التي تؤدي وظيفة القاضي الذي يحاكم مشروعية الادعاءات المعرفية؟ يؤدّي هذا التساؤل إلى الإشكال الآتي: كيف يتأول رورتي مفهوم الموضوعية في علاقته بنظرية المعرفة؟ وهل يمكن النظر إلى الموضوعية من جهة الفهم الأفقي بدلًا من الفهم العمودي؟ يتمثّل هدفنا الأساسي من هذه الدراسة في استشكال مفهوم الموضوعية، استنادًا إلى التأويل البراغماتي الجديد الذي يقدمه رورتي؛ وليس ذلك بالنظر إلى التشخيص السلبي لتاريخ الفلسفة نظريةً في المعرفة فحسب، وإنما بالتوقف أيضًا عند القيمة المضافة إلى هذا التأويل، من حيث الانعطاف تجاه بردايم جديد يتجاوز الثنائية المعرفية بين الذات والموضوع.
أولا: مساءلة مفهوم الموضوعية في الأطروحة التقليدية
يثير تعريف مفهوم الموضوعية إشك لًا حقيقيّا، خاصة إذا ما نظرنا إلى دلالة المفهوم في ارتباطه بتغير الأزمنة والسياقات الفلسفية. ولذلك، نفترض أن للموضوعية معاني عديدة وتعاريف كثيرة ومستويات مختلفة، ترتبط كلها بالشيء الذي نطلبه من "ما هو الموضوعي؟"؛ إذ يقترح كل فيلسوف
تعريفًا لمفهوم الموضوعي انطلاقًا من تصوّره الخاص. ومن ثمّ، يطرح التعريف صعوبات متعددة تتعلق بالإحاطة بمعاني مفهوم الموضوعية3؛ لأن أي محاولة لبحثه تاريخيًا ستبيّن أن هذا المفهوم الذي قد يبدو واضحًا في الوهلة الأولى، والذي يقع في صميم البحث العلمي، هو في الواقع مفهوم إشكالي، وذلك ما لاحظته مؤرخة العلوم الأميركية لوران داستون وفيلسوف العلوم الأميركي بيتر غاليسون في مؤلفهما المشترك الموضوعية، حيث اعتبرا مفهوم الموضوعية إشكاليًا، يطرح الكثير من الغرابة والخصوصية، ولا يبدو واضحًا؛ لأنه مترسخ داخل حقل الممارسة العلمية4. وما دام الأمر يرتبط بالممارسة العلمية، فإن العلم يُعرّف بأنه نسق من المعارف والأبحاث التي تعبّر عن درجة من الوحدة والعمومية، وطريقه يقود إلى استنتاجات متناسقة؛ لأنه غير مرتبط بالأذواق الفردية، وإنما يحدد عن طريق اكتشاف العلاقات الموضوعية وتأكيدها عبر مناهج تحقّقية محددة5. بناء على ذلك، لا يمكن إلا أن نؤكد أن الموضوعية تشكّل العنصر الرئيس للنشاط العلمي؛ لأنها تتيح إمكانية قول أو الإخبار عن العالم Dire le monde. وهذا ما أكده مؤرخ العلوم والإبستيمولوجي الإنكليزي، آلان تشالمرز، في مؤلفه ما هو العلم؟ حينما اعتبر أن العلم لا يمكن إلا أن يكون موضوعيًا، لأن نمط المعرفة التي يقدمها هو معرفة علمية أثبتت موضوعيتها. ولا تتعلق الموضوعية، في هذا السياق، بمسألة عرضية، وإنما هي التي تؤسس العلم، ولا يكون العلم موضوعيًا إلا من خلال القدرة على وصف الواقع باستقلالية عن تدخل الانتماءات الذاتية6. وإذا ما عدنا إلى موسوعة لالاند الفلسفية، فإننا نلفي أنّ الموضوعية تشير إلى موقف فكري يعبّر عن الأشياء من دون تشويهها عن طريق خلفيات الباحث الذاتية7. وتهتم نظرية المعرفة بهذا المفهوم على نحو خاص، بحيث يعرف الفكر في الإدراك مباشرة واقعًا قائمًا بذاته. فالموضوعي هو ما يكون مستقلًا عن عفويتنا الفردية8. ويتأسس تعريف أندريه لالاند على التقابل؛ نظرًا إلى أن المطلوب هو فهم الموضوعية بالمعنى الذي تتقابل فيه مع الذاتية، تمامًا مثلما يتقابل الكوني مع الفردي. يقول: "هذا التقابل دقيق، مركزي، ومتسق تمامًا مع استخدام المؤرخين والعلماء"9. وهو ما يعني أن الموضوعية تحدد من حيث الدلالة الإبستيمولوجية التي تحيل إلى القدرة على تمثّل الواقع، ومسعاها الأساسي هو التعبير عن الحقيقة. غير أنه يوجد
اختلاف بين دلالتَي الواقع والحقيقة: هناك من يرى أنّ وجود العالم لا يكون مستقلًا على نحوٍ موضوعي عن أفكارنا، بينما يعتبر آخرون أنّ العالم الموضوعي مستقل عن أفكارنا10. إذا كان التحديد المعجمي لمفهوم الموضوعية يطرح إشك لًا على مستوى التعريف، من حيث الإقرار بتعددية المعاني المرتبطة بتغير الأزمنة، فإن ذلك يفرض علينا أن نشتغل بنموذج محدد، ربما يساعدنا على تقديم إجابة واضحة عن دلالة هذا المفهوم؛ وهذا النموذج هو: إيمانويل كانط. واختيار النموذج الكانطي في هذا السياق ليس ذاتيًا، وإنما هو اختيار موضوعي فرضته نصوص رورتي التي تعترف باكتمال مشروع نظرية المعرفة مع اللحظة الكانطية. وقبل النظر إلى المشروع الكانطي، يستلزم أن نشير إلى التصور الديكارتي لمفهوم الموضوعية. يُعرّف رينيه ديكارت الواقع الموضوعي بالإحالة إلى قدرة الفكرة على تمثّل ما هو موجود في الخارج11. ويدّعي أنّ "الأفكار التي تمثّل لي جواهر هي بلا شك شيء ما أكثر، وتنطوي في ذاتها [...] على واقع موضوعي أكثر – أي إنها تشارك بالتمثّل في درجات أعلى من الوجود والكمال – من تلك التي تمثّل لي أحو لًا وأعراضًا فقط"12، وهو ما يدل على أنّ الموضوعية لا تعني التموقع خارج العقل، بل على العكس، أن تطابق الفكرة المجردة مع فكرة أنّ العقل هو الذي يخلق الأشياء الخارجية، بحيث ترتبط الفكرة بما يوجد داخل العقل من أفكار؛ لأن موضوعية الفكرة تحددها الفكرة ذاتها التي تتسم بالوضوح والبداهة13. وهذا ما قاد ديكارت إلى رفض الحواس، لأنها خادعة، ولذلك فهي لا تستطيع أن تضمن الوصول إلى حقيقة الأشياء. فالفكرة الموضوعية تتسم بالوضوح والتميز لأنها تمثّل نقطة الانطلاق الوحيدة الممكنة في عملية بناء المعرفة. لذا، لا يمكن أن تكون الموضوعية معطاة من قبلُ في التجربة. لكن إذا كان التحديد الديكارتي للموضوعية ينطلق من فرضية التمثّل العقلي الرافض للتجربة، فإنه يمكننا أن نتساءل: كيف تكون معرفة الشيء معرفة موضوعية ممكنة في التصور الكانطي؟ تتأسس فلسفة كانط على مبدأ مفاده أن الحساسية Sensibility التي توفرها التجربة متعددة؛ مما يستلزم تدخّل الفهم Understanding لتنظيم التجربة. لا ينفي كانط تجربة الأشياء الخارجية (هناك أشياء تعطى)، ولكن بمجرد تصورها من خلال إدراكها تصبح أشياء معروفة يتم ترتيبها وتركيبها Synthesis بوساطة العقل Mind. ومن ثَّمَ، لا يمكن التفكير في الموضوعية باستقلالية عن الذات العارفة. فهي التي تبني العالم المعروف، في حين أن العالم في ذاته ليس له أي وجود، لأننا لا نستطيع الوصول سوى إلى الفينومينات التي تحددها مقولات الحكم. وهو ما يعني أن القيمة الموضوعية للمعرفة تستمد من الخضوع للمبادئ القبلية التي يوفرها الفهم؛ بالنظر إلى استحالة الخروج من عالم التمّثلّات. إن الذاتية هي شرط الموضوعية؛ لأن الذات هي التي تحدد الموضوع. غير أن الذات المقصودة في هذا المستوى
ليست الذات الفردية، بل الذات الترنسندنتالية التي تُحَدَّدُ بوساطة مقولات الفهم14. قد يبدو في الوهلة الأولى أن هذه الأطروحة متناقضة، لأن فلسفة كانط لا تتطابق مع رؤية ذاتية للمعرفة. ويعود ذلك إلى دعوة كانط التي تؤكد عدم الخلط بين الذاتية والسيكولوجيا الفردية، غير أن الذاتية التي يتحدث عنها كانط هي تلك التي تتطابق مع الذات الترنسندنتالية الكونية. وهكذا، ينبغي أن ننظر إلى مفهوم الذاتية من حيث هو ذاتية موضوعية، لأن بنى الفهم مشتركة بين الجميع. وهذا هو السبب الذي يجعل من كانط مفكرًا في الموضوعية، وليس في سيكولوجيا الذات الفردية. ويتأسس وهم ما يعطى لنا على نحوٍ مستقل عن نشاط الفهم على الميل إلى التمييز بين الشيء في ذاته وبين تحديده الحسي. لكن كانط يظهر أن هذا الاتجاه مضلّل؛ لأن دراسة شروط إمكان التجربة تعلمنا ما يلي: "لا يتم تنظيم تمثّلنا للأشياء كما تعطى لنا في حد ذاتها، بل إن هذه الأشياء من حيث هي فينومينات هي التي يتم تنظيمها عن طريق نمط تمثّلنا"15. يترتب على ما سبق النظر إلى المعرفة، باعتبارها تفاعلًا بين الذات والموضوع، حيث ينظر إلى الواقع انطلاقًا من التمثّل Representation؛ لأن العقل لا يرى إلا ما ينتجه استنادًا إلى مخططاته القبلية. والقاعدة الرئيسة التي يصوغها كانط في هذا السياق هي: "إننا لا نعرف من الأشياء قبليًا إلا ما وضعناه نحن فيها"16؛ أي إن الذات هي التي تخلق عالم تفكيرها. يتحدد الحديث عن مفهوم الموضوعية، إذًا، في ربطها بنمط من المعرفة التي تتسم بالمعقولية الكونية، بحيث يعبّر الموضوع عن تركيب الحدوس الإمبريقية مع تصوّرات الفهم. وهذا هو الدرس الذي أراده كانط حين أقرّ بأنّ الوصول إلى الموضوعية لا يتم إلا عن طريق شروط إمكان قبلية وكونية لكل تجربة ممكنة17. غير أن التساؤل الذي ينبغي مجابهته في هذا السياق هو: لماذا وقع الاختيار على النموذج الكانطي؟ وكيف يتأوّل رورتي مفهوم الموضوعية لدى كانط؟ يُعتبر كانط، من المنظور البراغماتي الجديد، أول من وضع الفلسفة على المسار السليم للعلم حينما وضع الفضاء الخارجي (الواقع) داخل الفضاء الداخلي (العقل)؛ أي داخل فضاء النشاط
التأسيسي للأنا الترنسندنتالية18. يتميز العقل بالقدرة على تمثّل ما هو موجود في العالم الخارجي، بحيث ترتكز المعرفة على معرفة المرء انطلاقًا من قدرته على تمثّل الواقع. ويحيل وضع الفضاء الخارجي Outer Space داخل الفضاء الداخلي Inner Space إلى تأكيد أنّ الخبرة المعرفية تتضمن عنصرين: المعطيات المباشرة Immediate data التي تُعطى للعقل، وصورة إنشاء نشاط الفكر وتأويله19. لهذا السبب، تمثّل اللحظة الكانطية لحظة حاسمة في تاريخ الفكر الفلسفي الحديث، بالنظر إلى قاعدته الأساسية التي تعتبر أن المرء لا يعرف إلا ما ركّبه20؛ أي ما تمثّله ووضعه في التجربة. وبناءً عليه، تكمن أهمية كانط، استنادًا إلى قراءة رورتي، في أنه "سمح لنا أن نرى أنفسنا وكأننا نقرر [...] كيف ينبغي للطبيعة أن تكون"21. فقد حدد مهمة العقل في البحث عن القواعد التي يضعها العقل ذاته. وهذا يعني أن السبيل الوحيد للحصول على تمّثلّات دقيقة يكمن في إيجادنا، داخل المرآة، فئة متميزة من التمّثلّات التي تفرض نفسها إلى درجة يستحيل الشك في حقيقتها22. فالعقل، بوصفه مرآة، يعكس ما هو موجود في الخارج انطلاقًا من تمثّله23. يتبيّن مما سبق وجود علاقة وطيدة بين مفهوم الموضوعية ونظرية المعرفة، نظرًا إلى ما يجمعهما، بحيث يحيل وجود نظرية المعرفة إلى البحث الذي يركز على تحقيق معرفة موضوعية؛ على اعتبار أن الإشكال الجوهري الذي تتأسس عليه الموضوعية في علاقتها بنظرية المعرفة إنما هو سؤال المعرفة، أي: ما الشيء الذي يمكن معرفته معرفة حقيقية وموضوعية مستقلة عن الأحكام والأهواء الذاتية؟ من خلال هذا التعالق بين المفهومين نتساءل: كيف يتأول رورتي مفهوم الموضوعية في ارتباطها بالتقليد الفلسفي؟ يحتل مفهوم الموضوعية مكانة رئيسة في التقليد الفلسفي، وسبب ذلك تركيزه على البحث عن مفهوم الحقيقة بوصفها مركزه الأساسي. ومعنى ذلك أن الحديث عن "الموضوعية"24 يفيد ضمنيًا التعريج على مفهوم الحقيقة، لأن الحقيقة هي معرفة موضوعية، تستمد دلالتها من ذاتها، وتتسم بماهية ثابتة، ووجودها مستقل عن العقل الذي يقوم بمهمة تمثّلها تمثّلًا دقيقًا عبر تحقيق التطابق مع الواقع؛ فتكون للفكرة في العقل مقابلًا في الواقع تتمثّله25. يعبّر هذا التقليد الفلسفي، الذي يطلق عليه رورتي اسم التقليد الواقعي Realism، عن البردايم الذي سعى لفهم الوجود الإنساني من خلال الابتعاد عن التضامن Solidarity26
الذي يتأسس على الفهم الأفقي للوجود المشترك بين الذوات الإنسانية، والانتصار للموضوعية التي ترتكز على الفهم العمودي في تناولها للعلاقة الثنائية بين الذات العارفة والموضوع القابل للمعرفة. وهو ما أدى، وفق منظورية رورتي، إلى اختزال البحث في مفهوم الحقيقة من دون أي فاعلية إنسانية27. يلُاحظ أن سؤال الموضوعية ينصبّ رأسًا على مفهوم الطبيعة ومدى قدرة الإنسان على اكتشاف Discovery ماهيتها؛ ويقوم هذا الاكتشاف بدوره على إمكانية معرفة طبيعة الأشياء، حيث إن النموذج الوحيد الذي يمتلك هذه القدرة هو النموذج العلمي باعتباره نموذجًا يهدف إلى معرفة حقيقة الواقع بما هو عليه والأشياء التي تكوّنه. لذلك، يقصي هذا النمط من المعرفة الرأي وكل ما يتعلق بالتاريخي والثقافي في الإنسان، لأن غايته هي المطلق، ولا يمكن التاريخي والثقافي في نظره إلا أن يسقطا في دائرة النسبي، وهكذا فهما لا يرقيان إلى درجة المعرفة الحقيقية. يرى رورتي أن سؤال الموضوعية يسعى لوصف الإنسان في علاقة مباشرة بواقع لاإنساني Non Humaine، ولا تتأسس طبيعة هذه العلاقة المباشرة على العلاقة القائمة بين واقع ما والجماعة المكونة له. إن الرغبة في الموضوعية هي رغبة في ربط مصير الإنسان بشيء خارجي عنه يتم وصفه من دون الإحالة إلى أناس بعينهم؛ وبذلك، تعمل هذه الرغبة على إقصاء أناس حقيقيين يشكّلون جزءًا من المجتمع؛ لأنها لا تهتمّ بأنّ الفرد هو عضو مكوّن للجماعة، سواء أكانت جماعة واقعية أم متخيلة28. يستلزم ذلك النظر إلى مقاربة براغماتية رورتي الجديدة29 لمفهوم الموضوعية من ناحيتين: مفهوم الطبيعة من ناحية، ومفهوم الإنسان من ناحية أخرى. فإما أن نحيل إلى الطبيعة باعتبارها المرجع الذي ينعكس داخل العقل، وإما أن نحيل إلى الإنسان سواء أكان فردًا أم جماعة30. وإذا انصبّ الاهتمام على اكتشاف حقيقة ما تظهره أشياء الطبيعة، فإن ذلك يقتضي بالضرورة إقصاء الإنسان من دائرة
الاهتمام، وهو ما يعني أيضًا إقصاء كل ما يتعلق بالإنسان؛ أي كل ما يدخل ضمن دائرة الخصوصي والثقافي. وهذا يدل على أنّ المرجع في هذه المقاربة هو الطبيعة وليس التاريخ الذي يمكن من خلاله فهم الإنسان بالإحالة إليه، من دون إخراجه من مركز المعرفة؛ لأن تركيز المعرفة ينبغي أن ينطلق أساسًا من إمكانية معرفة الإنسان، بدلًا من البحث عن ما يتجاوزه (اللاإنساني). يزعم رورتي أن التقليد الذي ركز بحثه عن الموضوعية يعود إلى عصر التنوير31؛ لأنه أعطى العيش خارج حدود المجتمع مكانة مركزية. وتمثّل أفق هذا التقليد في التأسيس للطبيعة الإنسانية المستقلة عن التاريخ، والتي تتجاوز ثقافة الإنسان وتتعالى عنها32. وذلك ما يستقر عليه هذا الفيلسوف، حينما يصف مجمل الإشكال الذي قامت عليه الفلسفة الحديثة، مؤكدًا أن مسعى مماثلة البحث عن الحقيقة الموضوعية مع استخدام العقل كان قويًا؛ إذ لا يمكن أن يتأسس النموذج العقلاني إلا على علوم الطبيعة33. يصف رورتي هؤلاء الفلاسفة الذين حاولوا تأسيس فلسفاتهم على مفهوم الموضوعية بالواقعيين؛ نظرًا إلى تأكيدهم أن الحقيقة يجب أن تؤول إلى تطابق مع الواقع؛ بحيث تمثّلت غايتهم في بناء ميتافيزيقا قادرة على تحديد العلاقة بين الاعتقادات والأشياء. وتسمح هذه العلاقة بتمييز الاعتقادات الصادقة عن الاعتقادات الكاذبة. لذا، تميز مسعاهم بإثبات الإجراءات القادرة على تسويغ الاعتقادات الطبيعية من دون أدنى إحالة إلى الإنساني. ووجب عليهم، من أجل ذلك، تأسيس إبستيمولوجيا تتيح إمكانية هذا التسويغ الطبيعي من دون اعتبار للعنصر الاجتماعي. ويتأسس هذا التسويغ على الطبيعة الإنسانية ذاتها، ويجد شرط تحققه في الرابط الذي يوحّد جزءًا من الطبيعة بما لا ينتمي إليه. ينبغي إذًا، وفق الأطروحة الواقعية، تبنّي تسويغ عقلاني، بحيث يكون شرط هذه العقلانية هو المسار الذي يأخذنا إليه هذا التسويغ؛ أي إلى الحقيقة، وإلى التطابق مع الواقع، وإلى الطبيعة الجوهرية للأشياء34. يعبّر هذا المسعى عن إغراء أكثر عمومية، يؤدي إلى الاعتقاد أن العالم، أو الذات الإنسانية، يحتويان طبيعة جوهرية؛ أي ماهية35. وتتعيّن ماهية الإنسان وعيًا تأمليًا داخل أطروحة مؤدّاها أنّ التفكير يقود بالضرورة إلى اختزال الواقع في مجموعة من الأشياء، وفي وحدة المعرفة. بعبارة أخرى، تحيل ماهية الوعي التأملية إلى قدرة الوعي على معرفة ماهية الواقع بسبب بنيته التأملية. ونتيجة لذلك، يعتبر الوعي أساس وحدة المعرفة. بهذا المعنى، اعتبر الوعي، في الفلسفة الحديثة، صورة لمرآة تمثّل وسيطًا للمعرفة. والفكرة الأساسية هي أننا ننشئ صورة للواقع انطلاقًا من تمثّل الوعي؛ لأن الأخير ليس سوى مرآة تعكس ماهية العالم36. ويجب أن تعكس الماهية داخل المرآة؛ أي داخل العقل الذي مُنح أفضلية تمثّل
الأشياء كما هي. ومن ثَّمَ، يتحدد المعنى الرئيس لمفهوم "الماهية المرآوية" داخل سؤال إشكالي، هو: هل للإنسان قدرة على عكس ما يوجد خارجه على نحوٍ واضح ومتميز؟ وإن كان الأمر كذلك، فكيف؟ تقتضي الإجابة عن ذلك التوقف عند تحديد مفهوم آخر يستعمله رورتي، وهو: مفهوم المقايسة Commensuration. فلا تخرج معرفة ماهية الأشياء عن دائرة توفير المعجم الأساسي الذي يسمح بمقايسة جميع الخطابات؛ ومن ثمّ جعلها خطابات تتميز بسمة الموضوعية؛ موضوعية لأنها متقايسة37. يشير مفهوم المقايسة إلى مجموعة من القواعد التي تتضمن الكيفية التي تمكّن من الوصول إلى اتفاق عقلاني إزاء أي نقاش يكون أفقه مغلقًا، حينما تبدو الجمل/ العبارات كأنها تدخل في صراع لا طائل منه. وتبيّن هذه القواعد الطريقة التي تساعد في بناء وضعية مثالية، تعتبر فيها كل الخلافات المتبقية، لا معرفية، أو لفظية خالصة، أو وقتية؛ ويمكن حلّها بتعميق النظر فيها. والأهم في هذه العملية هو إمكان الوصول إلى اتفاق عقلاني Rational Agreement على ما يراد فعله في وضعية ما، انطلاقًا من الإصرار على التوصل إلى حّل38. ويعني التوصل إلى حلّ وجود رؤية مشتركة، تعبّر عن الاتفاق مع الآخرين. ويتبيّن، في هذا السياق، أن رورتي ينقلنا من مفهوم الموضوعية، الذي يتأسس على تصوير الطبيعة بوضوح، إلى مفهوم مغاير للموضوعية، يمنح الإنسان الأفضلية في علاقته بالإنسان؛ وهذه هي الأطروحة التي تعبر عن أنسنة الموضوعية. تحدد نظرية المعرفة عقلانية البشر في نمط وحيد، يتمثّل في التطابق مع الواقع، ولا يكون هذا التطابق ممكنًا إلا بوجود تمّثلّات متميزة Privileged Representations، يمكن مقايستها استنادًا إلى نموذج حسابي Algorithm؛ إذ من دون حساب، لا وجود سوى لمظهر هذا الإجماع العقلاني Rational Consensus. وهو ما يؤدي إلى أطروحة تماثل بين التمّثلّات المتميزة والموضوعية، بحيث يعني غياب هذه التمّثلّات السقوط في دائرة الأسئلة الذوقية39. وبينما تحيل الموضوعية إلى نتيجة الإجماع العقلاني للنظرية، فإنها تقابل الذاتية Subjective، بما هي خواطر قلبية أو جزء مختلط من العقل الذي لا يتضمن تمّثلّات متميزة؛ لأنها لا تعبّر بدقة عما هو موجود في الخارج40. يتأوّل رورتي مفهوم مرآة الطبيعة Mirror of Nature، باعتباره استعارة يمكن تطبيقها في النظر إلى تاريخ الفلسفة الملتزم بالبرنامج الإبستيمولوجي. ليس هذا المفهوم مجرد مذهب فلسفي، وإنما له حضور على امتداد تاريخ الفلسفة من حيث هي نظرية في المعرفة. وطبيعة هذه المرآة زجاجية، لسببين: أولًا، تأخذ المرآة أشك لًا جديدة من دون أن تتعرض للتغير، لأن هذه الأشكال فكرية وليست حسية؛ ثانيًا، مادة صنع هذه المرآة خالصة
ودقيقة وشفافة41. وبما أن الفلسفة تعبّر عن النسق المعرفي الذي يتأمل الكلّيات Universals، فإن صورة الماهية الزجاجية Glassy Essence ظلت ضمن البرنامج الرئيس للفيلسوف التقليدي، ونموذجه في ذلك هو: الرياضيات، أو الفلسفة ذاتها، أو الفيزياء النظرية. حتى أصبح القول بعدم وجود مثل هذه الكليات تهديدًا لفرادة الإنسان الذي لم يستطع التخلص من تلك الصورة42. إنها صورة ثابتة لا تتغير؛ ولهذا السبب، فهي فكرية ولا يمكنها أن تكون حسية، أي إنها عقلية، لأن العقل وحده هو القادر على تلقي صور الأشياء وتمثّلها بطريقة دقيقة. ولكن ما الذي يعنيه تمثّل الواقع بدقة؟ لا يمكننا، في إجابتنا عن هذا التساؤل، إلا أن نشير إلى أن فعل المعرفة هو تعبير عن بناء ذاتي، يلزم الذات، من حيث هي مفكرة، أن تعكس بدقة ما هو هنالك في الخارج؛ لأنها تفكر في العالم من جهة كونها أنا مفكرة قادرة على تمثّل الواقع ذاتيًا باعتبارها شاشة. لهذا السبب، اعتبرت الإحالة إلى "الأنا أفكر" بوصفها شاشة انعكاسية بدهية، بمنزلة صورة هيمنت على النموذج الإرشادي الإبستيمولوجي الحديث. لم تكن هذه الصورة مجرد استعارة؛ لأنها كانت الموجّه الرئيس الذي يستطيع وصف وظائف الوعي بهدف معرفة الواقع. وهذا هو معنى فهم العالم داخل فضاء الوعي التأملي الذي يُعَيَّن، بوصفه مكانًا متميزًا للحقيقة. ويمكننا أن نقول، في السياق نفسه، إن النظريات التي تدّعي امتناع الوصول إلى إجماع عقلاني، من دون وجود مطابقة مع الواقع Correspondence to Reality، هي في نظر رورتي نتيجة للاستعمال الغامض لمصطلح الموضوعي، بحيث تخلط بين الوصف والتمثّل: فهي تعني وصف التصوّرات التي جرى الاتفاق عليها بسبب الحجج التي تستند إليها من دون تدخّل الاعتبارات الأخرى. وفي الوقت نفسه، تعني التمّثلّات Representations التي تكشف عن الأشياء كما هي في الواقع43. استعملت هذه النظريات، منذ زمن كانط، للتمييز بين الذاتي والموضوعي، وحاولت كل نظرية أن تبيّن أن لا شيء خارج العلوم الدقيقة يمكن عده موضوعيًا، كما حاولت تطبيق هذا المصطلح على مجالات أخرى مثل الأخلاق والسياسة. لكن تطبيق هذا الصنف من العناوين التشريفية Honorific، مثل موضوعي أو معرفي، هو في نظر رورتي مجرد تعبير عن وجود إجماع بين مجتمع الباحثين، أو عن أمل الحصول على مثل هذا الإجماع44. وحالما ينجح برنامج بحثي في وضع الفلسفة على طريق العلم، تتحوّل الفلسفة إلى اختصاص أكاديمي لا تنعكس فائدته على الممارسة الاجتماعية. وتعلن الفلسفة النسقية Systematic Philosophy45 عن استمراريتها، بالانتقال بين الوصف والتفسير، وبين المعرفة والاختيار، وبين الحصول على الوقائع
الصادقة والحكمة. وهو ما يساعد على فهم سبب ظهور نظرية المعرفة، باعتبارها ماهية للفلسفة النسقية؛ إذ تنظر الأخيرة إلى نماذج التسويغ التي تعمل داخل الخطابات العادية على أنها شيء له أهمية أكبر من مجرد نماذج بسيطة. فهي تهدف إلى رؤية هذه النماذج بوصفها شيئًا يتطلب التزامًا أخلاقيًا حياله (مثلًا: الواقع، والحقيقة، والموضوعية، والعقل). وفي المقابل، يتبنى رورتي وجهة نظر سلوكية Epistemological Behaviorism46 في المعرفة، من جهة نظرها إلى "الخطاب العلمي العادي Normal Discourse "47 الحديث بعدستين: تنظر إليه بوصفه نموذجًا تم تبنّيه لأسباب تاريخية مختلفة؛ وفي الوقت نفسه، تنظر إليه بوصفه تحديدًا للحقائق الموضوعية، حيث تكون الأخيرة مطابقة لأفضل فكرة موجودة في الوقت الحالي لفهم ما جرى في الماضي48. يستثمر رورتي أطروحة إشعيا برلين Isaiah Berlin للكشف عن المسألة السابقة، بحيث يلفي أن المفكرين الغربيين يشبّهون الحياة الإنسانية بلغز من الصور المقطّعة Puzzle. ويبيّن برلين ذلك بوضوح، حينما يشير إلى ضرورة البحث عن طريقة لتجميع القطع، مهما كان جامعها، سواء تعلق الأمر بالإله أو بموجود كليّ المعرفة؛ لأن الغاية تكمن في افتراض القدرة على جمع كل القطع داخل صورة متناسقة49. فتتأسس الحقيقة، وفق هذه الأطروحة، على عدم وجود أي قطع أخرى لتجميعها50. ويستعمل الفيلسوف، في سبيل ذلك، ما يصطلح عليه رورتي ب "استعارات العلو Métaphores de hauteur "؛ ليقترح أن الإجماع العقلاني مرتبط بقوة جاذبية تمارس على العقل الإنساني بوساطة شيء فوق إنساني، شيء ما يتموقع، كما يرى أفلاطون، في مكان حيث كانت قطع اللغز التصويري مجموعة بدقة. وتشجع هذه الاستعارات على حالة ذهنية من التمجيد الروحي؛ لأن الذين يتغنون بهذه الاستعارات يعتبرون البحث هدفًا ممجّدًا يؤدي بالضرورة إلى الحقيقة. تؤدي، إذًا، الفكرة التقليدية، القائلة إن الحقيقة تتمثّل في المطابقة مع الواقع، إلى تصوّر البحث على أنّه لغز من الصور المقطعة التي ينبغي تجميعها51. وتتمثّل غاية البحث الرئيسة، وفق المنظور التقليدي، في محاولة الوصول إلى الوحدة، بحيث لا يصبح هناك أي مجال للشك. وتستهدف هذه الوحدة بدورها الكلي باعتباره يجمع كل الأشياء داخل وجهة
نظر موحدة؛ أي وجهة نظر موضوعية، لأن أي إنسان حين يستحوذ عليه الشيء/ الموضوع لن يكون قادرًا، لا على الشك، ولا على رؤية بديل آخر. والوصول إلى هذه النقطة معناه الوصول إلى أسس المعرفة Foundations of Knowledge52. لذلك، تعتبر فكرة الحقيقة فكرة جرى اعتقادها؛ لأن الشيء يضع قبضته على الفيلسوف بطريقة لا يستطيع مقاومتها. وطبيعة هذه الحقيقة هي الضرورة من حيث هي اعتقاد أن ما هو أمامنا يجبرنا على الإقرار بأن لونه أحمر مثلًا (بمعنى أنه توجد سلطة تفرض على الفيلسوف، وليس هو الذي يختارها بذاته)53. وهذا يدل على أنّ فكرة الموضوعية إنما تستمد مركزيتها من المطابقة بين حقيقة الشيء وحضوره أمامنا. وهو ما يؤدي إلى الإقرار باكتشاف علاقة أولية بالأشياء وتشبيهها على نمط الإدراك الحسي البصري54. يجب على من يريد التدرب على التفكير الفلسفي، من زاوية النظر هذه، أن يحيط بالفلسفة باعتبارها نسقًا صارمًا، وتخصصًا يعين على التحقق الدقيق، وبذلك فهي توصل إلى نتائج متفق عليها55. إن التأريخ لدلالة الفلسفة، بحسب رورتي، يعني فهم الحدوس الموجّهة للتفلسف الحديث الذي يرتكز على سؤال المعرفة. فما الهدف من فعل التفلسف إلا المعرفة، والمعرفة تمثّلٌ مطابقٌ لما هو خارج العقل، ويعبّر فهم المعرفة عن الكيفية التي يبدو أنّ العقل قادر من خلالها على بناء مثل هذه التمّثلّات. وهو ما أدى برورتي إلى الافتراض الآتي: ينبني مجمل الإشكال الفلسفي من القرن السابع عشر إلى الفلسفة التحليلية، مرورًا بكانط وإدموند هوسرل، على تأسيس ضرب من نظرية في المعرفة، هدفها فهم طبيعة العقل الإنساني، بالتركيز على الطريقة التي يتمثّل بها الواقع56. ومن ثمّ نتساءل: ما موقع الإنسان الذي أخرجته النزعة الواقعية نتيجة الإفراط في البحث عن معرفة الواقع؟
ثانيًا: أنسنة الموضوعية في سياق النيوبراغماتية
يمكننا أن نتأول مساهمة رورتي الفلسفية ضمن سياق مطبوع بالقلق المعرفي، من حيث استشكال المسألة التقليدية التي ركزت بحثها على الموضوعية، إلى درجة إخراج الفرد من عالم العيش، لأنها سعت إلى الحقيقة الموضوعية التي تمثّل سلطة Authority ومرجعًا من خارج المجتمع الذي يحيا ضمنه57. وهو
ما يعني أن الفرد أصبح مرتبطًا بما هو غير إنساني، أكثر من ارتباطه بالإنساني. ذلك أن الارتباط بشيء لا يحيل إلى الكائنات الإنسانية يعني استهداف موضوعية لا تتأطر داخل المجال الفعلي للفرد؛ نظرًا إلى علاقاته بالجماعة التي ينتمي إليها58. وبناءً عليه، يشير مفهوم الموضوعية إلى إطار مرجعي، يتعالى عن المجال الإنساني، وليس إلى الإنسان في علاقته بالإنساني. ومن ثَّمَ، نتساءل: كيف تأوّل رورتي مفهوم الموضوعية في سياق براغماتيته الجديدة، التي تستثمر نتائج المقاربات الهيرمينوطيقية المعاصرة؟ بمعنى آخر: أِمَِن واجب الممارسة الفلسفية أن تسعى لمقاربة مسألة الحقيقة من جهة موضوعيتها التي تتجاوز الإنساني، أم من جهة إنسانيتها المشروطة بالتفاعل والتحادث السياقي؟ تعبّر المقاربة التي يتبناها رورتي بوضوح عن ضرورة تغيير مسار الفلسفة، وإحداث منعطف جديد يربط فعل التفلسف بالسياق الإنساني والممارسة الاجتماعية. لهذا، فهو يرفض الأطروحة التي تعتبر نظرية المعرفة مصدرًا للسلطة، من خلال الانعطاف إلى رهان إنساني يتجلى في النظر إلى ميدان المعرفة باعتباره ميدانًا يؤسس للحرية عبر الاعتراف بالمشاركة الفعلية للآخر في بناء المعرفة؛ أي عبر فتح جسور المحادثة Conversation، من أجل الوصول إلى اتفاق متبادل، والنظر إلى مجالات الثقافة الإنسانية على قدر المساواة، بدلًا من التصور الأحادي العمودي الذي ترتكز عليه نظرية المعرفة في نظرتها إلى الموضوعية، بوصفها علاقة تمثّلية بين الذات العارفة والشيء، العقل والمادة، الفكر والموضوع. ويستلزم ذلك التخلي عن تأليه النزعة العلمية باعتبارها المقاربة الوحيدة التي تتيح المنهج الدقيق لتحصيل المعرفة الموضوعية59. يترتب على ذلك النظر إلى المعرفة والمعايير المعرفية؛ ليس من جهة ثباتها وموضوعيتها، وإنما من خلال تعالقها بالتفاعل الاجتماعي والثقافي. وينتج من رفض الفلسفات التقليدية، التي ارتبطت بالبحث عن الحقائق المطلقة، تحوّلٌ في النظر إلى مسألة الحقيقة من جهة عرضيتها وتغيّرها المرتبطين بالسياق الاجتماعي للإنسان. فبدلًا من البحث عن الأسس المطلقة، يسعى رورتي لتهذيب فعل التفلسف، بتأكيد تبادل الأفكار المحكوم بالوصول إلى اتفاقات تُؤَسَّس على المحادثات الحرة والمتساوية. سعت براغماتية رورتي الجديدة لإيجاد نوع من التسوية بين ميادين الثقافة البشرية؛ بحيث تكون الفلسفة من منظورها عنصرًا فاعلًا في الثقافة، مثلها مثل بقية المجالات الأخرى. ويعبّر تطبيق هذه المقولة عن أفق لا يحصر مهمة الفلسفة في البرهنة على الحقيقة الموضوعية، وإنما تصير الأفكار الفلسفية أداة تساعد على توجيه الفعل الإنساني، ومده بالوسائل اللازمة للتحرر من الخطابات التأسيسية الضيقة60. لهذا، يقترح رورتي الهيرمينوطيقا صيغةً معرفيةً وخبرةً وجوديةً، تساعد على تجاوز هذا النزوع المرآوي الذي سيطر على الثقافة الغربية، بالمعنى الذي تنتفي معه أي إمكانية للقبض على حقائق الأشياء ماهياتٍ مجردة أو جواهر مفارقة؛ مثلما تنتفي أيضًا إمكانية اعتبار الأفكار مرايا للواقع ونسخًا تدل عليه بقدر ما تعكسه61.
يرى رورتي أن سبيل التجربة الإنسانية هو الهيرمينوطيقا Hermeneutics، وليس فقط الإبستيمولوجيا أو الضرورة التفسيرية. إن هذا المنعطف الذي يقدمه رورتي ناحية التركيز على التجربة الإنسانية في العالم فريد من نوعه؛ لأنه يتموقع داخل فضاء نمط الممارسة، ومن ثمّ فهو لا ينتمي إلى حقل نمط المعرفة62. وبينما يربط رورتي المنهج العلمي بالمحاولة التي تهدف إلى اختزال ميدان الإنسانيات في مجرد تطبيق للمعايير القبلية نفسها التي تستمدها من المعرفة العلمية، فإن ذلك يحدّ من الإبداع الذاتي الذي يتأسس على الفعل الإنساني الحر. لذلك يتساءل: "هل يعقل أن يكون للعاِلم منهج خاص، إذا ما طبقه المشتغلون بالإنسانيات على القيم القصوى، لتمكنوا من تزويدنا بنوع من الثقة بالذات، حول الغايات الأخلاقية، مماثل لثقتنا بالوسائل التكنولوجية؟"63. ينطوي هذا التساؤل ضمنيًا على رفض الحجة التي يتقيّد بها العاِلم، عندما يؤكد ضرورة تطبيق المنهج لتحصيل الموضوعية؛ لأن هذا المنهج لا يصلح في ميدان الإنسانيات، إذ إنّه ميدان لا ينبغي أن يخضع لسلطة مفارقة تؤدي دور الإله في الحكم على مشروعية المفاضلة بين المعارف. ويتضح من هذا الرفض توجّه رورتي العلماني الذي يخشى أن يتحوّل العلم والعاِلم إلى سلطة دينية تضطلع بدور المخلّص. ليس الاعتراض على العلم في هذا السياق من باب الأهداف التي استطاع تحقيقها في العصر الحديث، وإنما من جهة أن يتحوّل هذا النجاح إلى أداة سلطوية للهيمنة، تدّعي الأفضلية المطلقة للعلم في تطبيق الصرامة المنهجية، من أجل الوصول إلى الحقائق الموضوعية التي هي شأن المنهج العلمي وحده. يعتبر رورتي أن العلم فاعلية إنسانية، وينتقد بشدة ثنائية العلم واللاعلم التي دأب التقليد الفلسفي على إقامتها. فمقاربته للعلم مقاربة ديناميكية، تنظر إليه بوصفه فاعلية إنسانية؛ بحيث تقيم علاقة مع الفعل والعمل Action وليس مع الثبات. ويهدف ربط العلم بالفعل الإنساني إلى إضفاء الطابع الإنساني عليه، عبر الإشارة إلى أنه فاعلية بشرية، وليس مكانًا تجابه فيه الكائنات الإنسانية واقعًا غير إنساني. وهو ما يعني أنه لا وجود لعلم مؤسس، مثلما لا يوجد علم متفوق على آخر؛ لأن كل العلوم هي عبارة عن استجابة لحاجات الإنسان المختلفة، ويجدر أن توفر له الوسائل والأدوات التي في إمكانها أن تجعله فاعلًا داخل العالم64. وفي حين يخشى رورتي إمكانية اختزال العلم إلى نزعة سلطوية، فإنه يقترح منظورًا إبداعيًا للموضوعية، يتجلى في دمقرطة العلم؛ بحيث يتحرر الباحث في الإنسانيات من القيود القبلية التي يفرضها المنهج العلمي. وتتأسس دعواه على الإمكان الذي تتيحه براغماتيته الجديدة في فتح أفق مغاير، لا يحركه همّ البحث عن اكتشاف الحقائق الموضوعية، بقدر ما يسعى لتوطيد أفق الفهم المشترك الذي يتيح بناء مجتمع تعددي قوامه التضامن الإنساني، وغايته محاربة القسوة، ووسيلته المحادثة الحرة والمفتوحة. غير أن التخلي عن الأطروحة التقليدية للموضوعية يطرح إشك لًا يتعلق بمسألة الوقوع في النزعة الشكوكية Skepticism؛ على اعتبار أن تحديد دلالة الموضوعي إنما يشير إلى الاستقلالية التامة عن
كل الخلفيات التاريخية والثقافية65. وإذا لم يكن هناك طريق ينقلنا من المظهر إلى الواقع، فيجب علينا التخلي عن أي مفهوم للحقيقة يتضمن الإدراك المباشر (أو حتى غير المباشر) للواقع المستقل؛ ذلك أن مثل هذا الإدراك ليس سوى نموذج مثالي، لا يمكن أن تشهد عليه أي ممارسة بشرية66. تبعًا لذلك، لا تحيل الرغبة في الموضوعية إلى تحرر الفرد من قيود المجتمع الذي ينتمي إليه، وإنما تعود إلى رغبة في اكتساب اعتقادات تتأسس على "الاتفاق غير المقيد Unforced Agreement " أثناء مجابهاتنا الحرة والمفتوحة مع أناس مغايرين لنا من حيث اعتقاداتهم67. وهذا يعني أن الغاية التي تحرك هذه الرغبة هي تحصيل أكبر قدر ممكن من الاتفاق المشترك بين الذوات (البينذاتية Intersubjectivity)نم لادًااب نيرخلاآ فقاوم مارتحاو، ةيرسق ةطلسل عوضخلا نم لادًااب إقصائها وتهميشها، والأمل في الوصول إلى أفكار جديدة بدلًا من ادعاء امتلاك الحقيقة. لكن ما معنى الاتفاق الحر غير المقيد؟ يتأسس المنظور البراغماتي الجديد على نموذج أفقي في تناوله لإشكالات الممارسات الإنسانية في المجتمع. وهذا يعني أن نظرته إليها ترتكز على التكافؤ، بحيث لا يفرض أحد اعتقاداته على الآخرين؛ نظرًا إلى تركيزه على الحق في حرية الجميع. وفي النتيجة، ينبغي لهذه الممارسات أن تعمل على تحصيل الاتفاق عبر الالتزام بمعيارَي التسويغ والتماسك Justification68and Coherence. وإن لم يتحقق هذا الاتفاق، فإنّ رورتي يؤكد ضرورة احترام وجهات نظر الجميع. يعبر الاتفاق الحر بين أعضاء المجتمع، إذًا، عن مشروع رورتي الذي حول من خلاله منظوره للموضوعية، من كونها اتص لًا بواقع غير إنساني إلى الاتفاق المشترك بين مجموع الذوات الإنسانية، وهو الأمر الذي يعني ضمنيًا تخليص البشر من الشعور بمسؤوليات تجاه الإله، أو الواقع، أو الحقيقة؛ لأنها جميعها تعبير عن اعتقاد معيار يستند إلى سلطة خارجية في تحديد الإنساني، والانعطاف ناحية التأسيس للحرية الإنسانية تجاه الإنساني ذاته. لا تكمن المشكلة في وجود الحقيقة من عدمها؛ إذ حتى لو أقررنا بإمكانية الوصول إليها، فإنها لا تتمتع بأهمية كبيرة في علاقتها بالنضالات الاجتماعية اليومية. هكذا يغيّر رورتي وظيفة الفلسفة، من خلال إصراره على الاهتمام بالديمقراطية والحرية والعدالة والتضامن. لذا، تمثّلت وصيته في الصيغة الآتية: "اعتنِ بالحرية، وستعتني الحقيقة بنفسها"69. وبناءً عليه، تتيح لنا براغماتية رورتي الجديدة إمكانية إعادة النظر في فعل التفلسف، الذي لا يربط موضوعية المعرفة بشيء يتجاوز السياق الاجتماعي والثقافي للإنسان في علاقته بالكائنات الإنسانية
الأخرى. فبدلًا من البحث عن الحقائق المطلقة، يؤكد رورتي راهنية الفهم البراغماتي الجديد لمسألة المعرفة؛ بحيث تُقيّم الأفكار والاعتقادات من خلال فاعلتيها وتأثيرها في العالم، وليس عبر تطابقها مع معايير موضوعية خارجية. ومن ثَّمَ، تصبح الحقيقة، وفق هذه المنظورية، منتوجًا تحادثيًا إنسانيًا، مهمته تعزيز الحرية والتعددية والاختلاف.
خاتمة
نخلص إلى أن الإشكالات التي أثارها رورتي، برفضه لمفهوم الموضوعية القائم على ثنائية الذات والموضوع التي أسستها نظرية المعرفة الحديثة، تنمّ عن رفضه التام للامتثال لأي سلطة لاإنسانية، تُفرض على البشر قسريًا؛ لأنها تعبّر عن التجسيد الفعلي للنزعة الإقصائية Eliminativism التي تستبعد مج لًا من مجالات الثقافة، وتنتصر لآخر، بحكم الاستناد إلى مرجعية المنهج العلمي الصارم. وهكذا، نلاحظ أن هدفه ينبني على الدعوة إلى منعطف معرفي، يعيد الاعتبار للإنساني من حيث تعدديته التي تتغياها المحادثة المفتوحة غير المقيدة والمنفتحة على الآخر في اختلافاته، من دون أدنى مفاضلة بين مجالات الثقافة. ويدل هذا صراحةً على الانتصار للخلفية البراغماتية الليبرالية التي تتأسس على رفض نقل وجهة نظر الإله المتعالية (اللاإنساني) إلى الثقافة العلمانية الديمقراطية، التي تنظر إلى الإنسان من حيث هو مشروع قادر على صناعة حقيقته ومسؤول إزاء صنعه. وفي الصنع والإبداع، يتمظهر التحرر من كل سلطة خارجية متعالية، وفي تثبيت فعل التحادث بين البشر عبر السعي إلى تعزيز التضامن الإنساني والتقليل من القسوة والأمل في إبداع أفضل مستقبل ممكن؛ أفضل لأنه يلبي حاجات الإنسان المعاصرة، وليس لأنه يقترب من اكتشاف الحقائق الموضوعية. لكن ينبغي التنبيه إلى أن هذه الأطروحة التي تتبناها براغماتية رورتي الجديدة تطرح إشكالات عديدة في تناولها لمسألة الموضوعية. ونكتفي في هذا السياق بالوقوف عند مجموعة من الاعتراضات التي واجهت فلسفة رورتي: ألا يسقطنا هذا التصور للموضوعية في نسبية الحقيقة، بما أنها تعبير عن اتفاق بشري اجتماعي، لا يلتزم بالمعايير الثابتة للحقيقة؟ وإذا لم ننطلق من معايير ثابتة، فما هي انعكاسات هذه النسبية على القيم الأخلاقية؟ ثم كيف يمكننا التوصل إلى اتفاقات فعلية في خضم هذه النسبية؟ ول نئ كان رورتي يدعو إلى التخلي عن البحث عن مطلب اليقين، وعن مطلب تأسيس الاعتقاد، وعن الحقيقة والموضوعية، فإنّه يتغيّا في دعوته فصلَ البراغماتية عن نظرية المعرفة وربطها بالثقافة السياسية. وقد سبق لجون ديوي أن بدأ هذا المشروع، حينما ركز على التعاون الاجتماعي في الفضاء العام، والحس الجمالي في الفضاء الخاص. وهكذا، يتضح أن الاتجاه الذي يسير فيه رورتي هو استمرارية للاتجاه الذي سبق أن خاض فيه ديوي، خاصة إذا ما قلنا إن الموضوعية، في الأطروحة البراغماتية الجديدة، هي اتفاق مشترك بين الذوات، غايتها تنفيذ المشاريع الاجتماعية التضامنية70. وبناءً عليه، ينتهي رورتي إلى أطروحة تحاول محاكمة الحقيقة، وتسعى لاستبدال الموضوعية بالاتفاق الحر والمتساوي؛ إذ لا وجود
لاعتقاد أفضل من الآخر. ويترتب على هذه الأطروحة النتيجة الآتية: ينبغي أن يتم التعامل بالتساوي مع المعايير المعرفية، مثلما ينبغي أن يُنظر إلى الحقيقة باعتبارها اتفاقًا اجتماعيًا، غايته التضامن المؤسس على فعل التحادث الأفقي. لكن الاعتراض في هذا السياق هو: أيّ معيار يمكنه تحديد المساواة الأفقية بين المعايير المعرفية؟ يثير هذا التساؤل إشك لًا فعليًا، تُواجه به براغماتية رورتي الجديدة. ويمكن التعبير عنه وفق الصيغة الآتية: إذا ما أقصيت معيارية الحقيقة والموضوعية، فما الآثار التي يمكن أن تترتب على هذا التصور عمليًا؟ بعبارة مخصوصة، نتساءل: في أثناء إقصاء المعيار، كيف سيكون ممكنًا تفضيل اعتقاد خير على اعتقاد نازي؟ تحيل العودة إلى نصوص رورتي المتأخرة إلى تنازله عن هذه الأطروحة الجذرية، بعدما اعترف بأنه أخطأ في الانتقال من نقد تعريف الحقيقة، بوصفها تمثّلًا دقيقًا للواقع، إلى إنكار أنّ العبارات الصادقة تصوّب الأمور71، وهذه التساؤلات تثير مآزق حقيقية تواجه فلسفة رورتي. وبما أن هدف الدراسة لا يكمن في عرض الانتقادات الموجّهة إلى ريتشارد رورتي، فإننا سنترك هذا الأمر معلقًا إلى حين بحثه في المستقبل، من خلال الوقوف عند مدى وجاهته أو تهافته.
References
المراجع
العربية
جديدي، محمد. الحداثة وما بعد الحداثة في فلسفة ريتشارد رورتي. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2008
شرف، شهيرة. "تأويل رورتي لمفهوم الحقيقة الموضوعية: وصاية من نوع جديد". مجلة اتحاد الجامعات العربية للآداب. مج 01، العدد 2.)2013(
شوقي الزين، محمد. الإزاحة والاحتمال: صفائح نقدية في الفلسفة الغربية. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2008
كاز، بيتر. تاريخ الفلسفة في أمريكا خلال 200 عام. ترجمة حسني نصار. مراجعة مراد وهبة. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية،.1983
لالاند، أندريه. موسوعة لالاند الفلسفية. ترجمة خليل أحمد خليل. ط.2 بيروت/ باريس: منشورات عويدات،.2001
المسكيني، فتحي. التفكير بعد هيدغر أو كيف الخروج من العصر التأويلي للعقل؟ بيروت: جداول للنشر والتوزيع،.2011
الموسوعة الفلسفية العربية. معن زيادة [وآخرون] (محررون). بيروت: معهد الإنماء العربي،.1986 ميساك، شيريل. البراغماتيون الأميركيون. ترجمة جمال شرف. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020
الأجنبية
Chalmers, Alan. Qu’est–ce que la science? Popper, Kuhn, Lakatos, Feyerabend. Michel
Biezuski (trad.). Collection Le Livre de Poche. Paris: Biblio essais, 1987.
Dekens, Olivier. Lexique de philosophie. Paris: Ellipses, 2002.
Descartes, René. Méditations métaphysiques. Jean–Marie Beyssade & Michelle
Beyssade (eds.). Paris: Flammarion, 1979.
Daston, Lorraine & Peter Galison. Objectivity. New York: Zone Books, 2007.
Eyene Mba, Jean–Rodrigue–Elisée & Irma Julienne Angue Medoux. Richard Rorty:
La fin de la métaphysique et la pragmatique de la science. Paris: L’Harmattan, 2007.
Frandone, Salvatore. "La méditation du miroir dans la connaissance." Figure
dell’immaginario, Rivista internazionale (January 2014). at: https://acr.ps/1L9zS2E
Kant, Emmanuel. Critique de la raison pure. A. Renaut (trad.). Paris: Flammarion,
Lalande, André. Vocabulaire technique et critique de la philosophie. 2 ème ed. Paris:
PUF, 2006.
Rockmore, Tom. "Connaissance et moment historique." Revue de métaphysique et de
morale. vol. 4, no. 32 (2001).
Rorty, Richard. Philosophy and the Mirror of Nature. New Jersey: Princeton University
Press, 1979.
_______. Objectivity, Relativism, and Truth: Philosophical Papers 1. New York:
Cambridge University Press, 1990.
_______. Science et solidarité: La vérité sans pouvoir. Jean–Pierre Cometti (trad.).
collection Tiré à part. Paris: Éditions de l’Éclat, 1990.
_______. Contingence, Ironie et Solidarité. Pierre–Emmanuel Dauzat (trad.). Paris:
Armand Colin, 1993.
_______. Objectivisme, relativisme et vérité. Jean–Pierre Cometti (trad.). Paris: PUF,
_______. "Grandeur universaliste, profondeur romantique, ruse pragmatiste." Francine
Marthouret & Frances Albernaz (trad.). Diogène. no. 202 (Avril–Juin 2003).
_______. Take Care of Freedom and Truth Take Care of Itself: Interviews with Richard
Rorty. Stanford: Stanford University Press, 2005.
Smith, Barbara Herrnstein. Belief and Resistance: Dynamics of Contemporary
Intellectual Controversy. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1997.