Return to Article Details Surveillance and Control in Social Media: A Critical Study

المراقبة والسيطرة في وسائط التواصل الاجتماعي: دراسة نقدية

Surveillance and Control in Social Media: A Critical Study

الناصر عمارة

Nasser Amara

الملخّص

تعالج هذه الدراسة ظاهرة المراقبة في وسائط التواصل الاجتماعي، وقدرتها على تحويل طبيعة المجتمعات عبر السيطرة على البيانات. وتفحص الآثار الأنطولوجية والاجتماعية لاشتغال بردايم المراقبة في الحياة الرقمية لمستخدمي منصّّات التواصل الاجتماعي. وتهدف إلى حلحلة مفار قة المراق بة والسيطرة؛ إذ توفّّر ت لك الوسا ئط فضاءًً لحر ية التعبير من جهة، لكنها تمارس القمع الرقمي من جهةٍٍ أخرى. ويؤدّّي إدراك طبيعة العلاقة بين أشكال المراقبة التي تمّّ تطبيعها في المجتمعات، وآليات مقاومتها، إلى فهم التحوّّلات العميقة من "دولة المراقبة" إلى "مجتمع المراقبة" ثمّّ إلى "ثقافة المراقبة"، ويؤدّّي كذلك إلى فهم الأسس التي بني عليها "عصر المراقبة".

Abstract

Abstract: This study explores social media surveillance and how it uses data control to transform societies. It examines the ontological and social implications of the surveillance paradigm for the digital lives of social media users. It also aims to resolve the paradox of surveillance and control, as social media provides a space for freedom of expression on the one hand, and a space for digital repression on the other. Examining the relationship between forms of surveillance that have been normalized in societies and mechanisms of resistance to them informs an understanding of the profound transformation from a "surveillance state" to a "surveillance society" and then to a "surveillance culture." This consciousness further generates an understanding of the foundations upon which the "age of surveillance" was built.

الكلمات المفتاحية:
  • المراقبة الرقمية
  • وسائط التواصل الاجتماعي
  • القمع الرقمي
  • مراقبة البيانات
  • ثقافة المراقبة
Keywords:
  • Surveillance
  • Social Media
  • Dataveillence
  • Digital Oppression
  • Survelillance Culture

تحويل طبيعة المجتمعات عبر السيطرة على البيانات. وتفحص الآثار الأنطولوجية والاجتماعية

لاشتغال بردايم المراقبة في الحياة الرقمية لمستخدمي منصّات التواصل الاجتماعي. وتهدف

إلى حلحلة مفارقة المراقبة والسيطرة؛ إذ توفّر تلك الوسائط فضاءً لحرية التعبير من جهة،

لكنها تمارس القمع الرقمي من جهةٍ أخرى. ويؤدّي إدراك طبيعة العلاقة بين أشكال المراقبة

التي تمّ تطبيعها في المجتمعات، وآليات مقاومتها، إلى فهم التحّولّات العميقة من "دولة

المراقبة" إلى "مجتمع المراقبة" ثمّ إلى "ثقافة المراقبة"، ويؤدّي كذلك إلى فهم الأسس التي

بني عليها "عصر المراقبة".

القمع الرقمي.

مقدمة

"ابتسم، أنت مراقب!"، هي عبارة ناعمة نقرؤها عند مداخل الفضاءات التجارية أو الإدارات

والمؤسّسات. لكنّنا نقرأ فيها مدخلًا إلى عالمٍ مكشوف بملء ما فيه، عالم يبشّر بحداثةٍ

ظاهرها الحرية والرفاهية وباطنها عيش "تحت المراقبة" وحياة تحت السيطرة؛ وذاك هو عصر المراقبة. في البدء كانت المراقبة؛ إذ يبدأ كلّ ذلك منذ الولادة، يولد الإنسان ويُعطى اسمًا من أجل أن يتمّ

التعرّف إليه، فيراقبه والداه تخوّفًا عليه، وتراقبه الدولة تخوّفًا منه، ويراقبه المجتمع خفيةً ليمنحه

الاعتراف الذي يناسبه. وحينما أخرجت الحداثة عصارتها التقنية، نشأ عالم موازٍ في فضاء وسائط التواصل الاجتماعي، انتقلت إليه جميع قيم هذا العصر النيوليبرالية الاقتصادية ومبادئ الواقعية السياسية. وتوطّن فيه مفهوم "الامتثال"، باعتباره النواة المفهومية المؤسّسة للدولة الحديثة، الامتثال

طوعًا أو كرهًا للمعايير الاجتماعية والضوابط القانونية، وهو المفهوم المطوّر عن مصطلح "الالتزام"

الأخلاقي والقانوني والاجتماعي. تلك هي النواة التي نمت منها فكرة النظام Order باعتباره إطارًا

ضامنًا للتقدّم والرفاهية. يكتسب النظامان السياسي والاجتماعي تماسكهما ومشروعيتهما من السيطرة

على تفاصيل حياة الأفراد والجماعات وتوقّع سلوكاتهم. وتمثّل المراقبة أداةً لجمع تلك التفاصيل في شكل معلومات في سياق المجتمعات التقليدية، ثمّ في شكل بيانات في سياق المجتمعات الرقمية. بُنيت الدولة الحديثة على عقدٍ سياسي واجتماعي، تلتزم فيه أجهزة الدولة برعاية المواطنين وحمايتهم،

ويلتزم الأفراد بميثاق المواطنة؛ أي الولاء للقيم التي تتأسّس عليها دولة ما والامتثال لأشكال المراقبة

فيها. وفي عصر الحداثة الرقمية نشأت "المواطنة الرقمية" حيث تمّ "تطبيع" عمليات المراقبة وجعلها

مألوفة في المجتمع. وقد استسلم مستخدمو وسائط التواصل الاجتماعي لعمليات المراقبة، بل اعتبروها حالة اجتماعية حتمية، بعد تاريخ طويل من مقاومة سيطرتها. بدأ ذلك التاريخ في "دولة المراقبة"، حيث تمّ جمع المعلومات من أجل تغذية الأجهزة التقليدية المكلّفة بالأمن والرقابة على

الأنشطة السياسية، مرورًا ب "مجتمع المراقبة" حيث تمّ تحويل المجتمعات إلى بيانات Datafication،

بالمعنى الذي تصبح فيه المراقبة الذاتية أو مراقبة المجتمع لنفسه جزءًا من المواطنة؛ ما أدّى إلى تمدّد

أشكال المراقبة إلى فضاءات اجتماعية مختلفة أهمّها الفضاءان العموميان العَيني والرقمي، وصولًا

إلى "ثقافة المراقبة"، حيث تصبح المراقبة أسلوبًا في الحياة وطريقةً في العيش، وبهذا تمثّل جزءًا

من تكوين "هوية الذات" الواقعية أو الافتراضية. ومن ثمّ تصبح المراقبة إحدى أهمّ البنى المؤسسة

(((إنّ "فكرة النظام أصبحت أكثر مركزيةً في مفاهيمنا عن المجتمع ونظام الحكم. وتمّت إعادة تشكيلها في سياقٍ موسّع، انتقلت

فيه فكرة النظام تلك من كونها نظرية، توجّه خطاب عددٍ قليل من الخبراء، إلى كونها جزءًا لا يتجزّأ من مخيالنا الاجتماعي، أي

الطريقة التي يتخيّل بها الناس اليوم المجتمعات التي يعيشون فيها ويحافظون عليها". ينظر:

Charles Taylor, Modern Social Imaginaries (Durham, NC/ London: Duke University Press, 2004), p. 6.

(((تعبير استخدمه إنجين إيسين وإيفلين روبرت، في كتابهما  أن نكون مواطنين رقميّين، فقد أشارا إلى أنّه "تمّ تطبيع Normalized

عمليات جمع البيانات ومراقبتها بشكلٍ عامّ، بحيث يخضع المواطنون لها، وإن كان على مضض، عندما يسلكون سلوكًا معيّنًا عبر

الإنترنت [...] فمن خلال المواجهات المتكرّرة مع التقنيات الرقمية التي تشكّل جزءًا من الممارسات اليومية، يتمّ تطبيع إنتاج

البيانات كما يتمّ 'تجاهل' طرق استغلالها". ينظر:

Engin Isin & Evelyn Ruppert, Being Digital Citizens (London/ New York: Rowman & Littlefield, 2020), p. 108.

للمخيال الاجتماعي المعاصر، الذي حوّل الامتثال للمراقبة إلى إحدى متع الحياة اليومية. اعتُبرت

وسائطُ التواصل الاجتماعي منجمًا من البيانات، كما اعتُبر مشغلو تلك الوسائط ومستخدموها على

السواء منقّبين في إطار منظومةٍ عالمية لتسليع المعلومات والبيانات، هي منظومة "المراقبة الرأسمالية". ذلك أنه يتمّ، في تلك المنظومة، "الاستيلاء على التجربة البشرية التي نعتبرها مادّةً أوّلية، من أجل

تحويلها إلى سلوكات متوقّعة تدرّ أرباحًا في سوقٍ جديد". وتمدّدت تلك المراقبة واكتسحت مساحات اجتماعية ذات خصوصية عميقة، غنمت منها "ثروةَ بياناتٍ" هائلة، وفي المقابل تراجعت مساحات الحرية من منظور مقولة تشارلز تايلور "الثروة تقوّض الحرية"

Wealth Undermines Liberty، بما أدّى إلى عولمة المراقبة الرقمية، ومع شيءٍ من المكيافيلية السياسية تجاوزت تلك المراقبة المحاذير الأخلاقية وبرّرت توسّعها الإمبريالي. لكنّ الإشكالية

المطروحة في هذا السياق هي: إلى أي حد يمكننا فهم أسباب التفاعل المفارقي Paradoxical بين الاستجابة الاجتماعية للتحوّل إلى ثقافة المراقبة والعيش وفق أسلوب السيطرة فيها و"الاستسلام"

لعملية الاستيلاء على التجربة الإنسانية الخامّ من جهة، وبين قيم الحرية والاختلاف التي تأسّس عليها

المجتمع الحديث نفسه (حرية التعبير بالخصوص) من جهة أخرى؟ قد يقدّم التحوّل من التواصل

الشخصي الحرّ ضمن الفضاء العمومي العيني إلى التواصل المؤسّسي المقيد (مؤسسات التواصل

الاجتماعي) ضمن الفضاء العمومي الرقمي تفسيرًا لتلك المفارقة، ولكنّنا في حاجة إلى تأويلٍنقدي

عميق للتطويق التكنولوجي للحياة المعاصرة في صورة العيش داخل "فقاعة" والإحساس بالحرية وماهيتها. تفحص مهمّة ذلك التأويل النقدي، في سياق فلسفة ما بعد البنيوية، مخاض التحوّل إلى

مرحلة ما بعد وسائط التواصل الاجتماعي، وتفكيك البنى السلطوية التي يقوم عليها مجتمع البيانات اليوم، وتقويض الأسس الأنطولوجية التي تقوم عليها ثقافة المراقبة. يشير فحص أوّلي إلى أنّ المراقبة بسطت سيطرتها على الحريات الفردية والجماعية في المجتمعات

المعاصرة على نحوٍ متزايد، في مطلع القرن الواحد والعشرين، بعد ثلاث هزّات أمنية ومعلوماتية وصحية

عنيفة، ذات ارتدادات عالمية مؤثّرة: الهزّة الأولى، هي أحداث 11 سبتمبر 2001، فبعد هذه الأحداث

اكتسبت المراقبة الأمنية مشروعيتها المطلقة. وتعزّزت عمليات مراقبة التنقّل والسفر وتوسّعت دائرة

الرصد والاختراق الإلكتروني. والهزّة الثانية، هي حادثة تسريبات إدوارد سنودن Edward Snowden

وثائقَ سرية من وكالة الأمن القومي الأميركية عام 2013، كشفت عن عملية مراقبةٍ جماعية واسعة النطاق لبيانات هاتفية وإلكترونية لصالح تلك الوكالة. وهذا يبيّن أنّ الجميع مراقب حتى لو تحصّن أحدهم

ببرج مشيد رقميًا. وقد بلغت ارتدادات هذه الظاهرة ذروتها في حادثة تسريبٍ أخرى، هي فضيحة بيع

شركة "كامبردج أناليتيكا" Cambridge Analytica بيانات الملايين من مستخدمي فيسبوك، من أجل توظيفها في الدعاية السياسية وتوجيه الرأي العامّ الأميركي. أمّا الهزّة الثالثة، فكانت جائحة فيروس

كورونا المستجد (كوفيد 19–)، في بداية عام 2020؛ إذ تخطّت المراقبة الحدود الجغرافية والسياسية

(3) Shoshana Zuboff, "Entretien avec Martin Legros," Philosophie Magazine , no. 133 (Octobre 2019), p. 50. (4) Taylor, p. 78.

والاجتماعية. وبما أنّ الدول، على اختلاف طبيعة الأنظمة السياسية فيها، قدّمت الصحّة العمومية

باعتبارها أولوية على بقية التحديات، فإنه قد جرى – عن طريق المراقبة – جمع بيانات صحية عن السكان (وفيات، مرضى، حالات العدوى، ملقّحون... إلخ)، واقتحام خصوصية الأفراد وحرياتهم، والاستيلاء على بياناتهم الشخصية، وترصّد سلوكاتهم. أدّى كلّ ذلك إلى التحوّل الكبير من "مراقبة

البيانات" Dataveillance إلى "استعمار البيانات" Data Colonialism الذي ولّد "مقاومة المراقبة" من خلال تجنّبها أو جعلها أكثر صعوبة، مثل استخدام الشبكات المشفّرة، أو معاقبة المراقبة من خلال المراقبة المعكوسة، مثل تصوير الشرطة أو اختراق المواقع الحساسة. توجد منصّات وسائط التواصل الاجتماعي في جوهر مفارقة العصر؛ إذ يفترض أنّ هذه الوسائط

هي الفضاء الأمثل لممارسة حرية التعبير، حيث تتلاشى جميع القيود المادية والمعنوية، بينما يتمّ

استغلال تلك المنصّات في جمع البيانات ومراقبة المستخدمين وممارسة القمع الرقمي عبر إدارة

نظامٍمتكامل من الخوارزميات التي تحدّد ما يمكن قوله ونشره وما لا يمكن نشره أو وصوله إلى الجمهور. لكن يبدو أنّ منطق الرأسمالية البراغماتي أضعف قدرة هذه المفارقة على الدفع إلى بروز

مقاومةٍ ذات أثرٍ معلوم، من خلال غواية التقاسم الرمزي لما سمّته شوشانا زيبوف "عائدات المراقبة"

Surveillance Revenues. ولا تعكس هذه المفارقة مشكلةً تقنية بأبعادٍ سياسية واقتصادية فقط، بل تعكس أيضًا إشكاليةً إنسانية عميقة: ما قيمة وجودنا الواقعي والرقمي؟ وماذا يبقى منه في أثناء سيطرة المراقبة؟ والمقصود بالسيطرة هي العملية التي "يتمّ من خلالها إجبار الأفراد والجماعات

على الامتثال لمطالب ذوي النفوذ والسلطة والقوّة وتطلّعاتهم، باستعمال وسائل العنف النفسي

والأيديولوجي والجسدي". ويصبح السؤال أكثر تركيزًا عندما يتمّ ربطه بتراجع أحد أهمّ أبعاد

ذلك الوجود وانكماشه؛ أي البعد الأخلاقي. وكذلك الأمر عندما يقترن الوجود الرقمي على شبكات التواصل الاجتماعي بهشاشة الهوية الشخصية والاجتماعية (ظاهرة التخفّي وراء الصور والأسماء المستعارة)، في حين يعتقد مستخدمو تلك الشبكات أنّها تعزّز استقلاليتهم الشخصية وتبني مواقفهم

الخاصّة وتكسبهم خصائص نفسية وسلوكية أكثر قوّة في مقابل استسلامهم الطوعي لأشكال المراقبة

والامتثال لسيطرتها. تحوّل المجتمع إلى بياناتٍ يتمّ جمعها وبيعها، وتحوّل الفرد إلى مستخدمٍيلج عالمه الافتراضي بكلمة

مرور مشفّرة ويخرج منه خادمًا لجهةٍ لا يعلمها. وانتقل الفضاء العمومي بنقاشاته وحواراته الحية إلى

منصّات وسائط التواصل الاجتماعي، حيث الحوار فيه شركاء متشاكسون. ويعني كلّ هذا أنّنا نعيش

حياتنا داخل فقاعة، يُخَيَّل إلينا فيها أنّنا أحرار ونمسك بزمام أمورنا، وأنّ مواقفنا خاصة بنا؛ لأنّنا نرى كلّ

(5) Shoshana Zuboff, The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power (New York: Public Affairs, 2019), p. 25;

كما عبّرت زيبوف عن تلك المفارقة في صيغة أنطولوجيّة بالقول: "هذا التناقض الوجوديّ للحداثة الذي يحدّد وضعيّة وجودنا: نريد

أن نمارس السيطرة على حياتنا غير أنّه يتمّ إحباط تلك السيطرة في كلّ مكان"، ينظر: Ibid., p. 49.

(6) Robert E. Gutsche Jr. Media Control: News as an Institution of Power and Social Control (New York: Bloomsbury Publishing Inc, 2015), p. 241.

شيء من حولنا. لكنّنا في الحقيقة محاصرون داخل فقاعة العالم تلك، ومنكشفون كلّيًا لأعينٍ تراقبنا

وترانا من حيث لا نراها. إنّ فُتات الخصوصية الذي تقدّمه وسائط التواصل الاجتماعي لمستخدميها

لا يغني عن حقيقةٍ جوهرية، مفادها أنّ الأثر الرقمي لا يُمحى والخوادم الإلكترونية لا تُنسى. أمّا إن

شئنا تصوّر ما بعد المراقبة Postsurveillance، فمثال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لقرا ةء الأفكار،

يُظهر بوضوح أنّنا في صدد "مراقبة الأفكار" واستنطاقها داخل وسائط التواصل الاجتماعي، في حالةٍ

من الاستلاب الوجودي المحض لإنسان عصر المراقبة.

أوّلا: ثقافة المراقبة ومفارقاتها: من البانوبتيكون إلى دراسات المراقبة

إنّ تأسيس الدولة الحديثة، في منظور حدودها الجغرافية، يعني انتظامها داخل حيّزٍ مكاني تتحرّك فيه

سلطتها. وتستمدّ تلك السلطة قوّتها من قدرتها على رصد النشاط الاجتماعي ومعرفة الخلايا والبؤر

غير المنضبطة فيه. وإنّ أداة المعرفة تلك هي المراقبة Surveillance، بحيث " تمّ ممارسة السلطة

كاملةً فقط من خلال المراقبة الدقيقة، وكلّ نظرةٍ ستكون جزءًا من أداء السلطة العاّم"ّ. وبهذا المعنى

ولدت المجتمعات الانضباطية داخل نموذج "المعسكر" Camp، تلك المجتمعات المتحرّكة وفق نمطٍ

يسمّيه ميشال فوكو "المخطط" Diagramme. ذلك أنّ "المعسكر هو رسم تخطيطي للسلطة التي تعمل

من خلال تأثير الرؤية العامّة. فلفترةٍ طويلة سوف نجد في تخطيط المدن، وفي بناء المدن العمّالية

والمستشفيات والمصحّات والسجون والمراكز التعليمية، نموذج المعسكر هذا أو على الأقلّ المبدأ الذي

يكمن وراءه: أي التداخل المكاني لعمليات المراقبة الهرمية، وفق مبدأ الدمج الداخلي Encastrement [بحيث تصبح جميع الأماكن قابلة للمراقبة بحسب تسلسل إداري هرمي]. كان المعسكر بالنسبة إلى فنّ المراقبة المريب بمنزلة الغرفة بالنسبة إلى علم البصريات العظيم". وتمّت تهيئة الفضاء العمراني

وتجهيز الفضاءات العمومية المعاصرة بوصفها معسكراتٍ تضبط المجتمعات وفق مسطرة نظام السلطة (تقارب الأبنية، وتداخل المكاتب، والرواق الذي يؤدّي إلى جميع الغرف، والجدران الشفّافة، والبهو الذي تلتقي فيه جميع المداخل والمخارج، والميدان، والساحة العمومية... إلخ، بحيث تتيح عملية المراقبة بسلاسة فائقة). تؤدّى وظيفة الضبط الاجتماعي تلك من خلال عملية المراقبة، باعتبارها آلية للتحكّم في المجتمع، من خلال التحكّم في الفضاءات التي يستعملها. لاحظ جيل دولوز أنّ "إحدى الأفكار الأساسية في كتاب فوكو 'المراقبة والمعاقبة' هو أنّ المجتمعات الحديثة يمكن تعريفها بأنّها مجتمعات 'انضباطية' Disciplinaires، غير أنّه لا يمكن أن يتطابق هذا

الانضباط مع مؤسّسةٍ أو جهاز؛ لأنّه بالتحديد نوع من السلطة والتقنية التي تخترق كلّ أشكال الأجهزة

(7) Michel Foucault, Surveillance et punir: Naissance de la prison (Paris: Gallimard, 1975), p. 173. (8) Ibid., p. 174;

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ كلمة كاميرا Camera يعود منشؤها إلى الكلمة العربيّة قمرة، وتعني المكان المغلق والمظلم. وقد استخدم

ابن الهيثم فكرة الغرفة المظلمة أو القمرة في أبحاثه في علم البصريّات. واليوم الكاميرا هي أهمّ أدوات المراقبة في المجتمع

المعاصر.

والمؤسّسات من أجل أن تربط بينها وتجمعها في نقطةٍ واحدة وتجعلها تشتغل وفق نمطٍ جديد ". إنّ

هذا النزوع الإمبريالي Imperialis لسلطة المراقبة في المجتمعات المعاصرة، هو نزوع يغذّيه هاجس السيطرة على المكان الذي توسّع داخل فضاء المؤسّسات المبتكرة من أجل تنظيم المجتمع وضبطه

(الإدارات، والمدارس، والسجون... إلخ). لكنّ الصورة النمطية لعمل المراقبة هي صورة السجن. تلك الصورة التي أسّس لها جيرمي بنثام من خلال مفهوم البانوبتيكون، حيث إنّ "جوهر مخطّط

سجن البانوبتيكون يكمن في مركزية وضعية المفتّش المراقب، مقترنةً بالوسائل المعروفة والأكثر فعالية

لقدرته على أن يرى من دون أن يُرى Seeing without Being Seen، فيما يتعلّق بالشكل العامّ للمبنى.

يبدو أنّ الشكل الدائري هو الأكثر ملاءمة لمعظم أغراض المراقبة؛ لأنّه الشكل الوحيد الذي يتيح رؤيةً مثالية للمنظر نفسه بالأبعاد ذاتها". وقد تمّ إسقاط مخطّط السجن هذا على جميع الأبعاد

المكانية والزمانية للحياة المعاصرة؛ إذ تمّ تصميم الفضاءات العينية والافتراضية، بحيث يخضع الجميع

للمراقبة من دون أن يشعروا بذلك. وكذلك الأمر من أجل أن يتحوّلوا إلى مراقبين على أنفسهم أو على

الآخرين، والوصول إلى هذا الهدف هو واحد من أكبر إنجازات الحداثة. بُنيَت الحداثة Modernity على قوّة المعرفة. وتقوم المعرفة على تجربة الرؤية Vision بصرًا

وبصيرة؛ أي حًّسًا وعقلًا. غير أنّ حالة الإشباع في الملاحظة Observation، بوصفها من مبادئ

العلم، أدّت إلى بروز "المراقبة باعتبارها بعدًا مركزيًا للحداثة". في هذا البعد، تصبح الرؤية ذات

فاعلية أقوى عندما يخنس المراقب ويتوارى عن نظر من يراقبه. وتلك كانت الحكمة من ابتكار البانوبتيكون، حيث "إنّ الرؤية المستمرّة الناتجة من تصميم السجن تنشئ حالةً دائمةً من التوتّر

وعلاقة سيطرةٍ بين السلطة المؤسّسية والشخص الخاضع للمراقبة التي تعمل من دون انقطاع وبصفة

تلقائية؛ إذ يخبرنا فوكو بطريقة لا تنسى أنّ 'المرئية فّخ'ّ Visibility is a Trap؛ لأنّه من خلال المرئية تمّ السيطرة على الشخص أوّلًا. فمن خلال حالة عدم اليقين المستمرّ بشأن إن كان الشخص

مراقبًا، يستوعب السجين في النهاية نظرة الحارس، ويصبح بمعنى ما حارسًا على نفسه، يراقب

باستمرار سلوكه ويحكم عليه ويصحّحه، وفي النهاية يراقب أفكاره ومواقفه. ومن خلال هذا الترتيب

Arrangement، بحسب فوكو، يصبح السجين نفسه سببًا لخضوعه للمراقبة". تحت هذا الترتيب

(9) Gilles Deleuze, Foucault (Paris: Minuit, 2004), p. 33;

يؤكّد دولوز أنّ "كلّ مجتمع له ورقته أو أوراقه المسطّرة وأنّه حينما استحضر فوكو مفهوم المخطط، كان ذلك بالارتباط بالمجتمعات

الانضباطية الحديثة، حيث تمارس السلطة حصارًا من كلّ الجهات: إذا وجد نموذج ما لذلك فهو نموذج 'الطاعون' la peste، حيث

تمّ محاصرة المدينة التي ينتشر فيها المرض، وتمتدّ يد السلطة إلى تفاصيل دقيقة". ينظر: Ibid., pp. 42–43. ((1(Panopticon: من pan في اليونانيّة تعني "الكلّ". و opticon: أي مراقب، فالمعنى هو الكلّ مراقب. وفي الاصطلاح هو نوع

من السجون صمم تخطيطه الفيلسوف والمنظّر الاجتماعي الإنكليزي جيرمي بنثام عام 1785. وجوهر التصميم قائم على التمكين

لمراقبٍ واحد من مراقبة جميع السجناء دون أن يكون السجناء قادرين على معرفة إن كانوا مراقبين؛ أي من دون أن يتمكّنوا من رؤية

من يراقبهم. فالبانوبتيكون هو رمز القوّة غير المرئية.

(11) Jeremy Bentham, The Panopticon Writings (London: Verso, 1995), p. 43. (12) Zygmund Bauman & David Lyon, Liquid Surveillance: A Conversation (Cambridge, MA: Polity Press, 2013), p. 9. (13) Jeremy Weissman, The Crowdsourced Panopticon: Conformity and Control on Social Media (Lanhan, MD: Rowman & Littlefield, 2021), p. 96.

تنتظم بنية المجتمعات المعاصرة، من خلال تناسبٍ طردي بين سلطة تزداد اختفاءً ومجتمع يزداد

مرئيةً. فتؤدّي قوّة التناسب تلك إلى مزيدٍ من السيطرة والتحكّم في السلوكيات ذات الأبعاد المتعدّدة

(الاستهلاكية، والسياسية، والأمنية... إلخ) للأفراد والجماعات. وبناء عليه، بحسب عبارة ديفيد ليون، فإنّ "المراقبة ترتبط بشدّة بامتثالنا للنظام الاجتماعي، كما يمكنها أن تكون وسيلةً للسيطرة الاجتماعية"، بمعنى أنّ المراقبة هي ظاهرة يتمّ إفرازها بصفة طبيعية في أثناء نموّ المجتمعات

وتطوّرها. ومن ثم، يمكن تعريف المراقبة بأنّها "جمع ممنهج للمعلومات الشخصية لإدارة

السكّان، وعادةً ما تركّز على الأشخاص الذين يُعتبرون خطيرين؛ ما يعني أنّ بعض المجموعات

تعتبر أكثر 'استحقاقًا' للخصوصية من مجموعات أخرى". وبذلك، ينظر إلى المراقبة على أنّها تستمدّ مشروعيتها من الإطار الاجتماعي الذي تتماهى معه؛ ذلك أنها تصبح جزءًا من التكوين

البنيوي للمجتمع، وذاك ما يؤول إلى ما يسمّى "مجتمع المراقبة". إنّ ميلاد "مجتمع المراقبة" Surveillance Society يعني إعادة تعريف مفهوم المراقبة، بما يتناسب مع الدلالات الاقتصادية والسياسية المهيمنة على وضع المجتمع المعاصر؛ ذلك أن المراقبة تكتسب

مبرّراتها الأخلاقية، من خلال العقد المعنوي بين السلطة المراقِبة والأفراد والجماعات المراقَبة. العقد

مبني على مبدأ أنّه يجب أن يخضع الشخص للمراقبة مقابل الحصول على الرعاية والحماية والرفاهية. وبناء عليه، فإنّ "المراقبة هي عملية دائمة من الجمع المستمرّ الذي يستهدف المعلومات الشخصية،

إنّها ليست مجرّد لحظات انكشافٍ فرديةٍ بل هي أساس العلاقات بين الأفراد والمنظّمات والدولة؛ إذ

هي القوّة الدافعة وراء الفرز الاجتماعي Social Sorting. في معنى المراقبة هذا، لا يتخلّى الأشخاص

على نحوٍ روتيني عن معلوماتهم الشخصية في الحياة اليومية فحسب، بل يستغلّون مرئية الآخرين أيضًا". فالمراقبة، إذًا، هي رصد حالة انكشاف المعلومات الشخصية التي لا مفرّ منها. وهذا يعني

جعل مفهوم "مجتمع المراقبة" مفهومًا مفرغًا من الدلالات السلبية، إذا ما أدرج ضمن صيرورة تاريخية

لطبيعة المراقبة ذاتها. ومع ذلك "يمكن تجنّب مصطلح مجتمع المراقبة من خلال العودة إلى المفارقة

الليبرالية: توفير الحرية والإفراط في السيطرة عليها Liberal Paradox: The Provision of Freedom

and its Excess in Control، لفهم أنّ المراقبة ليست مجرّد تأثيرٍ للحداثة، ولكن يمكن النظر إليها

على أنّها نتيجة لنمٍّوٍ تاريخي هو جزء من مبدأ ليبرالي [...] بل إنّ المراقبة، من وجهة نظر الحكومة،

(14) David Lyon, The Electronic Eye, The Rise of Surveillance Society (Minneapolis: University of Minneapolis, 1994), p. 4.

((1(لاحظت زيبوف أنّ "المراقبة لم تكن من صميم البنية الجينية للثورة التكنولوجية؛ إذ كان الهدف من منصّة غوغل، مثلًا، هو

تنظيم المعلومة على مستوى العالم وجعلها متاحة للجميع وذات أثر نافع ومفيد، ولم يكن هناك عملاء أو سلع بالمعنى الضيّق

للكلمة. ولكن مع مطلع الألفية الثالثة، كادت الفقاعة الرقمية تنفجر، فقد هدّد المستثمرون بالانسحاب إذا لم تجد شركة غوغل

نموذجًا اقتصادًّيًا ذا عائدٍ ماديّ أكبر". ينظر. 50: p ," Entretien , " Zuboff. ويبدو أنّ ذاك النموذج كان يعتمد على ترسيخ المراقبة في

عملية الاستثمار.

(16) Alice E. Marwick, The Private is Political: Networked Privacy and Social Media (New Haven, CT: Yale University Press, 2023), p. 14. (17) Daniel Trottier, Social Media as Surveillance: Rethinking Visibility in a Converging World (New York: Routledge, 2016), p. 7.

هي دليل على وجود نوعٍمن الحرية؛ ففي حالة الهيمنة الشاملة فإنّ المراقبة تفقد مبرّرها ". هكذا

تتّخذ المراقبة وضعية منزلةٍ بين المنزلتين، بين الحرية المطلقة والهيمنة الشاملة. ففي هذه الوضعية تتأسّس ثقافة المراقبة، وفيها يتمّ تصميم "البانوبتيكون الاجتماعي" الجديد، وتبرير الأطر القانونية

والترتيبات السياسية والاجتماعية التي تجعل الجميع خاضعًا للمراقبة من دون اعتراض أو رفض. انبثق في عمق المجتمع المعاصر ثقب أسود من البيانات في بعدها التقليدي؛ أي في تصاعد سلطة المعلومة، أو في بعدها الجديد أي في توسّع دائرة البيانات الرقمية. وأصبحت البيانات العين التي

تراقب العالم، كما تحوّل مجتمع المراقبة من التواصل في الفضاء العمومي العيني إلى شبكات

التواصل الاجتماعي باعتبارها شبكاتٍ لصيد البيانات. يمكننا بذلك أن نقول: "ليس من المبالغة

القول إنّه تمّ تحويل المجتمع إلى بيانات Datafication of Society باعتباره مشروعًا ذا نطاقٍمماثل،

يتضمّن تعميقًا لاختراق الدولة وآليات الشركات للسيطرة الاجتماعية". وبناءً على هذا التحوّل،

تأسّس مبحث معرفي هو مبحث "دراسات المراقبة" Surveillance Studies في عصر البيانات. تبحث

هذه الدراسات في أنماط العلاقات بين سلطة تقنيات المراقبة المتخفية في الإنترنت ووسائط التواصل الاجتماعي خصوصًا، وبين مستخدمي تلك الوسائط والسلوكات التي يتّخذونها داخل مجتمع

البيانات، وعلى رأسها ما يسمّيه هيربرت وفيشر "الاستسلام الطوعي Voluntary Sumbmisson ل بّع

مستخدمي منصّات التواصل الاجتماعي الذين قد يحسبون أنّ الضرورة الظاهرية للحضور على منصّة

فيسبوك تجعل الأمر يستحقّ دفع ثمن تبّعهم من خلال المنصّة ". بهذا المفهوم، يصبح الطابع

السلطوي للمراقبة أكثر مرونة، لأنّ المستخدمين أنفسهم يشاركون في وظيفة المراقبة من خلال تقديم البيانات مع علمهم بانكشاف معلوماتهم الشخصية. وبحسب ليون، فإنّه في "دراسات المراقبة، من

(18) Olivier Leistert, From Protest to Surveillance: The Political Rationality of Mobile Media, Modalities of Neoliberalism (Frankfurt Main: Peter Lang, 2013), pp. 121–122.

((1(استُخدم مصطلح "ثقافة المراقبة" في الكثير من دراسات المراقبة، أهمّها دراسات أحد كبار المشتغلين بدراسات المراقبة،

الإسكتلندي ليون، ومنها مؤلّفه ثقافة المراقبة: التعقّب باعتباره طريقة في الحياة، الصادر عام 2018، وقبله مقاله التأسيسي المعنون

"ثقافة المراقبة: الالتزام والانكشاف والأخلاق في الحداثة الرقميّة"، الصادر عام 2017. يقول فيه: "أصبحت ثقافة المراقبة واضحة

في مطلع القرن الحادي والعشرين، خاصّةً بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة الأميركية وظهور وسائط التواصل

الاجتماعي، وأصبحت أكثر وضوحًا بعد أن نسخ سنودن وثائق من وكالة الأمن القومي ونشرها عام 2013. ويمكن المؤرّخين أن

يميزوا العلامات الأولى لثقافة المراقبة في أواخر القرن العشرين، لكنّها الآن موجودة على نطاق واسع وأصبحت معالمها واضحة.

ما المقصود بمصطلح "ثقافة المراقبة"؟ إنّه الشعور بأنّ المراقبة أصبحت جزءًا من أسلوب حياةٍ كامل. لم تعد المراقبة مجرّد شيء

خارجيّ يؤثّر في حياتنا، بل هي شيء يمتثل له المواطنون عن طيب خاطر وعن قصد أو عن غير قصد، ويتفاوضون معه ويقاومونه

ويتفاعلون معه، ويبادرون إليه ويرغبون فيه بطرائق جديدة. فبعد أن كانت المراقبة منحى مؤسّسًا للحداثة أو نمطًا تقنًّيًا معززًا

للانضباط الاجتماعي أو السيطرة، أصبحت المراقبة الآن استبطانًا داخلًّيًا يشكّل جزءًا من التأّملّات اليومية حول كيفيّة سير الأمور

وخزّانًا للممارسات اليومية". ينظر:

David Lyon, "Surveillance Culture: Engagement, Exposure and Ethics in Digital Modernity," International Journal of Communication , vol. 11 (January 2017), p. 825. (20) David Herbert & Stefan Fisher–Høyrem, "How Do Social Media Change Social Order? The Deep Datafication of Society from Global to Local Scales (and Back Again)," in: David Herbert & Stefan Fisher–Høyrem (eds.), Rethinking Social Media and Social Order (Berlin/ Warsaw: De Gruyter, 2021), p. 4. (21) Ibid., p. 15.

السهل جًّدًا أن ينتهي بنا الأمر إلى معاملة مستخدمي وسائط التواصل الاجتماعي بوصفهم مغفّلين ثقافيًا Cultural Dupes؛ إذ قد نعترف بأنّ الشغوفين بتلك الوسائط يجدون فوائد متّصلة بمنشوراتهم

ورسائلهم وصورهم وتحديثاتهم وإعجاباتهم ونكزاتهم، ولكنّ الطرائق التي يتمّ بها تعقّبهم ومحاصرتهم

من خلال مسارات البيانات الخاصّة بهم تفوق تمامًا أهمية استمتاعهم بها"، فتجاهل المراقبة

لا يعني تفاديها. إنّ إتاحة البيانات الشخصية والانكشاف الإرادي على منصّات التواصل الاجتماعي،

واعتبار ذلك عملًا لا يمكن تجاوزه، كلّ ذلك هو انعكاس لحالة الّلا معقولية التي تسود المجتمعات الاستهلاكية. تأسّست المراقبة المعاصرة على تجذير قيمة "التجاهل" داخل مجتمع المراقبة، وهي قيمة ناشئة من

مستويَين، أحدهما هو الاعتقاد أنّ الكلّ مراقب وأنّه لا مهرب من تقديم البيانات، بل "تمّ إقناعنا بأنّ

تدمير الحياة الخاصّة كان أمرًا ضروريا". والآخر هو الاعتقاد أنّه يمكن التملّص من عين المراقبة

والالتفاف عليها من خلال تطبيق بعض التقنيات. في الحقيقة، إنّ "كلّ ملفّ تعريف على وسائط التواصل الاجتماعي ننشئه، وكلّ منشور ننشره، وكلّ ملفّ تعريف ارتباط Cookie نوافق عليه، وكلّ

صفحة نخزّنها مؤقّتًا، إضافة إلى كلّ جزء أو بايت من المعلومات التي نخزّنها في المتصفّح بنوعٍمن

اللامبالاة، وكلّ سجلّ آلي Automated Log للإحداثيات الجغرافية، كلّ ذلك يوفّر معلوماتٍ مكانية وزمانية للأعين غير المرئية Unseen Eyes ". ولذلك، يتمّ تصميم أدوات تعقّب البيانات ورصدها

لتدفع المستخدم إلى حالة التجاهل والّلا مبالاة، مثل تعمّد إطالة نصّ سياسة الخصوصية للمواقع

والمنصّات وأجهزة الاتصال أو محاصرة المستخدم بنوافذ متسلسلة تدفعه كرهًا إلى الموافقة على

ملفّات التعريف. يجب أن نعترف أنّ الكثير من دراسات المراقبة تقوم على مبدأ تبرير فعل المراقبة وإعطائه الأبعاد

الإنسانية التي تجعل منه فعلًا أخلاقيًا، إذا ما وضع في تسلسلٍهرمي من الأولويات التي تلتزم بها

الدول وعلى رأسها الأمن. تشتغل تلك الدراسات ابتداءً على حلّ مفارقة المراقبة القائمة بين أدوات

السيطرة والهيمنة على الحريات وبين الحفاظ على الأمن باعتباره لازمةً من لوازم الحرية ذاتها. "يستطيع

المرء اليوم أن يلاحظ هذه المفارقة التاريخية: إذ لم تتطوّر شبكة الإنترنت إلى فضاءٍ سياسي عالمي

حرّ، بل تطوّرت إلى نظام مراقبةٍ شمولي، حيث يهدف كلّ شيء إلى الربح الاقتصادي فقط". يبدو

واضحًا من ذلك أنّ دراسة المراقبة في عصر انفجار البيانات ملزمة منهجيًا على الأقلّ بتناولها من حيث

هي ظاهرة اجتماعية ناشئة بصفة طبيعية عن الاندماج غير المشروط أخلاقيًا في المجتمعات الحداثية.

(22) Bauman & Lyon, p. 42. (23) Zuboff, "Entretien," p. 51. (24) Terhi Nurmikko–Fuller & Paul Pickering, "Crisis, What Crisis?" in: Shirley Leitch & Paul Pickering (eds.), Rethinking Social Media and Extremism (Canberra: Australian National University Press, 2022), p. 169. (25) Maria Robaszkiewicz, "Wer erscheint in der Öffentlichkeit? Ein mikropolitischer Ansatz im Kontext der Migrationsdebatte," in: Lukas Kaelin, Andreas Telser & Ilaria Hope (eds.), Bubbles & Bodies – Neue Öffentlichkeiten, Zwischen Sozialen Medien und Straßenprotesten, Interdisziplinäre Erkundungen (Bielefeld: Transcript Verlag, 2021), p. 187.

وبناء عليه، فإنّ "موضوعًا مهًّمًا تشمله دراسات المراقبة هو التوازن بين الرعاية Care والسيطرة؛ ذلك أنه من المفترض أن تكون ممارسات المراقبة فرعًا من فروع الرقابة الاجتماعية؛ إذ يتمّ تنفيذ العديد

من تلك الممارسات من أجل ضمان بيئةٍ آمنة. وهذا تذكير بأنّ المراقبة ليست كلّها سلبية". تفترض دراسات المراقبة، إذًا، أنّ التكنولوجيات التواصلية الجديدة ليست إّلا امتدادًا اصطناعيًا Prosthesis

لظاهرة المراقبة الطبيعية في الحياة اليومية باعتبارها طريقة حياة وثقافة بحيث يمكن تحليل نتائج المراقبة بناءً على هذا التوصيف.

ثانيًا: مستويات المراقبة والسيطرة: من التعقّب إلى الترقّب

يحمل مفهوم المراقبة ضمنيًا شحنةً دلالية ذات انعكاساتٍ أخلاقية كثيفة؛ فمن حيث إنّها تحيل إلى

غرض السيطرة، فإنّ ذلك يثير الجاهزية النفسية والاجتماعية لعملٍعدائي يقتحم الخصوصية ويسيطر على البيانات باعتبارها غنيمةَ حروب الحماية والأمن والرعاية. ولذلك، فإنّ تحليل آليات اشتغال المراقبة يتطلّب مبدئيًا الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها التفكير في الحدود الأخلاقية لنشاط المراقبة

ضمن البيئات الرقمية خصوصًا؛ لأنّها البيئات التي تزدهر فيها المراقبة من دون حماية قانونية أو رقابة

اجتماعية أو تكافؤٍ في امتلاك التقنية المناسبة والمماثلة التي تتيح إمكانية رفض المراقبة أو التعرّف

إلى من يراقب على الأقلّ، ذلك "أنّ المراقبة تتّسم دائمًا ببعض الغموض؛ ما يجعلها مثيرة للاهتمام

وحسّاسة جًّدًا. على سبيل المثال، قد يؤدّي اهتمام الوالدين بالأطفال ورعايتهم إلى اعتماد بعض

تقنيات المراقبة للتعبير عن تلك الرعاية. ولكن عند أي نقطةٍ تصبح هذه المراقبة شكلًا غير مقبولٍمن

أشكال السيطرة؟ أتعتمد الإجابة على معرفة إن كان أطفالهم على علمٍ بأنّه يتمّ تعقّبهم، أم أنّ ممارسة

المراقبة نفسها غير أخلاقية وفقًا لبعض المعايير؟". إنّ مساءلة المعايير الأخلاقية للمراقبة يعني ضرورة التمييز بين أنواع مختلفة من المراقبة، ليس من أجل التصنيف المنهجي فقط، لما يتضمّنه

المفهوم من حيث هو تصوّر كلي وعامّ، بل الهدف أيضًا هو رفع الالتباس الأخلاقي عن عملية المراقبة

وإزاحة القيمة السلبية المطلقة الملاصقة لصدى المفهوم ذي الرنين السيئ لدى الجمهور العامّ. يمكن تحديد مستوياتٍ متعدّدة من المراقبة، بناءً على درجة السيطرة فيها، وبحسب قصدية التعقّب

وال بّع. فمن حيث درجة السيطرة، تنقسم المراقبة إلى نوعين: "المراقبة الناعمة" Soft Surveillance،

وهي تشمل أشكال المراقبة والتقييم التي تبدو حميدة وغير بارزة نسبيًا، مثل استخدام كاميرات الفيديو

المثبّتة في سقف المقهى، والأنظمة التي تسجّل عناوين مزوّدي خدمة الإنترنت عند الوصول إلى

قواعد البيانات، أو البرامج التي تبّع مشترياتنا عبر الإنترنت. تعمل هذه الأشكال الناعمة "خلف

الكواليس" Behind Scenes، أمّا المراقبة المشدّدة Hard Surveillance، فهي المراقبة العلنية، وهي

مصمّمة غالبًا لكشف الحقيقة بشأن سلوك شخصٍ ما، واختبار شخصيته، وعمومًا هي مصمّمة لجعله

(26) Trottier, p. 19. (27) Mike Mccahill, "The Surveillance Web, The Rise of Visual Surveillance in an English City," in: Torin Manahan & David Murakami Wood (eds.), Surveillance Studies, a Reader (New York: Oxford University Press, 2018), p. 183.

يدرك عن وعي أنّه يخضع بالفعل للمراقبة والترصّد. يعتمد هذا التصنيف على ردّ فعل المستهدف بالمراقبة، والطريقة التي يستجيب بها لشكل السيطرة على خصوصيته. ففي حين يتصرّف الأشخاص بعفوية وتلقائية عند تعرّضهم للمراقبة الناعمة، ولذلك يكشفون عن معلوماتهم وبياناتهم لإحساسهم بأنّ ذلك الكشف هو جزء من حسّهم المدني الذي يعكس أخلاقيًا خيرية عمومية، فإنّ الأشخاص الذين يخضعون لسيطرة المراقبة المتشدّدة يغيّرون سلوكهم لعلمهم بأنّهم مراقبون. في فضاء وسائط التواصل الاجتماعي، يصعب التمييز بين هذين النوعين من المراقبة؛ لأنّ الشعور بدرجة السيطرة يكاد يكون ضعيفًا. وتوفّر هذه الوسائط إطارًا مختلفًا للحرية، في مواجهة السيطرة بما يكفي لجعل المراقبة المشدّدة ناعمةً لمجرّد تصوّر أنّ الحياة لها قوانينها المختلفة عن قوانين الحياة الاجتماعية. ولفهم آلية السيطرة هذه، يجب أن ندرك أنّ "وسائط التواصل الاجتماعي تحوّل النظر إلى السيطرة من مسألة المشروعية إلى مسألة الخيرية. وضمن هذا الإطار، تنتقل السيطرة من كونها تتعلّق بالقواعد القانونية التي وضعتها الدولة إلى قواعد السلوك المتغيرة باستمرار وشروط الخدمة والقيود التي تضعها شركات وسائط التواصل الاجتماعي". وبهذا المعنى، فإنّه لا يتمّ فهم المراقبة إّلا في

إطار توازن قوى السيطرة بين المراقِب والمراقَب. وعلى الرغم من أنّ "الخطّ الفاصل بين المراقِب (الراصد Surveiller) والمراقَب (الخاضع للمراقبة Surveilled) غير واضح، ونحن جميعًا مراقَبون

ومراقِبون؛ لأنّنا جميعًا نستفيد من عمليات المراقبة ونصبح ضحايا لها"، فإنه يمكن إدراك طبيعة الحرية في إطار إدارة البيانات بين طرفَي المراقبة داخل فضاء الإنترنت ووسائط التواصل الاجتماعي خصوصًا. أمّا من حيث التفاعل مع قصدية المراقبة في مستويات التعقّب وال بّع، فإنّ المراقبة تنقسم إلى مراقبةٍ غير استراتيجية وأخرى استراتيجية: المراقبة غير الاستراتيجية Nonstrategic Surveillance، تعتمد على "الانتباه واليقظة، حيث يستهلك العميل البيانات من شخصٍ ما، مع الحدّ الأدنى من المكر أو التدبير الحميد من دون أن يقصد البحث عنها مباشرةً. وهذا ينطوي على استجابة سلبية وغير تفاعلية. أما المراقبة الاستراتيجية Strategic Surveillance، فهي تتضمّن غالبًا سياقًا عدائيًا حيث يحجب الشخص المعلومات (أو على الأقلّ لا يقدّمها). ومن ثمّ، قد يكون للمراقبة عنصر استقصائي واكتشافي. وفي المقابل قد يشارك الشخص في حماية المعلومات ويقوم بممارسات أخرى معدّة من

أجل تكوين ما يكتشفه العميل من معلومات، أو قد تتضمّن المراقبة معلوماتٍ في انتظار اكتشافها أو

الكشف عنها أو تحديد موقعها أو إنشائها أو جمعها أو تجميعها أو قد تتضمّن معلوماتٍ معروفة ولكن

(28) Gutsche Jr, pp. 252–253. (29) Joseph Downing, Critical Security Studies in the Digital Age, Social Media and Security (Cham: Palgrave Macmillan, 2023), p. 12. (30) Lars Samuelsson et al., "The Complex Web of Everyday Surveillance," in: Lars Samuelsson et al. (eds.), Everyday Life in the Culture of Surveillance (Göteborg: Nordicom, University of Gothenburg, 2023). p. 19.

توجد حاجة إلى التحقّق منها". يبدو هذا التمييز معقولًا من حيث الطريقة التي تمّ بها المراقبة؛ إذ

تبلغ ذروتها الاستراتيجية في الأشكال المتطوّرة من التعقّب وال بّع مثل الاختراق الإلكتروني والقرصنة

الرقمية، ولعلّ برنامج بيغاسوس Pegasus لاختراق الهواتف الذكية يقدّم مث لًا على ذلك. وعلى الرغم من أنّ المراقبة غير الاستراتيجية هي مراقبة غير استهدافية، فإنّها يمكن أن تنطوي على نوعٍ آخر من أدوات المراقبة الاستراتيجية هو "الترقّب". وهو لا يعني المراقبة في معناها المباشر؛ أي الإقدام

على فعل ال بّع والتعقّب وفق خطّةٍ ما، بل يعني انتظار المعلومات والبيانات من دون البحث عنها.

وفي هذا السياق، يمكننا فهم مفارقة الاستسلام الطوعي للمراقبة، عندما نلاحظ أنّ "المواطنين العاديين

يقدّمون معلوماتٍ خاصّة عن هوياتهم إلى وسائط التواصل الاجتماعي وعبرها، أكثر ممّا تجمعه

وكالات المراقبة Surveillance Agencies، وهم يفعلون ذلك بحرية وفي كثير من الأحيان يفعلون ذلك بحماسة". هذا إضافة إلى أنّ "الافتقار إلى القدرة على السيطرة على البيانات الشخصية عبر

الإنترنت لم يؤِّدِ إلى الموافقة فحسب، بل إلى الاستسلام على نطاقٍ واسع لواقعية المراقبة". وهذا

يعني أنّه لا  تمّ مراقبة الأشخاص بقدر ما يتمّ ترقّبهم بالاعتماد على بداهة أنّهم سيقدّمون معلوماتٍ

عنهم طواعيةً، وربّما يكون حجمها ونوعيتها أكبر من توقّعات المراقِب والمراقَب، وأفضل ممّا لو بادر

هو لمراقبتهم وتعقّبهم قصدًا.

ثالثًا: بردايم المراقبة: من مراقبة البيانات إلى استعمار البيانات، مستخدمون أم خدم؟

إنّ تحويل المجتمعات إلى بيانات يعني ابتكار المزيد من طرائق السيطرة وجعل المراقبة أكثر فعالية وشمولية. وعمومًا، تعني البيانات تلك المعلومات الشخصية المحصّلة بوساطة التقنيات المعلوماتية

الحديثة. فإذا كانت المراقبة التقليدية في مجتمعات ما قبل صناعية، تعتمد على الحواس ومعاينة المعلومات عن قرب (التنصّت، والتجسّس... إلخ)، فإنّه كان في الإمكان الإفلات من المراقبة بالتنكّر

والتمويه وغيرها. أمّا المراقبة الجديدة في المجتمعات الصناعية، فتعتمد على السيطرة بوساطة الرقم،

حتّى أمكننا القول بمسمّى "الحياة المشفّرة". ولذلك، فإنّه "في مجتمعات السيطرة Les sociétés de

contrôle لم يعد الأمر الأساسي هو التوقيع أو العدد  Nombre، بل الرقم Chiffre، الرقم هو كلمة

المرور، ففي حين يتمّ تنظيم المجتمعات الانضباطية Les sociétés disciplinaires بكلمات أمرٍ

(31) Gary T. Marx, Windows into the Soul: Surveillance and Society in an Age of High Technology (Chicago: The University of Chicago Press, 2016), p. 16.

((3(برنامج بيغاسوس هو برنامج تجسّسي طوّرته شركة إسرائيلية خاصّة NSO Group، يتمّ تثبيته على الهواتف المستهدفة، من دون

علم أصحابها كما لا يمكنهم منع تثبيته على هواتفهم. يستطيع هذا البرنامج، ما إن يتمّ تثبيته، قرا ةء الرسائل النصية و تبّع المكالمات

وكشف كلمات السرّ، وتعقّب موقع الهاتف وجمع البيانات التي يخزّنها بما فيها تطبيقات التواصل الاجتماعي وغيرها. وقد أشارت

تقارير صحافية عالمية متخصّصة إلى حالات اختراقٍواسعة بوساطة هذا البرنامج استهدفت شخصيّات سياسية وصحافيين

ومعارضين في مختلف أنحاء العالم.

(33) Edward Lee Lamoureaux, Privacy: Surveillance and the New Media you (New York: Peter Lang, 2016), p. 26. (34) Isin & Ruppert, p. 108.

نظامية، فإنّ لغة السيطرة الرقمية تتكوّن من أرقامٍ تحدّد إمكانية الوصول إلى المعلومات أو رفض

الوصول إليها". وهكذا فإنّ تحوّل المعلومات إلى بياناتٍ هو تحوّل في مفهوم المراقبة وآلية

السيطرة فيها. ولذلك أمكننا اعتبار وسائط التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية المختلفة أدواتٍ

لتشفير المجتمعات، عبر تحويلها إلى أرقام، وهي الأدوات التي تسهّل عمل السيطرة والتحكّم في

المجتمعات. ولم تعد البيانات مجرّد مادّة يتمّ تعقّبها، بل أصبحت هي ذاتها قائمةً بالمراقبة؛ أي إنّها تراقب نفسها

بنفسها. وهذا ما يتيحه مفهوم الرقم، أو عملية الرقمنة. أشار إلى هذا المدلول روجر كلارك منذ عام

1988 بمصطلح مدمج هو "مراقبة البيانات" Dataveillance، أو إذا صحّ التعبير عنه بكلمةٍ مركّبة هي

"مراقبيانات"؛ إذ "تعتمد المراقبيانات أساسًا على الكمبيوتر، حيث يتمّ تفويض مسؤولية 'الارتقاب والإبلاغ'

Watch and Report إلى خادمٍموثوقٍبه ومتيقّظ دائمًا. وأصبح من المجدي على نحوٍ متزايد بالنسبة إلى

المنظّمات أن تضع الأشخاص تحت المراقبة من خلال سجّلا تهم ومعاملاتهم، ويتمّ تحويل الأساليب

التقليدية، فهناك ميل لدى المزيد من المنظّمات لمراقبة عددٍ أكبر من الأشخاص، فقد أصبحت المراقبة الشخصية والجماعية أمرًا روتينيًا". ومع تطوّر تقنيات معالجة البيانات حاسوبيًا، أصبحت تلك البيانات

تمتلك ما يمكن أن نسمّيه "سلوكًا رقميًا"، يتضمّن في تكوينه البرمجي آليات التعقّب والترقّب والترصّد،

ومن ثمّ تحديد إن كان يستحقّ التحقيق والتصنيف ضمن درجات المراقبة والمعاقبة. تعتمد مراقبة البيانات على الاستفادة من سلوكٍاجتماعي طبيعي، تمّت عملية رقمنته ضمن وسائط

التواصل الاجتماعي خصوصًا، هو سلوك "المشاركة"، فالمجتمع كلّه مبني على قيمة المشاركة سواء

بطريقة طوعية (أشكال المشاركة الاجتماعية في العلاقات الضرورية كالزواج والمجاورة والفضاء العمومي... إلخ) أو بطريقة إجبارية (أشكال المشاركة القانونية كالتنظيمات السياسية وقوانين العمل... إلخ). وبالمنطق ذاته، تمّ المشاركة على وسائط التواصل الاجتماعي باعتبارها طريقة في

الوجود الرقمي وإثبات الذات من جهة، وباعتبارها آلية لتبادل البيانات واستخدامها لأغراضٍ مختلفة من جهة أخرى. لكنّ هذا السلوك نفسه يحمل خاصية المراقبة؛ لأنّ مشاركة البيانات تعني أساسًا

تعريضها للتعقّب والرصد. يلخّص هذا المعنى، المفهوم الذي أشار إليه أولفيه آيم "المراقبة التشاركية" Shareveillance. ولعلّ أهمّ أشكال هذه المراقبة هو تقنية النظير إلى النظير P2P Peer–to–Peer،

"وهي المشاركة بين مستخدمٍ وخادمٍ، ثمّ يتحوّل المستخدم نفسه إلى خادم، وأحد الاستخدامات

الأكثر شيوعًا ل  P2P هو مشاركة الملفّات المحمية مشاركةً غير قانونية، وإحدى خصائص هذا النوع من الشبكات هي توفير خاصية عدم الكشف عن الهوية لدى المستخدمين نسبيًا [...] وبالنسبة إلى

مراقبة P2P تكون القواعد المنظّمة أكثر غموضًا وغير مكتوبة عادةً، ولكنّها تغطّي كلّ شيء، من الآداب

(35) Gilles Deleuze, "Les sociétés de contrôle," EcoRev’ , vol. 46, no. 1 (Hiver 2018), p. 8. (36) Roger Clarke, "Information Technology and Dataveillance," Journal Communication of the ACM , vol. 31, no. 5 (May 1988), p. 501. (37) Olivier Aïm, Les Théories de la surveillance, du panoptique aux surveillance studies (Paris: Armand Colin, 2020), p. 13.

الاجتماعية البسيطة المتعلّقة بالكلام والسلوك اليومي إلى الاختيارات الشخصية العميقة، مثل اختيار

الفرد للعلاقات العاطفية والانتماءات السياسية". لكن هل تكشف البيانات عن شيءٍ من معطيات

المراقبة تلك؟ نعم، إنّها تفعل ذلك، فمجرّد ضغط إعجابٍ على منشور ما يعني مشاركة الرأي ذاته

الذي يقصده صاحب المنشور. إنّ مراقبة البيانات هي لعبة تبّعٍ تستخدم قاعدة المشاركة. ولذلك تفرض بعض منصّات التواصل

الاجتماعي شرط المشاركة، من أجل استكمال بيانات الانضمام إلى الموقع والاستفادة من بقية خدماته. عمومًا، فإنّ البيانات هي الثمن الذي يدفعه المستخدمون مقابل مجّانية وسائط التواصل الاجتماعي.

وتفرز مشاركة تلك البيانات على نحوٍ تلقائي فرص التعقّب والمراقبة، فهي بطريقة ما إبلاغ غير مباشر

عن المستهدفين الفعليين بالمراقبة؛ إذ "تَ بّع وسائط التواصل الاجتماعي بياناتٍ ضخمة لشبكاتٍ

كاملة من الأشخاص، فهي تبحث عن بيانات شخصٍ واحد في حين أنّها تكتشف بيانات شخصٍ آخر، كما أنّها تشجّع الأشخاص صراحةً على مشاركة المزيد من البيانات عن أصدقائهم وعائلاتهم". في

هذا المنظور، يبدو الإفلات من المراقبة أمرًا صعبًا؛ لأنّ استخدام هويةٍ مستعارة أو استخدام شبكاتٍ

خاصّة أو تقديم بياناتٍ مضلّلة لا يعني شيئًا من الناحية التقنية، بسبب قوّة الربط بين البيانات؛ ذلك أنه

يكفي أن يشارك الشخص بياناته مرّة واحدة على مواقع التواصل الاجتماعي، مثلًا، ليتمّ اعتمادها في

جميع البيانات الأخرى. وهكذا تؤدّي المشاركة دور مراقبةٍ داخلية لا يمكن تفاديها؛ لأنّ "إزالة المواد من الإنترنت أي من سوق البيانات أمر صعب، بل إنه بمجرّد ظهور المادّة على الشبكات الاجتماعية

يصبح الأمر مستحيلًا؛ لأن تأثيرات الشبكة تعمل على نشر المعلومات بين المستخدمين بسرعةٍ كبيرة،

ومن النادر أن تؤدّي إزالة المعلومات من موقعٍ واحد إلى إزالتها من مواقع متعدّدة. ففي كلّ مكانٍتظهر فيه البيانات تصبح مادّةً أكثر جمعًا وتحليلًا من المشاركين في سوق البيانات". وكلّما زادت مشاركة

البيانات تطوّرت المراقبة الشبكية وتمدّدت، بحيث يؤدّي ذلك إلى عملٍاستكشافي للبيانات بالمعنى

الذي يحيل إليه مصطلح "المراقبيانات". في حين يشير مصطلح كلارك "مراقبيانات" إلى الطابع الاستكشافي Heuristic لعملية جمع البيانات وتعقّبها، فإنّ مصطلح "استعمار البيانات" الذي قدّمه نايك كولدري يتضمّن الطابع الاستحواذي

Acquisitive للمراقبة بوصفها عملية انتزاعٍللبيانات. ف "مصطلح استعمار البيانات يشير إلى تمدّد عملية الانتزاع Extraction العالمية التي بدأت في أثناء الاستعمار واستمرّت خلال الرأسمالية الصناعية.

وبلغت ذروتها في الشكل الجديد اليوم؛ فبدلًا من الاستيلاء على الموارد الطبيعية والعمالة، فإنّ ما يتمّ

الاستيلاء عليه اليوم هو الحياة البشرية من خلال تحويلها إلى بيانات"، وهذا يعني تحويل كلّ

تفصيلٍمن تفاصيل الحياة الشخصية إلى مادّة رقمية مرئية، يسهل انتزاعها بوساطة عمليات الحوسبة

(38) Weissman, p. 84. (39) Marwick, p. 45. (40) Lamoureaux, p. 70. (41) Nick Couldry & Ulises A. Mejas, The Costs of Connection: How Data is Colonizing Human Life and Appropriating it for Capitalism (Stanford, CA: Stanford University Press, 2019), p. 19.

التي تطوّرها خوارزميات شركات التواصل الاجتماعي؛ إذ "تعمل الرقمنة Digitization على تحويل

المعلومات السريعة الزوال Ephemeral Information مثل هوية الأصدقاء وما يشتريه الشخص إلى

شيءٍ مرئي يمكن تبّعه وقياسه ". فاستعمار البيانات قائم على مرئية البيانات بحيث لا تفلت من

المراقبة وال بّع، فهي دائمًا في مرمى الانتزاع من خلال استراتيجية محاصرة حصون البيانات بوساطة

جيشٍ من البرمجيات التي تصعب مقاومتها مع الوقت. ويبلغ استعمار البيانات ذروة قوّته في وسائط التواصل الاجتماعي، بسبب ضعف المقاومة وقدرة

الخوادم على الوصول إلى جمعٍ أكثر شمولية للبيانات ذات المصادر المتعدّدة، بحيث يتمّ تجميع

بياناتٍ تتّصل بخصائص الشعوب وسلوكاتها، بما يتيح توقّع تطوّر أفعالها محليًا وعالميًا. يؤدّي هذا

النوع من الاستحواذ الاستعماري على البيانات إلى استعباد المستخدمين وتحويلهم إلى "خوادم" بالمعنى التقني والحرفي للكلمة. نتيجة لذلك، يصبح "مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي في نهاية المطاف عمّلًا مستغلّين Exploited Laborers يخضعون للمراقبة الإلكترونية وينتجون محتوى ذا

قيمة لصالح شركات التكنولوجيا والمعلنين". تمثّل هذه الوضعية بنية المجتمعات المعاصرة داخل نسق استعمار البيانات الذي يهدف إلى ربط مراقبة البيانات بالإنتاج الرأسمالي، من خلال تحويل البيانات إلى مادّة إعلانية في صورة سلعة قابلة للتداول من جهة، وربط مراقبة البيانات بصانع القرار في المؤسّسات السياسية والعسكرية من خلال تحويل البيانات إلى مادّة دعائية في رسم الاستراتيجيات

متعدّدة الأبعاد، من جهةٍ أخرى. تشكّلت بيئة إمبراطورية متكاملة من الصراع على البيانات في وسائط التواصل الاجتماعي خصوصًا.

إنّ الطريقة التي صمّمت بها تلك الوسائط تجعل منها منجمًا لإنتاج البيانات وتحويلها، وهذا ما يفسّر

عبارة "استعمار البيانات"، على اعتبار أنّ وسائط التنقيب عن البيانات تعتمد على الانتزاع والاستحواذ،

وهذا يعني أنّ كلّ استعمار بياناتٍ يخلّف ضحايا، والضحية الأعلى قيمة هي الحياة نفسها. فالاستعمار "يؤدّي إلى تدهور الحياة، أوّلًا، من خلال تعريضها باستمرار لل بّع والتعقّب والمراقبة التي يتمّ من

خلالها انتزاع البيانات. وثانيًا، من خلال جعل حياة الإنسان مدخلًا مباشرًا للإنتاج الرأسمالي. وبعبارة

أخرى، فإنّ استعمار البيانات هو نظام ناشئ من أجل الاستيلاء على الموارد الاجتماعية وانتزاعها لتحقيق الربح من خلال البيانات عبر علاقات البيانات". إنّ تحوّل الحياة إلى بيانات يؤدّي إلى

الانكشاف المرئي لأهداف الآلة الرأسمالية؛ فكلّ شخص أو مجموعة أو كيان يمكنه أن يصبح في أي لحظة هدفًا للتربّح، وذلك ما تحيل إليه عبارة "بيع البيانات" المندرجة ضمن خطط تصميم الأدوات

الإلكترونية، باعتبارها وسيطًا لبيع البيانات أو الأنماط السلوكية لطرفٍ ثالث. في منظور بيئة البيانات هذه، داخل وسائط التواصل الاجتماعي، فإنّ البيانات يجمع بعضها بعضًا. فكلّ شيء في مراقبة البيانات أو استعمار البيانات يبدأ بالموافقة الطوعية على شروط استخدام

(42) Marwick, p. 3. (43) Manahan & Wood, p. 262. (44) Couldry & Mejas, p. 19.

المواقع والتطبيقات والمنصّات من دون أن تمّ قرا ةء نصّها. وحينئذ يكون المستخدم قد وافق على

مراقبته وتعقّب سلوكاته وانتماءاته وانتزاع بياناته وبيعها. وكلّما انتقل إلى موقعٍ آخر باستخدام حسابه الشخصي، فإنّه يكون قد قدّم المزيد من البيانات عن نفسه؛ لذلك "كانت فائدة البيانات التي تمّ إطلاقها

لمقدّمي خدمات وسائط التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك هي فائدة ضخمة، فمن خلال برنامج Open Graph، تمكّن فيسبوك من الوصول إلى ما يفعله المستخدمون، ليس على منصّة فيسبوك فقط بل على

كلّ منصّة يصل إليها المستخدمون عبر معرّف فيسبوك Facebook ID الخاصّ بهم، ومنصّة Sportify

مثال على ذلك". هكذا تتناسخ أعين المراقبة في كلّ مكان يصل إليه شخص في وسائط التواصل الاجتماعي عبر نواة تعريفه الشخصية. عبّر زيغموند باومان عن شمولية المراقبة في عالم اليوم بالقول إنّ "المراقبة تنزلق إلى حالةٍ سائلة".

فالمراقبة تكتسب قوّتها من ضعف العلاقات التقليدية وإمكانية تحوّلها وتبدّلها من دون ضوابط أو قواعد

أو معايير ثابتة؛ إذ إنّه من خلال هذه القواعد والمعايير (المعايير الاجتماعية والأخلاقية مثلًا) يمكن مقاومة المراقبة أو إضعاف سيطرتها على الأقلّ في الحدود التي ترسمها الضوابط الاجتماعية. لكنّ هشاشة تلك الضوابط في فضاء وسائط التواصل الاجتماعي تجعل استعمار البيانات بلا مقاومة. وهكذا "تعتمد وسائط التواصل الاجتماعي في وجودها على مراقبة المستخدمين وبيع البيانات للآخرين. إنّ إمكانات مقاومة وسائط التواصل الاجتماعي جذّابة ومثمرة في بعض النواحي، لكنّها

محدودة أيضًا، بسبب نقص الموارد اللازمة لإقامة علاقاتٍ ملزمة في عالمٍ سائل، وبسبب حقيقة أنّ قوّة

المراقبة داخل وسائط التواصل الاجتماعي متوطّنة ومترتّبة على ذلك". في هذا العالم السائل، يصبح

الشخص في معزلٍعن بياناته الشخصية؛ إذ تتحوّل هويته الرقمية إلى حٍّقٍ من حقوق ملكية وسائط

التواصل الاجتماعي تتصرّف فيها كيفما شاءت، وذاك هو استعباد البيانات عبر المراقبة الفائقة، بحيث

إنّ مصطلح المراقبة نفسه لم يعد له ذلك المعنى الهجومي والسلبي بسبب استراتيجيات السيطرة على الوعي التي يمارسها العقل البرمجي المعاصر.

رابعًا: بنية وسائط التواصل الاجتماعي وكوجيتو العصر "أنا مراقب، إذًا، أنا موجود"

قد تبدو الإجابة عن السؤال: ما وسائط التواصل الاجتماعي؟ إجابةً بديهية، بما أنّها تتضمّن بالضرورة

معطياتٍ تقنية واتصالية عن تلك الوسائط. وحينئذٍ يمكن اعتماد التعريف الذي أورده أنابل كوان هاس

(45) Ibid., p. 21. (46) Bauman & Lyon, p. 6.

(4(("دان المجتمع الأميركي، قبل بضعة عقود، أساليب تعديل السلوك الجماعي باعتبارها تهديداتٍ غير مقبولة للاستقلالية الفردية والنظام الديمقراطي. واليوم، لا تواجه تلك الممارسات نفسها سوى القليل من المقاومة أو حتى المناقشة، حيث يتمّ نشرها

بصفة روتينية على نطاق واسع في المسار نحو تحصيل عائدات المراقبة". ينظر:

Zuboff, The Age of Surveillance Capitalism, p. 25. (48) Ibid., p. 12.

ولوك سلون في دليلهما حول مناهج البحث في وسائط التواصل الاجتماعي، فقد جاء فيه أنّ "وسائط التواصل الاجتماعي هي خدمات قائمة على شبكة الإنترنت، تتيح للأفراد والمجتمعات والمنظّمات التعاون والاتصال والتفاعل وبناء المجموعة من خلال تمكينهم من إنشاء المحتوى الذي أنشأه المستخدمون، بحيث يمكن الوصول إليه بسهولة والمشاركة في إنشائه وتعديله ومشاركته والتفاعل معه". لكنّ هذا التعريف ليس كافيًا، إذا ما تمّ اعتماد فكرة أنّ وظيفة الوسيلة هي ما يحدّد ماهيتها.

فإذا ما نظرنا إلى وسائط التواصل الاجتماعي باعتبارها مراقبة، بحكم وظيفتها الجوهرية، مثلما يشير إليه عنوان مؤلّف دانييل تروتير Social Media as Surveillance، فإنّه "من الأفضل فهم وسائط التواصل الاجتماعي بكونها سلسلة من الممارسات المحيطة بتأليف المعلومات الشخصية وإنشاء

شبكاتٍ بين الأشخاص وتطوير الأنشطة المنسّقة؛ ذلك أن هذه الممارسات تعتمد إلى حدّ بعيد على

تبادل المعلومات والمرئية الدائمة Perpetual Visibility. ولكي يشتغل موقع التواصل الاجتماعي، فإنّه في حاجة إلى أن يرسل المستخدمون المعلومات بصفة روتينية. وتنتج من هذا المنظور أربع ظواهر متمايزة: الاستخدام الفردي، والمؤسّسات التي تحاول إدارة المعلومات الشخصية، والشرطة،

إضافة إلى المحقّقين الآخرين الذين يلجؤون إلى وسائط التواصل الاجتماعي". وبناء عليه، فإنّ وسائط التواصل الاجتماعي هي مجموعة الاستراتيجيات والتكتيكات التقنية التي تهدف إلى اقتحام البنى الاجتماعية العميقة وانتزاع البيانات وجمع القوالب السلوكية النمطية، ودمج كلّ ذلك في

معطياتٍ تدخل في صناعة القيم السياسية والاقتصادية التي يقوم عليها عالم اليوم. ويمكن "اعتبار مواقع التواصل الاجتماعي بمنزلة أجهزة مراقبة متطوّرة تعمل على دمج المستخدمين في العلاقات

الرأسمالية". فالمراقبة، وفق هذا الطرح، من أهمّ أدوات النظام الاقتصادي والسياسي العالمي. غير

أنّه تمّ محو الحدود والأطر التي تنشئها المراقبة من خلال جعل العلاقات الاجتماعية نفسها علاقات

رقمية، ومن ثمّ تحدث عملية امتصاص أغلب التفاعلات داخل الحدود التقنية لوسائط التواصل. ويبدو أنّ اعتماد شركات وسائط التواصل الاجتماعي على بيانات المستخدمين قد غيّر من أهدافها

وأعاد توجيه خططها على امتداد تاريخ تطورها التقني والاجتماعي؛ فلم يعد بيع البيانات هدفًا أساسيًا

لها، بل تلك التأثيرات الهائلة في الوجود الإنساني التي تكون قد أدّت إلى تشويه طبيعته وإعادة صياغة تاريخه. ففي اللحظة التي تصبح فيها المراقبة جزءًا من الكينونة البشرية، نكون أمام كوجيتو العصر:

"أنا مراقب، إذًا، أنا موجود". فلهذه الشركات "قوّة هائلة للتأثير في كيفية وصولنا إلى المعلومات،

والتواصل مع من حولنا، وتطوير وجهات نظرنا إلى العالم. فأيّ شخص نسيَ كلمة المرور أو 'أعجب'

عن طريق الخطأ بمنشورٍ لم يكن ينوي القيام به، فإنّ التعديلات الصغيرة على واجهة النظام الأساسي يمكن أن تكون لها، في مثل هذه الحالة أو تلك، تأثيرات كبيرة. والأهمّ من ذلك أنّ البنى التحتية

(49) Lori McCay–Peet & Anabel Quan–Haase, "What is Social Media and What Questions Can Social Media Research Help Us Answer?" in: Luke Sloan & Anabel Quan–Haase (eds.), The Sage Handbook of Social Media Research Methods (London: Sage Publications, 2017), p. 17. (50) Trottier, p. 7. (51) Christian Fuchs, "Web 2.0, Presumption, and Surveillance," in: Manahan & Wood (eds.), p. 276.

التي أنشأتها هذه الشركات، والسياسات التي تمّ تطويرها لإدارة سلوكنا، تطرح كلّها أسئلةً وجودية

عميقة عن المعلومات التي يمكننا الوصول إليها، وما يمكننا مشاركته فضلًا عمّن يمكن أن نشاركه

وللإجابات عن هذه الأسئلة تأثير كبير في حياتنا". إنّ تعزيز مرئية الحياة ومضاعفتها على هذه الوسائط يعني فقدان أهمّ القيم الإنسانية التي تزدهر بفضل خاصية عدم الانكشاف، وهي قيمة التراجع

عن الخطأ من دون التعرّض لمخاطر المراقبة. نحن جميعًا نخفي جزءًا من حياتنا عن أعين الناس؛ نخفيه لنعيشه لأنفسنا، وذاك الإخفاء يشكّل عمق

وعينا بهويتنا ووجودنا، أمّا الانكشاف المطلق فيعني تلاشي ذلك الوجود وانحلاله في العدمية. وفي

هذا المعنى، ندرك لماذا "صمّموا موقع فيسبوك عمدًا لتعزيز أنواع التقارب الاجتماعي والانكشاف

الذي يعزّز في المقابل الكثير من المراقبة". فقد أدرك مبرمجو فيسبوك وبقية وسائط التواصل

الاجتماعي، أنّ البيانات وطبيعتها، والسلوكات الإنسانية الأكثر عمقًا وحساسية، والآراء والمواقف والمقاصد الشخصية، كلّها تتجلّى بوضوح في التواصل الاجتماعي. ويُعَزَّز ذلك الوضوح والانكشاف،

عندما يتحوّل التواصل الاجتماعي إلى شبكة رقمية، بحيث يستطيع الشخص المستخدم التعبير عن

تلك الخصائص التي تكشف ملامح هويته وحقيقتها في الوضع غير المباشر خلف الشاشة أو باسمٍ مستعار أو باستخدام التفاعلات الرقمية عبر الرموز التعبيرية. ويعتقد الشخص بذلك أنّه في مأمن من

المراقبة، في حين أنّه في حالة انكشافٍ مرئي كامل وعميق. أسّست هذه الوسائط وضعيةً أنطولوجيةً متجذّرةً في عمق الحياة المعاصرة، فقد أصبح الحضور على

جدار فيسبوك أو تويتر، مثلًا، يعني مسألة حياةٍ تعاش بكامل تفاصيلها. ولهذا فإنّ الكشف المتواصل

عن البيانات الشخصية، أو التعبير عن مشاعر خاصّة في شبكةٍ تواصلية غير محدّدة وغير منضبطة،

يعمل على تعزيز تلك الحالة الوجودية في السعي لإثبات الذات والحصول على الحقّ في تكوين

شخصيةٍ لها رأي، مهما كانت طبيعة ذلك الرأي، ما دام أنّه قابل للنشر أو المشاركة والتفاعل. وهي حالة لا تكون متاحةً في الحياة الواقعية. ترتكز وسائط التواصل الاجتماعي إلى ثنائية إبستيمولوجية ونفسية هي ثنائية التعرّف Recognition

والاعتراف Confession، بحيث يكون مبدؤها هو: "نحن نتعرّف لنعترف"، وكلّما زاد التعرّف زاد

الاعتراف وزادت معه القدرة على انتزاع بياناتٍ (اعترافات) أكثر. ولذلك فإنّ الشعور بالمراقبة والتعقّب

لم يعد شعورًا مزعجًا تمامًا، بل إنه قد يتحوّل في بعض الحالات إلى شعورٍ إيجابي يساهم في

إشباع الرغبة في الاهتمام وتضخيم الأهمية الشخصية داخل المجتمع. ومن أجل ذلك "تحرص وسائط التواصل الاجتماعي على هدم الحدود بين التمّثلّات التي نحتفظ بها لأنفسنا والسياقات

المرئية للآخرين. إنّ لوسائط التواصل الاجتماعي تأثيرًا في جعل أجزاءٍ مختلفة من حياتنا مرئيةً

لجميع الأجزاء الأخرى. ومن المحتمل أن تتسرّب تفاصيل تلك الحياة من هذه المجالات المختلفة

(52) Sarah Myers West, "Social Media as Social Infrastructures," in: Devan Rosen (ed.), The Social Media Debate, Unpacking the Social: Psychological and Cultural Effects of Social Media (New York: Routledge, 2022), p. 6. (53) Trottier, p. 4.

إلى أماكن أخرى". هكذا تبدأ سيطرة هذه الوسائط على وعي الإنسان الذي يعتقد خطأ أنّه في

إمكانه إخفاء أجزاء من حياته الداخلية مع استمراره في الحضور بأي شكلٍكان في وسائط التواصل الاجتماعي والتفاعل مع المنشورات، أو مجرّد الاكتفاء بالتصفّح والمشاهدة. هل يمكن الإفلات من سيطرة عين مراقبة وسائط التواصل الاجتماعي؛ تلك العين المكوّنة من مجموعة

من الخوارزميات العالية السرعة والدقّة في الرصد والتحليل والربط؟ للإجابة عن هذا السؤال علينا أن ننطلق أساسًا من النصيحة المبدئية التي أسداها بول سينيوريلي: "إذا كان هناك شيء لا تريد أن

يراه الناس جميعًا حول العالم فلا تنشره"، فهذه الوسائط سجّل زماني ومكاني واجتماعي، يمكن

من خلاله مراقبة ماضي الشخص و تبّع حاضره والتنبّؤ بسلوكاته المستقبلية. وبهذا، يصبح المستخدم

ضمن السيطرة التامّة من دون منحه قدرةً على المقاومة؛ لأنّه لا يستطيع الخروج عن الحدود الرقمية

لهذ الوسائط. وعندئذٍ يصبح بديهيًا "التعامل مع وسائط التواصل الاجتماعي باعتبارها حاوية رقمية

Digital Enclosure؛ أي نموذجًا للاحتواء والسيطرة الاجتماعية والمرئية". إنّ الحضور داخل

حاوية البيانات تلك يطرح مشكلةً أنطولوجية حول طبيعة الوجود الإنساني والحقائق المرتبطة بهذا النوع من الوجود، الذي يتشكّل خصوصًا داخل هذه الوسائط في صورة الملفّ الشخصي Profile،

عندما يحاول المستخدمون امتلاك الخصائص البشرية المعزّزة (أسماء وصور ورموز تحيل إلى القوّة

والهيمنة والكمال). فإذا كان من الممكن تفكيك هذه المشكلة الأنطولوجية من خلال العودة إلى الواقع، بحيث ينحلّ الوجود الرقمي تدريجيًا في إكراهات الفضاء العمومي، فإنّ المشكلة الأخلاقية

تبدو أعمق ممّا يمكن تصوّره؛ لأنّ الآثار الأخلاقية لا يمكن محوها بسهولة؛ إذ تتسرّب إلى الحياة

الواقعية التي تعيد تشكيلها في المواقف والسلوكات والتمّثلّات الاجتماعية. تجمع وسائط التواصل الاجتماعي البيانات وتراقبها، مع مراعاة شروط الاستخدام ومعايير التواصل في منصّاتها. وهذا يؤدّي إلى القفز على الأسئلة الأخلاقية المترتّبة على التعامل مع البيانات بعيدًا

عن آراء المستخدمين، ف "تلك البيانات الضخمة تثير سلسلة كاملة من الأسئلة الأخلاقية، فيما يتعلّق باستخدامها في مراقبة البيانات (المراقبة من خلال سجّلا ت البيانات)، والفرز الاجتماعي (المعاملة

التفضيلية في الخدمات)، والحوكمة الاستباقية (تنميط الملفّات الشخصية بشكلٍتنُّبُئي)، وزحف

السيطرة وتناسلها (البيانات التي يتمّ إنشاؤها لشخصٍ ما تستخدم لشخصٍ آخر)، ثم إلى أي حد تجعل

أنظمة تلك البيانات المدينة هشّةً وقابلة للاختراق والسيطرة؟". تقدّم شركات التواصل الاجتماعي إجابات عن هذه الأسئلة، بحيث تنطلق من المقدّمة المنطقية الأساسية التي ترى أنّ المراقبة والسيطرة

هما ظاهرتان اجتماعيتان موجودتان على نحوٍ طبيعي وحتمي في تاريخ المجتمعات، وليستا موجودتين بفعل تطوّر التكنولوجيا التي لم يكن دورها إّلا الإبراز والتوسعة، ففكرة الأخ الأكبر الذي

(54) Ibid. (55) Paul Signorelli, Change the World Using Social Media (Lanhan, MD: Rowman & Littlefield, 2021), p. 26. (56) Trottier, p. 33. (57) Rob Kitchin, "Big Data–Hype or Revolution?" in: Sloan & Quan–Haase (eds.), p. 29.

يراقب ويسيطر، هي من بنى المجتمع الأساسية، وهي الفكرة نفسها التي تمتدّ داخل تقنيات المراقبة الرقمية. في هذا المنظور، تعتقد بعض دراسات المراقبة "قدرة وظائف المراقبة ذاتها، في بنى وسائط التواصل

الاجتماعي، على تحفيز تجارب لدى المستخدمين تمكّنهم من امتلاك سلطةٍ ما، وخاصّةً لدى المستخدمين المراهقين؛ ذلك أنّ وظائف المراقبة الذاتية والجماعية لمنصّات وسائط التواصل الاجتماعي قد تشجّع على خوض تجربة المراقبة في انعكاسها على الذات، إضافة إلى تنمية رأس المال الاجتماعي والمخيال السياسي، وكلّها ضرورية لتطوير الهوية". إنّ قانون المراقبة في هذه الوسائط هو مجموعة المعايير الرقمية المتغيرة، بحسب تطوّر الأحداث والوقائع، التي تؤدّي إلى

التوافق بين توجّهات المستخدمين والسياسة العامّة لشركات التواصل الاجتماعي. وعندئذٍ يمكن القول إنه لا توجد قيم معيارية لاستخدام هذه الوسائط، بحيث تحافظ على المسافة ذاتها بين المستخدم والمسؤول عن مراقبته، وإنّما توجد تمّثلّات رمزية يتمّ تثبيتها في المخيال الاجتماعي حول ثقافة المراقبة. وتؤدّي تلك التمّثلّات إلى تحقيق السيطرة في أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. لا تؤدّي مراقبة البيانات في وسائط التواصل الاجتماعي إلى إعادة رسم الحدود الأخلاقية والاجتماعية بين المستخدمين ومجتمعاتهم فقط، باعتبار أنّ "الأحكام الأخلاقية الشاملة حول المراقبة لم تعد تبدو مقبولةً نظرًا إلى تعدّد اتجاهات المراقبة"، بل تؤدّي إلى إزالة الطابع الفردي من شخصية

المستخدم، وتشويه رؤيته للحياة أيضًا. فتحويل المجتمعات إلى بيانات، ودمج المراقبة في بنية البيانات ذاتها، يعني الانكشاف المرئي الكامل للبنى العميقة والمحتجبة، التي تدخل في صميم صناعة الحياة الاجتماعية الطبيعية. أضف إلى ذلك أنّ انتزاع البيانات من خلال هذه الوسائط يؤدّي إلى اختراق الحدود التي تفصل بين الشخص ومخاطر اجتماعية؛ لم تكن لتحدث لولا انكشاف بياناته الشخصية عن عمد أو عن غير عمد فيما يسمّى الخصوصية. وهكذا تعيد هذه الوسائط تشكيل حدودنا الاجتماعية، بما يؤثّر بالضرورة في البنية الأخلاقية والسياسية والاجتماعية لمواقفنا وآرائنا وتوجّهاتنا وسلوكاتنا، بصفتها نتيجة منطقية للفضاء المرسوم لها داخل منصّات التواصل الاجتماعي المحروس بأدوات السيطرة التقنية. يبدو "أنّ فيسبوك، مثلًا، ليس وسيلة مضمونة للوصول إلى كلّ من نريد التفاعل معه؛ إذ تحدّد الخوارزميات، التي ينشئها فيسبوك ويستخدمها، المنشورات التي يمكن أن يراها بعض من مجتمع 'الأصدقاء' في حساب الفيسبوك الخاصّ بك". والهدف من ذلك تقييد

(58) Manahan & Wood, p. 308.

((5("من أجل فهم كيفية ارتباط الناس بثقافة المراقبة والتفاوض بشأنها، يقسّم ديفيد ليون في مؤلّفه 'ثقافة المراقبة' (2018) الثقافة

إلى مفاهيم ذات صلة بمخيال المراقبة (ما يفكّر فيه الناس ويتأثّرون به) وممارسات المراقبة (ما يفعله الناس فيما يتعلّق بمخيالاتهم

المتعلّقة بالمراقبة). تُصاغ مخيالاتنا من خلال النقاش العامّ والعلم والقانون والثقافة الشعبية وما إلى ذلك، وهي تشكّل إطارًا وخطابًا

نستجيب له بطرائق مختلفة". ينظر: Samuelsson et al., p. 15.

(60) Ibid., p. 19. (61) Signorelli, p. 26.

الإطار الذي يتحرّك داخله المستخدم، من أجل تسهيل عمل المراقبة والسيطرة، أو دفعه إلى تقديم

المزيد من البيانات مقابل فتح الحدود التقنية أمامه.

خامسًا: مقاومة المراقبة في وسائط التواصل الاجتماعي

يؤدّي التفاعل المكثّف مع محتويات وسائط التواصل الاجتماعي إلى الخضوع شبه المطلق لسيطرة الخوارزميات الموجّهة إلى تبنّي أفكار أو قرارات (الشراء، والانتخاب، والتأييد، والرفض... إلخ)، أو

تغيير قناعات واهتمامات أو استبدالها بأخرى أو التخلّي عنها. لكنّ هذه السيطرة تمرّ عبر مستوى آخر

من المراقبة، هو الرقابة Censorship، من خلال استخدام بيانات المراقبة في تحديد ما يجب أن يُقال

وما يجب ألا يُقال على شبكات وسائط التواصل الاجتماعي، التي تعتمد معايير متغيرة وغير واضحة

للنشر، تُبرمج في شكل "آليات لتنظيم التعبيرات المشروعة الممارسة بوساطة الخوارزميات؛ ما يشير بقوّة إلى الجانب الأدائي لأنظمة الاتصال الآلي، بينما يبقى هذا الجانب مبهمًا بالنسبة إلى اهتمامات

الأشخاص". لذلك فالرقابة هي الثمرة الأولى للمراقبة وممارسة السيطرة على مستخدمي هذه الوسائط. وتختلف ردود أفعال الجمهور المستخدم تجاه الرقابة؛ فمن المستخدمين من يقاوم ويبحث عن طرائق الإفلات من أدوات الرقابة، ومنهم من يستسلم لها فينخرط في تبنّي وجهة نظر ممارسي الرقابة. ومنهم

من يبقى على الحياد حتّى يتمكّن من استخدام الحدّ الأدنى من التواصل من أجل أهدافٍ شخصية

محدودة. ولذلك "يختلف ما يعنيه أولئك الذين يشجبون الرقابة على وسائط التواصل الاجتماعي، عندما يستخدمون هذا المصطلح. يستخدم بعض النقّاد هذا المصطلح لاتّهام شركات وسائط

التواصل الاجتماعي بتطبيق القواعد التي تحكم التعبير على منصّاتها على نحوٍ غير متّسق، على

حساب وجهات نظر معيّنة أو متحدّثين معيّنين. ويستخدم آخرون هذا المصطلح لاتّهام هذه الشركات

بتطبيق قواعد التعبير التي لها تأثير متباين في قدرة مجموعاتٍ معيّنة على التواصل. ويستخدمه فريق

ثالث للإشارة بعامة إلى السلطة التي تمتلكها الشركات الخاصّة لتحديد ما يُعتبر خطابًا مقبولًا أو غير

مقبول على وسائط التواصل الاجتماعي". لكنّ جميع هذه الاستخدامات تلتقي في نتيجة واحدة هي ممارسة سلطة تقنية في إعادة توجيه الآراء الاجتماعية وضبطها، من أجل أن تتوافق مع سياسات معيّنة. إنّ الهدف من ممارسة المراقبة والرقابة من خلال هذه الوسائط ليس السيطرة المؤقّتة على مواقف سياسية متمرّدة (مثل أحداث ثورات الربيع العربي)، أو اجتماعية (مثل ظواهر الجريمة المنظّمة أو

حالات خطاب الكراهية والعنصرية)، أو دينية (أفكار التطرّف الديني) فقط، بل إن الهدف الأعمق هو

(62) Oliver Leistert, "The Revolution Will not Be Liked: On the Systemic Constraints of Corporate Social Media Platforms for Protests," in: Lina Dencik & Olivier Leistert (eds.), Critical Perspectives on Social Media and Protest: Between Control and Emancipation (London/ New York: Rowman & Littlefield, 2015), p. 36. (63) Lee C. Bollinger & Geoffrey R. Stone, Social Media, Freedom of Speech and the Future of Our Democracy (New York: Oxford University Press, 2022), p. 179.

القضاء على كلّ أشكال المقاومة أو التمرّد على فكرة النظام نفسها (الواقعية أو الافتراضية)، من خلال

إعادة إنتاج تمثّل طبيعة المجتمع نفسها. وهذا بفضل استغلال التحوّل العميق والجوهري من مفهوم

الفرد Individual إلى مفهوم المستخدم User، وهذا يعني التحوّل من أشخاصٍ منتجين اجتماعيًا،

وفق القيم الاجتماعية التي يتمّ إفرازها طبيعيًا من خلال تفاعل أدوات التجمّع البشري (النقاش،

والتداول، والاستشارة... إلخ)، إلى أشخاص تمّت إعادة إنتاجهم رقميًا وفق معايير آليات التشفير

(كلمات المرور، وأرقام وشيفرات، وحسابات... إلخ)، أو من خلال إعدادات خوارزمية معقّدة، أو ما يسمّيه أوليفر ليسترت "الجماهير المنتجة خوارزميا" Algorithmically Produced Publics.

إنّ هذه الجماهير هي مزيج من أشخاصٍ طبيعيين وشحنات رقمية مشبعة بتعابير موجّهة، وهذا يعني

إنتاج خطاب غير حقيقي، لا يطابق التوجّهات الأصلية لمستخدمي وسائط التواصل الاجتماعي.

لكنّهم لن يستطيعوا الانتباه إلى ذلك، لمحدودية قدراتهم على الإفلات من سلطة الرقابة من جهة، ولتأثير البيئة الرقمية في تشكيل الرأي العامّ، على المديَين المتوسّط والبعيد من جهة أخرى. ولذلك

فإنّه من البديهي فهم استخدام شركات وسائط التواصل الاجتماعي سلطتها الرقابية وقدرتها على المراقبة في السيطرة على جمهور المستخدمين، ومن ثمّ "استخدام تلك السيطرة من أجل تشويه

النقاش العامّ وحرمان المستخدمين من الوصول المتساوي والعادل إلى المنافع الاجتماعية والسياسية

والاقتصادية التي توفّرها منصّات وسائط التواصل الاجتماعي". ومع ذلك، فإنّ اقتران المراقبة

بالرقابة، وتوسّع دائرة استعمار البيانات في وسائط التواصل الاجتماعي، يدفعان إلى توليد مقاومةٍ

رقمية من خلال الثغرات التقنية أو من خلال استخدام كثافة المراقبة ذاتها. نشأت مقاومة المراقبة والتمرّد على سيطرة وسائط التواصل الاجتماعي في منظور تقييد حرية التعبير

التي تتضمّن حرية الوصول إلى المعلومات التي من شأنها مقاربة الحقائق السياسية والاجتماعية

على وجه الدقّة والحيادية. وعمومًا "يمكن أن تكون حرية التعبير والوصول إلى المعلومات ذات قيمة

بعدّة طرائق: باعتبارها وسيلة لاكتشاف الحقائق ومناقشة السياسات الاجتماعية وإصلاحها، واتّخاذ قرارات مستنيرة والتعبير عن الذات". لكنّ حرية التعبير هذه تجد نفسها في مواجهة خوارزميات وسائط التواصل الاجتماعي؛ أي في مواجهة التحديدات التقنية لما يجب أن يُنشر، ولمن يجب أن

يصل المنشور إليه من دون علم صاحب المنشور بذلك. وحتّى في الحالات التي يعتقد فيها المعلّق

على المنشور، أو المتفاعل معه بالمشاركة أو بالرموز التعبيرية، أنّه قد سُمح له بالتعبير بحرية عن رأيه،

فإنّه يكون قد دُفع إلى ذلك عمدًا من خلال تحضيره خوارزميًا لهذا الأمر. لاحظ بريان بوكسر ما يلي:

"عندما  تمّ مشاركة منشورٍ ما، فقد يعلّق أحد المتابعين بشيء على غرار 'أوافق'، فإنّه بذلك يثبت

كلّ ما كان يقوله صاحب المنشور طوال الوقت. ذلك أنّهم يعتقدون أنّ ما يرونه هو المعيار العادي، لكنّهم لا يدركون أنّ المحتوى هو محتوى أحادي الجانب وموجّه إليهم. إنّهم لا يفهمون أنّه تمّت

(64) Leistert, "The Revolution," p. 45. (65) Bollinger & Stone, p. 179. (66) Mark Tunick, Balancing Privacy and Free Speech: Unwanted Attention in the Age of Social Media (London/ New York: Routledge, 2015), p. 94.

تغذيتهم بهذا المحتوى؛ لأنّ الخوارزمية حدّدت مسبقًا أنّهم سيوافقون عليه. وبذلك فنحن جميعًا في

غرفة الصدى Echo Chamber ولكنّ بعضنا فقط على علمٍ بذلك". وبناء عليه، فإنّ الخوارزميات تراقب وتتعقّب ما تريده أن ينشر أو يتمّ التفاعل معه بطريقة محدّدة مسبقًا. ومن ثمّ تكون ممارسة

الرقابة بالطريقة الأكثر نعومة، بحيث لا يشعر المستخدم بالسيطرة؛ ما يدفعه إلى الاستمرار في تقديم البيانات، والمشاركة في تعزيز استراتيجية شركات وسائط التواصل الاجتماعي وسياساتها. تعتمد خوارزميات المراقبة وأدواتها الرقابية في وسائط التواصل الاجتماعي على بنية اللغة التي يكتب بها محتوى المنشور، وبناءً على ذلك تمّ عمليات التعقّب وال بّع والحظر والحذف. وفي مقابل

ذلك تستمرّ مقاومة المراقبة من خلال بنية اللغة ذاتها، في قدرتها على إعطاء المعنى نفسه في أشكال

حرفية وصوتية مختلفة، من أجل الإفلات من خوارزميات منصّات التواصل الاجتماعي. وتسمّى

هذه اللغة المعاد تشكيلها الألغوسبيك (Algospeak: من Algorithm: خوارزمية، و Speak: الكلام) بوصفها لغة مشفّرة يوظّفها مستخدمو الإنترنت ووسائط التواصل الاجتماعي للتملّص من تعقّب

الخوارزميات التي تتحكّم في محتويات معيّنة. تعتمد هذه اللغة على تغييرٍ جزئي في تهجئة الكلمات

أو قطع تسلسل حروفها بالرموز والأشكال المختلفة. ظهر هذا جليًا في تعامل شركات وسائط

التواصل الاجتماعي مع المحتويات التي تناولت قضية حرب الاحتلال الإسرائيلي على غزّة منذ

تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وقد نشرت صحيفة ذي واشنطن بوستمق لًا مهًّمًا حول هذه الظاهرة في

20 تشرين الأول/ أكتوبر عنوانه "المبتكرون المؤيدون للفلسطينيين يستخدمون تهجئةً سرية وكلماتٍ رمزية للتهرّب من خوارزميات وسائط التواصل الاجتماعي". وقد لاحظ فيه كاتبه نعومي نيكس أنّه

"منذ أن تصاعد الصراع الدموي بين إسرائيل وحماس إلى حرب هذا الشهر [تشرين الأوّل/ أكتوبر]،

استخدم المبتكرون الذين يركّزون على الفلسطينيين، على نحوٍ متزايد لغة الألغوسبيك، مجموعة من العبارات والتهجئة الخاصّة والكلمات الرمزية لمنع شركات وسائط التواصل الاجتماعي من إزالة

منشوراتهم أو قمعها. يطلق بعض المستخدمين أصواتًا أو يضيفون أصواتٍ لإخفاء تعليقاتهم الصوتية، بينما يقوم آخرون بتغيير تهجئة الكلمات الإنكليزية والعربية الشائعة مثل 'فلسطين' أو 'الفلسطينيين' بعبارة P*les+in1ans' ' و'الإبادة الجماعية' و vحماسv لتجنّب اكتشافهم". جاء ذلك الاستخدام

في مواجهة تقييد شركات التواصل الاجتماعي الوصول إلى المحتوى المتعلّق بالقضية الفلسطينية، ومراقبة المنشورات الداعمة لها، أو تلك التي تحاول اكتشاف الحقائق المتعلّقة بها. وفي أثناء هذه الحرب الإسرائيلية على غزّة، ساد الاستقطاب الأعظم في العالم بين المؤيدين من

الطرفين. لكنّ شركات التواصل الاجتماعي الكبرى مثل فيسبوك وإكس (تويتر سابقًا) وإنستغرام وغيرها لم تقف على الحياد. ولذلك قدّمت تبريرات غير متناسبة لأشكال الرقابة والحظر أو تقييد

(67) Brian Boxer Wachler, Influenced, the Impact of Social Media on Our Perception (Lanhan, MD: Rowman & Littlefield, 2022), p. 161. (68) Naomi Nix, "Pro–Palestinian Creators Use Secret Spellings, Code Words to Evade Social Media Algorithms," The Washington Post , 20/10/2023, accessed on 20/10/2023, at: https://bit.ly/45KMsj0 (69) Ibid.

الاستخدام والمشاركة للمحتويات المتعلّقة بالحرب الدائرة في قلب الشرق الأوسط. وعلى سبيل المثال، قدّمت شركة ميتا تأويلًا لاستخدام كلمة "صهيوني" في المنشورات على منصّتها، بما يفهم

أنّ هذه الكلمة تشير إلى خطاب الكراهية في سياق الاستقطاب الأيديولوجي والسياسي المنتشر على وسائط التواصل الاجتماعي. ففي مقال كتبه نعومي نيكس وإليزابيت دوسكين عنوانه "جدل ونقاش، داخل شركة ميتا، حول كلمة 'صهيوني' ومتى تكون دالّةً على خطاب الكراهية". وقد نقل

المقال عن المتحدّثة باسم شركة ميتا إيرين ماكبايك Erin McPike في بيانٍقولها: "إنّ الشركة لا تسمح للمستخدمين بمهاجمة الأشخاص على أساس الدين أو الجنسية، لكنّ الشركة في حاجة إلى فهم كيف يستخدم الأشخاص اللغة للإشارة إلى تلك الخصائص". وأضافت: "بينما يشير مصطلح 'صهيوني' في الكثير من الأحيان إلى أيديولوجية الشخص، وهي ليست سمة محمية، فإنّه يمكن استخدامه أيضًا للإشارة إلى الشعب اليهودي أو الإسرائيلي نفسه. نظرًا إلى زيادة الاستقطاب

في الخطاب العامّ بسبب الأحداث في الشرق الأوسط، نعتقد أنّه من المهمّ تقييم إرشاداتنا لمراجعة

المنشورات التي تستخدم مصطلح 'صهيوني"'. وبهذا تدخل شركات وسائط التواصل الاجتماعي في مرحلة المراقبة من الدرجة الثانية؛ أي مراقبة تأويل اللغة المستخدمة في محتوى المنشورات على منصّاتها. وهذا يعني أنّها لم ترتكز على معالجة آلية للنقاش السياسي والأيديولوجي حول

حرب الإبادة الجماعية في غزّة فقط (كلمة Genocide نفسها تعرّضت للحظر)، بل شاركت أيضًا

في ذلك النقاش وقدّمت رؤيتها للأحداث؛ ما نتج منه الموقف المبرّر للرقابة وحظر المنشورات

المؤيدة للقضية الفلسطينية. تبرز قوّة وسائط التواصل الاجتماعي وتأثيرها الرقابي وسيطرتها على الفضاء العمومي، من خلال تحكّمها

في حدود النقاشات الاجتماعية، بحيث يصعب إحداث تأثير أيديولوجي أو سياسي أو اجتماعي خارج الحدود اللغوية والرمزية التي ترسمها شركات وسائط التواصل الاجتماعي. وبناءً عليه، فإنّ "وسائط

التواصل الاجتماعي تمثّل تهديدًا للنظام الاجتماعي المنخرط في النقاش الديمقراطي؛ لأنّ الأساس الاجتماعي للثقة بالشبكات يستخدمه أصحاب الدعاية التشاركيين Participatory Propagandists،

لإخفاء الأساس الزائف للادّعاءات؛ ما يؤدّي إلى تشويه التواصل العمومي على نحوٍ مدروس". يمكن أن نلاحظ ذلك في حالة الاستقطاب السياسي والأيديولوجي في فترة الربيع العربي؛ حيث تدخّلت أدوات المراقبة، لوسائط التواصل الاجتماعي وآليات السيطرة فيها، في توجيه الرأي العامّ، من خلال

نشر قاموسٍ من المفردات المناوئة لثورات الربيع العربي، أو ما سمّي حينها الثورات المضادّة. تضمّن

ذلك القاموس سلسلة من دلالات الإحباط والإخفاق والتثبيط بما يوحي بتحوّل تلك الثورات من

حلم مشروع إلى كابوس حقيقي. وتجلّى ذلك في التعليقات والمنشورات التي تنذر بقدوم صدمات اجتماعية واقتصادية بسبب الالتفاف حول تلك الثورات، وقد عُرفت تلك الآلية بالذباب الإلكتروني،

(70) Naomi Nix & Elizabeth Dwoskin, "Inside Meta, a Debate over the Word Zionist is Hate Speech," The Washington Post , 9/2/2024, accessed on 9/2/2024, at: https://bit.ly/45KMsj0 (71) Herbert & Fisher–Høyrem, "How Do Social Media Change Social Order?" in: Herbert & Fisher–Høyrem (eds.), pp. 7–8.

وفي المقابل تمّ حظر حسابات المعارضين أو تقييد الوصول إلى منشوراتهم وحذف تعليقاتهم وبذلك

تمّ "فضّ اعتصامهم الرقمي" وتحييدهم من ساحة التواصل الاجتماعي تدريجيًا. وهكذا وقعت تلك

الوسائط في مفارقة حرية التعبير والمراقبة. ف "في حين تمّ الترحيب بوسائط التواصل الاجتماعي في

الربيع العربي، باعتبارها وسائط خارجة عن سيطرة الدولة. ومن ثمّ مكّنت من التواصل في ظروف القمع

الشديد من الدولة، وقد أشار بعض المؤلّفين إلى أنّ التواصل الإلكتروني يأتي مع مغالطاته الخاصّة.

فقد لوحظت مشكلتان، إحداهما تتعلّق بالتناقضات بين الأهداف التجارية للشركات التي تدير خدمات وسائط التواصل الاجتماعي، والناشطين الذين يستخدمونها لأغراض الاحتجاج، وأخرى تتعلّق بقدرات المراقبة المعزّزة للدول". ولذلك أمكننا التساؤل: ما حدود حرية التعبير في استخدام هذه الوسائط؟

إنّ الفضاء التواصلي لتلك الوسائط كان حاسمًا في توجيه الرأي العامّ خلال أحداث الربيع العربي. لكنّ

استخدام لغة الألغوسبيك في شعارات ثورات الربيع العربي لأسماء الزعماء، مثلًا، كان يعني أنّ عمل

المراقبة والسيطرة الرقمية كان فاعلًا في إخماد شعلة تلك الثورات نفسها أو تحويل وجهتها إلى هدفٍ آخر، فيما عُرف بالثورات المضادّة. أدّت مراقبة منشورات وسائط التواصل الاجتماعي دور خراطيم المياه في قمع الاحتجاجات المناهضة للسلطة في دول الربيع العربي، من خلال ما يسمّى الذباب الإلكتروني أو من خلال الخطابات

المباشرة التي يتمّ تعميمها داخل التعليقات على منشورات المعارضة. وبذلك تشكّل ما يمكن

تسميته "العصيان المدني الرقمي Digitaler Ziviler Ungehorasam الذي يمكنه دعم السيطرة على السلطة السياسية، وهي إحدى المهمات الأساسية للفضاء السياسي العاّم"ّ. فتكسير اللغة الطبيعية

بالرموز والأرقام والحروف المختلفة، هو نوع من هذا التمرّد الرقمي الذي يهدف إلى تشتيت المراقبة،

والوصول إلى الجمهور العامّ وإيصال الرسالة السياسية إليه، وذلك يعني أنّ الإفلات من الخوارزميات

التي تمارس الرقابة بالحظر والمنع من خلال تعقّب الكلمات المستهدفة، هو تعزيز للقدرة على إنشاء سلطة موازية تستطيع الوصول إلى الفضاء العامّ وممارسة الضغط السياسي فيه. وبناءً عليه،

فإنّ العصيان الرقمي هو القدرة على عدم الالتزام بالنظام التواصلي الذي تنشئه السلطة عبر وسائط التواصل الاجتماعي، واختراق هيمنة الآراء السائدة فيه، قد يؤدّي، في حالات خاصّة، إلى "شلل

رقمي سياسي" لدى السلطة وقد يؤدّي أيضًا إلى انهيارها.

خاتمة: المراقبة السائلة وفقاعة العالم: تكتيكات من أجل المقاومة

بلغ التواصل الاجتماعي الرقمي درجة الإشباع؛ أي درجة الهيمنة على أغلب أشكال التواصل

التقليدية؛ بحيث إنّه لن يخرج عن الوجود ضمن إطار منصّات التواصل الاجتماعي حتى زمنٍليس

(72) Sebastian Haunss, "Promise and Practice in Studies of Social Media and Movements," in: Dencik & Leistert (eds.), p. 27. (73) Wulf Loh, "Digitaler ziviler Ungehorsam und transnationale Öffentlichkeiten," in: Kaelin, Telser & Hope (eds.), p. 240.

بالقصير. وهذا يعني الاستمرار في تطوير أدوات المراقبة الاجتماعية والشخصية، من خلال تدفّق البيانات وتسييرها خوارزميًا. إذا وافقنا على رأي باومان، فإنّ "وسائط التواصل الاجتماعي هي نتاج

التفتّت الاجتماعي وليس العكس". وفي المقابل، تصبح وظيفة المراقبة وظيفة المجتمع نفسه، في محاولته استرجاع حالة الانضباط والنظام. يتجلّى عمق تلك الوظيفة في الاندماج والتداخل المفهومي بين "المجتمع" بوصفه إطارًا للاجتماع الطبيعي في اختلافه وتنوّعه و"الجمهور" بوصفه متشكّلًا من

الاجتماع الاصطناعي بوساطة صناعة الرأي العامّ من مواد التفاعل مع الرسائل الإعلامية والسياسية والاجتماعية في منصّات التواصل الاجتماعي. في المنظور الذي يتيح لنا القول إنّ المجتمع بأكمله تحوّل إلى عيش الحياة بوساطة وسائط التواصل الاجتماعي، ولا يكاد يفعل ذلك من دونها، "فالناس

يعيشون حياتهم على نحوٍ متزايد على وسائط التواصل الاجتماعي؛ ما يوحي أنّ هذه الخدمات هي نوع من المسكن والمأوى Dwelling، فنحن نعيش من خلال هذه الوسائط ونعيش عليها". في هذا المنظور، أدخل فيسبوك خاصية الاحتجاب الاجتماعي في شكل تفعيل ميزة قفل الملف الشخصي Locking Facebook Profile لمنع المراقبة الفضولية وتعزيز المزيد من الخصوصية. ومع ذلك، فإنّ تدفّق التفاعل الرقمي فيما سمّاه بومان "المراقبة السائلة" يؤدّي إلى تحويل المجتمع إلى جمهور

دائم، حيث تزدهر "وظيفة الجمهور المركزية التي هي تمكين المجتمع من مراقبة نفسه كليًا وجعل

المراقبة الذاتية Selbstbeobachtung ممكنة". ولهذا نعتبر أنّ وظيفة وسائط التواصل الاجتماعي هي إعادة تشكيل المجتمع باعتباره جمهورًا، والجمهور باعتباره تجليًا لظاهرة القابلية الاجتماعية

للمراقبة، باعتبار هذه القابلية واحدةً من أهمّ أدوات السيطرة السياسية وضبط النظام الاجتماعي. إنّ الإيحاء النفسي والاجتماعي لدى المستخدم، بعدم القدرة على التخلّي عن وسائط التواصل الاجتماعي، يكبح تسارع المساءلة النقدية لمشكلة تبرير السيطرة على حدود حرية التعبير ومعايير الخصوصية. فإذا كان مبدأ حلّ هذه المشكلة قائمًا في "إنشاء إطارٍ لمعالجة الصراعات بين الخصوصية

وحرية التعبير"، فإنّ هذا المبدأ لا يبدو قريبًا من قيمٍ اجتماعية خالصة أو من مقولةٍ عقلية كلّية؛ لأنّ

خوارزميات المراقبة في وسائط التواصل الاجتماعي لا تقدّم تفسيرًا أخلاقيًا أو قانونيًا للأهداف التي

صمّمت من أجلها؛ أي إنّه يتمّ في كلّ مرّةٍ سحب السؤال النقدي حول أساس السيطرة إلى دائرة مفهومٍ

مركزي في نظام المراقبة الرقمية هو مفهوم "التوافق أو المطابقة" Compatibility، وهو المفهوم الذي يجعل مسألة حرية التعبير مسألةً خاليةً من كلّ قيمة ذاتية ضرورية لبناء مجتمعٍ ديمقراطي بالمعنى

الحقيقي للكلمة. ولذلك نحن في حاجةٍ دائمًا إلى فهم الهدف الذي من أجله "تحوّل منصّات

التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك النقاش حول السيطرة من مسألة الشرعية إلى مسألة الخيرية؛ أي هذا الانتقال من حقوق التعبير عن الآراء إلى ضرورة التوافق مع نظام قواعد السلوك وشروط الخدمات

(74) Bauman & Lyon, p. 12. (75) Trottier, pp. 1–2. (76) Kaelin, Telser & Hope (eds.), p. 46. (77) Tunick, p. 9.

والملكية المتغيرة وغير الشفّافة في كثيرٍ من الأحيان ". فالتوافق مع نظام قواعد معيّن هو عبارة

مخفّفة لمعنى الموافقة على الخضوع لسيطرة ترتيبات رقابية تؤدّي إلى جعل جميع مستخدمي وسائط التواصل الاجتماعي يتشاركون الأنماط السلوكية نفسها؛ ومن ثمّ القدرة على التحكّم في تدبير القضايا

السياسية باعتبارها القضايا الأكثر أهمية بالنسبة إلى مراقبة البيانات على مستوى الدول والحكومات، فيما يتعلّق خصوصًا بإدارة الاحتجاجات أو خطابات العنف والكراهية. وبناء عليه، "يمكن النظر إلى

المراقبة الرقمية الشاملة على أنّها تقنية تستخدمها الحكومات (والشركات على حٍّدٍ سواء) لفهم شدّة الاحتجاجات وديناميتها ومساراتها والنشاط السياسي بعامّة. ويعدّ التقاط البيانات واستخراجها، ومن

ثمّ إنتاج علاقاتٍ جديدة بين مجموعات البيانات، أحد الأساليب المعاصرة في الحكم. ويوفّر استخدام

بيانات الاحتجاج التي تمّ جمعها من فيسبوك وتويتر طرائق رخيصة جًّدًا لإدارة الاحتجاجات"؛

وذلك لأنّ مراقبة بياناتها على منصّات التواصل الاجتماعي تختصر الطريق إلى السيطرة عليها في

الواقع، وهذا يعني أنّ حرية التعبير نفسها قد تحوّلت في جوهرها إلى حالةٍ انفصامية لحرية التعبير في

الفضاء العمومي الواقعي؛ فما يتمّ السماح به، بوصفه تعبيرًا حًّرًا على منصّات التواصل الاجتماعي،

يعكس توجّهات الشركات والحكومات أو سياسات النظام الدولي بعامّة. إنّ العالم يعيش داخل فقاعة، حيث يعتقد الناس أنّهم أحرار في التعبير والنشر، ولكنّهم في الحقيقة

يفعلون ذلك داخل حدودٍ غير مرئية ترسمها أدوات المراقبة الرقمية وأجهزة السيطرة على أنماط

التواصل الاجتماعي. فمن حيث المبدأ، تكون "النتيجة الطبيعية لثيمة إنشاء شخصيةٍ عبر الإنترنت هي ثيمة السيطرة على من يرى منشورات تلك الشخصية". فالمراقبة، إذًا، هي تعميق التناسب الطردي في المرئية؛ أي زيادة مرئية الأشخاص والمنظّمات والمجتمع بحيث يتمّ تحويل تلك المرئية

إلى بيانات قابلة للحوسبة الخوارزمية من جهة، وزيادة لامرئية أدوات المراقبة والرقابة والأجهزة التي

تتحكّم فيها من جهةٍ أخرى. توفّر وسائط التواصل الاجتماعي لتلك المرئية إمكانية الاختراق الزماني

والمكاني والنفسي والاجتماعي؛ ما يعزّز شمولية المراقبة. وبصفةٍ عامّة، فإنّ "وسائط الإعلام المتنقّلة

تعمل على عولمة عمليات المراقبة". وعندئذٍ، نكون أمام حالةٍ أسطورية للعين التي ترى الجميع، ولا يفلت من مجال نظرها شيء. قد يكون هذا التشبيه مجازيًا ولكنّ التكنولوجيا جعلت منه أكثر من

مجرّد واقع، إنّه ما وراء الواقع أو الميتاواقع. من بين أهمّ إنجازات آليات المراقبة في وسائط التواصل الاجتماعي أنّها جعلت المجتمعات غير

قادرة على الشعور بالتغيير، أو الإحساس بالتحّولّات التي غيرت طبيعة الوجود الإنساني فيها؛ بحيث

تمّ النظر تدريجيًا إلى المراقبة على أنّها جزء من تكوين الحياة اليومية، وبوصفها إحدى ضمانات

النظام الاجتماعي الذي تمّت فيه مقايضة حرية التعبير بالأمن. و"من المفترض أن تكون ممارسات

(78) Florian Höhne, "Welche Öffentlichkeit? Wessen Forum? Theologische, sozialphilosophische und medientheoretische Reflexionen zur Öffentlichkeit Öffentlicher Theologie," in: Dencik & Leistert (eds.), p. 36. (79) Ibid., p. 36. (80) Signorelli, p. 45. (81) Leistert, From Protest to Surveillance , p. 121.

المراقبة فرعًا من فروع الرقابة الاجتماعية، ولكن يتمّ تنفيذ العديد من تلك الممارسات من أجل ضمان

بيئةٍ آمنة. وهذا تذكير بأنّ المراقبة ليست كلّها سلبية". يعتمد تصوّر المراقبة باعتبارها إفرازًا اجتماعيًا طبيعيًا على تبرير الترابط بين تأويل ظاهرة الحياة

في التمّثلّات الاجتماعية وتأويل السلطة الضامنة للنظام الاجتماعي والمتوافقة مع سيطرة المراقبة بإكسابها الشرعية اللازمة. فمن حيث تأويل الحياة الاجتماعية، قدّم فوكو تصوّرًا عن تطوّر المراقبة

وارتباطها بالمعاقبة، معتبرًا "أنّ إزاحة الممارسات غير القانونية مرتبطة بتوسيع الممارسات العقابية

وتحسينها". ويسند فوكو هذا الارتباط إلى فهم طبيعة الحياة نفسها؛ إذ يعتبر أنّ "الحياة مؤطّرة

ومنظّمة وفق جدولٍزمني صارمٍتمامًا، وتحت مراقبة مستمرّة؛ فكلّ لحظةٍ من اليوم ترتبط بمهمّةٍ

خاصّة تحدّد وتقابل نوعًا من النشاط، وتحمل معها إكراهاتها والتزاماتها ومحظوراتها". ومن ثمّ،

فإنّ المراقبة ليست وضعًا مصطنعًا في بنى الحياة وممارسات العيش داخلها، بل هي استجابة طبيعية لإكراهاتها. أمّا من حيث تأويل السلطة التي تستمدّ منها السيطرة على الحريات الفردية والجماعية

مشروعيتها (ومنها حرية التعبير على وسائط التواصل الاجتماعي)، فإنّ المبدأ في ذلك يتعلّق بتكيف السلطة مع الضرورات الاجتماعية، ومنها ضمان الأمن بوصفه أولوية أو ضمان النظام الاجتماعي

باعتباره عملية استباقية لكلّ تحوّلٍفوضوي مفاجئ. ولذلك فإنّه يمكن القول مع دولوز إنّه "ليس

للسلطة ماهية، إنّها شيء عملياتي"؛ فلا يمكن توجيه النقد الجذري إلى جوهر السلطة، بما أنّ

المجتمع نفسه في حاجة إلى قوّةٍ ضابطة وناظمة، وهو الذي يبتكرها ويحدّد الكيفيات التي تمّ بها

ممارستها، وذلك ما يشار إليه بالنظام الديمقراطي. في المقابل، فإنّ المراقبة أحد منتجات تطوّر النظامَين السياسي والاقتصادي العالمي؛ ذلك أن

مراقبة وسائط التواصل الاجتماعي ليست إّلا انعكاسًا رقميًا لأساليب السيطرة على حركة الاستهلاك

العالمية من جهة، وحركة النشاط السياسي وامتداداته في الحركات الاحتجاجية السلمية أو في

الجماعات المتطرّفة من جهةٍ أخرى. ولذلك فإنّ "شركات وسائط التواصل الاجتماعي ليست

كيانات رأسمالية فحسب، أي في قدرتها على تحويل وسائط التواصل الاجتماعي إلى سلعة، بل يمكن أن تراقبها الحكومات أيضًا، ويمكن كذلك إعطاء الحكومات الاستبدادية فرصًا جديدة لمراقبة سكّانها والسيطرة عليهم"، فمراقبة البيانات هي امتداد لآليات عمل الأنظمة السياسية في الأصل، أمّا التواصل الاجتماعي فهو الوجه الآخر للعملة السلطوية للنظام الاجتماعي.

و"هذا يعني أنّ منصّات وسائط التواصل الاجتماعي أصبحت مساحاتٍ مركزية لمراقبة النشاط [الاجتماعي والسياسي] وإدارته، وبخاصّة النشاط الذي قد ينظر إليه على أنّه يتحدّى الأنظمة

(82) Trottier, p. 19. (83) Foucault, p. 80. (84) Ibid., p. 127. (85) Deleuze, Foucault , p. 35. (86) Downing, p. 12.

الاجتماعية القائمة أو يزعجها [...] وهي الطرائق التي أصبحت بفضلها شركات وسائط التواصل

الاجتماعي جهاتٍ فاعلة ورئيسة في مراقبة أشكال المعارضة وتقييدها. وبدلًا من أن تكون تلك الوسائط صوت المواطنين والمدافعين عن الديمقراطية وحرية التعبير، شهدنا في السنوات الأخيرة تحوّلًا في الوظيفة المجتمعية المنسوبة إلى هذه الشركات، حيث ينظر إليها على أنها جزء من

شراكةٍ أكثر إحكامًا مع الدولة في الحفاظ على النظام الاجتماعي". هكذا، نشهد ميلاد التحالف

الاستراتيجي بين الدولة الحديثة وشركات التواصل الاجتماعي في استثمار البيانات ومراقبتها، من أجل عولمة الرأسمالية السياسية وجهازها الاقتصادي المبني على تسليع الحياة الاجتماعية وجميع القيم المرتبطة بها. وفي المقابل، تستسلم المجتمعات طواعيةً لعمليات المراقبة، لضمان استمرار تدفّق الحداثة وحياة الرفاهية فيها. بناءً على التشخيص العامّ لاستراتيجيات المراقبة والسيطرة على وساط التواصل الاجتماعي، يمكننا

اقتراح تكتيكات لمقاومة تلك الاستراتيجيات في ثلاث نقاط: • تكتيك التعلّم المضادّ يذكّرنا الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلوبونتي بأن "العالم هو ما نراه، ومع ذلك يجب أن نتعلّم رؤيته"؛ أي إنّ التعلّم مقاوم لبداهة الرؤية. وفي سياق هذا المعنى، فإنّ التكنولوجيات المستخدمة في وسائط التواصل الاجتماعي تتطوّر بفضل استراتيجية التعلمّ المستمرّ. فالطرائق الرقابية في تلك

الوسائط ناتجة من الاستثمار في الثغرات الأمنية التي يكشف عنها المستخدمون أحيانًا. ومن ثمّ،

فإنّ تغذية البرمجيات التفاعلية تمّ بأدوات توقّع خطط المستخدمين في الإفلات من المراقبة. ويعتبر

الذكاء الاصطناعي ذروة ذلك الاستثمار الاستراتيجي في التعلّم، بما أنّه يعتمد على البيانات وتدفّقها المستمرّ، فهو بذلك يتعلّم في كلّ مرّة كيف يطوّر استجابته وآليات "تفكيره". وبناء عليه، فإنّه من حيث المبدأ، تصعب مقاومة تلك الاستراتيجية؛ نظرًا إلى اختلال ميزان القوى بين

مستخدمين، أغلبهم لا يملك معرفة بالبرمجة وشركات التواصل الاجتماعي التي تمتلك حقّ الوصول

إلى بياناتٍ ذات تدفّقٍهائل. غير أنّ الإمكانية المتاحة هي "تكتيك التعلّم المضاد"؛ أي المناورة بالذكاء الطبيعي من خلال المواجهة بالبيانات التي لا تستطيع البرمجيات تعلّمها، مثل استخدام اللغة الطبيعية التي تتعدّد فيها الدلالة مقابل اللفظ الواحد. فاللغة العربية مثلًا تتوفّر على أكثر من اثني عشر مليونًا من

الكلمات؛ ولذلك فإنّ استخدام هذا القاموس الثري يسهّل عمل مقاومة المراقبة، من خلال استثمارٍ

عميق ومركّب للكلمات وتوسيع دائرة استعمالها في منصّات التواصل الاجتماعي، على غرار ما يجري

في لعبة الكلمات المتقاطعة؛ لأنّ تنميط الاستخدام اللغوي يؤدّي حتمًا إلى تعزيز قدرة خوارزميات

وسائط التواصل الاجتماعي على السيطرة على المنشورات، تتبعها السيطرة على الآراء والمشاعر والاتجاهات.

(87) Dencik & Leistert (eds.), p. 6. (88) Maurice Merleau–Ponty, Le visible et l’invisible (Paris: Gallimard, 1964), p. 18.

• تكتيك تدريبات التحمّل إنّ الانخراط في عالم المراقبة نابع من هشاشة القدرة على التخلّي عن الارتباط "المرضي" بوسائل التواصل الاجتماعي، في مقابل استعمار البيانات الذي تغذّيه الرغبة الفائقة بالإشباع التواصلي. يسيطر عالم المراقبة على الثنائية القطبية (الاتصال/ قطع الاتصال) Connect/ Disconnect؛ وهو ما يعني محاصرة الإرادة الحرّة التي تمثّل إحدى أهمّ بنى الكينونة الإنسانية. ولهذا، فإنّ تكتيك التحمّل يهدف

إلى تحمّل مشقّة انقطاع الاتصال إلى غاية الوصول إلى حالة الكينونة الخالية من الارتباط القسري

بعوالم الاتصال الاجتماعي. وتمثّل هذا الحالة شفاءً من مرض "الاتصال المزمن". ويمكن أن ينشأ هذا

التكتيك في شكل مؤسّساتي على غرار الجيوش والمؤسّسات التعليمية والاقتصادية. ويبدأ هذا التدريب

من اختبار تلك الإرادة الحرّة أمام الاختبار البسيط الذي يسمّيه ميشال ألتشانينوف "النقر أم المقاومة؟"

Cliquer ou résister?، فبرامج الاختراق والمراقبة والسيطرة تستمدّ قوّتها من القدرة على رصد رغبات

المستخدمين وتوقّع تطلّعاتهم، وكذا الاستثمار في هشاشة التحمّل لدى الإنسان في مجتمعات الرفاهية

المعاصرة باعتبارها من أمراض الحداثة أيضًا. ولذلك، عمدت بعض الدول على مستوى مؤسّساتي إلى

سنّ قوانين تحظر بعض وسائط التواصل الاجتماعي، مثلما فعلت الولايات المتحدة مع تيك توك. • تكتيك المكان الثالث من حيث المبدأ، فإنّ مجرّد الولوج إلى شبكة الإنترنت يؤدّي إلى الانكشاف الكلّي لموقع المستخدم؛

وهو ما يؤدّي إلى جمع مزيدٍ من البيانات عنه. إنّ هذا الانكشاف المكاني ليس وليد تطوّر التكنولوجيات

الحديثة فحسب، بل هو أيضًا نتيجة أزمةٍ إنسانية نشأت منذ الفكر الحديث؛ هي أزمة "الأنا المقتلع من كلّ مكان". وليس الطابع الافتراضي لوسائط التواصل الاجتماعي إّلا عملية مضاعفة لتلك الأزمة، ف "ما تغير مع التكنولوجيات الحديثة ليس فكرة المكان فقط، بل ما تغير هو المكان نفسه". ولذلك فإنّ المراقبة التي تمارسها هذه الوسائط هي عملية تشويه لطبيعة المكان. وفي المقابل، فإنّ تكتيك

المكان الثالث قائم على تعزيز ثقافة مكانية تدفع المستخدمين إلى عملية استحضارٍ واعية للمكان الثالث الذي هو مكان تخزين البيانات في محاولة لمقاومة تحوّل التواصل الطبيعي بين طرفين أو أكثر

إلى بيانات لطرفٍ ثالث؛ أي مقاومة عملية التحوّل إلى بيانات Datafication. ولذلك، فإنّ استخدام

الشبكات الداخلية، أو المحلية Local Network من أجل التواصل، يعدّ جزءًا من تكتيك المكان

الثالث، بحيث يوفّر ملاذًا آمنًا للتواصل المؤسّساتي أو الشخصي.

References

المراجع

Aïm, Olivier. Les Théories de la surveillance, du panoptique aux surveillance studies. Paris: Armand Colin, 2020.

(89) Michel Eltchaninoff, "Cliquer ou résister?" Philosophie Magazine , no. 133 (Octobre 2019), p. 54. (90) Marcello Vitali Rosati, Corps et virtuel, itinéraires à partir de Merleau–Ponty (Paris: L’Harmattan, 2009), p. 150. (91) Ibid., p. 153.

Bauman, Zygmund & David Lyon. Liquid Surveillance: A Conversation. Cambridge, MA: Polity Press, 2013. Bentham, Jeremy. The Panopticon Writings. London: Verso, 1995. Bollinger, Lee C. & Stone Geoffrey R. Social Media, Freedom of Speech and the Future of our Democracy. New York: Oxford University Press, 2022. Clarke, Roger. "Information Technology and Dataveillance." Journal Communication of the ACM. vol. 31, no. 5 (May 1988). Couldry, Nick & Ulises A Mejas. The Costs of Connection: How Data is Colonizing Human Life and Appropriating it for Capitalism. Stanford, CA: Stanford University Press, 2019. Deleuze, Gilles. Foucault. Paris: Minuit, 2004. ________. "Les sociétés de contrôle." EcoRev’. vol. 46, no. 1 (Hiver 2018) Dencik, Lina & Olivier Leistert (eds.). Critical Perspectives on Social Media and Protest, between Control and Emancipation. London/ New York: Rowman & Littlefield, 2015. Downing, Joseph. Critical Security Studies in the Digital Age, Social Media and Security. Cham: Palgrave Macmillan, 2023. Eltchaninoff, Michel. "Cliquer ou résister?" Philosophie Magazine. no. 133 (Octobre

Foucault, Michel. Surveillance et punir: Naissance de la prison. Paris: Gallimard, 1975. Gutsche Jr, Robert E. Media Control: News as an Institution of Power and Social Control. New York: Bloomsbury Publishing Inc, 2015. Herbert, David & Stefan Fisher–Høyrem (eds.). Rethinking Social Media and Social Order. Berlin/ Warsaw: De Gruyter, 2021. Isin, Engin, Evelyn Ruppert. Being Digital Citizens. London/ New York: Rowman & Littlefield, 2020. Kaelin, Lukas, Andreas Telser & Ilaria Hope (eds.). Bubbles & Bodies – Neue Öffentlichkeiten, zwischen sozialen Medien und straßenprotesten, Interdisziplinäre Erkundungen. Bielefeld: Transcript Verlag, 2021. Lamoureaux, Edward Lee. Privacy: Surveillance and the New Media you. New York: Peter Lang, 2016. Leistert, Olivier. From Protest to Surveillance: The Political Rationality of Mobile Media, Modalities of Neoliberalism. Frankfurt Main: Peter Lang, 2013. Leitch, Shirley & Paul Pickering (eds.). Rethinking Social Media and Extremism. Canberra: Australian National University Press, 2022. Lyon, David. "Surveillance Culture: Engagement, Exposure and Ethics in Digital Modernity." International Journal of Communication. vol. 11 (January 2017). ________. The Electronic Eye, The Rise of Surveillance Society. Minneapolis: University of Minneapolis, 1994.

Manahan, Torin & David Murakami Wood (eds.). Surveillance Studies, a Reader. New York: Oxford University Press, 2018. Marwick, Alice E. The Private is Political: Networked Privacy and Social Media. New Haven, CT: Yale University Press, 2023. Marx, Gary T. Windows into the Soul: Surveillance and Society in an Age of High Technology. Chicago: The University of Chicago Press, 2016. Merleau–Ponty, Maurice. Le visible et l’invisible. Paris: Gallimard, 1964. Rosen, Devan (ed.). The Social Media Debate, Unpacking the Social, Psychological and Cultural Effects of Social Media. New York: Routledge, 2022. Samuelsson, Lars et al. (eds.). Everyday Life in the Culture of Surveillance. Göteborg: Nordicom, University of Gothenburg, 2023. Signorelli, Paul. Change the World Using Social Media. Lanhan, MD: Rowman & Littlefield, 2021. Sloan, Luke & Anabel Quan–Haase (eds.). The Sage Handbook of Social Media Research Methods. London: Sage Publications, 2017. Taylor, Charles. Modern Social Imaginaries. Durham, NC/ London: Duke University Press, 2004. Trottier, Daniel. Social Media as Surveillance: Rethinking Visibility in a Converging World. New York: Routledge, 2016. Tunick, Mark. Balancing Privacy and Free Speech, Unwanted Attention in the Age of Social Media. London, New York: Routledge, 2015. Wachler, Brian Boxer. Influenced, the Impact of Social Media on our Perception. Lanhan, MD: Rowman & Littlefield, 2022. Weissman, Jeremy. The Crowdsourced Panopticon: Conformity and Control on Social Media. Lanhan, MD: Rowman & Littlefield, 2021. Zuboff, Shoshana. "Entretien avec Martin Legros." Philosophie Magazine. no. 133 (September 2019). ________. The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power. New York: Public affairs, 2019.